Indexed OCR Text

Pages 321-340

٣٢١
سنة ١٢٧
وفى كفِّه عَضْبُ الذُّباب صَقِيل
ولم يتبَع المرَّاقَ والنَّأْرُ فيهمُ
إِلى مَعْشَرٍ أَرْدَوْا أَخاك وأَكَفَرُوا (١)
أَباك ، فماذا بعد ذاك تَقُول !
-. فلما بلغ عبيد الله بن العباس هذا البيت من قول أبى عطاء، قال أقول:
أعضّك الله ببظر أمِّك ...
وطالِبٍ وَتْر، والذَّليلُ ذَليلُ
فلا وصلَتْك الرّحْمُ من ذى قَرَابَةِ
ء
ونَجَّاكِ خَوَّارُ العِنَانِ مَطولُ
ترَكَتَ أَخا شَيْبَانَ يَسلبُ بَزَّهُ
قال : فنزل ابن عمر منزلَ الحجاج بن يوسف بواسط - فيما قيل - فى اليمانية
١٩٠٥/٢
ونزل النّضر وأخوه سليمان ابنا سعيد وحنظلة بن نُباتة وابناه محمد ونباتة فى
المضرّية ذات اليمين إذا صعدتَ من البصرة، وخلوا الكوفة والحيرة للضّحاك
والشُّراة ، وصارت فى أيديهم ، وعادت الحرب بين عبد الله بن عمر والنَّضْر
ابن سعيد الحرَشىّ إلى ما كانت عليه قبل قدوم الضّحاك يطلب النضر أن يسلم
إليه عبدالله بن عمر ولايةَ العراق بكتاب مَرْوان، ويأتى عبد الله بن عمر واليمانية
مع ابن عمر والنزارية مع النّضْر ؛ وذلك أن جند أهل اليمن كانوا مع يزيد
الناقص تعصّبًا على الوليد حيث أسلم خالد بن عبد الله القسرىّ إلى يوسف بن عمر
حتى قتله ؛ وكانت القيسية مع مَرْوان ، لأنه طلب بدم الوليد - وأخوال الوليد
من قيس، ثم من ثقيف ، أمّه زينب بنت محمد بن يوسف ابنة أخى الحجاج -
فعادت الحرب بين ابن عمر والنّضر ، ودخل الضحاك الكوفة فأقام بها ،
واستعمل عليها مِلْحَان الشيبانىّ فى شعبان سنة سبع وعشرين ومائة ، فأقبل
منقضًّاً فى الشّراة إلى واسط ، متبعاً لابن عمر والنضر، فنزل باب المضمار .
فلما رأى ذلك ابنُ عمر والنضْر نكلا عن الحرب فيما بينهما ، وصارت كلمتهما
عليه واحدة ؛ كما كانت بالكوفة ؛ فجعل النضْر وقوّاده يعبرُون الجسر،
فيقاتلون الضّحاك وأصحابه مع ابن عمر ثم يعودون إلى مواضعهم ، ولا يقيمون
مع ابن عمر ؛ فلم يزالوا على ذلك : شعبان وشهر رمضان وشوال ، فاقتتلوا
يومياً من تلك الأيام ، فاشتدّ قتالهم، فشدّ منصور بن جمهور على قائد ١٩٠٦/٢
(١) ابن الأثير: ((إلى معشر ردوا)).

٣٢٢
سنة ١٢٧
من قوّاد الضحاك ، كان عظيم القَدْر فى الشُّراة ، يقال له عكرمة بن شيبان،
فضربه على باب القورَج ، فقطعه باثنين فقتله . وبعث الضحاك قائداً
من قوّاده يدعى شوالا من بنى شيبان إلى باب الزّاب ، فقال : اضرمْه عليهم
ناراً ، فقد طال الحصار علينا ، فانطلق شوّال ومعه الخيبرىّ؛ أحد بنى شيبان
فى خيلهم ، فلقيَهم عبدُ الملك بن علقمة ، فقال لهم : أين تريدون ؟ فقال
له شوّال : نريد باب الزّاب، أمرنى أمير المؤمنين بكذا وكذا ، فقال : أنا
معك؛ فرجع معه وهو حاسر ، لا درَع عليه ؛ وكان من قوّاد الضّحاك أيضًا
وكان أشدّ الناس ، فانتهوا إلى الباب فأضرموه، فأخرج لهم عبد الله بن عمر
منصور بن جمهور فى ستمائة فارس من كلْب ، فقاتلوهم أشدّ القتال، وجعل
عبد الملك بن علقمة يشدّ عليهم وهو حاسر ؛ فقتل منهم عِدّة ، فنظر إليه
منصور بن جمهور ، فغاظه صنيعه ، فشدّ عليه فضربه على حبل عاتقه
فقطعه حتى بلغ حَرْقفته ؛ فخرّ ميّتًا ، وأقبلت امرأة من الخوارج شادّة ؛
حتى أخذت بلجام منصور بن جمهور ، فقالت : يا فاسق ، أجب
أمير المؤمنين ، فضرب يدها - ويقال: ضرب عنان دابته فقطعه فى يدها- ونجا.
فدخل المدينة الخيبرىّ يريد منصوراً، فاعترض عليه ابنُ عمّ له من كلْب ،
فضربه الخيبرىّ فقتله؛ [ فقال حبيب بن خدرة مولى بنى هلال ] - (١)
وكان يزعم أنه من أبناء ملوك فارس - يرثى عبد الملك بن علقمة :
على روح ابن علقَمَةَ السَّلامُ
وقائلة وَدَمْعُ العَيْن يجرى
١٩٠٧/٢
وكلُّ فَتِى لمصْرَعِهِ حِمام
أَأَدْرِكَكَ الحِمامُ وأَنتَ سار
ولا وَكَلُ اللقاءِ ولا كَهَام
فلا رَعشُ اليَدَيْنِ ولا هدانٌ
ولكن يُقْتَلُونَ وهُمْ كِرامُ
وما قَتْلٌ عَلَى شار بعار
شجانى يا بن علقمةً الطعامُ
طغامُ الناسِ لَيْسَ لَهُمْ سبيلٌ
ثم إنّ منصوراً قال لابن عمر: ما رأيتُ فى الناس مثل هؤلاء قطّ - يعنى
الشّراة - فلمَ تحاربهم وتشغلهم عن مروان ؟ أعطهم الرّضا ، واجعلهم بينك
وبين مرْوان ، فإنك إن أعطيتهم الرّضا خلَّوْا عنا ومضوْا إلى مروان،
(١) من ا.

٣٢٣
سنة ١٢٧
فكان حدُّهم وبأسهم عليه ، وأقمتَ أنت مستريحًا بموضعك هذا ؛ فإن
ظفروا بها كان ما أردْتَ وكنتَ عندهم آمنًا ، وإن ظفر بهم وأردت خلافته
وقتاله قاتلته جامًا مستريحًا ؛ مع أن أمره وأمرهم سيطول، ويوسعونه شرًّا.
فقال ابن ◌ُمر : لا تعجَل حتى نتلوّم وننظر ، فقال : أيّ شيء ننتظر !
فما تستطيع أن تطلع معهم ولا تستقرّ ، وإن خرجنا لم نقم لهم ، فما انتظارنا
بهم ومروان فى راحة ، وقد كفيناه حدَّهم وشغلناهم عنه ! أما أنا فخارج
لاحقٌ بهم. فخرج فوقف حيال صفتَّهم وناداهم: إنى جانحٌ أريد أن أسليم
وأسمع كلام الله - قال: وهى محنتهم(١) - فلحق بهم فبايعهم ، وقال: قد
أسلمتُ ، فدعوْا له بغداء فتغدّى ، ثم قال لهم : من الفارس الذى أخذ
بعنانى يوم الزّاب ؟ يعنى يوم ابن علقمة - فنادوا يا أمّ العنبر ، فخرجت
إليهم ؛ فإذا أجمل الناس ، فقالت له : أنت منصور ؟ قال : نعم ، قالت :
قبح اللّه سيفك، أين ما تذكر منه! فوالله ما صنع شيئًا، ولا ترك - تعنى
ألاّ يكون قتلها حين أخذت بعنانه فدخلت الجنة - وكان منصور لا يعلم
يومئذ أنها امرأة، فقال: يا أمير المؤمنين، زَوّجْنيها، قال: إن لها زوجاً-
وكانت تحت عبيدة بن سوَّار التغلبىّ - قال: ثم إنّ عبد الله بن عمر خرج
إليهم فى آخر شوّال فبايعه .
١٩٠٨/٢
[ خبر خروج سليمان بن هشام على مروان بن محمد ]
وفى هذه السنة - أعنى سنة سبع وعشرين ومائة - خلع سليمان بن هشام
ابن عبد الملك بن مروانَ مروان بن محمد ونصب الحرب .
ذكر الخبر عن سبب ذلك وما جرى بينهما :
حدثى أحمد بن زهير ، قال : حدثنى عبد الوهاب بن إبراهيم ، قال :
حدثنى أبو هاشم مخلّد بن محمد بن صالح ، قال : لما شخص مروان من
الرُّصافة إلى الرَّقة لتوجيه ابن هبيرة إلى العراق لمحاربة الضّحاك بن قيس الشيبانىّ
استأذنه سليمان بن هشام فى مُقَام أيام ، لإجمام ظهره وإصلاح أمره ؛ فأذن
(١) ابن الأثير: ((حجهم)).

