Indexed OCR Text
Pages 321-340
٠,٠ سنة ٧٨ ٣٢١ ١٠٣٥/٢ فقالت خَيْرَةُ القُشَيْرية امرأة المهلب: هذا لا يفى (١) بما عليك ؛ فباعت حُليًّاً لها ومتاعًا، فأكمل خمسمائة ألف، وحمل المغيرة إلى أبيه خمسمائة ألف (٢) فحملها إلى الحجّاج، ووجَّه المهلب ابنه حبيبًا على مقدّمته، فأتى الحجّاج فودّعه، فأمر الحجّاج له بعشرة آلاف وبغلة خضراء ، قال : فسار حبيبٌ على تلك البغلة حتّى قَدِمِ خُراسانَ هو وأصحابُه على البريد ، فسار عشرين يومًا ، فتلقاهم حين دخلوا حملُ حطب ، فنَفرَت البغلة فتعجّبوا منها ومن نفارها بعد ذلك التّعب وشدة السير. فلم يعرض لأمية ولا لعمّاله، وأقام عشرةَ أشهر حتى قدم عليه المهلّب سنة تسع وسبعين . وحجّ بالناس فى هذه السنة الوليدُ بنُ عبد الملك ، حدّثنى بذلك أحمدُ ابنُ ثابت عمن ذكره ، عن إسحاق بن عيسى ، عن أبى معشر . وكان أميرَ المدينة فى هذه السنة أبانُ بنُ عثمان، وأميرَ الكوفة والبصرة وخُراسان وسجستان وكِرِمان الحجّاجُ بنُ يُوسف، وخليفته بخُراسان المهلّبُ، وبسجستان عُبيد اللّه ابن أبى بكثرة، وعلى قضاء الكوفة شُريح، وعلى قضاء البَصرة - فيما قيل - موسى بن أنَسَ . وأغزَى عبد الملك فى هذه السنة يحيى بنَ الحكم . (١) ب، ف: ((لا يف هذا)). (٢) ب، ف: ((ألف ألف)). i ثم دخلت سنة تسع وسبعين ذكر ما كان فيها من الأحداث الجليلة فمن ذلك ما أصاب أهل الشأم فى هذه السنة من الطّاعون حتى كادوا ١٠٣٦/٢ يفنَوْن من شدّته، فلم يغزُ فى تلك السنة أحدٌ ـ فيما قيل - للطاعون الذى كان بها، وكثرة الموت . وفيها - فيما قيل - : أصابت الرّومُ أهلَ أنطاكية . # [ذكر الخبر عن غزو عبيد الله بن أبى بكرة رتْبيل] وفيها غزا عبيد الله بنُ أبى بكرة رُتْبِيل. ذكر الخبر عن غزوته إياه : قال هشام : حدثنى أبو مخنّف ، عن أبى المُخارِق الراسبىّ ، قال : لما ولَّى الحجّاجُ المهلَّبَ خُراسان، وعبيد الله بن أبى بكرة سجستان، مضى المهلَّب إلى خُراسانَ وعبيد الله بن أبى بكْرة إلى سجستان ، وذلك فى سنة ثمان وسبعين، فمكث عبيد اللّه بن أبى بكرة بقيّة سنته. ثمّ إنه غزا رُتْبِيل وقد كان مصالحًا ، وقد (١) كانت العرب قبل ذلك تأخذ منه خَرَاجًاً، وربَّما امتنع فلم يفعل، فبعث الحجّاج إلى عُبيد الله بن أبى بكرة أنْ ناجزه بمن معك من المسلمين فلا ترجع حتى تستبيحَ أرضه ، وتَهدِمِ قِلاعَه ، وتَقتُل مُقَاتِلَته، وتَسَبِىَ ذرّيته . فخرج بمن معه من المسلمين من أهل الكوفة وأهلِ البصرة، وكان على أهل الكوفة شُرَيَح بن هانئ الحارثيّ ثمّ الضّبابىّ، وكان من أصحاب علىّ ، وكان عُبيد اللّه على أهل البَصْرة ، وهو أمير الجماعة، فضى حتى وَغَل فى بلاد رُتْبِيل ، فأصاب من البقر والغنم والأموال ما شاء وَهَدَّمَ قِلَاعًا وحصونًا، وغلب على أرض من أرضهم كثيرة ، وأصحاب (٢) رُتْبيل من الترك يخلون لهم عن أرض بعد أرض، حتى أمعنوا فى بلادهم ١٠٣٧/٢ (١) ساقطة من ا. (٢) ب، ف: ((وأصاب)). ٣٢٢ ٣٢٣ سنة ٧٩ ودنَوا من مدينتهم ، وكانوا منها ثمانية عشرَ فرسخًا ، فأخذوا على المسلمين العقابَ والشّعاب، وخدّوهم والرَّساتيق، فسُقِط فى أيدى المسلمين، وظنوا أنْ قد هلكوا ، فبعث ابن أبى بكرة إلى شُرَيح بن هانئ: إنّى مصالح القوم على أن أعطِيتَهم مالا ، ويخدّوا بينى وبين الخروج ، فأرسل إليهم فصالحهم على سبعمائة ألف درهم ، فلقيّة شُريح فقال : إنك لا تصالح على شىء إلا حَسبه السلطان عليكم فى أعطياتِكم ، قال: لو مُنِعنا العطاءَ ما حيينا كان أهوَن علينا من هلاكنا؛ قال شُريح: والله لقد بلغتُ سنًّا، وقد هلكتْ لِدَّاتى، ما تأتى علىّ ساعة من ليل أو نهار فأظنّها تمضى حتى أموت ، ولقد كنت أطلب الشهادة منذ زمان ، ولئن فاتتنى اليومَ ما إخالتى مُدْرِكها حتى أموت ، وقال : يا أهل الإسلام ، تعاونوا على عدوّكم ؛ فقال له ابنُ أبى بكرة: إنك شيخ قد خَرِفْتَ، فقال شريح: إنما حسبك أن يقال: بُستان ابن أبى بكرة وحمام ابن أبى بسكرة، يا أهل الإسلام، من أراد منكم الشهادة فإلىّ. فاتبعه ناسٌ من المتطوّعة غير كثير ، وفُرسان الناس وأهل الحفاظ ، فقاتلوا حتى أصيبوا إلا قليلا ، فجعل شُريح يرتجز يومئذ ويقول : قد عِشتُ بين المشركين أَعصُرًا ١٠٣٨/٢ أُصبحتُ ذا بَثِّ أَقاسى الكِبرَا وبعدَه صِدِّيقَهُ وعُمرَا ثمَّتَ أَدركتُ النبيَّ المُنذِرا والجَمْعَ فِى صِفِّينِهِم والنَّهَرَا ويومَ مِهرانَ ويومَ تُسْتَرَا هيهاتَ ما أُطوَلَ هذا عُمُرا وباجُمَيْرَاتٍ مع المُشَقَّرا فقاتل حتى قُتِل فى ناس من أصحابه ، ونجا من نجا ، فخرجوا من بلاد رُتْبيل حتى خرجوا منها ، فاستقبلَهم من خرجوا إليهم من المسلمين بالأطعمة ، فإذا أكلَ أحدُهم وشبِع مات، فلما رأى ذلك الناسُ حذِروا يطعمونهم ، ثمّ جعلوا يطعمونهم السَّمْن قليلا قليلا، حتى استمرءوا ٠ بلغ ذلك الحجاج ، فأخذه ما تقدّم وما تأخّر، وبلغ ذلك منه كلّ مبلغ كتب إلى عبد الملك : أما بعد ، فإنّ جُند أمير المؤمنين الذين بسجستان أصر وا فلم ٣٢٤ سنة ٧٩ يَنجُ منهم إلا القليل ، وقد اجترأ العدوّ بالذى أصابه على أهل الإسلام فدخلوا بلادهم ، زغلبوا على حصونهم وقصورِ هم، وقد أردت أن أوجّه إليهم جنداً كثيفاً من أهل المِصرَّين ، فأحببتُ أن أستطلع رأىَ أمير المؤمنين فى ذلك ، فإنْ رأى لى بعثةَ ذلك الجند أمضيْتُه، وإن لم يَرَ ذلك فإن أميرَ المؤمنين أولى بجنده ، مع أنى أتخوَّف إن لم يأت رُتْبيل ومن معه من المشركين جندٌ كثيف عاجلا أن يستولوا على ذلك الفَرْج كلِّه . ١٠٣٩/٢ * * وفى هذه السنة قَدم المهلب خُراسانَ أميراً ، وانصرف عنها أمية بن عبد الله ، وقيل استعفى شُريح القاضى من القضاء فى هذه السنة ، وأشار بأبى بُردَة بن أبى موسى الأشعرىّ، فأعفاه الحجّاج وولى أبا بُرْدة. وحج بالناس فی هذه السنة- فما حدثنى أحمدُ بنُ ثابت عمّن ذكره،عن إسحاق بن عيسى ، عن أبى معشر - أبانُ بن عثمان، وكذلك قال الواقدى وغيرُه من أهل السير . وكان أبان هذه السنة أميراً على المدينة مِن قِبَل عبد الملك بن مروان وعلى العراق والمشرق كلِّه الحجّاج بن يوسف. وكان على خُراسانَ المهلب من قبَل الحجاج . وقيل : إنّ المهلب كان على حربها ، وابنه المغيرة على خراجها ، وعلى قضاء الكوفة أبوبُرْدة بن أبى موسى، وعلى قضاء البَصرة موسى بن أنَس(١). 1 (١) بعدها فى ا: ((وهو آخر الجزء السادس والأربعون)). ثم دخلت سنة ثمانين ذكر الأحداث الجليلة التى كانت فى هذه السنة (١ وفى هذه السنة جاء١) - فيما حدّثت عن ابن سعد ، عن محمد بن عمر الواقديّ - سيل بمكة ذهب بالحجّاج، فغَرِقت بيوتُ مكة فسمى ذلك ١٠٤٠/٢ العامُ عامَ الجُحَاف، لأنّ ذلك السيل جَحَف كلّ شىءٍ مَرّ به. قال محمد بن عمر : حدّثنى محمد بن رفاعة بن ثعلبة ، عن أبيه ، عن جدّه ، قال : جاء السيلُ حتى ذهب بالحُجّاج ببطن مكة ، فسمى لذلك عامَ الجُحاف، ولقد رأيتُ الإبل عليها الحمولة والرجال والنساء تَمرّ بهم مالأحد فيهم حِيلة ، وإنى لأنظر إلى الماء قد بلغ الركنَ وجاوَزَه . وفى هذه السنة كان بالبصرة طاعونُ الجارف ، فيما زعم الواقدىّ . *** [ ذكر خبر غزو المهلبّ ما وراء النهر ] وفى هذه السنة قطع المهلب نهرَ بَلْخ فنزل على كِسّ، فذكر علىّ بنُ محمد، عن المفضّل بن محمد وغيره أنه كان على مقدّمة المهلب حين نزل على كِسّ أبو الأدهم زيادُ بنُ عَمر و الزَّمّانىّ فى ثلاثة آلاف وهم خمسة آلاف إلا أنّ أبا الأدهم كان يُغنِى غَنَاءَ ألفَيْن فى البأس والتدبير والنصيحة. قال: فأتى المهلب وهو نازل على كيسّ ابن عمّ ملك الخُتَّل، فدعاه إلى غزو الْخُتّل، فوجته معه ابنه يزيد، فنزل فى عسكره، ونزل ابن عمّ الملك - وكان ١٠٤١/٢ الملك يومئذ اسمه السّبْل (٢) .. فى عسكره على ناحية، فبيّت السَّبْل ابن عمه، فكبر فى عسكره، فظن ابن عمّ السبْل أنّ العرب قد غدَرُوا به، وأنهم خافُوه. على الغدر حين اعتزل عسكرَهم، فأسره السبْلُ ، فأتى به قلعتَه فقتله . قال : فأطاف يزيدُ بنُ المهلب بقلعة السَّبْل، فصالحوه على فِدْية حملوها إليه ، ورجع(٣) إلى المهلب فأرسلت أمّ الذى قتله السبل إلى أمّ السبْل: كيف ترجين (١ -١) ب، ف: ((ففيها)). وقبلها فى ا: ((قال أبو جعفر)). (٣) ابن الأثير: ((رجع)). (٢) ط: ((كس)) ، صوابه من !. ٣٢٥ ٣٢٦ سنة ٨٠ بقاء السبْل بعد قتل ابن عمه ، وله سبعة إخوة قد وَتَرهم! وأتت أمّ واحد فأرسلت إليها : إن الأسْدَ تَقِلّ أولادُها، والخنازير كثير أولادها. ووجّه المهلب ابنه حبيبًا إلى رَبِنْجَن (١) فوافى صاحب بخارَى فى أربعين ألفًا، فدعا رجلٌ من المشركين إلى المبارزة، فبرزله جبلة غلام حبيب ، فقتل المشْرِك، وحمل على جمعهم ، فقتل منهم ثلاثةَ نفر ، ثمّ رجع ورجع العسكر، ورجع العدوّ إلى بلادهم، ونزلتْ جماعةٌ من العدوّ قريةً، فسار إليهم حبيب فى أربعة آلاف ، فقاتلتهم فظفر بهم ، فأحرَقَها ، ورجع إلى أبيه فسميت المحترقة . ويقال إن الذى أحرقها جبلة غلام حبيب . قال: فمكث المهلب سنتين مقيماً بكسّ ، فقيل له: لو تقدّمتَ إلى السغْد وما وراء ذلك! قال : ليتَ حَظِّى من