Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٦١
سنة ١٦٦
٥١٥/٣
قال عبد الله بن عمر: وحدّثنى جعفر بن أحمد بن زيد العلوىّ، قال:
قال ابن سلاّم: وهب المهدىّ لبعض ولد يعقوب بن داود جاريةً، وكان بضعف(١)
قال : فلمّا كان بعد أيام ، سأله عنها ، فقال : يا أميرَ المؤمنين؛ ما رأيتُ
مثلها ، ما وضعتُ بينى وبين الأرض مطيّةً أوطأ منها حاشا سامع . فالتفت
المهدىّ إلى يعقوب ، فقال له : من تراه يَعْنى ؟ يعنينى أو يعنيك ؟ فقال له
يعقوب : من كلّ شيء تحفظ الأحمقَ إلا من نفسه .
وقال علىّ بن محمد النوفلىّ: حدّثّنى أبى ، قال : كان يعقوب بن داود
يدخلُ على المهدىّ فيخلو به ليلاً يحادثه ويسامره ؛ فبينما هو ليلةً عنده ؛
وقد ذهب من الليل أكثرُه ، خرج يعقوب من عنده ، وعليه طيلسان مصبوغ
هاشمىّ ؛ وهو الأزرق الخفيف؛ وكان الطّيْلسان قد دق دقًّاً شديداً فهو.
يتقعقع (٢)، وغلام آخذ بعنان دابّة له شهباء(٣) ، وقد نام الغلام ، فذهب
يعقوب يسوّى طيلسانَه فتقعقع، فنفر البِرْذونُ، ودنا منه يعقوب ، فاستدبره
فضربه ضربة على ساقه فكسرها ، وسمع المهدىّ الوجبةَ، فخرج حافيًا ؛ فلما
رأى ما به أظهر الجزع والفَزّع ، ثم أمر به فحمل فى كرسىّ إلى منزله ، ثم
غدا عليه المهدىّ مع الفجر ؛ وبلغ ذلك الناس ، فغدَوْا عليه ، فعاده
أيامًا ثلاثة متتابعة، ثم قعد عن عيادته (٤)، وأقبل يرسل (٥) إليه يسأله عن حاله ؛
فلما فتَقد وجهه ، تمكن السعاة من المهدىّ ، فلم تأتٍ عليه عاشرة حتى أظهر
السّخط عليه ، فتركه فى منزله يعالج ، ونادى فى أصحابه : لا يوجد
أحدٌ عليه طيلسان يعقوبىّ، وقلنسوة يعقوبية إلاّ أخذت ثيابُه . ثم أمر بيعقوب
فحبس فى سجن نصر .
٥١٦/٣
قال النوفلىّ: وأمر المهدىّ بعزْل أصحاب يعقوب عن الولايات فى الشَّرْق
والغرب ، وأمر أن يؤخذ أهلُ بيته ، وأن يُحبَُوا ففعل ذلك بهم .
وقال علىّ بن محمد: لما حبيس يعقوب بن داود وأهل بيته ، وتفرَّق عماله
(١) ج :. ((لضعف)). ا: ((يضعف)). (٢) يتقعقع، أى يحدث صوتاً.
:
(٣) أ: ((أشهب)).
(٥) ج: ((وارسل)).
(٤) ج: ((عادته)).
تاريخ الطبرى - ثامن
١٦٢
سنة ١٦٦
واختفوا وتشرّدوا، أذكر المهدىّ قصّته وقصة إسحاق بن الفضل، فأرسل إلى
إسحاق ليلا وإلى يعقوب ، فأتِىّ به من محبسه ، فقال: ألم تخبرنى بأنّ
هذا وأهل بيته يزعمون أنّهم أحق بالخلافة منا أهل البيت؛ وأن لهم الكبر
علينا! فقال له يعقوب: ما قلتُ لك هذا قطّ، قال: وتكذّبنى وتردّ علىّ"
قولى ! ثم دعاله بالسّياط فضربه اثنى عشر سوطًا ضربًا مبرّحًا، وأمر به فرُّدّ
إلى الحبس .
قال : وأقبل إسحاق يحلف أنه لم يقُلْ هذا قط، وأنه ليس من شأنه. وقال
فيما يقول : وكيف أقول هذا يا أمير المؤمنين، وقد مات جدّى فى الجاهليّة وأبوك
الباقى بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ووارثه! فقال: أخرجوه، فلما كان من
الغد دعا بيعقوب ، فعاوده الكلام الذى كلمه فى ليلته، فقال : يا أميرَ المؤمنين،
لا تعجل على حتى أذكِّرك، أتذكر وأنت فى طارمة (١) على النّهر؛ وأنت فى
البستان وأنا عندك؛ إذ دخل أبو الوزير - قال علىّ: وكان أبو الوزير خَيْنَ
يعقوب بن داود على ابنة صالح بن داود - فخبّرك هذا الخبر عن إسحاق ؟
قال : صدقت يا يعقوب، قد ذكرتُ ذلك، فاستحى المهدىّ، واعتذر إليه
من ضربه ، ثم ردّه إلى الحبس ، فمكث محبوسًا أيام المهدىّ وأيام موسى كلّها
حتى أخرجه الرّشيد بميله كان إليه فى حياة أبيه .
٥١٧/٣
وفيها خرج موسى الهادى إلى جُرجان ، وجعل على قضائه أبا يوسف
يعقوب بن إبراهيم .
وفيها تحوّل المهدىّ إلى عيساباذ فنزلها ، وهى قصر السلامة ، ونزل الناس
بها معه ، وضرب بها الدنانير والدراهم .
وفيها أمر المهدى بإقامة البريد بين مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم وبين
مكة واليمن ؛ بغالاً وإبلا؛ ولم يُقَم هنالك بريدٌ قبل ذلك .
وفيها اضطربت خُراسان على المسّب بن زهير ، فولا ها الفضل بن سليمان
(١) الطارمة: بيت من خشب كالقبة، وهو دخيل أعجمى معرب.
١٦٣
سنة ١٦٦
الطوسىّ أبا العباس، وضمّ إليه معها سِجِسْتان ، فاستخلف على سجسْتان
تميم بن سعيد بن دَعْلَج بأمر المهدىّ .
وفيها أخذ داود بن روح بن حاتم وإسماعيل بن سليمان بن مجالد ومحمد
ابن أبى أيوب المكى ومحمد بن طيفور فى الزّندقة، فأقرّوا، فاستتابهم المهدىّ
وخلَّى سبيلَهم ، وبعث بداود بن روح إلى أبيه روح ؛ وهو يومئذ بالبَصْرة
عاملا عليها ، فمنّ عليه ، وأمره بتأديبه .
وفيها قدم الوضّاح الشرَوىّ بعبد اللّه بن أبى عبيد اللّه الوزير - وهو معاوية
ابن عبيد الله الأشعرىّ من أهل الشأم - وكان الذى يسعى به ابن شَبَابة وقد
رُمِىّ بالزندقة . وقد ذكرنا أمره ومقتله قبل .
