Indexed OCR Text
Pages 281-300
سنة ١٢٦ ٢٨١ [ذكر مخالفة مروان بن محمد] وفى هذه السنة کتب مروان بن محمد إلى الغمر بن یزید ،أخی الوليد بن یزید یأمره بدم أخيه الوليد . ذكر نسخة ذلك الكتاب الذى كتب إليه : حدّثنى أحمد عن علىّ ، قال : كتب مروان إلى الغمْر بن يزيد بعد قتل الوليد : أما بعد ، فإن هذه الخلافة من اللّه على مناهج نبوّة رسله ، وإقامة شرائع دينه، أكرمهم اللّه بما قلّدهم، يعزّهم ويعزّ من يعزّهم، والحيْن(١) علَى مَنْ ناوأهم فابتغى غير سبيلهم ، فلم يزالوا أهل رعاية لما استودعهم الله منها، يقوم بحقها ناهضٌ بعد ناهض ، بأنصار لها من المسلمين . وكان أهل الشأم أحسن خلقه فيه طاعة ، وأذبَّه عن حُرَمه وأوفاه بعهده ، وأشدّه نكاية فى مارق مخالف ناكث ناكب(٢) عن الحق، فاستدرّت نعمة الله عليهم . قد عَمِر بهم الإسلام، وكُبِت (٣) بهم الشرك وأهله ، وقد نكثوا أمر الله، وحاولوا نكثَ العهود، وقام بذلك من أشعل ضرامتها ، وإن كانت القلوب عنه نافرة، والمطلوبون بدم الخليفة ولايةٌ(٤) من بنى أمية؛ فإن دمه غير ضائع؛ وإن سكنتْ بهم الفتنة، والتأمت الأمور؛ فأمرٌ أراده الله لامردّ له. ١٨٥١/٢ فاكتب بحالك فيما أبرموا وما تَرى ؛ فإنى مطْرق إلى أن أرى غِيَراً(٥) فأسطو بانتقام ، وأنتقم لدين الله المنبوذة فرائضه، المتروكة مجانة ، ومعى قوم أسكن الله طاعتى قلوبَهم ؛ أهلُ إقدام إلى ما قدِ مت بهم عليه ، ولهم نظراء صدورهم مسترعة ممتلئة لو يجدون منزعاً(٧)، والنّقمة دولة تأتى من اللّه؛ ووقت مؤجل(٨)؛ ولم أشبه محمداً ولا مروان (٩) - غير أن رأيت غيراً - (١) الحين : الهلاك والمجنة. (٢) نكب عنه : عدل . (٣) كبته : صرعه وأخزاه . (٤) الولاية : الإمارة والسلطان؛ والمعنى ذوو ولاية؛ أى أمراء من بنى أمية. (٥) غير الدهر : حوادثه المغيرة . (٦) ط: ((المتبول))، وما أثبته من ا. (٧) المنزع : الموضع الذى يصعد فيه الدلو إذا نزع من النبر ؛ أى لو يجدون مجالا وفرصة (٨) ط: ((موكل))، والصواب، ما أثبته من أ. للانتقام . (٩) محمد أبوه ومروان جده. ٢٨٢ سنة ١٢٦ إن لم أشمر للقدريّة إزارى، وأضربهم بسيفى جارحًا وطاعناً، يرمى قضاء الله بى فى ذلك حيث أخذ ، أو يرمى بهم فى عقوبة الله حيث بلغ منهم فيها رضاه ؛ وما إطراقى إلّ لما أنتظر مما يأتينى عنك، فلا تهن عن ثأرك بأخيك، فإنّ اللّه جارُك وكافيك ، وكفى بالله طالبًا ونصيراً . حدثنى أحمد ، عن علىّ ، عن عمرو بن مروان الكلبىّ ، عن مسلم بن ذَكْوان، قال: كلّمَ يزيد بن الوليد العباس بن الوليد فى طُفَيل بن حارثة الكلىّ، وقال: إنه حَمل حمالة ، فإن رأيتَ أن تكتب إلى مروان بن محمد فى الوصاة به ، وأن يأذن له أن يسأل عشيرته فيها - وكان مروان يمنعٌ الناس أن يسألوا شيئًا من ذلك عند العطاء - فأجابه وحمله على البريد . وكان كتاب العباس ينفذ فى الآفاق بكلّ ما يكتب به. وكتب يزيد إلى مروان أنه اشترى من أبى عبيدة بن الوليد ضيعة بثمانية عشر ألف دينار ، وقد احتاج إلى أربعة آلاف دينار . قال مسلم بن ذكوان : فدعانى يزيد ، وقال: انطلق مع طُفَيل بهذا الكتاب(١)، وكلِّمه فى هذا الأمر. قال: فخرجنا ولم يعلم العباس بخروجى، فلما قدمنا خلاط ، لقينا عمرو بن حارثة الكلبىّ، فسألنا عن حالنا فأخبرناه، فقال: كذبتما(٢)؛ إن لكما ولمروان لقصّةً، قلنا: وما ذاك؟ قال : أخْلاً فى حين أردت الخروج ، وقال لى : جماعة أهل المِزَّة يكونون ألفًا ؟ قلت : وأكثر، قال: وكم بينها وبين دمشق ؟ قلت: يسمعهم المنادى، قال: كم ترى عدّة بنى عامر ؟ (يعنى بنى عامر من كلْب)، قلت : عشرون ألف رجل ، فحرّك أصبعه ، ولوى وجهه . قال مسلم : فلما سمعت ذلك طمعتُ فى مرْوان ، وكتبت إليه على لسان يزيد : أما بعد، فإننى وجهت إليك ابنَ ذكوان مولاى بما سيذكره لك، ويُنْهيه إليكَ ، فألق إليه ما أحببتَ، فإنه من خيار أهلى وثقات موالىّ؛ وهو شعب حصين، ووعاء أمین ؛ إن شاء الله . فقدمنا على مَرْوان ، فدفع طُفَيل كتاب العباس إلى الحاجب ، وأخبره أنّ معه كتاب يزيد بن الوليد، فقرأه، فخرج الحاجب، وقال: أما معك كتاب غير هذا ، ولا أوصاك بشىء! قلت : لا ، ولكنى معى مسلم بن (١) كذا فى ا، وفى ط: ((بهذه الكتب)). (٢) كذا فى ا، وفى ط: ((كذابتم)». ١٨٥٢/٢ سنة ١٢٦ ٢٨٣ ذكوان ، فدخل فأخبره ، فخرج الحاجب ، فقال: مرْ مولاه بالرَواح. قال مسلم : فانصرفت، فلما حضرت المغرب أتيت المقصورة؛ فلما صلَّى مروان انصرفتُ لأعيد الصلاة ، ولم أكن أعتدّ بصلاته، فلما استويت قائماً جاءنى خَصىّ، فلما نظر إلىّ انصرفت وأوجزتُ الصلاة، فلحقته، فأدخانى على مروان ؛ وهو فى بيت من بيوت النساء ، فسلمتُ وجلست ، فقال : من أنت ؟ فقلت: مسلم بن ذكوان مولى يزيد، قال: مولى عتاقة أو مولى تباعة ؟ ١٨٥٣/٢ قلت : مولى عتاقة ، قال : ذاك أفضل؛ وفى كلّ ذلك فضل ؛ فاذكر ما بدا لك . قلت : إن رأى الأميرُ أن يجعل لى الأمان على ما قلته ، أوافقه فى ذلك أو أخالفه ؛ فأعطانى ما أردت، فحمدت الله وصلَّت على نبيّه ، ووصفت ما أكرم الله به بنى مسَرْوان من الخلافة ورضا العامة بهم، وكيف نقض الوليد العُرَى، وأفسد قلوب الناس، وَذمَّتْه العامّة؛ وذكرت حاله كلّها . فاما فرغت تكلم ؛ فوالله ما حمد الله ولا تشهّد، وقال: قد سمعت ما قلت ، قد أحسنتَ وأصبت، ولنعم الرأى رأى يزيد؛ فأشهد الله أنى قد بايعته، أبذل فى هذا الأمر نفسى ومالى ؛ لا أريد بذلك إلا ما عند الله؛ والله ما أصبحت أستزيد الوليد ، لقد وصل وفرض وأشرك فى ملكه ؛ ولكنى أشهد أنه لا يؤمن بيوم الحساب. وسألنى عن أمر يزيد، فكبّرت الأمر وعظمته ، فقال : اكتم أمرك ؛ وقد قضيتُ حاجة صاحبك ، وكفيته أمر حمالته ، وأمرت له بألف درهم . فأقمت أيامًا ، ثم دعانى ذات يوم نصفَ النهار ، ثم قال : الحقْ بصاحبك، وقل له : سدّدك اللّه، امض على أمر الله؛ فإنك بعين الله. وكتب جواب كتابى ، وقال لى : إن قدرتَ أن تطوى أو تطير فطِرْ، فإنه يخرج بالجزيرة إلى ستّ ليال أو سبع خارجة ؛ وقد خفت أن يطول أمرهم فلا تقدر أن تجوز. قلت: وما علمُ الأمير بذلك؟(١) فضحك، وقال: ليس من أهل هوى إلّ وقد أعطيتهم الرّضًا حتى أخبر ونى بذات أنفسهم. فقلت فى نفسى : أنا واحد من أولئك ، ثم قلت: لئن فعلت ذلك أصلحك الله؛ إنه قيل الخالد بن يزيدبن معاوية: أنّى أصبت هذا العلم؟ قال: وافقتُ الرجال على أهوائهم، ودخلت معهم فى آرائهم ؛ حتى بذلوا لى ما عندهم ، وأفضوا لى بذات أنفسهم. ١٨٥٤/٢ (١) ساقطة من ا. ٢٨٤ ----- ١٨٥٥/٢ سنة ١٢٦ فوّدعته وخرجت . فلما كنت بآمد لقيت البُرُد تتبع بعضها بعضًا بقتل الوليد؛ وإذا عبدالملك بن مروان [بن محمد] (١) قدوثب على عامل الوليد بالجزيرة، فأخرجه منها، ووضع الأرصاد على الطريق، فتركت البرُّد، واستأجرت دابّة ودليلا ، فقدمت علی یزید بن الوليد . ٠ ٠ [ ذكر الخبر عن عزل منصور بن جمهور عن العراق ] وفى هذه السنة عزل يزيد بن الوليد منصور بن جمهور عن العراق ، وولا ها عبد الله بن عمر بن عبد العزيز بن مروان . * ذكر الخبر عن ذلك : ◌ُذُكِرِ عن يزيد بن الوليد أنه قال لعبد الله بن عمر بن عبد العزيز: إن أهل العراق يميلون إلى أبيك فسرْ إليها فقد ولّيتُكها ؛ فذكر عن أبى عبيدة ، قال: كان عبد الله بن عمر متألّها متألمًا، فقدّم حين شخص إلى العراق بين يديه رُسلاً وكتبًا إلى قوّاد الشأم الذين بالعراق ، وخاف ألّ يسلّم له منصور بن جمهور العمل ، فانقاد له كلهم، وسلّم له منصور بن جمهور، وانصرف إلى الشأم، ففرق عبد الله بن عمر عماله فى الأعمال، وأعطى الناسَ أرزاقهم وأعطياتهم ؛ فنازعه قوّاد أهل الشأم وقالوا : تقسم على هؤلاء فيئَنا وهم عدوّنا! فقال عبد اللّه لأهل العراق: إنى قد أردتُ أن أردّ فيئكم عليكم، وعلمت أنكم أحقّ به ؛ فنازعنى هؤلاء فأنكروا علىّ. فخرج أهل الكوفة إلى الجبّانة، وتجمّعوا، فأرسل إليهم قوّاد أهل الشأم يعتذرون وينكرون ، ويحلفون أنهم لم يقولوا شيئًا مما بلغهم ، وثار غوغاء الناس من الفريقين، فتناوشوا، وأصيب منهم رهط لم يُعْرفوا، وعبدُ الله بن عمر بالحيرة، وعبيد الله بن العباس الكندىّ بالكوفة ؛ قد كان منصور بن جمهور استخلفه عليها فأراد(٢) أهل الكوفة إخراجه من القصر، فأرسل إلى عمر بن الغضبان بن القبعثرىّ، فأتاه فنحنَّى الناس عنه، وسكنهم وزجر سفهاءهم(٣) حتى تحاجزوا، وأمن بعضهم بعضًا . وبلغ ذلك عبد الله بن عمر ، فأرسل إلى ابن الغَضْبان ، (٣) ط: ((وزجرهم)). (٢) ط: ((وأراد)). (١) من ا. ٢٨٥ سنة ١٢٦ فكساه وحمله ، وأحسن جائزته، وولاَّه شُرَطه وخراج السواد والمحاسبات ، وأمره أن يفرض لقومه ، ففرض فى ستين وفى سبعين . * [ ذكر وقوع الخلاف بين اليمانية والنزارية فى خراسان ] وفى هذه السنة وقع الاختلاف فى خراسان بين اليمانية والنزارية ، وأظهر الكرمانيّ فيها الخلاف لنصر بن سيار، واجتمع مع كلّ واحد منهما جماعة لنصرته. ذكر الخبر عما كان بينهما من ذلك وعن السبب الذى أحدث ذلك : ذكر علىّ بن محمد عن شيوخه؛ أن عبد الله بن عمر لمّا قدم العراق واليًا عليها من قِبَل يزيد بن الوليد ، كتب إلى نصر بعهده على خراسان ؛ قال : ويقال : بل أتاه كتابه بعد خروج الكرمانيّ من حَبْس نصر ، فقال المنجّمون لنصر: إنّ خراسان سيكون بها فتنة؛ فأمر نصر برفع حاصل(١) بيت المال، وأعطى الناس بعض أعطياتهم ورِقًا وذهبًا من الآنية التى كان اتخذها للوليد ابن يزيد ؛ وكان أوّل من تكلم رجل من كندة ، أفوه طُوال ، فقال : العطاء العطاء ! فلما كانت الجمعة الثانية ، أمر نصر رجالا من الحرَس ، فلبسوا السلاح ، وفرّقهم فى المسجد مخافة أن يتكلم متكلم ، فقام الكندىّ فقال : العطاء العطاء! فقام رجل مولى للأزْد - وكان يلقب أبا الشياطين - فتكلم، وقام حمّاد الصائغ وأبو السَّلِيل البكرىّ ، فقالا: العطاء العطاء ! فقال نصر : إياى والمعصية ؛ عليكم بالطاعة والجماعة ؛ فاتقوا الله واسمعوا ما توعظون به . فصعد سَلْ بن أحوز إلى نصر وهو على المنبر فكلّمه ، فقال : مايغنى عنّا كلامك هذا شيئًا . ووثب أهل السوق إلى أسواقهم ؛ فغضب نصر وقال : ما لكم عندى عطاء بعد يومكم هذا ، ثم قال : كأنى بالرّجل منكم قد قام إلى أخيه وابن عمه ، فلطم وجهه فى جمل يُهْدَى له وثوب يكساه ، ويقول: مولاى وظنرى؛ وكأنى بهم قد نبغ من تحت أرجلهم شرّ لا يطاق، وكأنى بكم مطرحين فى الأسواق كالجزُر المنحورة ؛ إنه لم تطل ولاية رجل إلا ملّوها؛ وأنتم يا أهلَ خراسان ؛ مسلحة فى نحور العدوّ ، فإياكم أن ١٨٥٦/٢ (١) الحاصل من كل شىء : ما بقى منه . ٢٨٦ سنة ١٢٦ يختلف فيكم سيفان . قال علىّ: قال عبد الله بن المبارك، قال نصر فى خطبته: إنى لمكفِّر ومع ذلك لمظَلِّم؛ وعسى أن يكون ذلك خيراً لى. إنكم تغشوْن (١) أمراً تريدون فيه الفتنة، فلا(٢) أبقى الله عليكم؛ والله لقد نشرتكم وطويتكم، وطويتكم ونشرتكم، فما عندى منكم عشرة، وإنى وإياكم كما قال مَنْ كان قبلكم: اسْتَمْسِكُوا أَصحابَنا نَحدُو بكمْ فقد عرفنا خَيْركم وشَرَّكُمْ فاتقوا الله؛ فوالله لئن اختلف فيكم ليتمنَّيِنّ الرجل منكم أنه يُخلع من ماله وولده ولم يكن رآه . يا أهل خراسان ، إنكم غمطتم الجماعة ، وركنتم إلى الفرقة . أسلطانَ المجهول تريدون وتنتظرون! إن فيه لهلاككم معشر العرب ، وتمثَّل بقول النابغة الذبيانيّ : فإِنِى فِى صَلاَحِكُمُ سَعَيْتُ فإِنْ يَغْلِبْ شَقاؤْكُمُ عليكِمْ وقال الحارث بن عبد الله بن الحشرج بن المغيرة بن الورد الجعدىّ: إِذا استَقَلَّتْ تَجْرِى أَوائِلُها أَبِيتُ أَرعى النجومَ مرْتَفِقاً قد عَمَّ أَهلَ الصَّلاةِ شامِلُها مِنْ فِتْنَةٍ أَصبحَتْ مِجَلِّةٌ بالشأمِ كلُّ شَجاهُ شاغِلها مَنْ بِخُرَاسانَ والعراقِ وَمَنْ دَهْمَاءَ مِلتَجَّةٍ غَيَاطِلُها جَهْل سواءً فيها وعاقلها أَولادَها حَوَامِلُها تَنِذُ فالناسُ منها فى لونِ مَظلمةٍ يُمْسِى السّفِيه الذى يُعَنَّف بالـ والناسُ فى كُرْبَةٍ يَكاد لها يَغدونَ منها فى ظلّ مُبْهَمَةِ غوائلها تغتالهم عمياء إِلّ التى لا يبِين قائلها لا يَنظُر الناس فى عواقبِها لى طَرَقَتْ حولها قوابُلها كرَغوَةِ البَكرِ أَوْ كَصَيْحَةِ حُدْ فيها خُطُوبٌ حُمْرُ زَلَازِلِها فجاء فينا أَزْرَى بِوجْهَتِهِ ١٨٥٨/٢ (١) كذا فى ا، وهو الصواب، وفى ط: ((ترشون)). (٢) كذا فى ا، وفى ط: ((ولا)). ١٨٥٧/٢ ٢٨٧ سنة ١٢٦ قال: فلما أتى نصرًا عهده من قبَل عبد الله بن عمر قال الكرْمانىّ لأصحابه: الناس فى فتنة؛ فانظروا لأموركم (١) رجلا - وإنما ◌ُسمّى الكرمانيّ لأنه ولد بكرْمان، واسمه جُدَيع بن علىّ بن شبيب بن بسرارى(٢) بن صُنيم المعنىّ- فقالوا : أنت لنا ، فقالت المضريّة لنصر: الكرمانىّ يفسد عليك؛ فأرْسيل إليه فاقتله، [ أو فاحبسه ] (٣)، قال: لا، ولكن لى أولاد ذكور وإناث، فأزوّج بَىّ من بناته وبنيه من بناتى؛ قالوا : لا، قال: فأبعث إليه بمائة ألف درهم ، فإنه بخيل ولا يعطى أصحابه شيئًا ، ويعلمون بها فيتفرّقون عنه، قالوا : لا، هذه قوة له ، قال: فدَ عوه على حاله يتَّقينا ونتَّقيه، قالوا (لا، قال] (٣): فأرسل إليه فحبسه(٤) . قال : وبلغ نصرًا أنّ الكرمانيّ يقول: كانت غايتى فى طاعة بنى مروان أن يقلّد ولدى(٥) السيوف فأطلبَ بثأربنى المهلب، مع مالقينا من نَصْر وجفائه وطول حرمانه ومكافأته إيانا بما كان من صنيع أسد إليه . فقال له عصمة ابن عبدالله الأسدىّ: إنها بدء فتنة، فتجنّ عليه فاحشة ، وأظهر أنه مخالف واضرب عنقه وعنق سباع بن النعمان الأزدىّ والفَرَافصَة بن ظهير البكرىّ ، فإنه لم يزل متغضّبًا على الله بتفضيله مضر على ربيعة . وكان بخراسان. وقال جميل بن النعمان: إنك قد شرّفَته وإن كرهتَ قتله فادفعه إلىّ أقتله. وقيل: إنما غضب عليه فى مكاتبته بكر بن فراس البَهرانيّ عامل جرْجان، يعلمه حال منصور بن جمهورحين بعث عهد الكرمانى مع أبى الزّعفران مولى أسد بن عبد الله، فطلبه نصر فلم يقدر عليه . والذى كتب إلى الكرمانىّ بقتل الوليد وقدوم منصور بن جمهور على العراق صالح الأثرم الحرار . وقيل : إن قومًا أتوا نصراً ، فقالوا : الكرمانىّ يدعو إلى الفتنة . وقال أصرم ابن قبيصة لنصر: لو أن جُديعًا لم يقدر على السلطان والملك إلا بالنصرانية واليهودية لتنصر وتهوّد . وكان نصر والكرمانىّ متصافيين ، وقد كان الكرمانىّ أحسنَ إلى نصر فى ولاية أسد بن عبد اللّه، فلما ولىَ نصر خراسان عزّل الكرمانيّ عن الرئاسة وصيّرها لحرب بن عامر بن أيثم الواشجىّ ، فمات حرب ١٨٥٩/٢ (١) كذا فى اوابن الأثير، وفى ط: ((فى أموركم)). (٢) ا: ((برادى بن صبى المغنى)). (٥) ط: ((أن تقلدنى السيوف)). (٣) من ا. (٤) ط: ((فاحبسه)). ٢٨٨ سنة ١٢٦ فأعاد الكرمانىّ عليها ، فلم يلبث إلا يسيراً حتى عزله ، وصيرها لجميل بن النعمان . قال : فتباعد ما بين نصر والكرمانىّ فحبس الكرمانيّ فى القهندز وكان على القهندز مقاتل بن علىّ المرئىّ - ويقال المرىّ. ١٨٦٠/٢ قال: ولما أراد نصر حبس الكرمانىّ أمر عبيد الله بن بسام صاحبحرسه؛ فأتاه به ، فقال له نصر : يا كرمانىّ ، ألم يأتنى كتاب يوسف بن عمر يأمرنى بقتلك ، فراجعتُه وقلت له : شيخ خراسان وفارسها، وحقنت دمك ! قال : بلى ، قال ألم أغرم عنك ما كان لزمك من الغرم وقسمتُه فى أعطيات الناس! قال: بلى، قال ألم أرِش (١) عليًّا ابنك على كره من قومك! قال: بلى، قال : فبدّلت ذلك إجماعًا على الفتنة! قال