٣٢٤
سنة ١٢٧
له . ومضى مروان ، فأقبل نحو من عشرة آلاف ممن كان مَرْوان قطع عليه
البعث بدير أيوب لغزو العراق مع قوّادهم؛ حتى جاءوا (١) الرُّصافة، فدعوْا
سليمان إلى خَلْع مروان ومحاربته، وقالوا: أنت أرضى منه عند أهل الشأم وأوْلى
بالخلافة، فاستزله الشيطان، فأجابهم ، وخرج إليهم بإخوته وولده وموالیه ،
فعسكر[ بهم] (٢) وسار يجمعهم (٣) إلى قِنَّسرين، فكاتب أهل الشأم فانقضُوا
١٩٠٩/٢ إليه من كلّ وجه وجند؛ وأقبل مَرْوان بعد أن شارف قَرْقيسيا منصرفًا إليه،
و کتب إلى ابن هبيرة يأمره بالثبوت فى عسكره من دورین حتى نزل معسكره
بواسط ، واجتمع مَن كان بالهنىّ من موالى سليمان وولد هشام ، فدخلوا
حِصْنَ الكامل بذراريّهم فتحصّنوا فيه ، وأغلقوا الأبواب دونه ، فأرسل
إليهم : ماذا صنعتم ؟ خلعتم طاعتى ونقضتم بيعتى بعد ما أعطيتمونى من
العهود والمواثيق ! فردُّوا على رسله: إنا مع سليمان على مَن خالفه . فردّ إليهم:
إنّى أحذّركم وأنذركم أن تعرِضوا لأحد ممّن تبِعنى من جنْدى أو يناله منكم
أُذّى، فتحلُّوا بأنفسكم ؛ ولا أمانَ لكم عندى . فأرسلوا إليه : إنا سنكفّ .
ومضى مرْوان ، فجعلوا يخرجون من حصنهم ، فيغيرون على من اتبعه من
أخريات الناس وشذّان الجند ؛ فیسلبونهم خیو لهم وسلاحتهم . وبلغه ذلك ،
فتحرّق عليهم غيظًا . واجتمع إلى سليمان نحوٌ من سبعين ألفًا من أهل الشأم
والذّكْوانية وغيرهم، وعسكر فى قرية لبنى زفر يقال لها خُسَاف من قِنَّسرين
من أرضها . فلما دنا منه مَرْوان قدّم السكسكىّ فى نحو سبعة آلاف ،
ووجّه مروان عيسى بن مسلم فى نحو من عدّتهم، فالتقوا فيما بين العسكرين ،
فاقتتلوا قتالا شديداً ، والتقى السكسكىّ وعيسى ، وكلّ واحد منهما فارس
بطل، فاطعنا حتى تقصّفت رماحهما، ثم صارا إلى السيوف، فضرب السككىُّ
مقدّم فرس صاحبه ، فسقط لجامُه فى صدره ، وجال به فرسه ، فاعترضه
١٩١٠/٢ السَّکسکیّ ، فضربه بالعمود فصرعه ، ثم نزل إليه فأسره ، وبارز فارسًا من
فرسان أنطاكية، يقال له سلساق قائد الصقالبة. فأسره، وانهزمت مقدّمة مروان
وبلغه الخبر وهو فى مسيره ، فمضى وطوى على تعبية ، ولم ينزل حتى انتهى
(٢) من ا.
(١) !: ((حلوا)).
(٣) ط: ((بجميعهم)).

٣٢٥
سنة ١٢٧
إلى سليمان ، وقد تعبّأ له، وتهيّاً لقتاله، فلم يناظره حتى واقعه(١)، فانهزم سليمان
ومَن معه ، وأتْبعتهم خيوله تقتلهم وتأسرهم ؛ وانتهوا إلى عسكرهم فاستباحوه ،
ووقف مروان مَوَقِفًا، وأمر ابنيه فوقفا موقفين ، ووقف كوثر صاحب
شرطته فى موضع، ثم أمرهم ألاّ يأتوا بأسير إلّ قتلوه إلّ عبداً مملوكًا ،
فأحصِيَ مِنْ قتلاهم يومئذ نيف على ثلاثين ألفًا .
قال: وقُتِل إبراهيم بن سليمان أكبر ولده ، وأتِى بخال لهشام بن عبدالملك
يقال له خالد بن هشام الخز ومی۔ و کان بادنًا کثیر اللحم - فأد نِىَ إليه وهو
يلْهث ، فقال له : يا فاسق؛ أما كان لك فى خمر المدينة وقِيانها ما يكفُّك
عن الخروج مع الخرّاءِ تقاتلنى! قال: يا أمير المؤمنين، أكرمنى، فأنشدك الله
والرّحم! قال: وتكذب أيضاً! كيف أكرهك وقد خرجتَ بالقيان والزقاق والبَرابط
معك فى عسكره! فقتله (٢). قال: وادّعى كثير من الأسراء من الجند أنهم رقيق،
فكفّ عن قتلهم ، وأمر ببيعهم فيمن يزيد مع ما بيع مما أصيب فى عسكرهم.
قال: ومضى سليمان مفلولاً حتى انتهى إلى حِمْص؛ فانضم إليه من أفلت
ممّن كان معه، فعسكر بها، وبنى ما كان مروان أمر بهدمه من حيطانها، ووجّه
مَرْوان يوم هزمه قوّاداً وروابط فى جريدة خيل، وتقدّم إليهم أن يسبقوا كلّ
خبر؛ حتى يأتوا الكامل، فيحدقوا بها إلى أن يأتيهم، حَقًا (٣) عليهم، فأتوهم
فنزلوا عليهم، وأقبل مروان نحوهم حتى نزل معسكره من واسط ، فأرسل إليهم
أن انزلوا على حكمى ، فقالوا : لا حتى تؤمّننا بأجمعنا ، فدلَّف إليهم ،
ونصب عليهم المجانيق ، فلما تتابعت الحجارة عليهم نزلوا على حكْمِهِ ،
فذّل بهم واحتملهم أهل الرَّقَة فَآووهم ، وداووا جراحاتهم ، وهلك بعضُهم
وبقى أكثرهم، وكانت عِدّتهم جميعًا نحوًا من ثلثمائة . ثم شخص إلى
سليمان ومَن تجمّع معه بحِمْص ، فلما دنا منهم اجتمعوا، فقال بعضهم
لبعض : حتى متى ننهزم من مروان ! هلموا فلنتبايع على الموت ولا نفترق
بعد معاينته حتى نموت جميعًا . فمضى على ذلك من فرسانهم مَن قد وطن
١٩١١/٢
(١) ا: ((دافعه)).
(٢) ا: ((وقتله)).
(٣) !: ((حردًا)).