هذه الغَزْوة سلامة هذه الجُنْد، حتى يرجعوا إلى مَرْوَ سالمِين. قال : وخرج رجلٌ من العدوّ يومًا، فسأله البراز، فبرز إليه هريم بن عدّى، أبو خالد بن هريم وعليه عمامةٌ قد شَدّها فوق البَيْضة، فانتهى إلى ١٠٤٢/٢ جَدْوَل، فجاوَلَه المشرك ساعة فقتله هُرَيم وأخذ سَكَبه، فلامَه المهلب، وقال : لو أصبت ثم أمددتُ بألفِ فارس ما عَدَ لُوكَ عندى ، واتهم المهلبُ وهو بكِسْ قومًا من مضرَّ فحبسهم بها، فلما قفل وصار صُلْحٌ خلّهم ، فكتب إليه الحجاج : إن كنت أصبتَ بحبسهم فقد أخطأتَ فى تخليتهم؛ وإن كنتَ أصبت بتخليتهم فقد ظلمتهم إذ حبستَهم . فقال المهلب : خفْتُهُم فحيستهم ، فلما أمنتُ خلّيتهم . وكان فيمن حبّس عبدالملك بن أبى شيخ القشيرىّ. ثم صالح المهلبُ أهلَ كِسْ على فدية، فأقام ليقبضها، وأتاه كتابُ ابن الأشعث بخَلْع الحجاج ويدعوه إلى مساعدته على خَلْعه، فبعث بكتاب ابن الأشعث إلى الحجّاج . *** [ تسيير الجنود مع ابن الأشعث لحرب رُتبيل] وفى هذه السنة وجّه الحجاج عبد الرحمن بنَ محمد بن الأشعث إلى سجستانَ لحرب رُتْبيل صاحِب الترك؛ وقد اختلف أهل السير فى سبب (١) ا: ((صاحب ربنجن)). ٣٢٧ سنة ٨٠ توجيهه إياه إليها، وأين كان عبدُالرحمن يومَ ولاه الحجّاج سجِستانَ وحرب رُتْبيل؛ فأما يونس بن أبى إسحاق - فيما حدّث هشام، عن أبى مِخْتَف عنه فإنهذَ كَر أنّ عبد الملك لماورد عليه كتابُ الحجّاج بن يوسف بخبر الجيش الذى كان مع عبيد الله بن أبى بَكْرة فى بلاد رُتْبيل وما لَقُوا بها كتب إليه: ١٠٤٣/٢ أما بعد ، فقد أتانى كتابُك تذكُر فيه مُصابَ المسلمين بسجستان، وأولئكَ قومٌ كتب الله عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم، وعلى اللّه ثوابهم. وأما ماأردتَ أن يأتيك فيه رأبى من توجيه الجنود وإمضائها إلى (١) ذلك الفَرْج الذى أصيب فيه المسلمون أو كفّها، فإنّ رأبى فى ذلك أن تُمضِىَ رأيَك راشداً موفَّقًا . وكان الحجّاج وليس بالعراق رجلٌ أبغضَ إليه من عبد الرحمن بن محمد ابن الأشعث ، وكان يقول : ما رأيتُه قطّ إلا أردتُ قتله . 1 قال أبو مِخَف : فحدّثّى نمير بن وَعْلَة الهَمْدانىّ ، ثمّ اليناعىّ، عن الشعبىّ، قال: كنتُ عند الحجاج جالسًا حين دخل عليه عبدُ الرحمن بنُ محمد بن الأشعث، فلما رآه الحجاج قال: انظر إلى مِشِيَّتِهِ، واللّهِ لهممتُ أن أضرب عنقه . قال : فلما خرج عبدالرّحمن خرجت فسبقتُهُ وانتظرته على باب سعيد بنِ قيس السَّبيعىّ ، فلما انتهى إلىّ قلت : ادخل بنا الباب ، إنى أريد أن أحدثك حديثًا هو عندك بأمانة الله أن تذكرَه ما عاش الحجّاج. فقال : نعم، فأخبرتُه بمقالة الحجاج له ؛ فقال : وأنا كما زعم الحجاج إن لم أحاول أن أُزِيلَه عن سلطانه، فأجهد الجهد إذا طال بى وبه بقاء . ثمّ إنّ الحجاج أخذ فى جهاز عشرين ألف رجل من أهل الكوفة ، وعشرين ألف رجل من أهل البَصْرة، وجدّ فى ذلك وشمّر، وأعطَى الناسَ أعطياتِهِم كمَلاً(٢)، وأخذهم بالخيول الرّوائع، والسلاحِ الكامل ، وأخذ فى عرض الناس، ولا يرى رجلا تُذكَر منه شجاعةٌ إلا أحسَنَ معونَته، فمرّ عبيد الله بن أبى محجن الثقبَفىّ على عبّاد بن الحصين الخبطىّ، وهو مع الحجاج يريد عبد الرحمن بن أم الحكم الثقفى"، وهو يَعرِض الناس ، فقال (٢) يقال : أعطاه المال كملا ، أى كاملا . (١) !: ((فى ذلك الفرج)) . ١٠٤٤/٢ ٣٢٨ سنة ٨٠ عبّادٌ: ما رأيتُ فرسً أرْوَعَ ولا أحسنَ من هذا(١)، وإنّ الفرس قوّة وسلاح وإنّ هذه البغلة عَلَنْداة ، فزاده الحجاج خمسين وخمسمائة درهم، ومرّ به عطية العنبرىّ ، فقال له الحجاج ؛ يا عبدَ الرّحمن، أحسِنْ إلى هذا. فلما استَتَبّ له أمرُ ذَيْنِك الجندَين ، بعث الحجاج عطارد بن عمَر التميمىّ فعَسكر بالأهواز، ثمّ بعث عبيد الله بن حجربن ذي الجوشن العامرىّ من بنى كلاب . ثم بدا له ، فبعث عليهم عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث وعزل عُبيد الله بن حجر، فأنَّى الحجاجَ عمُّه إسماعيلَ بن الأشعث، فقال له: لا تبعثه فإنى أخاف خلافَه، واللّه ما جازَ جِسر الفرات قطّ فرأى لوال من الوُلاة عليه طاعةً وسلطانًا. فقال الحجاج: ليس هناك، هُولى أهيَب وفىّ أرغتَب من أن يخالف أمرى ، أو يخرج من طاعتى ؛ فأمضاه على ذلك الجيش ، فخرج بهم حتى قدم سجستانَ سنة ثمانين ؛ فجمع أهلها حين قد متها . قال أبو مخنف : فحدّثنى أبو الزّبير الأرحَبىّ - رجل من هتَمْدان كان معه - أنه صَعد منبرَها فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس، إنّ الأمير الحجّاج ولانى ثغرَكم، وأمَرَّنى بجهاد عدّوكم الذى استباح بلادكم وأباد خيارَ كم ، فإياكم أن يتخلّف منكم رجل فيُحِلّ بنفسِهِ العقوبة، اخرجُوا إلى معسكركم فعسكروا به مع الناس . فعسكر الناسُ كلهم فى معسكرهم ووُضِعت لهم الأسواق ، وأخذ الناسُ بالجهاز والهيئة بآلة الحرب ، فبلغ ذلك رُتْبيل، فَكَتَب إلى عبد الرحمن بن محمد يعتذر إليه من مُصاب المسلمين ويخبره أنه كان لذلك كارهًا ، وأنهم ألحئوه إلى قتالهم ، ويسأله الصّلح ويتعرض عليه أن يقبلّ منه الخراج، فلم يجبه، ولتم يقبل منه. ولم يَنشَب عبدُ الرحمن أن سار فى الجنود إليه حتى دخل أوّل بلاده، وأخذ رُتْبِيل يضمّ إليه جندَه، ويدع له الأرض رُسْتا قارستاقاً، وحصْنًا حصْناً، وطفق ابن الأشعث كلما حوىّ بلداً بعث إليه عاملا ، وبعَثَ معه أعوانًا ، ووضع ١٠٤٥/٢ (١) ا: ((من ذا)). (٢) العلنداة : الغليظة . ٣٢٩ سنة ٨٠ البُرُدَ فيما بين كلّ بلد وبلد، وجعل الأرصادَ على العقاب والشعاب، ووضع المَسالح بكلّ مكان تخوف ، حتى إذا جاز من أرضه أرضًا عظيمة، وملأ يديه من البقر والغنم والغنائم العظيمة ، حبس الناسَ عن الوُغول فى أرض رُتْبِيل وقال : نكتفى بما أصبْناه العام من بلادهم حتى نجبيها ونعرفها، وتجترئ المسلمون على طُرُّقها، ثمّ نتعاطى فى العام المقبل ما وراءها، ثم لم نزل نتنقّصهم فى كلّ عام طائفةً من أرضهم حتى نقاتلَهم آخر ذلك على كنوزهم وذراريِّهم، وفى أقصى بلادهم، ومتنَع حصونهم ، ثمّ لا نزايل بلادَ هم حتى يُهلكهم الله. ١٠٤٦/٢ ثم كتب إلى الحجّاج بما فتح اللّه عليه من بلاد العدوّ، وبما صنع اللّه للمسلمين ، وبهذا الرأى الذى رآه لهم . وأما غيرُ يونسَ بن أبى إسحاق وغيرُ من ذكرت الرواية عنه فى أمر ابن الأشعث فإنه قال فى سبب ولايته سجستانَ ومسيره إلى بلاد رُتْبيل غير الذى رويت عن أبى مخفّف ، وزعم أن السبب فى ذلك كان أن الحجاج وجّه هِميان بن عدىّ السدُوسىّ إلى كرمانَ، مَسَلَحة لها ليمد عاملَ سجستانَ والسُّنْد إن احتاجا إلى مَدَدَ، فعصى هِميانُ ومن معه ، فوجه الحجاج ابن الأشعث فى محاربته ، فهزمه ، وأقام بموضعه . ومات عُبيد اللّه بن أبى بكْرة ، وكان عاملاً على سجستان ، فكتب الحجاج عهدَ ابن الأشعث عليها، وجهّزإليها جيشًا أنفَق عليهم ألفى ألف سوى أعطياتهم ، كان يُدعى جيشَ الطواويس ، وأمره بالإقدام على رُتْبيل . وحجّ بالناس فى هذه السنة أبان بنُ عثمانَ ، كذلك حدثنى أحمد بن ثابت ، عمّن ذكره ، عن إسحاق بن عيسى ، عن أبى معشر ، وکذلك قال محمّد بنُ عمر الواقدىّ. وقال بعضهم : الذى حجّ بالناس فى هذه السنة سليمان بن عبد الملك . وكان على المدينة فى هذه السنة أبانُ بنُ عثمان ، وعلى العراق والمشرق كلِّه ١٠٤٧/٢ ٣٣٠ سنة ٨٠ الحجّاجُ بن يوسف، وعلى خُراسانَ المهلّب بنُ أبى صُفْرة من قِبَل الحجاج، وعلى قضاء الكوفة أبو بُرْدة بن أبى موسى، وعلى قضاء البَصْرة موسى بنُ أنَس * * * وأغزَى عبدُ الملك فى هذه السنة ابنه الوليد . ١ ثم دخلت سنة إحدى وثمانين ذكر ما كان فيها من الأحداث ففى هذه السنة كان فتح قَالِيقَلا، حدثنى عمر بنُ شبّة، قال: حدّثنا علىّ ابن محمد، قال: أغْزَى عبدُ الملك سنة إحدى وثمانين ابنه عُبيدَ اللّه بن عبدالملك، فَفَتَح قالِيقَلا . [ذكر الخبر عن مقتل بَحِير بن ورقاءَ بخُراسان] وفى هذه السنة قُتِل بحِير بن ورقاء الصُّرَيمىّ بخُراسانَ . ذكر الْخبر عن مقتله : وكان سببُ قتله أنّ تحيرًا كان هو الذى تولى قتل بُكتير بن وشاح بأمرٍ أمية بن عبد الله إياه بذلك، فقال عثمان بنُ رجاء بن جابر بن شدّاد أحدُ بنى عَوف بن سعد من الأبناء يحضّ رجلا من الأبناء من آل بُكتير بالوِثْر: وبِتَّ بَطِينًا من رَحِيقٍ مُرَوَّقٍ لِعَمْرِى لَقَدْ أَغَضَيْتَ عَيْنَاً عَلَى القَذَى ومَن شربَ الصَّهْبَاءَ بالوِتْرِ يُسْبَقِ (١) وخَلَّيْتَ ثَأْرًا طُلَّ واختَرْتَ نَوْمَةً فلو كنْتَ مِنْ عوْفٍ بن سعدِ ذُوَابَةٌ تَرَكْتَ بَحِيرًا فى دَم مُتَرَقْرِقٍ ١٠٤٨/٢ بعَوف فعوفٌ أَهلُ شاةٍ حَبَلَّقِ (٢) فقل لبَحِيرٍ نَمْ ولا تخشَى ثائرًا وصرتُم حَدِيثاً بيْنَ غَربٍ ومَشْرقِ دَعِ الفسأَنَ يوماً قد سُبِقْتُم بوترِ كُمْ وَهُبّوا فلو أَمسِى بُكَيْرٌ كَعَهْدِهِ صحيحاً لَغَادَاهُم بِجَأُوَاءَ فَيَقٍ(٣) وقال أيضًا : فلو كان بكرُ بارِزًا فى أَدَاتِهِ (١) ابن الأثير: ((ومن يشرب)). وذى العَرْشِ لم يُقْدِمِ عليهِ بَحِيرُ (٢) الحبلق : صغار الغنم. (٣) فى اللسان: ((كتيبة جأواء: بينة الجأى، وهى التى يعلوها لون السواد لكثرة الدروع)). ٣٣١ ٣٣٢ سنة ٨١ ففى الدهر إِنْ أَبقَانِىَ الدَّهرُ مَطلَبٌ وفى الله طَلَّبٌ بذاكَ جدِيرُ وبلغ تَجِيرًا أنّ الأبناء يتوّعدونه ، فقال : تَوَعَّدنى الأَبناءُ جَهْلاً كأَنْما يَرَون فِنائى مُقْفِرًا من بنى كعبٍ حُسامٍ كلون المِلح ذى رَوْنَقٍ عَضْبٍ (٢) ٠٠ ٥ (١) رفَعْتُ له كفِّى بحدٌ مُهَنَّد (١) ١٠٤٩/٢ فذكر علىّ بنُ محمد، عن المفضّل بن محمد ، أن سبعة عشر رجلا من بنى عوف بن كعب بن سعد تَعَاقَدوا على الطلب بدمٍ بُكتير، فخرج فتّ منهم يقال له الشمَرْدَل من البادية حتى قدم خُراسان ، فنظر إلى بحِير واقفًا ، فشدّ عليه فطعنه فصرعه ، فظن أنه قد قتله ، وقال الناس : خارجىّ ، فراكَضَهم ، فعَشَرَ فرسُهُ فندر عنه فقُتِل. ثمّ خرج صَعْصعة بن حرب العَوْفِىّ، ثمّ أحد بنى جُندُب، من البادية وقد باع غُنَيْمات له ، واشترى حماراً ، ومضى إلى سجستانَ فجاور قرابةٌ لبَحير هناك ولاطفتهم ، وقال : أنا رجل من بني حنيفة من أهل اليمامة ، فلم يَزَلْ يأتيهم ويجالسُهم حتى أنِسوا به، فقال لهم: إنّ لى بخُراسان ميراثًا قد غُلبتُ عليه، وبلغنى أنّ تَجِيرًا عظيمُ القَدْر بخُراسان، فاكتُبُوا لى إليه كتابًا يُعينُنى على طلب حقى، فكتبوا إليه ، فخرج فقّدِمِ مَرْوّ والمهلّب غاز. قال: فلقىَ قومًا من بنى عوف، فأخبرهم أمرَه، فقام(٣) إليه مولّى لبكير صَّيْقَل (٤)، فقبّل رأسه، فقال له صعصعة: اتخذ لى خِنْجَراً، فعمل له خنجراً وأحماه وغَمَسه فى لَبَنِ أتان مرارًا، ثمّ شخص من مَرْوَ فقطع النهر حتى أتى عسكتر المهلب وهو بأخرون يومئذ ، فلقى بحيراً بالكتاب، وقال : إنى رجل من بنى حنيفة ، كنتُ من أصحاب ابن أبى بكرة ، وقد ذهب مالى بسجستان، ولى ميراثٌ بِمَرْو، فقدِمْت لأبيعته، وأرجع إلى اليمامة . قال : فأمر له بنفقة وأنزله معه ، وقال له : استعين بى على ما أحببتَ ، قال : أقيمُ عندَك حتى يقفُل الناسُ، فأقام شهراً أو نحوًا من شهر يحضُر ١٠٥٠/٢ (١) ب، ف: ((بعضب)). (٣) ب، ف: ((فأقبل)) .. (٢) ابن الاثير: ((كلون الثلج)). (٤) السقيل : شحاذ السيوف وجلاؤها . ٣٣٣ سنة ٨١ معه بابَ المهلّب ومجلسه حتى عرف به . قال : وكان بحير يخاف الفَتْك به ، ولا يأمن أحدًا، فلما قَدِم صعصعةُ بكتابٍ أصحابه قال : هو رجلٌ من بكر بن وائل، فأمنه ، فجاء يوميًا وبحير جالس فى مجلس المهلّب ، عليه قميص ورداء ونعلان، فقعد خلفه، ثمّدنا منه، فأكب" عليه كأنه يكلمه، فوجأه بخنجره فى خاصرته ، فغيّبه فى جوفه ، فقال الناس: خارجىّ ! ، فنادى : يالثارات بُكير ، أنا ثائر ببكير ! فأخذه أبو العَجْفاء بن أبى الحَرْقاء ، وهو يومئذ على شُرّط المهلب ، فأتى به المهلّب فقال له : بُؤَسًا لك ! ما أدركتَ بثأرك، وقتلتَ نفسَك، وما على بَحِير بأس، فقال: لقد طعنته طعنةً لو قُسِمتْ بين الناس لِمَاتُوا، ولقد وجدتُ ريح بطنِهِ فى يدى ، فحبسه فدخل عليه السجنَ قومٌ من الأبناء فقبّلوا رأسَه. قال: ومات بَحِير من غدٍ عند ارتفاع النهار ، فقيل لصَعْصعة: مات بحير ، فقال: اصنعوا بى الآن ما شئتم، وما بدا لكم ، أليس قد حلّت نُدُورُ نساء بني عوف، وأدركتُ بثأرى! لا أبالى ما لقيت، أما والله لقد أمكننى ما صنعتُ خالياً غَيْرَمرّة، فكرهت أن أقتله سرًّا؛ فقال المهدّب: ما رأيتُ رجلا أسختى نفسًا بالمَوت صبرًا من هذا؛ وأمَّر بقتله أبا سُوَيقة ابن عمّ لبحِير، فقال له أنس بنطلق: ويحك! قتل بحير فلا تقتلوا هذا، فأبى وقَتلَه، فشتّمَه أنَس. وقال آخرون : بعث به المهلّب إلى بَحِير قبل أن يموت، فقال له أنّس ابن طَلْقِ العَبْشَمىّ: يا بحير، إنك قتلتَ بكيراً ، فاستحسِى هذا ، فقال بحير: أدنوه منّى، لا واللّه لا أموت وأنتَ حىّ، فأدنَوْه منه، فوضع رأسَه بين رجليه وقال: اصبر عفاق ، إنه شرّ باق، فقال ابن طلحة لبَّحِير : لعنك اللّه! أكدّمك فيه وتقتله بين يدىّ! فطعنه بحِير بسيفِه حتى قتلَه ومات بخير، فقال المهلب: إنا لله وإنا إليه راجعون، غزوة أُصيبَ فيها بحِير؛ فَغَضب عوف بنُ كعب والأبناء وقالوا: علامَ قُتِل صاحبنا ، وإنما طلب بثأره! فنازعتهم مُقاعس والبُطون حتى خاف الناس أن يعظُم البأس، فقال أهلُ الحِجَى: احملوا دمَ صَعْصعة، واجْعَلوا دمَ بحير بَوَاءً بسُكْر ١٠٥١/٢ ٣٣٤ سنة ٨١ فوَدّوا صَعْصعة، فقال رجل من الأبناء يمدّح صعصعة: دونَ العِرَاقِ مَفَاوِزًا وبُحُورًا للهِ دَرُّ فَتّى تجَاوَزَ هَمّهُ حتَّى تَنَاوَلَ فِى خَرُونَ بَحيرًا ما زال يَدْأَبُ نَفْسَهُ ويكُدُّها قال : وخرج عبدُ رَّبّه الكبير أبو وكيع ، وهو من رَهْط صَعْصعة إلى البادية ، فقال لرَهْط بُكَير : قُتِل صعصعة بطلِبِه بدمٍ صاحبكم ، فودَوْه ، فأخذ لصعصعة ديتَين . # [ذكر الخبر عن خلاف ابن الأشعث على الحجاج] ١٠٥٢/٢ قال أبو جعفر : وفى هذه السنة خالف عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث الحجّاجَ ومَن معه مِن جُند العراق، وأقبلوا إليه لحربه فى قول أبى مخنّف، وروايته لذلك عن أبى المخارِق الراسبىّ، وأما الواقدىّ فإنه زعم أنّ ذلك كان فى سنة اثنتين وثمانين . ذكر الخبر عن السبب الذى دعا عبد الرحمن بن محمّد إلى ما فعل من ذلك وما كان من صنيعه بعد خلافه الحجّاج فى هذه السنة: قد ذكرنا فيما مضى قبل ما کان من عبد الرحمن بن محمد فى بلاد رُتْبیل، وكتابه إلى الحجّاج بما كان منه (١ هناك، وبما عُرِض١) عليه من الرأى فيما يستقبل من أيامه فى سنة ثمانين (٢)، ونذكر الآن ما كان من أمره فى سنة إحدى وثمانين فى روايةٍ أبى مخنَف ، عن أبى المخارِق . ذَكَر هشامٌ عن أبى مِخَف قال : قال أبو المُخارِقِ الراسبىّ: كتب الحجّاج إلى عبد الرحمن بن محمد جوابَ كتابه : أما بعد ، فإن كتابك أتانى، وفهمتُ ماذكرتَ فيه ، وكتابُك كتاب امرئ يحبّ الهدنة ، ويستريح إلى المواد عة،قد صانع عدوًّا قليلا ذليلا، قد أصابوا من المسلمين جُنداً كان بلاؤهم حَسَنًا، وغتناؤهم فى الإسلام عظيماً . لتعمرُك يابن أمّ عبد الرحمن؛ إنك حيث تكفّ عن ذلك العدوّ مجندىوحدّى ١٠٥٣/٢ (٢) انظر ص ٣٢٦ (١ -١) ب، ف: ((هنالك وما عزم)). وما بعدها . ٣٣٥ سنة ٨١ لسخِىُّ النفس عمّن أصيب من المسلمين . إنى لم أعدد رأيكَ الذى زعمت أنك رأيتَه رأىَ مكيدة ، ولكنى رأيتُ أنه لم يحملك عليه إلا ضعفك، والتياثُ رأيك ، فامضٍ لما أمرتك به من الوغول فى أرضهم ، والهدم لحصونهم ، وقتلِ مُقَاتلتِهم ، وسَبْ ذراريِّهم . ثم أردفَه كتاباً فيه : أما بعد ، فمُرْ مَن قِبلَك من المسلمين فلْيحرُتُوا وليقيموا، فإنها دارُهم حتى يفتحها الله عليهم. ثمّ أردفه كتابًا آخر فيه : أما بعد ، فامض لما أمرتك به من الوغول فى أرضهم ، وإلاّ فإن إسحاق ابنَ محمّد أخاك أمير الناس، فخلّه وما وُلِّتَهُ . فقال حين قرأ كتابَه : أنا أحمل ثِقل إسحاق ؛ فعَرَض له ، فقال : لا تفعل، فقال: وربّ هذا - يعنى المُصحف - لئن ذكرتتَه لأحد لأقتلنّك . فظنّ أنه يريد السيف، فوضع يده على قائم السيف، ثمّ دعا الناسَ إليه، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إنى لكم ناصح ، ولصلاحِكم ◌ُحِبّ، ولكم فى كل ما يحيط بكم نفعُه ناظر ، وقد كان من رأيى فيما بينكم وبين عدوّكم رأىٌ استشرتُ فيه ذوى أحلامكم، وأولى التجربة للحَرْب(١) منكم، فرضُوه لكم رأياً، ورأوْه لكم فى العاجل والآجل صلاحاً، وقد كتبت(٢) إلى أميركم الحجّاج، فجاءنى منه كتاب يعجّزنى ويضعُفنى، ويأمُرنى بتعجيل الوغول بكم فى أرض العدوّ، وهى البلاد التى هلك إخوانكم فيها (٣) بالأمس، وإنما أنا رجل منكم أمضى إذا مَضَيم، وآبى إذا أبيتم. فثارً إليه الناسُ فقالوا: لا، بل نأبى على عدوّ اللّه، ولا نَسمَح له ولا نطيع. ١٠٥٤/٢ قال أبو مخنف: فحدّثّى مطرّف بن عامر بن واثلة الكنانىّ أنّ أباه كان أوّل متكلّم يومئذ، وكان شاعراً خطيبًا، فقال بعدَ أنْ حمد الله وأثنى عليه: أما بعد، فإنّ الحجّاج واللهِ ما يَرَى بكم إلا ما رأى القائل الأوّل إذ قال (١) ب، ف: ((منكم الحرب)). (٣) ب، ف: ((فيها إخوانكم)). (٢) بعدها فى ب، ف: ((بذلك)). ٣٣٦ سنة ٨١ لأخيه: احمِل عبدَك على الفَرَس، فإنْ هَلَك هلك، وإن نجا فلك. إن الحجاج والله ما يبالى أن يخاطر بكم فيُقحمكم بلاداً كثيرة اللُّهوب واللّصوب(١)، فإن ظفِرتم فغنمتم أكَلَ البلاد وحازَ المال ، وكان ذلك زيادة فى سلطانه ، وإن ظَفر عدوّكم كنتم أنتم الأعداء البُغَضاء الذى لا يبالى عنتهم ، ولا يبقى عليهم، اخلعوا عدوّ اللّه الحجاج وبايعوا عبد الرحمن، فإنى أشهدكم أنّى أوّل خالع . فنادى الناس من كلّجانب، فعلنا فعلنا، قد خلعْنا عدوّ اللّه، وقام عبدُ المؤمن بن شَبَسَث بن رِبعىّ التميمىّ ثانيًا - وكان على شُرْطته حين أقبَلـ فقال: عبادَ الله، إنكم إن أطعتم الحجّاج جعل هذه البلاد بلاد كم ما بقيتم، وجمركم تجميرَ فرعونَ الجنود ، فإنه بلغنى أنه أول من جمّر البعوث ، ولن تعاينوا الأحبّة (٢ فيما أرى أو يموتَ أكثركم ٢). بايعوا أمير كم، وانصرفوا إلى ١٠٥٥/٢ عدوّكم فانفوه عن بلادٍكم ، فوثَب الناس