الكرمانيّ: لم يقل الأمير شيئًا إلاّ" وقد كان أكثر منه، فأنا لذلك شاكر؛ فإنْ كان الأمير حقَن دمى فقد كان منّى أيام أسد بن عبد اللّه ما قد علم ، فليستأن الأمير ويتثبّت فلست أحبّ الفتنة . فقال عصمة بن عبد الله الأسدىّ: كذبتَ ؛ وأنت تريد الشَّغب، ومالا تناله . وقال سلم بن أحْوَزِ : اضرب عنقه أيها الأمير، فقال المقدام وقدامة ابنا عبد الرحمن بن نُعَم الغامدىّ: لَجلساء فرعون خير منكم، إذا قالوا: (أَرْجِهْ وَأَخَاهُ) (٢)، والله لا يقتلنّ الكرمانىّ بقولك يابن أحوز [ وعلت الأصوات، فأمر] (٣) نصر سلمًا بحبس الكرمانىّ، فحبس لثلاث بقين من شهر رمضان سنة ست وعشرين ومائة ، فكلمت الأزْد ، فقال نصر : إنّى حلفت أن أحبسه ولا يبدؤه (٤) منى سوء ، فإن خشيتم عليه فاختاروا رجلاً يكون معه . قال : فاختاروا يزيد النحوىّ؛ فكان معه فى القهندز، وصيّر حرسه بنى ناجية أصحاب عثمان وجَهْم ابنى مسعود . قال : وبعث الأزد إلى نصر المغيرة بن شعبة الجهضمىّ وخالد بن شعيب بن أبى صالح الخدانىّ، فكلّماه فيه . قال : فلبث فى الحبس تسعة وعشرين يوماً؛ فقال علىّ بن وائل أحد بنى ربيعة بن حنظلة: دخلت على نَصْر، والكرمانىّ . . (١) ط: ((ألم أرتش)) . (٣) من ا. (٢) سورة الأعراف ١١١. (٤) ط: ((ينداه)). ٢٨٩ سنة ١٢٦ جالس ناحية ، وهو يقول : ما ذنبى إن كان أبو الزعفران جاء ! فوالله ما واريته ولا أعلم مكانه . ١٨٦١/٢ وقد كانت الأزد يوم حُبس الكرمانيّ أرادت أن تنزعَه من رُسله ، فناشدهم الله الكرمانيّ ألا يفعلوا، ومضى مع رسل سَلْم بن أحوز ، وهو يضحك، فلما حبس تكلّم عبد الملك بن حَرْملة اليَحْمَدىّ والمغيرة بن شعبة وعبد الجبار بن شعيب بن عباد وجماعة من الأزْد، فنزلوا نَوْش ، وقالوا: لا نرضى أن يحبَس الكرمانيّ بغير جناية ولا حَدَث، فقال لهم شيوخ من اليحمَد: لا تفعلوا وانظروا ما يكون من أميركم، فقالوا: لا نرضى؛ لَيَكفّنْ عنا نصر أولَنَبدأنّ بكم. وأتاهم عبد العزيز بن عبّاد بن جابربن همام بن حنظلة اليحْمَدىّ فى مائة، ومحمد بن المثنّ وداود بن شعيب، فباتوا بنَوْش مع عبد الملك بن حَرْملة ومَن كان معه ، فلما أصبحوا أتوا حوْزان ، وأحرقوا منزل عزّة أمّ ولد نصر - وأقاموا ثلاثة أيام ، وقالوا: لا نرضى ؛ فعند ذلك صيّروا عليه الأمناء ، فجعلوا معه يزيد النحوىّ وغيره ، فجاء رجل من أهل نَسَف، فقال لجعفر غلام الكرمانيّ: ما تجعلون لى إن أخرجته ؟ قالوا : لك ما سألت، فأتى مجرى الماء من القهندز فوسّعه، وأتى ولد الكرمانىّ، وقال لهم : اكتبوا إلى أبيكم يستعدّ الليلة للخروج ، فكتبوا إليه، وأدخلوا الكتاب فى الطعام ، فدعا الكرمانيّ يزيد النحوىّ وحصين بن حكيم فتعشَّبًا معه وخرجا ، ودخل الكرمانيّ السرب، فأخذوا بعضُده ، فانطوت على بطنه حيّة فلم تضرّه، فقال بعض الأزد : كانت الحيّة أزْدية فلم تضرّه . قال : فانتهى إلى موضع ضيق فسحبوه فسُحج منكبه وجنبه ، فلما خرج ركب بغلته دوّامة - ويقال: بل ركب فرسه البشير - والقيْد فى رجله، فأتوْا به قرية تسمى غلَطان ، وفيها عبد الملك بن حَرْملة ، فأطلق عنه . ١٨٦٢/٢ قال علىّ : وقال أبو الوليد زهير بن هنيد العدوىّ : كان مع الكِرِمانىّ غلامه بسّام، فرأى خرقًا على القهندز، فلم يزل يوسعه حتى أمكنه الخروج منه. قال: فأرسل الكرمانيّ إلى محمد بن المثنى وعبد الملك بن حَرْملة: إنى خارج ٢٩٠ سنة ١٢٦ الليلة، فاجتمعوا، وخرج فأتاهم فَرْقد مولاه، فأخبرهم، فلقوه فى قرية حرب ابن عامر ، وعليه ملْحفة متقلداً سيفًا ، ومعه عبد الجبار بن شعيب وابنا الكرمانىّ: علىّ وعثمان، وجعفر غلامه، فأمر عمرو بن بكر (١) أن يأتىَ غَلَطان وأندَغ وأَشْتُرْجَ معاً(٢)، وأمرهم أن يوافُوه على باب الرّيان بن سنان اليّحمدىّ بنَوْش فى المرج - وكان مصلاً هم فى العيد - فأتاهم فأخبرهم، فخرج القومُ من قراهم فى السلاح ، فصلّى بهم الغداة ، وهم زهاء ألف ، فما ترجّلت الشمس حتى صاروا ثلاثة آلاف ، وأتاهم أهل السقادم، فسار على مَرْج نيران حتى أتى حَوْزان ، فقال خلف بن خليفة: أَصْحِروا لِلِمَرْجِ أَجْلَى لِلعَمَى فلقد أَصْحَرَ أَصحاب السّرَبْ إِنَّ مَرْجَ الأَرْدِ مَرْجٌ واسعٌ تَسْتَوِى الأَّقدام فِيهِ والرُّكبْ ١٨٦٣/٢ وقيل : إن الأزْد بايعت لعبد الملك بن حَرْملة على كتاب الله عزّ وجل ليلة خرج الكرمانيّ، فلما اجتمعوا فى مَرْج نَوْش أقيمت الصلاة ، فاختلف عبد الملك والكرمانىّ ساعة، ثم قدمه عبد الملك ، وصيّرا الأمر له ، فصلى الكرمانيّ. ولما هَرَب الكِرِمانىّ أصبح نصر معسكراً بباب مَرْ والرّوذ بناحية إِبردانة، فأقام يومًا أو يومين . وقيل : لما هرب الكرمانيّ استخلف نصر عصمة بن عبد اللّه الأسدىّ، وخرج إلى القناطر الخمس بباب مَرْوالرّوذ ، وخطب الناس ، فنال من الكرمانيّ، فقال: وُلد بكرمان وكان كِرْمانيًّا، ثم سقط إلى هَراة فكان هَرَويًّا، والساقط بين الفراشَيْن لا أصل ثابت؛ ولا فرع نابت ، ثم ذكر الأزْد، فقال : إن يستوثقوا فأذلّ قوم، وإن يأبوا فهم كما قال الأخطل : ضَفَادِع فى ظلماءٍ لَيلٍ تجاوَبَتْ فَدلَّ عليها صَوْتُها حَيَّةَ البحر (٣) ثم نَدمَ على ما فرط منه، فقال: اذكروا الله؛ فإنّ ذكر اللّه شفاء، ذكر الله خيرٌ لا شرّ فيه، يُذهب الذئب، وذكرُ اللّه براءة من النفاق. ثم اجتمع إلى نصر بَشَرٌ كثير، فوجدَّه سلم بن أحوَز إلى الكِرِمانىّ فى (١) !: ((بكير)). (٣) ديوانه ١٣. (٢) ط: ((معنا)). ٢٩١ سنة ١٢٦ المجفّفة فى بشر كثير. فسفر الناس بين نصر والكرمانىّ ، وسألوا نصراً أن يؤمنه ولا يحبسه ، ويضمن عنه قومُه ألّ يخالفه . فوضع يده فى يد نصر فأمرَه بلزوم بيته، ثم بلغه عن نصر شىء ، فخرج إلى قرية له، وخرج نصر فعسكر بالقناطر(١)، فأتاه القاسم بن نجيب، فكلمه فيه فآمنه ، وقال له : إن شئت خرج لكعن خُراسان، وإن شئت أقام فى داره ۔ و کان رأی نصر إخراجه .. فقال له سلم : إن أخرجتَه نوّهت باسمه وذكره ، وقال الناس : أخرجه لأنه(٢) هابه، فقال نصر : إن الذى أنخوّفه منه إذا خرج أيسر مما أتخوّفه منه وهو مقيم، والرجل إذا نُفِىَ عن بلده صَغُر أمره . فأبوا عليه ، فكفّ عنه ، وأعطى مَن كان معه عشرة عشرة . وأتى الكرمانيّ نصراً ، فدخل سرادقه فآمنه . ولحق عبد العزيز بن عبد ربه بالحارث بن سُريج . وأتى نصراً عزلُ منصوربن جمهور وولاية عبد الله بن عمر بن عبد العزيز فى شوّال سنة ست وعشرين ومائة؛ فخطب الناس، وذكر ابن جمهور ، وقال : قد علمتُ أنه لم يكن من عمال العراق، وقد عزله اللّه ، واستعمل الطيب ابن الطيب ؛ فغضب الكرمانيّ لابن جمهور، فعاد فى جمْع الرجال واتخاذ السلاح . وكان يحضر الجمعة فى ألف وخمسمائة وأكثر وأقلّ ، فيصلى خارجًا من المقصورة ثم يدخل على نَصْر ، فيسلم ولا يجلس. ثم ترك إتيانَ نصر وأظهر الخلاف، فأرسل إليه نصر مع سلْم بن أحوز : إنّى والله ما أردت بك فى حتَبْسك سوءاً، ولكن خفتُ أن تفسدَ أمر الناس ، فأتنى . فقال الكرمانيّ: لولا أنك فى منزلى لقتلتُك، ولولا ما أعرف من حُمقك أحسنتُ أدبك، فارجع إلى ابن الأقطع فأبلغه ما شئت من خير وشرّ (٣). فرجع إلى نصر فأخبره ، فقال: عُدْ إليه، فقال: لا والله، وما بى هيبة له ولكنى أكره أن يُسمِعَنى فيك ما أكره. فبعث إليه عصمة بن عبد الله الأسدىّ، فقال: يا أبا علىّ، إنى أخاف عليك عاقبَة ما ابتدأتَ به فى دينك ودنياك، ونحن نعرض عليك خِصالا ؛ فانطلق إلى أميرك يعرضها عليك، وما نريد ١٨٦٤/٢ ١٨٦٥/٢ (١) ابن الأثير: ((بباب مرو)). (٣) ابن الأثير: ((أوشر)). (٢) ط: ((إنه)). ٢٩٢ سنة ١٢٦ بذلك إلا الإنذار إليك . فقال الكرمانيّ: إنى أعلم أن نصراً لم يقل هذا لك ولكنك أردت أن يبلغه فتحظى ، والله لا أكلمك كلمة بعد انقضاء كلامى حتى ترجع إلى منزلك ، فيرسل مَن أحب غيرك . فرجع عصمة ، وقال : ما رأيت عِلْجًا أعدى لطورِه من الكِرِمانىّ، وما أعجبُ منه ؛ ولكن من يحيى بن حُصين لعنهم الله! [ واللّه لهم (١)] أشد تعظيمًا له من أصحابه . قال سَلْ ابن أحوز : إنى أخاف فساد هذا الثغر والناس، فأرسل إليه قُدَيَداً. وقال نصر لقُديد بن مسنيع : انطلق إليه، فأتاه فقال له: يا أبا علىّ، لقد لحجت وأخاف أن يتفاقم الأمر فنهلك جميعًا، وتشمسَت بنا هذه الأعاجم، فقال : يا قُديد؛ إنى لا أتهمك؛ وقد جاء ما لا أثق بنصر معه ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((البكرىّ أخوك ولا تثق به))؛ قال: أما إذْ وقع هذا فى نفسك فأعطهرھْنًا ، قال: من؟ قال : أعطهعليّاً وعثمان، قال: فمن يعطينى؟ ولا خير فيه، قال: يا أبا علىّ، أنشدك الله أن يكون خراب هذه البلدة على يديك . ورجع إلى نصر، فقال لعقيل بن معقل الليثىّ: ما أخوفَى أن يقع بهذا الثَّغْر بلاء، فكلم ابن عمك، فقال عتَقِيل لنصر: أيها الأمير ؛ أنشدك الله أن تشأم عشيرتك؛ إن مَرْوان بالشأم تقاتله الخوارج، والناس فى فتنة والأزْد سفهاء وهم جيرانك . قال : فما أصنع ؟ إن علمتَ أمراً يُصلِح الناس فدونك، فقد عزم أنه لا يثق بى. قال: فأتى عَقيل الكِرِمانىّ، فقال: أبا علىّ، قد سننت سنة تُطلَبُ بعدك من الأمراء، إنى أرى أمراً أخاف أن تذهب فيه العقول ، قال الكرمانىّ: إنّ نصراً يريد أن آتيَه ولا آمنه، ونريد أن يعتزل ونعتزل ، ونختار رجلا من بَكْر بن وائل ، نرضاه جميعًا، فيلى أمرنا جميعًا حتى يأتىَ أمرٌ من الخليفة؛ وهو يأتى هذا . قال : يا أبا علىّ ، إنى أخاف أن يهلك أهلُ هذا الثغر ، فأت أميرك وقل ما شئت تُجَبْ إليه ، ولا تُطمع سفهاء قومك فيما دخلوا فيه ، فقال الكرمانيّ: إنى لا أتهمك فى نصيحة ولا عقْل، ولكنّى لا أثق بنصر ؛ فليحمل من مال خراسان ما شاء ويشخص . قال : فهل لك فى أمر يجمع الأمر بينكما ؟ تتزوّج إليه ويتزوّج إليك، قال: لا آمنه على حال ، ١٨٦٦/٢ (١) من ا. ٢٩٣ سنة ١٢٦ قال: ما بعد هذا خيرٌ ، وإنى خائف أن تهلك غداً بمضْيعة، قال : لا حول ولا قوة إلا بالله، فقال له عَقيل : أعود إليك ؟ قال : لا ؛ ولكن أبلغه عنى وقل له: لا آمن أن يحملك قوم على غير ما تريد، فتركب منا ما لا بقيّة بعده ؛ فإن شئت خرجت عنك لا من هيبة لك ، ولكن أكره أن أشأم أهل هذه البلدة، وأسفك الدّماء فيها . وتهيّأ ليخرج إلى جرجان. [ خبر الحارث بن سريج مع يزيد ] وفى هذه السنة آمن يزيد بن الوليد الحارث بن سريج، وكتب له بذلك، ١٨٦٧/٢ فكتب إلى عبد الله بن عمر يأمره بردّ ما كان أخذ منه من ماله وولده . ذكر الخبر عن سبب ذلك : ٠ ذكر أنّ الفتنة لما وقعت بخراسان بين نَصْر والكرمانيّ، خاف نصر قدوم الحارث بن سُرَيَج عليه بأصحابه والترك، فيكون أمره أشدّ عليه من الكرمانيّ وغيره، وطمع أن يناصحه، فأرسل إليه مقاتل بن حيّان النَّبَطىّ وثعلبة بن صفوان البنانىّ وأنس بن بَجَالة الأعرجىّ وهدْبَة الشعراوىّ وربيعة القرشىّ ليردّوه عن بلاد الترك . فذكر علىّ بن محمد عن شيوخه أن خالد بن زياد البدّىّ من أهل التّرمذ وخالد بن عمرو مولى بنى عامر، خرجا إلى يزيد بن الوليد يطلبان الأمان للحارث بن سُرَيج ، فقدما الكوفة ، فلقيا سعيد خُدينة ، فقال الخالد ابن زياد: أتدرى لم سَّوْنى خُدَينة ؟ قال: لا ، قال : أرادونى على قتل أهل اليمن فأبيت . وسألا أبا حنيفة أن يكتب لهما إلى الأجْلح - وكان من خاصة يزيد بن الوليد - فكتب لهما إليه، فأدخلهما عليه، فقال له خالد بن زياد : يا أمير المؤمنين ، قتلت ابن عمك لإقامة كتاب الله ، وعمّالك يغشمون ويظلمون! قال: لا أجد أعوانًا غيرهم، وإنى لأبغضهم ، قال : يا أمير المؤمنين، ولّ أهل البيوتات ، وضمّ إلى كلّ عامل رجالا من أهل الخير والفقه يأخذونهم بما فى عهدك ، قال : أفعل ، وسألاه أمانًا للحارث بن سريج ، فكتب له : أما بعد ، فإنا غضبنا للّه، إذْ عُطلت حدوده ، وبُلغ بعباده كلّ مبلغ، ١٨٦٨/٢ ٢٩٤ سنة ١٢٦ وسفكت الدماء بغير حلِّها، وأخذت الأموال بغير حقها، فأردنا أن نعمل فى هذه الأمة بكتاب الله جلّ وعزّ وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ولا قوّة إلا بالله؛ فقد أوضحنالك عن ذات أنفسنا، فأقبل آمنًا أنت ومن معك ؛ فإنكم إخواننا وأعواننا . وقد كتبتُ إلى عبد الله بن عمر بن عبد العزيز بردّ ما كان اصطفى من أموالكم وذراريكم . فقدما الكوفة فدخلا على ابن عمر ، فقال خالد بن زياد : أصلح اللّه الأمير ! ألا تأمر عمالك بسيرة أبيك ؟ قال : أوليس سيرة عمر -ظاهرة معروفة! قال : فما ينفع النَّاس منها ولا يُعمل بها ! ثم قدما مَرْو فدفعا كتاب يزيد إلى نصر ، فردّ ما كان أخذ لهمْ مما قدر عليه . ثم نفذا إلى الحارث ، فلقيا مقاتل بن حيّان وأصحابه الذين وجّههم نصر إلى الحارث . وكان ابن عمر كتب إلى نصر : إنك آمنت الحارث بغير إذنى ولا إذن الخليفة . فأسْقِط فى يديه، فبعث يزيد بن الأحمر وأمره أن يفتك بالحارث إذا صار معه فى السفينة. فلما لقيا مقاتلا بآمل قطع إليه مقاتل بنفسه، فکف عنه یزید. قال: فأقبل الحارث يريد مرْو ـ و كان مقامه بأرض الشرّك اثنتى عشرة سنة - وقدم معه القاسم الشيبانىّ ومضرّس بن عمران قاضيه وعبد الله بن سنان. فقدم سمرقند وعليها منصور بن عمر فلم يتلقّه، وقال: أُحُسْن بلائه !وكتب إلى نصر يستأذنه فى الحارث أن يثبَ به، فأيّهما قتل صاحبه فإلى الجنة أو إلى النار . وكتب إليه: لئن قدم الحارث على الأمير وقد ضرّ ببنى أمية فى سلطانهم؛ وهو والغ فى دم بعد دم، قد طوى كشحًا عن الدنيا بعد أن كان فى سلطانهم أقراهم لضيف، وأشدهم بأساً ، وأنفذهم غارة فى الترك ؛ ليفرّقن عليك بنى تميم. وكان سَرْدر خُداه محبوسًا عند منصور بن عمر ؛ لأنه قتل بياسان ، فاستعدى ابنُه جنده منصوراً، فحبسه، فكلم الحارث منصوراً فيه، فخلّى سبيله، فلزم الحارث ووفّ له . ١٨٦٩/٢ ... [ كتاب إبراهيم الإمام إلى شيعة بنى العباس ] وفى هذه السنة - فيما زعم بعضهم - وجّه إبراهيم بن محمد الإمام أبا هاشم بُكير بن ماهان إلى خراسان ، وبعث معه بالسيرة والوصيّة . فقدم محَرّو ؛ (١) هو جنده بن بياسان. ٢٩٥ سنة ١٢٦ وجمع النقباء ومَنْ بها من الدّعاة، فنعى لهم الإمام محمد بن علىّ ، ودعاهم إلى إبراهيم ، ودفع إليهم كتاب إبراهيم، فقبلوه ودفعوا إليه ما اجتمع عندهم من نفقات الشيعة، فقدم بها بكير على إبراهيم بن محمد . [ ذكر بيعة إبراهيم بن الوليد بالعهد] وفى هذه السنة أخذ يزيد بن الوليد لأخيه إبراهيم بن الوليد على الناس البيعة ، وجعله ولى عهده، ولعبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك بعد إبراهيم ابن الوليد؛ وكان السبب فى ذلك - فيما حدثنى أحمد بن زهير ، عن علىّ ابن محمد - أن يزيد بن الوليد مرض فى ذى الحجة سنة ست وعشرين ومائة ، فقيل له : بايع لأخيك إبراهيم ولعبد العزيز بن الحجاج من بعده. قال : فلم تزل القَدرِية بحثَّونه على البيعة ، ويقولون له: إنه لا يحلّ لك أن تهمل أمْرٌ الأمة فبايع لأخيك؛ حتى بايع لإبراهيم ولعبد العزيز بن الحجاج من بعده . وفى هذه السنة عزل يزيد بن الوليد يوسف بن محمد بن يوسف عن المدينة ، وولّها عبد العزيز بن عبد الله بن عمرو بن عثمان. قال محمد بن عمر: يقال إن يزيد بن الوليد لم يولّه، ولكنه افتعل كتابًا بولايته المدينة، فعزله یزید عنها ، وولاّ ها عبد العزيز بن عمر ، فقدمها لليلتين بقيتا من ذى القعدة . ١٨٧٠/٢ [ ذكر خلاف مروان بن محمد على يزيد] وفى هذه السنة أظهر مروان بن محمد الخلاف على