٣٢٦
سنة ١٢٧
نفسه على الموت نحو من تسعمائة ، وولَّى سليمان على شَطْرِهِم معاوية
السَّكسكىّ، وعلى الشَّطر الثانى (١) ثُبيتًا البَهرانىّ. فتوجهوا إليه مجتمعين (٢)،
على أن يبيّتوه إن أصابوا منه غِرّة ، وبلغه خبرهم وما كان منهم ، فتحرّز
وزحف إليهم فى الخنادق على احتراس وتعبية ، فراموا تبييته فلم يقدروا ،
فتهيئوا له وكمنوا فى زيتون ظَهَر على طريقه ، فى قرية تسمى تَل منَّس من
جبل السّاق ، فخرجوا عليه وهو يسير على تعبية ، فوضعوا السلاح فيمن معه ،
وانتبذ لهم ، ونادى خيولَه فثابت إليه من المقدمة والمجنّبتين والسَّاقة، فقاتلوهم
١٩١٢/٢ من لسَدُن ارتفاع النهار إلى بعد العصر، والتقى السکسکیّ وفارس من فرسان
بنى سليم ، فاضطربا ، فصرعه السُّلمىّ عن فرسه، ونزل إليه ، وأعانه رجل
من بنى تميم ، فأتياه به أسيراً وهو واقف ؛ فقال: الحمد لله الذى أمكن منك
فطالما بلغت منّا ! فقال : استبقنى فإنى فارس العرب ، قال : كذبت ؛
الذى جاء بك أفرسُ منك ، فأمر به فأوثق ، وقتل ممّن صبر معه نحو
من ستة آلاف .
قال : وأفلت ثُبَيَت ومَن انهزم معه، فلما أتوا سليمان خلف أخاه سعيد
ابن هشام فى مدينة حِمْص ، وعرف أنه لا طاقة له به ، ومضى هو إلى
تَدْمر، فأقام بها، ونزل مَرْوان على حِمْص، فحاصرهم (٣) بها عشرة أشهر،
ونصب عليها نَيّفًا وثمانين مِنْجنيقًا، فطرح عليهم حجارتها بالليل
والنهار وهم فى ذلك يخرجون إليه كلّ يوم فيقاتلونه ، وربما بيتوا نواحى
معسكره ، وأغاروا على الموضع الذى يطمعون فى إصابة العورة والفرضة منه .
فلما تتابع عليهم البلاء ، ولزمهم الذُّلُ سألوه أن يؤمّنهم على أن يمكنوه من
سعيد بن هشام وابنْيه عثمان ومروان ومن رجل كان يسمى السككىّ ، كان
يغير على عسكرهم ، ومن حبشىّ كان يشتمه ويفترى عليه ؛ فأجابهم إلى
ذلك وقبله . وكانت قصّة الحبشى أنه كان يشرف من (٤) الحائط ويربط فى
ذكره ذكتر حمار، ثم يقول : يابنى سليم ، يا أولاد كذا وكذا ، هذا لواؤكم !
(١) ط: ((الباقى)).
(٢) ابن الأثير: ((مجمعين)).
(٣) ا: ((تحصرا))، وفى ابن الأثير: ((يرمى بها)).
(٤) ط: ((على))، وما أثبته من ا.

٣٢٧
سنة ١٢٧
وكان يشتم مروان ، فلما ظفر به دفعه إلى بنى سُليم، فقطعوا مذا كيرَه وأنفه،
ومثّلوا به، وأمر بقتل المتسمّى السكسكىّ والاستيثاق من سعيد وابنيه ، وأقبل
متوجّهاً إلى الضحاك .
١٩١٣/٢
وأما غير أبى هاشم مخلّد بن محمد ، فإنه ذكر من أمر سليمان بن هشام
بعد انهزامِه من وقعة خُساف غير ما ذكره مخلّد ؛ والذى ذكره من ذلك أنّ
سليمان بن هشام بن عبد الملك حين هزمه مَرْوان يوم خُساف أقبل هاربًا؛
حتى صار إلى عبد الله بن عمر ، فخرج مع عبد الله بن عمر إلى الضّحاك،
فبايعه، وأخبر عن مروان بفسق وجور وحضّض عليه، وقال : أنا سائر معكم
فى موالىّ ومَن اتبعنى، فسار مع الضحاك حين سار إلى مروان ، فقال شُبيل
ابن عَزْرة الضُّبَعَىّ فى بيعتهم الضحاك :
ألم ترَ أَنَّ اللَّه أَظهَرَ دِينَهُ
فصَلَّتْ قرَيْشٌ خَلف بكْرِ بنِ وائِل
فصارت كلمة ابن عمر وأصحابه واحدة على النَّضر بن سعيد ، فعلم أنه
لا طاقة له بهم ؛ فارتحل من ساعته يريد مَرْوان بالشأم .
وذكر أبو عبيدة أن بَيْهسًا أخبره: لما دخل ذو القعدة سنة سبع وعشرين
ومائة ، استقام لمرْوان الشأم ونفى عنها مَن كان يخالفه ، فدعا يزيد بن عمر
ابن هبيرة ، فوجَّهَه عاملا على العراق، وضمّ إليه أجناد الجزيرة ، فأقبل
حتى نزل سعيد بن عبد الملك ، وأرسل ابن عمر إلى الضَّحاك يعلمه ذلك .
قال : فجعل الضّحاكَ لَنا مَيْسان وقال : إنها تكفيكم حتى ننظر عما
تنجلى . واستعمل ابن عمر عليها مولاه الحكم بن النعمان .
فأما أبو مخنف فإنه قال - فيما ذكر عنه هشام : إن عبد الله بن عمر
صالح الضّحاك على أنّ بيد الضحاك ما كان غلب عليه من الكوفة وسوادها ،
وبيد ابن عمر ما كان بيده من كَسْكَرَ وميسان وَدَسْتميسان وكور دجلة
والأهواز وفارس، فارتحل الضّحاك حتى لقى مروان بكَفَرْتوثًا من أرض
الجزيرة .
وقال أبو عبيدة : تهيّأ الضّحاك ليسير إلى مَرْوان ، ومضى النَّضْر يريد
١٩١٤/٢

٣٢٨
سنة ١٢٧
الشأم ، فنزل القادسية ، وبلغ ذلك مِلْحان (١) الشيبانىّ عامل الضّحاك على
الكوفة ، فخرج إليه فقاتله وهو فى قلَّة من الشُّراة ، فقاتله فصبر حتى قتله
النّضر . وقال ابن خدرة يرثيه وعبد الملك بن علقمة :
وَابْنِ علقَمَةَ المَسْتَشَهِدِ الشارِى
كائِنْ كمِلْحانَ مِنْ شارِ أَخِى ثِقَةٍ
فباعَ دارى بأَعلى صَفْقَةِ الدارِ
من صادِقٍ كُنْتُ أُصْفِيهِ مخالَصْی
أَشْكو إلى اللهِ خذلانِی وإخفارِى
إخوان صِدْقٍ أُرَجّيهِمْ وأخذلهُمْ
وبلغ الضّحاك قتل ملْحان ، فاستعمل على الكوفة المثنّى بن عمران من
بى عائدة ، ثم سار الضَّحاك فى ذى القَعْدة، فأخذ الموصل ، وانحطّ ابن
هبيرة من نهر سعيد حتى نزل غزّة من عين التَّمْر ، وبلغ ذلك المثنىّ بن
عمران العائذىّ، عامل الضحاك على الكوفة، فسار إليه فيمَن معه من الشراة ،
ومعه منصور بن جمهور ، وكان صار إليه حين بايع الضَّحاك خلافًا على
مروان ، فالتقوا بغَزّة ، فاقتتلوا قتالا شديداً أيامًا متوالية ؛ فقتل المثنى وعزيز
وعمرو - وكانوا من رؤساء أصحاب الضحاك - وهرب منصور، وانهزمت
الخوارج ، فقال مسلم حاجب يزيد :
وأَذَرَتْ عُزَيْرًابينَ تلكَ الجَنادل
أَرَتْ للمثنَّى يَومَ غِزَّةً حَتْفَهُ
أَطافتْ بمنْصُورٍ كِفاتُ الحَبائِلِ (٢)
وعمرًا أَزَارَتْهُ المِنِيَّةَ بَعْدَ ما
وقال غَيْلان بن حُرَيث فى مدحه ابن هبيرة :
نصرْتَ يَومَ العَيْنِ إِذ لقيتا كنَصْر داودٍ على جالُوتا
فلما قتل منهم مَنْ قتل فى يوم العين ، وهرب منصور بن جمهور ،
أقبل لا يلوى حتى دخل الكوفة ، فجمع بها جَمْعًا من المانية والصُفْرِيّة
ومَن كان تفرّق منهم يوم قتل مسَلْحان ومسَنْ تخلف منهم عن الضحاك ،
فجمعهم منصور جميعاً ، ثم سار بهم حتى نزل الرَّوْحاء ، وأقبل ابن هبيرة
فى أجْناده حتى لقيتَهم، فقاتلهم أيامًا ثم هزمهم ، وقتل البرذَوْن بن
(١) ابن الأثير: ((ملجان)).
(٢) ا: ((لهافى الحبائل)).
١٩١٥/٢
-

