Indexed OCR Text

Pages 61-80

٦١
سنة ١١٠
وتسرّبُوا الأوّل فالأوّل ؛ فلما رآهم الترك يتسرّبون شدُّوا عليهم فى مضايق ؛
وكانوا هم أعلَم بالطريق من الترك، وسبقوهم إلى الباب فلحقوهم عنده ، فقتلوا
رجلاً كان يقال له المهلب ، كان حاميتهم ، وهو رجل من العرب ، فقاتلوهم
فغلبوهم على الباب الخارج من الخندق فدخلوه ، فاقتتلوا ، وجاء رجلٌ من
العرب بحُزمةِ قصب قد أشعلها(١) ، فرمى بها وُجوههم فتنحّوْا ، وأخلوًا
عن قتلى وجرحى ، فلما أمسوْا انصرف الترك ، وأحرق العربُ القنطرة ، فأتاهم
خُسرو بن يَزْدَ جِرْد فى ثلاثين رجلاً، فقال: يا معشَر العرب ، لم تقتلون
أنفسكم وأنا الذى جئت بخاقان ليرد علىّ مملكتى، وأنا آخذ لكم الأمان !
فشتموه ، فانصرف .
١٥١٨/٢
قال: وجاءهم (٢) بازغرى فى مائتين - وكان داهية - من وراء النهر ،
وكان خاقان لا يخالفه ، ومعه رجلان من قرابة خاقان ، ومعه أفراس من رابطة
أشرس ، فقال : آمِنونا حتى ندنُوَ منكم ، فأعرِض (٣) عليكم ما أرسلنى
إليكم به خاقان . فآمنوه ، فدنا من المدينة ، وأشرفوا عليه ومعه أسَراء من
العرب ، فقال بازغرى : يا معشَر العرب، أحدروا إلىّ رجلا منكم أكلمه
برسالة خاقان، فأحدروا حبيبًا مولى مسهرة من أهل درقين ، فكلموه فلم يفهم ،
فقال : أحدروا إلىّ رجلا يعقل عنى ، فأحدروا يزيد بن سعيد الباهلىّ ،
وكان يشدُو شدواً من التركية (٤)، فقال: هذه خيل الرابطة ووجوه العرب
معه أسراء . وقال : إن خاقان أرسلنى إليكم ؛ وهو يقول لكم : إنى أجعل
مَنْ كان عطاؤه منكم ستمائة ألفًا، ومَن كان عطاؤه ثلثمائة ستمائة؛ وهو
مجمع بعد هذا على الإحسان إليكم ، فقال له يزيد : هذا أمر لا يلتثم ؛ كيف ١٥١٩/٢
يكون العرب وهم ذئاب مع الترك وهم شاءٌ! لا يكون بيننا وبينكم(٥) صلح.
فغضب بازغرى، فقال التركيان اللذان معه : ألا نضرب عنقه ؟ قال : لا، نزل
إلينا(٦) بأمان . وفهم ما قالا له يزيد ، فخاف فقال : بلى يا بازغرى إلاّ أن
(٢) ابن الأثير: ((وأتاهٍ)).
(١) ب: ((فأشعلها)).
(٣) ب: ((وأعرض)).
(٤) ابن الأثير: ((وكان يفهم بالتركية يسيراً)).
(٥) ب: ((وبينهم)).
(٦) ((ابن الأثير: إنه نزل إلينا بأمان)).

٦٢
سنة ١١٠
تجعلونا نصفين ، فيكون نصفٌ فى أثقالنا ويسير النِّصف معه؛ فإن ظفر
خاقان فنحن معه ؛ وإن كان غير ذلك كنا كسائر مدائن أهل السُّغد .
فرضى بازغرى والتركيان بما قال ، فقال له : أعرض على القوم ما تراضينا به ،
وأقبل فأخذ بطرَف الحبْل فجذبوه حتى صار على سُور المدينة ، فنادى :
يا أهل كَمَرْجَة، اجتمعوا، فقد جاءكم قوم يدعونكم إلى الكفر بعد الإيمان ،
فما ترون ؟ قالوا : لا نجيب ولا نرضى ، قال : يدعونكم إلى قتال المسلمين مع
المشركين ، قالوا : نموت جميعًا قبل ذلك . قال : فأعلموهم .
قال: فأشرفوا عليهم ، وقالوا: يا بازغرى ، أتبيع الأسرى فى أيديكم فنفادى
بهم ؟ فأما ما دعوتنا إليه فلا نجيبكم إليه، قال لهم : أفلا تشترون أنفسكم
منا ؟ فما أنتم عندنا إلاّ بمنزلة من فى أيدينا منكم - وكان فى أيديهم الحجاج بن
حُميد النضرىّ - فقالوا له : يا حجاج ، ألا تتكلّم؟ قال: علىّ رقباءُ ،
وأمر خاقان بقطْع الشجر (١)، فجعلوا يلقُون الحطب الرّطب، ويلقى أهل
١٥٢٠/٢ كَمَرْجة الحطَب اليابس، حتى سوى الخندق، ليقطعوا إليهم (٢)، فأشعلوا
فيه النيران ، فهاجت ريحٌ شديدة - صُنْعاً من الله عزّ وجلّ - قال: فاشتعلت
النار فى الخطب ، فاحترق ما عملوا فى ستة (٣) أيام فى ساعة من نهار ، ورميناهم
فأوجعناهم وشغلناهم بالجراحات . قال: وأصابتْ بازغرى نُشابة فى سرّته، فاحتقن
بوله ، فمات من ليلته، فقطع أتراكه آذانتهم، وأصبحوا بشرّ، منكسين رءوسهم
يبكونه ، ودخل عليهم أمر عظيم . فلما امتدّ النهار جاءوا بالأسْرى وهم مائة ؛
فيهم أبو العوجاء العتكىّ وأصحابه ، فقتلوهم ، ورمْوا إليهم برأس الحجاج
ابن حُميد النضرىّ. وكان مع المسلمين مائتان من أولاد المشركين كانوا رهائن
فى أيديهم ، فقتلوهم واستماتوا ، واشتدّ القتال ، وقاموا على باب الخندق فسار
على السور خمسة أعلام ، فقال كليب : مَنْ لى بهؤلاء ؟ فقال ظهير بن
مقاتل الطُّفاوىّ: أنا لك بهم؛ فذهب يسعى . وقال لفتيان: امشوا خلْفِى،
وهو جريح ، قال : فقتل يومئذ من الأعلام اثنان ، ونجا ثلاثة . قال : فقال
ملك من الملوك لمحمد بن وساج: العجَب أنه لم يبقَ ملِك فيما وراء النهر إلاّ
(١) ابن الأثير: ((وأمر خاقان فقطع الشجرة)). (٢) ح، ف: ((ليقطعوا النهر)).
(٣) ابن الأثير: ((سبعة أيام)).

