Indexed OCR Text

Pages 501-520

سنة ٩٦
٥٠١
والحكم بن عثمان، قال: حدثنى شيخٌ من أهل خُراسانَ. قال: وَغَل قتيبة ١٢٧٧/٢
حتى قرب(١) من الصين. قال: فكَّب إليه ملك الصين أن ابعثْ إلينا رجلاً
من أشراف مَن مَعَكم يُخبرنا عنكم، ونُسائِله عن دينكم. فانتخَب قتيبةُ
من عسكره اثنىْ عشَر رجلا - وقال بعضُهم: عشرة- من أفناء القبائل، لهم جَمال
وأجْسام وألسُن وشُعور و بأس، بعد ما سأل عنهم فوَجدهم مِن صالح مَن هم
منه. فكلّمهم قتيبةُ، وفاطَنتَهم فرأى عقولا وَجمالا، فأمرلهم بعُدّة حسنة
من السلاح والمتاع الجيّد من الخنَزّ والوَشْى والليَّن من البَاض والرّقيق(٢)
والنعال (٣) والعطْر، وحَمَلتَهم على خيول مطهّة تُقَادُ معهم، ودوابٌ
يَرَكَبَونها (٤). قال: وكان هُبيرة بن المشَمْرَج الكلابىّ مفوَّها بسيطَ اللسان،
فقال: يا هُبيرة ، كيف أنتَ صانع ؟ قال: أصلح الله الأمير! قد كُفِيتَ
الأدبَ وقل ما شئت أقلُه. وآخذ به، قال: سيروا على بركة الله، وبالله التوفيق.
لا تَضعوا العمائمَ عنكم حتى تقدموا البلادَ، فإذا دخلتمْ عليه فأعلموه أنى قد
حلفتُ ألّ أنصرِفَ حتى أطأ بلادهم، وأختمَ ملوكتهم، وأجْىِ خَرَاجَهم .
قال: فساروا، وعليهم هبيرة بن المشتَمَرَج، فلما قدموا أرسلَ إليهم
مَلَكُ الصين يدعوهم، فدَخَلَوا الحمام، ثمّ خرجوا فلبسوا ثيابًا بيضًا(٦ تحتها
الغّلائل، ثم مَسّوا الغالية، وتدخّنوا (٥) ولبنوا النعال والأردية، ودخلوا عليه
وعندَه عظماءُ أهل مملكته، فجلسوا، فلم يكلمهم الملك ولا أحدٌ من جلسائه
فنهضوا، فقال الملك لمن حتَضَرَه: كيف رأيتم هؤلاء؟ قالوا: رأيْنا قومًا ١٢٧٨/٢
ما هُمْ إلاّ نساء، ما بقىَ منا أحد حين رآهم ووَجَد رائحتَهم إلا انتشَر
ما عندَه .
قال: فلما كان الغد أرسل إليهم فَلِبِسوا الوشىَ وعَمائمَ الخَزّ والمَطارِف،
وغدَوْا عليه ، فلما دخلوا عليه قيل لهم : ارجعوا ، فقال لأصحابه : كيف
(١) ب: ((بلغ قرب)).
(٣) ب: ((والبغال)).
(٢) ب: ((الرقاق)).
(٤) ب: ((يربطونها)).
(٥) فى اللسان: ((الدخنة: بخور يدخن به الثياب أو البيت، وقد تدخن بها ودخن غيره)).
(٦) ط: ((بياضاً)).

٥٠٢
سنة ٩٦
رأيتم هذه الهيئة ؟ قالوا : هذه الهيئة أشبَهُ بهيئة الرّجال من تلك الأولى، وهم
أولئك، فلما كان اليوم الثالث أرسَلَ إليهم فشَدّوا عليهم سلاحتهم، ولَبسوا
البَيْضَ والمَغافِرَ، وتقلَّدوا السيوف، وأخذوا الرّماح ، وتنكبوا القسِىّ،
وركبوا خيولَهم ، وغَدُوا فنَظَر إليهم صاحبُ الصين فرأى أمثالَ الجِبال
مُقْلة، فلما دَنوا ركزوا رِماحتهم، ثمّ أقبلوا نحوّهم مشمّرين ، فقيل لهم
قبل أن يدخلوا: ارجعوا، لِما دَخَل قلوبَهم من خَوْفهم .
قال: فانصَرَفوا فَركبوا خيولهم، واختلجوا رِ ماحتهم ، ثم دفعوا خيولهم
كأنهم يتطارَدون بها ، فقال المَلِك لأصحابه : كيف ترونهم ؟ قالوا :
ما رأينا مثلَ هؤلاء قطّ، فلما أمسَى أرسل إليهم الملك، أن ابعثوا إلى زعيمتكم
وأفضَلَكم رجلاً ، فبعثوا إليه هُبيرة، فقال له حين دخل عليه: قد رأيتم(١)
عظيمَ مُلْكى ، وإنه ليس أحدٌ يُمنعكم منى ، وأنتم فى بلادى ، وإنما أنتم
بمنزلة البَيْضة فى كفى. وأنا سائلك(٢) عن أمر فإنْ لم تتصدقى (٣) قتلتُكُم.
قال: سكل؛ قال: لِمَ صَنعتم ما صنعتم من الزىّ فى اليوم الأول والثانى والثالث؟
قال: أما زيُنا الأوّل فلباسنا فى أهالينا(٤) وريحنا عندَهم، وأما يومُنا الثانى
فإذا أتينا أمراءَ نا، وأما اليومُ الثالث فَزّيُّنا لعدونا، فإذا هاجَنًا هيْج وفزع (٥)
كنا هكذا . قال : ما أحسن ما دبّرتم دهركم ! فانصرِفوا إلى صاحبكم
فقولوا له: يَنَصرِف، فإنى قد عرفتُ حِرصَه وقلة أصحابه، وإلا بعثتُ عليكم
من يُهلِككم ويُهلِكِه ، قال له: كيف يكون قليل الأصحاب مَنْ أوّل
خيله فى بلادك وآخرها فى منابت الزّيتون! وكيف يكون حريصًا من خلّف
الدنيا قادراً عليها وغَزاك ! وأما تخويفك إيانا بالقتل فإنّ لنا آجالا إذا
حَضَرْت فأكرمها القتلُ، فلسْنا نَكرَهه ولا نَخافُه؛ قال: فما الذى يُرضِى
صاحبك ؟ قال : إنه قد حلف ألّ ينصرف حتى يطأ أرضكم ، ويختم
ملوكتكم ، ويُعطَى الجِزْية ، قال : فإنا نخرجه من يمينه ، نبعث إليه
١٢٧٩/٢
(٢) ب: ((أسائلك)).
(١) ب: ((أرأيتم)).
(٣) ب: ((تصدقونى)).
(٥) ب: ((أو فزع)).
(٤) ب: ((أهلنا)).

