Indexed OCR Text

Pages 481-500

٤٨١
سنة ١٣٧
قال علىّ: قال مسلم بن المغيرة: كنت مع الحسن بن قحطبة بأرمينية فلما
وجّه أبو مسلم إلى الشأم كتب أبو جعفر إلى الحسن أن يوافيه ويسير معه ،
فقدمنا على أبى مسلم وهو بالموصل فأقام(١) أيامًا، فلما أراد أن يسير، قلت
للحسن : أنتم تسيرون إلى القتال(٢) وليس بك إلىَّ حاجة، فلو أذنتَ لى
فأتيت العراق، فأقمت حتى تقدموا إن شاء اللّه! قال: نعم ؛ لكن أعلِمْنى
إذا أردتَ الخروج ، قلت : نعم ، فلما فرغت وتهيأت (٣) أعلمتُهُ، وقلتُ:
أتيتُك أودّعك، قال: قف (٤) لى بالباب حتى أخرُج إليك، فخرجتُ
فوقفتُ وخرج، فقال : إنّى أريد أن ألقى إليك شيئًا لتبلغَه أبا أيوب ، ولولا
ثقتى بك لم أخبرْك (٥)، ولولا مكانك من أبى أيوب لم أخبرْك ؛ فأبلغْ أبا أيوب
أنى قد ارتبتُ بأبى (٦) مسلم منذ قدمتُ عليه، إنّه يأتيه الكتاب من أمير المؤمنين
فيقرؤه، ثم يلوى شدقه، ويرمى بالكتاب إلى أبى نصر ، فيقرؤه ويضحكان
استهزاء ؛ قلتُ : نعم قد فهمت ؛ فلقيتُ أبا أيوب وأنا أرى أن قد أتيته بشىء ،
فضحك، وقال: نحن لأبى مسلم أشدّ تُهمةً منّا لعبد الله بن علىّ إلّ
أنا نرجو واحدةً؛ نعلم أنّ أهل خُراسان لا يحبون عبد اللّه بن علىّ، وقد
قَتَل منهم من قَتَل؛ وكان عبد الله بن علىّ حين خَلَعَ خاف أهلَ
خُراسان، فقتل منهم سبعة عشر ألفًا؛ أمر صاحب شرطته حيّاش بن حبيب ١٠٢/٣
فقتلهم .
قال علىّ: فذكر أبو حفص الأزدىّ أن أبا مسلم قاتل عبد الله بن على
فهزمه ، وجَمَعَ ما كان فى عسكره من الأموال فصيره فى حظيرة ، وأصاب
عينًا ومتاعًا وجوهراً كثيراً؛ فكان منثوراً فى تلك الحظيرة ؛ ووكّل بها وبحفظها
قائداً من قُوّاده ، فكنت فى أصحابه ، فجعلها نوائب بيننا ، فكان إذا خرج
رجل من الحظيرة فتّشه، فخرج أصحابى يومًا من الحظيرة وتخلفت ، فقال
لهم الأمير : ما فعل أبو حفص ؟ فقالوا : هو فى الحظيرة ، قال : فجاء فاطلع
(١) ج: ((فأقمنا)).
(٣) ج: ((فتهيأت فلما فرغت)).
(٥) ج: ((لم أبلغك)).
(٢) ط: ((والقتال))، والصواب ما أثبته من ت.
(٤) ج: ((فقف)).
(٦) ت: ((رأى)).

٤٨٢
سنة ١٣٧
من الباب ، وفطنت له فنزعت خُفَّىّ وهو ينظر ، فنفضتهما وهو ينظر ،
ونفضت سراويلى وكُمتّى ، ثم لبست خفىّ وهو ينظر، ثم قام فقعد فى مجلسه
وخرجت ، فقال لى : ما حبسك؟ قلت : خير، فخلّ نى، فقال: قد رأيتُ
ما صنعتَ فلِمِّ صنعتَ هذا ؟ قلت: إنّ فى الحظيرة لؤلؤاً منثوراً ودراهم
منثورة ؛ ونحن نتقلب عليها ، فخفت أن يكون قد دخل فى خُفىّ منها شىء ،
فنزعت خُفىّ وجوربىّ؛ فأعجبه ذلك وقال : انطلق ، فكنت أدخل الحظيرة
مع من يحفظ فآخذ من الدراهم ومن تلك الثياب الناعمة فأجعل بعضها فى خفىّ
وأشدّ بعضها على بطنى، ويخرج أصحابى فيفتَّشُون ولا أفتَّش ، حتى
جمعت مالا ، قال : وأما اللؤلؤ فإنّى لم أكن أمسه .
ثم رجع الحديث إلى حديث الذين ذكر علىّ عنهم قصة أبى مسلم فى أول
الخبر. قالوا: ولما انهزم عبد الله بن علىّ بعث أبو جعفر أبا الخصيب إلى
١٠٣/٣ أبى مسلم ليكتب له ما أصاب من الأموال، فافترى أبو مسلم على أبى الخصيب
وهمّ بقتله، فكلِمٍ فيه؛ وقيل: إنما هو رسول ، فخلّ سبيله . فرجع إلى
أبى جعفر ، وجاء القوّاد إلى أبى مسلم ، فقالوا : نحن ولينا أمر هذا الرجل ،
وغنِمْنا عسكره، فلم يُسأل عما فى أيدينا؛ إنما لأمير المؤمنين مِنْ هذا الحُمْس.
فلما قدم أبو الخصيب على أبى جعفر أخبره أنّ أبا مسلم همّ بقتله . فخاف
أن يمضى أبو مسلم إلى خُراسان، فكتب إليه كتاباً مع يقطين؛ أن (١) قد وليتك
مصر والشأم ؛ فهى خير لك من خُراسان ، فوجّه إلى مِصر من أحببت ،
وأقم بالشأم فتكون بقرب أمير المؤمنين ؛ فإن أحبّ لقاءك أتيتَه من قريب .
فلما أتاه الكتاب غضب ، وقال : هو يولينى الشأم ومصر ، وخراسان لى!
واعتزم(٢) بالمضىّ إلى خراسان، فكتب يقطين إلى أبى جعفر بذلك .
وقال غير من ذكرت خبره : لما ظفير أبو مسلم بعسكر عبد الله بن
علىّ بعث المنصور يقطين بن موسى ، وأمره أن يحصىَ ما فى العسكر ،
وكان أبو مسلم يسميه ((يك دين))، فقال أبو مسلم : يا يقطين ،
(٢) ط: ((وأعتزم)).
(١) ت: ((إنى)).