وفيها ولّى إبراهيم بن يحيى بن محمد على المدينة ؛ مدينة رسول الله صلى الله
عليه وسلم ، وعلى الطائف ومكة عبيد اللّه بن قُثَمَ .
وفيها عزل منصور بن يزيد بن منصور عن اليَمَن ، واستعمل مكانه
عبد الله بن سليمان الربعىّ.
وفيها خَلَى المهدىّ عبد الصمد بن علىّ من حبسه الذى كان فيه .
٥١٨/٣
وحجّ بالناس فى هذه السنة إبراهيم بن يحيى بن محمد .
وكان عامل الكوفة فى هذه السنة على الصلاة وأحداثها هاشم بن سعيد، وعلى
صلاة البصرة وأحداثها رَوْح بن حاتم ، وعلى قضائها خالد بن طَليق، وعلى
كورد جلة وكَسْكر وأعمال البصرة والبَحْرين وكور الأهواز وفارس وكرمان
المعلى مولى أمير المؤمنين، وعلى خراسان وسجستان الفضل بن سليمان الطوسىّ ،
وعلى مصر إبراهيم بن صالح، وعلى إفريقيّة يزيد بن حاتم، وعلى طَبَرِستان
والرَّويان وجُرْجان يحيى الخَرَشىّ. وعلى دَنْباوند وقُومِس فراشة مولى المهدىّ،
وعلى الرّىّ سعد مولى أمير المؤمنين .
ولم يكن فى هذه السنة صائفة ؛ للهُدْنة التى كانت فيها .
١٦٤
ثم دخلت سنة سبع وستين ومائة
ذكر الأحداث التى كانت فيها
فمن ذلك ما كان من توجيه المهدىّ ابنَه موسى فى جَمْع كثيف من
٥١٩/٣ الجُنْد، وجهازلم يُجهّز- فيما ذكر- أحد بمثله، إلى جُرجان لحرب وَنْداهُرْهُز
وشَرْوِين صاحِبَيْ طبرستان ، وجعل المهدىّ حين جهز موسى إليها أبان بن
صدقة على رسائله ، ومحمد بن جميل على جنده ، ونُفَيَعًا مولى المنصور على
حجابته ، وعلىّ بن عيسى بن ماهان على حرسه، وعبد الله بن خازم(١) على
شُرَطه ؛ فوجلَّه موسى الجنود إلى وانداهرمز وشروين، وأمّر عليهم يزيد بن
مَزْيد، فحاصرهما .
وفيها تُؤُفِّىّ عيسى بن موسى بالكوفة ، وولى الكوفة يومئذ رَوْح بن حاتم ،
فأشهد روحُ بن حاتم على وفاته القاضىَ وجماعة من الوجوه، ثم دُفن . وقيل
إنّ عيسى بن موسى توفّىَ وروح على الكوفة، لثلاث بقين من ذى الحجة ،
فحضر رَوْح جنازته ، فقيل له : تقدّم فأنت الأمير ، فقال : ما كان الله
ليَرَى روحا يصلَّى على عيسى بن موسى ؛ فليتقدّم أكبر ولده ، فأبوا عليه
وأبى عليهم ، فتقدم العباس بن عيسى ، فصلّى على أبيه . وبلغ ذلك
المهدىّ ، فغضب على روح ، وكتب إليه :
قد بلغنى ما كان من نُكوصك عن الصّلاة على عيسى ؛ أبنفسك ، أم
بأبيك، أم يجدّك كنت تصلى عليه! أوليس إنما ذلك مقامى لو حضرتُ.
فإذ غبتُ كنتَ أنت أولى به لموضعك من السلطان !
وأمر بمحاسبته ؛ وكان يلى الخراج مع الصّلاة والأحداث .
وتوفّىَ عيسى والمهدىّ واجدٌ عليه وعلى ولده؛ وكان يكره التقدّم عليه لجلالته.
(١) ط ((حازم))، وهو خطأ، صوابه من ا.
١٦٥
سنة ١٦٧
٥٢٠/٣
وفيها جدّ المهدىّ فى طلب الزنادقة والبحث عنهم فى الآفاق وقتلهم، وولى
أمرهم عمر الكلوانىّ ، فأخذ يزيد بن الفيض كاتب المنصور ، فأقر - فيما
ذكر - فحبس ، فهرب من الحبس ، فلم يقدر عليه .
وفيها عزل المهدىّ أبا عبيد اللّه معاوية بن عبيد اللّه عن ديوان الرسائل ،
وولاه الربيع الحاجب ، فاستخلف عليه سعيد بن واقد ؛ وكان أبو عبيد الله
يدخل على مرتبته .
وفيها فشا الموت ، وسعال شديد ووباء شديد ببغداد والبصرة .
وفيها تُوفّىَ أبان بن صدقة بجُرجان، وهو كاتب موسى على رسائله ،
فوجّه المهدىّ مكانه أبا خالد الأحول يزيد خليفة أبى عبيد الله.
وفيها أمر المهدىّ بالزيادة فى المسجد الحرام ؛ فدخلت فيه دور كثيرة.
وولّى بناء ما زيد فيه يقطين بن موسى ، فكان فى بنائه إلى أن توفّىَ المهدىّ .
وفيها عُزل يحيى الحرشىّ عن طبرستان والرُّويان؛ وما كان إليه من تلك
الناحية، وولّتها عمر بن الغلاء، وولَّ جُرجان فراشة مولى المهدىّ، وعزل
عنها(١) يحيى الحرّشىّ.
وفيها أظلمت الدنيا لليالِ بَقين من ذى الحجّة، حتى تعالى النهار.
ولم يكن فيها صائفة ، للهدنة التى كانت بين المسلمين والرّوم .
وحجّ بالناس فى هذه السنة إبراهيم بن يحيى بن محمد وهو على المدينة ،
ثم توفی بعد فراغه من الحج وقدومه المدینة بأیام، وولی مکانه إسحاق بنعيسى
ابن علىّ .
وفيها طُعن عقبةٍ بن سلم الهُنائىّ بعيساباذ ، وهو فى دار عمر بن بزيغ ؛
اغتاله رجل ، فطعنه بخنجر ، فمات فيها .
٥٢١/٣
(١) س: ((فيها)).
١٦٦
سنة ١٦٧
وكان العامل على مكة والطائف فيها عبيد الله بن قُضَم ، وعلى اليمن
سليمان بن يزيد الحارثىّ ، وعلى اليمامة عبد الله بن مُصعب الزَّبيرىّ، وعلى
صلاة الكوفة وأحداثها رَوْح بن حاتم، وعلى صلاة البصرة وأحداثها محمد بن
سليمان، وعلى قضائها عمر بن عثمان التيمىّ، وعلى كور دجلة وكْسكر وأعمال
البصرة والبحرين وُمان وكُور الأهواز وفارس وكَرْمان المعلّى مولى المهدىّ.
