Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨١
سنة ٧٧
قال أبو مخنف : فحدثنى أبو يزيد السَّكْسكىّ بهذا الحديث. وكان
ممَّن يقاتله من أهل الشام، وحدّنى فروة بنُ لقيط، وكان ممَّن شهد مواطنه-
فأمَّا رجل من رهطه من بنى مُرّة بن هَمَّام فإنَّه حدّنى أنه كان معه قومٌ
يقاتلون من عشيرته ، ولم يكن لهم تلك البصيرةُ النافذة، وكان قد قتل من عشائرهم
رجالا كثيراً، فكأن ذلك قد أوجع قلوبَهم ، وأوغَرَ صدورَهم ؛ وكان
رجلٌ يقال له مُقاتل من بنى قيم بن شَيْبان من أصحاب شبيب ، فلمَّا
قتل شبيبٌ رجالاً من بنى تيم بن شيبانَ أغار هو على بنى مُرّة بن هَمَّام
فأصاب منهم رجلا ، فقال له شبيب: ما حملك على قتلهم بغيرٍ أمرى !
فقال له: أصلحك اللّه! قتلتُ كفَّار قومى، وقتلتَ كفَّار قومك، قال: وأنت
الوالى علىّ حتَّى تقطع الأمور دُوِنِى! فقال: أصلحك الله ! أليس من
ديننا قتل مَنْ كان على غير رأينا، منًّا كان أو مِنْ غيرنا! قال: بلى، قال:
فإنَّما فعلت ما كان ينبغى ، ولا والله يا أمير المؤمنين ما أصبت من رهطك عشر
ما أصبت من رهطى، وما يحلّ لك يا أمير المؤمنين أن تجد من قَتْل
الکافرین ؛ قال : إنى لا أجد من ذلك . وكان معه رجال کثیر قد أصاب
من عشائرهم ، فزعموا أنَّه لمَّا تخلَّف فى أخريات أصحابِهِ قال بعضُهم
لبعض: هل لكم أن نقطع به الجِسْر فندْركَ ثأرَنا الساعة! فقطعوا الجِسْر،
فالت السفُن، فَفَزِع الفرس ونفر ، ووقع فى الماء فغرِقٍ .
٩٧٦/٢
قال أبو مخنف : فحدثنى ذلك المُرّيّ بهذا الحديث ، وناسٌ من
رَهْطِ شبيب يَذْكرون هذا أيضًا؛ وأَمَّا حديث العامَّة فالحديثُ
الأوّل .
قال أبو مخنّف: وحدثنى أبو يزيدَ السَّكْسَكىّ، قال: إنَّا والله
لنتهَّيَأ للانصراف إذ جاء صاحبُ الجسر فقال : أين أميرُكم ؟ قلنا : هو
هذا، فجاءه فقال: أصلَحَك اللّه! إن رجلاً منهم وقع فى الماء ، فتنادوا
بينهم : غَرَق أميرُ المؤمنين! ثمّ إنَّهم انصرفوا راجعين ، وتركوا عسكرَهم
ليس فيه أحد، فكبَّرَ سُفيانُ وَكبَّرنا، ثمّ أقبل حتَّى انتهى إلى الجسر،
وبعث مُهاصِير بن صَيفىّ فعبر إلى عسكرهم ، فإذا ليس فيه منهم صافِرٌ

٢٨٢
سنة ٧٧
ولا آثر (١)، فنزل فيه، فإذا أكثرُ عسكر خلقِ اللّه خيرًا، وأصبَحْنا فطلبنا
شبيبًا حتّى استخرَجْناه وعليه الدّرْع، فسمعتُ النَّاس يزْعمون أنه شَقّ
بطنَه فأخرج قلبَه ، فكان مجتمعا صُلْبًا كأنَّه صَخْرة، وإنَّه كان يضرب
به الأرض فيثب قامة إنسان؛ فقال سفيان: احْمدوا الله الَّذى أعانكم
فأصبح عسكرهم فى أيدينا .
