Indexed OCR Text
Pages 621-640
٦٢١ سنة ١٤٥ فى سنة خمس وأربعين ومائة ؛ وقد خرجت فجلستُ مع الربيع وأصحابه ، إذ جاء رجل، فجاوز الحرس إلى المقصورة ، فاستأذن فآذنًا المنصور به ، وكان معه سلم بن أبى سَلْم ، فأذن له فخبّره بخروج محمد ، فقال المنصور : نكتب الساعة إلى مصر أن يقطع عن الحرَميْن المادة ، ثم قال : إنما هم فى مثل حَرَجَة، إذا انقطعت عنهم المادّة والميرة من مِصْر. قال: وأمر بالكتاب إلى العباس بن محمد - وكان على الجزيرة يخبره بخبر محمد - وقال: إنى راحل ساعة كتبتُ إلى الكوفة ، فأمدّنى فى كلّ يوم بما قدرتَ عليه من الرّجال من أهل الجزيرة . وكتب بمثل ذلك إلى أمراء الشام، ولو أن يَرِدِ علىّ فى كل ٢٨١/٣ يوم رجل واحد أكثر به مَنْ معى من أهل خراسان، فإنه إن بلغ الخبر الكذّاب انکسر . قال : ثم نادى بالرّحیل من ساعته، فخرجنا فى حرّ شديد حتى قدم الكوفة ، ثم لم يزل بها حتى انقضت الحرب بينه وبين محمد وإبراهيم ، فلما فرغ منهما (١) رجع إلى بغداد . وُذُكِرِ عن أحمد بن ثابت، قال: سمعتُ شيخًا من قريش يحدّث أنّ أبا جعفر لما فصَل من بغداد، متوجّهًا نحو الكوفة ، وقد جاءه البريد بمخرج محمد بن عبد اللّه بالمدينة ، نظر إليه عثمان بن ◌ُمارة بن حريم وإسحاق بن مسلم العقيلىّ وعبد الله بن الربيع المدانىّ- وكانوا من صحابته وهو يسير على دابته وبنو أبيه حوله . فقال عثمان: أظنّ محمدًا خائبًا ومن معه من أهل بيته؛ إنّ حَشو ثياب هذا العباسىّ لمكرٌ وذُكر ودهاء؛ وإنه فيما نصب له محمد من الحرب لكما قال ابن جِذْل الطِّعان : تداركها وقد حَمِىَ اللَّفَاءُ فَكَّمْ من غارةٍ ورَعيل خَيْلٍ بأَسْمَر ما يُرَى فِيهِ التواءُ فردّ مخيلَها حَتّى ثناها قال: فقال إسحاق بن مسلم : قد والله سبرتُه ولمست عودَه فوجدته خشِنًا ، وغمزته فوجدته صلیباً ، وذقته فوجدته مُرًّا ؛ وأنه ومن حوله من بنى أبيه لكما قال ربيعة بن مُكدّم : مصابيح تَبْدُو فى الظلام زَوَاهِرُ سَمَا لِىَ فُرْسَانٌ كَأَنَّ وجوهَهُمْ (١) ب: ((منها)). ٦٢٢ سنة ١٤٥ ٢٨٢/٣ يَقُودُهُمُ كَبْثُ أَخُو مُصْمَئِلَةٍ عَبُوسُ السُّرَى قَدْ لَوَّحتْهِ الهَوَاجِرُ قال : وقال عبد الله بن الربيع: هو ليث خِيسٍ، ضَيْغم شموس ، للأقران مفترس ، وللأرواح مختلس ؛ وأنه يهيج من الحرب كما قال أبو سفيان بن الحارث : وَإِنَّ لَذَا شيخاً إِذا الحربُ شَمَّرتْ بَدِيهَتُهُ الإِقْدَامُ قَبْل النوافِرِ قال : فمضى حتى سار إلى قصر ابن هُبيرة ، فنزل الكوفة ووجّهَ الجيوش، فلما انقضت الحرب ، رجع إلى بغداد فاستتمّ بناءها . ٠ ٠ 1 [ ذكر الخبر عن ظهور إبراهيم بن محمد ومقتله] وفى هذه السنة ظهرَ إبراهيم بن عبد الله بن حسن، أخو محمد بن عبد الله ابن حسن بالبصرة؛ فحارب أبا جعفر المنصور . وفيها قتل أيضًا . * ذكر الخبر عن سبب مخرجه وعن مقتله وكيف كان : فذُ كر عن عبد الله بن محمد بن حفص ، قال : حدثنى أبى ، قال : لما أخَذ أبو جعفر عبد الله بن حسن ، أشفق محمد وإبراهيم من ذلك ، فخرجا إلى عَدَن ، فخافا بها ، وركبا البحر حتى صارا إلى السُّنْد ، فسعى بهما إلى عمر بن حفص ، فخرجا حتى قد ما الكوفة وبها أبو جعفر . وذكر عمر بن شبّه أنّ سعيد بن نوح الضُّبْعِىّ؛ ابن ابنة أبى الساج الضُّبَعِىّ، حدثه قال : حدثتنى منة بنت أبى المنهال ، قالت: نزل إبراهيم فى الحىّ من بنى ضيعة فى دار الحارث بن عيسى ، وکان لا يرى بالنهار ، و کانت معه أمّ ولد له ؛ فكنت أتحدث إلیھا ، ولا ندری من هم ؛ حتى ٢٨٣/٣ ظهر فأتيتها ، فقلت : إنك لصاحبتى؟ فقالت: أنا هى؛ لا والله ما أقرّتنا الأرض منذ خمس سنين ؛ مرّة بفارس ، ومرّة بكَرْمان ، ومرّة بالحجاز ، ومرّة باليمن . قال عمر : حدثنى أبو نعيم الفضل بن ◌ُكين ، قال: حدَّثَنِى مطهر ابن الحارث ، قال : أقبلنا مع إبراهيم من مكة نريد البصرة ؛ ونحن عشرة ، ٦٢٣ سنة ١٤٥ فصحبّنا أعرابيّ فى بعض الطريق ، فقلنا له : ما اسمك ؟ قال : فلان بن أبى مصاد الكليّ، فلم يفارقنا حتى قربنا من البصرة ؛ فأقبل علىّ يومًا ، فقال : أليس هذا إبراهيم بن عبد الله بن حسن ؟ فقلت : لا ، هذا رجل من أهل الشأم ؛ فلما كنّا على ليلة من البصرة ، تقدّم إبراهيم وتخلّفنا عنه ، ثم دخلنا من غدٍ . قال عمر : وحدّثنى أبو صفوان نصر بن قُديد بن نصر بن سيار ؛ قال : كان مقدم إبراهيم البصرة فى أول سنة ثلاث وأربعين ومائة، منصرف الناس من الحجّ ؛ فكان(١) الذى أقدمه وتولّى كراءه وعادله فى محمله يحيى بن زياد ابن حسان النَّبطىّ ، فأنزله فى داره فى بنى لسَيْث ، واشترى له جارية أعجمية سندّيّة ، فأولدها ولدًا فى دار يحيى بن زياد ؛ فحدّثنى ابن قُديد ابن نصر ؛ أنه شهِد جنازة ذلك المولود ، وصلى عليه يحيى بن زياد . قال : وحدّثنى محمد بن معروف ، قال : حدثنى أبى ، قال : نزل إبراهيم بالخيار من أرض الشأم على آل القعقاع بن خُليد العبسىّ، فكتب الفضل بن صالح بن علىّ - وكان على قنَّسرين - إلى أبى جعفر فى رقعة أدرجها فى أسفل كتابه ، يخبره خبرَ إبراهيم ، وأنه طلبه فوجده قد سبقه منحدراً إلى البَصْرة ؛ فورد الكتاب على أبى جعفر، فقرأ أوّلَه فلم يجد إلاّ السلامة، فألقى الكتاب إلى أبى أيوب الموريانىّ، فألقاه فى ديوانه ؛ فلما أرادوا أن يجيبوا ٣/ ٢٨٤ الوُلاة عن کتبھم فتح أبان بن صدقة ۔ وهو يومئذ کاتب أبى أيوب ــ کتاب الفضْل؛ لينظر فى تأريخه، فأفضى إلى الرّقْعة؛ فلما رأى أوّلها: ((أخْبِرُ أمير المؤمنين))، أعادها فى الكتاب، وقام إلى أبى جعفر، فقرأ الكتاب؛ فأمر بإذكاء العيون ووضع المراصد والمسالح . قال : وحدّثنى الفضل بن عبد الرحمن بن الفضل ، قال : أخبرنى أبى قال : سمعت إبراهيم يقول: اضطرّنى الطّسَب بالموصل حتى جلست على موائد أبى جعفر، وذلك(٢) أنه قدمها يطلبنى، فتحيّرت؛ فلفظْتنى الأرض ؛ فجعلت (١) ب: ((وكان)). (٢) ب: ((وذاك)). ٦٢٤ سنة ١٤٥ لا أجد مساغًا، ووضع (١) الطلب والمراصد ؛ ودعا الناس إلى غدائه، فدخلت فيمن دخل ، وأكلت فيمن أكل ؛ ثم خرجت وقد كفّ الطلب. قال : وحدثنى أبو نُعيم الفضل بن ◌ُكين ، قال : قال رجل لمطهر بن الحارث : مرّ إبراهيم بالكوفة ولقيتُه، قال: لا والله ما دخلها قط؛ ولقد كان بالموصل ، ثم مرّ بالأنبار، ثم ببغداد ، ثم بالمدائن والنّيل وواسط . قال : وحدثنى نصر بن قُديد بن نصر ، قال : كاتب إبراهيم قومًا من أهل العسكر كانوا يتشيّعون ؛ فكتبوا يسألونه الخروج إليهم ، ووعدوه الوثوب بأبى جعفر ؛ فخرج حتى قدم عسکر أبى جعفر ، وهو يومئذ نازل ببغداد فى الدّيْر ، وقد خَطَّ بغداد ، وأجمع على البناء ؛ وكانت لأبى جعفر مرآة ينظر فيها، فيرى عدوّه من صديقه . قال: فزعم زاعمٌ أنه نظر فيها ، فقال: يا مسيّب؛ قد والله رأيتُ إبراهيم فى عسكرى وما فى الأرض عدوّ أعدى لى منه ، فانظر ما أنت صانع ! ٢٨٥/٣ قال: وحدثنى عبد الله بن محمد بن البوّاب، قال: أمر أبو جعفر ببناء قنطرة الصَّراة العتيقة ، ثم خرج ينظر إليها ، فوقعت عينُه على إبراهيم ، وخنّس (٢) إبراهيم، فذهب فى الناس، فأتى فاميًّا فلجأ إليه فأصعده غرفة له . وجدّ أبو جعفر فى طلبه ، ووضع الرّصَد بكلّ مكان، فنشب إبراهيم بمكانه الذى هو به ، وطلبه أبو جعفر أشدّ الطلب ، وخفىَ عليه أمره . قال : وحد ٹنی محمد بن معروف ، قال : حدثنی أبى - وحد ٹنى نصر ابن قُديد ، قال : حدثنى أبى قال ؛ وحدثنى عبد الله بن محمد بن البواب وكثير بن النّضر بن كثير وعمر بن إدريس وابن أبى سفيان العسَمِىّ ؛ واتفقوا على جُلّ الحديث، واختلفوا فى بعضه - أنّ إبراهيم لما نشب وخاف الرَّصَد كان معه رجل من بنى العمّ - قال عمر: فقال لى أبو صفوان(٣) ، يدعى رَوْح بن ثقف، وقال لى ابن البوّاب: يكنى أبا عبد اللّه، وقال لى الآخرون : يقال له سفيان بن حَيّان بن موسى: قال عمر: وهوجد العمّى الذى حدثنى- (١) ج: ((وجعل)). (٢) خس، أى تأخر. (٣) ب: ((يابن صفوان)). ٦٢٥ سنة ١٤٥ قال : قلت لإبراهيم : قد نزل ما ترى ، ولا بدّ من التغرير والمخاطرة ، قال : فأنت وذاك! فأقبل إلى الربيع ، فسأله الإذن ، قال : ومَن أنت ؟ قال : أنا السفيان العمّىّ ، فأدخله على أبى جعفر ؛ فلما رآه شتمه ، فقال : يا أميرَ المؤمنين ؛ أنا أهلٌ لما تقول؛ غير أنى أتيتك نازعًا تائبًا، ولك عندى كلّ ما تحبّ إن أعطيتنى ما أسألك، قال: وما لى عندك؟ قال: آتيك بإبراهيم ابن عبد الله بن حسن؛ إنى قد بلوته وأهل بيته؛ فلم أجد فيهم خيراً، فما لى ٢٨٦/٣ عندك إن فعلت ؟ قال : كلّ ما تسأل ؛ فأين إبراهيم ؟ قال : قد دخل بغداد - أو هو داخلها عن قريب - قال عمر : وقال لى أبو صفوان ، قال : هو بعَبْدَسِى ، تركتُه فى منزل خالد بن نهيك، فاكتب لى جوازًا ولغلام لى ولفُرانق(١) واحملنى على البريد. قال عمر: وقال بعضهم: وجَّهْ معى جُنداً واكتب لى جوازاً ولغلام لى آتِيكَ به . قال : فكتب له جوازًا، ودفع إليه جنداً، وقال : هذه ألف دينار فاستِعنْ بها ، قال : لا حاجة لى فيها فيها كلّها ؛ فأخذ ثلثمائة دينار ، وأقبل بها حتى أتى إبراهيم وهو فى بيت ، عليه مدرّعة صوف وعمامة - وقيل بل عليه قباء كأقبية العبيد - فصاح به : قم ؛ فوثب كالفزع ؛ فجعل يأمره وينهاه حتى أتى المدائن ، فمنعه صاحب القنطرة بها ، فدفع إليه جوازه ، فقال : أين غلامك ؟ قال : هذا ؛ فلما نظر فى وجهه، قال: والله ما هذا غلامك؛ وإنه لإبراهيم بن عبد الله بن حسن، ولكن اذهبْ راشداً . فأطلقهما وهرب . قال عمر : فقال بعضهم : ركبا البريد حتى صارا(٢) بعَبْدَسِى ، ثم ركبا السفينة حتى قدما البصرة فاختفيا بها . قال : وقد قيل : إنه خرج من عند أبى جعفر حتى قدم البصرة ، فجعل يأتى بهم الدارَ ، لها بابان، فيقعد العشرة منهم على أحد البابيْن ، ويقول: لا تبرحوا حتى آتيكم ، فيخرج من الباب الآخر ويتركهم ، حتى فرّق الجند عن نفسه ، وبقِىَ وحده ، فاختفى حتى بلغ الخبر سفيان بن معاوية، ٢٨٧/٣ فأرسل إليهم فجمعهم ، وطلب العمّىّ فأعجزه . قال عمر : وحدثنى ابن عائشة ، قال : حدّثّنى أبى ، قال : الذى احتال (١) الفرانق : الذى يدل صاحب البريد. (٢) ط: ((سارا)). ٦٢٦ سنة ١٤٥ لإبراهيم حتى أنجاهما منه عمرو بن شداد . قال عمر : وحدثنى رجل من أهل المدائن، عن الحسن بن عمرو بن شداد، قال : حدّثنى أبى ، قال: مرّ بى إبراهيم بالمدائن مستخفيًا، فأنزلتُه داراً لى على شاطئ دِجْلة ، وسُعى بى إلى عامل المدائن ؛ فضربنى مائة سَوْط، فلم أقرِر له ؛ فلما تركنى أتيت إبراهيمَ فأخبرتُه ، فانحدر . قال : وحدّثنى العباس بن سفيان بن يحيى بن زياد مولى الحجاج بن يوسف - وكان يحيى بن زياد ممّن سُبِى من عسكر قطرىّ بن الفجاءة - قال : لما ظهر إبراهيم كنت غلامًا ابنَ خمس سنين ، فسمعتُ أشياخنا يقولون : إنه مرّ منحدرًا يريد البصرة من الشأم ؛ فخرج إليه عبد الرحيم بن صفوان من موالى الحجاج، ممن سُبِى من عَسْكر قَطَرِىّ؛ قال : فمشى معه حتى عبّره المآصر؛ قال: فأقبل بعضُ مَنْ رآه، فقال: رأيتُ عبد الرحيم مع رجل شاطر، محتجز بإزار(١) مُوَرّد، فى يده قَوس جُلاَهِقٍ(٢) يرمى به ؛ فلما رجع عبد الرحيم سُئِلٍ عن ذلك فأنكره ، فكان إبراهيم يتنكّرّ بذلك . قال : وحد ثنى نصر بن قُديد ، قال : لما قدم إبراهيم منصر فه من بغداد، نزل على أبى فَرْوة فى كِنْدة فاختفى، وأرسل إلى الناس يندبهم (٣) للخروج. ٢٨٨/٣ قال عمر: وحدثنى علىّ بن إسماعيل بن صالح بن ميثم الأهوازى"، قال: حدّثنى عبد الله بن الحسن بن حبيب، عن أبيه ، قال: كان إبراهيم مختفياً عندى على شاطئ 'دُجَيْل، فى ناحية مدينة الأهواز ؛ وكان محمد ابن حُصين يطلبه، فقال يوماً: إنّ أمير المؤمنين كتب إلىّ يخبرنى أنّ المنجّمين يخبرونه أن إبراهيم بالأهواز نازل فى جزيرة بين نهرين ، فقد طلبتُه فى الجزيرة حتى وثقت أنه ليس هناك - يعنى بالجزيرة التى بين نهر الشاه جُرْد ودجَيْل- فقد اعتزمتُ أن أطلبه غداً فى المدينة ، لعلّ أمير المؤمنين يعنى بين دجيل والمسرقان ، قال : فأتيتُ إبراهيم ، فقلت له : أنت مطلوب غدًا فى هذه (١) يقال: احتجز بالإزار؛ إذا شده على وسطه. وأصل الحجزة: موضع شد الإزار. (٢) فى اللسان: ((الجلاهق: البندق؛ ومنه قوس الجلاهق؛ وأصله بالفارسية: ((جله)). (٣) ج: ((ينتدبهم)). ٦٢٧ سنة ١٤٥ الناحية ، قال : فأقمتمعه بقية یومی ، فلما غشیتی الليل ، خرجت به حتى أنزلته فى أدانى دشت أربُك دون الكثّ ؛ فرجعت من ليلتى ، فأقمت أنتظر محمداً أن يغدُوَ لطلبه ؛ فلم يفعل حتى تصرّم النهار ، وقربت الشمس تغرُب، فخرجتُ حتى جئت إبراهيم ، فأقبلت به حتى وافينا المدينة مع العشاء الآخرة ونحن على حماريْن ؛ فلما دخلنا المدينة فصرنا عند الجبل المقطوع ؛ لقينا أوائل خيل ابن حصين ، فرمى إبراهيم بنفسه عن حماره وتباعد ؛ وجلس يبول، وطَوَتَنى الخيل ، فلم يعرّج علىّ منهم أحد ؛ حتى صرت إلى ابن حُصين؛ فقال لى : أبا محمد ؛ مِن أين فى مثل هذا الوقت؟ فقلت: تمسَّيت (١) عند ٢٨٩/٣ أهلى ، قال : ألا أرسل معك مَنْ يبلِّغُك ؟ قلت : لا ، قد قرُبت من أهلى ؛ فمضى يطلب ، وتوجّهت على سَنِنى حتى انقطع آخر أصحابه ، ثم كررتُ راجعًا إلى إبراهيم؛ فالتمست حماره حتى وجدتُه، فركب، وانطلقنا حتّى بِتْنَا فى أهلنا، فقال إبراهيم: تعلم والله لقد بُلت البارحة دمًا؛ فأرسِلْ من ينظر ، فأتيت الموضع الذى بال فيه ، فوجدته قد بال دماً . قال : وحدثنى الفضل بن عبد الرحيم بن سليمان بن علىّ ، قال : قال أبو جعفر: غَمُضَ (٢) علىّ أمر إبراهيم لمّا اشتملت عليه طفوفُ البصرة. قال : وحدثنى محمد بن مسْعر بن العلاء ، قال : لما قدم إبراهيم البَصْرة ، دعا الناس ، فأجابه موسى بن عمر بن موسى بن عبد الله بن خازم ، ثم ذهب بإبراهيم إلى النّضر بن إسحاق بن عبد الله بن خازم مختفياً، فقال للنضر بن إسحاق : هذا رسول إبراهيم ، فكلّمه إبراهيم ودعاه إلى الخروج ، فقال له النّضر : يا هذا ، كيف أبايع صاحبك وقد عسَّد جدّى عبد الله بن خازم عن جده علىّ بن أبى طالب، وكان عليه فيمن خالفه، فقال له (٣) إبراهيم: دع سيرة الآباء عنك ومذاهبهم ؛ فإنما هو الدّين؛ وأنا أدعوك إلى حقّ. قال : إنى واللّه ما ذكرتُ لك ما ذكرتُ إلا مازحًا، وما ذاك الذى يمنعنى من نُصرة صاحبك ، ولكنى لا أرى القتال ولا أدينُ به . قال: وانصرف إبراهيم، (٢) غمض على، أى لم يتضح. وفى ط: ((غمص)). (١) ب: ((تمشيت)). (٣) ساقطة من ب. ٦٢٨ سنة ١٤٥ وتخلّف (١) موسى، فقال: هذا واللّه إبراهيم نفسه ، قال: فبئس لعمر الله ٢٩٠/٣ ما صنعتَ! لو كنتَ أعلمتنى كلَّمتُه غير هذا الكلام! قال : وحدّنى نصر بن قديد ، قال : دعا إبراهيم الناس وهو فى دار أبى فَرْوة، فكان أوّل مَنْ بايعه نُميلة بن مرّة وعفو الله بن سفيان وعبد الواحد ابن زياد وعمر بن سلمة الهجيمىّ وعبيد الله بن يحيى بن حُضَين (٢) الرّقاشىّ، وندبوا الناس له ، فأجاب بعدهم فتيانٌ من العرب ؛ منهم المغيرة بن الفزع وأشباهٌ له؛ حتى ظنوا أنه قد أحصى ديوانه أربعة آلاف؛ وشهر أمرُه، فقالوا: لو تحوّلت إلى وسط البصرة أتاك مَن أتاك وهو مُريح ؛ فتحوّل ونزل دار أبى مروان مولى بنى سليم - رجل من أهل نيسابور . قال : وحدّثنى يونس بن نجدة ؛ قال : كان إبراهيم نازلاً فى بنِی راسب على عبد الرحمن بن حرب ؛ فخرج من داره فى جماعة من أصحابه؛ منهم عفو الله بن سفيان وبُرْد بن لبيد؛ أحد بنى يَشْكر، والمضَاء التغلَىّ والطُّهَوَىّ والمغيرة بن الفزع وذُميلة بن مرّة ويحيى بن عمرو الهُمانىّ، فمرّوا على جُفْرة(٣) بنى عَقِيل حتى خرجوا على الطُّغاوة، ثم مرّوا على دار كرزم ونافع إبليس(٤)، حتى دخلوا دار أبى مروان فى مقبرة بنى يشكر . قال : وحدثنى ابن عفو الله بن سفيان ، قال: سمعتُ أبى يقول: أتيتُ إبراهيمَ يومًا وهو مرعوب ؛ فأخبرنى أن كتاب أخيه أتاه يخبره أنه قد ظهر ، ٣/ ٢٩١ ويأمره بالخروج. قال: فوجَم من ذلك واغتمّ له ، فجعلت أسهُل عليه الأمر وأقول: قد اجتمع لك أمرُكُ، معك المضاء والطُّهوىّ والمغيرة؛ وأنا وجماعة، فنخرج إلى السجن فى الليل فنفتحه ؛ فتُصبح حين تصبح ومعك عالم من الناس ؛ فطابت نفسه . قال : وحدثنى سهل بن عقيل بن إسماعيل ، قال : حدّثنى أبى، قال : لما ظهر محمد أرسل أبو جعفر إلى جعفر بن حنظلة البَهرانيّ - وكان ذا رأى - فقال : هات رأيك؛ قد ظهر محمد بالمدينة . قال : وجّه الأجنَاد إلى البصرة . (١) ب: ((وخلف)). (٣) الحفر : الحفرة الواسعة المستديرة. (٢) ط: ((حصين))، وانظر الفهرس. (٤) كذا فى ط وفى هـ: ((إمليس)). ٦٢٩ سنة ١٤٥ قال : انصرفْ حتى أرسل إليك . فلما صار إبراهيم إلى البصرة ، أرسل إليه ، فقال: قد صار إبراهيم إلى البصرة ، فقال : إيَّاها خفتُ ! بادرْه بالجنود ، قال : وكيف خفتَ البصرة ؟ قال : لأن محمداً ظهر بالمدينة ، وليسوا بأهل حَرْب، بحسبهم أن يقيموا شأن أنفسهم، وأهل الكوفة تحت قدمك ، وأهل الشأم أعداء آل أبى طالب ؛ فلم يبق إلا البَصْرة . فوجّه أبو جعفر ابنى عقيل - قائدين من أهل خُراسان من طيّئ - فقدما ، وعلى البصرة سفيان بن معاوية فأنزلهما . قال : وحدثنى جوّاد(١) بن غالب بن موسى مولى بنى عجل ، عن يحيى بن بُديل بن يحيى بنُ بديل ، قال : لما ظهر محمد ، قال أبو جعفر لأبى أيوب وعبد الملك بن حميد: هل من رجل ذى رأى تعرفانه، نجمع رأيه على رأينا ؟ قالا: بالكوفة بديل بن يحيى - وقد كان أبو العباس يشاوره-فأرسِلْ إليه ، فأرسل إليه ، فقال : إنّ محمداً قد ظهر بالمدينة ، قال : فاشحن الأهواز جندًا، قال: قد فهمتُ؛ ولكن الأهواز بابُهم الذى يُؤْتَوْن منه، قال : ٢٩٢/٣ فقبل أبو جعفر رأيه . قال : فلما صار إبراهيم إلى البصرة أرسل إلى بديل ، فقال : قد صار إبراهيم إلى البصرة، قال : فعاجله بالجُنْد وأشغِل (٢) الأهواز عنه . وحدثنى محمد بن حفص الدّمشقىّ ، مولى قريش قال : لما ظهر محمد شاور أبو جعفر شيخًا من أهل الشأم ذا رأى، فقال : وجّه إلى البصرة أربعة آلاف من جُند أهل الشأم. فلها عنه، وقال: خَرِف الشيخ؛ ثم أرسل إليه، فقال : قد ظهر إبراهيم بالبصرة ، قال : فوجه إليه جندًاً من أهل (٣) الشأم، قال: (٤ ويلك! ومن لى بهم٤)! قال : اكتب إلى عاملك عليها يحمل إليك فى كلّ يوم عشرة على البريد ؛ قال : فكتب بذلك أبو جعفر إلى الشأم. قال عمر بن حفص : فإنّى لأذكر أبى يعطى الجندَ حينئذ ، وأنا أمسك له المصباح ، وهو يعطيهم ليلا ، وأنا يومئذ غلام شابّ . (١) ب: ((حمال)). (٣) ب: ((من جند)). (٢) كذا فى هـ، وفى ط: ((وأشعل الأهواز عليه)). (٤ - ٤) ج: ((ويحك من أيهم) .. ٦٣٠ سنة ١٤٥ قال : وحدَّثْنى سَهلُ بن عَقِيل ، قال: أخبرنى سَلْم بن فرقد ، قال : لما أشار جعفر بن حنظلة على أبى جعفر بحدر جند الشام إليه ، كانوا يقدمون أرسالا ؛ بعضهم على أثر بعض ؛ وكان يريد أن يروّع بهم أهل الكوفة ؛ فإذا جنّهم الليل فى عسكره أمرهم فرجعوا منكبين عن الطريق ، فإذا أصبحوا دخلوا ، فلا يشكُّ أهل الكوفة أنهم جند آخرون سوى الأوّلين. حدّثنى عبد الحميد - وكان من خّدَم أبى العباس - قال: كان محمد ابن يزيد من قوّاد أبى جعفر؛ وكان له داّبة" شهْرىّ(١) كُميت، فربما ٢٩٣/٣ مرّ بنا ونحن بالكوفة وهو راكبُهُ، قد ساوى رأسُهُ رأسَه ، فوجهه أبو جعفر إلى البصرة ، فلم يزل بها حتى خرج إبراهيم فأخذه فحبسه . حدثنى سعيد بن نوح بن مجالد الضُّبَعَىّ ، قال : وجّه أبو جعفر مجالداً ومحمداً ابنى يزيد بن عمران من أهل أبِيوَرْد قائديْن ، فقدم مجالد قبل محمد ، ثم قدم محمد فى الليلة التى خرج فيها إبراهيم ، فثبّطهما سُفيان وحبسهما عنده فى دار الإمارة حتى ظهر إبراهيم فأخذهما ، فقيَّدهما ؛ ووجّه أبو جعفر معهما قائداً من عَبْد القيس يدعى معمّرًا . حدّثنى يونس بن نجدة، قال: قدم على سفيان مجالدُ بن يزيد الضُّبعىّ من قِبَل أبى جعفر فى ألف وخمسمائة فارس وخمسمائة راجل . حدّثنى سعيد بن الحسن بن تسنيم بن الحوارى بن زياد بن عمرو بن الأشرف ، قال : سمعتُ من لا أحصى من أصحابنا يذكرون أنّ أبا جعفر شاور فى أمر إبراهيم ، فقيل له : إن أهل الكوفة له شيعة ، والكوفة قدْر تفُور؛ أنت طَبَقُها ، فاخرج حتى تنزلها . ففعل . حدثنى مسلم الخصىّ مولى محمد بن سليمان، قال: كان أمْرُ إبراهيم وأنا ابن بضع عشرة سنة ؛ وأنا يومئذ لأبى جعفر، فأنزلَنَا الهاشمية بالكوفة ونزل هو بالرّصافة فى ظهر الكوفة ؛ وكان جميع جنده الذين فى عسكره نحواً من ألف وخمسمائة ؛ وكان المسيّب بن زهير على حَرَسه ، فجزّأ الجند ثلاثة (١) فى اللسان: ((الشهرية: ضرب من البراذين؛ وهو بين البرذون