٦٣
سنة ١١٠
قاتل بكَمَرْجة غيرى، وعزّ علىّ ألا أقاتل مع أكفائى ولم يُرّ مكانى. فلم
يزل أهلُ كَمَرْجة بذلك؛ حتى أقبلت جنود العرب ، فنزلت فَرْغانة .
فعيّر خاقانُ أهلَ السُّغد وفرغانة والشاش والدهاقين ، وقال لهم: زعمتم أن فى
٢/ ١٥٢١
هذه خمسين حماراً ، وأنّا نفتحها فى خمسة أيام ؛ فصارت الخمسة الأيام
شهريْن . وشتمهم وأمرهم بالرحلة ، فقالوا: ما ندع جُهدًا ، ولكن أحضرنا
غداً فانظر ؛ فلما كان من الغد جاء خاقان فوقف ، فقام إليه ملك الطارَبَنْد ؛
فاستأذنه فى القتال والدّخول عليهم، قال : لا أرى أن تقاتل فى هذا الموضع -
وكان خاقان يعظّمه - فقال : اجعل لى جاريتيْن من جوارى العرب ، وأنا
أخرج عليهم ؛ فأذن له ، فقاتل فقتِل منهم ثمانية ، وجاء حتى وقف على
ثُلْمة وإلى جنب الثلمة بيت فيه خَرْق يفضِي إلى الثلْمة ، وفى البيت رجلٌ
من بني تميم مريض، فرماه بكلُّوب (١) فتعلق بدرعه ، ثم نادى النساء والصبيان ،
فجذبوه فسقط لوجهه وركبته ؛ ورماه رجلٌ بحجَر ؛ فأصاب أصل أذنه
فصُرِع ، وطعنه رجل فقتله . وجاء شابّ أمرد من الترك ، فقتله وأخذ سلبه
وسيفه ، فغلبناهم على جسده - قال : ويقال : إنّ الذى انتدب لهذا فارس
أهل الشاش- فكانوا قد اتخذوا صناعاً، وألصقوها (٢) بحائط الخندق، فنصبوا
قبالة ما اتخذوا أبوابًا له ؛ فأقعدوا الرَّماة وراءها ؛ وفيهم غالب بن المهاجر
الطائىّ عمّ أبى العباس الطوسىّ ورجلان، أحدُ هما شيبانى والآخر ناجى"، ١٥٢٢/٢
فجاء فاطلع فى الخندق ، فرماه الناجىّ فلم يخطئ قَصبةَ أنفه ، وعليه كاشخودة
تبّتيّة ، فلم تضرّه الرمية، ورماه الشيبانى ولیس یری منه غير عينيه ؛ فرماه غالب
ابن المهاجر، فدخلت النشابة فى صدره ، فنكس فلم يدخل خاقانَ شَىءٌ
أشدّ منه .
قال : فيقال : إنه إنما قتل الحجاج وأصحابه يومئذ لما دخله من الجزع،
وأرسل إلى المسلمين أنه ليس مِنْ رأينا أن نرتحل عن مدينة ننزلها دون افتتاحها،
أو ترحُّلهم عنها. فقال له كليب بن قَنَان: وليس من ديننا أن نعطى
(١) الكلوب : المهماز .
6
(٢) فى: ((فألصقوها )).

٦٤
سنة ١١٠
بأيدينا حتى نُقْتَل ، فاصنعوا ما بدا لكم ؛ فرأى الترك أن مقامهم عليهم
ضرر ، فأعطوهم الأمان على أن يرحل هو وهم عنهم بأهاليهم وأموالهم إلى
سَمَرْقند أو الدَّبُوسية، فقال لهم: اختاروا لأنفسكم فى خُروجكم مِن
هذه المدينة .
١٥٢٣/٢
قال : ورأى أهل كَمَرْجة ما هم فيه من الحصار والشدّة ، فقالوا :
نشاور أهل سَمَرْقند ، فبعثوا غالب بن المهاجر الطائىّ ، فانحدر فى موضع
من الوادى ، فمضى إلى قصر يسمى فرزاونة ، والدّهقان الذى بها صديق له ،
فقال له : إنّى بُعِئت إلى سَمَرْ قَند؛ فاحِمْلِنى ، فقال : ما أجد دابة إلا
بعض دوابٌ خاقان، فإن له فى روضة خمسين دابة ؛ فخرجا جميعًا إلى تلك
الرَّوْضة ، فأخذ برذوناً فركبه، وكان إلْفه برْذون آخر، فتبعه فأتى سَمَرْ قند
من ليلته، فأخبرهم بأمرهم ، فأشاروا عليه بالد بُوسية ، وقالوا : هى أقرب ،
فرجع إلى أصحابه ، فأخذوا من الترك رهائن ألاّ يعرِضوا لهم ، وسألوهم رجلا
من الترك يتقوَّوْن به مع رجال منهم ، فقال لهم الترك: اختاروا مَنْ شئتم،
فاختاروا كورصول يكون معهم ، فكان معهم حتى وصلوا إلى حَيْث أرادوا .
ويقال : إن خاقان لما رأى أنه لا يصل إليهم شتم أصحابته ، وأمرهم بالارتحال
عنهم ؛ وكلمه المختار بن غوزك وملوك السُّغْد وقالوا : لا تفعل أيها الملك ؛
ولكن أعطِهِم أمانًا يخرجون عنها ، ويروْن أنك إنما فعلت ذلك بهم من
أجل غوزك أنه مع العرب فى طاعتها ، وأن ابنه المختار طلب إليك فى ذلك
مخافة على أبيه ؛ فأجابهم إلى ذلك ، فسرّح إليهم كورصول يكون معهم ،
يمنعهم ممن أرادهم.
قال : فصار الرّهن من الترك فى أيديهم ، وارتحل خاقان ، وأظهر أنه
يريد سَمَرْقند - وكان الرّهن الذى فى أيديهم من ملوكهم - فلما ارتحل
خاقان - قال كور صول للعرب: ارتحلوا، قالوا : نكره أن نرتحل والترك لم
يمضوا ، ولا نأمنهم أن يعرضوا لبعض النساء فتحمى العرب فنصير إلى مثل
ما كنا فيه من الحرب .
قال : فكفّ عنهم ؛ حتى مضى خاقان والترك ، فلما صلوا الظهر أمرهم
:

٦٥
سنة ١١٠
كور صول بالرحلة، وقال: إنما الشدّة والموت والخوف حتى تسيروا فرسخْين،
ثم تصيروا إلى (١) قرى متصلة؛ فارتحلوا وفى يد الترك من الرّهن من العرب
نفر، منهم شعيب البكرىّ أو النصرىّ، وسباع بن النعمان وسعيد بن عطية ،
وفى أيدى العرب من الترك خمسة، قد أردفوا خَلْف كلّ رجل من الترك رجلا
من العرب معه خنجر ، وليس على التركىّ غير قباء ، فساروا بهم .
١٥٢٤/٢
ثم قال العجم لكور صول : إنّ الدبُوسية فيها عشرة آلاف مقاتل ؛
فلا نأمن أن يخرجوا علينا ، فقال لهم العرب : إن قاتلوكم قاتلناهم معكم .
فساروا، فلما صاربينهم وبين الدّبُوسيَة قدر فرسخ أو أقلّ نظر أهلها إلى
فرسان وبياذقة(٢) وجمْع. فظنوا أن كَمَرْجة قد فُنحت، وأنّ خاقان قصد
لهم. قال: وقربنا منهم وقد تأهّبوا للحرب؛ فوجّه كليب بن قَنان رجلاً
من بنى ناجية يقال له الضّحاك على بِرذْون يركض، وعلى الدبوسية عقيل بن
ورّاد السّغدىّ ، فأتاهم الضّحاك وهم صفوف ؛ فرسان ورجّالة ، فأخبرهم
الخبر، فأقبل أهل الدبوسية يركضون، فحصِل مَن كان يضعف عن المشى
ومَنْ كان مجروحًا .
ثمّ إن كليبًا أرسل إلى محمد بن كرّاز ومحمد بن دِرْهَ ليُعلِما سِبتاع
ابن النعمان وسعيد بن عطية أنهم قد بلغوا مأمنهم ، ثم خدّوا عن الرّهن ؛
فجعلت العرب ترسل رجلاً من الرّهن الذين فى أيديهم من الترك، وترسل الترك
رجلا من الرّهن الذين فى أيديهم من العرب؛ حتى بقىَ سِبَاع بن النعمان فى
أيدى الترك ، ورجل من الترك فى أيدى العرب ، وجعل كلّ فريق منهم يخاف
على صاحبه الغَدْر، فقال سِبَاع: خدّوا رهينة الترك، فخدّوه وبقى سباع
فى أيديهم ، فقال له كور صول: لمَ فعلت هذا؟ قال : وثقتُ برأيك فىّ ،
وقلت : ترفَّعُ نفسك عن الغدْر فى مثل هذا ؛ فوصله وسلّحه وحمله على
برْذون ، ورده إلى أصحابه .
١٥٢٥/٢
قال: وكان حصار كَمَرْجة ثمانية وخمسين يومًا ، فيقال إنهم لم
يسقوا إبلَهم خمسة وثلاثين يوماً .
(٢) البياذقة: الرجالة، وفى ط: ((بيارقة)).
(١) ح: ((فى)).