٤٨٣
سنة ١٣٧
أمين على الدماء خائن فى الأموال ! وشتم أبا جعفر ، فأبلغه يقطين ذلك .
وأقبل أبو مسلم من الجزيرة مجميعًا على الخلاف ؛ وخرج من وجهه معارضًا
يريد خراسان ؛ وخرج أبو جعفر من الأنبار إلى المدائن ؛ وكتب إلى أبى مسلم
فى المصير إليه . فكتب أبو مسلم ، وقد نزل الزّاب وهو على الرّواح إلى طريق
حُلوان : إنه لم يبق لأمير المؤمنين أكرمه الله عدوّ إلا أمكنه الله منه؛ وقد كنّا
نروى عن ملوك آل ساسان: أنّ أخوف ما يكون الوزراء إذا سكنت الدهماء؛
فنحن نافرون من قربك ، حريصون على الوفاء بعهدك ما وفيتَ ، حريُّون ١٠٤/٣
بالسمع والطاعة ؛ غير أنها من بعيد (١) حيث تقارنها السلامة ، فإن أرضاك
ذاك فأنا كأحسن عبيدك؛ فإن أبيتَ إلا أن تعطىَ نفسك إرادتَها نقضتُ
ما أبرمْت من عهدك ، ضنًّا بنفسى . فلما وصل الكتاب إلى المنصور كتب
إلى أبى مسلم : قد فهمتُ كتابك ؛ وليست صفتك صفة أولئك الوزراء
الغَشَشة ملوكهم ، الذين يتمنون اضطراب حَبْل الدولة لكثرة جرائمهم ؛
فإنما راحتُهم فى انتشار نظام الجماعة ؛ فلمَ سوَّيْت نفسك بهم ، وأنت فى
طاعتك ومناصحتك واضطلاعك بما حملت من أعباء هذا الأمر على ما أنت
به ! وليس مع الشريطة التى أوجبتَ منك سمع (٢) ولا طاعة. وحمل إليك
أمير المؤمنين عيسى بن موسى رسالة لتسكُنَ إليها إن أَصْغَيْت إليها ،
وأسأل الله أن يحول بين الشيطان ونزغاته وبينك؛ فإنه لم يجد باباً يفسد به نيتك
أوكدَ عنده ، وأقرب من طِبّه (٣) من الباب الذى فتحه عليك. ووجه إليه
جريربن يزيد بن جرير بن عبد الله البجليّ ؛ وكان واحد أهل زمانه ،
فخدعه وردّه ، وكان أبو مسلم يقول: والله لأقتَلَنّ بالروم؛ وكان
المنجمون يقولون ذلك ؛ فأقبل والمنصور فى الرومية فى مضارب ، وتلقاه الناس
وأنزله وأكرمه أيامًاً .
وأماعلىّ فإنه ذكر عن شيوخه الذين تقدّم ذكرنا لهم أنهم قالوا: كتب أبو مسلم ١٠٥/٣
إلى أبى جعفر: أما بعد؛ فإنى اتخذت رجلا (٤) إمامًا ودليلا على ما افترضه الله
على خلقه ؛ وكان فى محِلّة العلم نازلا ، وفى قرابته من رسول الله صلى الله عليه
(١) ت: ((بعد)).
(٣) ب، ت: ((ظنه)). والطب هنا: السحر.
(٢) ط: ((سماع)).
(٤) يعنى أخاه إبراهيم الإمام .
i

٤٨٤
سنة ١٣٧
وسلم قريبًا ؛ فاستجهلنى بالقرآن فحرّفه عن مواضعه ، طمعًا فى قليل قد تعافاه
اللّه إلى خلقه؛ فكان كالذى ◌ُدُلَّ (١) بغرور ؛ وأمرنى أن أجرّد السيف،
وأرفع الرحمة، ولا أقبل المعذرة ، ولا أقيل العثرة، ففعلت توطيداً (٢) لسلطانكم
حتى عرَّفكم الله من كان جهلكم، ثم استنقذنى اللّه بالتَّوْبة؛ فإن يعف عنى
فقِدْمًا عُرفٍ به ونسِب إليه؛ وإن يعاقبنى فيما قدمت يداى وما الله بظلام
للعبيد .
وخرج أبو مسلم يريد خُراسان مراغما مشاقًّا(٣)، فلما دخل أرضَ
العراق ، ارتحل المنصور من الأنْبار، فأقبل حتى نزل المدائن ، وأخذ أبو مسلم
طريق حلوان؛ فقال : رُبّ أمرٍ لله دون حُلوان. وقال أبو جعفر لعيسى بن
علىّ وعيسى بن موسى ومَنْ حضره من بنى هاشم : اكتبوا إلى أبى مسلم ؛
فكتبوا إليه يعظمون أمره، ويشكرون له ما كان منه، ويسألونه أن يتمّ(٤) على
ما كان منه وعليه من الطاعة ، ويحذّرونه عاقبة الغدر ، ويأمرونه بالرجوع
إلى أمير المؤمنين؛ وأن يلتمس رضاه. وبعث بالكتاب أبو جعفر مع أبى حميد
المروروذىّ ، وقال له : كلم أبا مسلم بأليَن ما تكلّم به أحداً، ومنّه وأعلمه
أنى رافعه وصانع به ما لم يصنعه أحد ، إن هو صلح وراجع ما أحبّ ؛ فإن
١٠٦/٣ أبى أن يرجع فقل له: يقول لك أمير المؤمنين: لستُ للعباس (٥) وأنا برىء
من محمد ، إن مضيتَ مشاقًّا ولم تأتنى ، إن وكلت أمرَك إلى أحد سواى ،
وإن (٦) لم أل طلبك وقتالك بنفسى؛ ولوخُضْتَ البحر لخضتُه، ولو اقتحمتَ.
النار لاقتحمتُها حتى أقتلك أو أموت قبل ذلك . ولا تقولنّ له هذا الكلام حتى
تأيس من رجوعه ، ولا تطمع منه فى خير .
فسار أبو حُميد فى ناس من أصحابه ممن يثق بهم ؛ حتى قدموا على
أبى مسلم بحُلْوان، فدخل أبو حميد وأبو مالك وغيرهما ، فدفع إليه الكتاب ،
وقال له : إنّ الناس يبلّغونك عن أمير المؤمنين ما لم يقله ، وخلاف ما عليه
رأيه فيك ؛ حسداً وبغيًا ؛ يريدون إزالة النعمة وتغييرها ؛ فلا تفسد ما كان
(١) دلى ، أى أطمع .
(٢) ت: ((توطئة)).
(٣) راغمهم : نابذهم وهجرهم وعاداهم، وشاقهم : خالفهم .
(٤) أن يتم على ما كان منه، أى يستمر عليه.
(٥) ابن الأثير: ((من العباس)).
(٦): ((ولم آل)).

