Indexed OCR Text
Pages 341-360
٣٤١ سنة ١٢٨ فأخذها وحبس أمّ ولده ثم خلّ عنها ، وكانت عند حاجب بن عمرو بن سلمة بن سكن بن جون بن دبيب . قال: وأخذ أموال مَنْ خرج مع نصر، واصطفى متاع عاصم بن عمير ، فقال إبراهيم : بم تستحل ماله ؟ فقال صالح من آل الوضاح : اسقنى دمه، فحال بينه وبينه مقاتل بن سليمان، فأتى به منزله . قال على:، قال زهير بن الهُنَيْد: خرج الكرمانيّ إلى بِشْر بن جُرْموز، وعسكر خارجًا من المدينة ؛ مدينة مَرْو، وبشر فى أربعة آلاف ، فعسكر الحارث مع الكيرمانىّ ، فأقام الكرمانيّ أيامًا بينه وبين عسكر بِشْر فرسخان ، ثم تقدّم حتى قرب من عسكر بشر ، وهو يريد أن يقاتله ، فقال الحارث : تقدّم. وندم الحارث على اتباع الكرمانيّ، فقال : لا تعجل إلى قتالهم ، فإنى أردّ هم إليك، فخرج من العسكر فى عشرة فوارس؛ حتى أتى عسكر بِشْر فى قرية الدّرزيجان ، فأقام معهم وقال : ما كنتُ لأقاتلكم مع اليمانية ، وجعل المضرِيّون ينسلّون من عسكر الكرمانيّ إلى الحارث حتى لم يبق مع الكرمانىّ مضرىّ غير سلمة بن أبى عبد الله، مولى بنى سُلَّمٍ؛ فإنه قال: والله لا أتبع الحارث أبداً فإنى لم أره إلا غادراً والمهلّب بن إياس ، وقال : لا أتبعه فإنى لم أره قط إلا فى خيل تطّرد. فقاتلهم الكرمانىّ مراراً يقتتلون ثم يرجعون إلى خنادقهم ، فمرَّةً لهؤلاء ومرّة لهؤلاء ، فالتقوا يومًا من أيامهم ، وقد شرب مَرَتد بن عبد اللّه المجاشعيّ، فخرج سكران على بِرْذون الحارث، فطُعن فصُرع ، وحماه فوارس من بني تميم ؛ حتى تخلص، وعار البرذون، فلما رجع لامه الحارث ، وقال : كدتَ تقتل نفسك ، فقال الحارث : إنما تقول ذلك لمكان بِرْ ذونك، امرأتى طالق إن لم آتك ببرذ ون أفره من برذونك من عسكرهم، فالتقوا من غد، فقال مرثد : أىّ برذون فى عسكرهم أفره ؟ قالوا : برذون عبد الله ابن دَيْسَم العنزىّ- وأشاروا إلى موقفه ـ- حتى وصل إليه، فلما غشیه رمی ابن ديسم نفسه عن برْذوْنه ، وعلّق مرثد عنان فرسه فى رمحه ، وقاده حتى أتى به الحارث ، فقال : هذا مكان بِرْذونك ، فلقى مخلد بن الحسن مرتداً ، فقال له يمازحه : ما أهيأ برذون ابن ديسم تحتَك ! فنزل عنه، وقال : خذه، قال : أردت أن تفضحنى ! أخذتَه منا فى الحرب وآخذه فى السلم ! ومكثوا بذلك ١٩٣٤/٢ ٣٤٢ سنة ١٢٨ أيامًا، ثم ارتحل الحارث ليلا ، فأتى حائط مَرْو فنقب (١) بابًا ، ودخل الحائط، فدخل الكرمانى، وارتحل، فقالت المصريّة للحارث: قد تركنا الخنادق فهو يومنا ، وقد فررت غير مَرّة، فترجّل . فقال : أنا لكم فارسًا خير منى لكم راجلا ، قالوا: لا نرضى إلا أن تترجمّل، فترجل وهو بين حائط مَرْو والمدينة، فقتل الحارث وأخوه وبشر بن جرموز وعدّة من فرسان تميم، وانهزم الباقون ، وصُلِب الحارث وصَفَتْ مَرْو لليمن، فهدموا دور المضرّية ، فقال نصر بن سيار للحارث حين قتيل : بعْدًا وسُحْقاً لك مِنْ هالِكِ! يا مُدْخِلَ الذِّ على قومِهِ وغضَّ مِنْ قَومِكَ بالحارِكِ (١) شُؤْمُكَ أَرْدَى مُضرًا كلَّها تَطْمَعُ فِى عمرو ولا مالكٍ ما كانتِ الأَزْدُ وَأَشياعُها ولا بَنِى سَعْدٍ إِذا أَلجَمُوا (٣) كُلَّ طِمِرٌّ لونُهُ حَالِكُ وقالت أم كثير الضبيّة : ويقال : بل قال هذه الأبيات نصر لعثمان بن صدقة المازنىّ . لا بارَكَ اللهُ فِى أُنثى وعذَّبَها أَبْلِغْ رجالَ تميمٍ قَولَ مُوْجَعَةٍ إِنْ أَنتُمُ لَمْ تكُّوا بَعْدَ جَوْلِتِكُمْ إِنِّى اسْتَحَيْتُ لِكُمْ مِن بَدْلِ طاعَتِكُمُ (٥) وقال عبّاد بن الحارث : أَلا يا نَصْرُ قَدْ بَرَحَ الخَفاءُ وَأَصْبَحَتِ المَزُونُ بِأَرْضِ مَروٍ يَجُوزُ قضاؤها فى كُلِّ حُكْمِ (١) ابن الأثير: ((فنقب سوراً)) (٣) ا: ((ألحموا)). (٥) ابن الأثير: ((من بعد طاعتكم)). تَزَوَّجَتْ مِضَرًّا آخِرَ الدهرِ أَحلَلْتُمُوها بدار الذلِّ والفقر حَتَّى تُعِيدُوا رِجالَ الأَزْدِ فِىِ الظَّهْر(٤) هذا المَزُونَّ يَجْبِيكُم على قَهْر (٦) وقد طالَ الثَّمِنِّى والرَّجَاءُ تُقَضِّى فى الحكومَةِ ما تَشاءُ على مُضَرٍ وَإِنْ جارَ القضاءُ (٢) ابن الأثير: ((وحز من قومك)). (٤) ابن الأثير: ((حتى تعدوا)). (٦) ابن الأثير: ((يجنيكم)). ١٩٣٥/٢ ٣٤٣ سنة ١٢٨ ذَرَقِرَقُ فى رِقَابِهِمُ الدِّمَاءُ وحِمْيَرُ فى مَجالِسِها قُعُودٌ فطالَ لها المَذَلَّةُ والشَّقَاءُ فإِنْ مُضَرٌّ بذا رَضِيَتْ وَذَلَّتْ فَحَلَّ على عساكِرِها العفاءُ وإِنْ هِىَ أَعْتَبَتْ فيها وإِلا وقال : ١٩٣٦/٢ ذى قد شَفَّهُ الطَّرَبُ أَلا يا أيها المرءُ الـ تَ تطلبُهُ ونَطَّلِّبُ أَفِقْ وَدَعِ الذى قَد كذْ أُمُورٌ شأنُها عجبُ فقد حَدَثَتْ بِحَضْرَتنا بِمَرْوَ وَذَلّتِ العَرَبُ اَلْأَزْدَ رَأَيْتُها عَزَّتْ فِجَازَ الصُّفرُ لماً كا نَ ذاكَ وَيُهْرِجَ الذهَبُ وقال أبو بكر بن إبراهيم لعلىّ وعثمان ابنى الكرمانيّ: أَخَوَيْنِ فَوْقَ ذُرَى الأَنامِ ذراهُما إِنِى لِمُرْتَحِلٌ أُرِيدُ بِمِدْحَتِى سبقا الجيادَ فَلَمْ يزالا نُجْعَةً يُسْتَعْلِيَانِ ويَجْرِيانِ إِلى العُلا أَعْنِى عَلِيًّا إِنَّهُ وَوَزِيرَهُ جَرَيَا لَكَيْمَا يلحَقا بِأَبِيهِمَا فلئِنْ هُما لَحِقِسا بهِ لمُنَصَّبٍ وَلَئِنْ أَبَرَّ عَلَيهمَا فَلَطَالما فلأَمْدَحَنَّهُمَا بما قدْ عاينَت فَهُمَا النَّقَيَّانِ المُشارُ إِلَيْهما وهُمَا أَزالا عن عرِبِكَةِ ملکهِ نَفَيا ابنَ أَقَطَعَ بعدَ قتل حُماتِهِ لا يَعْدَمُ الضَّيْفُ الغَرِيبُ قراهُما ويَعِيشُ فى كنَفَيْهمَا حَيَّاهُما عُثمانَ ليسَ يَذِلّ مَنْ والاهُما جَرْىَ الجيادِ من البعيدِ مَداهُما يَسْتَعلِيانِ ويَلحَقَانِ أَباهُما جَرَيا فَبِذَّهُما وبَذّ سِواهُما عَيِنِى وَإِنْ لَمْ أُخْصِ كلَّ نَدَاهُمَا (١) الحَامِلانِ الكاملان كِلاهُما نَصْرًا ولاقى الذلَّ إِذْ عاداهُما وتَقَسَّمْتَ أَسلاَبَهُ خَيلاهُما (١) ط: (( أخص)). ٣٤٤ سنة ١٢٨ والحارث بن سُرَيج إِذْ قَصَدُوا لَهُ حتى تعَاوَرَ رَأْسُهُ سَيفاهُمَا إِذْ عَزَّ قَوْمُهُما ومن والاهما أَخذا بِعَفْو أَبيهما فى قدرِهِ ١٩٣٧/٢ ٠ وفى هذه السنة وجّه إبراهيم بن محمد أبا مسلم إلى خراسان ، وكتب إلى أصحابه : إنى قد أمرته بأمرى، فاسمعوا منه واقبلوا قوله ؛ فإنى قد أمّرته على خراسان وما غلب عليه بعد ذلك ؛ فأتاهم فلم يقبلوا قوله ، وخرجوا من قابل ، فالتقوا بمكة عند إبراهيم ، فأعلمه أبو مسلم أنهم لم ينفذوا كتابه وأمره ، فقال إبراهيم : إنى قد عرضت هذا الأمر على غير واحد فأبوه علىّ ، وذلك أنه كان عَرض ذلك قبل أن يوجّه أبا مسلم على سليمان بن كثير، فقال: لا ألِى(١) اثنين أبداً ، ثم عرضه على إبراهيم بن سلمة فأبى ، فأعلمهم أنه أجمع رأيه على أبى مسلم ، وأمرهم بالسمع والطاعة ، ثم قال : يا عبد الرحمن ، إنك رجلٌ منّا أهل البيت؛ فاحتفظ (٢) وصيسَّى، وانظر هذا الحىّ من اليمن فأكرمْهم (٣)، وحُلّ بين أظهرهم؛ فإن الله لا يُسمّ هذا الأمر إلا بهم؛ وانظر هذا الحىّ من ربيعة فاتَّهِمْهم فى أمرهم ، وانظر هذا الحىّ من مضر؛ فإنهم العدوّ القريب الدار، فاقتل مَنْ شككت فى أمره ومن كان فى أمره شبهة ومَنْ وقع فى نفسك منه شىء؛ وإن استطعت ألاّ تدع بخراسان لسانًا عربيًّا فافعل، فأيّما غلام بلغ خمسة أشبار تتهمه فاقتله ، ولا تخالف هذا الشيخ- يعنى سليمان بن كثير - ولا تعصه ، وإذا أشكل عليك أمر فاكتفٍ به منى . ٠ [ ذكر الخبر عن مقتل الضحاك الخارجى ] وفى هذه السنة قُتِل الضحاك بن قيس الخارجىّ ، فيما قال أبو مخنف ، ذكر ذلك هشام بن محمد عنه . ١٩٣٨/٢ (١) بعدها فى الأثير: ((على)). (٣) ابن الأثير: ((فالزمهم)). (٢) ابن الأثير: ((فاحفظ)). سنة ١٢٨ ٣٤٥ ذكر الخبر عن مقتله وسبب ذلك : ذكر أنّ الضحاك لما حاصر عبد الله بن عمر بن عبد العزيز بواسط ، وبايعه منصور بن جُمْهور ، ورأى عبد الله بن عمر أنه لا طاقة له به، أرسل إليه: إن مقامكم علىّ ليس بشىء (١)؛ هذا مروان فسرْ إليه؛ فإن قاتلته(٢) فأنا معك ، فصالحه على ما قد ذكرت من اختلاف المختلفين فيه . فذكر هشام ، عن أبى مخنف ؛ أن الضحاك ارتحل عن ابن عمر حتى لقىَ مَرْوان بكفَرْتوثًا من أرض الجزيرة ، فقتِل الضحاك يوم التقوا . وأما (٣) أبو هاشم مخلّد بن محمد بن صالح، فقال فيما حدثنى أحمد بن زهير ، قال : حدثنا عبد الوهاب بن إبراهيم عنه أن الضّحاك لما قتل عطية الثعلبىّ (٤) صاحبته وعامله على الكوفة مِلْحان بقنطرة السَّيْلحِين ، وبلغه خبرُ قتل ملحان وهو محاصر عبد الله بن عمر بواسط ، وجّه مكانه من أصحابه رجلا يقال له مطاعن ؛ واصطلح عبد الله بن عمر والضحاك عن أن يدخل فى طاعته؛ فدخل وصلى خلفه ، وانصرف إلى الكوفة ، وأقام ابن عمر فيمن معه بواسط ، ودخل الضّحاك الكوفة ، وكاتبه أهلُ الموصل ودعوه إلى أن يقدم عليهم فيمكِّنوه منها ؛ فسار فى جماعة جنوده بعد عشرين شهراً، حتى انتهى إليها ، وعليها يومئذ عامل لمرْوان ؛ وهو رجل من بنى شَيْبان من أهل الجزيرة يقال له القَطِران بن أَكْمَه، ففتح أهل الموصل المدينة للضحاك وقاتلهم القطيران فى عدّة يسيرة من قومه وأهل بيته حتى قتلوا، واستولى الضَّحاك على الموصل وكورها . وبلَغَ مَرْوان خبرُه وهو محاصِرٌ حِمْص ، مشتغل بقتال أهلها ، فكتب إلى ابنه عبد الله وهو خليفته بالجزيرة ، يأمره أن يسير فيمن معه من روابطه إلى مدينة نَصِيبين ليشغل (٥) الضحاك عن توسط الجزيرة، فشخص عبد الله إلى نَصِيبين فى جماعة روابطه ؛ وهو فى نحو من سبعة آلاف أو ثمانية ، وخلّف بحرّان قائداً فى ألف أو نحو ذلك ؛ وسار الضحاك من الموصل إلى عبد الله ١٩٣٩/٢ (١) ابن الأثير: ((يسيئء)). (٣) كذا فى ا. والصواب ما أثبته من الأصول . (٢) ا، وابن الأثير: ((قتلته)). (٤) ط: ((التغلبى)) من توجيه مصححه، (٥) كذا فى ا. 1 1 ٣٤٦ ١٩٤٠/٢ سنة ١٢٨ بنصيبين، فقاتله فلم يكن له قوّة لكثرة من مع الضحاك؛ فهم فيما بلغنا عشرون ومائة ألف، يرزق الفارس عشرين ومائة والراجل والبغال المائة والثمانين فى كلّ شهر ؛ وأقام الضحاك على نتَصِيبين محاصراً لها ، ووجّه قائدين من قوّاده يقال لهما عبد الملك بن بشر التغلبىّ، وبدر الذّ كوانىّ مولى سليمان بن هشام، فى أربعة آلاف أو خمسة آلاف حتى وردا الرّقة، فقاتلهم مَنْ بها من خيل مروان ؛ وهم نحو من خمسمائة فارس ، ووجّه مَرْوان حين بلغه نزولهم الرَّقة خيلا من روابطه ؛ فلما دنوا منها انقشع أصحابُ الضَّحاك منصرفين إليه ، فاتبعتهم خيله ، فاستسقطوا من ساقتهم نيفًا وثلاثين رجلا، فقطعهم مَرْوان حين قدم الرَّقة ، ومضى صامداً إلى الضّحاك وجموعه حتى التقيا بموضع يقال له الغزّ من أرض كَفرْتوثا ، فقاتله يومتَه ذلك ؛ فلما كان عند المساء ترجّل الضحاك وترجّل معه من ذوى الثبات من أصحابه نحو من ستة آلاف وأهل عسكره أكثرهم لا يعلمون بما كان منه ، وأحدقت بهم خيولُ مروان فألحُّوا عليهم حتى قتلوهم عند العَتَّمة، وانصرف مَنْ بقى من أصحاب الضَّحاك إلى عسكرهم ؛ ولم يعلم مروان ولا أصحاب الضحاك أن الضّحاك قد قُتِل فيمن قتل حتى فقدوه فى وسط الليل . وجاءهم بعض مَن عاينه حين ترجّل ، فأخبرهم بخبره ومقتله ، فبكوْه وناحوا عليه ، وخرج عبد الملك بن بشر التغلبيّ القائد الذى كان وجّهه فى عسكرهم إلى الرّقة حتى دخل عسكر مَرْوان ، ودخل عليه فأعلمه أنّ الضحاك قتل ، فأرسل معه رسلا من حرسه ، معهم النيران والشَّمْع إلى موضع المعركة ، فقلّبًا القتلى حتى استخرجوه ، فاحتملوه حتى أتوا به مَرْوان ، وفى وجهه أكثر من عشرين ضَرْبة ، فكبّر أهل عسكر مَرْوان ، فعرف أهل عسكر الضّحاك أنهم قد علموا بذلك ، وبعث مروان برأسه من ليلته إلى مدائن الجزيرة ، فطيف به فيها . وقيل : إن الخيبرىّ والضحاك إنما قتِلا فى سنة تسع وعشرين ومائة . [ ذكر الخبر عن مقتل الخيبرىّ وولاية شيبان ] وفى هذه السنة كان أيضًا - فى قول أبى مخنف - قتل الخيبرىّ الخارجىّ، کذلك ذکر هشام عنه . . سنة ١٢٨ ٣٤٧ ذكر الخبر عن مقتله : ١٩٤١/٢ حدثنى أحمد بن زهير ، قال : حدّثنا عبد الوهاب بن إبراهيم ، قال : حدثنى أبو هاشم مخلّد بن محمد بن صالح ، قال : لما قتِل الضحاك أصبح أهل عسكره بايعوا(١) الخيبرىّ، وأقاموا يومئذ وغادوه (٢) من بعد الغد، وصافَّوه وصافّهم ، وسليمان بن هشام يومئذ فى مواليه وأهل بيته مع الخيبرىّ ؛ وقد كان قدم على الضحاك وهو بنتَصِيبين ؛ وهم فى أكثر من ثلاثة آلاف من أهل بيته ومواليه، فتزوّج فيهم أخت شيبان الحَرورىّ الذى بايعوه بعد قتل الخيبرىّ، فحمل الخيبرىّ على مَرْوان فى نحو من أربعمائة فارس من الشّراة ، فهزِم مَرْوان وهو فى القلب، وخرج مروان من المعسكر هاربًا ، ودخل الخيبرى فيمن معه عسكره ، فجعلوا ينادون بشعارهم : يا خيبرىّ يا خيبرىّ ، ويقتلون مَنْ أدركوا حتى انتهوا إلى حجرة مَرْوان، فقطعوا أطنابها، وجلس الخيبرىّ على فرشه ، وميمنة مروان عليها ابنه عبد الله ثابتة على حالها، وميسرته ثابتة عليها إسحاق بن مسلم العُقَلِىّ، فلما رأى أهل عسكر مَرْوان قلة من مع الخيبرى ثار إليه عبيد من أهل العسكر بعمد الخيام ، فقتلوا الخيبرى وأصحابه جميعًا فى حجرة مَرْوان وحولها ، وبلغ مروان الخبر وقد جاز العسكر بخمسة أميال أو ستة منهزمًا ، فانصرف إلى عسكره وردّ خیوله عن مواضعها ومواقفها ، وبات ليلته تلك فى عسكره . فانصرف أهل عسكر الخيبرىّ فولّوْا عليهم شيبان وبايعوه ، فقاتلهم مروان بعد ذلك بالكراديس ، وأبطل الصفّ منذ يومئذ. وكان مروان يوم الخيبرىّ بعث محمد بن سعيد، وكان من ثقاته وكتابه إلى الخيبرىّ ، فبلغه أنه مالأهم وانحاز إليهم يومئذ ، فأتِىَ به مروان أسيراً فقطع يده ورجله ولسانه . ٠٠٠ وفى هذه السنة وجّه مروان يزيد بن عمر بن هبيرة إلى العراق لحرب من بها من الخوارج . ١٩٤٢/٢ وحجّ بالناس فى هذه السنة عبدُ العزيز بن عمر بن عبد العزيز ؛ كذلك قال أبو معشر - فيما حدثنى أحمد بن ثابت عمّن ذكره ، عن إسحاق بن عيسى (١) ابن الأثير: ((فبايعوا)). (٢) !: ((وعاودوه)). ٣٤٨ سنة ١٢٨ عنه . وكذلك قال الواقدىّ وغيره . وقال الواقدىّ: وافتتح مَرْوان حِمْص وهدم سورها، وأخذ نُعيم بن ثابت الجُزامىّ فقتله فى شوال سنة ثمان ، وقد ذكرنا من خالفه فى ذلك قبل . وكان العامل على المدينة ومكة والطائف - فيما ذكر - فى هذه السنة عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز ، وبالعراق عمّال الضحاك وعبد الله بن عمر. وعلى قضاء البصرة ثمامة بن عبد الله، وبخراسان نَصْر بن سيّار وخراسان مفتونة . [ خبر أبى حمزة الخارجىّ مع عبد الله بن يحيى] وفى هذه السنة لقى أبو حمزة الخارجىّ عبدَ الله بن يحيى طالب الحق فدعاه إلى مذهبه . ذكر الخبر عن ذلك : حدثنى العباس بن عيسى العُقيلىّ ، قال : حدّثنا هارون بن موسى الفروىّ(١)، قال : حدثنى موسى بن كثير مولى الساعديّيْن، قال: كان أوّل أمر أبى حمزة - وهو المختار بن عوف الأزدىّ السَّليمىّ من البصرة - قال موسى : كان أول أمر أبى حمزة أنه كان يوافِى كلّ سنة مكة يدعو الناس إلى خلاف مَرّوان بن محمد وإلى خلاف آل مروان . قال : فلم يزل يختلف فى كلّ سنة حتى وافى عبد الله بن يحيى فى آخر سنة ثمان وعشرين ومائة ، فقال له : يا رجل ، أسمَعُ كلاما حسنًا، وأراك(٢) تدعو إلى حقّ، فانطلق معى ، فإنى رجل مطاع فى قوى ، فخرج حتى ورد حَضْرَ مَوْت ، فبايعه أبو حمزة على الخلافة ، ودعا إلى خلاف مَرْوان وآل مروان . وقد حدثنى محمد بن حسن أن أبا حمزة مرّ بمعدن بنى سُليم وكثير بن عبد الله عامل على المعدن ، فسمع بعض كلامه ، فأمر به فجلد سبعين سوطًا، ثم مضى إلى مكّة ، فلما قدم أبو حمزة المدينةَ حين افتتحها تغيّب كثير حتى كان من أمرهم ما كان(٣). ١٩٤٣/٢ (١) ط: ((الغزوى))، وصوابه من الأغانى. (٣) الخبر فى الأغانى ٢٠ : ٩٩ . (٢) كذا فى او الأغانى . ٣٤٩ ثم دخلت سنة تسع وعشرين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث # [ خبر هلاك شيبان بن عبد العزيز الحرورى ] فمن ذلك ما كان من هلاك شيبان بن عبد العزيز اليشكرىّ أبى الدّكفاء. ذكر الخبر عن سبب مهلكه : وكان سبب ذلك أنّ الخوارج الذين كانوا بإزاء مروان بن محمد يحاربونه لمّا قتل الضحاك بن قيس الشيبانىّ رئيس الخوارج والخيبرىّ بعده، ولَّوْا عليهم شيبان وبايعوه ؛ فقاتلهم مرْوان ، فذكر هشام بن محمد والهيثم بن عدّى أنّ الخيبرىّ لما قُتل قال سليمان بن هشام بن عبد الملك للخوارج - وكان معهم فى عسكرهم : إنّ الذى تفعلون ليس برأى ؛ فإن أخذتم برأيى ، وإلا انصرفت عنكم . قالوا: فما الرأى؟ قال: إنّ أحدكم يظفر ثم يستقتِل فيقتل ، فإنى أرى أن ننصرف على حاميتنا حتى ننزل الموصل ، فنخندق . ففعل وأتبعه مروان والخوارج فى شرقىّ دجلة ومروان بإزائهم؛ فاقتتلوا تسعة أشهر، ويزيد بن ١٩٤٤/٢ عمر بن هبيرة بقرقِيسيا فى جُنْد كثيف من أهل الشأم وأهل الجزيرة ، فأمره مروان أن يسير إلى الكوفة ، وعليها يومئذ المثنَى بن عمران ؛ من عائذة قريش من الخوارج . وحدثنى أحمد بن زهير ، قال : حدّثنا عبد الوهاب بن إبراهيم ، قال : حدثنى أبو هاشم مخلّد بن محمد، قال : كان مَرْوان بن محمد يقاتل الخوارج بالصّف،فلما قتِل الخیبریّ وبوبع شیبان، قاتلهم مرْوان بعدذلك بالكرادیس، وأبطل الصفّ منذ يومئذ ، وجعل الآخرون یکرد سون بکرادیس مسرْوان کرادیس تكافئهم وتقاتلهم ، وتفرَّق كثير من أصحاب الطمع عنهم وخذلوهم ، وحصلوا فى نحو من أربعين ألفًا ، فأشار عليهم سليمان بن هشام أن ينصرفوا إلى مدينة الموصل، فيصيّروها ظهراً وملجأ ومِيرةً لهم ، فقبلوا رأيه ، وارتحلوا ٣٥٠ سنة ١٢٩ لیلا ، وأصبح مروان فأتبعهم ؛ لیس یرحلون عن منزل إلا نزله ؛ حتى انتهوا إلى مدينة الموصل ، فعسكروا على شاطئ دجلة ، وخندقوا على أنفسهم ، وعقدوا جسوراً على دجلة من عسكرهم إلى المدينة؛ فكانت ميرتهم ومرافقهم منها، وخندق مَرْوان بإزائهم، فأقام ستة أشهر يقاتلهم بكرة وعشيّةً . قال: وأتِىَ مَرْوان بابن أخ لسلمان بن هشام، يقال له أمية بن معاوية بن هشام ، وكان مع عمه سلمان بن هشام فى عسکر شییان بالموصل ؛ فهو مبارز رجلا من فرسان مَرْوان ، فأسره الرجل فأتِىَ به أسيراً ، فقال له: أنشدك الله والرحيم يا عمّ ! فقال: ما بينى وبينك اليوم من رحيمٍ، فأمر به - وعمه سليمان وإخوته ينظرون - فقطِعَت يداه وضربت عنقه . ١٩٤٥/٢ قال : وكتب مَرْوان إلى يزيد بن عمر بن هبيرة يأمره بالمسير من قَرْقِيسيا بجميع مَن معه إلى عُبيدة بن سوّار خليفة الضَّحاك بالعراق، فلقى خيوله بعين التّمْر ، فقاتلهم فهزمهم ؛ وعليهم يومئذ المثنَّى بن عمران من عائذة قريش والحسن بن يزيد ؛ ثم تجمّعوا له بالكوفة بالنُّخيلة، فهزمهم، ثم اجتمعوا بالصَّرَاة ومعهم عبيدة ؛ فقاتلهم فقتِل عُبيدة، وهزم أصحابه ، واستباح ابن هبيرة عسكرهم ، فلم يكن لهم بقيّة بالعراق ، واستولى ابنُ هبيرة عليها ، وكتب إليه مَرْوان بن محمد من الخنادق يأمره أن يمدّه بعامر بن ضبارة المُرّىّ ، فوجّهه فى نحو من ستة آلاف أو ثمانية؛ وبلغ شيبان خبرهم ومن معه من الخرُوريَّة ، فوجَّهوا إليه قائدين فى أربعة آلاف ، يقال لهما ابن غوث والجَوْن ، فلقوا ابن ضُبارة بالسنّ دون الموصل، فقاتلوه قتالا شديداً، فهزمهم ابن ضُبارة ، فلما قدم فلُّهم أشار عليهم سليمان بالارتحال عن الموصل، وأعلمهم أنه لا مقام لهم إذ جاءهم ابنُ ضبارة من خلفهم، وركبهم مروان من بين أيديهم؛ فارتحلوا فأخذوا على حُلْوان إلى الأهواز وفارس ، ووجّه مروان إلى ابن ضُبارة ثلاثة نفر من قوّاده فى ثلاثين ألفًا من روابطه ؛ أحدهم مصعب بن الصّحصح الأسدىّ وشقيق وعطيف [السليمانى] (١) ، وشقيق الذى يقول فيه الخوارج: قد علِمَتْ أُخْتاك(٢) يا شقيقُ أَنكَ مِنْ سُكْرِك ما تُفِيقُ وكتب إليه يأمره أن يتبعهم، ولا يقلع عنهم حتى يُسِيرهم ويستأصلهم، (٢) ا: ((خيلك)). (١) من ا. ٣٥١ سنة ١٢٩ فلم يزل يتبعهم حتى وردوا فارسَ ، وخرجوا منها وهو فى ذلك يستسقط من لحق من أخرياتهم ، فتفرّقوا، وأخذ شيبان فى فرقته إلى ناحية البحرين، فقتِل بها، وركب سليمان فيمن معه من مواليه وأهل بيته السفن إلى السند، وانصرف مَرْوان إلى منزله من حَرّان ، فأقام بها حتى شخص إلى الزّاب. ١٩٤٦/٢ وأمّا أبو مخنف فإنه قال - فيما ذكر هشام بن محمد عنه - قال : أمر مروان يزيد بن عمر بن هبيرة - وكان فى جنود كثيرة من الشأم وأهل الجزيرة بقَرْفيسيا- أن يسير إلى الكوفة ، وعلى الكوفة يومئذ رجل من الخوارج يقال له المثنَّى بن عمران العائذىّ ؛ عائذة قريش ، فسار إليه ابن هبيرة على الفُرات حتى انتهى إلى عين التّمْر، ثم سار فلقى المثنَى بالرّوْحاء ، فوافى الكوفة فى شهر رمضان من سنة تسع وعشرين ومائة، فهزم الخوارج، ودخل ابن هبيرة الكوفة ثم سار إلى الصَّراة ، وبعث شيبان عبيدة