٦٦
سنة ١١٠
قال: وكان خاقان قسم فى أصحابه الغنم ، فقال: كُلُوا لحومها واملثوا
جلودها تراباً ، واكبسوا خندقتكم ؛ ففعلوا فكبسوه ، فبعث الله عليهم
سحابة فمطرت ، فاحتمل المطر ما ألقوا ، فألقاه فى النهر الأعظم .
وكان مع أهل كَمَرْجة قومٌ من الخوارج، فيهم ابن شُنْجٍ مولى
بنى ناجية .
[ ذكر ردة أهل كرْدر ]
وفى هذه السنة ارتدّ أهل كُرْدر ، فقاتلهم المسلمون وظفروا بهم؛
وقد كان الترك أعانوا أهل كُرْدَر؛ فوجّه أشرس إلى مَنْ قرب من كُرْدَرَ
من المسلمين ألف رجل ردْءاً لهم؛ فصاروا إليهم، وقد هزم المسلمون الترك ،
فظفِروا بأهل كردر . وقال عَرْ فَجة الدارمىّ :
ونحنُ نَفَيْنا الثُّرْكَ عن أَهْلِ كُرْدَرٍ
نحْنِ كَفَيْنَا أَهْلَ مرٍ وغَيْرَهُمْ
فَقَدْ يُظلمُ المَرُءُ الكَريمُ فَيَصْبر
١٥٢٦/٢ فإن تجعلوا ما قد غَنِمْنَا لِغَيْرنا
وفى هذه السنة جعل خالد بن عبد الله الصّلاة بالبصرة مع الشّرْطة ؛
والأحداث والقضاء إلى بلال بن أبى بُردة ؛ فجمع ذلك كلّه له، وعزل به
ثُمامة بن عبد الله بن أنس عن القضاء .
وحجّ بالناس فى هذه السنة إبراهيم بن هشام بن إسماعيل ؛ كذلك قال
أبو معشر والواقدى وغيرهما ؛ حد ◌ّثنی بذلك أحمد بن ثابت عمن ذكره ، عن
إسحاق بن عيسى ، عن أبى معشر .
وكان العامل فى هذه السنة على المدينة ومكة والطائف إبراهيم بن هشام ،
وعلى الكوفة والبصرة والعراق كلها خالد بن عبد اللّه ، وعلى خُراسان أشرس
ابن عبد الله .

٦٧
ثم دخلت سنة إحدى عشرة ومائة
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فممّا كان فيها من ذلك غزوة معاوية بن هشام الصّائفة اليسرَى وغزوة
سعيد بن هشام الصائفة اليمنى حتى أتى قيساريّة .
قال الواقدىّ : غزا سنة إحدى عشرة ومائة على جيش البحر عبد الله بن
أبى مريم، وأمّر هشام على عامَّة الناس من أهل الشام ومصر الحكم بن قيس ..
ابن مخرَمَة بن المطلب بن عبد مناف .
وفيها سارت الترك إلى أذربيجان، فلقيهم الحارث بن عمرو فهزمهم .
وفيها ولّى هشام الجرّاحَ بن عبد اللّه الحكمىّ على أرمينية.
وفيها عزل هشام أشرَس بن عبداللّه السُّلمىّ عن خُراسان، وولاها الجُنِيدَ
ابن عبد الرحمن المرّىّ (١).
١٥٢٧/٢
ذكر السبب الذى من أَجله عزل هشام أَشرس
عن خراسان واستعماله الجنيد
ذكر علىّ بن محمد، عن أبى الذّيال، قال: كان سببُ عزل أشرس أنّ
شدّاد بن خالد (٢) الباهلىّ شخص إلى هشام فشكاه، فعزله واستعمل
الجُنَيْد بن عبد الرحمن (٣) على خراسان سنة إحدى عشرة ومائة .
قال: وكان سبب استعماله إيّاه أنه أهدى لأمّ حكيم بنت يحيى بن
الحكم امرأة هشام قلادة فيها جوهر ، فأعجبت هشاماً ، فأهدى لهشام تلادة
أخرى ، فاستعمله على خراسان ، وحمله على ثمانية من البريد ؛ فسأله أكثرَ
من تلك الدوابّ فلم يفعل ؛ فقدم خراسان فى خمسمائة - وأشرسُ بن عبد الله
(٢) ابن الأثير: ((خويلد)).
(١) ط: ((المزنى))، تحريف.
(٣) فى ابن الأثير: ((وهو الجنيد بن عبد الرحمن بن عمرو بن الحارث بن خارجة بن سنان
ابن أبى حارثة المرى» .

٦٨
سنة ١١١
١٥٢٨/٢
يقاتل أهلَ بخارى والسُّغْد - فسأل عن رجل يسير معه إلى ما وراء النهر ،
فدُلّ على الخطاب(١) بن محرز السلسَىّ خليفة أشرس، فلما قدم آمثل
أشار عليه الخطاب أن يقيم ويكتب إلى من بزَمّ ومن حوله ؛ فيقدموا عليه،
فأبى وقطع النهر ، وأرسل إلى أشرس أن أمدّنى بخيل ، وخاف أن يقتطع
قبل أن يصل إليه ، فوجّه إليه أشرس عامر بن مالك الحمانىّ، فلما كان فى
بعض الطريق عرض له الترك والسُّغد ليقطعوه قبل أن يصل إلى الجُنيد، فدخل
عامر حائطًا حصينًا ، فقاتلهم على ثُلْمة الحائط ، ودعه وَرْد بن زياد بن
أدهم بن كلثوم ؛ ابن أخى الأسود بن كلثوم ؛ فرماه رجل من العدوّ بنُشابة،
فأصاب عمَرْض منخره ، فأنفذ المنخرين ، فقال له عامر بن مالك :
يا أبا الزاهريّة؛ كأنك دجاجة مقرّق(٢). وقتل عظيم من عظماء الترك عند
الثلمة، وخاقان على تلّ خلفه أجمَةٌ، فخرج عاصم بن عمير السَّمرقندىّ
وواصل بن عمرو القيسىّ فى شاكرّية، فاستدارا حتى صارا من وراء ذلك
الماء، فضمّوا خشباً وَقصباً وما قدروا عليه، حتى اتَّخذوا رَصَقاً(٣)، فعبروا عليه
فلم يشعر خاقان إلا بالتكبير، وحمل واصل والشاكريّة على العدوّ فقاتلوهم ؛
فَقُتِل تحت واصل برذون ، وهُزم خاقان وأصحابه .
١٥٢٩/٢
وخرج عامر بن مالك من الحائط، ومضى إلى الجُنيد وهو فى سبعة آلاف؛
فتلقى الجنيد وأقبل معه، وعلَى مقدّمة الجنيد ◌ُمارة بن حُريم . فلما انتهى
إلى فرسخين من بِيكَنْد ، تلقته خيل الترك فقاتلهم ؛ فكاد الجنيد أن يهلك
ومن معه ، ثم أظهره اللّه ؛ فسار حتى قدم العسكر . وظفر الجنيد ، وقتل
الترك، وزحف إليه خاقان فالتقوا دون زَرْمان(٤) من بلاد سَمَرْقند؛ وقطّن
ابن قتيبة على ساقة الجنيد ، وواصل فى أهل بخارى - وكان ينزلها - فأسر(٥)
ملك الشاش، وأسرَ الجُنْيد من الترك ابن أخى خاقان فى هذه الغزاة؛ فبعث به
إلى الخليفة، وكان الجنيد استخلف فى غزاته هذه مجشِّر بن مزاحم على مَرْو،
(١) ابن الأثير: ((حطاب بن محرز السلمى)).
(٢) القرق: صوت الدجاجة، والدجاجة تقع على الذكر والأنثى والتاء دخلته على أنه الواحد.
(٣) الرصف : ما يرصف بعضه إلى بعض فى مسيل؛ خشب أو حجارة .
(٤) ابن الأثير: ((رزمان)).
(٥) كذا فى ح، وفى ط: ((فأسم )).

