Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١
سنة ١١٧
تكونُ للمَرْءِ أَطْوارًا فَتَمْنَحُهُ !"،
بَيْنا الفَتَى فى نعِيمِ العَيْشِ حَوّلَهُ
تحْلو له مَرَّةً حَتَّى يُسَرَّ بِهَا
هل غابرٌ مِنْ بَقَايا الدَّهرِ تَنْظُرُهُ
فامْتِحْ جهادَكَ مَنْ لم يَرْجُ آخِرَةً
واقتُلْ مُوالِيَهمُ مِنَّا وَنَاصِرَهُمْ
وَالْعَائبِينَ علينا دِينِنَا وَهُمُّ
والقائلينَ سَبِيلُ اللهِ بَغْيَتُنْهُ
فاقتُلُهُمُ غَضَباً للهِ مُنْتَصِرًا
إِرْجاؤُكُم لَّكُمْ والشرْكَ فِى قَرَنٍ
لا يُبْعِدِ اللهُ فى الأَجْداثِ غَيْرَكُمُ
أَلْقَى بِهِ اللهُ رُعباً فى نُحُورِكمُ
كَيْما نكُونَ المُوَالِ عِنْدَ خَائِفَةٍ
وهَلْ تَعيِبُونَ مِنَّا كاذِبين بِهِ
يأْبَى الذى كانَ يُبْلِ اللهُ أَوَّلَكُمْ
١٥٧٦/٢
يَمَاَ جِدَارًا وطَوْرًا تمنحُ اللينا(٢)
دَهْرٌ فأُسى به عَنْ ذاك مَزَبُونا
حِيناً وَتُمْقِرُهُ (٢) طَعماً أُحايِينا
إِلاَّ كما قد مضى فيما تُقَضُّونا
وكن عَدُوًّا لِقَومٍ لا يُصَلِّونا
حيناً تكفّرُهُمْ وَالعَنْهُمُ حينا
شَرُّ العِبادِ إِذا خابَرْتَهُمْ دِینا
لَبُعدَ ما نكَبُوا عَمَّا يَقُولونا
مِنْهُم بِهِ وَدَعِ المُرْتاب مَفْتُونا
فَأَنْتُمُ أَهْلُ إِشراكِ وَمُرْجُونا
إِذْ كَانَ دِينكُمُ بالشِّرْكِ مَقْرُونا
واللهُ يَقِضِى لنَا الحُسْنِى وَيُعْلينا
عمَّا تَرُومُ بِه الإِسْلَامِ والدينا
غالٍ وَمُهْتَضِمٍ ، حَسْبِى الذى فينا
على النِّفاقِ وما قد كان يُبْلينا
١٥٧٧/٢
قال : ثم عاد الحارث لمحاربة عاصم، فلمّا بلغ عاصًا أن أسد بن عبد الله
قد أقبل، وأنّه قدسير على مقدمته محمد بن مالك الهمدانىّ، وأنه قد نزل الدندانقان،
صالح الحارث ، وكتب بينه وبينه كتاباً على أن ينزل الحارث أىّ كور خراسان
شاء ، وعلى أن يكتبا جميعًا إلى هشام ؛ يسألانه كتاب الله وسنة نبيه ؛ فإن
أبى اجتمعا جميعًا عليه. فختم على الكتاب بعض الب ؤساء، وأبى يحيى
(١) فى: ((أحياناً)).
(٢) ب: ((منها عثاراً)).
(٣) تمقره : أى تمر الطعم له .

١٠٢
سنة ١١٧
ابن حُضَين أن يَخْتم، وقال: هذا خَلْجٌ لأمير المؤمنين؛ فقال خلف بن
خليفة ليحي :
وَيَأْبَى رُقَادُكَ إِلا امتناعًا
أَبَى هَمُّ قلبِكَ إِلاَّ اجتماعا
أُحَاوِلُ مِنْ ذَاتِ لهوِ سماعا
بِغيرِ سماعٍ ولم تَلْقَنِى
ونَخْطِرُ مِنْ دونها أَنْ تُراعَى
حَفِظِنا أُميةَ فى مُلْكها
إِذَا لم نَجِدْ بِيَدَيْها امتِناعا
وبَينَ أُميَّةَ إِلا انصِداعا
ونَنْتَزِعِ المُلكَ منه انتِزاعا
إِذا اصطَرَعَ الناسُر فيها اصطراعا
إِذا انْخلَعَ الملكُ عنها انخلاعا
ولو غَابَ يَحَتَى عن الثَّغْرِضاعا
وقد كان أَحكَمَها ما استطاعا
إِذَاشتّت القوم كانت جماعا
قَمَعْنا مِنَ الناكِثِينَ الزَّماعا
لِيُنْضِجَ فيها رئيس ◌ُراعا
أَيَادِىَ لمْ نُجْزَها وَاصْطِناعا
ونَأَبَى لحقكِ إِلَّ اتّباعا
كآخَرَ صادَف سُوقاً فَباعا !
ندافِعُ عنها وعَنْ مُلْكِهَا
أَبِ شَعْبُ ما بينَنَا فِى القديمِ
أَلَمْ نَخْتَطِفْ هامَةَ ابنِ الزّبيرِ
جعلنا الخِلَافَةَ فِى أَهلِها
نَصرْنا أُميةً بالمَشْرَفِّ
ومنَّا الذى شَدَّ أَهلَ العراق
على ابنِ سُرَيجٍ نَقَصْنَا الأُمورَ
حَكِيمٌ مقالَتُهُ حِكْمَةٌ
عَشِيَّةَ زَرْقٍ وقد أَزْمَعُوا
ولولا فتى وائِلٍ لَمْ يكنْ
فَقِلْ لأُميّةَ تَرْعَى لنا
أَتَلِهِينَ عَنْ قَتلِ ساداتِنا
أَمَنْ لَمْ يُبِعْكِ مِنَ المُشتَرِينَ
أَبى ابنُ حُضَيْنٍ لمِا تَصْنَعِينَ إِلَّ اضطلاعا وإِلّا اتّباعا
لراعكِ فى بعض مَنْ كان راعا
ولو يَأْمَنُ الحارثُ الوائلينَ
أَشاعَ الضَّلالةَ فيما أَشاعا
وقد كانَ أَصْعَرَ ذَا نَيْرَبِ
أَطاعَ بها عاصمٌ مَنْ أَطاعا
كَفَيْنَا أُميةَ مَخْتُومَةً
١٥٧٨/٢