٤٨٥
سنة ١٣٧
منك ؛ وكلّمه . وقال : يا أبا مسلم ، إنك لم تزل أمينَ آل محمد ؛ يعرفك
بذلك الناس ، وما ذخر الله لك من الأجر عنده فى ذلك أعظم مما أنت فيه من
دنياك ، فلا تحبطْ أجرَك ، ولا يستهوينّك الشيطان ، فقال له أبو مسلم :
متى كنتَ تكلِّمنى بهذا الكلام! قال : إنك دعوتنا إلى هذا وإلى طاعة أهل
بيت النبيّ صلى اللّه عليه وسلم بنى العباس، وأمرتَنا بقتال مَن خالف ذلك؛
فدعوتنا من أرضين متفرّقة وأسباب مختلفة ، فجمعنا اللّه على طاعتهم ، وألف
بين قلوبنا بمحبّتهم ، وأعزّنا بنصرنا لهم ، ولم نلق منهم رجلاً إلا بما قذف
الله فى قلوبنا ، حتى أتيناهم فى بلادهم ببصائر نافذة ، وطاعة خالصة ؛ أفتريد
حين بلغنا غاية منانا ومنتهى أملنا أن تُفسد أمرنا ، وتفرّق كلمتنا ؛ وقد قلت
لنا: مَنْ خالفكم فاقتلوه، وإن خالفتكم فاقتلونى! فأقبل على أبى نصر، ١٠٧/٣
فقال: يا مالك، أما تسمع ما يقول لى هذا ! ما هذا بكلامه يا مالك (١)! قال:
لا تسمع كلامه ، ولا يهولنك هذا منه ؛ فلعمرى لقد صدقتَ ما هذا كلامه ؛
ولَمَا بعد هذا أشدّ منه؛ فامض لأمرك ولا ترجِعْ؛ فوالله لئن أتيتَه ليقتلنّك؛
ولقد وقع فى نفسه منك شىء لا يأمنك أبداً . فقال: قوموا، فنهضوا، فأرسل
أبو مسلم إلى نيزك ، وقال : يا نيزك، إنى والله ما رأيت طويلاً أعقَل منك ،
فما ترى ، فقد جاءت هذه الكتب ، وقد قال القوم ما قالوا ؟ قال : لا أرى أن
تأتيَه ، وأرى أن تأتى الرّىّ فتقيم بها ، فيصير ما بين خراسان والرّى لك ؛ وهم
جندُك ما يخالفك أحدٌ ؛ فإن استقام لك استقمتَ له ، وإن أبى كنتَ فى
جندك ، وكانت خراسان من ورائك ، ورأيت رأيك . فدعا أبا حميد ، فقال :
ارجع إلى صاحبك ، فليس من رأيى أن آتيَه . قال : قد عزمت على خلافه؟
قال : نعم ، قال: لا تفعل، قال: ما أريد أن ألقاه؛ فلما آيسه من الرجوع،
قال له ما أمره به أبو جعفر ، فوجتم طويلا ، ثم قال: قم . فكسره ذلك
القول ورعّبه .
وكان أبو جعفر قد كتب إلى أبى داود - وهو خليفة أبى مسلم بخُراسان-
حين اتّهم أبا مسلم : إنّ لك إمْرَة خراسان ما بقيتُ . فكتب
(١) هو مالك بن الهيثم الخزاعى أبو نصر، وكان على شرط أبى مسلم.

٤٨٦
سنة ١٣٧
أبو داود إلى أبى مسلم: إنا لم نخرج لمعصية خلفاء اللّه وأهل بيت نبيه
صلى الله عليه وسلم، فلا تخالفنّ إمامك ولا ترجعنّ إلا بإذنه . فوافاه كتابه
على تلك الحال ؛ فزاده رُعبًا وَهمَّا، فأرسل إلى أبى حُميد وأبى مالك فقال
لهما: إنى قد كنت معتزمًا على المضىّ إلى خراسان، ثم رأيت أن أوجه أبا إسحاق
١٠٨/٣ إلى أمير المؤمنين فيأتينى برأيه؛ فإنه ممن أثق به فوجهه ، فلما قدم تلقاه بنوهاشم
بكلّ ما يحبّ ، وقال له أبو جعفر : اصرفه عن وجهه؛ ولك ولاية خراسان؛
وأجازه . فرجع أبو إسحاق إلى أبى مُسلم، فقال له : ما أنكرتُ شيئًا، رأيتهم
معظمين لحقك ، يرون لك ما يرون لأنفسهم . وأشار عليه أن يرجع إلى
أمير المؤمنين ، فيعتذر إليه مما كان منه ، فأجمع على ذلك، فقال له نيزك : قد
أجمعتَ على الرجوع ؟ قال : نعم ، وتمثّل :
ما للرجال مع القضاءِ مَحَالَةٌ ذَهَبَ القضاءُ بحيلة الأَقُوامِ
فقال : أمّا(١) إذ اعتزمتَ على هذا فخار اللّه لك؛ واحفظْ عنى واحدة؛ إذا
دخلتَ عليه فاقتله ثم بايع لمن شئت ؛ فإنّ الناس لا يخالفونك. وكتب أبو مسلم
إلى أبى جعفر يخبره أنه منصرف إليه .
قالوا : قال أبو أيوب : فدخلتُ يومًا على أبى جعفر وهو فى خِباء شعر
بالروميّة جالساً على مُصلّى بعد العصر ، وبين يديه كتاب أبى مسلم ، فرمى
به إلىّ فقرأته ، ثم قال: والله لئن ملأت عينى منه لأقتلته، فقلت فى نفسى:
إنا لله وإنا إليه راجعون! طلبتُ الكتابة حتى إذا بلغتُ غايتها فصرتُ كاتبًا
للخليفة، وقع هذا بين الناس! والله ما أرى أنا إن قُتِل يرض أصحابُه بقتله،
ولا يدَعُون هذا حيًّا ؛ ولا أحداً ممن هو بسبيل منه ؛ وامتنع منى النوم ، ثم
قلتُ : لعلّ الرّجل يقدم وهو آمن؛ فإن كان آمنًا فعسى أن ينال ما يريد ؛
وإن قدم وهو حذرٍ لم يقدر عليه إلا فى شرّ، فلو التمست حيلة! فأرسلتُ
إلى سلمة بن سعيد بن جابر ، فقلت له : هل عندك شكر ؟ فقال : نعم ،
١٠٩/٣ فقلت : إن وليتُك ولاية تصيب منها مثل ما يصيب صاحب العراق، تدخل
معك حاتم بن أبى سليمان أخى ؟ قال : نعم ، فقلت - وأردت أن يطلع ولا
(١) كذا فى ت، وفى ط: ((إذا عزمت)).

٤٨٧
سنة ١٣٧
ينكر: وتجعل له النصف؟ قال: نعم، قلت: إنّ كَسْكَر كالت(١)
عامَ أوّل كذا وكذا، ومنها العام أضعاف ما كان عام أوّل؛ فإن دفعتُها إليك
بقبالتها عامًاً أوّل أو بالأمانة أصبتَ ما تضيق به ذرعاً ، قال : فكيف لى
بهذا المال ؟ قلت : تأتى أبا مسلم ، فتلقاه وتكلمه غداً ، وتسأله أن يجعل هذا
فيما يرفع من حوائجه أن تتولّ ها أنت بما كانت فى العام الأوّل ؛ فإنّ
أمير المؤمنين يريد أن يولِّيَه إذا قدم ما وراء بابه، ويستريح ويريح نفسه، قال:
فكيف لى أن يأذن أمير المؤمنين فى لقائه ؟ قلتُ : أنا أستأذن لك ؛ ودخلت
إلى أبى جعفر (٢)؛ فحدثته الحديث كله، قال : فادع سلّمة، فدعوته ، فقال:
إن أبا أيوب استأذن لك ، أفتحب أن تلقى أبا مسلم ؟ قال : نعم ، قال : فقد
أذنتُ لك، فأقرئه السلام ، وأعلمه بشوقنا إليه . فخرج سلمة فلقيه ، فقال:
أميرُ المؤمنين أحسنُ الناس فيك رأيًا، فطابت نفسه، وكان قبل ذلك كئيباً .
فلما قدم عليه سلمة سرّه ما أخبره به وصدّقه ، ولم يزل مسروراً حتى قدم .
قال أبو أيوب: فلما دنا أبو مسلم من المدائن أمَر أميرُ المؤمنين الناس
فتلقوْه ؛ فلما كان عشية قدم ، دخلت على أمير المؤمنين وهو فى خِباء على
مصلّى ، فقلت : هذا الرجل يدخل العشيّة ، فما تريد أن تصنع ؟ قال :
أريد أن أقتله حين أنظر إليه ، قلت : أنشدك الله ؛ إنه يدخل معه الناس ؛
وقد علموا ما صنع ؛ فإن دخل عليك ولم يخرج لم آمن البلاء (٣) ؛ ولكن إذا
دخل عليك فأذن له أن ينصرف ؛ فإذا غدا (٤) عليك رأيت رأيك. وما أردتُ ١١٠/٣
بذلك إلا دفعه بها، وما ذاك إلّ من خوفى عليه وعلينا جميعًا من أصحاب
أبى مسلم . فدخل عليه من عشيته وسلم ، وقام قائمًا بين يديه ، فقال : انصرف
يا عبد الرحمن فأرِحْ نفسك، وادخل الحمام ؛ فإن للسفر قَشَفًا ، ثم اغدُ
علىَّ، فانصرف أبو مسلم وانصرف الناس. قال: فافْترى علىّ أمير المؤمنين
حين خرج أبو مسلم؛ وقال: متى أقدر على مثل هذه الحال منه التى رأيته قائمًا
على رجليه ، ولا أدرى ما يحدث فى ليلتى ! فانصرفت وأصبحت غادياً عليه ؛
(١) ابن الأثير: ((كانت)).
(٣) ج: ((من البلاء)).
(٢) ت، ج: ((على أبى جعفر)).
(٤) ج: ((إذا دخل)).