٦٩
سنة ١١١
وولّى سورة بن الخرّ من بنى أبان بن دارم بلْخ ، وأوفد لما أصاب فى وجهه
ذلك ◌ُمارة بن معاوية العدوىّ ومحمد بن الجرّاح العبدىّ وعبد ربّه بن أبى صالح
السُّلمىّ إلى هشام بن عبد الملك ثم انصرفوا؛ فتواقفوا بالتَّرمذ ، فأقاموا بها
شهرين .
ثم أتى الجُنيد مَرْو وقد ظفر ، فقال خاقان : هذا غلام متْرَف ،
هَزَمنى العامَ وأنا مهلكه فى قابل؛ فاستعمل الجنيد معُمّاله ، ولم يستعمل إلا
مُضَريًا؛ استعمل قطن بن قتيبة على بُخارى، والوليد بن القعقاع العبسىّ
على هَراة ، وحبيب بن مرّة العبسىّ على شرَطه، وعلى بلْخ مسلم بن عبدالرحمن
الباهلىّ . وكان نصر بن سيار على بلْخ ؛ والذى بينه وبين الباهليّين متباعد
لما كان بينهم بالبَرُوقان ، فأرسل مسلم إلى نصر فصادفوه نائمًا ، فجاءوا
به فى قميص ليس عليه سَراويل ، مدَّبًا ، فجعل يضمّ عليه قميصَيْه ،
فاستحيا مسلم ، وقال : شيخ من مُضَر جئتم به على هذه الحال ! ثم عزل
الجُنيد مسلمًا عن بَلْخ ، وولا ها يحيى بن ضُبَيعة، واستعمل على خراج
سَرْقند شداد بن خالد الباهلىّ، وكان مع الجنيد السّمْهرىّ بن قَعْنب .
١٥٣٠/٢
وحجّ بالناس فى هذه السنة إبراهيم بن هشام المخزوميّ ؛ وكان إليه من
العمل فى هذه السنة ما كان إليه فى السنة التى قبلها ؛ وقد ذكرت ذلك قبل .
وكان العامل على العراق خالد بن عبد الله، وعلى خراسان الجُنيد بن
عبد الرحمن .

٧٠
ثم دخلت سنة اثنتى عشرة ومائة
ذكر ما كان فيها من الأحداث
فمما كان فيها من ذلك غزوة معاوية بن هشام الصائفةَ فافتتح خَرْشَنة،
وحرق فرنديّة من ناحية مكتَطْية.
[ذكر خبر قتل الجراح الحكمى]
وفيها سار الترك من اللّن، فلقيهم الجرّاح بن عبد الله الحكمىّ فيمن
١٥٣١/٢ معه من أهل الشأم وأذْرَبيجان، فلم يتتامّ إليه جيشُه؛ فاستُشهد الجرّاح
ومن كان معه بمرج (١) أردبيل ؛ وافتتحت الترك أردبيل؛ وقد كان استخلف
أخاه الحجاج بن عبد الله على أرمينية .
ذكر محمد بن عمر أنّ الترك قتلت الجراح بن عبد اللّه ببلْنجَر،
وأن هشامًا لما بلغه خبرُه دعا سعيد بن عمرو الخرشىّ، فقال له : إنه بلغنى
أن الجرّاح قد انحاز عن المشركين، قال : كلا يا أمير المؤمنين، الجرّاح
أعرف باللّه من أن ينحاز عن العدوّ، ولكنه قُتِل ، قال: فما الرأى ؟ قال:
تبعثنى على أربعين دابة من دوابّ البريد ؛ ثم تبعث إلىّ كلّ يوم أربعين
دابّة عليها أربعون رجلا ، ثم اكتب إلى أمراء الأجناد يوافوننى . ففعل ذلك
هشام .
فذكر أن سعيد بن عمرو أصاب للترك ثلاثةَ جموع وفوداً إلى خاقان
بِمَنْ أسَروا من المسلمين وأهل الذّمة، فاستنقذ الخرشىّ ما أصابوا وأكثروا
القتل فيهم .
وذكر علىّ بن محمد أنّ الجنيد بن عبد الرحمن قال فى بعض ليالى حربه (٢)
التّرك بالشِّعب: ليلةٌ كليلة الجراح ويومٌ كيومه؛ فقيل له: أصلحك الله!
(١) ب ((بأرض)).
(٢) ح : ((حروبه)).
:

٧١
سنة ١١٢
إنّ الجرّاحِ سِيرَ إليه فقتِل أهل الحجى والحفاظ، فجنّ عليه الليل ، فانسلّ
الناس من تحت الليل إلى مدائن لهم بأذْرَبيجان ، وأصبح الجرّاح فى قلة
فقتل .
١٥٣٢/٢
وفى هذه السنة وجّه هشام أخاه مسلمة بن عبد الملك فى أثر الترك فسار
فى شتاء شديد البرد والمطر والثلوج فطلبهم - فيما ذكر - حتى جاز الباب فى
آثارهم، وخلّف الحارث بن عمرو الطائىّ بالباب.
[ذكر وقعة الجنيد مع الترك]
وفى هذه السنة كانت وقعة الجنيد مع الترك ورئيسهم خاقان بالشّعب .
وفيها قتل سَوْرة بن الحرّ؛ وقد قيل إن هذه الوقعة كانت فى سنة ثلاث عشرة
ومائة .
ذكر الخبر عن هذه الوقعة وما كان سببها وكيف كانت :
ذكر علىّ بن محمد عن أشياخه أن الجنيد بن عبد الرحمن خرج غازياً
فى سنة اثنتى عشرة ومائة يريد طَخَارستان، فنزل على نهر بَكْخ، ووجّه ◌ُمارة
ابن حُرَيَم إلى طَخَارستان فى ثمانية عشر ألفًا وإبراهيم بن بسام الليْىّ فى عشرة
آلاف فى وجه آخر، وجاشت الترك فأتوا سَرْقند، وعليها سَوْرة بن الخرّ ؛
أحد بنى أبان بن دارم، فكتب سَوْرة إلى الجنيد : إن خاقان جاش بالترك ،
فخرجتُ إليهم فما قدرتُ أن أمنع حائط سَمَرْقند؛ فالغوْث (١) !
فأمر الجنيد الناس بالعُبور ، فقام إليه المجشّر بن مزاحم السلمىّ وابن
بسطام الأزْدىّ وابن صُبْح الحَرَفىّ ، فقالوا : إن الشُّرَك ليسوا كغيرهم ،
لا يلقونك صفًّا ولا زحفًا، وقد فرَّقَت جندك، فمسلم بن عبد الرحمن بالنّيْروذ،
والبخترىّ بهرَاة، ولم يحضرك أهل الطالقان، وعمارة بنُ حَريم غائب (٢). وقال له
المجشِّر: إن صاحب خراسان لا يعبر النهر فى أقلّ من خمسين ألفاً؛ فاكتب إلى
(١) ابن الأثير: ((فالغوث الغوث)).
(٢) بعدها فى ابن الأثير: ((بطخارستان)).
١٥٣٣/٢