وعلى خراسان وسِجِسْتَان الفَضْل بن سليمان الطوسىّ .
وعلى مصر موسى بن مصعب . وعلى إفريقيّة يزيد بن حاتم .
وعلى طبرستان والرُّويان عمر بن العلاء ، وعلى جرجان وَدَنْباوند وقُومِس
فراشة مولى المهدىّ ، وعلى الرّىّ سعد مولى أمير المؤمنين .
١٦٧
ثم دخلت سنة ثمان وستين ومائة
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فمن ذلك ما كان من نقض الرّوم الصّلح الذى كان جرى بينهم وبين
هارون بن المهدىّ الذى ذكرناه قبلُ وغدرِهم ؛ وذلك فى شهر رمضان من هذه
السنة ؛ فكان بين أول الصلح وغدر الروم ونكثهم به اثنان وثلاثون شهراً ؛
فوجَّه علىّ بن سليمان وهو يومئذ على الجزيرة وقنّسرين يزيد بن بدر بن البطّال
فى سَرِيّةٍ(١) إلى الرّوم فغنموا وظفروا.
وفيها وجّه (٢) المهدىّ سعيداً الحرَشىّ إلى طبرستان فى أربعين ألف رجل.
وفيها مات عمر الكلواذىّ صاحب الزنادقة ، وولّىَ مكانه حمد وَيْه ، وهو
محمد بن عيسى من أهل مَيْسان .
٥٢٢/٣
وفيها قتل المهدىّ الزنادقة ببغداد .
وفيها ردّ المهدىّ ديوانه وديوان أهل بيته إلى المدينة ونقله من دمشق إليها.
وفيها خرج المهدىّ إلى نهر الصّلة أسفل واسط - وإنما سُمِّى نهر الضَّلة
فيما ذكر لأنه أراد أن يُقطع أهل بيته وغيرهم غَلّته ؛ يصلهم بذلك .
وفيها ولّى المهدىّ علىّ بن يقطين ديوان زمام الأزمة على عمر بن بزيع.
وذكر أحمد بن موسى بن حمزة ، عن أبيه ، قال : أوّل مَنْ عمل ديوان
الزّمام عمر بن بزيع فى خلافة المهدىّ ؛ وذلك أنّه لماً جُمعت له الدواوين
تفكّر ؛ فإذا هو لا يضبطها إلاّ بزمام يكون له على كلّ ديوان ؛ فاتخذ دواوين
الأزمة ، وولى كل ديوان رجلاً، فكان واليه على زمام ديوان الخراج إسماعيل
ابن صُبيح ؛ ولم يكن لبنى أمية دواوين أزّمة .
وحجّ بالناس فى هذه السنة علىّ بن محمد المهدىّ الذى يقال له ابن رَبْطة.
(١) فى القاموس: ((السرية من خمسة أنفس إلى ثلثمائة أو أربعمائة))، وفى س: ((فى خيل)).
(٢) ج: ((أوفد)).
١٦٨
ثم دخلت سنة تسع وستين ومائة
ذكر الخبر عن الأحداث التى كانت فيها
[ ذكر الخبر عن خروج المهدىّ إلى ماسَبَذان]
فممّا كان فيها من ذلك خروج المهدىّ فى المحرّم إلى ما سَبَذان .
٥٢٢/٣
ذكر الخبر عن خروجه إليها :
#
ذكر أن المهدىّ كان فى آخر أمره قد عزم على تقديم هارون ابنه على ابنه
موسى الهادى ، وبعث إليه وهو بجُرجان بعض أهل بيته ليقطع أمر البيعة ،
ويقدّمُ الرّشيد فلم يفعل، فبعث إليه المهدىّبعض الموالى، فامتنع عليه موسى
من القدوم ، وضرب الرّسول، فخرج المهدىّ بسبب موسى وهو يريده بجُرجان
فأصابه ما أصابه .
وذكر الباهلىّ أن أبا شاكر أخبره - وكان من كتّب المهدیّ على بعض
دواوينه - قال : سأل علىّ بن يقطين المهدىَّ أن يتغدّى عنده ، فوعده أن
يفعل ، ثم اعتزم على إتيان ما سَبذان ؛ فوالله لقد أمر بالرحيل كأنه يُساق
إليها سوقًّا ، فقال له علىّ: يا أميرَ المؤمنين؛ إنك قد وعدتنى أن تتغدَّى
عندى غداً ، قال : فاحمل غَدَاءك إلى النَّهروان . قال : فحمله فتغدى
بالنَّهروان ، ثم انطلق .
وفيها توفّى المهدىّ .
[ ذكر الخبر عن موت المهدىّ ]
ذكر الخبر عن سبب وفاته :
٠
اختلف فى ذلك ، فذكر عن واضح قتَهرمان المهدىّ ، قال : خرج
المهدىّ يتصيّد بقرية يقال لها الرّذّ بماسَبَذان ، فلم أزل معه إلى بعد العصر،
١٦٩
سنة ١٦٩
وانصرفت إلى مضربى - وكان بعيداً من مضربه - فلما كان فى السَّحَر الأكبر
ر کبت لإقامة الوظائف ، فإنى لأسیر فی بریّة ، وقد انفردت عمّن کان معی من
غلمانى وأصحابى ؛ إذ لقينى أسود عريان على قَتَد (١) رَحْل، فدنا منى؛ ثم
قال لى : أبا سهل ، عظم الله أجرك فى مولاك أمير المؤمنين! فهممتُ أن أعلَوَه
بالسّوط ، فغاب من بين يدىّ ؛ فلما انتهيتُ إلى الرَّواق لقينى مسرور ،
فقال لى : أبا سهل، عظم الله أجرك فى مولاك أمير المؤمنين ! فدخلت فإذا أنا
به مسجّى فى قبَّة ، فقلت : فارقتكم بعد صلاة العصر ؛ وهو أسرّ ما كان
حالا وأصحّه بدنً ، فما كان الخبر ؟ قال : طردت الكلابُ ظبيًا ، فلم يزل
يتبعها ، فاقتحم الظبى باب خربة ، فاقتحمت الكلاب خلفه، واقتحم الفرس
خلف الكلاب ، فدُقَ ظهرُه فى باب الخربة ، فمات من ساعته .
٥٢٤/٣
وذكر أن علىّ بن أبى نعيم المروزىّ ، قال : بعثتْ جارية من جوارى
المهدىّ إلى ضَرة لها بلِبا (٢) فيه سمّ ؛ وهو قاعد فى البستان، بعد خروجه من
عيساباذ ، فدعا به فأكل منه ، ففرقت الجارية أن تقول له : إنه مسموم .
