Indexed OCR Text

Pages 361-380

٣٦١
سنة ٨٣
أقبَل، فقالوا : قد جاء لا جاء اللّه به! فدعا إلى المبارزة، فقال الحجاج
للجرّاح: اخُرج إليه، فخرج إليه، فقال له عبدُ اللّه بنُ رِزام- وكان له
صديقًا: وَيَبْحَك يا جرّاح! ما أخرجك إلىّ! قال: قد ابتُليتُ بك،
قال : فهل لك فى خير ؟ قال : ما هو ؟ قال : أنهزم لك فترجع إلى الحجاج
وقد أحسنتَ عندَه وحَمِدَك ، وأما أنا فإنى أحتمل مقالة الناس فى انهزامى
عنك حُبًّا لسلامتك ، فإنى لا أحبّ أن أقتلَ مِن قومى مِثلك ؛ قال : فافعل،
فحَمَلَ عليه فأخذ يَستَطرد له - وكان الحارثىّ قد قطعتْ لهَاتُهُ، وكان
يَعْطَش كثيراً، وكان معه سرمٌ له معه إدارةٌ من ماء، فكلَّما عَطِش
سقاهُ الغلام- فاطَّرد له الحارثىّ، وحَمَل عليه الجرّاح حملةٌ بجدُّ لا يريد إلّا
قتله ، فصاح به غُلامُه: إنّ الرجل جادّ فى قتلك! فعَطَف عليه فضربه
بالعمود على رأسه فصَرَعه ، فقال لغلامه : انضَحْ على وجهه من ماءِ الإداوة ،
واسقِه؛ ففعلَ ذلك به، فقال: يا جرّاح، بثْسَا ما جزَيْتنى، أردتُ بك العافية
وأردتَ أن تُزيرنى المنيّة! فقال: لم أرِدْ ذلك ، فقال: انطَلِقْ فقد تركتُك
للقرابة والعشيرة .
قال محمّد بن عمر الواقدىّ: حدثنى ابن أبى سَبْرة، عن صالح بن ١٠٩٢/٢
كَيْسان، قال: قال سعيد الخرشىّ: أنا فى صفّ القتال يومئذ إذ خرج
رجلٌ من أهل العراق، يقال له : قدامة بن الخريش التميمىّ ، فوقف بين
الصّفين ، فقال : يا معشر جرامقة أهلِ الشأم، إنا ندعوكم إلى كتاب الله
وسنّة رسوله، فإن أبيتم فليخرج إلىّ رجلٌ، فخرج إليه رجلٌ من أهل الشأم
فقّله، حتى قتل أربعة، فلما رأى ذلك الحجاج أمر مناديًا فنادى: لا يتخرج
إلى هذا الكتَلْب أحد ، قال : فكفّ الناس. قال سعيد الخرشىّ: فدنوتُ
من الحجاج فقلت: أصلحَ اللّه الأمير! إنك رأيتَ ألّا يَخرُج إلى هذا
الكلب أحد ، وإنما هلك من هلك مِن هؤلاء النفر بآجالهم ، ولهذا الرجل
أجَلٌ، وأرجو أن يكون قد حضر، فأذن لأصحابى الذين قدموا معى
فليخرج إليه رجل منهم، فقال الحجّاج: إن هذا الكلب لم يزل هذا (١) له عادة
(١) بعدها فى ب، ف: ((الدعاء)).

٣٦٢
سنة ٨٣
١٠٩٣/٢ سيفك، فأعطاه إياه، فقال الحجاج : معى سيفٌ أثقَل من هذا ، فأمر
وقد أرعب الناس ، وقد أذنت لأصحابك ، فمن أحبّ أن يقوم فليقم .
فرجع سعيد الخرشىّ إلى أصحابه فأعلمهم، فلما نادى ذلك الرجل بالبراز بعَرّز
إليه رجل من أصحاب الخرشىّ، فقتله قدامةُ، فشقّ ذلك على سعيد، وثتَقُل
عليه لكلامه الحجاج، ثم نادى قدامة : مَن يُبارِز؟ فدنا سعيد من الحجاج،
فقال : أصلَحَ اللّه الأمير! ائذن لى فى الخروج إلى هذا الكَلْب، فقال:
وعندَك ذلك ؟ قال سعيد: نعم، أنا كما تحبّ(١)؛ فقال الحجاج : أرِنِى
له بالسيف (٢)، فأعطاه إياه، فقال الحجّاج- ونظر إلى سعيد فقال: ما أجودَ
درعتَك وأقوى فرسك ! ولا أدرى كيف تكون مع هذا الكلب ! قال سعيد :
أرجو أن يُطفِر نى الله به ؛ قال الحجاج: اخرج على بركة الله . قال سعيد :.
فخرجتُ إليه ، فلما دنوتُ منه، قال: قفْ يا عدوَّ اللّه، فوقفتُ، فسرّتى
ذلك منه ، فقال : اختر إما أن ◌ُتُمكِنى فأضربَك ثلاثًا، وإما أن أمكنك
فتضرَبنى ثلاثاً ، ثمّ تُمكِنِى. قلت: أمكِنِّى، فوَضَعَ صدرَه على قَرَبوسه
ثمّ قال: اضربْ، فجمعتُ يدىّ على سَيْتِى، ثمّ ضربتُ على المِغفَر
متمكِّنًا ، فلم يصنع شيئًا، فساءنى ذلك من سيفى ومِن ضَرْبَى، ثمّ أجمع
رأبى أن أضربه على أصل العاتق، فإما أن أقطع وإما أن أوهن يدَه عن ضربتِهِ،
فضربتُه فلم أصنع شيئًا؛ فساءنى ذلك ومن غاب عنى ممّن هو فى ناحية العسكر
حين بلغه ما فعلت ، والثالثةَ كذلك. ثمّ اخترط سيفًا ثم قال: أمكِى،
فأمكّنْته، فضربنى ضربةً صَرَعنى منها ، ثم نزل عن فرسه وجلس على
صَدْرِى، وانتَزَع من خُفّيْه خِنْجراً أو سكينًا فوضعها على حلْقى يريد
ذَبْحى، فقلتُ له : أنشُدُك الله! فإنك لست مصيبًا من قتلى الشرف
والذكر مثلَ ما أنت مصيب من تَرْكى ، قال : ومن أنتَ ؟ قلت : سعيد
الخرشىّ، قال: أوْلى يا عدوَّ اللّه! فانْطِلْق فأعلِم صاحبك(٣) ما لقيت.
١٠٩٤/٢ قال سعيد : فانطلقتُ أسعى حتى انتهيتُ إلى الحجاج ، فقال : كيف
(١) ب، ف: ((كما يحب الأمير)).
(٣) ب، ف: ((أصحابك)).
(٢) ب، ف: ((بسيف).