٧٢
سنة ١١٢
عمارة فليأتك، وأمهل ولا تعجل (١)، قال: فكيف بسَوْرة ومَن معه من المسلمين!
لو لم أكن إلّا فى بنى مُرّة، أو من طلع معى من أهل الشأم لعبرتُ . وقال :
أليس أَحقَّ الناسِ أَن يَشْهَدَ الوغى (٢) وَأَن يقتل الأبطال ضَخْمُ على ضخم (٣)
وقال :
ما عِلَّتِى ما علَتَى ما عِلّى! إِنْ لم أقاتِلْهُمْ فِجُزْوًا لِمَّتِى
قال: وعبر فنزل كِسَّ؛ وقد بعث الأشهب بن عبيد الحنظلىّ ليعلم علم
القوم ، فرجع إليه وقال : قد أتوْك فتأهبْ للمسير.
وبلغ الترك فعَوّروا (٤) الآبار التى فى طريق كِسّ وما فيه من الركايا ،
فقال الجُنيد : أىّ الطريقين إلى سَمَرْ قُند أمثل ؟ قالوا: طريق المحترقة .
قال المحشِّر بن مزاحم السلمى: القتل بالسيف أمثلُ من القتل بالنار؛ إن
طريق المحترقة فيه الشّجر والحشيش ولم يُزْرَع منذ سنين ، فقد تراكم بعضه
على بعض ، فإن لقيتَ خاقان أحرق ذلك كله ، فقتلنا بالنار والدخان ؛
ولكن خذ طريق العَقَبَة ، فهو بيننا وبينهم سواء .
١٥٣٤/٢
فأخذ الجُنيد طريقَ العَقَبَة ، فارتقى فى الجبل ، فأخذ المجشّر بعنان
دابته ، وقال : إنه كان يقال : إنّ رجلا من قيس مترَفًا يهلك على يديه
جند من جنود خراسان ؛ وقد خِفْنا أن تكونه . قال : أفْرخْ رَوْعات ، فقال
المجشِّر : أمّا إذا كان بيننا مثلك فلا يُفْرَخ . فبات فى أصل العقبة ، ثم
ارتحل حين أصبح ؛ فصار الجُنيد بين مرتحل ومقيم ؛ فتلقى فارساً ، فقال :
ما اسمك ؟ فقال : حرب؛ قال: ابن مَنْ؟ قال : ابن محرّبَة ، قال : من
بنى مَن ؟ قال : من بنى حَنْظلة ، قال : سلط الله عليك الحرْب والحرب
والكلَب. ومضى بالناس حتى دخل الشُّعب وبينه وبين مدينة سَمَرْقند أربعة (٥)
فراسخ، فصبّحه خاقان فى جمع عظيم (٦)، وزحف إليه أهلُ السُّغد والشاش
وفَرْ غانة وطائفة من الترك. قال: فحمل خاقان على المقدّمة وعليها(٧) عثمان
(١) ((تستعجل)).
وفى ط: ((ضخماً على ضخم)).
(٢) فى: ((أن يشهدوا)). (٣) كذا فى ح، ف،
(٤) فى اللسان عن شمر: ((عورت عيون المياه إذا دفنها
(٥) ط: ((أربع)).
وسددتها، وعورت الركية إذا كبستها بالتراب حتى تنسد عيونها)).
(٧) ح: ((عليها)).
(٦) ب: ((كبير)).

٧٣
سنة ١١٢
ابن عبد اللّه بن الشّخِّر، فرجعوا إلى العسكر والترك تتبعهم ؛ وجاءوهم من
كلّ وجه ؛ وقد كان الإخْريد قال للجنيد : ردّ الناس إلى العسكر؛ فقد
جاءك جمع كثير ؛ فطلع أوائل العدوّ والناس يتغدّوْن ، فرآهم عبيد الله بن
زهير بن حيّان، فكره أن يُعلِمِ النّاس حتى يفرغوا من غدائهم ؛ والتفت
أبو الذّيال، فرآهم ، فقال : العدوّ ! فركب النّاس إلى الجنيد ، فصيّر
تميماً والأزد فى الميمنة وربيعة فى الميسرة مما يلى الجبل ؛ وعلى مجففة(١) خيل
بنى تمم عبيد اللّه بن زهير بن حيّان، وعلى المجرّدة عمر - أو عمرو- بن
جرْفاس (٢) بن عبد الرحمن بن شقران المنقرىّ، وعلى جماعة بنى تميم عامر
ابن مالك الحمّانىّ، وعلى الأزد عبد الله بن بِسْطام بن مسعود بن عمرو المعنىّ؛
وعلى خيلهم : المحفّفة والمجردّة فُضَيل بن هناد وعبد اللّه بن حوذان؛ أحدهما
على المجفّة ، والآخر على المجرّدة - ويقال : بل كان بشر بن حوذان أخو
عبد الله بن حوذان الجهضمىّ - فالتقوا وربيعة ممّا يلى الجبل فى مكان ضيق؛
فلم يقدم عليهم أحد ؛ وقصد العدوّ للميمنة وفيها تميم والأزْد فى موضع
واسع فيه مجال للخيل . فترجّل حيان بن عبيد الله بن زهير بين يدى أبيه، ودفع
بِرْذونه إلى أخيه عبد الملك ، فقال له أبوه : يا حيّان ، انطلق إلى أخيك فإنه
حَدَث وأخاف عليه. فأبى، فقال: يا بُنىّ، إنك إن قُتِلِت على حالك
هذه قُتلت عاصيًا . فرجع إلى الموضع الذى خلّف فيه أخاه والبرذوْن ؛
فإذا أخوه قد لحق بالعسكر، وقد شدّ البرذون، فقطع حيّان مقوده وركبه ؛
فأتى العدوّ ؛ فإذا العدوّ قد أحاط بالموضع الذى خلف فيه أباه وأصحابه ،
فأمدّهم الجُنيد بنصر بن سيار فى سبعة معه ؛ فيهم جميل بن غزوان
العدوىّ ، فدخل عبيد الله بن زهير معهم ، وشدُّوا على العدوّ فكشفوهم
ثم كرُّوا عليهم ؛ فقتلوا جميعاً ، فلم يفلت منهم أحد ممن كان فى ذلك
الموضع ، وقُتل عبيد اللّه بن زهير وابن حوذان وابن جِرْفاس والفُضيل
بن هنّاد .
١٥٣٥/٢
١٥٣٦/٢
وجالت الميمنة والجُنيد واقف فى القلْب ، فأقبل إلى الميمنة، فوقف تحت
(١) يقال: فرس مجفف، عليه تجفاف، وهو ما جلل به الفرس من سلاح وآلة تقيه الجراح.
(٢) ابن الأثير: ((جرقاش)).