وحدثنى أحمد بن محمد الرازىّ، أن المهدىّ كان جالسًا فى عُلِّيَّة فى
قصر بماسَبَذان ، يُشرف من منظرة فيها على سفله ، وكانت جاريته حَسَنة،
قد عمدت إلى كُمَّراتين كبيرتين (٣)، فجعلتهما فى صِينِيَّة، وسّت واحدة
منهما وهى أحسنهما وأنضجهما فى أسفلها ، وردّت القمع فيها، ووضعتها
فى أعلى الصينيَّة - وكان المهدىّ يعجبه الكمثرى - وأرسلت بذلك مع وصيفة
لها إلى جارية للمهدىّ - وكان يتحظَّها - تريد بذلك قتلها، فمرّت الوَصيفة
بالصينيَّة التى فيها تلك الكمثرى، تريد دفعها إلى الجارية التى أرسلتها حسنة
إليها ، بحيث يراها المهدىّ من المنظرة ، فلما رآها ورأى معها الكمثرى ؛
دعا بها، فمدّ يده إلى الكُمتراة التى فى أعلى الصينية وهى المسمومة، فأكلها، فلما
وصلت إلى جوفه صرخ: جوفى! وسمعت حَسَنة الصوت، وأخبرت الخبر، فجاءت
٥٢٥/٣
(١) القتد : من أدوات الرحل .
(٢) اللبأ: أول اللبن.
(٣) ا: ((إلى كمثرى كثير)).
١٧٠
سنة ١٦٩
تلطُم وجهها (١) وتبكى، وتقول : أردت أن أنفرد بك، فقتلتك يا سيّدى! فهلك
من يومه .
وذكر عبد الله بن إسماعيل صاحب المراكب، قال: لما صرنا إلى ماسَبَذان
دنوتُ إلى عنانه، فأمسكت به(٢) وما به علّة؛ فوالله ما أصبح إلا ميِّنًا، فرأيت
حَسَنة وقد رجعت ؛ وإن على قُبّتها المسوح، فقال أبو العتاهية فى ذلك :
نَ عليهنَّ المُسُوحُ(٣)
رُحْنَ فِى الوَشْىِ وَأَصْبَحْ
كل نَطَّاحٍ مِنَ اللَّهْ رٍ له يومُ نَطوحُ(٤)
لَسْتَ بالباقى ولو عُمِّرْتَ ما عُمّرَ نوحُ
كنتَ لا بُدَّ تَنُوحُ
فَعَلى نفسِكَ نُحْ إِن
وذكر صالح القارئ أنّ علىّ بن يقطين، قال: كنّا مع المهدىّ بماسَبَذان
فأصبح يومًاً فقال: إنى أصبحت جائعًا ، فأتِىَ بأرغفة ولجم بارد مطبوخ بالخلّ ،
فأكل منه ثم قال : إنى داخلٌ إلى البَهْو ونائم فيه، فلا تنبِّهوفى حتى أكون
أنا الذی أنتبه ، ودخل البهوفنام ، ونمنا نحن فى الدار فی الرِّواق؛ فانتبهنا ببكائه؛
فقمنا إليه مسرعين، فقال : أما رأيتم ما رأيت ؟ قلنا: ما رأينا شيئًا ، قال:
وقف على الباب رجل، لو كان فى ألف أو فى مائة ألف رجل ما خفِىَ علىّ ،
فأنشد يقول (٥):
وأَوحَش منه رَبْعُهُ ومنازلُهُ(٦)
كأنَّى بهذا القَصْرِ قدبادَ آهِلُهْ
٥٢٦/٣
وهُلكٍ إلى قبر عليه جنادله
وصار عميدُ القومِ مِنْ بعدِ بهجةٍ
تُنادِى عليه معْوِلاتٍ حلائلهْ
فلم يَبْقَ إِلا ذِكرُهُ وحَديثُهُ
(١) س: ((تلطم على وجهها)).
(٣) الأغانى ٤ : ١٠٣ .
(٤) موضعه فى رواية الأغانى :
(٢) ج: ((فأمسكته)).
نُحْ على نفْسِك يا مِسْ كينُ إِن كنتَ تنوحُ
(٥) س: ((فأنشا))؛ ابن الأثير: ((وقف على الباب رجل فقال)).
(٦) ج: ((مناهله)).
١٧١
سنة ١٦٩
قال : فما أتت عليه عاشرة حتى مات .
وكانت وفاته - فيما قال أبو معشر والواقدىّ- فى سنة تسع وستين ومائة، ليلة
الخميس لثمان بقين من المحرّم ؛ وكانت خلافته عشر سنين وشهراً ونصف
شهر .
٠٠
وقال بعضهم : كانت خلافته عشر سنين وتسعة وأربعين يوماً؛ وتوفّىَ
وهو ابن ثلاث وأربعين سنة .
وقال هشام بن محمد : ملك أبو عبد اللّه المهدىّ محمد بن عبد اللّه سنة
ثمان وخمسين ومائة، فى ذى الحجّة لستّ ليال خلوْن منه؛ فملك عشر سنين
وشهراً واثنين وعشرين يومًا ، ثم توفِىَ سنة تسع وستين ومائة ، وهو ابن ثلاث
وأربعين سنة .
ذكر الخبر عن الموضع الذى دفن فيه ومَنْ صلّى عليه
◌ُذكر أن المهدىّ توفّىَ بقرية من قرى ماسَبذان، يقال لها الرُّذّ ؛ وفى
ذلك يقول بكّار بن رَبَتاح :
أَلا رحمةُ الرحمنِ فى كلِّ ساعَةٍ
على رمَّةٍ رَمَّتْ بِمَاسَبَذانِ
وَكَفَّينِ بالمعروفِ تَبْتَدِرانِ
لقد غَيِّبَ القبرُ الذى تمّسُودَدا
وصلَّى عليه ابنُه هارون؛ ولم توجد له جنازة يُحمل عليها، فحُمل على
باب ، ودفن تحت شجرة جَوْز كان يجلس تحتها .
وكان طويلا مُضَمَّرِ الخَلْق، جَعْدًا. واختُلف فى لونه، فقال بعضهم:
كان أسمر ، وقال بعضهم : كان أبيض .
وكان فى عينه اليمنى - فى قول بعضهم - نُكتة بياض. وقال بعضهم :
کان ذلك بعينه اليسرى .
وكان وُلد بإيذَج .
٥٢٧/٣
١٧٢
سنة ١٦٩
ذكر بعض سير المهدىّ وأخباره
أذكر عن هارون بن أبى عبيد الله، قال: كان المھدیّ إذا جلس للمظالم،
قال : أدخلوا علىّ القضاة؛ فلولم يكن ردًّى للمظالم إلا للحياء منهم لكّفى.