إلى عبد الرحمن فبايعوه ، فقال : تبايعونى على خلع الحجّاج عدوّ اللّه وعلى النصرة لى وجهاده معى حتى ينفيه الله من أرض العراق. فبايعه الناس، ولم يذكر خلع عبد الملك إذ ذاك بشىء. قال أبو مختّف: حدّثنى عمر بن ذَرّ القاصّ أنّ أباه كان معه هنالك، وأنّ ابن محمد كان ضرَبَه وحبّه لانقطاعه كان إلى أخيه القاسم بن محمد ، فلمّا كان من أمره الذى كان من الخلاف دعاه فحمَلَه وكساه وأعطاه ، فأقبَل معه فيمن أقبَل ، وكان قاصًا خطيبًا . قال أبو مخنف: حدثنى سيف بن بشْر العجلىّ، عن المنخّل بن حابس العبدىّ أنّ ابنَ محمّد لما أقبل من سجستانَ أمّر على بُسْتِ عياض ابن هميان البكرىّ، من بنى سَدُوس بن شَيْبان بن ◌ُذُهْل بن ثعلبة ، وعلى زَرَنْج عبد الله بن عامر التميمىّ ثم الدارمىّ، ثم بعث إلى رُتْبيل، فصالحه على أنّ ابنَ الأشعث إن ظَهَرَ فلا خَرَاجَ عليه أبداً ما بقِىَ ، وإن هُزم فأراده ألجأه عنده . (١) اللهوب: جمع لهب، وهو وجه من الجبل لا يمكن ارتقاؤه، واللصوب: جمع لصب ، (٢ - ٢) ب، ف: ((فيما أرى أو يموت أكثرهم)). وهو مضيق الوادى . سنة ٨١ ٣٣٧ قال أبو مخنف : حدّثنى خُشَينة بنُ الوَليد العبسىّ أنّ عبد الرحمن لمّا خرج من سِجِستانَ مقبلا إلى العراق ساربين يديه الأعشى على فرس، وهو يقول : شَطَّتْ نَوَى مِنْ دارُهُ بالإِيوانْ مِن عاشِقٍ أَمَسَى بِزَابُلِسْتَانْ كذَّابُهَا الماضِى وكذابٌ ثانْ يوماً إلى الليلِ يُسَلّى ما كان حين طَغَى فى الكفر بعدَ الإِيمانْ سارَ بجمْعِ كالدَّبَى من قَحْطانْ (٢) ١٠٥٦/٢ إِيوانِ كِسْرى ذى القُرَى والرِّيحانْ (١) إِنَّ ثقيفاً منهمُ الكذَّابانْ أَمَكَنَ ربِّى مِن ثقيفِ هَمْدَانْ إِنَّا سَمَوْنا للكَفُورِ الفَثَّانْ بالسَّيّد الغِطْرِيفِ عبدِ الرّحمُنْ ومِن مَعَدِّ قد أَتى آبن عَدْنانْ فقلْ لحجَّاجٍ ولىّ الشيطانْ بِجَحْفَل جَمِّ شديدِ الإِرْنانْ (٣) فإِنَّهِمْ سَاقُوه كأُسَ الذَّيْفَانْ يثبُتْ لَجِمْعِ مَدْحِجٍ وهَمْدانْ ومُلحِقُوهُ بِقُرَى ابنِ مَرْوَانْ * ١٠٥٧/٢ قال: وبعدَث على مقدمته عطية بن عمرو العنبرىّ ، وبعث الحجاج إليه الخيل، فجعل لا يتلقى خيلا إلّا هزمتَها، فقال الحجاج: من هذا؟ فقيل له : عطيّة ، فذلك قولُ الأعشى : فإِذا جَعَلتَ دُرُوب فا رِسَ خَلَفَهُمْ دِرْباً فِدَرْبَا(٤) فابْعَثْ عطِيَّةً فى الخُيُو لِ يُكِبُّهُنَّ عَلَيْكَ كَبَّا ثمّ إن عبد الرحمن أقبل يسير بالناس ، فسأل عن أبى إسحاق السَّبيعىّ، وكان قد كتبه فى أصحابه ، وكان يقول : أنت خالى ، فقيل له : ألا تأتيه فقد سأل عنك! فكرِه أن يأتيه، ثمّ أقبل حتى مرّ بكَرْ مان فبعث عليهم خَرَشة ابن عمرو التميمىّ ، ونزل أبو إسحاق بها ، فلم يدخل فى فتنته حتى كانت (١) هو أعشى همدان، وانظر الأغانى ٦ : ٥٩، ٦٠، فهناك رواية مخالفة. (٢) الدبى: الجراد، وفى الأغانى: ((كالقطا)). (٣) الإرنان : الضوضاء والجلبة. ٣٣٨ سنة ٨١ الجماجم ، ولما دخل الناسُ فارسَ اجتمع الناس بعضهم إلى بعض ، وقالوا : إنا إذا خلعنا الحجّاجَ عاملَ عبد الملك فقد خلعْنا عبد الملك، فاجتمعوا إلى عبد الرحمن ، فكان أول الناس . ١٠٥٨/٢ قال أبو مختّف فيما حدثنى أبو الصّلت التيمىّ: خلع عبد الملك بن مروان تيحانُ بن أبْجر من بنى تيم اللّه بن ثعلبة ، فقام فقال : أيها الناس ، إنى خلعت أيا ذِ بَّان(١) كَخلْعى قميصِى، فخلعه الناسُ إلا قليلا منهم، وَوَثبوا إلى ابن محمد فبايعوه ، وكانت بيعتُه: تُبايعون على كتاب الله وسنة نبيه وخلع أئمة الضلالة(٢) وجهاد المحلِّين، فإذا قالوا: نعم بايتَعَ . فلما بلغ الحجّاج خلعُه كتب إلى عبد الملك يخبره خبر عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث ، ويسأله أن يعجل بعثة الجنود إليه ، وبعث كتابه إلى عبد الملك يتمثّل فى آخره بهذه الأبيات ، وهى للحارث بنِ وَعْلة : حَرْباً تُفَرِّقُ بين الجِيرَةِ الخُلُطِ (٣) سَائِلْ مُجَاوِرَ جَرْمٍ هل جَنَيْتُ لهمْ جَمِّ الصَّوَاهِلِ بين الجمِّ والفُرُط (٥) وهلْ سَمَوْتُ بِجَرَّارٍ له لَجِبٌ (٤) فى سَاحَةِ الدّارِ يَسْتَوْقِدْنَ بالغُبُطِ (٦) وهل تركتُ نِساءَ الحَىِّ ضاحيةً وجاء حتى نزل البصرة . وقد كان بلغ المهلبَ شقاق عبد الرحمن وهو بسجستان ، فكتب إليه : ١٠٥٩/٢ أما بعد ، فإنك وضعتَ رجْلك يا بن محمد فى غَرْز طويل الغَىّ على أمة محمد صلى الله عليه وسلم. اللّهَ اللّه فانظر (٧) لنفسك لا تُهلِكْها؛ ودماء المسلمين فلا تَسَفِكْها ، والجماعة فلا تفرّقها ، والبَيعة