٣٢٩
سنة ١٢٧
مرزوق الشيبانىّ ، وهرب منصور ففى ذلك يقول غيلان بن حُرّيث :
على ابْنِ مرزُوقِ سَامٌ مُزْعِفُ
ويَومِ رَوْحاءِ الْعُذَيْبِ دَفَّقُوا
قال: وأقبل ابن هبيرة حتى نزل الكوفة ونفى عنها الخوارج، وبلغ الضّحاك ١٩١٦/٢
ما لقى أصحابه ، فدعا عبيدة بن سوّار التغلَّبِىّ، فوجّهه إليهم ، وانحط
ابن هبيرة يريد واسطا وعبد الله بن عمر بها ، وولى على الكوفة عبد الرحمن بن
بشیر العجلى ، وأقبل عبيدة بن سوّار مغذًا فی فرسان أصحابه ، حتى نزل
الصّراة، ولحق به منصور بن جمهور؛ وبلغ ذلك ابن هبيرة فسار إليهم فالتقوا
بالصّراة فى سنة سبع وعشرين ومائة .
٠
٠٠
وفى هذه السنة توجّه سليمان بن كثير ولاهز بن قُرَيظة وقحطبة بن شبيب
- فيما ذكر - إلى مكة، فلقوا إبراهيم بن محمد الإمام بها ، وأعلموه أن معهم
عشرين ألف دينار ومائتى ألف درهم ومسْكا ومتاعاً كثيراً ، فأمرهم بدفع
ذلك إلى ابن عروة مولى محمد بن علىّ ، وكانوا قدموا معهم بأبى مسلم ذلك
العام ، فقال ابن كثير لإبراهيم بن محمد : إنّ هذا مولاك .
وفيها كتب بكير بن ماهان إلى إبراهيم بن محمد يخبره أنه فى أول يوم
من أيام الآخرة ، وآخر يوم من أيام الدنيا ، وأنه قد استخلف حفص بن
سامان ، وهو رضاً للأمر . وكتب إبراهيم إلى أبى سلمة يأمره بالقيام بأمر
أصحابه ؛ وكتب إلى أهل خراسان يخبرهم أنه قد أسند أمرهم إليه ، ومضى
أبو سَلَمة إلى خراسان فصدّقوه ، وقبلوا أمره ، ودفعوا إليه ما اجتمع قبلهم
من نفقات الشيعة وخمس أموالهم .
وحجّ بالناس فى هذه السنة عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز ، وهو عامل
مَرْوان على المدينة ومكة والطائف ؛ حدثنى بذلك أحمد بن ثابت الرازى ،
عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى ، عن أبى معشر. وكذلك قال الواقدىّ وغيره.
وكان العامل على العراق النَّضر بن الحَرَشىّ، وكان من أمره وأمر عبدالله
ابن عمر والضحاك الحرُوريّ ما قد ذكرت قبلُ. وكان بخراسان نصر بن
سيار وبها من ينازعه فيها كالكرمانيّ والحارث بن سُرّيج .
١٩١٧/٢

ثم دخلت سنة ثمان وعشرين ومائة
[ ذكر خبر قتل الحارث بن سريج بخراسان ]
فمما كان فيها من الأحداث قتل الحارث بن سريج بخراسان .
ذكر الخبر عن مقتله وسبب ذلك :
#
١٩١٨/٢
قد مضى ذكر كتاب يزيد بن الوليد للحارث بأمانه، وخروج الحارث من
بلاد الترك إلى خراسان ومصيره إلى نصر بن سيار ، وما كان من نَصْر إليه ،
واجتماع مَن اجتمع إلى الحارث مستجيبين له . فذكر علىّ بن محمد عن
شيوخه ، أنّ ابن هبيرة لما ولِىَ العراق كتب إلى نصر بعهْده، فبايع لمرْوان،
فقال الحارث : إنما آمنى يزيد بن الوليد ، ومَرْوان لا يجيز أمانَ يزيد،
فلا آمنه . فدعا إلى البيْعة، فشتّ أبو السليل مَرْوانَ ، فلما دعا الحارث
إلى البَيْعة أتاه سلْ بن أحوز وخالد بن هريم وقتَطَن بن محمد وعبّاد(١) بن
الأبرد بن قرّة وحمّاد بن عامر، وكلموه وقالوا له: لِمَ يصيّر نصرٌ سلطانَه
وولايته فى أيدى قومك ؟ ألم يخرجك من أرض الترك ومن حكم خاقان! وإنما
أتى بك لئلا يجترئ عليك عدّوك فخالفته، وفارقتَ أمر عشيرتك، وأطمَعْت
فيهم عدوّهم، فنذكِّرك الله أن تفرّق جماعتنا! فقال الحارث: إنىّ لأرى
فى يدى الكرمانيّ ولاية ، والأمر فى يد نصر ، فلم يجبْهم بما أرادوا ، وخرج
إلى حائط لحمزة بن أبى صالح السلمىّ بإزاء قصر بخاراخذاه ، فعسكر
وأرسل إلى نصر ، فقال له : اجعل الأمر شورى ، فأبى نصر . فخرج الحارث
فأتى منازل يعقوب بن داود ، وأمر جَهْم بن صَفْوان ، مولى بنى راسب ، فقرأ
كتابًا سيّر فيه الحارث على الناس، فانصرفوا يكبّرون ، وأرسل الحارث إلى
نصر : اعزل سلْ بن أحوز عن شُرَطك، واستعمل بشْر بن بسْطام
البرْجمىّ، فوقع بينه وبين مغلّس بن زياد كلام، فتفرقت (٢) قيس وتميم ،
(١) !: ((عتاب)).
(٢) ط: ((فقرت))، وما أثبته من ا.
٣٣٠