سنة ٩٦
٥٠٣
بتراب من ترابٍ أرضنا فيطؤه، ونَبعث ببعض أبنائنا فيختمهم ، ونبعث إليه
بجزية يرضاها. قال: فدعا بصحاف من ذهب فيها تُرابٌ ، وبعث بحرير
وذهب وأربعة غلمان من أبناء ملوكهم ، ثم أجازهم فأحسَنَ جَوائزهم،
فساروا فقَدِ موا بما بَعَث به ، فَقِبل قتيبةُ الجِزْية، وختم الغِلْمة وردّهم ،
ووَطَئ التراب، فقال سوادة بنُ عبد اللّه السَّلُولىّ:
للصين إِنْ سَلَكوا طريقَ المَنْهَجِ
لا عَيبَ فى الَوفْدِ الذينَ بَعَئِتَهُمْ
حَاشَا الكريم هُبَيْرَةَ بن مُشَمَرَجِ
كسرُوا الجفونَ على القذَى خوفَ الرَّدَى
ورهائِنٍ دُفِعَتْ بِحَملِ سَمَرِّج
لَم يَرضَ غيرَ الخَتْمِ فِى أَعناقِهم
وأَتاك مِن حِنثِ اليمين بمخرجٍ ١٢٨٠/٢
أَدَّى رسالتَك التى استَرعَيتَهُ
قال: فأوفَد قتيبةُ هبيرةَ إلى الوليد، فمات بقرية" (١) من فارِسَ، فَرثاه
سوادَةُ ، فقال :
ماذا تَضَمَّنَ من نَدِّى وجَمَال!
للهِ قِبرُ هُبِيرَة بن مُشمَرَجٍ
عند احتفالِ مَشاهدِ الأقوال
وبديهةٍ يَعيًا بها أَبناوُها
والليثَ عند تَكعكع الأبطالِ
كان الربيعَ إِذا السّنون تَتَابَعَت
غُرِّ يَرُحنَ بمسبِلٍ مِطَّلٍ
فَسَقَتْبقربةً حيثُ أَمسى قبرُه
ويَكاه كلُّ مُثَقَّفِ عَسَّالِ
بكَتِ الجيادُ الصافناتَ لفَقدِهِ
فى العام ذى السَّنَوات والإِمحالِ
وبكنْهُ شُعْثٌ لم يجدنَ مُواسِياً
قال : وقال الباهليّون: كان قتيبة إذا رجع من غَزَاتِهِ كلّ سنة اشتَرَى
اثنى عشر فرساً من جياد الخيل؛ واثنى عشرَ هجيناً، لا يُجاوز بالفرَس أربعة
آلاف، فيقام عليها إلى وقت الغزو، فإذا تأهب للغزو وعَسَكَر قيّدت
وأضميرتْ ، فلا يَقطَعَ نهراً بخيل حتى تخفّ لُحومُها، فَيَحمِل عليها
من يحمِله فى الطلائع . وكان يبعث فى الطلائع الفُرسان من الأشراف ،
ويبعث معهم رجالا من العسجتم من يستنصح على تلك الهجُن، وكان إذا بعث
(١) قرية: اسم موضع.

٥٠٤
سنة ٩٦
بطليعة(١) أمَرَ بلَوْح فنُقِشِ، ثُمّ يشقّه شقّتين فأعطاه شقّة، واحتبس
٢/ ١٢٨١ شقة، لئلا يمثَل مثلها، ويأمره أن يتدفنها فى موضع يصفُهُ له من (٢) مخاضة
معروفة ، أو تحتَ شجرة معلومة ، أو خربة ، ثمّ يبعث بعده من يستبريها
ليعلم أصادِقٌ فى طليعته أم لا .
وقال ثابت قُطنة العَّكىّ يذكر مَنْ قُتِل من ملوك الترك:
أَقَرَّ العَينَ مقتلُ كارزنكٍ وكَشْبِيز وما لاقَى بيار
وقال الكُميتُ يذكُر غَزوة السُّغْد وخُوارزْم:
تَردِى زراعةَ أَقوامٍ وَتَحتَصِدُ
وبعدُ فى غزوةٍ كانت مُبَارَكٌ
والسُّغْد حين دنا شوْبُوبُها البَرِدُ
نالتْ غَمامتُها فِيلاً بَوَابِلِهَا
مِنَ المقاسِمِ لا وَْتٌ ولا نَكَدُ
إذ لا يزالُ له نَهبٌ يُنَفَّلهُ
على الخليفةِ إِنَّا معشرٌ حُشُدُ
تلك الفُتوحُ التى تُدْلى بِحُجَّتِهَا
حتى يُقالَ لهم : بُعدًا وقد بعِدُوا
لَم تَثْنٍ وجهَكَ عن قومٍ غَزِوتَهُم
حتى يُكَبَّرَ فيه الواحدُ الصَّمَدُ
لم ترضَ مِن حِصنهمْ إِن كان ممتَنِعاً
(١) ب: ((طليعة).
(٢) ب: ((فى)).

سنة ٩٦
٥٠٥
خلافة سليمان بن عبد الملك
قال أبو جعفر : وفى هذه السنة بُويع سليمانُ بنُ عبد الملك بالخلافة ،
وذلك فى اليوم الذى تُوفَى فيه الوليدُ بنُ عبد الملك ، وهو بالرَّمْلة .
وفيها عَزّل سليمانُ بنُ عبد الملك عثمانَ بن حيان عن المدينة، ذَكَر
محمد بن عمر، أنه نزعه عن المدينة لسبع بقين من شهر رمضان سنة ستّ (١) ١٢٨٢/٢
وتسعين .
قال : وكان عملُه على المدينة ثلاثَ سنين . وقيل : كانت إمرتُه عليها
سنتين غير سَبْعٍ (٢) ليال.
قال الواقدىّ : وكان أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قد استأذن
عثمان أن ينام فى غدٍ، ولا يجلس للناس ليقوم ليلة إحدى وعشرين ، فأذن
له . وكان أيوب بنُ سلمة المخزومىّ عندَه ، وكان الذى بين أيّوب بن سلمة
وبين أبى بكر بن عَمرو بن حَزْم سَيْئًا ، فقال أيوب لعثمان: ألم تر إلى
ما يقول هذا ؟ إنما هذا منه رثاء ؛ فقال عثمان: قد رأيتُ ذلك ، ولستُ لأبى
إن أرسلتُ إليه غُدوةً ولم أجده جالسًا لأجلدنه مائة، ولأحلقنّ رأسه
ولحيته .
قال أيوب : فجاءنى أمرٌ أحبه، فَعَجّلت من السحر، فإذا شَمْعة
فى الدار، فقلتُ: عَجِل المرّىّ، فإذا رسولُ سليمانَ قد قَدم على أبى بكر
بتأمِيره وعَزْلٍ عثمانَ وحدّه .
قال أيوب : فدخلتُ دارَ الإمارة، فإذا ابنُ حَيَّان جالس، وإذا
بأبى بكر على كرسىّ يقول للحدّد: اضربْ فى رِجْل هذا الحديد ،
ونظر إلىّ عثمانُ فقال(٣):
والأَمرُ يَحدُثُ بعده الأمرُ
آبُوا على أدبارهم كُثُفاً
(١) ب: ((فى سنة)).
(٢) ط: ((سبعة))، والصواب ما أثبته من ب.
(٣) بعدها فى ب: ((متمثلا)).

٥٠٦
سنة ٩٦
وفى هذه السنة عَزّل سليمانُ يزيدَ بنَ أبى مسلم عن العراق، وأمّر عليه
يزيدَ بن المُهلَّب، وجعل صالح بن عبد الرحمن على الختراج، وأمره أن
يَقتُل آل أبى عقيل ويَبْسُط عليهم العذاب. فحدّثّنى عمرُ بن شَبّة ،
١٢٨٣/٢ قال: حدّثنى على بن محمد، قال: قَدِم صالح العراقَ على الخراج ،
ويزيدُ على الحرْب ، فبعث يزيد زياد بن المهلب على عُمان ، وقال له :
كاتبْ صالحاً، وإذا كتبتَ إليه فابدأ باسمه، وأخذ صالح آلَ أبى عُقيل
فكان يُعذبهم ، وكان يلِى عذابتهم عبد الملك بن المهلب .
[ خبر مقتل قتيبة بن مسلم]
وفى هذه السنة قُتِل قتيبة بنُ مسلِمٍ بخُراسان .
ذكر الخبر عن سبب مقتله :
وكان سبب ذلك أن الوليد بنَ عبد الملك أراد أن يجعَل ابنته عبد العزيز
ابن الوليد ولىّ عهده، وَدَسّ فى ذلك إلى القوّاد والشعراء ، فقال جرير
فى ذلك :
أَشارَتْ إِلى عبدِ العزيرِ الأَصابِعُ(١)
إِذا قيلَ أَىّ الناس خيرُ خليفةٍ؟
وما ظَلموا، فبايعوه وسَارعُوا(٢)
رَأَوْهُ أَحقَّ الناسِ كلِّهِم بها
وقال أيضًا جرير يحضّ الوليد على بسيعة عبد العزيز:
إِلى عبد العزيزِسَمَت عيونُ الرَّ عيّةٍ إِذ تَحَيَّرَتِ الرِّعاءِ(٣)
عِمَادُ المُلكِ خَرَّت والسماءُ
إِليه دَعتْ دَواعِيهِ إِذا مَا
علينا البيعُ إِن بلغ الغلاءُ (٤)
وقال أُولو الحكومةِ من قُریشِ
(١) ديوانه ٣٥٧ .
(٢) ب: ((إذ بايعوه وسارعوا))، ر: ((فبايعوه وسارعوا)).
(٣) ديوانه ٩ .
(٤) الديوان: ((إذ بلغ الغلاء)».