وذكر الحسن بن أبى سعيد ، قال : حدثنى علىّ بن صالح ، قال :
جلس المهدىّ ذات يوم يعطى جوائز تقسم بحضرته فى خاصّته (١) من أهل بيته
والقوّاد ؛ وكان يُقرأ عليه الأسماء ، فيأمر بالزيادة ؛ العشرة الآلاف والعشرين
الألف، وما أشبه ذلك، فعُرِض عليه بعض القوّاد، فقال: يُحَطّ (٢) هذا
خمسمائة ، قال: لم حططَتِى يا أمير المؤمنين ؟ قال : لأنى وجهتُك إلى عدوٍّ
لنا فانهزمت . قال : كان يسرّك أن أقتل ؟ قال : لا ، قال : فوالذى
أكرمك بما أكرمك به من الخلافة لو ثَبَتُّ لقتلت ، فاستحيا المهدىّ منه ،
وقال : زده خمسة آلاف .
قال الحسن : وحدثنى علىّ بن صالح ، قال : غضب المهدىّ على بعض
القوّاد - وكان عتَتَب عليه غير مرة - فقال له: إلى متى تذنب إلىّ وأعفو ؟
قال: إلى أبد (٣) نسىء، ويبقيك اللّه فتعفوعنا؛ فكررها (٤) عليه مرات،
فاستحيا منه ورضى عنه (٥) .
٥٢٨/٣
وذكر محمد بن عمر ، عن حفص مولى مُزينة ، عن أبيه ، قال : كان
هشام الكابی صدیقًا لی ، فكنّا نتلاقى فنتحدث ونتناشد ؛ فكنت أراه فى حال
رثة وفى أخلاق (٦) على بغلة هزيل(٧)، والضُّر فيه بيِّن وعلى بغلته؛ فما راغنى
ء
إلاّ وقد لقينى يوماً على بغلة شقراءَ من بغال الخلافة، وسَرْج ولحام من
سروج الخلافة ولُجُمها ، فى ثياب جياد ورائحة طيِّبة، فأظهرتُ السرور ،
ثم قلت له : أرى نعمة ظاهرةً ، قال لى : نعم، أخبرك عنها ، فاكتم؛ فبينما
(١) س: ((خاصه)).
(٢) ج: ((يحبط)).
(٣) س: ((أبداً)).
(٤) س: ((يكررها)).
(٥) س: ((فعفا عنه)).
(٦) ثوب أخلاق : إذا كانت الخلوقة بينة فيه كله .
(٧) هزيل، على فعيل مما يستوى فيه المذكر والمؤنث.
١٧٣
سنة ١٦٩
أنا فى منزلى منذ أيام بين الظهر والعصر؛ إذ أتانى رسول المهدى فسرت(١) إليه،
ودخلت عليه وهو جالس خال ليس عنده أحد ؛ وبين يديه كتاب ، فقال :
ادنُ يا هشام ، فدنوتُ فجلست بين يديه ، فقال : خذ هذا الكتاب فاقرأه .
ولا يمنعك (٢) ما فيه مما تستفظعه أن تقرأه. قال: فنظرت فى الكتاب ؛ فلما
قرأت بعضَه استفظعتُه، فألقيته من يدى(٣)، ولعنت كاتبه ، فقال لى: قد
قلت لك: إن استفظعتَه فلا تُلقِه؛ اقرأه بحقى عليك حتى تأتى على آخره (٤) !
قال : فقرأته فإذا كتاب قد ثلبه فيه كاتبه ثلْبًا عجيبًا ، لم يبق له فيه شيئًا ،
فقلت : يا أميرَ المؤمنين، مَنْ هذا الملعون الكذاب ؟ قال : هذا صاحب
الأندلس ، قال : قلت : فالثاب والله يا أمير المؤمنين فيه وفى آبائه وفى أمهاته .
قال : ثم اندرأت (٥) أذكر مثالبهم، قال: فسُرَّ بذلك، وقال: أقسمت
عليك لما أمللت مثالبهم كلها على كاتب . قال : ودعا بكاتب (٦) من كتاب
السرّ (٧)، فأمره فجلس ناحية ، وأمرنى فصرت إليه ، فصدّر الكاتب من
المهدىّ جوابًا، وأمللتُ عليه مثالبهم فأكثرت ؛ فلم أبْقِ شيئًا حتى فرغتُ
من الكتاب ، ثم عرضتُه عليه ، فأظهر السرور ، ثم لم أبرح حتى أمر بالكتاب
فخُتِمِ ، وجُعل فى خريطة ، وُدفع إلى صاحب البريد ، وأمر بتعجيله إلى
الأندلس. قال: ثم دعا بمنديل فيه عشرة أثواب من جياد الثياب وعشرة آلاف
درهم، وهذه البغلة بسرجها ولجامها، فأعطانى ذلك، وقال لى: اكتم ما سمعت.
٥٢٩/٣
قال الحسن: وحدّثنى مسوّر بن مساور، قال: ظلمنى وكيل للمهدىّ(٨))
وغصبَى ضَيْعَةً لى، فأتيت سلاَّما صاحب المظالم، فتظلمت منه وأعطيته
رقعة مكتوبة ، فأوصل الرّقعة إلى المهدىّ، وعنده عمُّه العباس بن محمدّ وابن
عثلاثة وعافية القاضى. قال: فقال لى المهدىّ: ادنُهْ ، فدنوت ، فقال:
ما تقول ؟ قلت : ظلّمتَنى، قال : فترضى بأحد هذين؟ قال : قلت: نعم،
(١) س: ((فصرت)).
(٣) ج: ((.بین یدی)).
(٥) اندرأت : اندفعت .
(٧) ج: ((النثر)).
(٢) س: ((لا أمنعك)).
(٤) ج: ((عليه)).
(٦) س: ((كاتباً)).
(٨) س: ((وكيل المهدى)).
٠١٧٤
سنة ١٦٩
قال : فادنُ منى ، فدنوت منه حتى التزقت بالفراش ، قال : تكلّم ، قلت :
أصلح الله القاضى! إنه ظلمنى فى ضيعتى هذا ، فقال القاضى : ما تقول
يا أمير المؤمنين ؟ قال : ضيعتى وفى يدى ، قال : قلت : أصلح الله القاضى!
سَلْهُ؛ صارت الضيعة إليه قبل الخلافة أو بعدها؟ قال : فسأله : ما تقول
يا أمير المؤمنين ؟ قال : صارت إلىّ بعد الخلافة . قال : فأطلقها له ،
قال : قد فعلت، فقال العبّاس بن محمد: والله يا أمير المؤمنين لذا المجلس
أحبّ إلىّ من عشرين ألف ألف درهم .