فلا تَنكُشْها، فإن قلتَ: أخاف الناسَ على نفسى فاللّهُ أحقّ أن تخافه عليها من الناس، فلا تُعرّضها لله فى سَفْك دم ، ولا استحلال محرّم والسلام عليك. (١) أبو ذبان ، كنيته عبد الملك بن مروان ؛ وكان يتبز بها. وانظر ثمار القلوب ٢٤٦ (٢) ب، ف: ((وعلى جهاد أهل الضلالة وخلعهم)). (٣) الأغانى ١٩ : ١٤٠. (٤) الأغانى: ((أم هل علوت)). (٥) الأغانى: ((يغشى المحارم بين السهل والفرط)). (٦) الأغانى: ((حتى تركت)). (٧) ب، ف: ((انظر)). سنة ٨١ ٣٣٩ وكتبَ المهدّب إلى الحجّاج: أما بعد فإنّ أهل العراق قد أقبلوا إليك وهم مثل السَّيْل المنحدر من عَل، وليس شىء يردّه حتى ينتهى إلى قراره، وإنْ لأهل العراق شِرَّةٌ فى أوّل مخرجهم ، وصَبابة إلى أبنائهم ونسائهم ، فليس شىء يردّهم حتى يَسقُطوا إلى أهليهم، ويشموا أولادهم، ثمّ واقِفِهم عندها، فإنّ اللّه ناصرُك عليهم إن شاء الله . فلما قرأ كتابَه قال: فَعَل الله به وفَعل، لا والله ما لى نَظَر. ولكنْ لابن عمّ نَصّح. لما وقع كتابُ الحجاج إلى عبد الملك هاله ثمّ نزل عن سريره وبعث إلى خالد بن يزيد بن معاوية ، ودعاه فأقْرَأه الكتاب ، ورأى ما به من الجنّزّع، فقال : يا أميرَ المؤمنين، إنْ كان هذا الحدث من قِبَل سجستان، فلا تَخفْه، وإن كان من قِبَل خُراسانَ تخوفته . قال: فخرج إلى الناس فقام فيهم فتَحِمد اللهَ وأثنَى عَليه ثم قال : ١٠٦٠/٢ إن أهل العراق طال عليهمْ عمرى فاستعجّلُوا قَدَرِى. اللهم سلط عليهم سيوف أهل الشأم حتى يَبلغوا رضاك، فإذا بلغوا رضاك لم يجاوزوا إلى سُخْطك. ثمّ نزل. وأقام الحجّاجُ بالبَصْرة وتجهّز ليلقى ابنَ محمّد، وترك رأى المهلب وفُرسان(١) الشأم يَسقُطون إلى الحجاج، فى كلّ يوم مائة وخمسون وعشرة وأقلّ على البُرد من قِبَل عبد الملك ، وهو فى كلّ يوم تسقُط إلى عبدِ الملك كُتُبُه ورُسله بخبر ابن محمد أىَّ كورة نَزّل، ومن أىّ كورة يَرتحِل ، وأىُّ الناس إليه أسرّع . قال أبو مخنف: حدثنى فُضيل بن خديج أنّ مكتبه كان بكَرْمان ، وكان بها أربعة آلاف فارس من أهل الكوفة وأهل البصرة ، فلما مرّ بهم ابن محمد بن الأشعث، انجقلوا معه، وعزم الحجاج رأيه على استقبال ابن الأشعث، فساربأهل الشأم حتى نزل تُسْتَر، وقدم بين يديه مطهر بن حرّ العكىّ - أو الجُدامىّ - وعبد الله بن رُمَيَشْه الطائىّ، ومطهّر على الفريقين، فجاءوا حتى انتَهْرا إلى دُجَيْل، وقد قطع عبد الرحمن بن محمد خیلا له، (١) ب، ف: ((وسار)). ٣٤٠ سنة ٨١ عليها عبد الله بن أبان الحارثيّ فى ثلثمائة فارس - وكانت مَسلحةً له وللجُنْد - فلما انتهى إليه مطهّر بن حرّ أمَرَ عبد الله بن رُمَيثة الطائىّ فَأقدَم عليهم ، فهزمتْ خيلُ عبد اللّه حتى انتهتْ إليه، وجُرح أصحابه . ١٠٦١/٢ قال أبو مخنف : فحدثنى أبو الزبير الحَمْدانىّ، قال: كنتُ فى أصحاب ابن محمد إذ دعا الناس وجمعهم إليه ثمّ قال: اعبُروا إليه من هذا المكان ، فأقحم الناسُ خيولَهم دُجسّيل من ذلك المكان الذى أمرهم به ، فوالله ما كان بأسرع من أن عَبَر عُظْم خيولنا ، فما تكاملت حتى حملْنا على مطهّر بن حرّ والطائىّ فهزمناهما يوم الأضحى فى سنة إحدى وثمانين وقتلنا هم قَتْلا ذريعًا، وأصبنا عسكرهم، وأتت الحجاجَ الهزيمةُ وهو يخطُب، فصَعِد إليه أبو كعب بن عُبيد بن سَرْجِس فأخَبَرَه بهزيمة الناس ، فقال : أيّها الناس، ارتحلوا إلى البصرة إلى معسكر ومقاتَل وطعام ومادّة، فإنّ هذا المكان الذى نحن به لا يحمل الجند . ثمّ انصرف راجعًا وتبعتْه خيولُ أهل العراق، فكلما أدركوا منهم شاذًّا قَتَكوه ، وأصابوا ثِقْلا حورْه ، ومضى الحجاج لا يتلوى على شىء حتى نزل الزاوية، وبعث إلى طعام التجاربالكلّاء (١) فأخذه فحمله إليه ، وخلّى البَصرة لأهل العراق . وكان عامله عليها الحكم ابن أيوب بن الحكم بن أبى عقيل الثقفى". وجاء أهل العراق حتى دخلوا البصرة. وقد كان الحجاج حين صدم تلك الصّدمةَ وأقبل راجعًا دعا بكتاب المهلَّب، فقرأه ثمّ قال : للّه أبوه! أىّ صاحب حرب هو! أشار علينا بالرأى، ولكنّا لم نقبل . ١٠٦٢/٢ # ، وقال غيرُ أبي مخنف: كان عامل البصرة يومئذ الحكم بن أيّوب على الصّلاة والصدقة، وعبد الله بن عامر بن مسمع على الشُّرَط، فسار الحجاج فى جيشه حتى نزل رُسْتُقْباذ وهى من دَسْتَوَى من كور الأهواز، فعسكر بها ، وأقبل ابنُ الأشعث فنزل تُسْتَرِ ، وبينهما نهر، فوجه الحجاج مُطَهّر ابنَ حرّ العَكىّ فى ألفى رجل ، فأوقعوا بمسلحة لابن الأشعث ، وسار ابن (١) الكلاء : سوق بالبصرة.