١٠٣
سنة ١١٧
راياتِنا
مَرَاكُ
فلولا
وَصَلْنَا القَدِيمَ لَهَا بِالحَدِيث
ذَخائِرُ فِى غَيْرِنَا نَفْعُها
وَلَوْ قَدَمَتْها وَبَانَ الحجا
الوَفَاءِ
فَأَيْنِ الوَفَاءُ لأَهْلِ
وَأَيْنَ ادِّخارُ بَنِى وائلٍ
أَلَمْ تَعلَمِى أَنَّ أَسيافَنَا
إِذَا ابْنُ حُضَيْنِ غَدا باللواءِ
إِذا ابنُ حُضَين غدًا باللواءِ
إِذا ابن حضينٍ غدا بالدواء
قال : وكان عاصم بن سليمان بن عبد الله بن شراحيل البشكرىّ من
أهل الرّأى، فأشار على يحيى بنقض الصحيفة؛ وقال له: ((غمراتٌ ثم ينجَلينَ))،
وهى المغمَّضات ، فغمّض .
مِن الجندخافَ الجنودُ الضَّياعا
وَتَأْبَى أَمَّيَّةُ إِلا انْقِطَاعا
وما إِنْ عَرَفْنا لَهُنّ انتفاعا
بُلَارْتَعْتِ بَيْنَ حشاكِ ارتياعا
والشُّكْرُ أَحْسَنُ مِنْ أَن يُضاعا!
إِذا الذُّخرُ فى الناس كان ارتجاعا!
تُداوِى العَلِيلَ وَتَشْفى الصَّداعا!
أَسلمَ أَهلُ القِلاعِ القِلاعا
أشارَ النُّسُورَ به والضِّباعا
ذَكَّى وكانَتْ مَعَدُّ جُداعا
١٥٧٩/٢
قال : وكان عاصم بن عبد الله فى قرية بأعلى مَرْو لكندة، ونزل الحارث
قرية لبنى العنبر ؛ فالتقوا بالخيل والرّجال ، ومع عاصم رجل من بنى عَبْس
فى خمسمائة من أهل الشأم وإبراهيم بن عاصم العُقَيلىّ فى مثل ذلك ؛ فنادى
منادى عاصم: مَنْ جاء برأس فله ثلثمائة درهم؛ فجاء رجل من عمّاله برأس وهو
عاض على أنفه، ثم جاءه رجل من بنى ليث-يقال له ليث بن عبد الله برأس،
ثم جاء آخر برأس ، فقيل لعاصم : إن طمع الناس فى هذا لم يَدَعوا ملآّحا
ولا عِلْجاً إلا أتوْك برأسه ؛ فنادى مناديه : لا يأتنا أحد برأس؛ فمن أتانا به
١٥٨٠/٢
فليس له عندنا شىء ؛ وانهزم أصحابُ الحارث فأسروا منهم أسارَى ،
وأسروا عبد الله بن عمرو المازنىّ رأس أهل مَرْو الرّوذ، وكان الأسراء ثمانين ؛
أكثرهم من بني تميم، فقتلهم عاصم بن عبد الله على نهر الداندانقان . وكانت
اليمانية بعثت من الشأم رجلا يعدل بألف يكنى أبا داود ، أيّام العصبيّة فى

١٠٤
سنة ١١٧
خمسمائة ؛ فكان لا يمرّ بقرية من قُرى خراسان إلا قال : كأنكم بى قد
مررتُ راجعًا حاملا رأس الحارث بن سُريج ؛ فلما التقوْا دعا إلى البراز ،
فبرز له الحارث بن سُريج ؛ فضربه فَوْق منكبه الأيسر فصرعه ، وحامى
عليه أصحابه فحملوه فخولط ؛ فكان يقول : يا أبرشهر الحارث بن سريجاه !
يا أصحاب المعموراه! ورمِىَ فرس الحارس بن سريج فى لَبَتَانه، فنزع النّشابة؛
واستحضره وألحّ عليه بالضرب حتى نزّقه(١) وعرّقه، وشغله عن ألم الجراحة .
قال : وحمل عليه رجل من أهل الشأم ؛ فلما ظنّ أن الرمح مخالطُه ؛
مال عن فرسه واتّبع الشأمىّ، فقال له : أسألك بحرمة الإسلام فى دمى ! قال :
انزل عن فرسك؛ فنزل وركبه الحارث ، فقال الشأمىّ: خذ السرج ؛ فوالله
إنه خير من الفرس، فقال رجل من عبد القيس :
بِنا كُلَّ فَجِّمن خُراسان أَغْبَرا
تَوَلَّتْ قَرَيْشٌ لَذَّةَ العَيْشِ وَاتَّقَتْ
يَعُومُونَ فِى لُجٍّ من البحرِ أَخضَرا
١٥٨١/٢ فلَيَتَ قُرَيشاً أَصبحوا ذات ليلَةٍ
قال : وعظم أهل الشأم يحيى بن حضّين ◌ِما صنع فى أمر الكتاب الذى
كتبه عاصم ، وكتبوا كتابًا ، وبعثوا مع محمد بن مسلم العنبرىّ ورجل
من أهل الشام ، فلقوا أسد بن عبد الله بالرّىّ- ويقال: لقوه ببيْهق - فقال:
ارجعوا فإنى أصلح هذا الأمر، فقال له محمد بن مسلم : هُدمتْ دارى ،
فقال : أبنيها لك، وأردّ عليكم كلّ مظلمة .
قال : وكتب أسد إلى خالد ينتحل أنه هزم الحارث، ويخبره بأمر يحيى.
قال : فأجاز خالد يحيى بن حُضين بعشرة آلاف دينار وكساه مائة حُلّة (٢).
قال: وكانت ولاية عاصم أقلّ من سنة - قيل كانت سبعة أشهر - وقدم أسد
ابن عبد الله وقد انصرف الحارث، فحبس عاصًاً وسأله عمّا أنفق ، وحاسبه
فأخذه بمائة ألف درهم ، وقال : إنك لم تغزُ ولم تخرج من مَرْو ،
ووافق عمارة بن حُرَيم(٣) وعمّال الجُنيد محبوسين عنده؛ فقال لهم: أسير فيكم
بسيرتنا أم بسيرة قومكم ؟ قالوا: بسيرتك ، فخلِّ سبيلَهم .
(١) نزقة : ضر به ضرباً شديداً .
. (٢) ابن الأثير: ((ومائة من الخيل)).
(٣) ابن الأثير: ((وأطلق عمارة بن حريم)).

١٠٥
سنة ١١٧
قال علىّ عن شيوخه: قالوا: لما بلغ هشامَ بن عبد الملك أمرُ الحارث ١٥٨٢/٢
ابن سريج، كتب إلى خالد بن عبد الله : ابعث أخاك يصلح ما أفسد ؛ فإن
كانت رجيَّة فلتكن به . قال : فوجّه أخاه أسدًا إلى خراسان ، فقدم أسد
وما يملك عاصم من خراسان إلاّ مَرْو وناحية أبرشهر، والحارث بن سريج بمرْو
الرّوذ وخالد بن عبيد الله الهجرىّ بآمُل، ويخاف(١) إن قصد للحارث بمرْو
الروذ دخل خالد بن عبيد اللّه مَرْو من قِبَل آمُل ، وإن قصد لخالد دخلها
الحارث من قِبَل مَرْو الرّوذ ، فأجمع على أن يُوجّه عبد الرحمن بن نعيم
الغامدىّ فى أهل الكوفة وأهل الشام فى طلب الحارث إلى ناحية مَرْو
الرّوذ . وسار أسد بالناس إلى آمُل، واستعمل على بني تميم الحوْثرة بن يزيد
العنبرىّ، فلقيهم خيل لأهل آمُل ، عليهم زياد القرشىّ مولى حيّان النّبَطَىّ عند
ركايا عمّان ، فهزمهم حتى انتهوا إلى باب المدينة ، ثم كرُّوا على الناس ،
فقتل غلام لأسد بن عبداللّه يقال له جَبَلة ؛ وهو صاحب علمه ، وتحصّنوا
فى ثلاث مدائن لهم .
قال : فنزل عليهم أسد وحصَرهم، ونصب عليهم المجانيق ، وعليهم خالد
أبن عبيد اللّه الهجرىّ من أصحاب الحارث، فطلبوا الأمان، فخرج إليهم رويد
ابن طارق القطعىّ ومولى لهم، فقال: ما تطلبون؟ قالوا: كتاب الله وسنة نبيه ١٥٨٣/٢
صلى اللّه تعالى عليه وسلم، قال: فلكم ذلك، قالوا : على ألاّ تأخذ أهل
هذه المدن بجنايتنا . فأعطاهم ذلك ، واستعمل عليهم يحيى بن نعيم الشيبانىّ
أحد بنى ثعلبة بن شيبان، ابن أخى مصقلة بن هبيرة. ثم أقبل أسد فى طريق
زمّ يريد مدينة بلْخ؛ فتلقاه مولّ لمسلم بن عبد الرحمن، فأخبره أنّ أهل
بلخ قد بايعوا سليمان بن عبد الله بن خازم . فقدم بلخ، واتّخذ سفنًا وسار
منها إلى التّرمذ، فوجد الحارث محاصراً سناناً الأعرابىّ السُّلْمِىّ، ومعه بنو
الحجّاج بن هارون النميرىّ، وبنو زُرْعة وآل عطية الأعور النّضرىّ فى أهل
التّرمذ، والسبل مع الحارث ، فنزل أسد دون النّهر، ولم يطق القطوع إليهم ولا
أن يمدّهم ، وخرج أهل التّرمذ من المدينة، فقاتلوا الحارث قتالا شديداً ،
وكان الحارث استطرد لهم ، ثم كرّ عليهم ، فانهزموا فقتل يزيد بن الهيثم بن
(١) ب: ((يخاف))، ابن الأثير: ((فخاف)).