٤٨٨
سنة ١٣٧
فلما رآنى قال : يا بن اللخناء ؛ لا مرحبًا بك! أنت منعتَنى منه أمسٍ؛ والله
ما غمضتُ الليلة ، ثم شتمنى حتى خفتُ أن يأمر بقتلى ، ثم قال : ادع لى
عثمان بن نَهيك ، فدعوتُه ، فقال : يا عثمان ، كيف بلاء أمير المؤمنين عندك ؟
قال: يا أمير المؤمنين إنما أنا عبدُك؛ والله لو امرتَنى أن اتّكِئ على سيفى حتى
يخرج من ظهرى لفعلت ، قال : كيف أنت إن أمرتُك بقتل أبى مسلم ؟
فوجتم ساعةً لا يتكلم ، فقلت : مالك لا تتكلم ! فقال قولة ضعيفة : أقتله ؛
قال : انطلِقٍ فجئ بأربعة من وجوه الحرس جُلْد ، فضى ؛ فلما كان
عند الرّواق، ناداه: يا عثمان يا عثمان؛ ارجع؛ فرجع، قال: اجلس؛ وأرسِلْ
إلى مَنْ تثق به من الحرس ؛ فأحضرْ منهم أربعة ، فقال لوصيف له انطلق:
١١١/٣ فادعُ شبيب بن واج، وادعُ أبا حنيفة ورجلين آخرين ؛ فدخلوا، فقال لهم
أمير المؤمنين نحواً مما قال لعثمان، فقالوا: نقتله، فقال: كونوا خَلْف
الرواق ؛ فإذا صفَّقت فاخرجوا فاقتلوه .
وأرسل إلى أبى مسلم رسلاً بعضهم على إثر بعض ، فقالوا : قد ركب ،
وأتاه وصيف ، فقال : أتى عيسى بن موسى ، فقلت : يا أميرَ المؤمنين ،
ألا أخرج فأطوف فى العسكر ، فأنظر ما يقول الناس ؟ هل ظن أحد ظنًّا،
أو تكلم أحد بشىء ؟ قال : بلى ، فخرجتُ، وتلقانِى أبو مسلم داخلاً ،
فتبسم وسلمت عليه ودخل، فرجعت ؛ فإذا هو منبطحٌ(١) لم ينتظر به رجوعى .
وجاء أبو الجهم ، فلما رآه مقتولا قال: إنا لله وإنا إليه راجعون! فأقبلت
على أبى الجهم ، فقلت له : أمرتَه بقتله حين خالف ، حتى إذا قُتِل قلتَ
هذه المقالة ! فنبّهت به رجلا غافلا، فتكلم بكلام أصلح ما جاءَ منه ، ثم
قال : يا أمير المؤمنين؛ ألا أردّ الناس؟ قال: بلى ، قال: فمرْ بمتاع يحوّل
إلى رواق آخر من أرواقك هذه ، فأمر بفرُش فأخرجت ؛ كأنه يريد أن
يُهيّئ له رواقًا آخر . وخرج أبو الجهم ، فقال : انصرفوا ، فإن الأمير
يريد أن يقيل(٢) عند أمير المؤمنين، ورأوا المتاع ينقل، فظنوه صادقًا، فانصرفوا
ثم راحوا ، فأمر لهم أبو جعفر بجوائزهم ، وأعطى أبا إسحاق مائة ألف .
(١) ت، ج: ((مسطح)).
(٢) ب: ((يقبل)).

٤٨٩
سنة ١٣٧
قال أبو أيوب : قال لى أمير المؤمنين : دخل علىّ أبو مسلم فعاتبتُه ثم
شتمتُه ، فضربه عثمان فلم يصنع شيئًا، وخرج شبيب بن واج وأصحابه
فضربوه فسقط ، فقال وهم يضربونه : العفو ، فقلت : يابن اللخناء ، العفو
والسيوف قد اعتورتْك! وقلت : اذبحوه، فذبحوه .
قال علىّ عن أبى حفص الأزدىّ، قال: كنت مع أبى مسلم، فقدم عليه ١١٢/٣
أبو إسحاق من عند أبى جعفر بكتب من بنى هاشم ، وقال : رأيتُ القوم على
غير ما ترى ؛ كلّ القوم يرون لك ما يرون للخليفة، ويعرفون ما أبلاهم الله بك.
فسار إلى المدائن، وخلف أبا نصر فى ثَقَله ، وقال : أقم حتى يأتيك كتابى ،
قال : فاجعل بينى وبينك آية أعرف بها كتابك ، قال : إن أتاك كتابى
مختومًاً(١) بنصف خاتم فأنا كتبتُه، وإن أتاك بالخاتم (٢) كلِّه؛ فلم أكتبه ولم
أختمه . فلما دنا من المدائن تلقاه رجل من قوّاده ، فسلّم عليه ، فقال له :
أطعْنى وارجع ؛ فإنه إن عاينك (٣) قتلَك، قال: قد قربتُ من القوم فأكره
أن أرجع . فقدم المدائن فى ثلاثة آلاف ، وخلّف الناس بحُلْوان، فدخل
على أبى جعفر ، فأمره بالانصراف فى يومه ؛ وأصبح يريده ، فتلقاه أبو الخصيب
فقال: أمير المؤمنين مشغول"، فاصبر ساعة حتى تدخل خاليًا، فأتى منزلَ
عيسى بن موسى - وكان يحبّ عيسى - فدعا له بالغداء . وقال أمير المؤمنين
للربيع - وهو يومئذ وصيف يخدم أبا الخصيب: انطلق إلى أبى مسلم؛ ولا يعلم
أحدٌ ، فقل له : قال لك مرزوق : إن أردتَ أمير المؤمنين خاليًا فالعجل ،
فقام فركب ؛ وقال له عيسى : لا تعجَل بالدّخول حتى أدخل معك ،
فأبطأ عيسى بالوضوء ، ومضى أبو مسلم فدخل فقتِل قبل أن يجىءَ عيسى ،
وجاء عيسى وهو مدرَج فى عباءة ، فقال : أين أبو مسلم ؟ قال : مُدْرجٌ
فى الكساء (٤)؛ قال: إنا لله! قال: اسكت، فما تمّ سلطانك وأمرُك إلّ اليوم،
ثم رمى به فى دجلة .
۔
قال علىّ : قال أبو حفص : دعا أمير المؤمنين عثمان بن نَهيك وأربعة
(٢) ح: ((بخاتم))، ت: ((بخاتمى)).
(١) ج: ((مكتوباً)).
(٣) ب: ((عاتبك)).
(٥) ج: ((كساء)).