سنة ٩٦
٥٠٧
وما ظلموا بذاكَ ولا أَسَاءُوا
رَأَوْا عبدَ العزيز ولىَّ عَهْد
جُسُورٌ بالعظائم واعتلاءً!
فماذا تنظرونَ بها وفيكُمْ
أَميرَ المؤمنين إذا تَشاءُ(١)
فَزَحِلِفِها بِأَزْمَلِهَا إِليه
أَكُفَّهُمُ وقد بَرِحَ الخفاءُ
فإِنَّ الناسَ قد مَدُّوا إِليه
لقام الوزنُ واعتدَلَ البناءُ(٢)
ولو قد بايعوك وِّ عهد
فبايَعَه على خَلْعْ سليمانَ الحجاجُ بن يوسفَ وقتيبة ، ثم هلك الوليد
وقامَ سليمانُ بنُ عبد الملك ، فخافه قتيبة .
١٢٨٤/٢
قال علىّ بن محمد: أخبرنا بِشْر بن عيسى والحسن بنُ رشيد وكليب
ابن خَلَف، عن طُفيل بن مِرْداس، وَجَبلة بن فَرّوخ، عن محمد بن عزيز
الكندىّ، وجَبَلَة بن أبى روّاد(٣) ومسلمة بن محارب، عن السَّكِنِ بن قتادة؛
أن قتيبةَ لما أتاه موتُ الوليد بنِ عبد الملك وقيامُ سليمانَ، أشفَقَ من سليمانَ
لأنه كان يسعى فى بَيْعة عبد العزيز بن الوليد مع الحجاج ، وخاف أن
يولّىَ سليمانُ يزيدَ بنَ المهلب خُراسان . قال : فكتب إليه كتاباً يُهنّئه
بالخلافة ، ويعزّيه على الوليد، ويُعلمه بلاءَه وطاعتَه لعبد الملك والوليد ،
وأنه له على مثل ما كان لهما عليه من الطاعة والنصيحة إن لم يعزِلْه عن
خُراسان . وكتب إليه كتابًا آخَرَ يُعلِمِه فيه فتُوحَه ونِكايتَه وعظمَ
قدرِه عند مُلوك العَجَم ، وهيبته فى صدورهم ، وعظم صوته فيهم ، ويذمّ
المهلب وآلَ المهلَّب، ويحلف بالله لئن استعمل يزيدَ على خُراسان ليخلعنّه.
وكتب كتابًا ثالثًا فيه خَلْعُه، وبعث بالكُتُب الثلاثةِ مع رجل من باهِلة (٤)،
وقال له : ادفع إليه هذا الكتاب، فإن كان يزيدُ بنُ المهلب حاضراً ، فقرأه
ثم ألقاه إليه ، فادفع إليه هذا الكتاب، فإن قَرَأه وألقاه إلى يزيدَ فادفع
إليه هذا الكتاب ، فإن قرأ الأوّل ولم يدفعه إلى يزيد فاحتبس الكتابين
الآخرين .
١٢٨٥/٢
(١) زحلفها إليه، أى أدفعها. وقوله: ((بأزملها)»، أى بأجمعها.
(٣) ط: ((دواد))، تحريف.
(٢) الديوان: ((لقام القسط)).
(٤) ب: ((أمله).

٥٠٨
سنة ٩٦
قال : فقدم رسولُ قتيبةَ فدخل على سليمانَ وعندَه يزيدُ بن المهلب،
فَدَفَعَ إليه الكتاب، فقرأه، ثم ألقاه إلى يزيد، فدفع إليه كتابًا آخر
فقرأه، ثمّ رَمَى به إلى يزيدَ، فأعطاه الكتاب الثالث، فقرأه فتمعَّر لونُه(١)،
ثم دَعَا بطين فختمه ثم أمسكه بيده .
#
وأما أبو عُبِيدَة مَعَمَرَ بنُ المثنى، فإنه قال ــ فيما حدّثت عنه: كان فى
الكتاب الأوّل وقيعة فى يزيد بن المهلب ، وذكرُ غدرِه وكفره وقلة شكره ،
وكان فى الثانى ثناء على يزيد ، وفى الثالث : لئن لم تُقرّنى على ما كنتُ عليه
وتؤمّنى لأخلعنك خلعَ النَّعل، ولأملأنّها عليك خَيْلًا ورِجالاً . وقال أيضًا:
لما قرأ سليمانُ الكتابَ الثالث وضعه بين مثالين من المُثُل التى تحتَّه ولم يُحِرْ
فى ذلك مرجوعًا .
١٢٨٦/٢
رجع الحديث إلى حديث علىّ بن محمد. قال: ثمّ أمر - يعنى سليمان -
برسولٍ قتيبةَ أن يُنَزَّل، فحوّل إلى دار الضيافة، فلما أمسَى دعا به سليمان"،
فأعطاه صُرّةً فيها دنانير ، فقال: هذه جائزتُك، وهذا عهدُ صاحبِك
على خُراسان فسرْ، وهذا رسولى معك بعتَهْده . قال: فخرج الباهلىّ ،
وبعث معه سليمانُ رجلاً من عبد القيس، ثمّ أحد بنى لَيْث يقال له صَعْصعة -
أو مُصعَب - فلما كان بحُلُوانَ تلقّاهم الناسُ بخَطْعِ قُتيبة، فرجع العبدىّ،
ودفع العهدَ إلى رسول قتيبة، وقد خلع؛ واضطرب الأمرُ، فدفع إليه عهدَه،
فاستشار إخوتَه ، فقالوا : لا يَثق بك سليمانُ بعدَ هذا .
قال على": وحدثنى بعضُ العَنبريين، عن أشياخ منهم، أنّ تَوْبة"
ابن أبى أسيد العَنْبرى، قال: قَدم صالح العراقَ، فوجّهنى إلى قتيبة
ليُطلِعِنى (٢) طِلْعَ ما فى يده، فصَحِبَنى رجل من بنى أسد، فسألى عمّا
خرجتُ فيه ، فكاتمتُه أمرى ، فإنا لنسير إذ سنَحَ لنا سانح ؛ فنظر إلىّ رفيقى
(١) تمعّر لونه، أى تغيّر.
(٢) ب: ((ليطلع)).