١٠٦
سنة ١١٧
المنخّل وعاصم بن معوّل النّجلىّ فى خمسين ومائة من أهل الشأم وغيرهم؛ وكان
بشر بن جُرموز وأبو فاطمة الأيادىّ ومن كان مع الحارث من القرى يأتون
أبواب التّرمذ، فييكون ويشكون بنى مَرْوان وجَوْرَهم؛ ويسألونهم النُّزول
إليهم على أن يمالئوهم على حَرْب بنى مروان فيأبوْن عليهم ؛ فقال السّبل
١٥٨٤/٢ وهو مع الحارث: يا حارث؛ إن الترمذ قد بُنيت بالطبول والمزامير؛ ولا تُفْتَح
بالبكاء وإنما تفتح بالسيف ، فقاتِل إن كان بك قتال . وتركه السبل
وأتى بلاده .
قال: وكان أسد حين مرّ بأرض زَمّ تعرّض للقاسم الشيبانىّ وهو فى
حصن بزَمّ يقال له باذكر ؛ ومضى حتى أتى التّرْمذ ، فنزل دون النهر ،
ووضع سريره على شاطئ النهر ؛ وجعل الناس يعبرون ؛ فمن سفلت سفينته
عن سفن المدينة قاتلهم الحارث فى سفينة ؛ فالتقوا فى سفينة فيها أصحاب
أسد، فيهم أصغر بن عيناء الحميرىّ ، وسفينةُ أصحاب الحارث فيها داود
الأعسر، فرمى أصغر فصكّ السفينة، وقال: أنا الغلام الأحمرىّ ، فقال داود
الأعسر: لأمْرٍ ما انتميت إليه ، لا أرض لك ! وألزق سفينته بسفينة أصغر
فاقتتلوا؛ وأقبل الأشكند. وقد أراد الحارث الانصراف- فقال له: إنما جئتك
ناصراً لك ؛ وكمن الأشكند وراء دير ؛ وأقبل الحارث بأصحابه ؛ وخرج إليه
أهل التّرمذ، فاستطرد لهم فاتبعوه، ونصر مع أسد جالس ينظر؛ فأظهر الكراهية،
وعرف أنّ الحارث قد كادهم، فظنّ أسد أنه إنما فعل ذلك شفقة على الحارث
١٥٨٥/٢ حين ولّى؛ فأراد أسد معاتبة نصر؛ فإذا الأشكند قد خرج عليهم ؛ فحمل
على أهل التّرمذ فهربوا. وقتل فى المعركة يزيد بن الهيثم بن المنخّل الجرموزىّ
من الأزْد وعاصم بن معوّل - وكان من فرسان أهل الشأم - ثم ارتحل أسد
إلى بلْخ، وخرج أهل التِّرمذ إلى الحارث فهزموه ؛ وقتلوا أبا فاطمة وعِكْرمة
وقومًا من أهل البصائر ، ثم سار أسد إلى سَمَرْ قُند فى طريق زَمّ ؛
فلما قدم زَمّ بعث إلى الهيثم الشيبانىّ وهو فى باذكر؛ وهو من أصحاب الحارث- فقال:
إنّكم إنما أنكرتم على قومكم ما كان من سوء سيرتهم ؛ ولم يبلغ ذلك النّساء ولا
استحلال الفُروج ولاغلبة المشركين على مثل سمَرْقند؛ وأنا أريد سمَرْقند ؛

١٠٧
سنة ١١٧
وعلىّ عهد الله وذمّته ألّا يبدأك منى شرٌّ؛ ولك المؤاساة واللطف والكرامة
والأمان ولمن معك؛ وأنت إن غمصت ما دعوتُك إليه فعلىّ عهد الله وذمّة
أمير المؤمنين وذمّة الأمير خالد إن أنت رميتَ بسهم ألّا أومِّنك بعده؛ وإن
جعاتُ لك ألف أمان لا أفى لك به . فخرج إليه على ما أعطاه من الأمان
فَآمنه، وسار معه إلى سَرْ قند فأعطاهم عطاءين، وحملهم على ما كان
من دوابٌ ساقها معه ، وحمل معه طعامًا من بُخارى، وساق معه شاءً كثيرة ١٥٨٦/٢
من شاء الأكراد قسمها فيهم ؛ ثم ارتفع إلى ورغْسَر وماءُ سمرقند منها ،
فسكر الوادى وصرفه عن تَرْقند ؛ وكان يحمل الحجارة بيديه حتى يطرحها
فى السّكْر(١)، ثم قفل من تَمَرْقند حتى نزل بلْخ.
وقد زعم بعضُهم أن الذى ذكرت من أمر أسد وأمر أصحاب الحارث
كان فى سنة ثمان عشرة .
وحجّ بالناس فى هذه السّنة خالد بن عبد الملك .
وكان العامل فيها على المدينة ، وعلى مكة والطائف محمد بن هشام بن
إسماعيل ، وعلى العراق والمشرق خالد بن عبد الله، وعلى أرمينية وأذربيجان
مروان بن محمد .
وفيها توفّيت فاطمة بنت علىّ وسكينة ابنة الحسين بن علىّ .
[أَمر أَسد بن عبد الله مع دعاة بنى العباس ]
وفى هذه السنة أخذ أسد بن عبد الله جماعة من دعاة بنى العباس
بخراسان ، فقتل بعضهم، ومثّل ببعضهم، وحبس بعضهم؛ وكان فيمن أخذ
سليمان بن كثير ومالك بن الهيثم وموسى بن كعب ولاهِز بن قريظ وخالد بن
إبراهيم وطلحة بن رُزَيق؛ فأنتِىَ بهم، فقال لهم: يا فَسَقة، ألم يقل اللّه تعالى:
﴿عَفَا اللهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللهُ مِنْهُ وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾! (٢)
(١) سكر النهر ؛ سد فاه . والسكر: الشق ومنفرج الماء .
(٢) سورة المائدة. الاية ٩٥.