٤٩٠
سنة ١٣٧
× ١١٣/٣ من الخرس، فقال لهم: إذا ضربت بيديّ(١) إحداهما على الآخرى؛ فاضربوا
عدّو اللّه، فدخل عليه أبو مسلم ، فقال له: أخبرْنى عن نَصْلَيْن أصبتهما
فى متاع عبد الله بن علىّ، قال: هذا أحدهما الذى علىّ ، قال : أرِنيه
فانتضاه ، فناوله،فهزّه أبو جعفر، ثم وضعه تحت فراشه، وأقبل عليه يعاتبه ،
فقال : أخبرنى عن كتابك إلى أبى العباس تنهاه عن الموات ، أردتَ أن
تعلّمنا الدّين! قال: ظننتُ أخذه لا يحلّ، فكتب إلىّ ، فلما أتانى
كتابُه علمتُ أن أمير المؤمنين وأهل بيته معدن العلم ، قال : فأخبرنى عن
تقدّمّك إياىَ فى الطريق ؟ قال : كرهتُ اجتماعنا على الماء فيضرّ ذلك بالناس؛
فَتقدّمُتْك التماس الرّفق (٢)، قال: فقولك حين أتاك الخبر بموت أبى العباس لمن
أشار عليك أن تنصرف إلىّ: نقدم فنرى من رأينا ؛ ومضيتَ فلا أنت أقمتَ
حتى ألحقك (٣) ولا أنت رجعت إلىّ! قال: منعنى من ذلك ما أخبرتُك من
طلب الرّفق(٢) بالناس، وقلت : نقدم الكوفة فليس عليه منى خلاف، قال:
فجارية عبد الله بن علىّ أردتَ أن تتخذها ؟ قال: لا؛ ولكنى خفتُ أن
تضيع ، فحملتها فى قبّة، ووكلتُ بها من يحفظها، قال : فمراغمتك وخروجك
إلى خراسان ؟ قال: خفتُ أن يكون قد دخلك منى شىء ، فقلت : آتى
خراسان ، فأكتب إليك بعذرى ؛ وإلى ذلك ما قد ذهب ما فى نفسك علىّ ،
. ١١٤/٣ قال: تالله ما رأيتُ كاليوم قطّ، واللّه ما زدتَى إلا غضبًا؛ وضرب بيده، فخرجوا
عليه؛ فضربه عثمان وأصحابه حتى قتلوه .
قال علىّ : قال يزيد بن أسيد : قال أمير المؤمنين : عاتبتُ عبد الرحمن ،
فقلت : المال الذى جمعته بحرّان (٤)؟ قال: أنفقتُه وأعطيتُه الجند تقويةً لهم
واستصلاحًا ، قلت : فرجوعُك إلى خراسان مراغمًا ؟ قال : دعْ هذا فما
أصبحتُ أخاف أحداً إلا اللّه؛ فغضبتُ فشتمته ، فخرجوا فقتلوه .
وقال غير من ذكرت فى أمر أبى مسلم : إنه لما أرسل إليه يوم قتِل، أتى
عيسى بن موسى ، فسأله أن يركب معه ، فقال له : تقدّم وأنت فى ذمتى ؛
(١) ب : (یدی)) .
(٣) ط: ((فلحقك)).
(٢) كذا فى ت، وفى ط: ((المرفق)).
(٤) ابن الأثير: ((بخراسان)).
٦٫٠٠٠
:

٤٩١
سنة ١٣٧
فدخل مضرب أبى جعفر ؛ وقد أمر عثمان بن نَهيك صاحب الحرس ، فأعدّ
له شبيب بن واج المروروذىّ(رجلا من الخرس) وأبا حنيفة حرب بن قيس،
وقال لهم: إذا صفقتُ بيديَّ فشأنكم ؛ وأذن لأبى مسلم، فقال لمحمد البواب
النجارىّ : ما الخبر ؟ قال : خير ؛ يُعطينى الأمير سيفه ، فقال : ما كان
يُصنَع بى هذا !قال: وما عليك! فشكا ذلك إلى أبى جعفر، قال: ومَن فعل
بك هذا قبحه اللّه! ثم أقبل يعاتبه : ألستَ الكاتب إلىّ تبدأ بنفسك، والكاتب
إلىّ تخطب أمينة بنت على٣(١)، وتزعم أنك ابنُ سَلِيط بن عبد الله بن عباس!
ما دعاك إلى قتل سليمان بن كثير مع أثرِه فى دعوتنا ؛ وهو أحد نقبائنا (٢)
قبل أن نُدخلك فى شىء من هذا الأمر؟ قال : أرادَ الخلافَ وعصانى فقتلتُهُ،
فقال المنصور : وحاله عندنا (٣) حاله فقتلته، وتعصينى وأنت مخالف على!
قتلنى إلّه إن لم أقتلك! فضربه بعمود، وخرج شبيبُ وحرب فقتلاه، وذلك لخمس ١١٥/٣
ليال بقين من شعبان من سنة سبع وثلاثين ومائة ، فقال المنصور :
فاسْتَوْفِ بالكَيْلِ أَبا مُجْرِم
زعمتَ أَنَّ الدَّين لا يُقْتَضَى
أَمَرَّ فى الحَلق مِنَ العَلْقَمِ
سُقِيتَ كُساً كنتَ تَسقِى بها
قال : وكان أبو مسلم قد قَتَّل فى دولته وحروبه ستمائة ألف صَبْراً .
وقيل: إن أبا جعفر لما عاتب أبا مسلم، قال له: فعلتَ وفعلت، قال له أبو مسلم:
ليس يقال هذا لى بعد بلائى، وما كان منّى ؛ فقال: يابن الخبيثة؛ والله لو
كانتْ أمَةٌ مكانك لأجْزَتْ (٤) ناحيتها؛ إنما عملتَ ما عملت فى دولتنا
وبريحنا ؛ ولو كان ذلك إليك ما قطعتَ فتيلاً ، ألستَ الكاتبَ إلىّ تبدأ
بنفسك، والكاتبَ إلىّ تخطب أمينة بنت علىّ، وتزعم أنك ابنُ سَليط بن
عبد الله بن عباس! لقد ارتقيت لا أمّ لك مُرْتَقَّى صعبًا! فأخذ أبو مسلم
بيده يعرِكها ويقبّلها (٥) ويعتذر إليه .
وقيل : إن عثمان بن نَهيك ضرب أبا مسلم أوّل ما ضرب ضربة خفيفة
(١) ابن الأثير: ((آمنة بنت على)).
(٣) ج: ((عندك)).
(٢) ابن الأثير: ((أحد فتياننا)).
(٤) ابن الأثير: ((لأجزأت)).
(٥) ابن الأثير: ((ويفتلها)).