٣٦٣
سنة ٨٣
رأيتَ! فقلتُ: الأميرُ كان أعلَمَ بالأمر (١).
رجع الحديث إلى حديث أبى مخنّف ، عن أبى يزيد(٢)، قال: وكان
أبو البَخْرىّ الطائىّ وسعيد بن جُبَيْر يقولان: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسِ أَنْ تَمُوتَ
إِلَّ بِإِذْنِ اللهِ كِتَاباً مُؤَّجَّلاً ... ﴾(٣) إلى آخر الآية، ثم يحملان حتى يُواقِعا الصّفّ.
قال أبو المُخارِق: قاتلْناهم مائةَ يوم سَوَاء أعدّها عدًّا. قال: نَزَلْنا
ديرَ الجماجم مع ابن محمد غداةَ الثلاثاء لليلة مضتْ من شهر ربيع الأوّل
سنة ثلاث وثمانين ، وهُزمنا يوم الأربعاء لأربع عشرة مضتْ من جُمادى
الآخرة عند امتداد الضّحى ومُنُوع النهار ، وما كنا قطّ أجرأ عليهم ولا هم
أهوَن علينا منهم فى ذلك اليوم .
قال: خرجْنا إليهم وخرجوا إلينا يومَ الأربعاء، لأربع عشرة مضتْ من
جمادى الآخرة، فقاتلْناهم عامّة النهار أحسنَ قتال قاتلناهُمُوه قَطْ ،
ونحن آمنون من الهزيمة ، عالُون للقوم، إذ خرج سُفيان بنُ الأبرد الكلبىّ
فى الخيل من قِبَل ميمنة أصحابه ، حتى دنا من الأبرد بن قُرّة التميمىّ ، وهو
على مسَيْسرة عبد الرحمن بن محمد ، فوالله ما قاتَلَه كبير قتال حتى انهزم ،
فأنكرها الناسُ منه ، وكان شجاعًا ، ولم يكن الفِرار له بعادة ، فظنّ
الناسُ أنه قد كان أومِن ، وصُولح على أن يَنهزم بالناس، فلما فعلها ١٠٩٥/٢
تقوَّضَت الصفوفُ من نحوه ، وركِب الناس وجوههم (٤) وأخذوا فى كلّ
وجه ، وصَعِد عبد الرحمن بن محمد المنبر ، فأخذ(٥) يُنادى الناس :
عبادَالله، إلىّ أنا ابنُ محمد؛ فأتاه عبدُ الله بن رزام الحارثىّ، فوقف تحت
منبره ، وجاء عبدُ اللّه بن ذوّاب السُّلَمىّ فى خيل له (٦)، فوقف منه قريبًا،
وثبت حتى دنا منه أهلُ الشأم ، فأخذتْ نَبَلُهم تحوزُه ، فقال : يا بن
رِزام ، احمل على هذه الرجال والخيل ، فحمل عليهم حتى أمعنوا. ثمّ جاءت
(١) بعدها فى ب، ف: ((منى)).
(٣) سورة آل عمران: ١٤٥ .
(٥) ب، ف: ((وأخذ)).
(٢) أول الحديث ص ٠٣٥٨
(٤) ب، ف: ((رءوسهم).
(٦) ب، ف: ((لهم خيل)).
:

٣٦٤
سنة ٨٣
خيل لهم أخرى وَرَجّالة، فقال: احمل عليهم يا بن ذواب، فحمَل عليهم
حتى أمعّوا، وثبت لا يبرّح مِنِبرَه، ودخل أهل الشأم العسكر، فكبَروا(١)،
فصَعِد إليه عبدُالله بن يزيد بن المغفَّل الأزدىّ- وكانت مُلسَيكة ابنة أخيه امرأة
عبد الرحمن - فقال : انزل ، فإنى أخافُ عليك إن لم تنزل أن تؤسَر، ولعلك
إن انصرفْتَ أن تجمع لهم جَمْعاً يُهلكهُم الله به بعد اليوم. فنزل وخَلَّى أهل
العراق العسكر ، وانهزّموا لا يلوُون على شىء ، ومضى عبدُالرحمن بنُ محمد
مع ابن جعدة بن هُبيرة ومعه أناس من أهل بيته؛ حتى إذا حاذَ وا قريةَ بنى جَعْدة
بالفلّوجة دعوا بمعبَر ، فعَبروا فيه ، فانتهى إليهم بِسطام بنُ مَصقلة ،
فقال : هل فى السفينة عبدُ الرحمن بن محمد ؟ فلم يكلموه ، وظنّ أنه
فيهم ، فقال :
* لا وأَلَتْ نفس عليها تُحاذِرُ "
ضَرَّمَ قَيْسُ علىَّ البِلاَ دَ حتى إِذا اضْطَرَمت أَجْذَمَا(١)
١٠٩٦/٢
ثم جاء حتى انتهى إلى بيته وعليه السلاح ، وهو على فرسه لم يتَنزِل عنه ،
فخرجتْ إليه ابنتُه فالتزمها ، وخرج إليه أهلُه يبكون ، فأوصاهم بوصّية وقال :
لا تَبَكُوا ، أرأيتم إن لم أترككم، كم عسَيتُ أن أبقى معكم حتى أموت! وإن
أنا متّ فإن الذى رَزَقكم الآن حىٌّ لا يموت، وسيسَرْ زقكم بعدَ وَفاتى كما
رَزَقَكم فى حياتى ؛ ثمّ ودّع أهلَه وخرج من الكُوفة.
قال أبو مخنف: فحدثنى الكلبىّ محمد بن السائب، أنهم لما هُزِموا
ارتفاعَ النهار حين امتدّ ومستَّعَ، قال: جئتُ أشتدّ ومعى الرمح والسيف والتّرس
حتى بلغتُ أهلى من يومى، ما ألقيتُ شيئًا من سلاحى ، فقال الحجاج :
اتركوهم فليتبدّدوا ولا تتبعوهم، ونادى المنادى: مَن رجع فهو آمن. ورجع
محمد بنُ مروانَ إلى الموصل ، وعبد الله بن عبد الملك إلى الشأم بعد الوقعة ،
وخلّيا الحجّاج والعراق، وجاء الحجّاج حتى دخل الكوفة، وأجلس متصقتلة
ابن كرب بن رَقَبَة العبدّى إلى جَنْه، وكان خطيبًا، فقال: اشتم كلَّ
(١) س: ((فكثروا)). (٢) من أبيات للربيع بن زياد، ديوان الحماسة بشرح التبريزى ٢: ٦١.

٣٦٥
سنة ٨٣
امرئ بمافيه ممّن كُنّا أحسنا إليه، فاشتمه بقلّة شكره، ولؤم عهده؛ ومن علمتَ
منه عيبًا فعبْه بما فيه، وصغّرْ إليه نفسَه. وكان لا يبايعه أحدٌ إلّا قال له :
أتشهد أنك قد كفرتَ ؟ فإذا قال: نعم، بايَعَه وإلّا قَتَّله، فجاء إليه رجل ٢ / ١٠٩٧
من خَشْعَمَ قد كان مُعتزِلاً للناس جميعًا من وراء الفُرات ، فسأله عن حاله
فقال : ما زلتُ معتَزلا وراءَ هذه النّطفة، منتظِرًا أمر الناس حتى ظهرتَ،
فأتيتُك لأبايعك مع الناس؛ قال: أمتربِّص! أنتَشْهَد أنك كافر ؟ قال :
بئسَ الرّجل أنا إن كنتُ عبدتُ اللّه ثمانين سنةً ثمّ أشهد على نفسى بالكفر؛
قال: إذاً أقتُلَكَ؛ قال: وإن قتلتَى فوالله ما بقى من مُمْرى إلاّ ظِمِءُ
حِمار، وإنى لأنتظر الموتَ صباحَ مساءً ، قال : اضربوا عنقه ، فضُربَتْ
عنقه، فَزَعَموا أنه لم يبق حولَه قرشىّ ولا شأمىّ ولا أحد من الحزْبَيْن إلاّ رحمه
ورَثى له من القَتْل .
ودَعنَا بكُميل بن زياد النَّخَعَىّ فقال له: أنت المقتصّ من عثمانَ
أمير المؤمنين ؟ قد كنت أحبّ أن أجدَ عليك سبيلا ، فقال : والله
ما أدرى على أيّنا أنتَ أشدّ غضبًا؟ عليه حين أقادَ من نفسه، أم علىّ حين
عفوتُ عنه ؟ ثمّ قال: أيّها الرجل من ثقيف، لا تَصرِف علىَّ أنيابتَك،
ولا تهدَّمْ علىَّ تهدُّم الكَثِيب، ولا تكشِرْ كَشَرَانَ الذئب، واللّه ما بقى
من عمرى إلّا ظِمْءُ الحمار، فإنه يشرب غُدوةً ويموت عشيّة، ويشرب عشيّة
ويموت غُدْوة، اقضِ ما أنتَ قاض، فإنّ الموعد اللّهُ، وبعد القتل
الحساب. قال الحجاج: فإنّ الحجة عليك، قال: ذلك إن كان القضاء
إليك ، قال: بلى ، كنتَ فيمن قتلَ عثمانَ، وخلعتَ أميرَ المؤمنين، اقتلوه. ٢ / ١٠٩٨
فَقُدُّم فقُتل، قَتَلَه أبو الجَهْم بن كنانة الكلبىّ من بنى عامر بن عوف،
ابن عمّ منصور بن جمهور .
وأتِىَ بآخرَ من بعده ، فقال الحجّاج : إنى أرى رجلاً ما أظنه يشهد
على نفسه بالكُفر ، فقال : أَخادعى عن نفسى ! أنا أكفَر أهلِ الأرض ،
وأكفَر من فرعون ذِى الأوتادِ ، فضحك الحجاج وخلّى سبيله .
وأقام بالكوفة شهراً ، وعَزَل أهلَ الشأم عن بيوت أهل الكوفة .