٧٤
سنة ١١٢
راية الأزْد - وقد كان جفاهم- فقال له صاحب راية الأزد: ماجئتنا لتحبونا
ولا لتكرمنا؛ ولكنّك قد علمت أنه لا يوصَل إليك ومنّا رجل حىّ؛ فإن ظفرنا
كان لك ؛ وإن هلكنا لم تبْك علينا. ولعمرى لئن ظفرنا وبقيتُ لا أكلّمك
كلمة أبداً. وتقدّم فقتل. وأخذ الرّاية ابن ◌ُجّاعة فقُتِل، فتداول الرّاية
ثمانية عشر رجلا منهم فقتلوا ، فقتل يومئذ ثمانون رجلاً من الأزْد .
قال : وصبر الناس يقاتلون حتى أعيَوْا؛ فكانت السيوف لا تحياك
ولا تقطع شيئًا، فقطع عبيدُهم الخشب يقاتلون به، حتَّى ملّ الفريقان
فكانت المعانقة، فتحاجزوا، فقتل من الأزد حمزة بنُ مُجّاعة العتكىّ ومحمد بن
عبد الله بن حَوْذان الجهضمىّ، وعبد الله بن بسطام المعنىّ وأخوه زُنيم والحسن
ابن شيخ والفُضيل الحارثىّ - وهو صاحب الخيل- ويزيد بن المفضّل الحدّانىّ؛
وكان حجَّ فأنفق فى حجه ثمانين ومائة ألف؛ فقال لأمه وحشيّة: ادعِى اللّه أن
يرزقنى الشهادة ، فدعتْ له ، وغُشِى عليه؛ فاستُشهد بعد مَقْدَمَه من
الحج بثلاثة عشر يومًا، وقاتل معه عبدان له ؛ وقد كان أمرهما بالانصراف
فقتلا ؛ فاستُشهدا .
قال : وكان يزيد بن المفضّل حمل يوم الشّعب على مائة بعير سويقاً
للمسلمين؛ فجعل يسأل عن الناس، ولا يسأل عن أحد إلا قيل له: قد قتل؛
فاستقدم وهو يقول : لا إله إلا الله؛ فقاتل حتى قُتِل.
وقاتل يومئذ محمد بن عبد الله بن حَوْذان وهو على فرس أشْقر ، عليه
تِجفاف مذهب ، فحمَل سبع مرات يقتل فى كلّ حملة رجلاً ، ثم رجع
إلى موقفه، فهابه مَن كان فى ناحيته، فناداه ترجمان للعدوّ (١): يقول لك
الملك : لا تقبل وتحوّل إلينا؛ فترفض صنمنا الذى نعبده ونعبدك؛ فقال
محمد: أنا أقاتلكم لتتركوا عبادة الأصنام وتعبدوا الله وحده . فقاتل واستُشهد .
وقتِل جُشْمَ بن قرط الهلالىّ من بنى الحارث، وقُتِلِ النَّضْر بن راشد
العبدىّ ؛ وكان دخل على امرأته والناس يقتتلون ، فقال لها : كيف أنت إذا
أتيت بأبى ضمرة. فى لبد مضرَّجا بالدماء ؟ فشقّت جيبها ودعت بالويْل؛
١٥٣٧/٢
١٥٣٨/٢
(١) ح، ف: ((ترجمان الملك)).

٧٥
سنة ١١٢
فقال: حسبك، لو أعولتْ علىّ كلّ أنثى لعصيتُها شوقًا إلى الحور
العِين ؛ ورجع فقاتل حتى استُشهد رحمه الله. قال : فبينا النّاس كذلك
إذ أقبل رَهَج، فطلعت فُرسان؛ فنادى منادى الجُنيد: الأرضَ ، الأرضَ !
فترجّل وترجّل الناس، ثم نادى منادى الجُنيد: ليخندقْ كلّ قائد على
حياله ؛ فخندق الناس . قال: ونظر الجُنيد إلى عبد الرحمن بن مكيّة يحمل
على العدوّ، فقال : ما هذا الخرطوم السائل؟ قيل له : هذا ابن مكيّة ،
قال : ألسان البقرة ! لله درّه أىّ رجل هو! وتحاجزوا، وأصيب من الأزْد
مائة وتسعون .
وكانوا لقوا خاقان يوم الجمعة ، فأرسل الجنيد إلى عبد اللّه بن معمر بن
مُسَمِير اليشكرىّ أن يقف فى الناحية التى تلى كِسّ ويحبس مَن مرّ به،
ويحوز الأثقال والرّجالة؛ وجاءت الموالى رجّالة، ليس فيهم غير فارس واحد
والعدوّ يتبعونهم ؛ فثبت عبد اللّه بن معمَر للعدوّ ، فاستُشهد فى رجال من
بَكْر، وأصبحوا يوم السَّبت، فأقبل خاقان نصفَ النهار ؛ فلم ير موضعًا
للقتال فيه أيسر من موضع بكر بن وائل، وعليهم زياد بن الحارث ، فقصد
لهم، فقالت بكر لزياد : القوم قد كَثّرونا ، فخلّ عنا نحمل عليهم
قبل أن يحملوا علينا، فقال لهم : قد مارست (١) سبعين سنة ، إنكم إن حملتم
عليهم فصعد تم انهزمتم ؛ ولكن دعوهم حتى يقربوا . ففعلوا ، فلما قربوا منهم
حملوا عليهم فأفرجوا لهم، فسجد الجُنيد ، وقال خاقان يومئذ: إنّ العرب
إذا أحْرِجوا استقتلوا؛ فخلّوهم حتى يخرجوا؛ ولا تعرّضوا لهم ؛ فإنكم
لا تقومون لهم .
١٥٣٩/٢
وخرج جوارٍ للجنيد يولولْنَ ؛ فانتدب رجال من أهل الشأم، فقالوا: الله
اللّه يأهلَ خراسان! إلى أين؟ وقال الجنيد: ليلة كليلة الجرّاح، ويوم كيومه.
[ذكر الخبر عن مقتل سورة بن الحرّ]
وفى هذه السنة قتل سَوْرة بن الحرّ التميمىّ .
(١) بعدها فى ح، فى: ((منذ)).