٤٩٢
سنة ١٣٧
بالسيف ؛ فلم يزد على أن قطع حمائل سيفه ؛ فاعتقل بها أبو مسلم . وضرب
شبيب بن واج رجلتَه ، واعتوَره بقية أصحابه حتى قتلوه ، والمنصور يصبح
بهم : اضربوا قطع الله أيديكم !
وقد كان أبو مسلم قال - فيما قيل - عند أول ضربة أصابته :
يا أمير المؤمنين، استبقنى لعدّوك قال: لا أبقانى الله إذاً! وأىّ عدوٍّ لى
· أعدى منك !
١١٦/٣
وقيل : إن عيسى بن موسى دخل بعد(١) ما قُتِل أبو مسلم ، فقال :
يا أميرَ المؤمنين ، أين أبو مسلم ؟ فقال : قد كان ها هنا آنفًا ، فقال
عيسى : يا أمير المؤمنين ، قد عرفتَ طاعته ونصيحته ورأىَ الإمام إبراهيم
كان فيه ؛ فقال : يا أنوَك ؛ والله ما أعلم فى الأرض عدوًّا أعدى لك منه ؛
ها هو ذاك فى البساط ، فقال عيسى : إنا لله وإنا إليه راجعون ! وكان لعيسى
رأى فى أبى مسلم، فقال له المنصور: خلع اللّه قلبك ؛ وهل كان لكم مُلْك
أو سلطان أو أمر أو نهى مع أبى مسلم !
قال : ثم دعا أبو جعفر جعفر بن حنظلة ، فدخل عليه، فقال : ما تقول فى
أبى مسلم ؟ فقال : يا أمير المؤمنين ، إن كنت أخذتَ شعرة من رأسه فاقتلْ
ثم اقتلْ ثم اقتلْ؛ فقال المنصور: وفقك الله ! ثم أمره بالقيام والنظر إلى
أبى مسلم مقتولا ، فقال: يا أميرَ المؤمنين، عُدّ من هذا اليوم لخلافتك .
ثم استؤذن لإسماعيل بن علىّ ، فدخل ، فقال: يا أمير المؤمنين، إنّ رأيتُ
فى ليلتى هذه كأنك ذبحتَ كبشاً وأنى توطأته(٢) برجلى، فقال: نامت عينُك
يا أبا الحسن ؛ قم فصدّق رؤياك ؛ قد قتل الله الفاسق ، فقام إسماعيل إلى
الموضع الذى فيه أبو مسلم ، فتوطّأه .
ثم إنّ المنصور همّ بقتل أبى إسحاق صاحب حَرَس أبى مسلم وقتل
أبى نصر مالك - وكان على شُرط أبى مسلم - فكلّمه أبو الجهم ، فقال :
يا أمير المؤمنين ، جنده جندك، أمرتهم بطاعته فأطاعوه . ودعا المنصور بأبىإسحاق،
فلما دخل عليه ولم (٣) ير أبا مسلم ، قال له أبو جعفر: أنت المتابع (٤) لعدوّ
(٢) ج: ((أتوطؤه)).
(١) ج: ((عند)).
(٣) ب: ((ثم)).
(٤) ب: ((الهايع))، ابن الأثير: ((المانع)).

٤٩٣
سنة ١٣٧
الله أبى مسلم على ما كان أجمع؛ فكفّ وجعل يلتفت يميناً وشمالا تخوّفًا من ١١٧/٣
أبى مسلم ، فقال له المنصور : تكلم بما أردت ، فقد قتل اللّه الفاسق ؛ وأمر
بإخراجه إليه مقطّعًا؛ فلما رآه أبو إسحاق خرّ ساجداً ، فأطال السجود ،
فقال له المنصور: ارفع رأسك وتكلم؛ فرفع رأسه وهو يقول: الحمدُ لله الذى
آمننى بك اليوم ؛ والله ما أمنتُه يومًاً واحداً منذ صحبتُه، وما جئتُه يومًا قطّ
إلا وقد أوصيتُ وتكفَّتُ وتحنّطتُ؛ ثم رفع ثيابه الظاهرة فإذا تحتها ثيابُ
كَّن جُدَد، وقد تحنّط . فلما رأى أبو جعفر حاله رحمه ، ثم قال :
استقبل طاعةَ خليفتك ، واحمد اللّه الذى أراحك من الفاسق . ثم قال له
أبو جعفر : فَرِّق عنى هذه الجماعة . ثم دعا بمالك بن الهيثم فحدّثه (١) بمثل
ذلك ، فاعتذر إليه بأنه أمره بطاعته؛ وإنما خدمه وخفّ له الناسُ بمرضاته ،
وأنه قد كان فى طاعتهم قبل أن يعرف أبا مسلم ، فقبل منه وأمره بمثل ما أمر به
أبا إسحاق من تفريق جند أبى مسلم .
وبعث أبو جعفر إلى عِدّة من قوّاد أبى مسلم بجوائز سنيّة، وأعطى جميع
جنده حتى رضُوا ، ورجع أصحابه وهم يقولون: بعنا مولانا بالدراهم . ثم
دعا أبو جعفر بعد ذلك أبا إسحاق، فقال: أقسم بالله لئن قطعوا طنُبًا من
أطنانى لأضربنّ عنقك ثم لأجاهدنّهم . فخرج إليهم أبو إسحاق فقال :
يا كلاب انصرفوا .
قال علىّ: قال أبو حفص الأزدىّ: لما قُتِل أبو مسلم كتب أبو جعفر.
إلى أبى نصر كتابًا عن لسان أبى مسلم يأمره بحمل ثقله وما خلّف عنده، وأن ١١٨/٣
يقدم ، وختم الكتاب بخاتم أبى مسلم ، فلما رأى أبو نصر نقْش الخاتم تامًّا ،
علم أن أبا مسلم لم يكتب الكتاب ، فقال: أفعلتموها (٢)! وانحدر إلى همذان
وهو يريد خراسان، فكتب أبو جعفر لأبى نصر عهدَه على شهرزور ، ووجَّه
رسولاً إليه بالعهد ؛ فأتاه حين مضى الرسول بالعهد أنه قد توجَّه إلى خراسان ،
فكتب إلى زهير بن التركىّ - وهو على همذان: إن مرّ بك أبو نصر فاحبِسْه،
فسبق الكتاب إلى زهير وأبو نصر بهمذان ، فأخذه فحبسه فى القصْر، وكان
(١) ت، ج: ((فكلمه)) .
(٢) ابن الأثير: ((فعلتموها)).

٤٩٤
سنة ١٣٧
زهير مولّى لخزاعة، فأشرف أبو نصر على إبراهيم بن عريف - وهو ابن أخى
أبى نصر لأمه - فقال: يا إبراهيم ، تقتل عمّك! قال: لا والله أبداً، فأشرف
زهير فقال لإبراهيم: إنى مأمور واللّه، إنه لمن أعزّ الخلق علىّ؛ ولكنى لا أستطيع
ردّ أمر أمير المؤمنين. ووالله لئن رمى أحدكم بسهم لأرمين إليكم برأسه ثم کتب
أبو جعفر كتابًا آخر إلى زهير : إن كنت أخذت أبا نصر فاقتله .
وقدم صاحبُ العهد على أبى نصر بعهده فخلّ زهير سبيله لهواه فيه ؛
فخرج، ثم جاء بعد يوم الكتابُ إلى زهير بقتله، فقال : جاءنى كتابٌ بعهده
فخلیتُ سبیله .
وقدم أبو نصر على أبى جعفر ، فقال : أشرتَ على أبى مسلم بالمضىّ
إلى خراسان ؟ فقال : نعم يا أمير المؤمنين ؛ كانت له عندى أبادٍ وصنائع
فاستشارنى فنصحتُ له ، وأنت يا أمير المؤمنين إن اصطنعتَى نصحتُ لك
وشكرتُ . فعفا عنه ؛ فلما كان يوم الراونديّة قام أبو نصر على باب القصر ،
وقال : أنا اليوم البوّاب ، لا يدخل أحد القصر وأنا حىّ . فقال أبو جعفر :
١١٩/٣ أين مالك بن الهيثم ؟ فأخبروه عنه ، فرأى أنه قد نصح له .
وقيل : إن أبا نصر مالك بن الهيثم لما مضى إلى همذان كتب أبو جعفر
إلى زهير بن التركىّ: إنّ اللّه دمك إن فاتك مالك؛ فأتى زهير مالكاً ، فقال
له : إنى قد صنعتُ لك طعامًا ، فلو أكرمتتنى بدخول منزلى ! فقال : نعم ،
وهيّأ زهير أربعين رجلاً تخيّرهم (١)، فجعلهم فى بيتين يُفضيان إلى المجلس
الذى هيأه ، فلما دخل مالك قال : يا أدهم ، عجّل طعامك ؛ فخرج أولئك
الأربعون إلى مالك، فشدّوه وثاقاً، ووضع فى رجليه القيود. وبعث به إلى المنصور
فمنّ عليه وصفح عنه واستعمله على الموصل .
وفى هذه السنة ولى أبو جعفر المنصور أبا داود خالد بن إبراهيم خراسان
و کتب إليه بعهده .
(١) ج: ((فخيرهم)).