بن سوّار فى خيل كثيرة، فعسكر فى شرقىّ الصَّراة، وابن هبيرة فى غربيّها، فالتقوا، فقتل عبيدة وعدّة من أصحابه ؛ وكان منصور بن جمهور معهم فى دَوْر الصراة ، فمضى حتى غلب على الماهَيْن وعلى الجبل أجمع، وسارابنُ هبيرة إلى واسط؛ فأخذ ابن عمر فحبسه، ووجّه نُبَاتة بن حنظلة إلى سليمان بن حبيب وهو على كُور الأهواز، وبعث إليه سليمان داود بن حاتم ، فالتقوا بالمريان (١) على شاطئ دُجيل، فانهزم الناس ، وقتل داود بن حاتم . وفى ذلك يقول خلف بن خليفة : إذا أَسلَمَ الجَيْشُ أَبا حاتِمِ نَفْسِى لِدَاوُدَ الفِدَا والحِمَى ليسَ على المعرُوفِ بالنادِمِ مُهَلَِّىٌّ مُشْرِقٌ وَجْهُهُ حَقًّا [ وما الجاهل كالعالِم(٢)] سأَلتُ من يعلَمُ لى علمَهُ ١٩٤٧/٢ يَحْمِلُ كالضِّرْغامَةِ الصّارِمِ قالوا عَهِدْناهُ على مَرْقَبٍ يُسفَحُ فَوْقَ البَدن الناعِم ثمَّ انثنى منجَدِلا فی دَمِ واختصموا فى السَّيْفِ والخاتَمِ وأَقْبَلَ القِطُ. على رَأْسِهِ وسار سليمان حتى لحق بابن معاوية الجعفرىّ بفارس. وأقام ابن هبيرة شهرًا. (١) ابن الأثير: ((بالمرتان)). (٢) من ا. ٣٥٢ سنة ١٢٩ ثم وجّه عامر بن ضُبارة فى أهل الشأم إلى الموصل؛ فسارحتى انتهى إلى السنّ فلقيه بها الجون بن كلاب الخارجىّ ، فهزم عامر بن ضُبارة حتى أدخله السنّ فتحصّن فيها، وجعل مسَرْوان يُمِدّه بالجنود يأخذون طريق البرّ؛ حتى انتهوا إلى د جْلة ، فقطعوها إلى ابن ضبارة حتى كثروا . وكان منصور بن جُمهور يمدّ شيبان بالأموال من كُور الجبل ؛ فلما كثر من يتبع (١) ابن ضُبارة من الجنود ؛ نهض إلى الجون بن كلاب فقتِل الجون ، ومضى ابن ضبارة مصعداً إلى الموصل. ؛ فلما انتهى خبر الجوْن وقتله إلى شيبان ومسير عامر بن ضُبارة نحوه، كره أن يقيم بين العسكرين؛ فارتحل بمَنْ معه وفرسان الشأم من اليمانية. وقدم عامر بن ضُبارة بمن معه على مسَرْوان بالموصل ، فضمّ إليه جنوداً من جنوده كثيرة ، وأمره أن يسير إلى شيبان ؛ فإن أقام أقام ؛ وإن سار سار ؛ وألّ يبدأه بقتال ؛ فإن قاتله شيبان قاتله ؛ وإن أمسك أمسك عنه ، وإن ارتحل اتّبعه ؛ فكان على ذلك حتى مرَّ على الجبل ، وخرج على بيضاء إصطخر ، وبها عبد اللّه بن معاوية فى جموع كثيرة ؛ فلم يتهيّأ الأمرُ بينه وبين ابن معاوية ، فسار حتى نزل جيرفت من كرْمان ، وأقبل عامر بن ضُبارة حتى نزل بإزاء ابن معاوية أياماً، ثم ناهضه القتال، فانهزم ابن معاوية، فلحق بَهَرَاة وسار ابن ضُبارة بمن معه ، فلقىَ شيبان بجيرفت من كِرْمان ، فاقتتلوا قتالاً شديداً وانهزمت الخوارج ، واستبيح عسكرهم ؛ ومضى شيبان إلى سِجِسْتان ، فهلك بها ؛ وذلك فى سنة ثلاثين ومائة . ١٩٤٨/٢ وأما أبو عبيدة فإنه قال : لما قتل الخيبرىّ قام بأمر الخوارج شيبان بن عبد العزيز اليشكرىّ، فحارب مَرْوان، وطالت الحرب بينهما؛ وابن هبيرة بواسط قد قتل عبيدة بن سوار ونفى الخوارج ومعه رءوس قوّاد أهل الشأم وأهل الجزيرة . فوجّه عامرَ بن ضُبارة فى أربعة آلاف مدداً لمرْوان ، فأخذ على باب المدائن ، وبلغ مسيرُه شيبان، فخاف أن يأتيَهم مروان ، فوجّه إليه الجوْن بن كلاب الشيبانىّ ليشغله، فالتقيا بالسنّ، فحصر الجون عامراً أيامًاً . قال أبو عبيدة : قال أبو سعيد: فأحرجناهم واللّه، واضطررناهم إلى (١) ابن الأثير: ((من مع ابن ضبارة)). ٣٥٣ سنة ١٢٩ قتالنا؛ وقد كانوا خافونا وأرادوا الهرب منا؛ فلم ندع لهم مسلكًا . فقال لهم عامر : أنتم ميّتون لا محالة؛ فموتوا كراماً، فصدمونا صدمة لم يقم هاشیء ، وقتلوا رئيسنا الجَوْن بن كلاب ، وانكشفنا حتى لحقنًا بشيبان ، وابنُ ضبارة فى آثارنا ؛ حتى نزل منّا قريبًا ؛ وكنا نقاتل من وجهين ؛ نزل ابن ضُبارة من ورائنا مّما يلى العراق ، ومَرْوان أمامنا مما يلِى الشأم ؛ فقطع عنا المادّة والمِيرة، فغلت أسعارنا؛ حتى بلغ الرغيف درهمًا ؛ ثم ذهب الرغيف فلا شىء يشترى بغال ولا رخيص . فقال حبيب بن خدْرة لشيبان : يا أميرَ المؤمنين ؛ إنك فى ضيق من المعاش ؛ فلو انتقلت إلى غير هذا الموضع ! ففعل ومضى شهرزور من أرض الموصل ، فعاب ذلك عليه أصحابُه ؛ فاختلفت كلمتهم . ١٩٤٩/٢ وقال بعضهم : لما ولى شيبان أمر الخوارج [ رجع بأصحابه] (١) إلى الموصل فاتّبعه مروان ينزل معه حيث نزل [ فقاتله شهراً ثم انهزم ] (١) شيبان حتى لحق بأرض فارس ، فوجه مروان فى أثره عامر بن ضبارة [ فقطع] (١) إلى جزيرة ابن كاوان ، ومضى شيبان بمن معه حتى صار إلى عُمان، فقتله جلندَى بن مسعود ابن جيفر بن جلندى الأزدىّ . [ ذكر إظهار الدعوة العباسية بخراسان ] وفى هذه السنة أمر إبراهيم بن محمد بن علىّ بن عبد الله بن العباس أبا مسلم، وقد شخص من خُراسان يريده حتى بلغ قومِس، بالانصراف إلى شيعته بخراسان ، وأمرهم بإظهار الدعوة والتسويد . ذكر الخبر عن ذلك وكيف كان الأمر فيه : قال علىّ بن محمد عن شيوخه: لم يزل أبو مسلم يختلف إلى خُراسان، حتى وقعت العصبيّة بها ؛ فلما اضطرب الحبل ، كتب سليمان بن كثير إلى أبى سلمة الخلال يسأله أن يكتب إلى إبراهيم ، يسأله أن يوجّه رجلا من أهل بيته . فكتب أبو سلمة إلى إبراهيم ، فبعث أبا مسلم . فلما كان فى سنة تسع وعشرين ومائة ، كتب إبراهيم إلى أبى مسلم يأمره بالقدوم عليه ليسأله عن أخبار الناس ، فخرج فى النصف من جمادى الآخرة مع سبعين نفساً (١) من ا. ١٩٥٠/٢ ٣٥٤ سنة ١٢٩ من النقباء ، فلما صار بالدّنْدانقان من أرض خُراسان عرض له كامل - أو أبو كامل - قال : أين تريدون؟ قالوا : الحجّ، ثم خلا به أبو مسلم ، فدعاه فأجابهم ، وكفّ عنهم ، ومضى أبو مسلم إلى بِيوَرْد ، فأقام بها أيامًا ، ثم سار إلى نَسا ؛ وكان بها عاصم بن قيس السُّلمِيّ عاملا لنصر بن سيار الليثىّ؛ فلما قرب منها أرسل الفَضْل بن سليمان الطوسىّ(١) إلى أسيد بن عبد الله الخُزاعىّ ليعلمه قدومه، فمضى الفضل فدخل قريةً من قرى نَسا ، فلقى رجلا من الشيعة يعرفه ، فسأله عن أسيد ، فانتهره ، فقال : يا عبد الله، ما أنكرتَ من مسألتى عن منزل رجل ؟ قال : إنه كان فى هذه القرية شرّ، سُعِىَ برجلين قدما إلى العامل، وقيل إنهما داعيان، فأخذهما، وأخذ الأحجم بن عبد اللّه وَغْيلان بن فضالة وغالب بن سعيد والمهاجر بن عثمان؛ فانصرف الفضل إلى أبى مسلم وأخبره ، فتنكَّب الطريق ، وأخذ فى أسفل القُرى، وأرسل طرخان الجمّال (٢) إلى أسيد، فقال: ادعُهُ لى ومَن قدرتَ عليه من الشيعة ، وإياك أن تكلم أحداً لم تعرفه ، فأتى طرخان أسيداً فدعاه ، وأعلمه بمكان أبى مسلم ، فأتاه فسأله عن الأخبار ، قال : نعم ، قدم الأزهر بن شعيب وعبد الملك بن سعد بكتبٍ من الإمام إليك، فخلّفا الكتب ١٩٥١/٢ عندى وخرجا، فأخذا فلا أدرى مَنْ سعى بهما! فبعث بهما العامل إلى عاصم بن قيس ، فضرب المهاجرين عثمان وناسًا من الشيعة . قال : فأين الكتب ؟ قال: عندى ، قال : فأتنى بها [ فأتاه بالكتب فقرأها] (٣). قال: ثم سار حتى أتى قُومِس ، وعليها بيهس بن بُديل العِجلىّ، فأناهم بَيْهس ، فقال : أين تريدون ؟ قالوا : الحجّ ، قال : أفمعكم فضل بِرْذون تبيعونه ؟ قال أبو مسلم : أما بيعًا فلا؛ ولكن خذ أىّ دوابّنا شئت ؛ قال: اعرضوها علىّ، فعرضوها، فأعجَبَه برْذون منها سَنْد، فقال أبو مسلم: هولك، قال: لا أقبله إلّ بثمن، قال: احتكم، قال: سبعمائة، قال: هو لك. وأتاه وهو بقومِس كتاب من الإمام إليه وكتاب إلى سليمان بن كثير ؛ وكان فى كتاب أبى مسلم: إنى قد بعثت إليك براية النصر فارجع من حيث ألفاك(٤) (١) فى ابن الأثير: ((سليمان بن قيس السلمى")) (٣) من ا. (٢) ابن الأثير: ((الحمال)). (٤) ا: ((لقيك)). ٣٥٥ سنة ١٢٩ كتابى، ووجه إلىّ قحطبة بما معك يوافى (١) به فى الموسم. فانصرف أبو مسلم إلى خُراسان ، ووجّه قحطبة إلى الإمام ، فلما كانوا بنَساعرض لهم صاحب مَسْلحه فى قرية من قرى نَسا ، فقال لهم : من أنتم ؟ قالوا : أردنا الحجّ ، فبلغنا عن الطريق شىء خفناه ، فأوصلهم إلى عاصم بن قيس السلمىّ، فسألهم فأخبر وه ، فقال: [ ارتحلوا وأمر] (٢) المفضل بن الشرقى"(٣) السلمى" ... وكان على شُرطته - أن يزعجهم، فخلا به أبو مسلم وعرض عليه أمرهم، فأجابه، وقال: ارتحلوا على متَهل ، ولا تعجلوا . وأقام عندهم حتى ارتحلوا . ١٩٥٢/٢ فقدم أبو مسلم مرْو فى أول يوم من شهر رمضان سنة تسع وعشرين ومائة، ودفع كتاب الإمام إلى سليمان بن كَثير ، وكان فيه أن أظهرْ دعوتك ولا تربّص ، فقد آن ذلك . فنصبوا أبا مُسلم، وقالوا : رجل من أهل البيت ، وَدَعْوا إلى طاعة بنى العباس، وأرسلوا إلى مسَنْ قرب منهم أو بعد ممن أجابهم ، فأمروه بإظهار أمرهم والدعاء إليهم . ونزل أبو مُسلم قريةً من قرى خُزاعة يقال لها سفيذنج ، وشيبان والكرمانىّ يقاتلان نصر بن سيار ، فبثّ أبو مسلم دعاتَه فى الناس ، وظهر أمره ، وقال الناس : قدم رجل من بنى هاشم ، فأتوه من كلّ وجه، فظهر يومَ الفطر فى قرية خالد بن إبراهيم . فصلى بالناس يوم الفِطر القاسم بن مجاشع المَرَائىّ، ثم ارتحل فنزل بالين - ويقال قرية اللين - الخزاعة ، فوافاه فى يوم واحد أهلُ ستين قرية ، فأقام اثنين وأربعين يوماً ؛ فكان أوّل فتح أبى مسلم من قبل موسى بن كعب فى بيوَرْد ، وتشاغل بقتل عاصم بن قيس ، ثم جاء فتح من قبل مَرْوَرُوذ . ٩٥٣/٢ قال أبو جعفر : وأما أبو الخطاب فإنه قال : كان مقدم أبى مسلم أرض مَرْو منصرفًا من قومِس ، وقد أنفذ من قُومِس قحطبة بن شبيب بالأموال التى كانت معه والعروض إلى الإمام إبراهيم بن محمد، وانصرف إلى مَرْو، فقدمها فى شعبان سنة تسع وعشرين ومائة لتسع خلوْن منه يوم الثلاثاء ، فنزل قرية تدعى فنين على أبى الحكم عيسى بن أعين النّقيب ، وهى قرية أبى داود النقيب ، فوجّه منها أبا داود ومعه عمرو بن أعين إلى طخارستان فما دون بلْخ (١) !: ((فيوافينى)). (٣) ابن الأثير: ((السرق)). (٢) من ا. ـه ٣٥٦ سنة ١٢٩ بإظهار الدّعوة فى شهر رمضان من عامهم، ووجّه النّضر (١) بن صبيح التميمىّ ومعه شريك بن غضىّ التميمىّ إلى مَرْو الرّوذ بإظهار الدّعوة فى شهر رمضان ، ووجّه أبا عاصم عبد الرحمن بن سليم إلى الطالقان ، ووجه أبا الجهم بن عطيّة إلى العلاء بن حريث بخوارزم بإظهار الدّعوة فى شهر رمضان خمس بقين من الشهر، فإن أعجلهم عدوّهم (٢) دون الوقت، فعرض لهم بالأذى والمكروه فقد حلّ لهم أن يدفعوا عن أنفسهم ، وأن يُظهِروا السيوف ويجرّدوها من