سنة ٩٦
٥٠٩
فقال : أراك فى أمر جسيم وأنت تكتمنى ! فمضيتُ، فلما كنت بحلوان
تلقانى الناسُ بقتل قتيبة .
قال علىّ: وذكر أبو الذّيّال وكُلَيب بن خَلَف وأبو علىّ الجُوزجانىّ عن
طُفيل بن مِرْداس، وأبو الحسن الجشَمىّ ومصعب بن حيّان (١) عن أخيه
مقاتل بن حيّان، وأبو مخنَف وغيرهم، أن قتيبة لما همّ بالختلْع استشار
إخوته، فقال له عبدالرحمن: اقطع بعثًا فوجِّه فيه كلّ من تسَخافه ، ووجّه
قومًا إلى مَرْو، وسِرْ حتى تنزلَ سَمَرْفَنْد، ثم قل لمن معك: مَن أحبّ
المقامَ فله المواساة ، ومن أراد الانصرافَ فغير مستكرَه ولا مَشْبُوعٍ بسوء،
غلا يقيم معاك إلا مناصح . وقالله عبد الله : اخلعه مکانك، وادع الناس إلى
خلعه ، فليس يختلف عليك رجلان . فأخذ برأى عبد الله ، فخلع
سليمان ، ودعا الناسَ إلى خَلْعه ، فقال الناس:
١٢٨٧/٢
إنى قد جمعتكم من عين التمر وفيْض البحر فضممت الأخ إلى أخيه ،
والولدَ إلى أبيه، وقسمتُ بينكم فيئكم، وأجرَيْت عليكم أعطياتِكم غير مكدّرة
ولا مؤخّرة ، وقد جربتم الوُلاَة قَبلى؛ أتاكم أمية(٢) فكتب إلى أمير المؤمنين
إنّ خَرَاجَ خُراسانَ لا يقوم(٣) بمطبخى، ثمّ جاءكم أبو سعيد(٤) فدوم بكم (٥)
ثلاثَ سنينَ لا تَدْرون أفى طاعة أنتم أم فى معصية ! لم يَجْب فَيْئاً، ولم
يَنْكّاً عدوًّا، ثمّ جاءكم بنُوه بعدَه؛ يزيد، فحل تبارى إليه النساء،
وإنما خليفتُكم يزيدُ بن ثروان ھَّقَةُ القَيْسِىّ(٦).
قال: فلم يجبه أحد، فغضب فقال: لا أعزّ اللّهُ من نصرْتم، والله
لو اجتمعتم على عَنْزِ ما كسرتم قرنها ، يا أهل السافِلة - ولا أقول أهلَ
العالية - يا أوباشَ الصَّدَقة، جمعتُكِم كما تُجمَعَ إبلُ الصدقة من كلّ
أوْب. يا مَعشرَ بكر بن وائل، يا أهل النفخ والكذب والبُخْل ، بأىّ
(١) ط: ((حبان))، تحريف.
(٢) أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد بن
أبى العاص بن أمية، عامل عبد الملك على خراسان حتى سنة ٧٨. (٣) ط: ((لا يقيم))،
(٤) أبو سعيد كنية المهلب بن أبي صفرة .
وفى البيان: ((لوكان فى مطبخه لم يكفه)).
(٥) ب: ((فرزم فيكم)).
(٦) هو يزيد بن ثروان بن هبنقة ذو الودعات القيمى، المضروب به المثل فى الحمق.

٥١٠
سنة ٩٦
يومسَيْكم تنفخّرون؟ بيوم حتَرْبكم، أو بيوم سلميكم! فوالله لأنا أعزّ
منكم. يا أصحاب مُسيلمة، يا بنى ذَميم - ولا أقول تميم - يا أهل الخَوّر(١)
والقَصْف والغَدْر، كنتم تسمون الغَدْر فى الجاهلية كَيْسان(٢). يا أصحاب
سَجَاح، يا معشر عبد القيس القُساة، تبدّلتم بأبْر النَّحل (٣) أعنّةَ الخيل.
١٢٨٨/٢ يا معشر الأزْد، تبدّلتم بقُلُوس (٤) السفن أعنة الخيل الحُصُن؛ (٥) إن هذا لَبدعة
فى الإسلام! والأعراب، وما الأعراب! لعنةُ الله على الأعراب! يا كناسة"
المصرَيْن، جمعتُكم من منابت الشيح والقسَيْصوم ومتنابت القلقيل(٦)، تركبون
البَقَر والخسُر فى جزيرة ابنِ كاوانَ ، حتى إذا جمعتُكم كما تُجمعَ قَزّع
الخريف (٧) قُلْتُم كتَيَتَ وكَيْت! أما والله إنى لابن أبيه! وأخو أخيه،
أما والله لأعصبنكم عَصْبَ السََّسَمَة. إنّ حَوْل الصِّلِّيَان الزمْزمة (٨).
يا أهل خُراسانَ، هل تدرون مَن ولِيْكم ؟ وليسكم يزيدُ بنُ ثَرْوان. كأنى
بأمير مزجاء(٩)، وحتكتم قد جاءكم فَغلبكم على فيئكم وأظلالكم . إن ها هنا
ناراً ارْمُوها أرْم معكم، ارمُوا غرضكم الأقصى. قد استُخْلف عليكم
أبو نافع ذو الوَدّعات . إنّ الشأم أبٌّ مَبْرور، وإن العراقَ أبٌ مكفور .
حتى متى يتبطح(١٠) أهلُ الشأم بأفضِيَتَكم وظلالٍ دياركم !يا أهل خُراسانَ،
انسبُونى تجدونى عراقىّ الأمّ، عراقىّ الأب، عراقىّ المولد، عراقىّ الهوّى والرأى
والدين (١١)، وقد أصبحتم اليومَ فيما تتَرَون من الأمْن والعافية قد فَتَّح اللّه
لكم البلاد، وآمن سُبُلَكم، فالظّعينة تخرُج من مَرْوَ إلى بَلْخَ بغير جَوَاز،
(٢) البيان: ((وأما هذا الحى من تميم، فإنهم كانوا
(١) ب: ((الجور)).
(٣) أبر النحل: إصلاحه، وفى ب: ((تأبير)).
يسمون الغدر كيسان )».
(٤) القلوس: جمع قلس؛ وهو حبل ضخم من ليف أو خوص أو غيرهما من قلوس سفن
البحر. (٥) الحصن: جمع حصان. (٦) الشيح والقيصوم والقلقل، من منابت البادية.
(٧) ط: ((فزع)) تحريف: والقزع: كل شىء يكون قطعاً متفرقة؛ ومنه قطع السحاب.
(٨) الصليان: نبت من أفضل المرعى، يختلى للخيل التى لا تفارق الحى . والزمزمة ،
يعنى صوت الفرس إذا رآه ؛ وهو مثل يضرب للرجل يخدم لثروته . قال الميدانى ١ : ٢٠٦: ((ويروى:
((حول الصلبان الزمزمة))؛ جمع صليب، والزمزمة: صوت عابديها؛ يضرب لمن يحوم حول الشىء لا
(٩) مزجاء للمعلى، أى كثير الإزجاء لها ، زجاها وأزجاها : ساقها.
يظهر مرامه )) .
(١١) ب: ((الرأى والهوى)).
(١٠) س: ((يتنطح)).