٤٩٥
سنة ١٣٧
[ ذكر خروج سنباذ للطلب بدم أبى مسلم ثم قتله ]
وفيها خرج سُنباذ بخُراسان يطلب بدم أبى مسلم.
ذكر الخبر عن سنباذ :
◌ُذُكِرِ أن سنباذ هذا كان مجوسيًّا، من أهل قرية من قرى نيسابور يقال
لها أهن(١)، وأنه كثر أتباعُه لما ظهر؛ وكان خروجه (٢) غضبًا لقتل أبى مسلم
- فيما قيل - وطلباً بثأره ، وذلك أنه كان من صنائعه ، وغلَب حين خرج
على نيسابور وقُومِس والرّىّ، وتسمَّى فيروز أصبهبذ. فلما صار بالرّىّ
قبض خزائن أبى مسلم ؛ وكان أبو مسلم خلف بها خزائنه حين شخص متوجهاً
إلى أبى العباس ؛ وكان عامّة أصحاب سنباذ أهلَ الجبال . فوجَّه إليهم
أبو جعفر جَهور بن مَرّار العِجْلىّ فى عشرة آلاف ، فالتقوا بين همذان
والرّى على طرف (٣) المفازة؛ فاقتتلوا، فَهُزِم سنباذ ، وقتِل من أصحابه فى
الهزيمة نحوٌ من ستين ألفًا، وسبى ذراريّهم ونساءهم . ثم قُتِل سنباذ بين
طبرستان وقومِس ؛ قتله لونان الطبرىّ ، فصير المنصور أصبهبذة طبرستان
إلى ونداهُرْمُز بن الفرخان ، وتَوَّجّه .
١٢٠/٣
وكان بين مخرج سنباذ إلى قتْله سبعون ليلة .
#
[خروج ملبَّد بن حرملة الشيبانىّ ]
وفى هذه السنة خرج ملبَّد بن حرملة الشيبانىّ، فحكّم بناحية الجزيرة،
فسارت إليه روابط اجزيرة ؛ وهم يومئذ فيما قيل ألف (٤)، فقاتلهم ملبَّد فهزمهم،
وقَتَل مَنْ قتل منهم . ثم سارت إليه روابط الموصِل فهزمهم ، ثم سار إليه
يزيد بن حاتم المهلبيّ، فهزمه ملبّد بعد قتال شديد كان بينهما، وأخذ ملبّد
جارية ليزيد كان يطؤها، وقتل قائدٌ من قوّاده ، ثم وجّه إليه أبو جعفر مولاه
المهلهل بن صفوان فى ألفين من نُخبة الجند، فهزمهم ملبّد، واستباح عسكرهم.
(١) ابن الأثير: ((أهروانة)).
(٢) ج: ((خرج)).
(٣) ت: ((طريق)).
(٤) ابن الأثير: ((وهم فى نحو ألف فارس)).
1

٤٩٦
سنة ١٣٧
ثم وجّه إليه نزاراً (قائداً من قوّاد أهل خراسان)، فقتله ملبَّد، وهزم أصحابه،
ثم وجه إليه زياد بن مشكان (١) فى جَمْع كثير ، فلقيهم ملبِّد فهزمهم .
ثم وجّه إليه صالح بن صبيح فى جيش كثيف وخيل كثيرة وعدّة ، فهزمهم .
ثم سار إليه حُميد بن قحطبة وهو يومئذ على الجزيرة ، فلقيه الملبّد فهزمه ،
وتحصَّن منه حميدٌ ، وأعطاه مائة ألف درهم على أن يكفّ عنه .
وأما الواقدىّ فإنه زعم أن ظهور ملبَّد وتحكيمه كان فى سنة ثمان وثلاثين
١٢١/٣ ومائة، ولم يكن للناس فى هذه السنة صائفة لشَغْل السلطان بحرب سنباذ.
وحجّ بالناس فى هذه السنة إسماعيل بن علىّ بن عبد الله بن عباس ،
كذلك قال الواقدىّ وغيره ؛ وهو على الموصل .
وكان على المدينة زياد بن عبيد اللّه ، والعباس بن عبد الله بن معبد على
مكة . ومات العباس عند انقضاء الموسم ؛ فضمّ إسماعيل عمله إلى زياد بن
عبيد اللّه ؛ فأقرَّه عليها أبو جعفر.
وكان على الكوفة فى هذه السنة عيسى بن موسى . وعلى البصرة وأعمالها
سليمان بن علىّ، وعلى قضائها عمر بن عامر السُّلَمّى . وعلى خراسان أبو داود
خالد بن إبراهيم . وعلى الجزيرة حُميد بن قَحْطبة . وعلى مصر صالح بن
علىّ بن عبد الله بن عباس .
(١) ج: ((مسكان)).

٤٩٧
ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين ومائة
ذكر ما كان فيها من الأحداث
فمما كان فيها من ذلك دخول قسطنطين طاغية الروم مَطْية عَنْوة وقهراً
لأهلها وهدمه سورها ، وعفوُهُ عمّن فيها من المقاتلة والذّرّية.
ومنها غزو العباس بن محمد بن على بن عبد الله بن العباس- فى قول
الواقدىّ- الصائفة، مع صالح بن علىّ بن عبد اللّه، فوصله صالح بأربعين ألف
دينار، وخرج معهم عيسى بن علىّ بن عبد الله، فوصله أيضًا بأربعين ألف ١٢٢/٣
دينار، فبنى صالح بن علىّ ما كان صاحب الروم هدمه(١) من مَلَطْبة .
وقد قيل : إن خروج صالح والعباس إلى ملطْية للغزو كان فى سنة تسع
وثلاثين ومائة .
وفى هذه السنة بايع عبد الله بن علىّ لأبى جعفر وهو مقيم بالبَصْرة مع
أخیه سلمان بن على .
٠ ٠ ٠
[ ذكر خلْع جهور بن مرّار المنصور]
وفيها خلع جَهْور بن مرّار العجلىّ المنصور .
· ذكر الخبر عن سبب خلعه إياه :
وكان سببُ ذلك - فيما ◌ُذُكِرٍ - أن جَهْور لما هزم سنباذ حوى ما فى
عسكره ، وكان فيه خزائنُ أبى مسلم التى كان خلفها بالرَّىّ، فلم يوجهها إلى
أبى جعفر، وخاف فخلَع، فوجّه إليه أبو جعفر محمد بن الأشعث الخزاعىّ
فى جيش عظيم، فلقيه محمد، فاقتتلوا قتالا شديداً، ومع جَهْور نُخَب
فرسان العجم؛ زياد والأشتاخنج، فهزِمِ جَهْور وأصحابه، وقُتل من أصحابه
خلْق كثير ، وأسر زياد والأشتاخنج ، وهرب جَهْور فلحق بأذْرَبيجان
فأخِذ بعد ذلك باسباذْرُو فقتل .
(١) ب: ((هدم)).