٧٦
سنة ١١٢
ذكر الخبر عن مقتله :
ذكر علىّ عن شيوخه ، أن عبيد الله بن حبيب قال للجنيد : اختر
بين أن تهلك أنت أو سورة، فقال: هلاك سَوْرة أهون علىّ ، قال :
فاكتب إليه فليأتِك فى أهل سَمَرْ قند؛ فإن الترك إن بلغهم أن سَوْرة قد توجّه
إليك انصرفوا إليه فقاتلوه . فكتب إلى سورة يأمره بالقدوم - وقيل : كتب
أغثنى - فقال عبادة بن السليل المحاربيّ أبو الحكم بن عبادة لسورة: انظر
أَبْرَد بيت بسَمَرْقند فيمْ فيه ، فإنك إن خرجت لا تبالى أسخط عليك
الأمير أم رضى . وقال له حُلَيْس بن غالب الشيبانىّ: إن التّرك بينك وبين
الجنيد ؛ فإن خرجت كرّوا عليك فاختطفوك .
فكتب إلى الجنيد : إنى لا أقدر على الخروج ؛ فكتب إليه الجُنيد :
يابن اللخناء، (١تخرج وإلا وجهت إليك١) شدّاد بن خالد (٢) الباهلىّ- وكان
له عدوًّا - فاقدَمَ وضع فلاناً بفرخشاذ فى خمسمائة ناشب ، والزم الماء فلا
تفارقه .
١٥٤٠/٢
فأجمع على المسير، فقال الوَجَف بن خالد العبدىّ : إنك لاهلاك
نفسك والعرب بمسيرك؛ ومهلك من معك، قال: لا يُخْرَج حمَلَى (٣) من
التّغّور حتى أسير؛ فقال له عبادة وحُليس: أما إذا أبيتَ إلا المسير فخذ
على النهر، فقال : أنا لا أصل إليه على النهر فى يوميْن، وبينى وبينه من هذا
الوجه ليلة فأصبّحه؛ فإذا سكنت الزُّجَل (٤) سرتُ فأعبره(٥).
فجاءت عيون الأتراك فأخبروهم، وأمر سَوْرة بالرحيل ؛ واستخلف
على سَمَرْقند موسى بن أسود ؛ أحد بنى ربيعة بن حنظلة ، وخرج فى
اثنى عشر ألفًا ، فأصبح على رأس جبل ؛ وإنما دلّه على ذلك الطريق عِلْج
يسمى كارتقبد ؛ فتلقّاه خاقان حين أصبح وقد سار ثلاثة فراسخ ، وبينه وبين
(١ - ١) ح، ف: ((لتقدمن أو لأوجهن)).
(٣) ح: ((حمل)).
(٢) ابن الأثير: ((خليد)).
(٤) الزجل: جمع زجلة؛ وهى الجماعة من الناس، وفى ابن الأثير: ((سكنت الرجل))،
وما أثبته من تصويبات ط .
(٥) ح، ف: « فأصبحه)) .

٧٧
سنة ١١٢
الجنيد فرسخ : فقال أبو الذيّال : قاتلهم فى أرض خَوّارة ، فصبر وصبروا
حتى اشتدّ الحرّ .
وقال بعضهم : قال له غوزك: يومك يوم حارّ فلا تقاتلهم حتى تحمى
عليهم الشمس وعليهم السلاح تثقلهم . فلم يقاتلهم خاقان ؛ وأخذ برأى
غوزك ، وأشعل النار (١) فى الحشيش، وواقفهم وحال بينهم وبين الماء ، فقال
سَوْرة لعبادة : ما ترى يا أبا السليل ؟ قال : أرى واللّه أنه ليس من الترك أحد
إلا وهو يريد الغنيمة؛ فاعقِرْ هذه الدوابّ وأحرِق هذا المتاع، وجرّد السيف؛
فإنهم يُخدّون لنا الطريق . قال أبو الذّيّال: فقال سَوْرة لعبادة: ما الرأى ؟
قال : تركت الرأى، قال : فما ترى الآن ؟ قال : أن ننزل فنُشرع الرّماح،
ونزحف زحفًا ، فإنما هو فرسخ حتى نصل إلى العسكر ، قال : لا أقوى على
هذا؛ ولا يقوى فلان وفلان ... وعدّد رجالاً؛ ولكن أرى أن أجمع الخيل
ومَنْ أرى أنه يقاتل فأصكّهم؛ سلمتُ أم عَطِبتُ ؛ فجمع الناس وحملوا
خانكشفت الترك، وثار الغُبار فلم يبصروا، ومن وراء الترك اللَّهبُ (٢)؛ فسقطوا
فيه ، وسقط فيه العدوّ والمسلمون ، وسقط سَوْرة فاندقّت فخذه، وتفرّق
الناس ، وانكشفت الغمة والناس متفرّقون ، فقطعتهم الترك ، فقتلوهم فلم
ينجُ منهم غير ألفينـ ويقال: ألف .. وكان ممن نجا عاصم بن عمير السَّمرقندىّ،
عرفه رجل من الترك فأجاره ؛ واستُشهد حُليس بن غالب الشيبانىّ ،
فقال رجل من العرب: الحمد لله؛ استُشهد حُلَيس، ولقد رأيته يرمى البيت
أيام الحجاج ويقول: درّى عُقاب، بلبن وأخشاب؛ وامرأة قائمة، فكلّما رمى
بحجر قالت المرأة : يا ربّ بى ولا ببيتك! ثم رُزق الشهادة.
وانحاز المهلَّب بن زياد العِجلىّ فى سبعمائة ومعه قريش بن عبد الله
العبدىّ إلى رُستاق يسمى المرغاب ؛ فقاتلوا أهل قَصْر من قصورهم؛ فأصيب
المهلّب بن زياد، وولَّوْا أمرهم الوجَف بن خالد ، ثم أتاهم الأشكند صاحب
نَسف فى خَيْل ومعه غوزك، فقال غوزك : يا وَجَف، لكم الأمان، فقال
(١) ب: ((النيران)).
(٢) اللهب : الصدع فى الجبل ، أو الشعب الصغير فيه .
١٥٤١/٢
١٥٤٢/٢

٧٨ ٠
سنة ١١٢
قريش : لا تثقوا بهم؛ ولكن إذا جنّنا الليل خرجنا عليهم حتى نأتى سَمَرْقُند؛
فإنا إن أصبحنا معهم قتلونا .
قال : فعصوْه وأقاموا ، فساقوهم إلى خاقان ؛ فقال : لا أجيز أمان
غَوْزك، فقال غوزك للوجَف : أنا عبد لخاقان من شاكريّته ، قالوا : فلمَ
غَرزتنا (١) ؟ فقاتلهم الوجف وأصحابه ، فقُتلوا غير سبعة عشر رجلا دخلوا
الحائط . وأمسوا ، فقطع المشركون شجرة فألقوْها على ثلمة الحائط ؛ فجاء
١٥٤٣/٢ قريش بن عبد اللّه العبدىّ إلى الشجرة فرمى بها؛ وخرج فى ثلاثة فباتوا فى
ناووس(٢) فكمنوا (٣) فيه وجبن الآخرون فلم يخرجوا، فقتلوا حين أصبحوا .
وقتِل سَوْرة ؛ فلما قُتل خرج الجنيد من الشّعب يريد سمرقند مبادراً، فقال له
خالد بن عبيد الله بن حبيب: سِرْ سِر(٤)، ومجشّر بن مزاحم السلمىّ يقول: أذكرك
اللّه أقم ؛ والجنيد يتقدّم ، فلما رأى المجشِّر ذلك نزل فأخذ بلجام الجنيد ،
فقال: والله لا تسير ولتنرلنّ طائعًاً أو كارها، ولا ندعك تُهلكنا بقول هذا
الهجرىّ ، انزل . فنزل ونزل الناس فلم يتتام (٥) نزولهم حتى طلع الترك، فقال
المجشّر: لو لقونا ونحن نسير ، ألم يستأصلونا! فلما أصبحوا تناهضوا، فانكشفت
طائفة، وجال الناس، فقال الجنيد : أيّها الناس؛ إنها النّار؛ فتراجعوا . وأمر
الجنيد رجلاً فنادى : أىّ عبد قاتَلَ فهو حرّ ؛ فقاتل العبيد قتالاً شديداً
عجب الناس منه؛ جعل أحدهم يأخذ اللِّبد فيجوبه ويجعله فى عنقه ، يتوقّى
به . فسرّ الناس بما رأوا من صبرهم ، فكرّ العدوّ، وصبر الناس حتى انهزم
العدوّ . فمضوا، فقال موسى بن النعر (٦) للناس: أتفرحون بما رأيتم من العبيد!
١٥٤٤/٢ واللّه إنّ لكم منهم ليومًا أرْوَنان(٧). ومضى الجُنيد فأخذ العدوّ رجلا من
عبد القيس فكتفوه ، وعلّقوا فى عنقه رأس بلعاء العنبرىّ بن مجاهد بن بلعاء ؛
فلقيه الناس فأخذ بنو تميم الرأس فدفنوه ، ومضى الجُنيد إلى سَمَرْ قند ؛ فحمل
(٢) ح، ف: ((فأتوا ناووساً)).
(١) ب: ((عرضتنا)).
(٤) ابن الأثير: ((سروأسرع)).
(٣) ب: ((كمنوا)).
(٦) ابن الأثير: ((الشعراء)).
(٥) ابن الأثير: ((فلم يستم)).
(٧) يوم أرونان، قال فى اللسان: الشديد فى كل شىء من حر أو برد أو جلبة أو صياح ،
قال النابغة الجعدى :
فظلّ لنسوة النعمان منّا على سفوان يومٌ أَرونانُ