٥٣٠/٣
قال : وحدّثّنى عبد الله بن الربيع ، قال: سمعتُ مجاهداً الشاعر يقول :
خرج المهدىّ متنزّهًا ، ومعه عمر بن بزيع مولاه ، قال : فانقطعنا عن العسكر،
والنّاس فى الصيد ، فأصاب المهدىّ جوع، فقال: ويحك! هل من شىء ؟
قال : ما من شىء ، قال: أرى كوخًا وأظنّها مبقلة ، فقصدنا قصدَه ، فإذا
نَبَطِىّ فى كوخ ومبقلة ، فسلّمنا عليه ، فردّ السلام، فقلنا له : هل عندك
شىء نأكل ؟ قال: نعم عندى رُبَيْتاء (١) وخبز شعير، فقال المهدىّ: إن
كان عندك زيت فقد أكملتَ ، قال : نعم ، قال : وكرّاث ؟ قال : نعم ،
ما شئت وتمر . قال : فعدا نحو المبقلة، فأتاهم ببقْل وكُرّاث وبصل ،
فأكلا أكلا كثيراً، وشبعا ، فقال المهدىّ لعمر بن بزيع: قل فى هذا شعراً،
فقال :
تٍ وَخُبزَ الشعير بالْكُرّاتِ
إِنَّ مَنْ يُطْعِمُ الرُبَيْثاءَ بالزَّدـ
فيِ لِسوءِ الصَّنيعِ أَوْ بِثَلاثِ
لحقيقٌ بِصَفْعَةٍ أَو بِئِنْتَهْ
فقال المهدىّ : بئس ما قلت ، ليس هكذا ...
لحقيقٌ بِبَدْرَةٍ أَوْ بِيِنتَيْ نِ لحسْنِ الصَّنِيعِ أَوْ بِثَلاثٍ
قال: ووافى العسكر والخزائن والخدم فأمر الشَّبَطىّ بثلاث بِدَر وانصرف.
وذكر محمد بن عبد الله، قال: أخبرنى أبو غانم ، قال : كان زيد
(١) فى حاشية ط: ((وهو نوع من الصحناة))، وفى القاموس: ((الصحناء والصحنة:
إدام يتخذ من السمك الصغار مشه مصلح للمعدة)) .
١٧٥
سنة ١٦٩
الهلالىّ رجلاً شريفاً سخياً مشهوراً من بنى هلال ؛ وكان نقشُ خاتَمه :
((أفلح يا زيد مَن زَكَا عمله))، فبلغ ذلك المهدىّ، فقال زيد الهلالى":
زَيْدُ الهِلاَلِىّ نقش خاتمه أفْلَح يا زيدُ من زكا عمَلُهْ (١)
قال : وقال الحسن الوصيف : أصابتنا ريح فى أيام المهدىّ حتى ظننا
أنها تسوقنا إلى المحْشر ، فخرجتُ أطلب أميرَ المؤمنين ، فوجدته واضعًا خدّه
على الأرض ، يقول : اللهمّ احفظ محمداً فى أمّته، اللهمّ لا تُشمت بنا
أعداءنا من الأمم ، اللهمّ إن كنت أخذت هذا العالم بذنبى فهذه ناصيتي بين
يديك ؛ قال : فما لبثنا إلا يسيراً حتى انكشفت الريح وانجلى ما كنا فيه .
٣ /٥٣١
وقال الموصلى : قال عبد الصمد بن علىّ: قلت للمهدىّ: يا أميرَ المؤمنين،
إنا أهلَ بيت قد أشرب قلوبُنا حبَّ موالينا وتقديمهم ؛ وإنك قد صنعت
من ذلك ما أفرطتَ فيه ؛ قد ولَّيتَهم أمورك كلّها ، وخصصتهم فى ليلك
ونهارك ، ولا آمن تغيير قلوب جندك وقوّادك من أهل خُراسان ، قال :
يا أبا محمد، إنّ الموالىَ يستحقّون ذلك؛ وليسْ أحدٌ يجتمع لى فيه أن أجلس
للعامّة فأدعُوَ به فأرفعه حتى تحكّ ركبتُه ركبتى ، ثم يقوم من ذلك المجلس،
فأستكفيه سياسةَ دابتى ، فيكفيها ، لا يرفع نفسهُ عن ذلك إلاّ موالىّ هؤلاء ،
فإنهم لا يتعاظمهم ذلك ؛ ولو أردت هذا من غيرهم لقال : ابن دولتِك
والمنقدّم فى دعوتك، واين مَنْ سبق إلى بيعتك (٢)، لا أُدفَّعه عن ذلك.
قال علىّ بن محمد : قال الفضل بن الربيع : قال المهدىّ لعبد الله بن
مالك : صارعْ مولاى هذا، فصارعه؛ فأخذ بعنقه (٣)، فقال المهدىّ: شدّ،
فاما رأى ذلك عبدُ اللّه أخذ برجله فسقط على رأسه فصرعه . فقال عبد اللّه
للمهدىّ: يا أميرَ المؤمنين، قمتُ من عندك وأنا أحبّ الناس إليك (٤)، فلم
تزّلْ علىّ مع مولاك . قال : أما سمعت قول الشاعر (٥):
(١) ورد هذا البيت فى ط مجرفاً على هيئة النثر، وصوابه من ا.
(٢ - ٢) كذا فى اوفى ط: ((أين وليك والمتقدم فى دعوتك، وابن من سبق إلى دعوتك)):
(٤) ج: ((عندك)) .
(٣) ج: ((بعضله)) .
(٥) ج: ((أما سمعت للشاعر)).
١٧٦
٥٣٢/٣
سنة ١٦٩
وَمَوْلَاكَ لا يُهْضَْ لديْكَ فإِنما مضيمةُ مولى القوم جَدْعُ المناخِر
قال أبو الخطاب: لما حضرت القاسمَ بن مجاشع التميمىّ- من أهل مسَرْو
بقرية يقال لها باران - الوفاةُ أوصى إلى المهدىّ، فكتب: {شَهِدَ الله أَنَّهُ
لَا إِلَهَ إِلَّ هُوَ والْمَلاَئِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ
الْعَزِيز الحكيم * إِنَّ الدِّينَ عِنْدِاللهِ الإِسلامُ ... ﴾ (١)، إلى آخر الآية. ثم
كتب: والقاسم بن مجاشع يشهدُ بذلك، ويشهدُ أنَّ محمداً عبده ورسوله صلى الله
عليه وسلم ، وأن علىّ بن أبى طالب وصىُّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ووارث
الإمامة بعده . قال : فعُرِضت الوصية على المهدىّ ، فلما بلغ هذا الموضع
رمى بها ولم ينظر فيها (٢). قال أبو الخطاب: فلم يزل ذلك فى قلب أبى عبيدالله
الوزير ؛ فلما حضرته الوفاة كتب فى وصيته هذه الآية .