قال أبو زيد عُمر بنُ شَبَّة: حدثنى خلاّد بنُ يزيد الأرقط ، قال:
كان شبيب يُنْعَى لأمُّه فيقال : قتل فلا تقبل قال : فقيل لها : إنَّه
غرِقٍ، فَقبِلتْ، وقالت: إنى رأيتُ حين ولدتُه أُنَّه خرج مِنی شهاب نار،
فعَلِمتُ أنه لا يُطفِئه إلاّ الماء .
٩٧٧/٢
قال هشام عن أبى مختّف: حدّثّى فَرْوة بن لقَيَط الأزْدىّ ثمّ
الغامرىّ أن يزيد بن نُعيْم أبا شبيب كان ممَّن دخل فى جيش سَلْمان بن ربيعة
إذ بعث به وبمن معه(٢) الوليد بن عُقْبة عن أمرٍ عثمانَ إِيَّاه بذلك مَدَدًا لأهل
الشأم أرض الروم، فلمَّا قَفَل المسلمون أقيمَ السَّبَى للبيع ، فرأى يزيد
ابن نُعيم أبو شبيب جاريةً حمراءَ، لا شَهْلاء ولا زَرْقاء طويلةٌ جميلةٌ
تأخُذُها العين ، فابتاعتها ثم أقبل بها ، وذلك سنة خمس وعشرين أوّل
السنة، فلمّا أدخَلَتها الكوفة قال : أسلمى، فأبتْ عليه ، فضربها فلم
تزدَد إلا عصيانًا، فلمَّا رأى ذلك أمر بها فأصلِحت، ثمّ دعا بها فأدخِلَتْ
عليه ، فلما تَغَشَّاها تَلَقَّتْ منه بحَمْل فولدتْ شبيبًا، وذلك سنة خمس
وعشرين فى ذى الحجّة فى يومِ النَّحر يومَ السبت. وأحبَّت مولاها حُبَّا
شديدًا - وكانت حدثة (٣) - وقالت: إن شئت أجبتُك إلى ما سألتنى من
الإسلام، فقال لها : شئتُ، فأسلَمَتَ، وولدتْ شبيبًا وهى مُسِْلمة،
وقالت: إنى رأيت فيما يَرَى النائم أنَّه خرج من قُبُلى شهابٌ فَثقب يسطع
حتَّى بلغ السماءَ وبلغ الآفاقَ كلَّها ، فبينا هو كذلك إذ وقع فى ماء
كثير جارٍ فخبا، وقد ولدتُه فى يومِكم هذا الَّذى تُهريقون فيه الدماء، وإنى
(١) يقال: ما فى الدار من صافر، أى أحد يصفر، وهو مثل.
(٢) ا: ((معد الوليد بن عقبة)).
(٣) كذا فى ا، وفى ط: ((تحدثه)).

٢٨٣
سنة ٧٧
قد أوّلْتُ رؤياىَ هذه أنى أرى ولدى هذا غلامًا، أراه سيكون صاحب دماء
يُهَرِيقها، وإنى أرى أمره سيعلو ويعظم سريعًا. قال: فكان أبوه يختلف.
به وبأمّه إلى البادية إلى أرضِ قومه على ماء يُدعَى اللَّصَف.