يزيد بن الوليد؛ وانصرف من أرمينيّة إلى الجزيرة، مظهرًا أنه طالبٌ بدم الوليد بن يزيد . فلما صار بحرّان بايع يزيد . • ذكر الخبر عما كان منه فى ذلك وعن السبب الذى حمله على الخلاف ثم البيعة : حدثنى أحمد بن زهير ، قال : حدثنا عبد الوهاب بن إبراهيم بن خالد ابن يزيد بن هريم، قال : حدثنا أبو هاشم مخلّد بن محمد بن صالح مولى عثمان بن عفان - وسألته عما شهد مما حدثنا به فقال : لم أزل فى عسكر مَرْوان بن محمد - قال: كان عبد الملك بن مروان بن محمد بن مروان حين ٢٩٦ ١٨٧١/٢ سنة ١٢٦ انصرف عن غَزاته الصائفة مع الغَمْر بن يزيد بحرّان ، فأتاه قتلُ الوليد وهو بها، وعلى الجزيرة عَبْدة بن رباح الغسانىّ عاملا للوليد عليها ، فشخص منها - حيث بلغه قتلُ الوليد - إلى الشأم، ووثب عبد الملك بن مروان بن محمد على حرّان ومدائن الجزيرة فضبطها ، وولّها سليمان بن عبد الله بن عُلاثة ، وكتب إلى أبيه بأرمينية يعلمه بذلك ، ويشير عليه بتعجيل السير والقدوم. فتهيّأُ مَرْوان للمسير، وأظهر أنه يطلب بدم الوليد، وكره أن يدع الشَّغْرِ معطّلا حتى يُحكم أمَرَه ؛ فوجَّه إلى أهل الباب إسحاق بن مسلم العقيلى - وهو رأس قيس - وثابت بن نعيم الجذاميّ من أهل فلسطين - وهو رأس الیمن ۔۔ وکان سبب صحبة ثابت إياه أن مروان کان خلَّصه من حبس هشام بالرُّصافة. وكان مَرْوان يقدم على هشام المرّة فى السنتين ، فيرفع إليه أمر الثَّغْر وحاله ومصلحة مَنْ به من جنوده ، وما ينبغى أن يعمل به فى عدوّه . وكان سبب حبس هشام ثابتًا ما قدذكرنا قبل من أمره مع حَنْظلة بن صفوان وإفساده عليه الجند الذين كان هشام وجههم معه لحرب البربر وأهل إفريقية؛ إذ قتلوا عامل هشام عليهم ، كلثوم بن عياض القسرىّ، فشكا ذلك من أمره حنظلة إلى هشام فى كتاب كتبه إليه ، فأمر هشام حنظلة بتوجيهه إليه فى الحديد، فوجّهه حنظلة إليه، فحبسه هشام، فلم يزل فى حبسه حتى قدم مروان بن محمد على هشام فى بعض وفاداته - وقد ذكرنا بعض أمر كلثوم ابن عياض وأمر إفريقية معه فى موضعه فيما مضى من كتابنا هذا - فلما قدم مروان على هشام أتاه رءوس أهل اليمانية ؛ ممن كان مع هشام ، فطلبوا إليه فيه ؛ وكان ممن كلّمه فيه كعب بن حامد العبسىّ صاحب شرط هشام وعبد الرحمن بن الضخم وسليمان بن حبيب قاضيه ، فاستوهبه مسَرْوان منه فوهبه له ، فشخص إلى أرمينية، فولاّه وحباه، فلما وجّه مروان ثابتًا مع إسحاق إلى أهل الباب ، كتب إليهم معهما كتابًا يعلمهم فيه حال ثغرهم وما لهم من الأجر فى لزوم أمرهم ومراكزهم، وما فى ثبوتهم فيه من دفْع مكروه العدوّ عن ذرارى المسلمين . ١٨٧٢/٢ قال : وحمل إليهم معهما أعطياتِهم ، وولَّى عليهم رجلا من أهل ٢٩٧ سنة ١٢٦ فلسطين يقال له حميد بن عبد اللّه اللخمىّ - وكان رضيًا فيهم وكان وليهم قبل ذلك - فحمدوا ولايتَه . فقاما فيهم بأمره ، وأبلغاهم رسالته، وقرآ عليهم كتابه ، فأجابوا إلى الثبوت فى ثغرهم ولزوم مراكزهم . ثم بلغه أنّ ثابتًا قد كان يدسّ إلى قوّادهم بالانصراف من ثَغْرهم واللحاق بأجنادهم، فلما انصرفا إليه تهيّأ للمسير وعرض جنده ، ودسّ ثابت بن نعيم إلى من معه من أهل الشأم بالانخزال عن مَرْوان والانضمام إليه ليسير بهم إلى أجنادهم ، ويتولَّى أمرهم؛ فانخزلوا عن عسكرهم مع من فرّ ليلا وعسكروا على حدة. وبلغ مروان أمرُهم فبات ليلَته ومن معه فى السلاح يتحارسون حتى أصبح ؛ ثم خرج إليهم بمن معه ومن مع ثابت يضعفون على من مع مَرْوان ، فصافُّوهم ليقاتلوهم ، فأمر مروان منادين فنادوْا بين الصّفين من الميمنة والميسرة والقلب ، فنادوهم : يا أهل الشأم ؛ ما دعاكم إلى الانعزال ! وما الذى نقمتم علىّ فيه من سيرى! ألم ألِكم بما تحبّون، وأحسن السيرة فيكم والولاية عليكم! ما الذى دعاكم إلى سفك دمائكم ! فأجابوه بأنا كنا نطيعك بطاعة خليفتنا وقد قتِل خليفتنا وبايع أهل الشأم يزيد بن الوليد، فرضينا بولاية ثابت ، ورأسناه ليسير بنا على ألويتنا حتى نردّ إلى أجنادنا. فأمر مناديه فنادى: أن قد كذبتم ، وليس تريدون الذى قلتم ؛ وإنما أردتم أن تركبوا رءوسكم ، فتغصبوا من مررتم به من أهل الذّمة أموالهم وأطعمتَهم وأعلافهم؛ وما بينى وبينكم إلا السيف حتى تنقادوا إلىّ، فأسير بكم حتى أورِدكم الفرات ، ثم أخلّى عن كل قائد وجنده ، فتلحقون بأجنادكم . فلما رأوا الجدّ منه انقادوا إليه ومالوا له ، وأمكنوه من ثابت بن نعيم وأولاده ؛ وهم أربعة رجال : رفاعة، ونعيم ، وبكْر ، وعمران . قال : فأمر بهم فأنزِلوا عن خيولهم ، وسلبوا سلاحهم ، ووضع فى أرجلهم السلاسل . ووكْل بهم عدّة من حَرسِه يحتفظون بهم، وشخص بجماعة من الجند من أهل الشام والجزيرة ، وضمهم إلى عسكره، وضبطهم فى مسيره ، فلم يقدر أحد منهم على أن يفسد ولا يظلم أحداً من أهل القرى ، ولا يرزأَه شيئاً إلا بثمن ، حتى ورد حرّان . ثم أمرهم باللحاق بأجنادهم ، وحبس ثابتًا معه ، ١٨٧٣/٢ ٢٩٨ سنة ١٢٦ ودعا أهل الجزيرة إلى الفَرْض، ففرض لنيّف وعشرين ألفاً من أهل الجلد منهم ، وتهيَّأ للمسير إلى يزيد ، وكاتبه يزيد على أن يبايعته ويوليه ما