٣٦٦
سنة ٨٣
[هزيمة ابن الأَشعث وأصحابه فى وقعَة مسكن ]
وفى هذه السنة كانت الوقعة بمَسْكن بين الحجّاج وابن الأشعث بعدما
انهزم من دير الجماجم .
ذكر الخبر عن سبب هذه الوقعة وعن صفتها :
قال هشام: حدّثنى أبو مخنّف ، عن أبى يزيدَ السَّكْسكىّ، قال :
خرج محمّد بن سعد بن أبى وَقَّاص بعد وَقْعة الجماجم حتى نزل المدائن،
واجتمع إليه ناسٌ كثير، وخرج عُبيد الله بنُ عبد الرَّحمن بن سمرة بن
حبيب بن عبد شمس القُرَشىّ حتى أتى البصرة وبها أيّوب بن الحكم بن
أبى عتَقِيل، ابن عمّ الحجاج، فأخذها، وخرج عبد الرّحمن بن محمد حتى قدم
البَصرة وهو بها ، فاجْتَمَعَ الناسُ إلى عبد الرحمن ونزل ، فأقبل عُبيد الله
حينئذ إلى ابن محمد بن الأشعث ، وقال له : إنى لم أرِدِ فِراقَك ، وإنما
أخذتها لك. وخرج الحجاج فبدأ بالمدائن، فأقام عليها خمسًا حتى هيأ الرجال
فى المعابر ، فلما بلغ محمد بن سعد عبورُهم إليهم خرجوا حتى لحقوا بابن
الأشعث جميعًا. وأقبَل نحوهم الحجاج ، فخرج الناسُ معه إلى مسكن
على ◌ُجَيَل، وأتاه أهلُ الكوفة والفُؤول من الأطراف، وتتَلاَوم الناسُ على
الفرار، وبايع أكثرهم بسطام بن مَصقتلة على الموت ، وخَّدَقَ عبدُ الرحمن
على أصحابه ، وبشّق الماء من جانب ، فجعل القتال من وجه واحد ، وقدم
عليه خالد بن جرير بن عبد الله القَسْرىّ من خُراسان فى ناس من بَعْث
الكوفة ، فاقتََّلوا خمسَ عشرةَ ليلةً(١) من شعبان أشدَّ القتال حتى قُتِل
زيادُ بن غُنيمِ القَينِىّ، وكان على مَسَالِح الحجّاج، فهدّه ذلك وأصحابه (٢)
هدًّا شديداً .
قال أبو مخنَف: حدّثنى أبو جَهْضَمَ الأزْدىّ، قال: بات الحجّاج
ليله كلَّه يسير فينا يقول لنا: إنكم أهل الطاعة، وهم أهل المعصية ، وأنتم
تَسعَوْن فى رضوان الله، وهم يَسعَون فى سُخْط اللّه، وعادة اللّه عندكم فيهم
(١) ب: ((خمسة عشر يوماً)).
(٢) ب: ((وهد أصحابه)).
١٠٩٩/٢

٣٦٧
سنة ٨٣
حَسَنَة؛ ما صدقتمُوهم فى موطِن قطّ ولا صبرتُ لهم إلّ أعقَبكم الله النصر
عليهم والظفَر بهم ؛ فأصبحوا إليهم عادِين جادِّين ، فإنى لست أشك
فى النصر إن شاء الله .
قال: فأصبَحْنا (١)، وقد عبّأنا فى السَّحَر، فبا كرناهم (٢) فقاتَلْناهم ٢ /١١٠٠
أشدَّ قتال قاتلناهُمُوه قطّ ، وقد جاءنا عبد الملك بن المهلب مجفّفً، وقد
كُشفتْ خيل سُفيان بن الأبرد ، فقال له الحجاج : ضّ إليك يا عبد الملك
هذا النّشَر (٣) لعلى أحميل عليهم، ففعلَل، وحمل الناسُ من كلّ جانب ،
فانهزم أهلُ العراق أيضًا، وقتل أبو البَخْترىّ الطائىّ وعبد الرحمن بن
أبى ليلى، وقالا قبل أن يُقْتَلا: إنّ الفرار كلّ ساعة بنا لتقبيح. فأصيبا.
قال : ومشى بسطام بن مصقلة الشيبانىّ فى أربعة آلاف من أهل
الحفاظ من أهل المصرَيْن، فكَسَروا جفونَ السيوف، وقال لهم ابن مَصقلة:
لو كنا إذا فررنا بأنفسنا من الموت نجوْنا منه فرَرنا ، ولكنا (٤) قد علمنا أنه
نازل بنا عما قليل، فأين المَحيد عما لا بدّ منه! ياقوم إنكم محقون، فقاتلواعلى
الحقّ، واللهِ لو لم تكونوا على الحقّ لكان موتٌ فى عزّ خيراً من حياة فى ذلّ.
فقاتَلَ هو وأصحابُه قتالا شديداً كَشَقوا فيه أهلَ الشأم مراراً ، حتى قال
الحجّاج: علىّ بالرماة لا يقاتلهم غيرُهم، فلما جاءتْهم الرّماة وأحاطَ بهم
الناس من كلّ جانب قُتلوا إلّ قليلاً، وأخِذ بكير بن ربيعة بن شَرْوان(٥)
الضّبِىّ أسيراً ، فأتِىَ به الحجاج فقتله .
قال أبو يخنَف : فحدّثنى أبو الجَهْضَ، قال : جئت بأسير كان
الحجاج يعرفه بالبأس ، فقال الحجاج: يا أهل الشام، إنه من صُنْع اللّه ١١٠١/٢
لكم أنّ هذا غلام من الغِلْمان جاء بفارس أهل العراق أسيراً ، اضرب
عنقه ، فقتله .
قال : ومضى ابن الأشعث والفَلّ من المنهزمين معه نحو سجِسْتانَ
فأتْبَعهم الحجّاج عمارة بن تميم اللخمىّ ومعه ابنه محمد بن الحجاج وعمارة أميرٌ
(١) بعدها فى ب: ((إليهم)).
(٢) ب: ((وباكرناهم)).
(٣) النشر: القوم المتفرقون لا يجمعهم رئيس. وفى ب: ((البشر)).
(٤) ب: ((لكنا)).
(٥) ط: ((أبى ثروان))، والصواب ما أثبته.

٣٦٨
سنة ٨٣
على القوم؛ فسار عمارة بن تميم إلى عبد الرّحمن فأدركه بالسوس، فقاتَلَه ساعة"
من نهار ، ثمّ إنه انهزَم هو وأصحابه فمضوا حتى أتوا سابور، واجتمعت
إلى عبد الرحمن بن محمد الأكرادُ مع من كان معه من الفُلول ، فقَاتَهم
عمارة بن تميم قتالا شديداً على العقبة حتى جُرِح عمارة وكثيرٌ من أصحابه ،
ثمّ انهزم عمارة وأصحابه وخلَّوْا لهم عن العقبة، ومضى عبدُالرحمن حتى مرّ
بكرمان.
قال الواقدىّ : كانت وقعة الزاوية بالبصرة فى المحرّم سنة ثلاث وثمانين .
قال أبو مخنف : حدثنى سيف بن بِشْر العِجْلىّ، عن المنخّل بن
حابس العبدىّ، قال: لما دخل عبد الرحمن بن محمد كَرْمان تلقاه عمرو بن.
لقيط العبدىّ - وكان عامله عليها - فهيأ له نُزُلا فَنزّل ، فقال له شيخ
من عبد القيس يقال له مَعقيل: والله لقد بلغنا عنك يابن الأشعث أن قد
كنت جبانًا، فقال عبدُ الرحمن: والله ما جَبُنْتُ، والله لقد دلَفْتُ الرّجال
بالرّجال، ولففتُ الخيلَ بالخيل، ولقد قاتلتُ فارساً، وقاتلت راجلاً، وما
١١٠٢/٢ انهزمتُ، ولا تركتُ العرْصة للقوم فى مَوْطِن حتى لا أجد مُقَاتَلا ولا أرى
معى مُقَاتِلا، ولكنى زاولتُ مُلْكا مؤجلا . ثمّ إنه مضى بمن معه حتى فوّز
فى مفازةٍ کرْمانٍ .
قال أبو مخنف : فحدّثنى هشام بن أيّوبَ بن عبد الرحمن بن
أبى عَقِيل الثقفىّ، قال: لما مضى ابن محمد فى مفازة كرمان وأتبعه أهلُ الشأم
دخل بعضُ أهل الشأم قصرًا فى المفازة، فإذا فيه كتاب قد كتبه بعض
أهل الكوفة من شِعْر أبى جلدة اليَشكُرِىّ، وهى قصيدة طويلة :
ويا حَرَّ الفواد لِمَا لَفِيْنَا!
أَيَا لَهْفاً ويا حَزَناً جميعاً
وأَسلمْنا الحلائلَ والبنِينا
تركنا الدّينَ والدنيا جميعاً
فَنَصِرَ فى البلاءِ إذا ابتلينا
فما كنّا أُناساً أَهلَ دينٍ
فنمْنَعَهَا وَلَوْ لِم نرجُ دينا
وما كنَّا أُناساً أَهل دنْيَا

سنة ٨٣
٣٦٩
تركنا دُورنا لطَغَامِ عَكِّ
وَأَنباطِ القُرَى والأُشعَرينا (١)
ثمّ إنّ ابن محمد مضى حتى خرج على زَرَنْج مدينة سِجستانَ، وفيها
رجل من بني تميم قد كان عبد الرحمن استعملَه عليها ، يقال له عبد الله بن
عامر البعّار من بنى ◌ُجَاشع بن دارِم، فلما قَدِم عليه عبد الرّحمن بن محمد ١١٠٣/٢
منهزمًا أغلق باب المدينة دونه، ومنعه دخولتها، فأقام عليها عبد الرّحمن أياماً
رجاءَ افتتاحها ودخولها . فلما رأى أنه لا يصل إليها خرج حتى أتى بُسْتَ ،
وقد كان استعمل عليها رجلا من بكر بن وائل يقال له عياض بنُ هِمْيان
أبو هشام بن عياض السدوسىّ، فاستقبله، وقال له: انزِل ، فجاء حتى
نزل به ، وانتظر حتى إذا غفَل أصحاب عبد الرحمن وتفرّقوا عنه وثب عليه
فأوثَقَه، وأراد أن يأمَن بها عند الحجاج ، ويتخذ بها عندَه مكانًا. وقد كان
رُتْبيل سمع بمقدم عبد الرّحمن عليه، فاستقبله فى جنوده ، فجاء رُتْبسيل حتى
أحاط بيُسْت، ثمّ نزل وبعث إلى البكرىّ: والله لئن آذيتَه بما يُقْذِى
عينَه، أو ضررته ببعض المضرّة، أو رزأته حَبْلًا من شَعَر لا أبرح
العَرْصة حتى أستنزِلَك فأقتُلَك وجميعَ من معك، ثمّ أسبى ذراريَّكم،
وأقسّم بين الجند أموالتكم . فأرسل إليه البكرىّ أن أعطنا أمانًا على أنفسنا
وأموالنا، ونحن ندفعه إليك سالمًا ، وما كان له من مال مُوَفَراً . فصالحهم
على ذلك، وآمنهم، ففَتَّحوا لابن الأشعث الباب وخلّوا سبيلَه، فأتى رُتْبيل
فقال له: إنّ هذا كان عاملى على هذه المدينة، وكنتُ حيث ولّيته واثقً به ،
مطمئنًا إليه، فغدَرَ بى وركب منى ما قد رأيتَ، فأذَنْ لى فى قَتْله، قال :
قد آمنتُه وأكرَه أن أغدِر به، قال: فأذْن لى فى دفْعه وَلهزِه (٢)، والتصغير ١١٠٤/٢
به ، قال: أمّا هذا فنعم. ففعل به عبدُ الرحمن بن محمد، ثمّ مضى حتى
دخل مع رُتبیل بلاده ، فأنزله رُتْبیل عنده وأكرمه وعظمه ، وکان معه ناس
من الفَلّ كثير .
ثمّ إن عُظْم الفُلول وجماعةَ أصحاب عبد الرحمن ومن كان لا يرجو
(١) انظر: الأغانى ١١ : ٣١٢، ٠٣١٣
(٢) اللهز : الضرب .
=

٣٧٠
سنة ٨٣
الأمان؛ من الرّءوس والقادة الذين نصبوا الحجّاج فى كلّموطن مع ابن الأشعث،
ولم يتقبلوا أمانَ الحجّاج فى أوّل مرّة، وجهدوا عليه الجهْدَ كلَّه، أقبلوا فى
أثرابن الأشعث وفى طلبه حتى سقطوا بسجستان، فكان بها منهم ومن تَسَبِعهم
من أهل سِجِسْتان وأهل البلد نحو من ستّين ألفًا، ونزلوا على عبد الله بن
عامر البعّار فحصروه ، وكَتَبوا إلى عبد الرحمن يخبرونه بقدومهم وعدد هم
وجماعتهم ، وهو عند رُتْبيل . وكان يصلى بهم عبد الرحمن بن العباس بن
ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، فكَّبوا إليه : أن أقبِلْ إلينا لعلنا نسير
إلى خُراسان ، فإنّ بها منا جُنْداً عظيماً ، فلعلّهم يبايعوننا على قتال أهلِ
الشأم ، وهى بلادٌ واسعة عريضة ، وبها الرّجال والحصون. فخرج إليهم
عبد الرحمن بن محمد بمن معه، فحصروا عبد الله بن عامر البعّار حتى استنزّلوه،
فأمر به عبد الرحمن فضُرِب وعُذّب وحُبِس . وأقبل نحوّهم عمارة بن تميم
فى أهل الشأم ، فقال أصحابُ عبد الرحمن بن محمد لعبد الرحمن : اخرج
١١٠٥/٢ بنا عن سجستانَ فلندعها(١) له ونأتى خُراسان، فقال عبدُ الرحمن بن محمد:
على خُراسان يزيد بن المهلب ، وهو شابّ شجاع صارم ، وليس بتارك لكمْ
سلطانَه ، ولو دخلتمُوها وجدتموه إليكم سريعًا ، ولن يدع أهل الشأم اتباعكم،
فأكره أن يجتمعَ عليكم أهلُ خُراسان وأهل الشام ، وأخاف ألّا تنالوا ما
تطلبون (٢)، فقالوا: إنما أهل خُراسانَ منّا، ونحن نرجو أن لو قد دخلناها
أن يكون من يتبعنا منهم أكثر ممن يقاتلنا، وهى أرضٌ طويلة عريضة ننتحِى(٣)
فيها حيث شئنا، ونمكث حتى يُهلِك الله الحجّاج أو عبد الملك، أو نرى من
رأينا . فقال لهم عبد الرحمن : سيرُوا على اسم الله .
فساروا حتى بلغوا هَرَاةَ ، فلم يشعُرُوا بشىء حتى خرج من عسكره
عُبيد الله بنُ عبد الرحمن بن سُرة القرشىّ فى ألفين، ففارقته، فأخذ طريقًا
سوى طريقهم، فلمّا أصبح ابن محمد قام فيهم فحَمِد اللّهَ وأثنى عليه ،
ثمّ قال :
أما بعد، فإنى قد شهدتكم فى هذه المواطن ، وليس فيها مشهد
(١) ب: ((ولندعها)). (٢) ب: ((ألا تنالوا ما تطلبونه)). (٣) ب ((نتنحى)).