١٠٨
سنة ١١٧
فذكر أن سليمان بن كثير قال : أتكلم أم أسكت ؟ قال : بل تكلّم ،
قال : نحن والله كما قال الشاعر :
١٥٨٧/٢
نو بغير الماءَ حَلْقِ شَرِقٌ
كنتُ كالغَصَّانِ؛ بالماءِ اعْتِصارِى(١)
تدرى ما قصتنا ؟ صيدت والله العقارب بيدك أيّها الأمير ؛ إنا أناس
من قومك ، وإن هذه المضرّة إنما رفعوا إليك هذا لأنا كنا أشدّ الناس على
قتيبة بن مسلم؛ وإنما طلبوا بثأرهم. فتكلّم ابنُ شريك بن الصامت الباهلىّ ،
وقال : إنّ هؤلاء القوم قد أخِذُوا مرّة بعد مرّة، فقال مالك بن الهيثم :
أصلح اللّه الأمير ! ينبغى لك أن تعتبر كلام هذا بغيره ؛ فقالوا : كأنك
يا أخا باهلة تطلبنا بثأر قتيبة ! نحن والله كنا أشدّ الناس عليه ؛ فبعث بهم
أسد إلى الحبس ، ثم دعا عبد الرحمن بن نُعيم فقال له : ما ترى ؟ قال :
أرى أن تمنّ بهم على عشائرهم؛ قال: فالتميميان اللذان معهم؟ قال : تخلّى
سبيلهما ، قال : أنا إذاً من عبد الله بن يزيد نفسِىّ، قال : فكيف تصنع
بالرّبعىّ؟ قال: أخلّى واللّه سبيله. ثم دعا بموسى بن كعب وأمر به فألجم (٢)
بلجام حمار ، وأمر باللجام أن يجذب فجذب حتى تحطّمت أسنانه ، ثم
قال : اكسروا وجهه، فدُقّ أنفه، ووجأ لحيته ، فندَرَ ضرس له. ثم دعا
١٥٨٨/٢ بلاهز بن قريط، فقال لاهز: والله ما فى هذا الحق(٣) أن تصنع بنا هذا، وتترك
اليمانيّين والرّبَعيين، فضربه ثلثمائة سوط ، ثم قال : اصلبوه ، فقال الحسن بن
زيد الأزدىّ: هو لى جار وهو برى، مما قُذف به ؛ قال : فالآخرون ؟ قال:
أعرفهم بالبراءة ، فخلّى سبيلهم .
(١) لعدى بن زيد، الأغانى ٢: ١٦٤. والاعتصار أن يغص الإنسان بالطعام فيعتصر
الماء ، وهو أن يشربه قليلا قليلا .
(٣) ابن الأثير: ((ما هذا بحق)).
(٢) ح: ((وألجم)).

١٠٩
ثم دخلت سنة ثمان عشرة ومائة
ذكر الخبر عما كان فى هذه السنة من الأحداث
فمن ذلك غزوة معاوية وسليمان ابنى هشام بن عبد الملك أرض الروم .
[ ولاية عمار بن يزيد على شيعة بنى العباس بخراسان]
وفيها وجّه بكير بن ماهان عمّار بن يزيد إلى خُراسان واليًا على شيعة
بنى العباس؛ فنزل - فيما ذكر - مرْو، وغيّر اسمه وتسمى بخداش، ودعا
إلى محمد بن علىّ ؛ فسارع إليه الناس ، وقبلوا ما جاءهم به ؛ وسمعوا إليه
وأطاعوا ، ثم غيّر ما دعاهم إليه، وتكذَّب وأظهر دين الحُرّميّة؛ ودعا إليه
ورخّص لبعضهم فى نساء بعض؛ وأخبرهم أن ذلك عن أمر محمد بن علىّ ؛
فبلغ أسد بن عبد اللّه خبرُه ، فوضع عليه العيون حتى ظفر به ، فأتِىَ به ؛
وقد تجهّز لغزو بلخ؛ فسأله عن حاله ، فأغلظ خداش له القول ، فأمر به
فقطعت يده ، وقلع لسانه وسُملت عينه .
#
[ ذكر ما كان من الحارث بن سريج مع أصحابه ]
فذكر علىّ بن محمد عن أشياخه ، قال: لما قدم أسد آمُل فى مبدئه ، ١٥٨٩/٢
أتوه بخداش صاحب الهاشميّة ، فأمر به قُرْعة الطبيب ، فقطع لسانه ،
وسمل عينه ، فقال : الحمد لله الذي انتقم لأبى بكر وعمر منك! ثم دفعه إلى
يحيي بن نعيم الشّيبانىّ عامل آمُل . فلما قفل من سَمَرْقند كتب إلى يحي
فقتله وصلبه بآمُل ، وأتِىَ أسد بحزَوّر مولى المهاجر بن دارة الضّبِىّ، فضرب
عنقه بشاطئ النهر . ثم نزل أسد منصرفه من سَمَرْقند بلْخ، فسرَّح جُدَيْعاً
الكرمانيَّ إلى القلعة التى فيها ثَقَل الحارث وثقل أصحابه - (١) واسم القلعة
التّبوشكان من طخارستان العليا ، وفيها بنو بَرْزَى التّغْلَبَيّوّن، وهم أصهار
الحارث - فحصرهم الكرمانىّ حتى فتحها ، فقتل مقاتلتهم وقتل بنى بَرْزَى،
(١) من هنا تبدأ المقابلة على نسخة ا، الجزء الحادى عشر من تجزئة هذه النسخة .

١١٠
!
سنة ١١٨
وسبى عاّمة أهلها من العرب والموالى والذرارىّ، وباعهم فیمن یزید فى سوق بلخ،
فقال علىّ بن يَعْلَى - وكان شهد ذلك : نقم على الحارث أربعمائة وخمسون
رجلاً من أصحابه ؛ وكان رئيسهم جرير بن ميمون القاضى ؛ وفيهم بشر بن
أنيف الحنظلي وداود الأعسر (١) الخوارزمىّ. فقال الحارث: إن كنتم لا بد مفارقىّ
١٥٩٠/٢ وطلبتم الأمان، فاطلبوه وأنا شاهد؛ فإنه أجدر أن يجيبوكم، وإن ارتحلتُ
قبل ذلك لم يعطوا الأمان ، فقالوا : ارتحل أنت وخلّنا . ثم بعثوا بشر بن
أنيف ورجلا آخر ، فطلبوا الأمان فأمّنهما أسد ووصلهما ، فغدروا بأهل
القلْعة، وأخبراه أنّ القوم ليس لهم طعامٌ ولا ماءٌ، فسرَّح أسد الكرمانيّ فى ستة
آلاف؛ منهم سالم بن منصور البسَجَلىّ(٢)، على ألفين، والأزهر بن جُرموز
النميرىّ فى أصحابه ، وجند بلْخ وهم ألفان وخمسمائة من أهل الشأم؛ وعليهم
صالح بن القعقاع الأزدىّ ؛ فوجّه الكِرِما نىّ منصور بن سالم فى أصحابه ،
فقطع نهر ضرغام؛ وبات ليله(٣) وأصبح، فأقام حتى متَع النهار ؛ ثم سار
يومَه قريبًا من سبعة عشر فرسخًا ، فأتعب خيله ، ثم انتهى إلى كشتم من
أرض جبغويه ؛ فانتهى إلى حائط فيه زَرْع قد قُصّب ، فأرسل أهل العسكر
دوابّهم فيه ، وبينهم وبين القلعة أربعة فراسخ . ثم ارتحل فلما صار إلى
الوادى جاءته الطلائع فأخبرته بمجىء القوم ورأسهم المهاجر بن ميمون ؛
فلما صاروا إلى الكرمانيّ كايدهم (٤) فانصرفوا، وسار حتى نزل جانبًا من
القلعة ؛ وكان أول ما نزل فى زهاء(٥) خمسمائة فى مسجد كان الحارث بناه ؛
فلما أصبح تتامَّت إليه الخيل، وتلاحقت من أصحاب الأزهر وأهل بلْخ.
فلما اجتمعوا خطبهم الكرمانىّ ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : يأهلَ
بلخ؛ لا أجد لكم مثلا غيرَ الزّانية؛ مَنْ أتاها أمكنته(٦) من رجلها (٧)؛ أتاكم
الحارث فى ألف رجل من العجم فأمكنتموه من مدينتكم ، فقتل أشرافكم ،
وطرد أميركم ، ثم سرتم معه من مكانفيه إلى مَرْو فخذلتموه ، ثم انصرف
إليكم منهزمًا فأمكنتموه من المدينة ؛ والذى نفسى بيده لا يبلغنى عن رجل
١٥٩١/٢
(٢) ح، ف: ((العجلىّ)).
(١) !: ((الأعشر)).
(٤) ح، ف: ((كاتبهم)).
(٣) ا: ((ليلته)).
(٧) ١: ((رحلها)).
(٦) ف: ((مكنته)) .
(٥) ف: ((رهط)).