٩٧٨/٢
قال أبو مخنف : وحدثنى موسى بنُ أبى سُويد بن رادى أن
جُنْدَ أهل الشام الَّذين جاءوا حملوا معهم الحَجَر فقالوا: لا نفرّ من
شبيب حتَّى يفرّ هذا الحجر؛ فبلغ شبيبًا أمرُهم ، فأراد أن يكيدهم ، فدعا
بأفراس أربعة، فربط فى أذنابها ترَسة فى ذَنَب كلّ فرس تُرْسَيْن، ثمّ
ندب معه ثمانيةَ نفر من أصحابه، ومعه غلامٌ له يقال له حيَّان ، وأمره
أن يحمل معه إداوَةٌ من ماء، ثم سار حتَّى يأتى ناحيةٌ من العسكر ،
فأمر أصحابه أن يكونوا فى نواحى العسكر، وأن يجعلوا مع كلّ رجلين فرساً،
ثم يُمِسُّوها الحديدَ حتَّى تجد حرَّه ويخلّوها فى العسكر، وواعدهم تلعة
قريبةً من العسكر، فقال : من نجا منكم فإنّ موعده هذه التَّلْعة ؛ وكره
أصحابُهُ الإقدامَ على ما أمرهم به ، فنزل حيثُ رأى ذلك منهم حتى صنع
بالخَيْل مِثلَ الَّذى أمرهم ، ثمّ وغلتْ فى العسكر، ودخل يَتْلوها مُحكّمًا
فضرب الناسُ بعضُهم بعضًا ، فقام صاحبُهم الَّذى كان عليهم ، وهو
حبيب بن عبد الرحمن الحَكَمَىّ، فنادى : أيها الناس ، إنّ هذه مكيدة،
فالزَمَوا الأرض حتَّى يتبيَّن لكم الأمرُ ، ففعلوا وبقى شبيب فى عسكرهم
فلزم الأرض حيث رآهم قد سكنوا ، وقد أصابتْه ضَربةُ عمود أوهنتْهِ ،
فلمَّا أن هدأ الناسُ ورجعوا إلى أبنيتهم خرج فى غِمارهم حتَّى أتى التلعة، ٩٧٩/٢
فإذا هو بَحيَّان، فقال: أفرِغ يا حيَّان على رأسى من الماء؛ فلمَّا مدّ رأسه
ليصبّ عليه من الماء همّ حيَّان أن يَضرب عنقه، فقال لنفسه : لا أجد
لى مكرُمَةً ولا ذِكِرًا أرفعَ مِن قتلِى هذا، وهو أمانى عند الحجَّاج، فاستقبلتْه
الرّعِدة حيثُ هَمّ بما هَمَّ به، فلمَّا أبطأ بِحَلّ الإدارة قال: ما يُبطئك
بحلّها! فتناول السِّكين من مَوْزَجِهِ (١) فخَرَقها به، ثمّ ناوَلَها إياه،
فأفرغ عليه من الماء. فقال حيان: منَعَنى واللّهِ الجُبْن وما أخَذَنى من
(١) الموزج: الخف، فارسى معرب. الجواليقى ٣١١.

٢٨٤
سنة ٧٧
الرّعدة أن أضرب عنقه بعد ما هممتُ به. ثمّ لَحِقٍ شبيب بأصحابه فى
عسكره .
*
[خروج مطرّف بن المغيرة على الحجَّاج وعبد الملك] .
قال أبو جعفر: وفى هذه السنة خرج مُطَرّف بن المغيرةِ بنِ شُعْبة
على الحجّاج ، وخلع عبد الملك بن مروان ولحق بالجبال فقُتُل .
: ذكر السبب الذى كان عند خروجه وخلعه عبد الملك بن مروان :
قال هشامٌ عن أبى مخنَف، قال : حدثنى يوسفُ بنُ يزيدَ بن بكر
الأزْدىّ أنّ بنى المغيرة بن شعبة كانوا صُلَحاء نُبَلاء، أشرافًا بأبدانهم سوى
شَرَف أبيهم ومنزلتِهم (١) فى قومهم . قال: فلمّا قدم الحجاج فلقوه وشافَهتهم
عَلِم أنَّهم رجال قومه وبنو أبيه ، فاستعمل عُروةَ بنَ المغيرة على
٩٨٠/٢ الكوفة، ومطرّفَ بنَ المغيرة على المدائن، وحمزة بن المغيرة على هَمَذان.
قال أبو مخنف: فحدّثّى الحُصَين بن يزيد بن عبد الله بن سعد بن نُقيلٍ
الأزْدىّ ، قال: قَدِمِ علينا مطرّف بنُ المغيرة بنِ شُعْبة المدائن فصعد
المنبرَ فحمد اللهَ وأثنى عليه ثمّ قال: أيّها الناس، إن الأمير الحجَّاجَ
أصلحه الله قد ولانى عليكم، وأمَرَنى بالحُكْم بالحق، والعدل فى السيرة، فإن
عملتُ بما أمَرَنى به فأنا أسعدُ الناس، وإن لم أفْعَلْ فنفسى أو بَقْتُ، وحظّ
نفسى ضيّعت، ألا (٢ إنى جالس لكم العَصْرين، فارفعوا إلىّ حوائجكم ٢)،
وأشيروا علىّ بما يصلحكم ويُصلح بلادكم ، فإنى لن آلُوكم خيرًا
ما استطعتُ . ثمّ نزل .