٣٧١
سنة ٨٣
إلا أصبِر لكم فيه نفسى حتى لا يَبقى منكم فيه أحد ، فلما رأيتُ أنكم
لا تقاتلون، ولا تَصبرون، أتيتُ ملجأ ومـأمناً فكنتُ فيه ، فجاءْتنى
كتبُكم بأن أقبِل إلينا ، فإنا قد اجتمعنا وأمرُنا واحد ، لعلنا نقائل عدوّنا ،
فأتيتكم فرأيت أن أمضىَ إلى خُراسان وزعمتم أنكم مجتمعون لى ، وأنكم لن
تفرّقوا عنى . ثمّ هذا عبيد الله بن عبد الرّحمن قد صنع ما قد رأيتم، فتحسبى
منكم يومى هذا فاصنعوا ما بدا لكم ، أما أنا فمنصرف إلى صاحبى الذى أتيتكم
من قبله، فمن أحبّ منكم أن يتبعى فليتبعتى ، ومن كره ذلك فليذهب حيث
أحبّ فى عياذ من الله .
١١٠٦/٢
فتفرّقَتْ منهم طائفة، ونزلتْ معه طائفة(١)، وبقى عُظْ العسكر ،
فَوَثَبوا إلى عبد الرحمن بن العبّاس لما انصرف عبدُ الرحمن، فبايعوه. ثمّ
مضى ابن محمد إلى رُتْبيل ومضوا هم إلى خُراسان حتى انتهوا إلى هَرَاةَ ،
فلقوا بها الرّقاد الأزدىّ من العَتَيك، فقتلوه ، وسار إليهم يزيد بن المهلب.
وأما علىّ بن محمد المدائنىّ فإنه ذكر عن المفضّل بن محمد أنّ ابن الأشعث
لما انهتَزَم من مسكِن مضى إلى كابُل، وأنّ عبيد اللّه بن عبد الرّحمن بن
سَمُرَة أنى هَرَاةَ، فلمّ ابنَ الأشعث وعابتَه بفراره، وأتى عبد الرّحمن بن
عباس سِجِسْتان فانضمّ إليه فَلّ ابنِ الأشعث، فسار إلى خُراسانَ فى
جمع يقال فى٢ عشرين ألفًا، فَنَزّل هَرَاةَ ولقوا الرُّفّاد بن عبيد العَتكى فقتلوه،
وكان مع عبد الرحمن من عبد القيس عبدُ الرحمن بن المنذر بن الجارود ،
فأرسل إليه يزيدُ بن المهلّب: قد كان لك فى البلاد متَّسعٌ، ومن هو أكلّ منى
حَدًّا وأهوَنُ شَوْكة، فارتحِلْ إلى بلد ليس فيه سلطان ، فإنى أكره
قتالَك ، وإن أحببتَ أن أمِدَّك بمال لسفرِك أعنتُك به ؛ فأرسَلَ
إليه : ما نزلنا هذه البلاد لمحاربة ولا لمقام، ولكنا أردنا أن نريحَ، ثمّ نَشخص
إن شاء اللّه، وليست بنا حاجةٌ إلى ما عرضتَ. فانصرف رسولُ یزید إليه ،
وأقبل الهاشمىّ على الجباية، وبلغ يزيد، فقال: من أراد أن يُريحَ ثمّ يجتازَ لم
يُجْبِ الْخَرَاجَ؛ فقدّم المفضّل فى أربعة آلاف - ويقال فى ستة آلاف -
٢/ ١١٠٧
(١) ب: ((طائقة معه)).
(٢) كذا فى ب .

٣٧٢
سنة ٨٣
ثمّ أتبعه فى أربعة آلاف، ووَزَن يزيدُ نفسَه بسلاحه، فكان أربعمائة
رطل، فقال: ما أرانى إلّا قد ثَقُلت عن الحرب، أىّ فرس يحملنى! ثمّ دعا
بفرسه الكامل فرَّكِبِه ، واستخلَف على مرَو خالَه جُدَيَع بن يزيد، وصيّر
طريقته على مَرْوَ الرُّوذ، فأتى قبرَ أبيه فأقام عندَه ثلاثة أيام، وأعطى مَن
معه مائةَ درهم مائةَ دِرِهم، ثمّ أتَى هَرَاةَ فأرسل إلى الهاشمىّ: قد أرحْتَ
وأسمنْتَ وجبَيْتَ ، فلك ما جِبَيْتَ ، وإن أردتَ زيادةً زِدناك ، فاخرجٍ
فوالله ما أحِبّ أن أقاتلتك. قال: فأبى إلّ القتالَ ومعه عُبيد الله بنُ
عبد الرحمن بن سَمُرة، ودسَّ الهاشمىّ إلى جندٍ يزيدَ يمنِّيهم ويدعوهم إلى
نفسِهِ ، فأخبر بعضهم يزيدَ ، فقال : جَلَّ الأمرُ عن العتاب، أتغدَّى
بهذا قبل أن يتعشَّى بى، فسار إليه حتى تدانَى العسكران ، وتأهّبوا للقتال ،
وألِقِىَ ليزيد كرسىّ فقعد عليه، وولَّّى الحربَ أخاه المفضّل ، فأقبل رجلٌ من
أصحاب الهاشمىّ - يقال له خُلَيَد عَيْنَيْنٍ من عبد القيس - على ظَهْر
٢/ ١١٠٨ فرَسه، فرفع صوتَه فقال(١):
لها جَزَعٌ ثم استهلَّتْ عیُّونُها
دَعتْ يا يَزِيدَ بنَ المهلَّب دَعَوْةً
بِصُمِّ القَذَا والبيض تُلْقَى جفُونُها
ولويُسمِع (٢) الداعى النِّداءَ(٣) أَجابها
بها بقَرًا للحيْنِ جُمَّ قُرونُها (٤)
وقدْ فَرَّ أَشرافُ العِرَاقِ وغادَرُوا
وأراد أن يحضّ يزيد، فسكت يزيدُ طويلا حتى ظنّ الناس أن الشِّعر قد
حرّكه، ثمّ قال الرجل: نادٍ وأسمِعْهم، جَشّموهم ذلك، فقال خُلَيد:
تُنَادِيهِ أَبكارُ العِراقِ وَعُونُها
لبئس المنادِى والمنوَّهُ باسمِهِ
ولا يَمْنَعُ السَّوْآتِ إِلاَّ حُصُونها
يَزِيدُ إِذا يُدعَى لِيَوْم حَفيظَةٍ
يُدانُ كما قد كان قَبْلُ يَدِينُها
فإِنّى أَراه عن قليلٍ بنفسِهِ
تُبكِّى عليه البُقْعُ منها وَجُونُها
فلا حُرَّةٌ تَبكِيهِ لكنْ نوَائِحٌ
(١) ب: ((وقال)).
(٣) ب: ((يزيد)).
(٢) ر: ((تسمع)).
(٤) ب: ((بها نفر)).

سنة ٨٣
٣٧٣
فقال يزيدُ للمفضّل: قدُّم خيلَك ، فتقدّم بها ، وتهايَجوا فلم يكن
بينهم كبيرُ قتال حتى تفرّق الناس عن عبد الرحمن، وصبر وصبرتْ معه ١١٠٩/٢
طائفةٌ من أهل الحفاظ ، وصبر معه العبديّون ، وحمل سعد بن نجد القُرْدوسىّ
على حُلَيس(١) الشيبانىّ وهو أمام عبد الرحمن، فطعنه حُليس فأذراه عن
فرسِه، وحماه أصحابُه، وكثرهم الناس فانكشفوا، فأمر يزيدُ بالكَفّ عن
اتباعهم ، وأخذوا ما كان فى عسكرهم ، وأسَروا منهم أسرَى ، فولى يزيدُ
عطاءَ بنَ أبى السائب العسكر ، وأمَرَه بضم ما كان فيه ، فأصابوا ثلاثَ
عشرة امرأة، فأتوا بهن يزيد، فدفعهن إلى مرّة بن عطاء بن أبى السائب، فحمكتهنّ
إلى الطَّسَيْن، ثمّ حملهنّ إلى العراق. وقال يزيد لسعد بن نجد: من
طَعَنْتَك؟ قال : حليس الشيبانىّ، وأنا والله راجلا أشدّ منه وهو فارس. قال:
فبلغ حُليسًا ، فقال: كذب واللّه، لأنا أشدُّ منه فارسًا وراجلاً . وهرب
عبد الرحمن بنُ منذر بن بشر بن حارثة فصار إلى موسى بنِ عبد الله بن
خازم . قال : فكان فى الأسرى محمد بن سعد بن أبى وقّاص ، وعمرو بن
موسى بن عبيد الله بن مَعَّمر، وعيّاش بن الأسوَد بن عوف الزّهرىّ
والهلقام بن نُعيم بن القعقاع بن معبد بن زرارة، وفيروز حصين، وأبو العِلْج
مولَى عُبيد الله بن معمر، ورجل من آل أبى عَقِيل، وسَوّار بن مروان، ١١١٠/٢
وعبد الرحمن بن طلحة بن عبد الله بن خلف ، وعبد الله بن فضالة الزهرانىّ.
ولحق الهاشمىّ بالسِّند، وأتى ابنُ سَمُرة مروَ، ثمّ انصرف يزيدُ إلى مروَ وبعث
بالأسرى إلى الحجاج مع سَبْرة بن نَخْف بن أبى صُفْرة، وخلى عن ابن طلحة
وعبد الله بن فضالة، وسعى قومٌ بُعُبيد الله بن عبد الرحمن بن سُرة، فأخذه
يزيدٌ فحبسه .
وأمّا هشام فإنه ذكر أنه حدّثه القاسم بن محمد الحضرمىّ ، عن حفص
ابن عمرو بن قبيصة ، عن رجل من بني حنيفة يقال له جابر بن عمارة ، أنّ
يزيدَ بنَ المهلب حبس عندَه عبد الرحمن بن طلحة وآمنه ، وكان الطلحيّ
قدآ لى على يمينٍ ألا يَرَى يزيدَ بنَ المهلب فى موقف إلّا أتاه حتى يقبّل يده
شكراً لما أبْلاه . قال : وقال محمد بن سعد بن أبى وقاص ليزيدَ : أسألك
(١) ب: ((حليس)).