١١١
سنة ١١٨
منكم كتب كتابًا إليهم فى سَهْم إلا قطعتُ يده ورجله وصلبتُه ؛ فأما مَن
كان معى من أهل مَرْو فهم خاصتى ، ولست أخاف غدرهم ، ثم نهد
إلى القلعة فأقام بها يومًا وليلة من غير قتال ؛ فلما كان من الغد نادى مناد :
إنا قد نَبَدْنا إليكم بالعهد ؛ فقاتلوهم ؛ وقد عطش القوم وجاعوا ؛ فسألوا
أن ينزلوا على الحكم ويُترك لهم نساؤهم وأولادهم ، فنزلوا على حكم أسد ، فأقام
أيامًا. وقدم المهلب بن عبد العزيز العتكىّ بكتاب أسد ، أن احملوا إلىّ
خمسين رجلا منهم ؛ فيهم المهاجر بن ميمون ونظراؤه من وجوههم ؛ فحملوا
إليهم فقتلهم؛ وكتب إلى الكرمانيّ أن يصيّر الذين بقوا عنده أثلاثًا، فثلْث
يصلّبهم ، وثلث يقطع أيديهم وأرجلهم ، وثلث يقطع أيديهم ؛ ففعل ذلك
الكِرِمانىّ ، وأخرج أثقالهم فباعها فيمن يزيد ، وكان الذين قتلهم وصلبهم
أربعمائة. واتّخذ أسدمدينة بلخ داراً فى سنة ثمان عشرة ومائة، ونقل إليها الدواوين
واتخذ المصانع، ثم غزاً طَخارستان ثم أرض جبْغويه، ففتح وأصاب سَبْيًا.
وفى هذه السنة عزل هشام خالد بن عبد الملك بن الحارث بن الحكّ عن ١٥٩٢/٢
المدينة ، واستعمل عليها محمد بن هشام بن إسماعيل . ذكر الواقدى أن
أبا بكر بن عمرو بن حَزْم يوم عزل خالد عن المدينة جاءه كتاب بإمْرته(١)
على المدينة ؛ فصعد المنبر ، وصلى بالنّاس ستة أيام ، ثم قدم محمد بن هشام
من مكة عاملا على المدينة .
وفى هذه السنة مات علىّ بن عبد الله بن العباس؛ وكان يكنى أبا محمد ،
وكانت وفاته بالحمسَيْمة من أرض الشأم؛ وهو ابن ثمان-أو سبع- وسبعين سنة.
وقيل إنه ولد فى الليلة التى ضرب فيها علىّ بن أبى طالب وذلك ليلة سبع عشرة
من رمضان من سنة أربعين، فسمّاه أبوه عليًّا، وقال: سميته باسم أحبّ الخلق
إلىّ ، وكناه أبا الحسن ، فلما قدم على عبد الملك بن مروان أكرمه وأجلسه
على سريره ، وسأله عن كنيته فأخبره ، فقال : لا يجتمع فى عسكرى هذا
(١) ف: ((أمرته)).

١١٢
سنة ١١٨
الاسم والكنية لأحد ؛ وسأله : هل وُلِدَ له من ولد ؟ وكان قد ولد له يومئذ
محمد بن علىّ، فأخبره بذلك ، فكناه أبا محمد .
. . .
وحجّ بالناس فى هذه السنة محمد بن هشام وهو أمير مكة والمدينة والطائف .
وقد قيل إنما كان عامل المدينة فى هذه السنة خالد بن عبد الملك ، وكان
إلى محمد بن هشام فيها مكة والطائف ؛ والقول الأول قول الواقدىّ .
وكان على العراق خالد بن عبدالله، وإليه المشرق كله ، وعامله على خُراسان
أخوه أسد بن عبد اللّه ، وعامله على البصرة وأحداثها وقضائها والصّلاة بأهلها
بلال بن أبى بُرْدة، وعلى أرمينية وأذْرَبيجان مَرْوان بن محمد بن مروان.
١٥٩٣/٢

١١٣
ثم دخلت سنة تسع عشرة ومائة
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فمن ذلك غزوة الوليد بن القعقاع العبسىّ أرضَ الروم .
وفيها غزا أسد بن عبد الله الخُتَّل، فافتتح قلعة زغرزك ؛ وسار منها إلى
خداش ، وعلأ يديه من السّبى والشاء ؛ وكان الجيش قد هرب إلى الصين .
[ ذكر غزو الترك ومقتل خاقان ]
وفيها لقى أسد خاقان صاحب الترك فقتله ، وقتل بشرًا كثيراً من أصحابه ،
وسلم أسد والمسلمون ، وانصرفوا بغنائم كثيرة وسَبْ .
ذكر الخبر عن هذه الغزوة :
ذكر علىّ بن محمد عن شيوخه ؛ أنهم قالوا : كتب ابن السائجىّ إلى
خاقان أبى مُزاحم - وإنما كنى أبا مزاحم لأنه كان يزاحم العرب - وهو
مُؤالث (١)، يعلمه دخول أسد الختَّل وتفرّق جنوده فيها؛ وأنه بحال مضيعة (٢). ٢ /١٥٩٤
فلما أتاه كتابه أمر أصحابه بالجهاز. وكان لخاقان مرْج وجبل حمى لا يقربهما
أحد، ولا يتصيّد فيهما، يتركان للجهاد فضاء ، ما كان فى المرْج ثلاثة أيام،
وما فى الجبل ثلاثة أيام - فتجهّزوا وارتعوا ودبغوا مُسوك الصّيد ؛ واتخذوا
منها أوعية ؛ واتخذوا القسىّ والنّشّاب، ودعا خاقان ببرذون مسرّج ملجتم ،
وأمر بشاة فقُطعت ثم عُلّقت فى المعاليق ، ثم أخذ شيئًا من مِلْح فصيره فى
كيس ، وجعله فى منطقته ؛ وأمر كلّ تركىُّ أن يفعل مثل ذلك، وقال : هذا
زادكم حتى تلقوا العرب بالحُتْلِ.
وأخذ طريق خُشوراغ ؛ فلما أحسّ ابن السائجىّ أنّ خاقان قد أقبل
بعث إلى أسد : اخرج عن الختّل فإن خاقان قد أظلّك. فشتم رسولته ، ولم
يصدّقه؛ فبعث صاحب الحُتّل : إنىّ لم أكذبك؛ وأنا الذى أعلمته دخولك ؛
(١) كذا فى ا، والولث: العهد.
(٢) المضيعة : الهوان .