وكان بالمدائن إذ ذاك رجالٌ من أشراف أهل المصْر وبيوتات الناس، وبها
مقاتلة لا تسعُها عدّة، إن كان كَوْنٌ بأرض جُوخَى أو بأرض الأنبار. فأقبل
مطرَّف حين نزل حتَّى جلس للناس فى الإيوان، وجاء حكيمُ بنُ الحارث
الأزدىّ يمشى نحوه ، وكان من وجوه الأزد وأشرافِهم ، وكان الحجّاج قد
(١) ا: ((وميراثهم)).
(٢ - ٢) ب، فى: ((ارفعوا إلى حوائجكم فإنى جالس لكم العصرين)).
:

٢٨٥
سنة ٧٧
استعمله بعد ذلك على بيت المال - فقال له: أصلحك الله! إنى كنتُ منك
نائيًا حين تكلّمتَ ، وإنى أقبلتُ نحوك لأجيبك ، فوافق ذلك نزولك،
إنّا قد فهمنا ما ذكرتَ لنا ، أنَّه عهد إليك، فأرشد اللّهُ العاهدَ والمعهودَ إليه،
وقد منّيتَ من نفسك العَدل، وسألتَ المعونة على الحقّ، فأعانك الله على ٩٨١/٢
ما نويتَ ، إنَّك تُشبه أباك فى سيرته برضا الله والناس ، فقال له مطرّف :
ها هنا إلىّ؛ فأوسَعَ له فجلَس إلى جَنْبِهِ .
قال أبو مخنف : فحدّثْنى الحُصَين بن يزيدَ أنَّه كان من خير عامل
قدم عليهم قطّ ، أقمعه لمُرِيب ، وأشدّه إنكارًا للظلم، فتقدم عليه بشر بن
الأجْدَع الهَمْدانىّ ، ثم الثورىّ ، وكان شاعرًا فقال :
غَرَّاءَ وَهْنَانَةٍ حُسَّانَةِ الْجِيدِ
إنى كلِفِتُ بَخْود غيرِ فاحشةٍ
تمشى مَعَ الآنَسِ الهيفِ الأَماليدِ
كأنها الشمس يومَ الدَّجْنِ إِذ برَزَتْ
عنها إِلى المُجْتَدَى ذى العُرْف والجود
سلِّ الهوى بعَنْدَاةٍ مُذَكَّرَةٍ
فى الناس ساعةَ يُحْلَى كلّ مردُود
والحامِل الثِّقْل يومَ المغرَمِ الصِّيدِ
حمر السِّبال كأُشْدِ الغابةِ السّودِ
إلى الفتى الماجدِ الفيَّاضِ نَعرفهُ
مِنَ الأَكارمِ أَنْسَاباً إِذا نُسِبُوا
إِى أَعِيذُكَ بالرحمنِ مِن نَفَرٍ
فُرْسانُ شَيْبان لم نسمعْ بِمثلهم.
شَدُّوا على ابنِ خُصينٍ فِى كَتِيبَتِهِ
وابنُ المجالِدِ أَرْدَتْهُ رمَاحُهُمُ
وكلُّ جَمعٍ بروذابارَ كان لهم
أَبناءُ كلِّ كريم النَّجلِ صِنديدٍ ٨٢/٢
فغادَرُوهُ صريعاً ليلةَ العِيدِ ٤
كأَنْمَا زَلَّ عن خَوصاءَ صَيْخُودٍ
قد فُضَّ بالطَّعن بينَ النَّخلِ والبيدِ
فقال له: وَيْحَك! ماجئت إلا لترغّبنا. وقد كان شبيب أقبل من ساتِيدما،
فكتب مطرّف إلى الحجَّاج :
أمَّا بعد، فإنى أخبِر الأميرَ أكرمه الله أنّ شبيبًا قد أقبل نحونا ،
فإن رأى الأميرُ أن يُمِدّنى برجال أضبط بهم المدائن فَعَل، فإن المدائن
بابُ الكوفة وحصنُها .