سنة ٩٦
٥١١
١٢٨٩/٢
فاحمدوا اللهَ على النعمة، وسلوه الشكرَ والمزيدَ (١).
قال: ثمّ نزل فدخل منزله، فأتاه أهلُ بيته فقالوا : ما رأيْنا كاليوم
قطّ، والله ما اقتصرتَ على أهل العالية وهم شعارُك ودِثارُك، حتى تناولتَ
بكراً وهم أنصارُك ، ثمّ لم ترض بذلك حتى تناولتَ تميماً وهم إخوتُك، ثم لم
ترض بذلك حتى تناولْتَ الأزْد وهم يدك ! . فقال: لما تكلمتُ فلم يجبْتى
أحدٌ غضبت، فلم أدرِ ما قلتُ ؛ إنّ أهل العالية كابل الصَّدَقَة قد
جُمِعتْ من كل أوْب، وأمّا بَكْر فإنها أمَة لا تمنع يَد لامِس ، وأما
تميم فَجَمَل أجْرَب، وأما عبد القيس فما يضرب العير بذَنّبه، وأما الأزْد
فأعلاجٌ، شرارُ مَنْ خَلَقَ اللّه، لو ملكتُ أمرهم لوسمتهم.
قال: فغضب الناسُ وكَرِهوا خَلْعَ سليمان، وغضبست القبائلُ مِن
شَتْم قتيبة ، فأجمعوا على خلافه وخَلْعِه ، وكان أوّل من تكلم فى ذلك
الأزْد، فأتمَوا حُضَين بن المنذر فقالوا: إنّ هذا قد دعا إلى ما دعا إليه من
خَلْح الخليفة، وفيه فسادُ الدين والدنيا ، ثمّ لم يَرضَ بذلك حتى قصّر بنا
وشَتَمنا ، فما تَرَى يا أبا حفص ؟ وكان يُكتنى فى الحرب بأبى ساسان ،
ويقال : كُنْيَتَه أبو محمد - فقال لهم: حُضين: مُضَرُ بخُراسان تعدل
هذه الثلاثة الأخماس؛ وتميم أكثر الخمسَيْن، وهم فُرسانُ خُراسان ، ولا
يرضَوْن أن يصيرَ الأمرُ فى غير مُضَرَ ، فإن أخرجْتموهم من الأمر أعانوا
قتيبة ؛ قالوا : إنه قد وتر بنى تميم بقتل ابن الأهتم ، قال : لا تنظروا إلى
هذا فإنهم يتعصَّبون للمُضَرّية ، فانصرفوا رادِّين لرأى حُضَين، فأرادوا أن
يولّوا عبدَ الله بن حَوْذان الجَهْضَمِىّ، فأبى، وتدافَعوها، فرجعوا إلى ٢ /١٢٩٠
حُضَين، فقالوا: قد تدافَعنا الرياسة، فنحن نولّيك أمرنا، وربيعةُ لا تخالفك،
قال : لا ناقةَ لى فى هذا ولا جمل؛ قالوا: ما تَرَى ؟ قال : إن جعلتمْ
هذه الرياسةَ فى تميم تمّ أمرُكُم، قالوا: فمَن تَرَى من تميم ؟ قال : ما أرَى
أحداً غيرَ وكيع ، فقال حيّان مولى بنى شيبان: إنّ أحداً لا يتقلد هذا
الأمْرَ فيَصْلَى بحَرّه، ويَبذل دمَه، ويتعرّض للقتل، فإنْ قَدِمِ أميرٌ
(١) أورد الجاحظ خطبة قتيبة فى ثلاث خطب متفرقة، فى البيان والتبيين ٢: ١٣٢ - ١٣٥.

٥١٢
سنة ٩٦
أخَذَه بما جَنتى وكان المهنأُ لغيره إلا هذا الأعرابيّ وكيع ؛ فإنه مقدام
لا يُبَالِى ما رَكب ، ولا يَنظر فى عاقبة ، وله عشيرة كثيرة تطيعه، وهو
مَوْتور يطلبُ قتيبةَ برياسته التى صرَفَها عنه وصيّرها لضرار بن
حُصَيْن بن زَيْدِ الفَوارس بن حُصَين بن ضِرار الضَّبِىّ. فمشَى الناس
بعضُهم إلى بعض سِرّاً، وقيل لقُتيبة : ليس يُفسد أمر الناس إلا حيّان،
فأراد أن يغتالته - وكان حيّانُ يلاطِفِ حَشَمَ الوُّلاة فلا يُخفُون عنه شيئًا -
قال: فدعا قتيبةُ رجلا فأمرَه بقَتْل حيّان، وسمعه بعضُ الخدم، فأتى حيّان
فأخبَرَه، فأرسل إليه يدعُوه، فحذِر وتمارَض، وأنى الناسُ وَكيعاً فسألوه
أن يقوم بأمرِهم؛ فقال: نعم، وتمثّل قولَ الأشْهَب بن رُمَيلة:
لمعتَمدُ إِلى نَضَدٍ رَكينٍ
سأَجنى ماجَنَيت وإِنَّ رُكْنِى
قال : وبخُراسانَ يومئذ من المقاتلة من أهل البَصْرة من أهل العالية
٢/ ١٢٩١ تسعة آلاف، وبكر سبعة آلاف، رئيسُهم الُضّين بن المنذر، وتميم
عشرة آلاف عليهم ضرار بنُ حُصَين الضّبِىّ، وعبد القيس أربعة آلاف
عليهم عبد الله بن عُدْوان عوذىّ (١)، والأزْد عشرة آلاف رأسُهم عبدُ اللّه
ابن حوذان ، ومن أهل الكوفة سبعة آلاف عليهم جِهْم بن زحْر -
أو عبيد اللّه بن علىّ - والموالى سبعة آلاف عليهم حيّان - وحيّان يقال إنه
من الدّيلم ، ويقال : إنه من خراسان ، وإنما قيل له نبطىّ للكنته -
فأرسل حيّان إلى وكيع: أرأيتَ إنْ كففتُ عنكَ وأعنْتُك تجعَل لى جانب
نهرٍ بَلْخ وخَرَاجَه ما دمتَ حيًّا، وما دمتُ واليًا؟ قال: نعم؛ فقال للعجيم:
هؤلاء يقاتلون على غير دين ، فدَعُوهم يقتِّل بعضُهم بعضًا ؛ قالوا : نعم،
فبايعوا وكيعا سرًّا، فأتى ضِرارُ بن حُصَين قُتيبة، فقال: إنّ الناس
يختلفون إلى وكيع ، وهم يُبايعونه - وكان وكيع يأتى منزلَ عبد الله بن مسلم
الفقير فيَشرَب عنده - فقال عبد الله: هذا يحسُد وكيعاً، وهذا الأمرُ
باطل ، هذا وكيع فى بيتى يَشرَب ويَسكَر ويَسلّح فى ثيابه ؛ وهذا
يَزْعم أنهم يبايعونه . قال : وجاء وكيع إلى قتيبةَ فقال: احذَرْ ضِراراً فإنى
(١) س: ((عودى)).