١١٤
سنة ١١٩
وتفرّق جندك، وأعلمته أنها فُرْصة له، وسألته المدد ، غير أنك أمعرت (١)
البلاد ، وأصبت الغنائم ؛ فإن لقيك على هذه الحال ظفر بك ؛ وعادتنى
العرب أبدًا ما بقيت. واستطال علىّ خاقان واشتدّت مؤونته؛ وامتنّ علىّ
بقوله : أخرجتُ العرب من بلادك ، ورددت عليك ملكك ؛ فعرف أسد أنه
قد صدقه، فأمر بالأثقال أن تُقدّم ، وولى عليها إبراهيم بن عاصم العقيلى
١٥٩٥/٢ الجزرىّ، الذى كان ولىَ سجستان بعدُ، وأخرج معه المشيخة، فيهم كثير
ابن أمية وأبو سليمان بن كثير الخُزاعىّ وفُضَيل بن حيّان المهرىّ وسنان بن داود
القطعىّ، وكان على أهل العالية سنان الأعرابيّ السُّلمىّ، وعلى الأقباض عثمان
ابن شباب الهمَذَانىّ، جدّ قاضى مَرْو، فسارت الأثقال؛ فكتب أسد إلى
داود بن شُعيب والأصبغ بن ذؤالة الكلبىّ- وقد كان وجّههما فى وجه: إنّ
خاقان قد أقبل ، فانضمًا إلى الأثقال ؛ إلى إبراهيم بن عاصم .
قال : ووقع إلى داود والأصبغ رجل دَبُوسىّ، فأشاع أنّ خاقان قد
كسر (٢) المسلمين ، وقتل أسداً .
وقال الأصبغ : إن كان أسد ومَن معه أصيبوا فإنّ فينا هشامًا ننحاز
إليه ؛ فقال داود بن شعيب : قبح اللّه الحياة بعد أهل خراسان ! فقال
الأصبغ : حبّذا الحياة بعد أهل خراسان! قتل الجرّاح ومن معه فما ضرّ
المسلمين كثير ضرّ، فإن هلك أسد وأهل خراسان فلن يخذل اللّه دينه،
وإنّ اللّه حىّ قيوم؛ وأمير المؤمنين حىّ وجنود المسلمين كثير . فقال داود :
أفلا ننظر ما فعل أسد فنخرج على علم ! فسارا حتى شارفا عسكر إبراهيم
فإذا هما بالنِّيران ، فقال داود : هذه نيران المسلمين أراها متقاربة ونيران
الأتراك متفرّقة؛ فقال الأصبغ: هم فى مَضِيق . ودنَوا فسمعوا نهيق الحمير،
١٥٩٦/٢ فقال داود: أما علمت أنّ الترك ليس لهم (٣) حمير! فقال الأصبغ: أصابوها
بالأمس ؛ ولم يستطيعوا أكلها فى يوم ولا اثنين ؛ فقال داود : نسرّح فارسين
فيكران؛ فبعثا فارسين ؛ فلما دنوا من العسكر كبّرا، فأجابهما (٤) العسكر
(١) أمعرت البلاد ، أى سلبت ما فيها .
(٣) ب: ((لها)).
(٢) ح، ف: ((هزم).
(٤) : ((فأجابهم)).

١١٥
سنة ١١٩
بالتكبير ، فأقبلوا إلى العسكر الذى فيه الأثقال؛ ومع إبراهيم أهل الصغانيان
وصّغان خُذاه ؛ فقام إبراهيم بن عاصم مبادراً .
قال: وأقبل أسد (١) من الحقّل نحو جبل المِلْح يريد أن يخوض نهر بَلْخ،
وقد قطع إبراهيم بن عاصم بالسّى وما أصاب . فأشرف أسد على النهر وقد أتاه
أن خاقان قد سارمن سوياب (٢) سبع عشرة ليلة، فقام إليه أبو تمام بن زَحْر
وعبد الرحمن بن خنفر الأزديّان ، فقالا : أصلح الله الأمير! إن اللّهُ قد
أحسن بلاءك فى هذه الغزوة فغنمت وسلمت فاقطعْ هذه النّطفة ، واجعلها
وراء ظهرك . فأمر بهما فُوجِئَت رقابهما، وأُخرِجا من العسكر وأقام يومه .
فلما كان من الغد ارتحلَ وفى النّهر ثلاثة وعشرون موضعًا يخوضه النّاس،
وفى موضع مجتمع ماء يبلغ دفّتى السرّج، فخاضه الناس ، وأمر أن يحمل كلّ
رجل شاة ، وحمل هو بنفسه شاة ؛ فقال له عثمان بن عبد الله بن مطرِّف
ابن الشُّخِّير : إنّ الذى أنت فيه من حمل الشاة ليس بأخطر مما تخاف؛ ١٥٩٧/٢
وقد فرّقتَ الناس وشغلتهم، وقد أظلك عدوُّك، فدَعْ هذا الشاء (٣) لعنة الله
عليه ، وأمر الناس بالاستعداد . فقال أسد : والله لا يعبُر رجل ليست معه
شاة حتى تفنى هذه الغنم إلا قطعت يدَه ، فجعل الناس يحملون الشّاء؛
الفارس يحملها بين يديه والراجل على عنقه؛ وخاض الناس . ويقال: لماحفرت
سنابك الخيل النهر صار بعض المواضع سباخة (٤) فكان بعضهم يميل فيقع
عن دابته ، فأمر أسد بالشاء أن تقذف ، وخاض الناس، فما استكملوا العبور
حتى طلعت عليهم الترك بالدّهْم ، فقتلوا مَن لم يقطع ، وجعل الناس يقتحمون
النّهر - ويقال كانت المسلحة على الأزْد وتميم، وقد خُلِّف ضَعفة الناس -
وركب أسد النّهر، وأمر بالإبل أن يقطع بها إلى ما وراء النهر، حتى تحمل
عليها الأثقال ؛ وأقبل رَهَجٌ من ناحية الحُنَّل ؛ فإذا خاقان؛ فلما توافى
معه صدْر من جنده حمل على الأزْد وبنى تميم فانكشفوا ، وركض أسد حتى
انصرف إلى معسكره ، وبعث إلى أصحاب الأثقال الذين كان سرّح أمامه .
أن انزلوا وخندقوا مكانكم فى بطن الوادى. قال: وأقبل خاقان ، فظنّ المسلمون
(١) ١: ((إبراهيم)).
(٣) ف: ((الشاة)).
(٢) ط: ((سويات))، وما أثبته من التصويبات.
(٤) ط: ((سباحة)).