والمقرف من الخيل)). ٦٣١ سنة ١٤٥ أجزاء : خمسمائة ، خمسمائة ، فكان يطوف الكوفة كلّها فى كلّ ليلة ، وأمر مناديًا فنادى: مَنْ أخذناه بعد عَتَمَة فقد أحلّ بنفسه؛ فكان إذا أخذ ٢٩٤/٣ رجلاً بعد عَتَمة لفّه فى عباءة وحمله ، فبيّته عنده، فإذا أصبح سأل عنه، فإن علم براءته أطلقه ، وإلا حبسه . قال : وحدّثنى أبو الحسن الحذّاء ، قال : أخذ أبو جعفر الناس بالسَّوَاد، فکنت أراهم يصغون ثيابهم بالمداد . وحدثنى علىّ بن الجعْد، قال : رأيتُ أهلَ الكوفة أيامئذ أخِذُوا بلُبس الثياب السود حتى البقّالين، إنّ أحدهم ليصبغ الثوب بالأنقاس ثم يلبسه . وحدثنى جوّاد بن غالب، قال: حدثنى العباس بن سَكْم مولَى قَحْطبة، قال : كان أمير المؤمنين أبو جعفر إذا اتّهم أحداً من أهل الكوفة بالميْل إلى إبراهيم أمر أبى سلماً بطلبه ؛ فكان يمهل حتى إذا غَسق الليل ، وهدأ الناس، نصبُ سلَّما على منزل الرجل فطرقه فى بيته حتى يخرجه فيقتله ؛ ويأخذ خاتمه . قال أبو سهل جوّاد : فسمعت جميلاً مولى محمد بن أبى العباس يقول للعباس بن سلم: والله لو لم يورّتك أبوك إلا خواتيم مَن قُتِل من أهل الكوفة كنت أيسرَ الأبناء . حدّثّنى سهل بن عقيل ، قال : حدثنى سلم بن فَرْقذ حاجب سليمان بن مجالد ، قال : كان لى بالكوفة صديق ، فأتانى - فقال : أيا هذا ، اعلم أن أهل الكوفة معدّون للوثوب بصاحِبكم ، فإن قدرت على أن تبوّئ أهلك مكاناً حريزًا فافعل ، قال : فأتيتُ سليمان بن مجالد ، فأخبرته الخبر ؛ فأخبر أبا جعفر - ولأبى جعفر عين من أهل الكوفة من الصّارفة يدعى ابن مقرّن - ٢٩٥/٣ قال : فأرسل إليه ، فقال : ويحك ! قد تحرّك أهل الكوفة ، فقال : لا والله يا أمير المؤمنين ، أنا عذيرك منهم ، قال : فركن إلى قوله ، وأضرب عنهم . وحدثنى يحيى بن ميمون من أهل القادسيّة، قال : سمعت عدّة من أهل القادسية يذكرون أن رجلاً من أهل خراسان ، يكنى أبا الفضل ، ويسمى فلان ابن معقل، وُلَِّ القادسية ليمنع أهل الكوفة إتيان إبراهيم ؛ وكان ٦٣٢ سنة ١٤٥ الناس قد رصدوا فى طريق البصرة ، فكانوا يأتون القادسيّة ثم العُذَيْب، ثم وادىَ السباع ، ثم يعدلون ذات اليسار فى البرّ ، حتى يقدموا البصرة . قال : فخرج نفرٌ من الكوفة اثنا عشر رجلا ؛ حتى إذا كانوا بوادى السباع لقيتهم رجل من موانى بنى أسد ، يسمَّى بكراً . من أهل شرَاف، دون واقصّة بميلين من أهل المسجد الذى يدعى مسجد الموالى - فأتى ابن معقل فأخبره ، فاتَّبعهم فأدركهم بختَفّان - وهى على أربعة فراسخ من القادسية - فقتلهم أجمعين . حدّثّنى إبراهيم بن سَلْ ، قال: كان الفُرافصَة العجليّ قد همّ بالوثوب بالكوفة ، فامتنع لمكان أبى جعفر ونزوله بها ؛ وكان ابن ماعز الأسدى يبايعُ لإبراهيم فيها سرًّا . حدّثنى عبد الله بن راشد بن يزيد ، قال : سمعت إسماعيل بن موسى البَجَلَىّ وعيسى بن النَّضْر السُّمَّانيْنِ وغيرهما يخبرون أن غزوان كان لآل القعقاع بن ضرار ، فاشتراه أبو جعفر، فقال له يومًا: يا أميرَ المؤمنين ؛ هذه سفُن ٢٩٦/٣ منحدرة من الموصل فيها مبيّضةٌ تريد إبراهيم بالبصرة، قال: فضم إليه جنداً، فلقيهم بباحَمْشا بين بغداد والموصل فقتلهم أجمعين ؛ وكانوا تجارًا فيهم جماعة من العُبّاد من أهل الخير (١) وغيرهم ، وفيهم رجل يُدعى أبا العرفان من آل شعيب السّمّان ، فجعل يقول : ويلك يا غزوان ! ألست تعرفنى! أنا أبو العرفان جارك ؛ إنما شخصتُ برقيق فبعتُهُم ؛ فلم يقبل وقتلهم أجمعين وبعث برءوسهم إلى الكوفة ، فنصبت ما بين دار إسحاق الأزرق إلى جانب دار عيسى بن موسى إلى مدينة ابن هبيرة . قال أبو أحمد عبد الله بن راشد : فأنا رأيتها منصوبةً على كوم التراب . قال : وحدثنا أبو علىّ القَدّاح ، قال : حدثنى داود بن سليمان ونيبخت وجماعة من القدّاحين ، قالوا : كنّا بالموصل ، وبها حرْب الراوندىّ رابطة فى ألفين ، لمكان الخوارج بالجزيرة ، فأتاه كتاب أبى جعفر يأمره بالقفل إليه ؛ فشخص ؛ فلما كان بياحَمْشا اعترض له أهلها، وقالوا : لا نَدَعُك تجوزنا لتنصر أبا جعفر على إبراهيم ، فقال لهم : ويحكم ! إنى لا أريد بكم (٢) ج: ((الخيرة)). ٦٣٣ اسنة ١٤٥ سوءاً؛ إنما أنا مارٌّ، دعونى. قالوا: لا والله لا تجوزنا أبداً، فقاتلهم فأبارهم (١)، وحمل منهم خمسمائة رأس ، فقدم بها على أبى جعفر ، وقصّ عليه قصتهم . قال أبو جعفر : هذا أوّل الفتح . وحدّثنى خالد بن خِدَاش بن عَجْلان مولى عمر بن حفص، قال : حدثنى جماعة من أشياخنا أنهم شهدوا دفيف بن راشد مولى بنى يزيد بن ٢٩٧/٣ حاتم ، أتى سفيانَ بن معاوية قبل خروج إبراهيم بليلة، فقال: ادفع إلىّ فوارس آتك بإبراهيم أو برأسه . قال أوَ ما لك عمل! اذهب إلى عملك . قال : فخرج دفيف من ليلته فلحق بيزيد بن حاتم وهو بمصر . وحدثنى خالد بن خداش ، قال : سمعت عدّة من الأزْد يحدثون عن جابر بن حماد - وكان على شُرْطة سفيان - أنه قال لسفيان قبل خروج إبراهيم بيوم: إنى مررت فى مقبرة بنی یشکر ، فصيحوا بی ورمونی بالحجارة، فقال له : أما كان لك طريق ! وحدثنى أبو عمر الحوْضىّ حفص بن عمر ، قال : مرّ عاقب صاحب شرط سفيان يوم الأحد قبل ظهور إبراهيم بيوم ، فى مقبرة بنى يشكُر ، فقيل له : هذا إبراهيم يريد الخروج، فقال : كذبتم، ولم يعرّج على ذلك ! قال أبو عمر الحوضىّ: جعل أصحاب إبراهيم ينادون سفيان وهو محصور: اذكر بيعتك فى دار المخزوميّين . قال أبو عمر: وحد ثني محارب بن نصر ، قال: مرّ سفيان بعد قتل إبراهيم فى سفينة وأبو جعفر مُشرِفٌ من قصره، فقال: إنّ هذا لسفيان؟ قالوا : نعم ، قال: واللّه للعجب! كيف يفلتنى ابن الفاعلة ! قال الحوْضى: قال سفيان لقائد من قوّاد إبراهيم: أقمْ عندى، فليس كل أصحابك يعلم ما كان بينى وبين إبراهيم . قال: وحدّثنى نصر بن فرقد، قال: كان كَرْزَم السَّدوسىّ يغدو على سفيان بخبر إبراهيم ويروح، ويُعْلمه مَنْ يأتيه فلا يعرض له، ولا يتبع له أثراً. (١) ج: ((فأثارهم )). ٦٣٤ سنة ١٤٥ وذكر أن سفيان بن معاوية كان عامل المنصور أيّامئذ على البصرة ، ٢٩٨/٣ وكان قد مالا إبراهيم بن عبد الله على أمرِه فلا ينصح لصاحبه. # اختلف فى وقت قدوم إبراهيم البصرة فقال بعض : كان قدومه إياها أول يوم من شهر رمضان فى سنة خمس وأربعين ومائة . ذكر من قال ذلك : حدثنى الحارث ، قال : حدّثنا ابن سعد ، قال : قال محمد بن عمر : لما ظهر محمد بن عبد الله بن الحسن، وغلب على المدينة ومكة، وسُلّم عليه بالخلافة ، وجّه أخاه إبراهيم بن عبد الله إلى البصرة، فدخلها فى أوّل يوم من شهر رمضان سنة خمس وأربعين ومائة ، فغلب عليها ، وبيّض بها وبيّض بها أهل البصرة معه ، وخرج معه عيسى بن يونس ومُعاذ بن معاذ بن العوّام وإسحاق بن يوسف الأزرق ومعاوية بن هشام ، وجماعة كثيرة من الفقهاء وأهل العلم ؛ فلم يزل" بالبصرة شهر رمضان وشوّالاً، فلما بلغه قتلُ أخيه محمد بن عبد اللّه تأهّب واستعدّ ، وخرج يريد أبا جعفر بالكوفة . وقد ذكرنا قول من قال : كان مقدم إبراهيم البصرة فى أول سنة ثلاث وأربعين ومائة ، غير أنه كان مقيماً بها ، مختفيًاً يدعو أهلها فى السرّ إلى البيعة لأخيه محمد ، فذكر سهل بن عقيل ، عن أبيه ، أنّ سفيان كان يرسل إلى قائدين كانا قد ما عليه من عند أبى جعفر مدداً له قبل ظهور إبراهيم ، ٢٩٩/٣ فيكونان عنده ؛ فلما وعده إبراهيم بالخروج أرسل إليهما فاحتبسهما عنده تلك الليلة حتى خرَج ، فأحاط به وبهما فأخذهم(١). وحُدّثت عن محمد بن معروف بن سويد ، قال : حدثنى أبى ، قال : وجَّه أبو جعفر مجالداً ومحمداً ويزيد ؛ قوّاداً ثلاثة كانوا إخوة قبل ظهور إبراهيم ، فقدَّموا جندهم، فجعلوا يدخلون البصرة تسترَى، بعضهم على أثر بعض ، فأشفق إبراهيم أن يكثروا بها، فظهر . (١) ط: ((فأخذهما)).، وما أثبته من ب. ٦٣٥ سنة ١٤٥ وذكر نصر بن قديد ، أنّ إبراهيم خرج ليلة الاثنين لغرّة شهر رمضان من سنة خمس وأربعين ومائة ، فصار إلى مقبرة بنى يشكر فى بضعة عشر رجلاً فارسًا، فيهم عبيد الله بن يحيى بن حصين الرّقاشى". قال: وقدم تلك الليلة أبو حمّاد الأبرصُ مدداً لسفيان فى ألفى رجل ، فنزل الرّحبة إلى أن ينزلوا . فسار إبراهيم فكان أوّل شىء أصاب دواَّ أولئك الجند وأسلحتهم ، وصلّى بالناس الغداة فى المسجد الجامع ، وتحصّن سفيان فى الدّار ، ومعه فيها جماعة من بنى أبيه ، وأقبل الناس إلى إبراهيم مِنْ بين ناظر وناصر حتى كثروا ، فلما رأى ذلك سفيان طلب الأمانَ ، فأجيب إليه ، فدسّ إلى إبراهيم مطهّر بن جويرية السَّدوسىّ، فأخذ لسفيان الأمان، وفتح الباب ، ودخل إبراهيم الدّار؛ فلما دخلها ألقى له حصير فى مُقْتَدَّم الإيوان (١)، فهمّت ريح فقلبته ظهراً لبطن ؛ فتطيّر الناسُ لذلك، فقال إبراهيم: إنا لا نتطيّر ، ثم جلس عليه مقلوبًا والكراهة تُرَى فى وجهه؛ فلما دخل إبراهيم الدّار خلّى ٢٠٠/٣ عن كلّ مَنْ كان فيها - فيما ذكر - غير سفيان بن معاوية ؛ فإنه حبسه. فى القصر وقيَّده قيداً خفيفًا، فأراد إبراهيم - فيما ذكر - بذلك من فعله أن يُرِى أبا جعفر أنه عنده محبوس ، وبلغ جعفراً ومحمداً ابنى سليمان بن علىّ - وكانا بالبصرة يومئذ - مصيرُ إبراهم إلى دار الإمارة وحبْسه سفيان ، فأقبلا - فيما قيل - فى ستمائة من الرّجالة والفرسان والنَّاشبة يريدانه، فوجده إبراهيم إليهما المضاء بن القاسم الجزرىّ فى ثمانية عشر فارسًا وثلاثين راجلا ؛ فهزمهم المضاءُ . ولحق محمداً رجل من أصحاب المضاء قطَعنه فى فخذه ، ونادى مناد لإبراهيم : لا يُتْبَع مدبر ؛ ومضى هو بنفسه حتى وقف على باب زينب بنت سليمان ، فنادى بالأمان لآل سليمان ، وألّ يعرض لهم أحد . وذكر بكر بن كثير ؛ أنّ إبراهيم لما ظهر على جعفر ومحمد وأخذ البصرة ، وجد فى بيت المال ستمائة ألف ، فأمر بالاحتفاظ بها ۔۔ وقيل إنه وجد فی بیت المال ألفى درهم - فقوىَ بذلك ، وفرض لكلّ رجل خمسين خمسين ؛ فلما غلب إبراهيم على البصرة وجّه - فيما ذكر - إلى الأهواز رجلاً يُدعى الحسين (١) ب: ((الأبواب)). ٦٣٦ سنة ١٤٥ ابن ثولاء ، يدعوهم إلى البيْعة ، فخرج فأخذ بيعتهم ؛ ثم رجع إلى إبراهيم. فوجه إبراهيم المغيرة فى خمسين رجلا ، ثم اجتمع إلى (١) المُغيرة لمّا صار إلى الأهواز تمام مائتى رجل . وكان عامل الأهواز يومئذ من قِبَل أبى جعفر محمد ابن الحصين ، فلما بلغ ابنَ الحصين دنوُّ المغيرة منه خرج إليه بمَنْ معه ، وهم - فيما قيل - أربعة آلاف ، فالتّقْوا على ميل من قَصبة الأهواز بموضع ٣٠١/٣ يقال له دشت أربُك، فانكشف ابن حصين وأصحابه، ودخل المغيرة الأهواز. وقد قيل : إنّ المغيرة صار إلى الأهواز بعد شخوص إبراهيم عن البصرة إلى باخمری ذكر محمد بن خالد المربّعىّ ، أنّ إبراهيم لما ظهر على البصرة ثم أراد الخروج إلى ناحية الكوفة، استخلف على البصرة نُمْلة بن مرّة العبشَمىّ، وأمر بتوجيه المغيرة بن الفزع أحد بنى بَهْدلة بن عوْف إلى الأهواز، وعليها يومئذ محمد بن الحصين العبدىّ ، ووجَّه إبراهيم إلى فارس عمرو بن شدّاد عاملاً عليها ، فمرّ برام هرمز بيعقوب بن الفضل وهو بها ، فاستتبعه؛ فشخص معه حتى قدم فارس، وبها إسماعيل بن علىّ بن عبد اللّه عاملاً عليها من قِبَل أبى جعفر، ومعه أخوه عبد الصّمد بن علىّ ، فلما بلغ إسماعيل بن علىّ وعبد الصمد إقبالُ عمرو بن شداد ويعقوب بن الفضل - وكانا بإصطْخر- بادرا إلى دَارًا بْجِرْد، فتحصّنا بها ، فصارت فارس فى يد عمرو بن شداد ويعقوب بن الفضل ، فصارت البَصْرة والأهواز وفارس فى سلطان إبراهيم . وحدِّثْت عن سليمان بن أبى شيخ، قال : لما ظهر إبراهيم بالبصرة، أقبل الحكم بن أبى غَيْلان البشكرىّ فى سبعة عشر ألفًا حتى دخل واسطاً؛ وبها هارون بن حميد الإيادى من قِبَل أبى جعفر ، فدخل هارون تنوراً (٢) فى القصر حتى أخرِج منه ، وأتى أهلُ واسط حفصَ بن عمر بن حفص بن عمر ٣٠٢/٣ ابن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة، فقالوا له : أنت أولى مِنْ هذا الهجيمىّ؛ فأخذها حَفْص، وخرج منها اليشكُرِىّ، وولَى حفص شُرَطه أبا مقرن الهُجيمىّ . (١) ج: ((مع)). (٢) ب: ((فتوارى)). ٦٣٧ سنة ١٤٥ وذكر عمر بن عبد الغفار بن عمرو الفُقَيْمىّ، ابن أخى الفضل بن عمرو الفُقيمىّ ، قال : كان إبراهيم واجدًا على هارون بن سعد ، لا يكلِّمه، فلما ظهر إبراهيم قدم هارون بن سعد ، فأتى سلم بن أبى واصل، فقال له : أخبرنى عن صاحبك ، أما به إلينا حاجة فى أمره هذا ! قال : بلى لعمر الله . ثم قام فدخل على إبراهيم ، فقال : هذا هارون بن سعد قد جاءك ، قال: لا حاجة لى به ، قال : لا تفعل؛ فى هارون تزهّد ؛ فلم يزل به حتى قبله، وأذن له فدخل عليه؛ فقال له هارون: استكفِنى أهمَّ أمورك إليك، فاستكفاه واسطاً ، واستعمله عليها . قال سليمان بن أبى شيخ : حدثنى أبو الصعدىّ ، قال : أتانا هارون بن سعد العجلىّ من أهل الكوفة ، وقد وجهه إبراهيم من البصرة ، وكان شيخًا كبيراً، وكان أشهر مَنْ معه من أهل البصرة الطُّهوىّ، وكان معه ممِنّ يشبه الطهوىّ فى نَجْدته من أهل واسط عبد الرحيم الكليّ، وكان شجاعًا؛ وكان ممن قدم به-أو قدم عليه-عبدويه كردام الخراسانىّ . وكان من فرسانهم صدقة بن بكار ، وكان منصور بن جُمهور يقول : إذا كان معى صدقة بن بكار فما أبالى مَنْ لقيت ! فوجَّه أبو جعفر إلى واسط لحرب هارون بن سعد عامر بن إسماعيل المُسلىّ فى خمسة آلاف فى قول بعضهم ، وقال بعضهم: فى عشرين ألفًا ، وكانت بينهم وقعات. وذكر عن ابن أبى الكرام، أنه قال: قدمت على أبى جعفر برأس محمد ، ٣٠٣/٣ وعامر بن إسماعيل بواسط محاصرٌ هارون بن سعد، وكانت الحرب بين أهل واسط وأصحاب أبى جعفر قبل شخوص إبراهيم من البصرة ، فذكر سليمان بن أبى شيخ ، قال: عسكر عامر بن إسماعيل مِنْ وراء النيل ، فكانت أول حرب جرت بينه وبين هارون ، فضربه عبدٌ سقّاء وجرحه وصرعه وهو لا يعرفه ، فأرسل إليه أبو جعفر بظبية فيها صَمْغ عربىّ ؛ وقال : داوٍ بها جراحتك ، فالتقوا غير مرّة ، فقتل من أهل البصرة وأهل واسط خلْق كثير ؛ وكان هارون ينهاهم عن القتال ، ويقول : لو لقى صاحبنا صاحبتَهم تبيّن لنا الأمر ، فاستبقوا أنفسكم ؛ فكانوا لا يفعلون. فلما شخص إبراهيم إلى باخَمْرَى كفّ الفريقان من أهل واسط وعامر بن إسماعيل؛ بعضُهم عن بعض، وتوادعوا على ٦٣٨ سنة ١٤٥ ترك الحرب إلى أن يلتقى الفريقان ، ثم يكونوا تبعًا للغالب؛ فلما قتل إبراهيم أراد عامر بن إسماعيل دخولَ واسط ، فمانعه أهلُها الدخول . قال سليمان : لما جاء قتلُ إبراهيم هرب هارون بن سعد، وصالح أهلُ واسط عامر بن إسماعيل على أن يؤمنهم ، فلم يثق كثير منهم بأمانه ، فخرجوا منها ، ودخلها عامر بن إسماعيل ، وأقام بواسط فلم يُهِجْ أحداً . وكان عامر - فيما ذكر - صالح أهلَ واسط على ألّ يقتل أحداً بواسط ، فكانوا يقتلون كلّ مَنْ يجدونه من أهل واسط خارجًا منها ؛ ولما وقع الصُّلْح ٣٠٤/٣ بين أهل واسط وعامر بعد قتل إبراهيم هرب هارون بن سعد إلى البصرة، فتوقّىّ قبل أن يبلغها فيما ذكر . وقيل إن هارون بن سعد اختفتی ،فلم يزل مختفيا حتی ولی محمد بن سلمان الكوفة ، فأعطاه الأمان ، واستدرجه حتى ظهر ، وأمره أن يفرض لمائتين من أهل بيته ؛ فهمّ أن يفعل، وركب إلى محمّد، فلقيه ابن عمّ له، فقال له : أنت مخدوع ، فرجع فتواری حتی مات ، وهدم محمد بن سلمان داره . قال: ولم يزل إبراهيم مقيماً بالبصرة بعد ظهوره بها، يفرّق العمال فى النواحى ويوجّه