٥١٣
سنة ٩٦
لا آمَنُهُ عليك، فأنزل قتيبةُ ذلك منهما على التحاسد . وتمارَض وَكيع .
ثمّ إنّ قتيبة دسّ ضِرارَ بنَ سِنان الصَّبِىّ إلى وكيع فبايعَه سرًّا، فتبيّن لقُتيبة
أنّ الناس يبايعونه، فقال لضِرار: قد كنتَ صَدَقْتنى ، قال: إنى لم أخبْرك
إلا بعلم ، فأنزلتَ ذلك منى على الحسد، وقد قضيتُ الذى كان علىّ ، قال:
صدقتَ. وأرسَل قتيبةُ إلى وكيع يَدْعوه (١ فَوجَدَه رسولُ قُتيبة قد طَلَى
على رِجْلُه مَغْرة، وعلى ساقه١) خَرَزَاً وودّعًا ، وعنده رجلان من
زَهران يَرَقِيان رِجْلَه، فقال له: أجِب الأميرَ ، قال: قد تَرَى ما بِرِجلى،
فرجع الرسولُ إلى قتيبةَ فأعاده إليه ، قال : يقول لك : اثتنى محمولا على
سَرير ، قال : لا أستطيع . قال قتيبة لشريك بن الصّامت الباهلى أحد
بنى وائل - وكان على شرطته - ورجلٌ من غنىّ انطلِقًا إلى وَكِيع فأتِيانى به ،
فإنْ أبى فاضرِبا عنقَه، ووجَّه معهما خيلا، ويقال : كان على شُرَطه
بخُراسان وَرْقَاءُ بن نَصَرْ الباهلىّ.
١٢٩٢/٢
قال علىّ: قال أبو الذّيّال: قال ثُمَامة بن ناجذ العَدَوَى: أرسل قتيبةُ
إلى وكيع مَنْ يأتيه به ، فقلت: أنا آتيك به أصلحك الله! فقال : اثنى
به ، فأتيتُ وَكيعاً - وقد سَبَقَ إليه الخبر أنّ الخيل تأتيه - فلما رآنى قال:
يا ثُمَامة ، نادٍ فى الناس ؛ فناديتُ، فكان أوّل من أتاه هُرَيْم بن
أبى طَحْمَةَ فى ثمانية .
قال: وقال الحسن بن رَشيد الجُوزَجانىّ: أرسَل قتيبةُ إلى وكيع ،
فقال هُريم: أنا آتيك به ، قال: فانطلق. قال هُرَيم: فركبتُ بِرْذَونى
مخافةَ أن يردّنى ، فأتيتُ وكيعاً وقد خرج .
قال: وقال كُليب بن خَلَف : أرسل قتيبةُ إلى وكيع شُعبةَ بنَ ظهير
أحد بنى صَخْر بن نَهشَل ، فأتاه ، فقال : يا بنَ ظهير :
* لبّث قليلاً تلحق الكتائب "
ثمّ دعا بسكين فقطع خَرَزاً كان على رِجْليه، ثمّ لَبِس سلاحَه، وتمثل: ١٢٩٣/٢
يومٌ لِهَمْدَانَ ويومٌ للصَّدِفْ
شُدُّوا علىَّ سُرَّتِى لا تَنْقَلِف
(١ - ١) ب: ((فوجده قد طلى رجليه بمغرة وعلق على رأسه)). والمغرة: طين أحمر يصبغ به.

٥١٤
سنة ٩٦
وخرج وحده ، ونظر إليه نسوةٌ فقُلن: أبو مطرّف وحدّه ؛ فجاء
هُريم بن أبى طَحْمة فى ثمانية، فيهم عميرة البَريد بن رَبيعة العُجَيْفى.
قال حمزة بن إبراهيم وغيرُه: إن وكِيعًا خرج فتلقّاه رجلٌ، فقال: ممن
أنت ؟ قال : من بنى أَسَد؛ قال: ما اسمك ؟ قال : ضِرْغامة ؛ قال :
ابنُ مَن ؟ قال: ابن لَيْث ، قال : دونَك هذه الراية.
قال المفضَّل بن محمد الضّبىّ: وَدُفَع وكيع رايتَه إلى عُقبة بن شهاب
المازنىّ؛ قال: ثم رجع إلى حديثهم ، قالوا : فخرج وكيع وأمر غلمانه ،
فقال: اذهَبَوا بثقتلى إلى بنى العمّ، فقالوا: لا نتعرف موضعهم، قال :
انظروا رُمْحين مجموعين أحدُهما فوقَ الآخَر ، فوقتهما مخْلاة ، فهمْ
بنو العمّ . قال: وكان فى العسكر منهم خمسمائة؛ قال: فنادَى وَكيع
فى الناس ، فأقبلوا أرْسالا من كلّ وجه ، فأقبلَ فى الناس يقول:
قَرْمٌ إِذا حُمّلَ مَكْروهَةً شَدَّ الشَّراسِيفَ لها والحزيمُ(١)
وقال قومٌ : تمثّل وكيعٌ حينَ خرج :
أَرِينى سلاحى لن يَطيروا بِأَعْزَلِ
أَنخنَ بلُقَمان بنِ عادٍ فَجُسْنَهُ
٠١٢٩٤/٣
واجتمع إلى قتيبةَ أهلُ بيته ، وخواص من أصحابه وثقاته ، فيهم إياس
ابن بَيْهس بن عَمرو، ابن عمّ قتيبة دُنْيا، وعبد الله بن وألان العدوىّ،
وذاسٌ من رحْطِهِ، بنى وائل. وأتاه حيّان بن إياس العدوىّ فى عشرة، فيهم
عبدُ العزيز بن الحارث ، قال: وأتاه مَيْسرة الجدلىّ - وكان شجاعًا -
فقال : إن شئتَ أتيتُك برأسٍ وكيع ، فقال : قفْ مكانَك . وأمر قتيبةُ
رجلا ، فقال : نادٍ فى الناس ، أين بنو عامر ؟ فنادى: أين بنو عامر ؟ فقال
محفن بن بتَزْءُ الكلابىّ ... وقد كان جَفاهم: حَيْت وَضَعْتَهُم؛ قال: ناد
أُذكِّركم اللّهَ والرَّحِيمِ! فنادَى محفن: أنتَ قطعتَها ، قال: نادٍ لَكُمُ العُشْبِىِ،
فناداه محفن أو غيره : لا أقالَنا اللّهُ إذاً، فقال قتيبة :
إِذْ لم أَجد لفُضول القوم أَقْرِانَا
يا نَفْسُ صبراً على مَا كان من ألمٍ
(١) الشراسيف: أطراف أضلاع الصدر التى تشرف على البطن. والحزيم: موضع الحزام
من الصدر والظهر .

٥١٥
سنة ٦٪
ودعا بعمامة كانت أمّه بعثتْ بها إليه، فاعمّ بها ، كان يعتمّ بها فى
الشدائد، ودعا ببرذَوْن له مدرّب، كان يتطيّر إليه فى الزّحوف، فقرِّب
إليه ليركتبه، فجعل يتمص حتى أعياه، فلما رأى ذلك عاد إلى سَريره
فَقَعْدَ عليه وقال: "دَعُوه؛ فإنّ هذا أمرٌ يُراد. وجاء حيّان النَّبَطَىّ فى
العَجَمَ، فوقف وقُتيبة واجدٌ عليه، فوَقَف معه عبدُ الله بنُ مسلم، فقال
عبدُ الله الحيّان: احمل على هذين الطَّرَفين، قال: لم يأنِ لذلك، فَغَضِب
عبدُ الله، وقال: ناوِلْنَى قَوْسى، قال حيّان: ليس هذا يوم قوس، فأرسل
وكيع إلى حيّان: أين ما وعدتَى؟ فقال حيّانُ لابنه: إذا رأيتَنى قد حوّلتُ
قَلَتْسُوَنى، ومضيتُ نحوَ عسكرٍ وَكيع، فَمِلْ بمن معك فى العَجَ إلىّ.
فوَقَ ابنُ حيّان مع العَجَمَ، فلما حوّل حيّن قَتْسُوَتَه مالت الأعجام
إلى عسكرٍ وكيع، فكبّر (١) أصحابُه. وبعث قتيبةُ أخاه صالحاً إلى الناس
فرماه رجلٌ من بنى ضَبّة يقال له سليمان الزنجيرج - وهو الحُرْنُوب، ويقال:
بل رماه رجل من بَلْعَمّ فأصاب هامَتَه - فحمل إلى قتيبةَ ورأسُه مائل،
فوُضع فى مُصَلاّه، فتحوّل قتيبةُ فجلس عنده ساعة، ثمّ تحوّل إلى
سَريره .
١٢٩٥/٢
قال: وقال أبو السّرىّ الأزْدِىّ: رمى صالحاً رجلٌ من بنى ضَبّة فأثقَلَه،
وطعَّه زياد بنُ عبد الرحمن الأزدىّ، من بنى شريك بن مالك.
قال: وقال أبو مخنف : حمَل رجلٌ من غنىّ على الناس فرأى رجلا
محفّفاً فشبّهه بجهْم بن زُحَر بن قيس فطَعَنْه، وقال : . "
إِنَّ غنِيًّا أَهلُ عِزَّ وَمَصدَقِ إِذا حارَبوا والناسُ مُفْتَتِنُونَا
فإذا الذى طُعِن عِلْج. وتَهَايَج الناسُ. وأقبل عبدُ الرحمن بنُ مُسلم
نحوَهم، فرماه أهلُ السوق والغَوْغاء، فَقَتَوه، وأحرقَ الناسُ موضعاً
كانت فيه إبلّ لقتيبة ودوابته، وَدَنوا منه، فقاتَلَ عنه رجلٌ من باهلةَ من
بنى وائل، فقال له قتيبةُ: انْجُ بنَفْسك، فقال له: بئس ما جزيتُك إذاً،
(١) ب: ((فكثر)).