١١٦
سنة ١١٩
أنه لا يقطع إليهم وبينهم وبينه النهر ؛ فلما نظر خاقان إلى النّهر أمر الأشكند
- وهو يومئذ أصبهبذ نسف (١) - أن يسير فى الصفّ حتى يبلغ أقصاه ،
١٥٩٨/٢٠ ويسأل الفرسان وأهل البَصَر بالحرب والماء : هل يطاق قطوع النهر والحمل
على أسد ؟ فكلّهم يقول : لا يطاق ؛ حتى انتهى إلى الأشتيخن، فقال :
بلى يطاق ، لأنّا خمسون ألف فارس ؛ فإذا نحن اقتحمنا دفعة واحدة
ردّ بعضنا عن بعض الماء فذهب جَرْيته . قال : فضربوا بكوساتهم (٢)
فظنّ أسد ومن معه أنه منهم وعيد، فأقحموا دوابّهم ، فجعلت تنخر أشدّ
النخير ؛ فلما رأى المسلمون اقتحامَ الترك ولّوا إلى العسكر ، وعبرت الترك فسطع
رَهَجٌ عظيم لا يبصر الرّجل دابته ، ولا يعرف بعضهم بعضًا؛ فدخل المسلمون
عسكرهم وحَوَوْا ما كان خارجًا، وخرج الغلمان بالبراذع والعمد ،
فضربوا وجوه الترك؛ فأدبروا، وبات أسد؛ فلما أصبح- وقد كان عبّأ أصحابه
من الليل تخوّفًا مِن غَدْر خاقان وغدوه عليه ، ولم ير شيئًا - دعا وجوه
الناس فاستشارهم ، فقالوا له: اقبل العافية، قال: ما هذه عافية ، بل هى بليّة،
لقينا خاقان أمس فظفر بنا وأصاب من الجند والسلاح ؛ فما منعه منّا اليوم
إلا أنه قد وقع فى يديه أسراء فأخبروه بموضع الأثقال أمامنا ، فترك لقاءنا
طمعًا فيها . فارتحل فبعث أمامه الطلائع ، فرجع بعضهم فأخبره أنه عاين
طوقات (٣) الترك وأعلامًا من أعلام الإشكند، فى بشر قليل . فسار والدواب
مثقلة، فقيل له: انزل (٤) أيها الأمير واقبل العافية، قال: وأين العافية فأقبلَها!
١٥٩٩/٢ إنما هى بليّة وذهاب الأنفس والأموال. فلما أمسى أسد صار إلى منزل،
فاستشار الناس : أينزلون أم يسيرون ؟ فقال الناس : اقبل العافية ؛ وما عسى
أن يكون ذهاب المال بعافيتنا وعافية أهل خراسان ! ونصر بن سيار مطرق،
فقال أسد: مالك يابن سيار مطرقًا لا تتكلم ! قال: أصلح الله الأمير! خَلّتان
كلتاهما لك، إن تَسِرْ تُغِثْ مَنْ مع الأثقال وتخلّصهم ، وإن أنت
انتهيت إليهم وقد هلكوا فقد قطَعَتَ قُحْمة لا بدّ من قطوعها . فقبل رأيه
وسار یومه كلّه .
(١) ط: ((نسا))؛ وأثبت ما فى التصويبات.
(٢) الكوس : الطبل.
(٣) فى اللسان: الطاق: ضرب من الملابس، قيل هو الطيلسان الأخضر. (٤) ب: ((أقبل)).

١١٧
سنة ١١٩
قال : ودعا أسد سعيداً الصغير - وكان فارسًا مولى باهلة، وكان عالمًا
بأرض الحُتّل - فكتب كتابًا إلى إبراهيم يأمره بالاستعداد ؛ فإنّ خاقان قد
توجّه إلى ما قِبِلك، وقال: سِرْ بالكتاب إلى إبراهيم حيث كان قبل الليل ؛
فإن لم تفعل فأسد برىء من الإسلام إن لم يقتلْك؛ وإن أنت لحقت بالحارث
فعلى أسدٍ مثلُ الذى حلَف ، إن لم يبع امرأتك الدلالُ فى سوق بلْخ
وجميع أهل بيتك. قال سعيد: فادفع إلىّ فرسك الكُمَيَت الذَّنوب (١) قال:
لعمرى لئن جُدْتَ بدمك ، وبخلتُ عليك بالفرس إنى للثيم . فدفعه إليه ،
فسار على دابّة من جنائبه ، وغلامه على فرس له، ومعه فرس أسد يجنبه؛ ٢ / ١٦٠٠
فلمّا حاذى (٢) الترك وقد قصدوا الأثقال طلبته طلائعهم؛ فتحوّل على فرس
أسد، فلم يلحقوه، فأتى إبراهيم بالكتاب، وتَبِعِه بعض الطلائع - يقال
عشرون رجلا- حتى رأوْا عسكر إبراهيم (٣)، فرجعوا إلى خاقان فأخبروه .
فغدا خاقان على الأثقال ، وقد خندق إبراهيم خندقًا ؛ فأتاهم وهم قيام عليه ؛
فأمر أهل السُّغد بقتالهم ؛ فلما دنوا من مسلحة المسلمين ثاروا فى وجوههم
فهزموهم ، وقتلوا منهم رجلاً ، فقال خاقان : اركبوا، وصعد خاقان تلاًّ فجعل
ينظر العورة ، ووجّه القتال ، قال : وهكذا كان يفعل ؛ ينفرد فى رجلين
أو ثلاثة ، فإذا رأى عَوْرة أمر جنوده فحملت من ناحية العَوْرة . فلما صعد
التلّ رأى خلف العسكر جزيرة دونها مخاضة ، فدعا بعض قوّاد الترك ، فأمرهم
أن يقطعوا فوق العسكر فى مقطع وصفه حتى يصيروا إلى الجزيرة ، ثم ينحدروا
فى الجزيرة حتى يأتوا عسكر المسلمين من دُبُر، وأمرهم أن يبدءوا بالأعاجم
وأهل الصغانيان ، وأن يدَعوا غيرهم ؛ فإنهم من العرب ، وقد عرفهم بأبنيتهم
وأعلامهم ، وقال لهم : إن أقام القوم فى خندقهم فأقبلوا إليكم دخلنا نحن
خندقهم ؛ وإن ثبتوا على خندقهم فادخلوا من دُبُره عليهم . ففعلوا ودخلوا
عليهم من ناحية الأعاجم ، فقتلوا صغان خُذاه وعامّة أصحابه ، واحتووا ١٦٠١/٢
على أموالهم، ودخلوا عسكر إبراهيم فأخذوا عامة ما فيه، وترك المسلمون التعبئة
واجتمعوا فى موضع ، وأحسوا بالهلاك ، فإذا رهج قد ارتفع وتربة سوداء ؛
(١) الكميت : الذى خالط حمرته قدوء. والذنوب: الفرس الوافر الذنب.
(٣) ب: ((إبراهيم وعسكره)).
(٢) ب: ((حاذته)).

١١٨
سنة ١١٩
فإذا أسد فى جنده قد أتاهم ، فجعلت الترك ترتفع عنهم إلى الموضع الذى كان
فيه خاقان ، وإبراهيم يتعجب من كَفّهم وقد ظفروا وقتلوا مَنْ قتلوا وأصابوا
ما أصابوا ، وهو لا يطمع فى أسد .
قال : وكان أسد قد أغذّ السير، فأقبل حتى وقف على التّلّ الذى كان
عليه خاقان ، وتنحتى خاقان إلى ناحية الجبل ، فخرج إليه من بقى ممّن كان
مع الأثقال، وقد قتل منهم بشرٌ كثير؛ قتل يومئذ بركة بن خوْلىّ الراسبىّ
وكثير بن (١) أمية ومشيخة من خزاعة. وخرجت امرأة صَغَان خُذاه إلى أسد، فبكت
زوجها ، فبكى أسد معها حتى علا صوته ، ومضى خاقان يقود الأسراء من
الجند فى الأوْهاق (٢) ويسوق الإبل موقَرة والجوارى.
قال : وكان مصعب بن عمرو الخزاعىّ ونفر من أهل خراسان قد أجمعوا
على مواقفتهم ، فكفّهم أسد ، وقال: هؤلاء قوم قد طابت لهم الرّيح واستكلبوا،
فلا تعرّضوا لهم . وكان مع خاقان رجل من أصحاب الحارث بن سُريج فأمره
فنادى : يا أسد ؛ أما كان لك فيما وراء النهر مغزى ! إنك لشديد الحرْص،
١٦٠٢/٢ قد كان لك عن الخُتّل مندوحةٌ؛ وهى أرض آبائى وأجدادى. فقال أسد:
كان ما رأيت؛ ولعلّ اللّه أن ينتقم منك. قال كور مغانون - وكان من عظماء
الترك : لم أرَ يومًا كان أحسن من يوم الأثقال ، قيل له : وكيف ذلك ؟
قال: أصبت أموالا عظيمة، ولم أرعدوًّا أسمجَ من أسراء العرب؛ يعدو أحدهم
فلا يكاد يبرح مكانه .
وقال بعضهم : سار خاقان إلى الأثقال ، فارتحل أسد ؛ فلما أشرف
على الظّهر ، ورأى المسلمين الترك امتنعوا، وقد كانوا قاتلوا المسلمين فامتنعوا،
فأتوا الأعاجم الذين كانوا مع المسلمين فقاتلوهم ، فأسروا أولادهم .
قال : فأردف كلّ رجل منهم وصيفًا أو وصيفة، ثم أقبلوا إلى عسكر
أسد عند مغيب الشمس . قال : وسار أسدٌ بالنّاس ، حتى نزل مع الثقل.
وصبَّحوا أسداً من الغدِ ؛ وذلك يوم الفِطْر ، فكادوا يمنعونهم من الصلاة .
ثم انصرفوا ومضى أسد إلى بلْخ ؛ فعسكر فى مَرْجها حتى أتى الشتاء ، ثم
(١) ط: ((أبو))، وانظر الفهرس.
(٢) الوهق : الحبل .