أغمادها، ويجاهدوا أعداء الله ومَنْ شغلهم عدوّهم عَن الوقت فلا حرج عليهم أن يظهروا بعد الوقت . ١٩٥٤/٢ ثم تحوّل أبو مسلم عن منزل أبى الحكم عيسى بن أعين ،فنزل على سليمان ابن كثير الخُزاعىّ فی قریته التى تدعى سفيذنج من رُبع خرقان لليلتين خلتا من شهر رمضان من سنة تسع وعشرين ومائة ، فلما كانت ليلة الخميس لخمس بقين من شهر رمضان سنة تسع وعشرين ومائة اعتقدوا اللواء الذى بعث به الإمام إليه الذى يُدعى الظلّ، على رمح طوله أربعة عشر ذراعًا، وعقد الرّاية التى (٣) بعث بها الإمام التى تدعى السحاب على رمح طوله ثلاثة عشر ذراعًا، وهو يتلو: (أُذِنَ الذِينَ يُّقاتَلُونَ بأنهم" ظُلموا وإنَّ اللّه عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾(٤)، وليس السوّاد هو وسليمان بن كثير وإخوة سليمان وَمواليه ومن كان أجاب الدعوة من أهل سفيذنج ، منهم غيلان بن عبد الله الخزاعىّ ۔ و کان صهر سلیمان على أخته أم عمرو بنت کثیر۔۔ ومنھم حُمید بن رزین وأخوه عثمان بن رَزِين، فأوقدوا النيران ليلتهم أجمع للشيعة من سكان ربع خرقان - وكانت العلامة بين الشيعة - فتجمعوا له حين أصبحوا مُغذّين، وتأويل هذين الاسمين: الظلّ والسحاب، أن السحاب يطبق الأرض؛ وكذلكَ دعوة بنى العباس، وتأويل الظلّ أن الأرض لا تخلو من الظلّ أبداً، وكذلك لا تخلو من خليفة عباسى أبد الدهر . وقدم على أبى مسلم الدعاة من أهل مَرْو بمن أجاب الدعوة ؛ وكان أوّل مَنْ قدم عليه أهل السقادم(٥) مع أبى الوضاح الهُرْمُزْ فرّىّ عيسى بن شُبيل ١٩٥٥/٢ (١) ابن الأثير: ((نصر)). (٣) كذا فى أ، وفى ط: ((الذى)). (٥) اوابن الأثير: ((التقادم)). (٢) أ: ((غزوهم)). (٤) سورة الحج ٣٩. ٣٥٧ سنة ١٢٩ فى تسعمائة رجل وأربعة فرسان، ومن أهل هُرْمُزْ فَرّة سليمان بن حسان وأخوه يزدان بن حسان والهيثم بن يزيد بن كيسان؛ وبُوَيع (١) مولى نصر بن معاوية وأبو خالد الحسن وجردى ومحمد بن علوان، وقدم أهل السقادم مع أبى القاسم محرز بن إبراهيم الجوبانىّ فى ألف وثلثمائة راجل وستة عشر فارساً، ومنهم من الدّعاة أبو العباس المرّوَزىّ وخذام بن عمّار وحمزة بن زُنيم ، فجعل أهل السقادم يكبّرون من ناحيتهم وأهل السقادم مع محرز بن إبراهيم يجيبونهم بالتكبير ؛ فلم يزالوا كذلك حتى دخلوا عسكر أبى مسلم بسفيذنج ؛ وذلك يوم السبت من بعد ظهور أبى مسلم بيومين ، وأمر أبو مسلم أن يُرَمّ حصن سفيذنج ويحصّن ويدرّب ؛ فلما حضر العيد يوم الفطْر بسفيذنج أمر أبو مسلم سليمان بن كثير أن يصلى به وبالشيعة ، ونصب له منبراً فى العسكر ، وأمره أن يبدأ بالصلاة قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة - وكانت بنو أمية تبدأ بالخطبة والأذان، ثم الصلاة بالإقامة على صلاة يوم الجمعة، فيخطبون على المنابر جلوساً فى الجمعة والأعياد-وأمر أبو مسلم سليمان بن كثير أن يكبّر الركعة الأولى ستّ تكبيرات تباعًا، ثم يقرأ ويركع بالسابعة، ويكبر فى الركعة الثانية خمس تكبيرات تباعاً ، ثم يقرأ ويركع بالسادسة ، ويفتتح الخطبة بالتكبير ويختمها بالقرآن ، وكانت بنو أمية تكبر فى الركعة الأولى أربع تكبيرات يوم العيد ، وفى الثانية ثلاث تكبيرات . فلما قضى سليمان بن كثير الصلاة والخطبة انصرف أبو مُسلم والشيعة إلى طعام قد أعدّه لهم أبو مسلم الخراسانيّ ، فطعموا مستبشرين . وكان أبو مسلم وهو فى الخندق إذا كتب إلى نصر بن سيار يكتب : للأمير نصر؛ فلما قوى أبو مسلم بمن اجتمع إليه فى خندقه من الشيعة بدأ بنفسه ، فكتب إلى نصر : أما بعد، فإن الله تبارك أسماؤه وتعالى ذكره عيّر أقوامًا فى القرآن فقال: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللِّ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌلَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّ نُفُورًا، اسْتِكْبَارًا فِى الأَرْضِ وَمَكْرَ الَّيِّئُّ وَلَا يَحِيقُ المَكْرُ الَّيِّىِّ إِلَّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّ سنَّةَ ١٩٥٦/٢ (١) !: (بزيع)). ٣٥٨ سنة ١٢٩ ١٩٥٧/٢ الأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنةِ اللهِ تَحوِيلاً﴾(١). فتعاظم نصرٌ الكتاب وأنه بدأ بنفسه، وكسر له إحدى عينيه [ وأطال الفكرة] (٢) وقال : هذا كتاب له جواب. فلما استقرّ بأبى مسلم معسكره بالماخُوَان أمر محرز ابن إبراهيم أن يخندق خندقًا بجِيرَنْج، ويجتمع إليه أصحابه ومَنْ نزع إليه من الشيعة، فيقطع مادّة نصر بن سيارمن مروروذ وبلغ وكُور طخارستان . ففعل ذلك محرز بن إبراهيم، واجتمع له فى خندق نحو من ألف رجل، فأمر أبو مسلم أبا صالح كامل بن مظفر أن يوجه رجلا إلى خندق محرز بن إبراهيم العرض مَنْ فيه وإحصائهم فى دفتر بأسمائهم وأسماء آبائهم وقراهم، فوجّه أبو صالح حُميداً الأزرق لذلك ، وكان كاتبًا ، فأحصى فى خندق محرز ثمانمائة رجل وأربعة رجال من أهل الكفّ ؛ وكان فيهم من القوّاد المعروفين زياد بن سيّار الأزدىّ من قرية تدعى أسبوادق من ربع خرقان ، وخِذام بن عمار الكندىّ من ربع السقادم ومن قرية تدعى بالأوايق ، وحنيفة بن قيس من ربع السقادم، ومن قرية تدعى الشنج، وعبدويه