٣٣١
سنة ١٢٨
فعزله . واستعمل إبراهيم بن عبد الرحمن ، واختاروا رجالا يسمون لهم قومًا يعملون
بكتاب الله. فاختار نصر مقاتل بن سليمان ومقاتل بن حيان، واختار الحارث
المغيرةَ بن شعبة الجَهْضمىّ ومعاذ بن جبلة، وأمر نصرٌ كاتبه أن يكتب
ما يرضوْن من السُّنَن ، وما يختارونه من العمال، فيولِّيَهم الثَّغرين؛ ثغر
تَسَمَرْ قند وطخارستان ، ويكتب إلى مَن عليهما ما يرضونه من السير والسنّن.
فاستأذن سلم بن أحوز نصرًا فى الفتك بالحارث ، فأبى وولی إبراهيم الصائغ ،
وكان يوجّه ابنه إسحاق بالفيروزج إلى مَرْو، وكان الحارث يظهر أنه
صاحب الرّايات السود ؛ فأرسل إليه نصر : إن كنتَ كما تزعم ، وأنكم
تهد مون سور دمشق ، وتزيلون أمر بنى أمية ، فخذْ منى خمسمائة رأس
ومائتى بعير ، واحمل من الأموال ما شئتَ وآلة الحرب وسرْ ؛ فلعمرى لئن
كنتَ صاحب ما ذكرت إنى لفى يدك ؛ وإن كنت لستَ ذلك فقد أهلكت
عشيرتك . فقال الحارث : قد علمتُ أن هذا حق" ، ولكن لا يبايعنى عليه
مَنْ صحبى. فقال نصر: فقد استبان أنهم ليسواعلى رأيك، ولا لهم مثلُ بصيرتك،
وأنهم هم فساق ورعاع ، فأذكرك اللّه فى عشرين ألفًا من ربيعة واليمن
سَيَهْلكون(١) فيما بينكم . وعرض نصر على الحارث أن يولّيه ما وراء النهر،
ويعطيَه ثلثمائة ألف ؛ فلم يقبل؛ فقال له نصر: فإن شئتَ فابدأ بالكرْمانىّ
فإن قتلتَه فأنا فى طاعتك، وإن شئت فخلِّ بينى وبينه ؛ فإن ظفرتُ به رأيت
رأيك ، وإن شئتَ فسرْ بأصحابك (٢)؛ فإذا جزت الرّىّ فأنا فى طاعتك .
قال : ثم تناظر الحارث ونصر ، فتراضيا أن يحكم بينهم (٣) مقاتل بن
حَان وجَّهْم بن صفوان ، فحكما بأن يعتزل نصر ، ويكون الأمر شورى .
فلم يقبل نصر . وكان جَهْم يقصّ فى بيته فى عسكر الحارث ، وخالف
الحارث نصراً، ففرض نصر لقومه من بنى سلمة وغيرهم ، وصيّرَ سَلْمًا فى
المدينة فى منزل ابن سوّار ، وضمّ إليه الرَّابطة وإلى هدبة بن عامر الشعراوىّ
فرسًا ، وصيّره فى المدينة، واستعمل على المدينة عبد السلام بن يزيد بن حيّان
السُّلمىّ ، وحوَّل السلاح والدّواوين إلى القهندز، واتَّهم قومًا من أصحابه
١٩١٩/٢
١٩٢٠/٢
(١) ابن الأثير: ((يهلكون)).
(٣) ابن الأثير: ((ثم تراضيا بأن حكما)).
(٢) ط: ((بأصحابه)).

٣٣٢
١٩٢١/٢
سنة ١٢٨
أنهم كاتبوا الحارث ، فأجلس عن يساره من اتّهم ممن لا بلاء له عنده ،
وأجلس الَّذين ولاَّهم واصطنعهم عن يمينه؛ ثم تكلم وذكر بنى مَرْوان ومَن
خرج عليهم ؛ كيف أظفر اللّه به؛ ثم قال: أحمدُ اللّه وأذمُّ مَن على
يسارى ؛ ولِيتُ خراسان فكنتَ يا يونس بن عبد ربه ممن أراد الهرب من
كلف مئونات مَرْو ، وأنت وأهل بيتك ممن أراد أسد بن عبد الله أن يختم
أعناقهم ، ويجعلهم فى الرّجالة، فوليتكم إذ وليتكم واصطنعتكم وأمرتكم
أن ترفعوا ما أصبتم إذا أردتُ المسير إلى الوليد، فمنكم مَنْ رفع ألف ألف
وأكثر وأقلّ، ثم ملأتم الحارث علىّ ، فهلّ نظرتم إلى هؤلاء الأحرار الذين
لزمونى مؤاسين (١) على غير بلاء! وأشار إلى هؤلاء الذين عن يمينه. فاعتذر
القوم إليه ، فقبل عذرهم .
وقدم على نصر من كورخراسان حين بلغهم ما صار إليه من الفتنة
جماعةٌ؛ منهم عاصم بن عمير الصُّريمىّ وأبو الذّيال الناجىّ وعمرو الفادوسبان
السُّغْدىّ البخارىّ وحسان بن خالد الأسدىّ من طُخارستان فى فوارس، وعَقيل
ابن مَعْقل الليْىّ ومسلم بن عبد الرحمن بن مسلم وسعد الصَّغير فى فرسان.
وكتب الحارث بن سريج سيرته ، فكانت تقرأ فى طريق مَرْو والمساجد
فأجابه قوم كثير ؛ فقرأ رجل كتابه على باب نصر بماجان ، فضربه غلمان
نصر ، فنابذه(٢) الحارث ، فأتى نصراً هبيرة بن شراحيل ويزيد أبو خالد ،
فأعلماه ، فدعا الحسن بن سعد مولى قريش ، فأمره فنادى : إن الحارث بن
سريج عدوّ اللّه قد نابذ وحارب، فاستعينوا الله ولا حول ولا قوّة إلا باللّه.
وأرسل من ليلته عاصم بن عمير إلى الحارث ، وقال لخالد بن عبد الرحمن :
ما نفعل شعارنا غدا ؟ فقال مقاتل بن سليمان: إن الله بعث نبيًّاً فقاتل عدوًّا
له، فكان شعاره ((حم لا ينْصَرون))، فكان شعارهم ((حم لا ينصرون)»،
وعلامتهم علَى الرّماح الصوف .
وكان سلْ بن أحْوَز وعاصم بن مُمير وقَطَن وعقِيل بن معقل ومسلم
(١) ط: ((مؤاسير))، تحريف، صوابه من أ.
(٢) المنابذة : نقض العهد .

سنة ١٢٨
٣٣٣
ابن عبد الرحمن وسعيد الصغير وعامر بن مالك والجماعة فى طرف (١) الطخارية
ويحيى بن حُضَين وربيعة فى البخاريّين. ودلّ رجل من أهل مدينة مَرْ والحارث
على نتَقْب فى الحائط ، فمضى الحارث فنقتَب الحائط ، فدخلوا المدينة من
ناحية باب بالين وهم خمسون ، ونادوْا : يا منصور - بشعار الحارث -
وأتوا باب ذِيق، فقاتلهم جَزْم بن مسعود الناجىّ، فحمل رجل على جَهْم
فطعنه فى فيه فقتله ، ثم خرجوا من بابٍ ذِيق حتى أتوا قبة سلْ بن أحوز
فقاتلهم عصْمة بن عبد الله الأسدىّ وخضير بن خالد والأبرد بن داود من آل
الأبرد بن قرّة ، وعلى باب بالين حازم بن حاتم ، فقتلوا كلّ مَن كان يحرسه ،
وانتهبوا منزلَ ابن أحوز ومنزل قُدَيد بن منيع ؛ ونهاهم الحارث أن ينتهبوا
منزل ابن أحوز ومنزل قُدَيد بن مسَنيع ومنزل إبراهيم وعيسى ابنى عبد الله
السلمىّ إلاّ الدواب والسلاح؛ وذلك ليلة الاثنين لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة.
١٩٢٢/٢
قال : وأتى نصرًا رسولُ سلْم يخبره دنوّ الحارث منه، وأرسل إليه: أخّرْه
حتى نصبح ، ثم بعث إليه أيضًا محمد بن قَطَن بن عمران الأسدىّ، أنه قد
خرج عليه عامّة أصحابه ، فأرسل إليه : لاتبدأهم.
وكان الذى أهاج القتال ، أنّ غلاماً للنَّضْر بن محمد الفقيه يقال له عطية ،
صار إلى أصحاب سَلْ، فقال أصحاب الحارث: رُدُّوه إلينا (٢)، فأبوْا،
فاقتتلوا ، فرمى غلاماً لعاصم فى عينه فمات؛ فقاتلهم ومعه عَقِيل بن مَعْقِل
فهزمهم ، فانتهوا إلى الحارث وهو يصلىّ الغداةَ فى مسجد أبى بكرة، مولى
بني تميم ؛ فلما قضى الصلاة دنا منهم ، فرجعوا حتى صاروا إلى طَرف
الطُّخَارِيَّة، فدنا منه رجلان ، فناداهما عاصم : عَرْقِبا بِرْذونه ؛ فضرب
الحارث أحدَ هما بعموده فقتله، ورجع الحارث إلى سكة السَّغْد، فرأى أعينَ
مولى حيّان ، فنهاه عن القتال، فقاتل فقتِل ، وعَدَل فى سكة بنى عصمة،
فأتبعه حماد بن عامر الحمانىّ ومحمد بن زُرعة ، فكسر رمحيْهما ، وحمل على
مرزوق مولَى سَلْ ؛ فلما دنا منه ربى به فرسه ؛ فدخل حانوتًا ، وضرب
بِرْذَوْنه على مؤخّره فنفق . قال : وركب سلم حين أصبح إلى باب
(١) !: ((طرق)).
(٢) !: ((علينا)).

٣٣٤
١٩٢٣/٢
١٩٢٤/٢
سنة ١٢٨
نيق ، فأمرهم بالخندق ، فخندقوا وأمر مناديًا، فنادى : مَن جاء برأس
فله ثلثمائة ، فلم تطلع الشمس حتى انهزم الحارث ، وقاتلهم الليل كله ، فلما
أصبحنا أخذ أصحاب نصر على الرزيق ، فأدركوا عبد الله بن مجاعة بن سعد،
فقتلوه . وانتهى سلْ إلى عسكر الحارث؛ وانصرف إلى نَصْر فنهاه نصر ،
فقال : لست منتهيًا حتى أدخل المدينة على هذا الدبّوسيّ؛ فمضى معه محمد
ابن قَطَن وعبيد الله بن بسام إلى باب دَرْسنْكان - وهو القهندز - فوجده
مردوماً، فصعد عبد اللّه بن مَزْيّد الأسدىّ السور ومعه ثلاثة ، ففتحوا
الباب ، ودخل بن أحْوَز ، ووكّل بالباب أبا مطهّر حرب بن سليمان، فقتِل
سلم يومئذ كاتب الحارث بن سرّيج، واسمه يزيد بن داود، وأتى (١) عبد ربه
ابن سيسن فقتله، ومضى سلم إلى باب نيق ففتحه، وقتل رجلاً من الجزّارين
كان دلّ الحارث على النَّقْب؛ فقال المنذر الرقاشىّ ابن عمّ يحيى بن حضين،
يذكر صبر القاسم الشيبانىّ :
فى عُصْبَةٍ قاتلوا صَبرًا فما ذُعِرُوا
ما قاتَلَ القومَ منكُمْ غَيرُ صاحِبِنا
حتى أَتَاهُمْ غِياتُ الهِ فَانْتَصَرُوا
هُمْ قاتلوا عِندَ بابِ الحصنِ ما وَهَنُوا
وَأَنتَ فى معزِلٍ عن ذاكَ مقتَصِرُ
فقاسِمٌ بَعَدَ أَمْرِ اللهِ أَحرَزَها
ويقال : لما غلظ أمر الكرمانيّ والحارث أرسل نَصْر إلى الكرمانيّ، فأتاه
على عهد، وحضرهم محمد بن ثابت القاضى ومقدام بن نعيم أخو عبد الرحمن
ابن نعيم الغامدىّ وسلم بن أحْوز، فدعا نصرٌ إلى الجماعة، فقال للكرْمانىّ:
أنت أسعدُ الناس بذلك ؛ فوقع بين سَلْ بن أحْوَز والمقدام كلام ؛ فأغلظ
له سَكْم، فأعانه عليه أخوه ، وغضِب لهما السُّغدىّ بن عبد الرحمن الخزْمىّ،
فقال سلْ : لقد هممتُ أن أضربَ أنفتك بالسيف ، فقال السُّغدىّ : لو
مسستَ السَّيْف لم ترجع إليك يدُك ، فخاف الكرمانيّ أن يكون مكراً من
نصْر ، فقام وتعلقوا به ، فلم يجلس ، وعاد إلى باب المقصورة .
قال : فتلقّوْه بفرسه ، فركب فى المسجد ، وقال نصر: أراد الغدر بى ،
وأرسل الحارث إلى نصر : إنا لا نرضى بك إمامًا ، فأرسل إليه نصر : كيف
(١) كذا فى ا، وفى ط: ((أمر)).

سنة ١٢٨
٣٣٥
يكون لك عقل ، وقد أفنيتَ عمرك فى أرض الشرْك وغزوتَ المسلمين بالمشركين !
أترانى أتضرَّع إليك أكثر مما تضرَّعت !. قال: فأسر يومئذ جَهْم بن صفوان
صاحب الجَهميّة، فقال لسلم: إن لى وَلْثًا من ابنك حارث؛ قال : ما كان
ينبغى له أن يفعل؛ ولو فعل ما آمنتك، ولو ملأتَ هذه الملاءة كواكبَ ،
وأبرأك إلىّ عيسى بن مريم ما نجوتَ ؛ واللّه لو كنتَ فى بطنى لشققتُ بطنى
حتى أقتلَك؛ والله لا يقوم علينا مع اليمانية أكثر مماقمتَ؛ وأمر عيد ربه بن
سيَسن فقتله، فقال الناس : قتل أبو محرز - وكان جَهْم يكنى أبا محرز.
وأسر يومئذ هبيرة بن شراحيل وعبد الله بن مجاعة فقال: لا أبقى اللّه من استبقا كما،
وإن كنتما من تميم. ويقال: بل قُتل هبيرة، لَقَتْهُ الخيل عند دار
قدَيَد بن منيع فقتل. قال : ولما هَزم نصر الحارثَ، بعث الحارث ابنته حاتماً
إلى الكرمانىّ، فقال له محمد بن المثنّى: هما عدوّاك، دعهما يضطربان؛ فبعث
الكرمانيّ السُّغدىَّ بن عبد الرحمن الخزْمىّ معه ، فدخل السُّغدىّ المدينة من
ناحية باب ميخان، فأتاه الحارث، فدخل فازة (١) الِكْرمانىّ، ومع الكرمانىّ داود
ابن شعيب الجدّانى ومحمد بن المثنى، فأقيمت الصلاة، فصلى بهم الكرمانيّ ،
ثم ركب الحارث، فسار معه جماعة بن محمد بن عزيز أبو خلف ، فلمّا
كان الغد سار الكرمانيّ إلى باب ميدان يزيد ، فقاتل أصحاب نصر ، فقتل
سعد بن ستَكْم المراغىّ ، وأخذوا علم عثمان بن الكرمانيّ؛ فأوّل من أتى الكرمانيّ
بهزيمة الحارث وهو معسكر بباب مَاسَرْ جَسَان على فرسخ من المدينة النَّضْر
ابن غَلاَق السُّغدىّ وعبد الواحد بن المنخَّل . ثم أتاه سوادة بن سريج ،
[وحاتم بن الحارث والخليل بن غزوان العذرىّ، أتوه ببيعة الحارث بن سريج] (٢)
١٩٢٥/٢
وأول من بابع الكرمانيَّ يحيى بن نعيم بن هبيرة الشيبانىّ ، فوجه الكرمانىّ
إلى الحارث بن سريج سورة بن محمد الكندىّ [إلى أسمانير] (٢) والسغدىَّ بن
عبد الرحمن أبا طعمة وَصْعباً أو صُعيباً، وصبّاحًا ، فدخلوا المدينة من باب
ميخان ، حتى أتوا باب ركَك، وأقبل الكرمانيّ إلى باب حَرْب بن عامر،
١٩٢٦/٢
(١) فى اللسان: الفازة مظلة تمد بعمود .
(٢) من ا.