٥١٦
سنة ٩٦
وقد أطعمتنى الجَرَدَ ق(١) وألبسْتَنِى التُّرمق(٢)!
قال: فدعا قتيبةُ بدابّة، فأتِى بِبِرْذَوْن فلم يقرّ ليركبه، فقال: إنّ
له لشأناً؛ فلم يركبْه. وجلسَ وجاءَ الناسُ حتى بلغوا الفُسْطاط ، فخرج
١٢٩٦/٢ إياسُ بنُ بَيْهَس وعبدُ اللّه بن وألان حين بلغ الناس الفُسْطاط وتركا
قُتيبة. وخرج عبدُ العزيز بن الحارث يطلب ابنَه عَمْراً - أو مُمَر - فلقيه
الطائىّ فَحذِره، ووجد ابنَه فأردَفَه. قال: وفَطِن قتيبةُ للهَيْم بن المنخَّل
وكان ممن يعين عليه ، فقال :
أُعَلِّمُهُ الرِّمَايَةَ كلَّ يَومٍ فَلَمَّا اشتدّ ساعِدُهُ رَمانِى
قال: وقتل معه إخوتُهُ عبدُ الرحمن وعبدُ اللّه وصالح وحُصَين وعبد الكريم،
بنو مسلم، وقتيل ابنه كثير بنُ قُتيبة وناسٌ من أهل بيته ، ونجا أخوه
ضرار ، استنقَذَه أخواله، وأمته غرّاء بنت ضرار بن القعقاع بن معبد بن
زرارة. وقال قوم : قُتِل عبدُ الكريم بن مسلم بقَزْوِين . وقال أبو عبيدة :
قال أبو مالك: قَتَّلوا قتيبةَ سنة ست وتسعين، وقتيل من بنى مسلم أحد عشر
رجلاً، فصّلّبهم وكيع، سبعة منهم لصُلب مسلم وأربعةٌ من بنى أبنائهم: قتيبةُ،
وعبد الرحمن ، وعبد الله الفَقِير، وعبيد الله، وصالح، وبَشّار، ومحمّد
بَنُو مسلم . وكثير بن قتيبة، ومغلّس بن عبد الرّحمن، ولم يَنْجُ من صُلب
١٢٩٧/٢ مسلم غيرُ عمرو - وكان عامل الجوزجان - وضرار، وكانت أمه الغرّاء بنت
ضرار بن القَعْقاع بن معبد بن زرارة ، فجاء أخوالُه فدفَعوه حتى نحّه ،
ففى ذلك يقول الفرزدق :
عَشِيَّةَ ما وَدَّ ابنُ غَرَّةَ أَنَّهُ له من سِوَانا إِذ دعا أَبَوانِ (٢)
وضُرب إياس بن عمرو - ابن أخى مُسلِمٍ بن عمرو- على ترقُوَته فعاش.
قال : ولما غشىَ القومُ الفُسْطاط قطعوا أطنابته. قال زهير : فقال جَهْم
ابن زَحْر لسعد: انزِل، فحزّ رأسَه، وقد أثخن جراحًا ، فقال : أخاف
(١) الجردق: الرغيف، بالفارسية. والتّرمق: الليّن، وهو فارسى أيضاً. وفى ب: ((النمرق)).
(٢) ديواله ٨٧٢ .
:

٥١٧
سنة ٩٦
أن تَجُولَ الخيلُ، قال: تخاف وأنا إلى جَنْبك! فنزل سعد فشق
صَوْفَعَةَ(١) الفُسطاط؛ فاحتزّ رأسَه، فقال حُضَيْن بن المنذر:
بسيفَيهما رَأْسَ الهُمَامِ المُتَوْجِ
وإِنَّ ابن سعد وابن زَحْرٍ تَعَاوَرَا
بأَدْغَمَ مَرْقُوم الذراعين دَیزَجِ
عَشِيَّة جئنا بأبنٍ زَحْرِ وجِئْتُمُ
لطاخةُ نِقْسٍ فى أَدِيمٍ مُمَجَمَجٍ
أَصِّ غُدَائِىٌ كأَنَّ جبينَه
قال : فلما قتل مسلمةُ يزيدَ بن المهلب استعمِل على خُراسانَ سَعيدُبن
خُذَيْنَةَ بن عبد العزيز بن الحارث بن الحكم بن أبي العاص ، فحبس عمال
يزيدَ ، وحبَس فيهم جَهم بن زَحْرُ الجُعْفِىّ، وعلى عذابه رجلٌ من باهلةَ،
فقيل له : هذا قاتلُ قتيبةَ ، فقتَلَه فى العذاب ، فلامه سعيدٌ ، فقال :
أمرْتَّى أن أستخرج منه المالَ فعذبته فأتى علىّ أجَلُه.
قال: وسقطتْ على قتيبةَ يومَ قُتِل جاريةٌ له خُوار زميّة، فلما قُتل ١٢٩٨/٢
خرجتْ، فأخَذَها بعد ذلك يزيدُ بن المهلب ، فهى أمّ خُلَيدة .
قال علىّ: قال حمزة بن إبراهيم وأبو اليَقَظان: لما قُتِل قتيبةُ صَعِد
◌ُمارة بن جنية الرياحىّ المنبرَ فتكلم فأكثر، فقال له وكيع: دعنا من قَذَرك
وهَذَرَك، ثمّ تكلّم وكيع فقال: مثلى ومشَلُ قُتيبةَ كما قال الأوّل:
· من يَنِكِ العَيْرَ يَنِكْ نِيَّاكا »
أراد قتيبةُ أن يقتلنى وأنا قَتّال .
قد جَرَّبونى ثمّ جِرّبونى من غلوتَيْن ومِن المِئِينِ
خلَّوا عِنَانى وتنَكَّبُونِى
حتَّى إِذا شِبتُ وشَيِّبونى
أنا أبو مطرّف .
قال : وأخبرنا أبو معاوية ، عن طلحة بن إياس، قال: قال وكيع
يوم قتيل قُقَيبة :
(١) صوقعة الفسطاط، أى أعلاه.