٣٧٤
سنة ٨٣
بدعوة أبى لأبيك! فخلَى سبيلَه. ولقول محمد بن سعد ليزيدَ: (( أسألك
بدعوة أبى لأبيك)) حديثٌ فيه بعضُ الطول .
قال هشام : حدّثّنى أبو مختّف ، قال : حدّثى هشام بن أيّوب بن
عبد الرحمن بن أبى عَقِيل الثقفىّ ، قال: بعث يزيد بن المهلب ببقية الأسرى
إلى الحجاج بن يوسفَ؛ بعمر بن موسى بن عُبيد الله بن معمر، فقال:
١١١١/٢ أنت صاحبُ شرطة عبد الرحمن؟ فقال: أصلح الله الأمير! كانت فتنةٌ
شملت البَرَّ والفاجر، فدخلنا فيها ، فقد أمكّنك اللّه منا، فإنْ عفوتَ
(١ فبحلمك وفضلك١)، وإن عاقبْت عاقبتَ ظَلَمَةً مذنبين، فقال(٢)
الحجّاج: أما قولك: ((إنها شملتِ البرّ والفاجرَ)) فكذبتَ، ولكنها شملت
الفُجّارَ، وعُوفىَ منها الأبرار، وأما اعترافك بذَنِبْك فعسى أن يَنفَعَك.
فعُزِل ، ورجا الناس له العافية حتى قُدم بالهلقام بن نعيم ، فقال له
الحجاج : أخِرْنى عنك ، ما رجوتَ من إتباع عبد الرحمن بن محمد ؟
أرجوتَ أن يكون خليفةً ؟ قال: نعم، رجوتُ ذلك، وطمعت (٣) أن يُنزلنى
منزلتك من عبد الملك، قال : فغضب الحجاج وقال : اضربوا عنقه، فقُتل.
قال: ونظر إلى موسى بن عمر بن عبيد الله بن مَعَمَر وقد نُحِى عنه
فقال: اضِرِبُوا عُنقَه، وقتل بقيّتهم. وقد كان آمن عَمرو بن أبى قرّة الكندىّ
ثمّ الحجْرىّ وهو شريف وله بيتٌ قديم ، فقال: يا عمرو، كنت تُفضى
إلىّ وتحدّثنى أنك ترغب عن ابن الأشعث وعن الأشعث قبله ، ثمّ تبعتَ
عبد الرّحمن بن محمد بن الأشعث؛ والله ما بك عن اتّباعهم رغبةٌ، ولا نَعمة
عين لك ولا كرامة .
قال : وقد كان الحجاجُ حين هُزِم الناس بالجماجم نادى منادِيه :
١١١٢/٢ مَن لحق بقتَيْبة بن مسلم بالرىّ فهو أمانُه، فلحق ناسٌ كثير
بقتيبة (٤)، وكان (٥) فيمن لحق به عامر الشَّعْبِىّ، فذكر الحجّاجُ الشعبىَّ
يومًا فقال : أين هو ؟ وما فعل ؟ فقال له يزيد بنُ أبى مسلم : بلغنى أيها
الأمير أنه لحق بقتيبة بن مسلم بالرّىّ، قال: فابعث إليه فلنُؤْتَ (٦) به،
(١-١) ب: ((فبفضلك وحلمك)).
(٢) بعدها فى ب: ((له)).
(٤) ب: ((بأرض قتيبة)).
(٣) ب: ((فطمعت فيه)).
(٥) ب: ((فكان)).
(٦) ر: ((فليؤت)).

٣٧٥
سنة ٨٣
فَكَتَبَ الحجّاج إلى قتيبة: أمّا بعد، فابعث إلىّ بالشعبىّ حين تَنظُر فى
كتابى هذا ؛ والسّلام عليك ؛ فسُرّح إليه .
قال أبو مخنّف: فحدّثّنى السرّىّ بن إسماعيل عن الشعبىّ، قال: كنتُ
لابن أبى مسلم صَدِيقًا، فلما قُدِم بى (١) على الحجاج لقيتُ ابن أبى مسلم
فقلتُ: أشِرْ علىّ؛ قال : ما أدرى ما أشيرُ به عليك (٢) غير أن أعتَذِر
ما استطعت من عذر (٣)! وأشار بمثل ذلك علىّ نُصَحائى وإخوانى، فلما
دخلتُ عليه رأيتُ واللّه غيرَ ما رأوا لى، فسلمت عليه بالإمرة (٤) ثم قلت:
أيّها الأمير ، إنّ الناس قد أمرونى أن أعتذرَ إليك بغير ما يعلم الله أنه الحقّ،
وإيمُ اللّه لا أقول فى هذا المقام إلّ حَقًّا، قد واللّه سوّدنا(٥) عليك، وحرّضَنا
وجهدنا عليك كلّ الجهد ، فما آلونا (٦)، فما كنا بالأقوياء الفَجَرة ، ولا
الأتقياء (٧) البرَرَة، ولقد نصرك اللّهُ علينا، وأظفَرَك بنا، فإن سطوتَ فبذُ نُوبنا
وما جَرّت إليه أيدينا، وإن عفوتَ عنا فبحلمك ، وبعد الحجة(٨) لك علينا،
فقال له الحجاج: أنت واللّه أحبّ إلىّ قولا ممن يدخل علينا يقطر سيفُه مِن
دمائنا ثمّ يقول : مافعلتُ ولاشهدتُ؛ قد أمِنتَ عندنا يا شَعَبِىُّ، فانصرِفْ.
قال: فانصرفتُ، فلما مَشَيْتُ قليلا قال: هلمّ يا شعبىّ؛ قال: فوَجِل
لذلك قلبى ، ثمّ ذكرتُ قولَه: ((قد أمِنْت يا شَعَى))، فاطمأنت نفسى، قال:
كيف وجدتَ الناس يا شَعَبىّ بعدنا ؟ قال - وكان لى مكرمًا: فقلتُ :
أصلَح اللّهُ الأمير! اكتحلتُ واللّهِ بعدَك السَّهَر، واستوعَرْتُ الجَنّاب،
واستحلَسْتُ الخوف ، وفقدْتُ صالح الإخوان ، ولم أجد من الأمير خلفاً .
قال : انصرِف يا شَعبِىّ، فانصرَفْتُ .
١١١٣/٢
قال أبو مخنف: قال خالد بن قَطَن الحارثىّ: أتِىَ الحجّاجُ بالأعشى ،
أعشىَ هَمْدَانَ، فقال: إيه ياعَدُوَ اللّه! أنشدْنى قولك: ((بين الأشجّ وبين
(١) ب: ((قدمت).
(٣) ب: ((بعدر)).
(٢) ب: (( عليك به )) .
(٤) ر: ((فلما دخلت عليه سلمت)). (٥) ب: ((تمردنا)). (٦) ب: ((وما آلونا)).
(٧) ب: ((ولا بالأتقياء)).
(٨) ب: ((فالحجة)).