قال : وقال الهيثم بن عدىّ: دخل على المهدىّ رجلٌ ، فقال :
يا أميرَ المؤمنين؛ إن المنصور شتمنى وقذف أمِّى؛ فإما أمرتنى أن أحِلَّه؛ وإلاّ
عوّضتَنى واستغفرت اللّه له . قال: ولم شتمك؟ قال: شتمتُ عدوّه بحضرته ؛
فغضب، قال : ومَنْ عدُوّه الذى غضب لشتمه؟ قال: إبراهيم بن عبد الله
ابن حسن ، قال: إن إبراهيم أمسّ به رَحِمًا وأوجب عليه حقًّا ، فإن كان
شتمك كما زعمتَ ، فعن رَحِمِه ذبّ، وعن عِرْضه دفع ؛ وما أساء من انتصر
لابن عمه . قال : إنه كان عدوًّا(٣) له، قال: فلم ينتصر للعداوة؛ وإنما
انتصر للرَّحِيم؛ فأسكت الرجل، فلما ذهب ليولّى، قال : لعلك أردت أمراً
فلم تجد له ذريعة عندك أبلغَ من هذه الدعوى! قال : نعم ، قال : فتبستم
وأمر (٤) له بخمسة آلاف درهم.
٥٣٣/٣
قال : وأتِىَ المهدىّ برجل قد تنبّأ، فلما رآه ، قال : أنت نبيّ ؟ قال :
نعم ، قال: وإلى مَنْ بُعثت ؟ قال : وتركتمونى أذهب إلى من بعثت إليه !
(١) سورة آل عمران ١٨، ١٩.
(٣) ج: ((عدو الله)).
(٢) س: ((إليها)).
(٤) س: ((ثم أمر)).
١٧٧
سنة ١٦٩
وُجّهت بالغداة فأخذتمونى بالعشىّ، ووضعتمونى فى الحبس! قال : فضحك
المهدىّ منه ، وخلى سبيله .
وذكر أبو الأشعث الكندىّ ، قال : حدّثّنى سليمان بن عبد الله ، قال:
قال الرّبيع : رأيتَ المهدىّ يصلّى فى بهوٍ له فى ليلة مُقْمرة؛ فما أدرى أهو
أحسن ، أم البهو ، أم القمر ، أم ثيابه ! قال : فقرأ هذه الآية :
﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِى الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْ حَامَكُمْ﴾(١)،
قال : فتمّ صلاته والتفت إلىّ فقال: يا ربيع، قلت : لبيك يا أمير المؤمنين،
قال: علىّ بموسى، وقام إلى صلاته، قال: فقلت: مَنْ موسى ؟ ابنه
موسى ، أو موسى بن جعفر ، وكان محبوسًا عندى ! قال : فجعلت أفكّر ،
قال : فقلت : ما هو إلا موسى بن جعفر ، قال : فأحضرته ، قال : فقطع
صلاته ، وقال : يا موسى، إنى قرأت هذه الآية: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ
أَنْ تُفْسِدُوا فِى الأَرْضِ وَتُقْطِّعوا أَرْحَامَكم﴾(١)، فخفت أن أكون قد قطعتُ
رَحمِك، فوَثِّقْ لى أنك لا تخرج علىّ. قال: فقال: نعم، فوثَّق له وخلّه.
وذكر إبراهيم بن أبى علىّ ، قال : سمعت سليمان بن داود ، يقول : سمعت
المهدىّ يحدثنا (٢) فى محراب المسجد على اللحن اليتيم(٣): ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ
أُوتُوا نَصِيباً مِن الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالجبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾(٤)، فى سورة النّساء.
٥٣٤/٣
وذكر علىّ بن محمد بن سليمان ، قال : حدثنى أبى ، قال : حضرتُ
المهدىّ وقد جلس للمظالم ، فتقدّم إليه رجل من آل الزبير ؛ فذكر ضيعة
اصطفاها عن أبيه بعضُ مُلرك بنى أميَّة، ولا أدرى: الوليد، أم سليمان ! فأمر
أبا عبيد اللّه أن يُخرِج ذِكْرَها من الديوان العتيق، ففعل، فقرأ ذكرها على
المهدىّ ؛ وكان ذلك أنها عُرضت على عِدّة منهم لم يروا ردّها ؛ منهم عمر
ابن عبد العزيز، فقال المهدىّ: يا زبيرىّ ، هذا عمر بن عبد العزيز ؛ وهو
منكم معشر قريش كما علمتم لم يَرَ ردّها ، قال: وكلّ أفعال عمر تُرْضَى ؟
(١) سورة محمد ٢٤ .
(٢) كذا فى ا، وفى ط: ((يحدربنا)).
(٣) كذا فى ط، وفى ١: على لحن خداش اللحن اليتيم))، وفى ج: ((لحن خداش المتيم))،
(٤) سورة النساء ٥١ .
وهو غير واضح .
تاريخ الطبرى - ثامن
١٧٨
سنة ١٦٩
قال: وأىّ أفعاله لا تُرضى؟ قال: منها أنه كان يفرض للسّقط (١) من بنى
أمية فى خِرَقِه فى الشّرف من العطاء، ويفرض للشيخ من بنى هاشم فى ستين .
قال : يا معاوية أكذلك كان يفعل عمر ؟ قال : نعم ؛ قال : اردُدْ على
الزَّبيرىّ ضيعتَه .
وذكر عمر بن شبّة أن أبا سلمة الغفارىّ حدّثه ، قال : كتب المهدىّ
إلى جعفر بن سليمان وهو عامل المدينة أن يحمل إليه جماعة اتُّهِموا بالقَدَر ،
فحمل إلیه رجالا ؛ منهم عبد الله بن أبىعبيدة بن محمد بن عمّار بن ياسر،
وعبد الله بن يزيد بن قيس الهذلى"، وعيسى بن يزيد بن دأب الليثىّ، وإبراهيم
ابن محمد بن أبى بكر الأُسامىّ ؛ فأدخلوا على المهدىّ ، فانبرى له عبد الله
ابن أبى عبيدة من بينهم ؛ فقال : هذا دين أبيك ورأيه ؟ قال : لا ، ذاك
عمى داود . قال : لا، إلا أبوك ، على هذا فارَقنَا وبه كان يدين . فأطلقهم .
وذكر علىّ بن محمد بن سليمان النوفلىّ ، قال: حدّثّنى أبى ، عن محمد
ابن عبد الله بن محمد بن على بن عبد الله بن جعفر بن أبى طالب ، قال :
رأيتُ فيما يرى النائم فى آخر سلطان بنى أمية، كأنى دخلت مسجدَ رسول اللّه
صلى الله عليه وسلم ، فرفعت رأسى، فنظرت فى الكتاب الذى فى المسجد
بالفسيفساء (٢) فإذا فيه : ممّا أمر به أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك؛ وإذا
قائل يقول : يمحُو هذا الكتاب ويكتب مكانه اسمَه رجل من بنى هاشم
يقال له محمد. قال: قلت: أنا محمد، وأنا من بنى هاشم؛ فابن مَنْ؟ قال:
ابن عبد اللّه، قلت: فأنا ابن عبد اللّه، فابن مَنْ؟ قال: ابن محمد ، قلت :
فأنا ابنُ محمد ، فابن مَنْ؟ قال: ابن علىّ، قلت: فأنا ابن علىّ ، فابن
مَنْ؟ قال: ابن عبد اللّه، قلت : فأنا ابن عبد اللّه ؛ فابن مَن؟ قال :
عباس ؛ فلو لم أكن بلغت العبّاس ما شككت أنى صاحب الأمر . قال :
فتحدّثْتُ بهذه الرؤيا فى ذلك الدهر ونحن لا نعرف المهدىّ ؛ فتحدّث النّاس
بها حتى ولِىَ المهدىّ، فدخل مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرفع رأسه
٥٣٥/٣
(١) السقبط : الولد لغير تمام.