٤٩٨
سنة ١٣٨
[ ذكر خبر قتل ملبَّد الخارجىّ]
وفى هذه السنة قتل الملبّد الخارجىّ .
ذكر الخبر عن مقتله :
ذكر أن أبا جعفر لما هزم الملبد حمید بن قحطبة، وتحصّن منه حمید،
وجَّه إليه عبد العزيز بن عبد الرحمن أخا عبد الجباربن عبد الرحمن ، وضمّ
إليه زياد بن مشكان ، فأكمن له الملبّد مائة فارس ، فلما لقيه عبد العزيز
١٢٣/٣ خرج عليه الكمين؛ فهزموه ، وقتلوا عامّة أصحابه . فوجّه أبو جعفر إليه
خازم بن خزيمة فى نحو من ثمانية آلاف من المروروذيّة(١) . فسار خازم
حتى نزل الموصل، وبعث إلى(٢) الملبَّ بعض أصحابه وبعث معهم الفعلة، فسار
إلى بلد فخندقوا ، وأقاموا له الأسواق ؛ وبلغ ذلك الملبّد ، فخرج حتى نزل
ببلد ، فى خندق خازم ؛ فلما بلغ ذلك خازمًا خرج إلى مكان من أطراف
الموصل حريز فعسكر به، فلما بلغ ذلك الملبَّد عَبَر دجلة من بلد ، وتوجه
إلى خازم من ذلك الجانب يريد الموصل ؛ فلما بلغ خازماً ذلك ، وبلغ إسماعيل
ابن علىّ - وهو على الموصل - أمر إسماعيل خازماً أن يرجع من معسكره حتى
يعبُر من جسر الموصل؛ فلم يفعل، وعقد جسراً من موضع معسكره، وعبر إلى
الملبّد، وعلى مقدّمته وطلائعه نضلة بن نعيم بن خازم بن عبد الله النهشلىّ،
وعلى ميمنته زُهير بن محمد العامرىّ ، وعلى ميسرته أبو حماد الأبرص مولى
بنى سليم . وسار خازم فى القلْب، فلم يزل يساير الملبّد وأصحابه حتى غشيتهم
الليل ثم تواقفوا (٣) ليلتَهم، وأصبحوا يوم الأربعاء، فمضى الملبَّد وأصحابه
متوجّهين إلى كورة حَزّة ، وخازم وأصحابه يسايرونهم حتى غشيهم الليل ،
وأصبحوا يوم الخميس، وسار الملبّد وأصحابه ، كأنه يريد الهرب من خازم ،
فخرج خازم وأصحابه فى أثرهم ، وتركوا خندقهم ، وكان خازم تخندق عليه
وعلى أصحابه بالحسَك، فلما خرجوا من خندقهم كرّ عليهم الملبّد وأصحابه؛
١٢٤/٣ فلما رأى ذلك خازم ألقى الحسَك بين يديه وبين يدى أصحابه ، فحملوا
(١) ت، ج: ((المرورية)).
(٢) ج: ((إليه)).
(٣) كذا فى ت، وفى ط: ((توافقوا))، وفى ابن الأثير: ((توافوا)).
۵

٤٩٩
سنة ١٣٨
على ميمنة خازم وطورها ، ثم حملوا على الميسرة وطَوَوْها، ثم انتهوا إلى القلْب،
وفيه خازم ، فلما رأى ذلك خازم نادى فى أصحابه : الأرضَ ، فنزلوا ونزل
الملبَّد وأصحابه ، وعقروا عامة دوابهم، ثم اضطربوا بالسيوف حتى تقطعت ،
وأمر خازم نبَضَلة بن نعيم أن إذا سطع الغبار ولم يبصر بعضنا بعضًا فارجع
إلى خيلك وخيل أصحابك فاركبوها ، ثم ارمُوا بالنشاب . ففعل ذلك ، وتراجع
أصحاب خازم من الميمنة إلى الميسرة، ثم رشقُوا الملبَّد وأصحابه بالنشاب،
فقُتل الملبَّد فى ثمانمائة رجل ممن ترجّل، وقتل منهم قبل أن يترجلوا زهاء ثلثمائة ،
وهرب الباقون ، وتبعهم نَضلة فقتل منهم مائة وخمسين رجلاً .
...
وحج بالناس فى هذه السنة الفَضْل بن صالح بن علىّ بن عبد الله بن
عباس ، كذلك قال الواقدى وغيره . وذكر أنه كان خرج من عند أبيه من
الشأم حاجًا، فأدركته ولايته على الموسم والحجّ بالناس فى الطريق، فمرّ بالمدينة
فأحرم منها .
وزياد بن عبيد اللّه على المدينة ومكة والطائف ، وعلى الكوفة
وسوادها عيسى بن موسى ، وعلى البصرة وأعمالها سليمان بن علىّ ، وعلى قضائها
سوّار بن عبد اللّه، وأبو داود خالد بن إبراهيم على خراسان ، وعلى مصر
صالح بن علىّ .

٥٠٠
ثم دخلت سنة تسع وثلاثين ومائة
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
١٢٥/٣
فمن ذلك ما كان من إقامة صالح بن علىّ والعباس بن محمد بملَطْية؛
حتى استما بناء مكتطية ، ثم غزوا الصائفة من دَرْب الحديث ، فوغّلا فى
أرض الروم - وغَزًا مع صالح أختاه : أم عيسى ولبابة ابنتا علىّ ؛ وكانتا
نذرتا إن زال ملك بنى أمية أن تجاهدا فى سبيل الله .
وغزا من درب مكطية جعفربن حنظلة البهرانىّ .
وفى هذه السنة كان الفداء الذى جرى بين المنصور وصاحب الرّوم؛
فاستنقذ المنصور منهم أسَراء المسلمين ، ولم يكن بعد ذلك - فيما قيل -
للمسلمين صائفة إلى سنة ست وأربعين ومائة، لاشتغال أبى جعفر بأمر ابنى
عبد الله بن الحسن ؛ إلّ أن بعضَهم ذكر أن الحسن بن قحطبة غزا الصّائفة
مع عبد الوهاب بن إبراهيم الإمام فى سنة أربعين . وأقبل قسطنطين صاحب
الرّوم فى مائة ألف، فنزل جَيْحتان، فبلغه كثرة المسلمين فأحجم عنهم؛ ثم
لم يكن بعدها صائفة إلى سنة ست وأربعين ومائة .
وفى هذه السنة سار عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن
مَرْوان إلى الأندلس ، فملكه أهلُها أمرَهم ، فولده ولاتها إلى اليوم .
وفيها وسّع أبو جعفر المسجد الحرام ، وقيل إنها كانت سنة خَصِبة
فسمِّيت سنة الخصب .
١٢٦/٣
وفيها عُزِل سليمان بن علىّ عن ولاية البصرة، وعمّا كان إليه من أعمالها.
وقد قيل إنه عزل عن ذلك فى سنة أربعين ومائة .
وفيها ولّى المنصور ما كان إلى سليمان بن علىّ من عمل البصرة سفيان بن
معاوية ، وذلك - فيما قيل - يوم الأربعاء للنصف من شهر رمضان ، فلما