٣٧٦
سنة ٨٣
قيس))، أنفِذْ بيتك، قال: بل أنشُدُك ما قلتُ لك؛ قال: بل أنشدْنى
هذه ؛ فأنشَدَه :
١١١٤/٢
ويُطْوقَ نُورَ الفَاسِقِينَ فَيَخْمُدا(١)
أَبى الله إِلا أَن يُتَمِّمَ نُورَهُ
ويُعْدِلَ وفْع السَّيْفِ من كان أَصيدا
ويُظهِرَ أَهْلَ الحَقّ فى كلّ مَوْطِنٍ
ويُنْزِلَ ذُلّاً بالعِرَاقِ وأَهلِهِ
وما أَحْدَثُوا مِنْ بِدْعَةٍ وعظيمةٍ (٣)
وما نكَثُوا مِنْ بَيْعةٍ بَعْد بَيْعَةٍ
وجُبْناً حِشَاهُ رَبِهُمْ فى قلوبِهِمْ
فلاَ صِدْقَ فى قَولٍ ولا صَبْرَ عِندَهُمْ
فَكَيْفَ رأَيت اللهَ فَرَّقَ جَمْعَهُمْ
فَقَتْلَاهٍ قَتْلَى ضَلَالِ فِتْنَةٍ
ولما زَحَفْنَا لابنٍ يُوسُفَ خُدْوَةً(٦)
لِما نَقَضُوا العَهْد الوثيقَ الموكَّدَ(٢)
من القوْلِ لِم تَصْعدْ إِلَى اللَِّمَصْعدا(٤)
إِذَا ضَمِنُوها اليَوْمَ خَاسُوا بِها غَدَا
فما يقْرِبُونَ الناسِ إِلا تَهدُّدا
ولكِنَّ فخرًا فيهِمُ وَتَزَيُّدا
ومَزَّقَهُمْ عَرْضَ البلادِ وشَرَّدًا !
وحيُّهُمُ أَمسى ذَلِيلا مُطَرَّدًا(٥)
وَأَبْرَقَ مِنّا العَارِضَانِ وَأَرْعَدا
قطَعْنا وأَفضينا إلى الموت مُرْصِدا(٧)
كِفاحاً وَلَمْ يضْرِبْ لذلك مَوْعِدَا
إِذا ما تجَلَّى بَيْضُهُ وَتَوقّدا
جِبَالُ شَرَوْرَى لوتُعانُ فتَنْهُدا
عليْنَا فولّى جَمْعُنَا وَتَبَدَّدَا
مُعَاناً مُلَقَّى لِلْفِتُوحِ مُعَوَّدًا
١١١٥/٢ قَطَعْنَا إِليه الخندقَين وإِنَّما
فَكَافَحَنَا الحجّاجُ دُونَ صُفُوفَنَا (٨)
بِصَفِّ كأَنَّ البَرِقَ فِى حَجَرَاتِهِ
دلفْنَا إِليه فى صُفُوفٍ كأنّها
فما لَبِثَ الحجّاجُ أَنْ سَلَّ سَيْفَهُ
وما زاحَفَ الحجّاجُ إِلا رَأَيْتَهُ
(١) الأغانى ٦: ٥٩ - ٦١، المسعودى ٣ : ١٦٢
(٢) الأغانى: (( كما نقضوا)).
(٤) ابن الأثير: ((لم يصعد)).
(٦) الأغانى: ((ضلة)).
(٨) الأغانى: ((فصادفنا الحجّاج)).
(٣) المسعودى: ((وضلالة)).
(٥) ابن الأثير: ((وجيشهم أمسى)).
(٧) مرصداً : مترقباً .

سنة ٨٣
وإِنَّ ابْنَ عباسِ لفى مرجَحِنَّة
فما شَرَعُوا رُمْحاً ولا جَرَّدُوا له
وكَرَّتْ عَلَيْنَا خَيْلُ سُفْيَانَ كَرَّةً
وسُفْيَان يَهْدِيها كأَنَّ لواءَهُ
كُهولٌ ومُرْدٌ مِنْ قُضَاعَةَ حَوْلَهُ
إذا قال شُدُّوا شَدَّةً حمَلوا مَعَّا
جُنُودُ أَمير المؤمنينَ وخَيْلهُ
فيَهْنِى أَمِيرَ المؤمنينَ ظُهُورُه
نزوْا يَشتكونَ البغْىَ من أمرائِهِمْ
وجَدْنا بَنِى مروَانَ خَيْرَ أَئمّة
وخَيْرَ قُريشٍ فى قريش أَرُومَةً
إِذَا ما تَدَبَّنَا عَوَاقِبَ أَمرِهِ
سيُغْلَب قوم غالبُوا الله جَهرةً(١)
كذاك يضِلُّ اللهُ من كان قلبُه
فقد تركوا الأَهلِينَ والمالَ خلفَهُمْ
يُنادينهم مُسْتَعْبِراتٍ إِليهِمِ
فإِلّا تُنَاوِلْهُنَّ مِنكَ برحْمةٍ
أَنَكثَّا وعِصْيَاناً وَغَدْرًا وذِلّةً
لقد شَأَّم المِصْرِيْنِ فَرْخُ مُحَمدٍ
٣٧٧
نُشبّهُهَا قِطْعاً من الليْلِ أَسْوَدا
أَلَا رُبَّمَا لاقى الجَبانُ فَجَرَّدا ١١١٦/٢
بفُرْسانها والسَمْهَرِىِّ مُقَصدَا
من الطعن سِندٌ باتَ بالصِّبخ مُجْسدًا
مَسَاعيرُ أَبطال إِذا النِّكْسُ عَرَّدا
فَأَنْهَلَ خِرْصانَ الرِّماح وأَوردًا
وسلطَانُهُ أمسى عزيزًا مؤيَّدَا
على أمّة كانوا بُغاةً وحُسّدا
وكانوا هُمُ أَبَغَى البغاةِ وأَعنَدَا
وأَفضلَ هذِى النّاسِ حِلْماً وسُودَدا
وأَكرمَهِمْ إِلا النِىَّ مُحَمّدا ١١١٧/٢
وَجَدْنا أَمير المؤمنين مُسَدَّدَا
وإِن كايَدُهُ كانَ أَقْوَى وَأَكْيَدا
مريضاً ومَنْ وَالى النِّفَاقَ وَأَلْحدًا
وَبَيضاً عليهنَّ الجلابيب خُرِّدًّا
ويُذْرِينَ دَمعاً فى الخُدُودِ وإِثْمِدَا
يكنَّ سَبايَا وَالْبُعُولَةُ أُعْبُدَا
أَهان الإِلهُ من أَهانَ وَأَبْعَدَا
بحقّ وما لاقى من الطَيرِ أَسْعدَا(٢)
(١) الأغانى: ((سيغلب قوماً)).
(٢) رواية الأغانى :
لَقَدْشِمْتَ يابَنْ الأَشعثِ العامِ مِصْرَنا فظلّوا وما لاقوا من الطَّيرِ أَسمُدَا