(٢) كذا فى اوابن الأثير، والفسيفساء: ألوان من الخرز تركب فى الحيطان.
١٧٩
سنة ١٦٩
فنظر فرأى اسم الوليد، فقال: وإنى لأرى اسم الوليد فى مسجد رسول الله صلى الله
عليه وسلم إلى اليوم، فدعا بكرسىّ فألقى له فى صحن المسجد وقال: ما أنا ببارح
حتى يُمحى ويكتَب اسمى مكانته. وأمر أن يحضر العُمَّال والسلاليم وما يحتاج
إليه ، فلم يبرح حتى غيِّر وكتب اسمه .
وذكر أحمد بن الهيثم القُرّشىّ، قال : حدثنا عبد الله بن محمد بن
عطاء ، قال : خرج المهدىّ بعد هَدْأة من الليل يطوف بالبيت ، فسمع
أعرابيّة من جانب المسجد وهى تقول : قومى مقْتِرون ، نبتْ عنهم العيون ،
وفدحتهم الديون ، وعضّتهم السِّنون ؛ بادت (١) رجالهم ، وذهبت أموالهم ،
وكثر عيالهم ؛ أبناء سبيل ، وأنضاء طريق ؛ وصية اللّه ووصية الرسول ؛ فهل
من آمرٍ (٢) لى بخير، كلأه الله فى سفره، وخلفه فى أهله! قال : فأمر
نُصيراً الخادم ، فدفع إليها خمسمائة درهم .
٥٣٦/٣
وذكر علىّ بن محمد بن سلمان ، قال : سمعتُ أبى يقول : كان أوّل
مَن افترش الطبرىّ المهدىّ؛ وذلك أنّ أباه كان أمره بالمقام بالرّىّ، فَأَهْدِى
إليه الطبرىّ من طَبرِستان ، فافترشه ، وجعل الثلج والخلاف حوله ؛ حتى
فُتح لهم الخَيْش ، فطاب لهم الطبرىّ فيه .
وذكر محمد بن زياد ، قال : قال المفضّل: قال لى المهدىّ: اجمع لى
الأمثال ممّا سمعتتَها من البدو، وما صحّ عندك . قال: فكتبت له الأمثال
وحروبَ العرب مما كان فيها ؛ فوصلنى وأحسن إلىّ .
قال علىّ بن محمد: كان رجل من ولد عبد الرحمن بن سَمُرة أراد الوثوب
بالشأم ، فحمل إلى المهدىّ فخلى سبيلكَه وأكرمه، وقرّب مجلسه . فقال له
يومًا : أنشدْنى قصيدة زُهير التى هى على الراء ، وهى :
(لِمَنِ الدِّيَارُ بِقُنَّةِ الحِجْرِ(٣).
(١) س: ((مات)).
(٢) ج: ((من أمر لى)).
(٣) ديوانه ٨٦، وبقيته :
* أَقْوَيْنَ مِنْ حججٍ ومِنْ دَهْرِ .
١٨٠
سنة ١٦٩
فأنشده ، فقال السَّمُرىّ : ذهب واللّه من يقال فيه مثل هذا الشعر ؛
فغضب المهدىّ واستجهله ، ونحّاه ولم يعاقبه ، واستحمقه الناس .
٥٣٧/٣
وذكر أنّ أبا عون عبد الملك بن يزيد مرض ، فعاده المهدىّ ؛ فإذا منزل
وثّ وبناء سوء؛ وإذا طاق صُفّته التى هو فيها لَبِن. قال: وإذا مضربة (١)
ناعمة فى مجلسه ، فجلس المهدىّ على وسادة ، وجلس أبو عون بين يديه ،
فبرّه المهدىّ، وتوجَّع لعلّته. وقال أبو عون: أرجو عافيةَ اللّه يا أمير المؤمنين؛
وألا يميتنى على فراشِى حتى أقتَل فى طاعتك؛ وإنى لواثق بألاً (٢) أموت حتى
أبْلِيَ اللّه فى طاعتك ما هو أهله؛ فإنا قد رُوّينا . قال : فأظهر له
المهدىّ رأيا جميلا، وقال: أوصنى بحاجتك، وسَاْنى ما أردت ، واحتكم
فى حياتك (٣) ومماتك؛ فوالله لئن عجز مالك عن شىء توصى به لأحتملنه (٤)
كائناً ما كان؛ فقل وأوص. قال: فشكر أبوعون ودعا، وقال : يا أمير المؤمنين؛
حاجتى أن ترضى عن عبد الله بن أبى عون ، وتدعوَ به ، فقد طالت موجدتك
عليه . قال : فقال : يا أبا عون ، إنه على غير الطريق ، وعلى خلاف
رأينا ورأيك ؛ إنه يقع فى الشيخيْن أبى بكر وعمر ، ويسىء القول فيهما .
قال : فقال أبو عون: هو والله يا أميرَ المؤمنين على الأمر الذى خرجنا عليه ،
ودعونا إليه ؛ فإن كان قد بدا لكم فرُونا بما أحببتم حتى نُطيعتكم . قال :
وانصرف المهدىّ، فلما كان فى الطريق قال لبعض مَنْ كان معه من ولده
وأهله(٥): مالكم لا تكونون مثل أبى عون! والله ما كنت أظنُ منزله إلا مبنيًّا
بالذهب والفضة؛ وأنتم إذا وجدتم درهمًا بنيتم بالسّاج والذهب.
وذكر أبو عبد الله، قال : حدثنى أبى ، قال : خطب المهدىّ يومًا،
فقال : عباد اللّه؛ اتقوا الله؛ فقام إليه رجل، فقال: وأنت فاتَّقِ اللّه؛ فإنك
تعمل بغير الحق . قال: فأخذ فحُمل، فجعلوا يتلقَّوْنه بنعال سيوفهم؛ فلما
أدخيل عليه قال : يابن الفاعلة ، تقول لى وأنا على المنبر : اتق الله ! قال:
سوْءة لك ! لو كان هذا من غيرك كنتُ المستعدى بك عليه ، قال : ما أراك
٥٣٨/٣
(١) المضربة : القطعة من القطن .
(٣) س: ((حاجتك)).
(٥) س: ((إخوته)).
(٢) ج: ((ألا)).
(٤) س: ((لأحملته)).