الجيوش إلى البلدان ؛ حتى أتاه نعىُّ أخيه محمد؛ فذكر نصر بن قُديد؛ قال : فرض إبراهيم فروضًا بالبصرة ، فلما كان قبل الفِطْر بثلاثة أيام ، أتاه نعىّ أخيه محمد ؛ فخرج بالناس إلى العيد ، وهم يعرفون فيه الانكسار ، وأخبر الناسَ بقتل محمد ؛ فازدادوا فى قتال أبى جَعْفر بصيرةً، وأصبح من الغد فعسكر، واستخلف نُمَيَلَة على البَصْرة ، وخلّف ابنه حسناً معه . قال سعيد بن هريم: حدثنى أبى ، قال : قال علىّ بن داود : لقد نظرت إلى الموت فى وجْه إبراهيم حين خطبَنًا يوم الفطر ، فانصرفتُ إلى أهلى فقلت : قتل والله الرجل ! وذكر محمد بن معروف ، عن أبيه أن جعفراً ومحمداً ابنى سليمان لما شخصا من البصرة، أرسلاه إلى أبى جعفر ليخبره خبر إبراهيم، قال : فأخبرتُه خبرهما ، فقال: والله ما أدرى كيف أصنع! والله ما فى عسكرى إلا ألفا رجل ؛ فرّقت جندى، فمع المهدىّ بالرّىّ ثلاثون ألفاً، ومع محمد بن الأشعث ٦٣٩ سنة ١٤٥ بإفريقية أربعون ألفًا والباقون مع عيسى بن موسى؛ والله لئن سلمت من هذه ٣٠٥/٣ لا يفارق عسكرى ثلاثون ألفاً . وقال عبد الله بن راشد: ما كان فى عسكر أبى جعفر كثيرٌ أحد ؛ ما هم إلا سودان وناسٌ يسير ؛ وكان يأمر بالخطَب فيحزمَ ثم يوقَد باللّيل، فيراه الرائى فيحسب أن هناك ناسًا ؛ وما هى إلاّ نار تضرَم ، وليس عندها أحد . قال محمد بن معروف بن سويد : حدّثنى أبى ، قال : لما ورد الخبر على أبى جعفر ، كتب إلى عيسى بن موسى وهو بالمدينة : إذا قرأتَ كتابى هذا فأقبل وَدَعْ كلّ ما أنت فيه ؛ قال : فلم ينشب أن قدم ، فوجّهه على الناس . وكتب إلى سلم بن قتيبة فقدم عليه من الرّىّ، فضمه إلى جعفر ابن سليمان . فذكر عن يوسف بن قتيبة بن مسلم ، قال : أخبرنى أخى سلْ بن قتيبة ابن مسلم ، قال: لما دخلتُ على أبى جعفر قال لى : اخرج ؛ فإنه قد خرج ابنا عبد اللّه، فاعمد لإبراهيم ولا ير و عنّك جمعُه؛ فوالله إنهما جملاً بنى هاشم المقتولان جميعًا؛ فابسط يدك، وثِقْ بما أعلمتك، وستذكر مقالتى لك . قال : فوالله ما هو إلا أن قُتِل إبراهيم ، فجعلت أتذكر مقالته فأعجب . قال سعيد بن سلم: فاستعمله على ميسرة الناس، وضمّ إليه بشار بن سلم العُقيلىّ وأبا يحيى بن خُرَيم وأبا هُراسة سنان بن محيَّس القشيرى"، وكتب سلم إلى البصرة فلحقت به باهلة ؛ عُرْبُها ومواليها ، وكتب المنصور إلى المهدىّ وهو يومئذ بالرّىّ يأمره بتوجيه خازم بن خزيمة إلى الأهواز ، فوجهه المهدىّ- فيما ذكر - فى أربعة آلاف من الجند، فصار إليها، وحارب بها المغيرة، فانصرف ٣٠٦/٣ إلى البصرة ، ودخل خازم الأهواز ، فأباحها ثلاثاً . وذكر عن الفضل بن العبّاس بن موسى وعمر بن ماهان، أنهما سمعا السندىّ يقول : كنت وصيفًا أيام حرب محمد ، أقوم على رأس المنصور بالمذَبّة ، فرأيته لما كثف أمر إبراهيم وغلُظ ، أقام على مصلى نيفًا وخمسين ليلة، ينام عليه ويجلس عليه ، وعليه جُبّة ملوّنة قد اتَّسخ جَيْبها وما تحت لحيته منها ؛ فما غيَّر الجُبّة، ولا هجرَ المصلَّى حتى فتح اللّه عليه؛ إلّ أنه كان إذا ظهر ٦٤٠ سنة ١٤٥ للناس علا الجبّة بالسواد، وقعد على فراشه؛ فإذا بطن عاد إلى هيئته . قال : فأتته ريسانة فى تلك الأيام، وقد أهديت له امرأتان من المدينة؛ إحداهما فاطمة بنت محمد بن عيسى بن طلحة بن عبيدالله والأخرى أمة (١) الكريم بنت عبد الله من ولد خالد بن أسيد بن أبى العيص ؛ فلم ينظر إليهما ، فقالت : يا أمير المؤمنين ؛ إن هاتين المرأتين قد خبثت أنفسهما، وساءت ظنونهما لما ظهر من جفائك لهما؛ فنهرها، وقال: ليست هذه الأيام من أيام النساء؛ لاسبيل لى إليهما حتى أعلم: أرأس إبراهيم لى أم رأسى لإبراهيم ! ٣٠٧/٣ وُذُكِرِ أن محمداً وجعفراً ابنى سلمان كتبا إلى أبى جعفر يُعْلمانه بعد خروجهما من البَصْرة الخبر فى قطعة جراب ، ولم يقدرا على شىء يكتبان فيه غير ذلك ؛ فلما وصل الكتاب إليه؛ فرأى قطعة جراب بيد الرسول، قال : خلع واللّه أهل البصرة مع إبراهيم، ثم قرأ الكتاب، ودعا بعبد الرحمن الحُتّلىّ. وبأبى يعقوب ختن مالك بن الهيثم، فوجّههما فى خيل كثيفة إليهما ، وأمرهما أن يحبساهما حيث لقياهما ، وأن يعسكرا معهما ، ويسمعا ويطيعا لهما ؛ وكتب إليهما يعجّزهما ويضعفهما ويوبخهما على طمع إبراهيم فى الخروج إلى مِصرِهما فيه ، واستتار خبره عنهما، حتى ظهر وكتب فى آخر كتابه : فاستَيْقِظُوا إِنَّ هذا فِعْلِ نُوّام أَبْلِغْ بنى هاشمٍ عَنِّى مُفَلْغَلَةً وتَتَّقَى مَرْبِضَ المُسْتَنْفِرِ الحامى تعدو الذّئاب علی من لا کلاب له وذكر عن جعفر بن ربيعة العامرىّ عن الحجاج بن قتيبة بن مسلم ، قال : دخلت على المنصور أيام حرب محمد وإبراهيم ، وقد جاءه فتق البَصْرة والأهواز وفارس وواسط والمدائن والسواد ، وهو ينكت الأرض بمخْصَرِته ويتمثّل: ونصبتُ نفسى للرِّماحِ دَريّةً إِن الرئيسَ لمثل ذاك فعول قال : فقلت : يا أمير المؤمنين ، أدام إعزازك ونصرك على عدّوك! أنت كما قال الأعشى : فحرَّت لهم بعد إِبرادِها(٢) وإِنْ حَرْبُهُمْ أُوْقِدَتْ بِينِهِمْ (١) كذا فى هـ، وفى ط: ((أم)). (٢) ديوانه ٧٣ ( النموذجية).