٣٧٨
سنة ٨٣
بجَدَّ لهُ قد كانَ أَشقى وأَنكدًا
١١١٨/٢ كما شأَمَ اللهُ النُّجَيْرَ وأَهلَهُ
فقال أهل الشأم: أحْسن، أصلح الله الأمير! فقال الحجّاج: لا، لم يحسن،
إنكم لا تدرون ما أراد بها، ثمّ قال: يا عدوّ اللّه، إنا لسنا نحْمَدُك على
هذا القول، إنما قلت: تأسُّفَ ألا يكون ظَهَر وظفر، وتحريضًا لأصحابك
علينا ، وليس عن هذا سألناك ، أنفِذْ لنا قولتَك :
« بيْنَ الْأشَجّ وبَيْنَ قَيْسٍ باذخٌ ﴾(١)
فأنفَذَها ، فلما قال :
* بَخْ بخْ لوالِدِهِ وَللمَوْلودِ.
قال الحجاج: لا والله لا تُبخبخ بعدَها لأحد أبداً ، فقَدّمه فضرب
عُنقَه ..
وقد ذكر من أمر هؤلاء الأسرى الذين أسَرَهم يزيدُ بن المهلب ووجههم
إلى الحجّاج ومن فُلول ابن الأشعث الذين انهز موا يومَ مسكِن أمرٌ غيرَ ما ذكره
أبو مختّف عن أصحابه ، والذى ◌ُذُكِرٍ عنهم من ذلك أنه لما انهزم ابنُ
الأشعث مضى هؤلاء مع سائر الفَلّ إلى الرّىّ، وقد غلب عليها عُمر بن
: ١١١٩/٢ أبى الصّلت بن كنارا مولى بنى نَصْر بن معاوية، وكان من أفْرَس الناس،
فانضموا إليه، فأقبَل قتيبةُ بنُ مُسلم إلى الرّىّ من قِبَل الحجاج وقد ولاه عليها.
فقال النفرُ الذين (٢) ذكرت أنّ يزيد بن المهلّب وجههم إلى الحجاج مقيّدين
وسائر فلّ ابن الأشعث الذين صاروا إلى الرىّ لعمرَ بن أبى الصّلت: نولّيك
أمرنا وتحارب بنا قتيبة ؛ فشاور مُمر أباه أبا الصّلت، فقال له أبوه: والله
يا بُنىّ ما كنتُ أبالى إذا سار هؤلاء تحت لوائك أن تُقتَل من غد . فعقد
لواءه، وسارفتَهُزم وهُزم أصحابه، وانكشفوا إلى سجستان، واجتمعتْ
بها الفُلول، وكتبوا إلى عبد الرحمن بن محمد وهو عند رُتْبِيل ، ثمّ كان من
أمرهم وأمرٍ يزيدَ بن المهلب ما قد ذكرتُ .
(١) المسعودى ٣ : ١٦٣.
(٢) ب: ((الذى)).

٣٧٩
سنة ٨٣
وذكر أبو عبيدة أنّ يزيدَ لما أراد أن يوجّه الأسرى إلى الحجّاج قال له
أخوه حبيب : بأىّ وجه تنظر إلى المانية وقد بعثت ابن طلحة! فقال يزيدُ :
هو الحجاج، ولا يُتعرّض له! وقال: وطن نفسك على العزل، ولا تُرسل به،
فإنّ له عندنا بلاءً، قال: وما بلاؤه ؟ قال لُزِم المهلب فى مسجد الجماعة
بمائتى ألف، فأدّاها طلحة عنه. فأطلَقَه، وأرسل بالباقين، فقال الفرزدق :
فَحطانَ يوم هَراةَ خيرَ المعشَرِ
وَجَد ابنُ طلحةً يومَ لاقی قومَه
وقيل : إنّ الحجاج لما أتى بهؤلاء الأسرى من عند يزيد بن المهلب
قال لحاجبه: إذا دعوتُك بسيِّدهم فأتنى بفَيْرُوز، فأبرز سريره وهو حينئذ ١٢٠/٢
بواسط القَصَب قبل أن تُبنَى مدينة واسِط - ثمّ قال لحاجبه : جثنى
بسيّدهم ؛ فقال لفّتْروز: قم؛ فقال له الحجاج : أبا عثمان ، ما أخرَجك
مع هؤلاء؟ فوالله ما لحمُك من لحومِهِم، ولا دَمُك من دمائهم! قال: فتنةٌ
عمّت الناس، فكنّاً فيها ، قال : اكتبْ لى أموالَك ، قال : ثمّ ماذا ؟ قال :
اكتبها أوّل ؛ قال: ثمّ أنا آمِن على دمى؟ قال: اكتبها، ثمّ أَنظُر؛
قال: اكتبْ يا غلام، ألف ألف ألفى ألف، فذكر مالاً كثيراً ، فقال
الحجاج : أين هذه الأموال ؟ قال : عندى ، قال : فأدّها ؛ قال : وأنا
آمِن على دمى ؟ قال: والله لتؤدّينها ثمّ لأقتلنك؛ قال: والله لا تَجمَع
مالى ودمى، فقال الحجاج للحاجب: نَحُهُ ، فنحّاه .
ثمّ قال: اثتنى بمحمد بن سعد بن أبى وقّاص، فدعاه، فقال له الحجاج:
إيهاً ياظِلّ الشيطان أعظم الناس تِيهًا وكبراً، تأبى بيعةَ يزيد بن معاوية ،
وتشبّه بحسين وابن ◌ُمر ، ثمّ صرتَ مؤذنًا لابن كنارا(١) عبد بنى نصر- يَعْنى
عمر بن أبى الصَّلت - وجعل يَضرِب بعُود فى يده رأسَه حتى أدماه ؛ فقال له
محمد: أيها الرجل، مَلَكتَ فأسجحً! فَكَفَ يدَه، فقال: إن رأيت أن تكتبَ
إلى أمير المؤمنين فإن جاءك عفوٌ كنتَ شريكًا فى ذلك محموداً، وإن جاءك غيرُ
ذلك كنتَ قد أعذَرَتَ . فأطرق مَلِيًّاً ثمّ قال: اضرب عنقه، فضُرِبت عنُقه.
(١) ط: ((كناز))، وانظر التصويبات.

٣٨٠
١١٢١/٢
سنة ٨٣
ثمّ دعا بعمرَ بن موسى فقال: يا عبدَ المرأة، أتقوم بالعمود على رأس
ابن الحائك(١)، وتَشرَب معه الشراب فى حمّام فارس، وتقول المقالة التى
قلت ! أين الفرزدق ؟ قم فأنشِدْه ما قلت فيه ، فأنشدَه :
وخَضَبْتَ أَيْرَكَ للزُّناءِ ولم تكنْ يومَ الهِيَاجِ لِتَخْضِبَ الأَبطالا
فقال: أما والله لقد رفعتُه عن عقائلٍ نِسائك، ثمّ أمَرَ بضَرْب عنقه.
ثمّ دعا ابنَ عبيد الله بن عبد الرحمن بن سمرة، فإذا غلام حَدَث، فقال:
أصلَحَ اللّه الأمير! ما لى ذنبٌ، إنما كنت غلامًاً صغيراً مع أبى وأمى لا أمرَ
لى ولا نتَهْى، وكنت معهما حيث كانا ، فقال : وكانت أمُّك مع أبيك
فى هذه الفِتن كلّها ؟ قال: نعم ، قال: على أبيك لعنةُ الله.
ثمّ دعا بالهلْقام بن نعيم فقال: اجعل ابنَ الأشعث طلّبَ ما طَلَب،
ما الذى أُمّلت أنتَ معه؟ قال: أمّلتُ أن يملك فيولّينى العراق كما ولاّك
عبدُ الملك. قال: قم يا حَوْشَب فاضرب عنقه، فقام إليه ، فقال له
الهِلْقام: يا بن لقيطة (٢)، أتَنْكَأ القرح! فضرب عنقه .
ثمّ أَتِىَ بعبد الله بن عامر، فلما قام بين يديه قال: لا رأتْ عيناك ياحجاج
الجنة إن أقلتّ ابنَ المهلب بما صَنَع . قال: وما صَنَعَ ؟ قال :
وقادَ نحوَكَ فى أَغلالها مُضَرَا
لأَنَّه كاس فى إِطلاقِ أُسرَتِهِ
وكان قومُك أَدنى عندَه خَطَرًا
وَقَى بقومِكَ ورد الموتِ أسرَتَه
فَأَطْرَق الحجّاجِ مَلِيًّا ووَقرَتْ فى قلبه، وقال: وما أنتَ وذاك! اضرِب
عنقَهَ. فضُربتْ عنقُه. ولم تزل فى نفس الحجّاج حتى عَزَلَ يزيدَ عن
١١٢٢/٢ خُراسانَ وحَبسه .
ثمّ أمر بفَيْروزَ فعذّب، فكان فيما عُذّب به أن كان يُشدّ عليه
القصب الفارسىّ المشقوق، ثم يجرّ عليه حتى يخرّق جسده ، ثم يُنْضَح
عليه الخَلّ والملح، فلما أحسّ بالموت قال لصاحب العذاب : إن
الناس لا يَشُكّون أنى قد قُتلتُ، ولى ودائع وأموال عند الناس ، لا تؤدّى
(١) ابن الحائك، هو محمد بن الأشعث ، وكان يعير بذلك .
(٢) كذا فى ب، س، وفى ط: ((لطيفة)).