٣٣٦
سنة ١٢٨
ووجّه أصحابه إلى نصر يوم الأربعاء ، فترامَوْا ثم تحاجزوا ، ولم يكن
بينهم يوم الخميس قتال . قال : والتقوا يوم الجمعة ، فانهزمت الأزْد؛ حتى
وصلوا إلى الكرمانيّ، فأخذ اللواء بيلاه فقاتل به ، وحمل الخَضر بن تميم وعليه
تجْفافٌ، فرموْه بالنّشاب، وحمل عليه حبيش مولى نَصْر فطعنه فى حَلْقه،
فأخذ الخضر السّنَّان بشماله من خلفه؛ فشبَّ به فرسه، وحمل فطعن حبيشاً
فأذراه عن بِرْذونه ، فقتله رجَّالة الكرمانيّ بالعصىّ.
قال : وانهزم أصحابُ نصر ، وأخذوا لهم ثمانين فرساً ، وصرِع تميم
ابن نصر ، فأخذوا له برذَوْنين ؛ أخذ أحدهما السُّغدىّ بن عبد الرحمن،
وأخذ الآخر الخَضير، ولحق الخضر بسلم بن أحْوز ، فتناول من ابن أخيه
عموداً فضربه فصرعه ، فحمل عليه رجلان من بني تميم فهرب ، فرمى سَلْ
بنفسه تحت القناطر وبه بضع عشرة ضربة على بَيْضته فسقط ، فحمله
محمد بن الحدَّاد إلى عسكر نصر، وانصرفوا ، فلما كان فى بعض الليالى
خرج نصر من مَرْو، وقُتِل عصمة بن عبد الله الأسدىّ، وكان يحمى
أصحاب نصر؛ فأدركه صالح بن القعقاع الأزدىّ ، فقال له عصمة : تقدّم
يا مَزُونىّ ، فقال صالح : أثبت يا حصى - وكان عقيماً - فعطَف فرسه
فشبَّ فسقط ، فطعنه صالح فقتله .
وقاتل ابن الديليمرىّ، وهو يرتجز ؛ فقتِل إلى جنب عصْمة . وقتل
عبيد الله بن حوتمة (١) السلمىّ، رمى مروان البهرانيّ بجرزة(٢)؛ فقتل؛ فأتى الكرمانى
برأسه فاسترجع - وكان له صديقًا - وأخذ رجل يمانى بعنان فرس مسلم بن
عبد الرحمن بن مسلم فعرفه فتركه . واقتتلوا ثلاثة أيام ، فهزمت آخر يوم
المضرّيّةُ اليمن ، فنادى الخليل بن غزوان : يا معشَر ربيعة واليمن؛ قد دخل
الحارثُ السوق ، وقتل ابن الأقطع ؛ ففتّ فى أعضاد المضرّيّة . وكان أوّل
مَن انهزم إبراهيم بن بسام الليْىّ ، وترجّل تميم بن نصر، فأخذ برْذَوْنه
عبد الرحمن بن جامع الكندىّ ، وقتلوا هَيَّاجًا الكلبىّ ولقيط بن أخضر؛
قتله غلام هانئ البزّار .
١٩٢٧/٢
(١) !: ((خزيمة)).
(٢) ا: ((نحره))، والجرز: عمود من حديد.

سنة ١٢٨
٣٣٧
قال : ويقال : لما كان يوم الجمعة تأهَّبوا للقتال، وهدموا الحيطان
ليتَّع لهم الموضع، فبعث نصر محمد بن قطن إلى الكرمانيّ: إنك لست
مثل هذا الدبّوسىّ ، فاتّ اللّه ، لا تشرع فى الفتنة . قال : وبعث تميم بن
نصر شاكريّته، وهم فى دار الجَنوب بنت القعقاع ؛ فرماهم أصحاب الكرمانيّ
من السطوح ونذروا بهم ، فقال عقيل بن معقِل لمحمد بن المثنَّى: علامَ نقتل
أنفسنا لنصر والكرمانىّ! هلمّ نرجع إلى بلدنا بطَخارستان، فقال محمد: إنّ
نصراً لم يفِ لنا ، فلسنا ندَع حربه . وكان أصحاب الحارث والكرمانيّ يرمون
نصرًا وأصحابه بعرّادة، فضُرب سرادقه(١) وهو فيه فلم يحوّله، فوجه إليهم سلم
ابن أحوز فقاتلهم؛ فكان أوّل الظَّفَر لنصر، فلما رأى الكرمانيّ ذلك أخذ لواءه
من محمد بن محمد بن عميرة ، فقاتل به حتى كَسَرَه . وأخذ محمد بن المثنى
والزّاغ وحِطَّان فى كارابكل ، حتى خرجوا على الرّزيق، وتميم بن نصر على
قنطرة النهر، فقال محمد بن المثنى لتميم حين انتهى إليه : تنحّ يا صبىّ. وحمل
محمد والزاغ معه راية صفراء ، فصرعوا أعين مولى نصر ، وقتلوه؛ وكان صاحب
دواة نصر ، وقتلوا نفراً من شاكريّتِه. وحمل الخضر بن تميم على سلم بن
أحوَز فطعنه ، فمال السنان ، فضربه بجُرْز على صدره وأخرى على منكبه ؛
وضربه على رأسه فسقط ، وحمى نصر أصحابه فى ثمانية، فمنعهم من دخول السوق.
١٩٢٨/٢
قال: ولما هَزَمَت اليمانية مُضَر، أرسل الحارث إلى نصر: إن اليمانية
يعيّرونى بانهزامكم؛ وأنا كاف؛ فاجعل حماة أصحابك بإزاء الكرْمانىّ، فبعث
إليه نصر يزيد النحوىّ أو خالداً(٢) يتوثّق منه؛ أن يفىَ له بما أعطاه من الكفّ.
ويقال : إنما كفّ الحارث عن قتال نَصْر أن عمران بن الفضل الأزدىّ
وأهل بيته وعبد الجبار العدوىّ وخالد بن عبيد الله بن حبيب (٣) العدوىّ وعامة
أصحابه نقِموا على الكِرْمانىّ فعله بأهل التبوشكان ؛ وذلك أن أسداً وجهه
[إليهم (٤)] ، فنزلوا على حكم أسد، فبقر بطون خمسين رجلا وألقاهم فى نهر بتَلْخ،
وقطع أيدى ثلثمائة منهم وأرجلهم، وصلب ثلاثةً ، وباع أثقالهم فيمن يزيد ،
(١) !: ((رواقه)).
(٣) ط: ((حية)).
(٢) ط: ((وخالدا)).
(٤) من ا.

٣٣٨
سنة ١٢٨
١٩٢٩/٢
فنقموا على الحارث عَوْنه الكرمانىّ، وقتاله نصراً . فقال نصرٌ لأصحابه حين
تغير الأمر بينه وبين الحارث : إن مُضَرّ ، لا تجتمع لى ما كان الحارث مع
الكرمانيّ؛ لا يتفقان على أمر، فالرأى تركهما ؛ فإنهما يختلفان . وخرج إلى
جُلْفَرَ فيجد عبد الجبار الأحول العدوىّ وعمر بن أبى الهيثم الصغدىّ، فقال
لهما : أيسعكما المقام مع الكرمانيّ ؟ فقال عبد الجبار: وأنت فلا عدمت
آسياً ؛ ما أحلك هذا المحل"!
فلما رجع نصر إلى مَرْو أمر به فضرب أربعمائة سوط ، ومضى نصر إلى
خَرَق ، فأقام أربعة أيام بها ، ومعه مسلم بن عبد الرحمن بن مسلم وسلم بن
أحْوَز وسنان الأعرابىّ، فقال نصر لنسائه: إنّ الحارث سيخلفى فيكن
ويحميكن" . فلما قرب من نيسابور أرسلوا إليه : ما أقدمك ، وقد أظهرت
من العصبية أمراً قد كان اللّه أطفأه ؟ وكان عامل نصر على نَيْسابور ضرار
ابن عيسى العامرىّ ، فأرسل إليه نصر بن سيار سنانًا الأعرابىّ ومسلم بن
عبد الرحمن وسلم بن أحْوَز ، فكلموهم فخرجوا ، فتلقوا نصراً بالمواكب
والجوارى والهدايا ، فقال سلم : جعلنى الله فداك! هذا الحىّ من قيس ؛ فإنما
كانت عاتبة ، فقال نصر :
للصالحات وعمِّى قيسُ عَيْلانا
أَنَا ابْنُ خِنْدِفَ تنمینی قبائِلُهَا
وأقام عند نصر حين خرج من مَرْو يونس بن عبد ربه ومحمد بن قَطَن
وخالد بن عبد الرحمن فى نظرائهم .
قال: وتقدّم عبّاد بن عمر الأزدىّ وعبد الحكيم بن سعيد العَوْذى
وأبو جعفر عيسى بن جرز على نَصْر من مكة بأبرشهر، فقال نصر لعبد الحكيم:
أما ترى ما صنع سفهاء قومك ؟ فقال عبد الحكيم : بل سفهاء قومك ؛ طالت
ولايتها فى ولايتك، وصيّرت الولاية لقومك دون ربيعة واليمن فبطروا(١)، وفى
ربيعة واليمن حلماء وسُفهاء فغلب السفهاء الحكماء(٢). فقال عبّاد: أتستقبل
الأمیر بهذا الكلام! قال: دعه فقد صدق، فقال أبو جعفر عيسى بن جرز -
وهو من أهل قرية على نهر مَرْو: أيها الأمير ، حسبك من هذه الأمور والولاية،
١٩٣٠/٢
(١) ابن الأثير: ((فنظروا)).
(٢) كذا فى ا، وفى ط: ((العلماء)).