٥١٨
سنة ٩٦
الصالحات وعَمّى قَيْسُ عَيلانا
أَنا ابن خِنْدِفَ تَنْمِينِى قَبَائِلُهَا
ثم أخذ بلحيته ثمّ قال :
شيخٌ إِذا حُمّلِ مَكْرُوهَةٌ شَدَّ الشراسِيفَ لها والحَزِيمْ
والله لأقتلَنّ، ثم لأقتلنّ، ولأصلبنّ، ثم لأصلبنّ؛ إنى والغٌّ دمَّاً، إن
مَرْزُبانكم هذا ابنُ الزانية قد أغلى عليكم أسعاركم، واللّه ليصيِّرنّ القفيز
فى السوق غداً بأربعة أو لأصلّبنه ، صلّوا على نبيكم . ثمّ نزل.
قال علىّ: وأخبَرَنا المفضَّل بن محمَّد وشيخٌ من بني تميم، ومسلمة بن
محارب، قالوا: طلب وكيع رأسَ قُقيبة وخاتمَه، فقبل له: إنّ الأزْد أخذته،
فخرج وكيع وهو يقول: "دُهْ دُرِّينِ، سَعَدُ القَيْنِ:
١٢٩٩/٢
أُمْ يومَ قُدِرْ
أَيومَ لم يُقْدَر
فى أَىِّ يومَىَّ مِنَ المَوتِ أَفِرْ
فى أَىِّ يومٍ لم أَرِعْ ولم أُرَغْ
لا خيرَ فى أَحْزَمِ جُيّادِ القَرَعْ
والله الذى لا إله غيرُهُ لا أبرح حتى أوتَى بالرأس، أو يُذْهَب برأسى
مع رأس قتيبة. وجاء بخَشَب فقال: إنّ هذه الخيل لا بدّ لها من فُرْسان -
يتهدَّدُ بالصَّلْب - فقال له حُضَين: يا أبا طرّف، تؤتى به فاسكن. وأنى
حضينٌ الأزدَ فقال: أحمْقَى أنتم! بايَعْناه وأعطَيْنَاه المقادة ، وعرض
نفسَه، ثم تأخذون الرأسَ! أخرجوه لعنه الله من رأس! فجاءوا بالرأس
فقالوا : يا أبا مطرّف، إن هذا هو احتزّه، فاشكمْه ؛ قال : نعم ، فأعطاه
ثلاثةَ آلاف، وبعث بالرّأس مع سليط بنِ عبد الكريم الخشفى ورجال
من القبائل وعليهم سليط ، ولم يَبعث من بني تميم أحداً .
قال : قال أبو الذّيال: كان فيمن ذهب بالرأس أنيف بن حسان أحد
بنى عدىّ .
قال أبو مخنف: وَفَى وكيع لحيَّان النَّبطىّ بما كان أعطاه. قال:
قال خُريم بن أبى يحيى ، عن أشياخ من قيس ، قالوا : قال سليمان الهذيل
٠١٣٠٠/٢

٥١٩
سنة ٩٦
ابن زُفَر حين وُضع رأسُ قتيبة ورءوسُ أهل بيته بين يديه : هل ساءك هذا
يا هُذيل؟ قال: لو ساءَ نى ساء قومًا كثيراً؛ فكلّمه خُرَيم بن عمرو والقَعْقاع
ابن خُليد، فقال: الذَن فى دفْن رءوسهم، قال: ضم، وما أردت هذا كله.
قال علىّ: قال أبو عبد اللّه السلمىّ، عن يزيدَ بن سُوَيَد، قال:
قال رجلٌ من عَجَمَ أهلٍ خُراسان: يا معشر العَرَب. قَتَلَم قتيبةَ ،
والله لو كان قتيبةُ منا فماتَ فينا جَعَلْناه فى تابوت فكُنّا نستفتح به إذا
غَّزَوْنا، وما صنع أحد قطٌ بخُراسانَ ما صنع قتيبة، إلا أنه قد غَدَر،
وذلك أنّ الحجاج كتب إليه أن اختلهم واقتلُهم فى اللّه .
قال: وقال الحسن بنُ رشيد: قال الإِصْبهبَة لرَجُل: يا معشر العَرَب،
قَتَلَّم قتيبة ويزيدَ وهما سيّدَاً العرب! قال: فأيّهما كان أعظم عندكم
وأُهيَب ؟ قال: لو كان قتيبة بالمغرب بأقصى جُحْرٍ به فى الأرض مكبَّلا
بالحديد ، ويزيد معنا فى بلادنا وإل علينا لكان قتيبةُ أهيب فى صدورنا
R
وأعظم من یزید .
قال على: قال المفضّل بنُ مُحمد الضِّىّ جاء رجل إلى قتيبةَ يومَ قُتِل وهو
جالس ، فقال: اليوم يُقتَل ملك العَرَب - وكان فتيبةُ عندهم متلك"
العرب - فقال له : اجلس .
قال: وقال كُلَب بن خَلَف: حدثنى رجل ممن كان مع وكيع حين
قُتل قتيبة، قال: أمر وكيعُ رجُلًا فنادَى: لا يُسلَبَنَّ قتيل، فَمَرّ ابنُ
عبيد الهجرى على أبى الحجر الباهلى فسكتبه، فبلغ وكيعاً فضرب عنقه.
١٣٠١/٢
قال أبو عبيدة: قال عبد الله بن عمر، من تيّم اللات: رَكِب وكيع
ذاتَ يوم، فأتَوْه بسكرانَ، فأمر به فقُتل، فقيل له: ليس عليه القَتْل،
إنما عليه الحدّ، قال: لا أعاقيب بالسياط، ولكنّى أعاقِب بالسيف، فقال
نهار بن توسعة :
فهذا الغُدَانِىُّ شَرُّ وَشَرُّ
وكنا نُبَكِّى منَ البَاهِلِىّ

٥٢٠
سنة ٩٦
وقال أيضًا :
ولما رأينا البَاهِلِىَّ ابنَ مسلمٍ
وقال الفرزْدَق يتذكُر وقعةَ وكيع :
تجَبرَ عمَّمْنَاه عَضْباً مُهَنَّدا
عشّيةَ باب القَصر مِن فَرَغانٍ)
ومنَّا الذى سلّ السيوفَ وشَامَهَا
بعِزْ عِراقِىٌ ولا بِيمَانٍ
عشيّةً لم تمنَع بَنيهَا قَبِيلةٌ
له من سِوَانا إذ دعا أُبوانٍ
ولا غطَفَانٌ عورَةً آبنِ دُخانِ
عبِيدٌ إِذِ الجمعان يَضطَرِبانِ
رُؤُوسُ كَبِيرَيْهِنَّ يَنْتَطِحَانِ
على الدينِ حتَّى شَاعَ كلَّ مكانٍ
مُنادٍ ينادِى فوقَها بِأَذَانِ
وبَنانِ
إليها بسيفٍ صارمٍ
وباليَرمُوكُ فىءَ جَنَان
ببدر
عشيّةَ ما وَدَّ ابنُ غَرَّاءَ أَنه
عشّية لم تَسترْ هَوازِنُ عامٍ
عشيَّةَ وَدَّ الناسُ أَنهمُ لنا
رأوا جَبلا يَعلُو الجِبالَ إِذا التقَتْ
١٣٠٢/٢ رجالٌ على الإسلامِ إِذْ مَا تَجَالدُوا
وحتى دعا فى سُورٍ كلّ مَدِينةٍ
سيجزى وكيعاً بالجماعة إِذْ دعا
جزاء بأعمالِ الرجالِ كما جَرى
وقال الفرزدق فى ذلك أيضًا :
لآلِ تميم أُقعدت كلِّ قائِم(٢)
أَتانى ورَحْلى بالمدينةِ وقعةٌ
وقال علىّ: أخبَرَنَا خُرَّيم بن أبى يحيى، عن بعض عمومته قال : أخبرنى
شيوخ من غسان قالوا: إنا لَبِئنيَّة العُقاب إذ نحن برجل يشبه الفُوج(٣) معه
عصًا وجِراب ، قلنا : من أين أقبلتَ ؟ قال: مِن خُراسان ؛ قلنا : فهل
كان بها من خبَرَ ؟ قال : نعم، قُتل قتيبةُ بن مسلم أمْس ، فتعجَّبْنا
لقوله ، فلما رأى إنكارنا ذلك قال: أين ترونسنى الليلةَ من إفريقية؟ ومضى
واتبعناه على خيولنا ، فإذا شىء يَسيِقِ الطَّرْف. وقال الطرِمتاح :
والأَزْدِ زُعزِعَ واستبيح العسكرُ
لولا فوارسُ مَذْحِجَ ابنةَ مذحجٍ
(١) ديوانه ٨٧٢ .
(٣) الفيوج: جمع فيج وهو رسول السلطان .
(٢) ديوانه ٨٥٣.