١١٩
سنة ١١٩
تفرّق الناس فى الدور ، ودخل المدينة ، ففى هذه الغزاة قيل له بالفارسية :
بَرُوْتباهْ آمَدِيهِ (١)
أَزْ خُتَّلانْ آمَديه
خُشك ◌ِزار آمُديه
١٦٠٣/٢
آبار جازْ آبَديه
قال : وكان الحارث بن سريج بناحية طَخارستان؛ فانضمّ إلى خاقان؛
فلمّا كان ليلة الأضحى قيل لأسد: إنّ خاقان نزل جزّة، فأمر بالنّيران
فرفعت على المدينة ، فجاء الناس من الرّساتيق إلى مدينة بلْخ ، فأصبح أسد
فصلّى وخطب الناس ، وقال : إن عدوّ اللّه الحارث بن سُريج استجلب
طاغيته ليطفئ نور اللّه، ويبدّل دينه، واللّه مذلّه إن شاء الله. وإن عدوّ كم
الكلب أصاب من إخوانكم مَنْ أصاب، وإن يُرِدِ اللّه نصركم لم يضرّكم
قلّتكم وكثرتُهم ، فاستنصروا اللّه . وقال : إنه بلغنى أن العبد أقربُ ما يكون
إلى اللّه إذا وضع جبهته لله؛ وإنى نازل وواضع جبهتى، فادعوا الله واسجدوا (٢)
لرّبكم، وأخلصوا له الدعاء. ففعلوا ثم رفعوا رءوسهم، وهم لا يشكّون فى
الفتح ، ثم نزل عن المنبر . وضحّى وشاوَرَ الناس فى المسير إلى خاقان، فقال
قوم : أنت شابٌ، ولستَ ممن تخوّف من غارة، على شاة ودابة تخاطر ١٦٠٤/٢
بخروجك. قال: واللّه لأخرجنّ؛ فإما ظَفَر وإما شهادة .
ويقال : أقبل خاقان، وقد استمدّ مَن وراء النهر وأهل طَخَارستان
وجَبْغويه الطُّخارىّ بملوكهم وشاكريّتهم بثلاثين ألفًا، فنزلوا خُلْ ، وفيها
مسلحة؛ عليها أبو العوجاء بن سعيد العبدىّ، فناوشهم فلم يظفروا منه بشىء،
فساروا على حاميتهم فى طريق فيروزبخشين من طخارستان . فكتب أبوالعوجاء
إلى أسد بمسيرهم . قال : فجمع الناس ، فأقرأهم كتاب أبى العوجاء
وكتاب الفُرافِصة صاحب مسلحة جَزّة بعد مرور خاقان به ، فشاور أسد
الناس ، فقال قوم : تأخذ بأبواب مدينة بلْخ ، وتكتب إلى خالد والخليفة
تستمدُّه. وقال آخرون: تأخذ فى طريق زمّ ، وتسبق خاقان إلى مَرْو.
وقال قوم : بل تخرج إليهم وتستنصر الله عليهم ؛ فوافق قولُهم رأىَ أسد
(١) انظرص ٤٣ و٤٤ من هذا الجزء.
(٢) ف: ((فاسجدوا)).

١٢٠
١٦٠٥/٢
سنة ١١٩
وما كان عزم عليه من لقائهم . ويقال : إن خاقان حين فارق أسداً ، ارتفع
حتى صار بأرض طخارستان عند جبغويه، فلمّا كان وسط الشتاء أقبل فمرّ
يجزَّة ، وصار إلى الجوزجان وبثّ الغارات؛ وذلك أن الحارث بن سريج
أخبره أنه لا نهوض بأسد ، وأنه لم (١) يبق معه كبير (٢) جند؛ فقال البخترىّ
ابن مجاهد مولى بنى شيبان : بل بثّ الخيول حتى تنزل الجوزجان . فلما بثّ
الخيل ، قال له البخترىّ : كيف رأيت رأيى ؟ قال : وكيف رأيتَ صنع اللّه
عز وجل حين أخذ برأيك ! فأخذ أسد من جبلة بن أبى روّاد عشرين ومائة
ألف درهم ، وأمر للناس بعشرين عشرين ، ومعه من الجنود من أهل خراسان
وأهل الشأم سبعة آلاف رجل ، واستخلف على بَلْخ الكرمانىَّ بن علىّ ،
وأمره ألاّ يدع أحداً يخرج من مدينتها ، وإن ضرب الترك باب المدينة. فقال
له نصر بن سيار الليثىّ والقاسم بن بُخيت المراغىّ من الأزد وسليم بن سليمان
السُّلمىّ وعمرو بن مسلم بن عمرو ومحمد بن عبد العزيز العتكىّ وعيسى الأعرج
الحنظلى والبخترىّ بن أبى درهم البكرىّ وسعيد الأحمر وسعيد الصغير مولى باهلة:
أصلح اللّه الأمير ؛ ائذن لنا فى الخروج ، ولا تهجّن طاعتنا . فأذن لهم ثم
خرج فنزل باباًمن أبواب بلْخ وضُرِبت له قُبّةٌ؛ فازتان (٣)، وألصق إحداهما
بالأخرى، وصلى بالناس ركعتين طوّلهما، ثم استقبل القبلة ونادى فى الناس:
ادعوا الله ؛ وأطال فى الدعاء، ودعا بالنّصر، وأمَّن الناس على دعائه؛ فقال :
نُصرتم وربّالكعبة! ثم انفتل من دعائه فقال: نصرتم وربّالكعبة إن شاء الله،
ثلاث مرات، ثم نادى مناديه: برئتْ ذمّة الله من رجل حمل امرأة ممن كان
من الجند، قالوا: إنّ أسداً إنما خرج (٤) هاربًا، فخلَّف أمّ بكر
أمَّ ولده وولده ؛ فنظر فإذا جارية على بعير ، فقال : سلوا لمن هذه الجارية ؟
فذهب بعض الأساورة فسأل ثم رجع ، فقال : لزياد بن الحارث البكرىّ
- وزياد جالس - فقطب أسد ، وقال : لا تنتهون حتى أسطوّ بالرجل منكم
يكرُم علىّ ، فأضربِ ظهره وبطنه، فقال زياد: إن كانت لى فهى حُرّة ،
١٦٠٦/٢
(١) ح: ((ولم يبق)).
(٣) الفازة: بناء من خرق وغيرها يبنى العساكر
(٢) ح: ((كثير)).
(٤) ب: ((جاء)).