الجردامذ بن عبد الكريم من أهل هَراة، وكان يجلب الغنم إلى مَرْو، وحمزة بن زُنيم الباهلىّ من ربع خرقان من قرية تدعى ميلاذ جرد(٣)، وأبو هاشم خليفة بن مهران من ربع السقادم من قرية تدعى جُوبان وأبو خديجة جيلان بن السغدىّ وأبو نعيم موسى بن صبيح . فلم يزل محرز بن إبراهيم مقيماً فى خندقه حتى دخل أبو مسلم حائط مَرْو، وعطل الخندق بماخُوَان وإلى أن عسكر بمارسَرْجَس يريد نيسابور ؛ فضمّ إليه محرز بن إبراهيم أصحابه ؛ وكان من الأحداث ، وأبو مسلم بسَفيذنْج ، وكانّ نصر بن سيار وجه مولى له يقال له يزيد فى خيل عظيمة لمحاربة أبى مسلم بعد ثمانية عشر شهراً من ظهوره، فوجّه إليه أبو مسلم مالك ابن الهيثم الخُزَاعِىّ ومَعه مصعب بن قيس ، فالتقوا بقرية تدعى آلين ، فدعاهم مالك إلى الرّضا من آل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاستكبروا ١٩٥٨/٢ عن ذلك، فصافّهم (٤) مالك وهو فى نحو من مائتين من أوّل النهار إلى وقت العصر . (١) سورة فاطر ٤٢، ٤٣ . (٣) ط: ((هتلادجور). (٢) من ا. (٤) ا: ((فصادمهم)). سنة ١٢٩ ٣٥٩ وقدم على أبى مسلم صالح بن سليمان الضّيّ وإبراهيم بن يزيد وزياد بن عيسى فوجّههم إلى مالك بن الهيثم، فقدموا عليه مع العصر ، فقوى بهم أبو نصر، فقال يزيد مولى نصر بن سيار لأصحابه : إن تركنا هؤلاء الليلة أتتْهم الأمداد ، فاحملوا على القوم؛ ففعلوا، وترجّل أبو نصر وحضّ أصحابه، وقال: إنى لأرجو أن يقطع الله من الكافرين طرفًا ، فاجتلدوا جلاداً صادقًا، وصبر الفريقان ، فقتل من شيعة بنى مروان أربعة وثلاثون رجلا ، وأسر منهم ثمانية نفر ، وحمل عبدُ اللّه الطائىّ على يزيد مولى نصر عميد القوم فأسره ، وانهزم أصحابه ، فوجّه أبو نصر عبدَ الله الطائىّ بأسيره فى رجال من الشيعة ، ومعهم الأسرى والرءوس ، وأقام أبو نصر فى معسكره بسفيذنج ، وفى الوفد أبو حماد المروزىّ وأبو عمرو الأعجمىّ ، فأمر أبو مسلم بالرءوس فنُصبت على باب الحائط الذى فى معسكره ، ودفع يزيد الأسلمىَّ إلى أبى إسحاق خالد بن عثمان، وأمره أن يعالج يزيد مولى نَصْر من جراحات كانت به ، ويحسن تعاهده ، وكتب إلى أبى نصر بالقُدوم عليه، فلما اندمل يزيد مولى نصر من جِراحاته دعاه أبو مسلم ، فقال : إن شئت أن تقيم معنا وتدخل فى دعوتنا فقد أرشدك اللّه، وإن كرهت فارجع إلى مولاك سالمًا، وأعطنا عهد الله ألّ تحاربنا وألاّ تكذب علينا ، وأن تقول فينا ما رأيت ؛ فاختار الرجوع إلى مولاه ، فخلى له الطريق. وقال أبو مسلم: إنّ هذا سيردّ عنكم أهل الورع والصلاح ، فإنّا عندهم على [غَير] (١) الإسلام. ١٩٥٩/٢ وقدم يزيد على نصر بن سيار ؛ فقال : لا مرحبًا بك؛ والله ما ظننت استبقاك القوم إلّ ليتخذوك حجة علينا ، فقال يزيد : فهو والله ما ظننتَ ، وقد استحلفونى ألّ أكذب عليهم ، وأنا أقول: إنهم يصلّون الصلوات لمواقيتها بأذان وإقامة ، ويتلون الكتاب ، ويذكرون الله كثيراً، ويدعون إلى ولاية رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وما أحسب أمرهم إلا سيعلو؛ ولولا أنك مولاى أعتقتنِى من الرقّ ما رجعتُ إليك، ولأقمت معهم . فهذه أول حرب كانت بين الشيعة وشيعة بنى مروان . (١) من ا. ٣٦٠ سنة ١٢٩ وفى هذه السنة غلب خازم بن خُزيمة على مروَرُوذ ، وقتل عامل نصر بن سيار الذى كان عليها ؛ وكتب بالفتح إلى أبى مسلم مع خُزيمة بن خازم . ذكر الخبر عن ذلك : ذكر علىّ بن محمد أن أبا الحسن الجُشمىّ(١) وزهير بن هُنيد والحسن ابن رشيد أخبروه أن خازم بن خزيمة لما أراد الخروج بمرْوَرُوذ أراد ناس من تميم أن يمنعوه ، فقال : إنما أنا رجل منكم ، أريد مَرْو لعلى أن أغلب عليها (٢) ؛ فإن ظفرتُ فهى لكم، وإن قُتلت فقد كفيتكم أمرى . فكفّوا عنه، فخرج فعسكر فى قرية يقال لها كَنْجَ رُستاه(٣)، وقدم عليهم من قبَل أبى مسلم النضْر بن صُبيح وبسام بن إبراهيم . فلما أمسى خازم بيّت أهلَ مَرْوْرُوذ، فقتل بشر بن جعفر السعدىّ - وكان عاملا لنصر بن سيار على مَرْورُوذ - فى أول ذى القعدة، وبعث بالفتح إلى أبى مسلم مع خُزيمة بن خازم عبد الله بن سعيد وشبيب بن واج . ١٩٦٠/٢ ٠ قال أبو جعفر : وقال غير الذين ذكرنا قولهم فى أمر أبى مسلم وإظهاره الدّعوة ومصيره إلى خُراسان وشخوصه عنها وعوده إليها بعد الشخوص قولاً خلاف قولهم ؛ والذى قال فى ذلك: أنّ إبراهيم الإمام زوّج أبامسلم لما توجه إلى خراسان ابنة أبى النجم، وساق عنه صداقها، وكتب بذلك إلى النقباء، وأمرهم بالسمع والطاعة لأبى مسلم، وكان أبو مسلم - فيما زعم - من أهل خُطَرْنِية، من سواد الكوفة ، وكان قَهرماناً لإدريس بن معقل العِجْلىّ، فآل أمره ومنتهى ولائه (٤) لمحمد بن علىّ، ثم لإبراهيم بن محمد، ثم للأئمة من أولاد محمد ابن علىّ فقدم خُراسان وهو حديث السنّ، فلم يقبله سليمان بن كثير وتخوّف ألّ يقوى على أمرهم، وخاف على نفسه وأصحابه ، فردّوه - وأبو داود خالد بن إبراهيم غائب خَلْف نهر بَلْخ - فلما انصرف أبو داود ، وقدم (١) ط: ((الحسمى))؛ وانظر الفهرس. (٢) ابن الأثير: ((أريد أن أغلب على مرو)). (٣) ابن الأثير: ((كنج رستان)). (٤) ابن الأثير: ((فصار أمره إلى ولاية)).