كان عبد الملك بن مروان ولى أباه محمد بن مروان من الجزيرة وأرمينية والموصل وأذربيجان، فبايع له مَرْوان، ووجّه إليه محمد بن عبد الله بن عُلاثة ونفراً من وجوه الجزيرة . ٠٠ ٠ [ ذکر خبر وفاة یزید بن الوليد ] ١٨٧٤/٢ وفى هذه السنة مات يزيد بن الوليد ، وكانت وفاته سلخ ذى الحجة من سنة ست وعشرين ومائة ، قال أبو معشر ما حدثی به أحمد بن ثابت ، عمن ذكره ، عن إسحاق بن عيسى ، عنه: توفّىَ يزيد بن الوليد فى ذى الحجة بعد الأضحى سنة ست وعشرين ومائة ، وكانت خلافته فى قول جميع من ذكرنا ستة أشهر، وقيل كانت خلافته خمسة أشهر وليلتين . وقال هشام بن محمد : ولى ستة أشهر وأيامًا . وقال علىّ بن محمد : كانت ولا يته خمسة أشهر واثنى عشر يومًا . وقال علىّ بن محمد : مات يزيد بن الوليد لعشر بقين من ذى الحجة سنة ست وعشرين ومائة، وهو ابن ست وأربعين سنة . وكانت ولايته فيما زعم ستة أشهر وليلتين، وتوفى بدمشق . واختلف فى مبلغ سنه يوم توفّى فقال هشام توفى وهو ابن ثلاثين سنه . وقال بعضهم : توفّىَ وهو ابن سبع وثلاثين سنة . وكان يكنى أبا خالد وأمه أم ولد اسمها شاه آفْريد بنت فَيْرُوز بن يَزْد جِرْد بن شَهْرِيار ابن كسرى. وهو القائل : أَنَا ابنُ كِسْرى وأبى مروانْ وقيصر جدّى وجدّ خاقانْ وقيل: إنه كان قد ربًّا . وكان- فما حدثنى أحمد ، عن علىّ بن محمد فى صفته - أسمر طويلا، صغير الرأس، بوجهه خال. وكان جميلاً من رجل ، فى فمه بعض السعة ، وليس بالمفرط . ٢٩٩ سنة ١٢٦ وقيل له يزيد الناقص لنقصه الناس العشرات التى كان الوليد زادها الناس فى قول الواقدىّ؛ وأما علىّ بن محمد فإنه قال: سبّه مروان بن محمد، فقال : الناقص ابن الوليد ، فسماه الناس الناقص . ... وحجّ بالناس فى هذه السنة عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز بن مَرْوان ١٨٧٥/٢ فى قول الواقدىّ. وقال بعضهم : حجّ بالناس فى هذه السنة عمر بن عبد الله ابن عبد الملك، بعثه يزيد بن الوليد، وخرج معه عبدالعزيز وهو على المدينة ومكة والطائف . وكان عامله على العراق فى هذه السنة عبد الله بن عمر بن عبد العزيز ، وعلى قضاء الكوفة ابن أبى لَيْلى، وعلى أحداث البصرة المسوّر بن عمر بن عبّاد. وعلى قضائها عامر بن عبيدة ، وعلى خراسان نصر بن سيار الكنانىّ . ... خلافة أبى إسحاق إبراهيم بن الوليد ثم كان إبراهيم بن الوليد بن عبدالملك بن مروان غير أنه لم يتمّ له أمر . فحدثنى أحمد بن زهير ، عن علىّ بن محمد، قال : لم يتمّ لإبراهيم أمره ، وكان يسلّم عليه جمعة بالخلافة، وجمعة بالإمْرة؛ وجمعة لا يسلمون عليه لا بالخلافة ولا بالإمْرة؛ فكان على ذلك أمره حتى قدم مروان بن محمد فخلعه وقتّل عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك . وقال هشام بن محمد : استخلف يزيد بن الوليد أبا إسحاق إبراهيم بن الوليد؛ فمكث أربعة أشهر ثم خلع فى شهر ربيع الآخر من سنة ست وعشرين ومائة ، ثم لم يزل حيًّا حتى أصيب فى سنة اثنتين وثلاثين ومائة أمه أمّ ولد. حدثنى أحمد بن زهير ، قال: حدثنا عبد الوهاب بن إبراهيم ، قال: حدثنا أبو هاشم مخلَّد بن محمد ، قال : كانت ولاية إبراهيم بن الوليد سبعين ليلة . ٣٠٠ ١٨٧٦/٢ ثم دخلت سنة سبع وعشرين ومائة ذكر ما كان فيها من الأحداث # [ ذكر مسير مروان إلى الشام وخلع إبراهيم بن الوليد ] فمما كان فيها من ذلك مسير مروان بن محمد إلى الشام والحرب التى جرت بينه وبين سليمان بن هشام بعين الجَرّ . * ذكر ذلك والسبب الذى كانت عنه هذه الوقعة: قال أبو جعفر: وكان السبب ما ذكرتُ بعضه ؛ من أمر مسيرٍ مروان بعد مقتل الوليد بن يزيد إلى الجزيرة من أرمينية ، وغلبته عليها ، مظهرًا أنه ثائر بالوليد ، منكرٌ قتله ، ثم إظهاره البيعة ليزيد بن الوليد بعد ما ولآه عمل أبيه محمد بن مروان ، وإظهاره ما أظهر من ذلك، وتوجيهه وهو بحرّان محمد بن عبد الله بن عُلاثة وجماعة من وجوه أهل الجزيرة. فحدثنى أحمد، قال: حدّثنا عبد الوهاب بن إبراهيم ، قال : حدّثنا أبو هاشم مخلَّد بن محمد، قال : لما أتى مَرْوانَ موتُ يزيد أرسل إلى ابن عُلاثة وأصحابه فردّهم من مَنْبِج ، وشخص إلى إبراهيم بن الوليد، فسار مَرْوان فى جند الجزيرة ، وخلّف ابنه عبد الملك فى أربعين ألف من الرَّابطة بالرقَّة . فلما انتهى إلى قِنَّسرين، وبها أخ ليزيد بن الوليد يقال له بشْر، كان ولاه قنَّسرين فخرج إليه فصافّه ، فنادى الناس، ودعاهم مرْوان إلى مبايعته ، فمال إليه يزيد بن عمر بن هبيرة فى القيسيّة، وأسلموا بشراً وأخًا له يقال له مسرور بن الوليد؛ - وكان أخا بِشْر لأمه وأبيه ــ فأخذه مروان وأخاه مسرور بن الوليد؛ فحبسهما وسار فيمن معه من أهل الجزيرة وأهل قِنَّسرين ، متوجّهاً إلى أهل حمص؛ وكان أهل حمص امتنعوا حين مات يزيد بن الوليد أن يبايعوا إبراهيم وعبد العزيز ابن الحجاج، فوجه إليه إبراهيم عبد العزيز بن الحجاج وجندَ أهل دمشق، فحاصرهم فى مدينتهم ، وأغذّ مَرْوان السّير ، فلما دنا من مدينة حمْص ، رحل عبد العزيز عنهم ، وخرجوا إلى مَرْوان فبايعوه ، وساروا بأجمعهم معه، ١٨٧٧/٢