٧٩
مينة ١١٢
عيال مَن كان مع سَوْرة إلى مَرْو، وأقام بالسُّغْد أربعة أشهر ؛ وكان
صاحبَ رأى خراسان فى الحرب المحشِّر بن مزاحم السُّلمىّ وعبد الرحمن بن
صبح الخَرَفىّ وعبيد الله بن حبيب الهجرىّ، وكان المجشِّريُنزل الناس على
راياتهم ، ويضع المسالح ليس لأحد مثل رأيه فى ذلك ، وكان عبد الرحمن
ابن صبح إذا نزل الأمر العظيم فى الحرب لم يكن لأحد مثل رأيه ؛ وكان
عبيد الله بن حبيب على تعبئة القتال ، وكان رجال من الموالى مثل هؤلاء فى
الرّأى والمشورة والعلم بالحرب ؛ فمنهم الفضل بن بسّام مولى بنى ليث وعبد الله
ابن أبى عبد الله مولى بنى سليم والبسَخترىّ بن مجاهد مولى بنى شيبان .
قال : فلما انصرف الترك إلى بلادهم بعث الجُنيد سيف بن وصّاف
العجلىّ من تَمَرْقند إلى هشام، فجبُن عن السير وخاف الطريق ، فاستعفاه
فأعفاه ؛ وبعث نهار بن تَوْسعة أحد بنى تيم اللات وزُمَيْل بن سُوَيَد(١)
المرِّىّ؛ مرّة غطفان، وكتب إلى هشام: إن سَوْرة عصانى، أمرتُه بلزوم الماء
فلم يفعل، فتفرّق عنه أصحابه، فأتتنى طائفة إلى كِسّ، وطائفة إلى نَسَف،
وطائفة إلى سَمَرْقند ، وأصيب سَوْرة فى بقيّة أصحابه .
١٥٤٥/٢
قال : فدعا هشام نهارَ بن توسعة ، فسأله عن الخبر فأخبره بما شهد ،
فقال نهار بن توسعة :
ولكنَّما عَرّضْتنى للمَتَّالِفِ
لعمرُكَ ما حابَيْتنى إِذْ بَعَثْتَنِى
وكنتُ امْرَأْ رَكَّابَةٌ للمَخاوفِ (٢)
دعوتَ لها قوماً فهابوا ركوبَها
طَعَامُ سِباعٍ أَو لطَيْرٍ عوائفٍ
فأَيقنتُ إِنْ لم يَدْفَع اللهُ أَننى
عليك وقد زَمَّلْتَهُ بِصَحَائِفٍ
قَرِينُ عَرَاكِ وهوَ أَيْسَرُ هالك
لأَعظمُ حظًّا فى حِيَاءِ الخلائف
فإنى وإِن آثرتَ منه قَرابَةً
وكنَّا أُولِ مجد تليدٍ وطارِفٍ
على عهدٍ عثمانٍ وفَدْنا وقبْلَهُ
قال : وكان عراك معهم فى الوفد ، وهو ابن عمّ الجنيد ، فكتب إلى
الجنيد: قد وجَّهت إليك عشرين ألفا مدداً؛ عشرة آلاف من أهل البصرة
عليهم عمرو بن مسلم، ومن أهل الكوفة عشرة آلاف عليهم عبد الرحمن
(٢) ط: ((ركابه للمخاوف))
(١) ابن الأثير: ((وزبل بن سويد)).

٨٠
منة ١١٢
ابن نُعيم ، ومن السلاح ثلاثين ألف رمح ومثلها تِرَسة ، فافرض فلا غاية
لك فى الفريضة لخمسة عشر ألفاً .
١٥٤٦/٢
قال : ويقال إن الجُنيد أوفد الوفد إلى خالد بن عبد الله، فأوفد خالد
إلى هشام : إنّ سَوْرة بن الخرّ خرج يتصيّد مع أصحاب له فهجم عليهم
التّرك، فأصيبوا. فقال هشام حين أتاه مصاب سورة: إنا لله وإنا إليه راجعون !
مُصاب سَوْرة بن الحرّ بخراسان والجرّاح بالباب! وأبْلى (١) نصر بن سيّار
يومئذ بلاء حسناً ، فانقطع سيفه، وانقطع سيور ركابه ؛ فأخذ سيور ركابه ؛
فضرب بها رجلا حتى أثخنه، وسقط فى اللّهْب مع سَوْرة يومئذ عبد الكريم
ابن عبد الرحمن الحنفىّ وأحد عشر رجلا معه. وكان ممن سلم من أصحاب
سَوْرة ألف رجل ، فقال عبد الله بن حاتم بن النعمان: رأيت فساطيطَ مبنيّة
بين السماء والأرض ؛ فقلت : لمن هذه؟ فقالوا: لعبد الله بن بسْطام وأصحابه،
فقتلوا من غدٍ ؛ فقال رجل : مررت فى ذلك الموضع بعد ذلك بحين فوجدت
رائحة المسك ساطعة . قال : ولم يشكر الجُنيد لنصر ما كان من بلائه ،
فقال نصر :
يوماً ، فمِثْلُ بَلائِى جَرَّ لِ الحَسَدَا
إِذْ تحسُدُونی علی حُسن البلاء لكُمْ
كَعَبِى عليكمْ وأعطى فوقَكم عَضُدا
بأبَى الإِلهُ الذى أَعلى بقدرتهِ
بالسَّيفِ فى الشِّعبِ حتى جاوزِ السّنَدَا
وضَرْبِىَ التركَ عنكم يوم فَرْقِكُمُ
قال : وكان الجُنيد يوم الشّعب أخذ فى الشِّعب، وهو لا يرى أنّ أحداً
يأتيه من الجبال، وبعث ابنَ الشُّخِّير فى مقدمته، واتخذ ساقةً (٢)؛ ولم
١٥٤٧/٢ يتخذ مجنّبتين.
وأقبل خاقان فهزم المقدّمة ، وقتل مَنْ قتل منهم ، وجاءه خاقان مِن
قبل ميسرته وجبغويه من قِبَل الميمنة، فأصيب رجال من الأزْد وتميم، وأصابوا
له سرادقات وأبنية ، فأمر الجنيد حين أمسى رجلا من أهل بيته ، فقال له :
امش فى الصفوف والدرّاجة ، وتسمع ما يقول الناس ؛ وكيف حالهم ؛ ففعل
(١) ب: ((فأبلى)).
(٢) ب: ((ساقته)).