٣٣٩
سنة ١٢٨
فإنه قد أطلّ(١) أمرٌ عظيم ، سيقوم رجل مجهول النسب يُظهر السواد ،
ويدعو إلى دولة تكون، فيغلب على الأمر وأنتم تنظرون وتضطربون . فقال نصر :
ما أشبه أن يكون(٢) لقلة الوفاء، واستجراح (٣) الناس، وسوء ذات البين . وجّهتُ
إلى الحارث وهو بأرض الترك ، فعرضتُ عليه الولاية والأموال فأبى وشغب ، وظاهر
علىّ. فقال أبو جعفر عيسى : إن الحارث مقتول مصلوب ، وما الكرمانيّ من
ذلك ببعيد. فوصله نصر . قال : وكان سلم بن أحوز يقول : ما رأيت
قومًا أكرم إجابةً ، ولا أبذل لدمائهم من قيس .
قال: فلما خرج نصر من مسَرْو غلب عليها الكِرمانىّ، وقال الحارث: إنما
أريد كتاب الله، فقال قحطبة: لو كان صادقًا لأمددتُه ألف عنان ، فقال
مقاتل بن حيّان: أفى كتاب اللّه هدمُ الدور وانتهاب الأموال! فحبسه الكرمانىّ
فى خيمة فى العسكر، فكلّمه معمّر بن مقاتل بن حيّان - أو معمر بن حيان .-
فخلاه ، فأتى الكرمانيّ المسجدَ، ووقف الحارث، فخطب الكرمانيّ الناس،
وآمنهم غير محمد بن الزبير ورجل آخر ، فاستأمن لابن الزبير داود بن
أبى داود بن يعقوب، ودخل الكاتب فآمنه؛ ومضى الحارث إلى باب دوران
وسَرخس، وعَسْكر الكرمانيّ فى مصلّى أسد، وبعث إلى الحارث فأتاه، فأنكر
الحارث هَدْم الدُّور وانتهاب الأموال، فهمّ الكرمانيّ به، ثم كفّ عنه،
فأقام أيامًا . وخرج بشر بن جرموز الضبىّ بخَرَقان ، فدعا إلى الكتاب
والسنّة، وقال الحارث: إنما قاتلت معك طلبَ العدل، فأمّا إذْ كنتَ (٤) مع
الكرمانىّ، فقد علمتُ أنك إنما تقاتل ليقال: غلب الحارث! وهؤلاء يقاتلون
عصبيّة ، فلستُ مقاتلا معك. واعتزل فى خمسة آلاف وخمسمائة ــ ويقال
فى أربعة آلاف - وقال: نحن الفئة العادلة، ندعو إلى الحقّ ولا نقاتل
إلّ مَن يقاتلنا. وأتى الحارث مسجد عياض، فأرسل إلى الكرمانيّ يدعوه إلى
أن يكون الأمر شورى، فأبى الكرمانيّ، وبعث الحارث ابنه محمداً فحمل ثقله
من دار تميم بن نصر، فكتب نصر إلى عشيرته ومُضر؛ أن الزموا الحارث مناصحةٌ
١٩٣١/٢
(١) ابن الأثير: ((أظلك)).
(٣) ا: ((استخراج)).
(٢) بعدها فى ابن الأثير: (( كما تقول)).
(٤) ابن الأثير: ((إذأنت)).

٣٤٠
سنة ١٢٨
فأتوه؛ فقال الحارث : إنكم أصلُ العرب وفرعها ، وأنتم قريب عهد بالهزيمة ،
فاخرجوا إلىّ بالأثقال ، فقالوا: لم نكن نرضى بشىء دون لقائه . وكان من
مدبّرى(١) عسكر الكرمانىّ مقاتل بن سليمان، فأتاه رجل من البُخاريّين،
فقال : أعطنى أجر المنجنيق التى نصبتها ، فقال : أقم البيّنة أنك نصبتَها
من منفعة المسلمين ، فشهد له شيبة بن شيخ الأزدىّ ، فأمر مقاتل فصُك
١٩٣٢/٢ له إلى بيت المال. قال: فكتب أصحاب الحارث إلى الكِرْ مانىّ: نوصيكم بتقوى
الله وطاعته وإيثار أئمة الهدى وتحريم ما حرّم الله من دمائكم؛ فإن الله جعل
اجتماعَنَا كان إلى الحارث ابتغاء الوسيلة إلى اللّه، ونصيحةً فى عباده، فعرّضنا
أنفسنا للحرب ودماءنا للسفك وأموالنا للتلف ، فصغُر ذلك كله عندنا فى
جنْب ما نرجو من ثواب الله؛ ونحن وأنتم إخوان فى الدين وأنصار على العدوّ،
فاتقوا اللّه وراجعوا الحقّ ، فإنا لا نريد سفك الدماء بغير حلها .
فأقاموا أيامًا ، فأتى الحارث بن سُريج الحائط فثلتم فيه ثلمة ناحية
نوبان عند دار هشام بن أبى الهيثم ، فتفرّق عن الحارث أهلُ البصائر وقالوا :
غدرت . فأقام القاسم الشيبانىّ وربيع التيمىّ فى جماعة ، ودخل الكرمانىّ
من باب سرخس ، فحاذى الحارث ؛ ومرّ المنخّل بن عمرو الأزدىّ فقتله
السَّميدع ؛ أحد بنى العدويّة، ونادى: يالثاراتٍ لَقِيط! واقتتلوا، وجعل
الكرمانيّ على ميمنته داود بن شعيب وإخوته: خالداً ومزيداً والمهلب ، وعلى
ميسرته سورة بن محمد بن عزيز الكندىّ ، فى كندة وربيعة . فاشتدّ الأمر
بينهم، فانهزم أصحابُ الحارث وقُتلوا ما بين الثلمة وعسكر الحارث، والحارث
على بَغْل فنزل عنه ، وركب فرسًا فضربه ، فجرى وانهزم أصحابُه ،
فبقى فى أصحابه ، فقتِل عند شجرة ، وقُتل أخوه سوادة وبشر بن جُرْموز
وقتَطن بن المغيرة بن عجرد ، وكَفّ الكرمانىّ، وقُتل مع الحارث مائة، وقُتل
من أصحاب الكيرمانىّ مائة، وصُلب الحارث عند مدينة مَرْو بغير رأس .
وكان قُتل بعد خروج نصر من مَرْو بثلاثين يومًا ، قُتل يومَ الأحد لستّ
بقين من رجَب. وكان يقال: إن الحارث يُقتل تحت زيتونة أو شجرة غُبَيْراءَ.
فقتل كذلك سنة ثمان وعشرين ومائة . وأصاب الكرمانيّ صفائح ذهب للحارث
١٩٣٣/٢
(١) !: ((وكان مدير)).