٢٨٦
سنة ٧٧
فبعث إليه الحجّاجُ بنُ يوسفَ سَبْرَة بن عبد الرحمن بن مختّف فى
مائتين وعبد اللّه بنَ كنَّز فى مائتين، وجاء شبيب فأقبل حتَّى نزل قناطرَ
حُذَيَفةِ، ثمّ جاء حتَّى انتهى إلى كَلْوَاذا، فعَبر منها دجلة، ثم أقبل حتى
نزل مدينة بَهُرُسير ومطرّف بن المغيرة فى المدينة العتيقة النَّى فيها منزلٍ كسْرى
٩٨٣/٢ والقَصْر الأبيض، فلمَّا نزل شبيب بَهُرَسير قطع مطرّف الجِسر فيما
بينه وبين شبيب، وبعث إلى شبيب أن ابعثْ إلىّ رجالا من صُلَحاء
أصحابك أدارِسْهم القرآن، وأنظر ما تَدْعون إليه ، فبعث إليه رجالا ؛
منهم سويد بن سُليم وقعْنب والمحلل بن وائل، فلما أدنىَ منهم المِعْبر
وأرادوا أن يَتَزِلوا فيه أرسل إليهم شبيب ألّ تدخلوا السَّفينة حتَّى يرجع إلىّ
رسولى من عند مطرّف، وبعث إلى مطرّف: أن ابعثْ إلىّ بعِدّة من
أصحابك حتَّى تردّ علىّ أصحابى، فقال لرسوله : القَه فقل له : فكيف
آمنُكَ على أصحابى إذا بعثتُهم الآن إليك، وأنتَ لا تأمنى على أصحابك!
فأرسَلَ إليه شبيب: إنَّك قد علمتَ أنَّا لا نستحلّ فى ديننا الغَدْر،
وأنتم تفعلونه وتهوّنونه. فسَرّح إليه مطرّف الربيعَ بنَ يزيدَ الأسدىّ،
وسليمان بن حُذَيفَة بنَ هلال بن مالك المزَنىّ ، ويزيدَ بن أبى زياد
مولى المغيرة - وكان على حَرَس مطرّف - فلمَّا وقعوا فى يديه بعث
أصحابه إليه .
قال أبو مختّف :
حدثنى النّضرُ بنُ صالح ، قال : كنت عند مطرّف بنِ المغيرة
ابن شُعْبةٍ فما أدرى أقال : إنى كنت فى الجند الَّذين كانوا معه ،
أو قال: كنت بإزائه حيث دخلتْ عليه رُسُلُ شبيب! وكان لى ولأخى
٩٨٤/٢ وَدَّامكرمًا، ولم يكن ليستر منًّا شيئًا، فدخلوا عليه وما عنده أحدٌ من
الناس غيرى وغير أخى حلاّم بن صالح، وهم ستّة ونحن ثلاثة ،
وهم شاكُون فى السلاح ، ونحن ليس علينا إلا سيوفنا ، فلمَّا دَنوا قال
سُوَيَد : السَّلام على من خاف مقام ربه وعرفَ الهُدَى وأهله، فقال له
مطرّفٍ: أجَلْ، فسلَّم اللّه على أولئك ، ثم جلس القوم ، فقال لهم

٢٨٧
سنة ٧٧
مطرّف: قُصّوا علىّ أمرَكم، وخبّرونى ما الَّذِى تَطلُبُون؟ وإلامَ تَدْعون؟
فحمد الله سُويدُ بن سُليم وأثنى عليه ثمّ قال: أمَّا بعد، فإنّ الذى
نتَدْ عو إليه كتاب الله وسنّة محمد صلَّى الله عليه وسلَّم، وإنَّ الذى نقمنا على
قومنا الاستئثار بالفىْء وتعطيل الحدود والتسلّط بالجبرّية . فقال لهم
مطرّف: ما دعوتم إلا إلى حقّ، ولا نقَمْتُم إلا جَوْرًا ظاهرًا، أنا لكم
على هذا مُتابع ، فتابِعونى إلى ما أدعوكم إليه ليجتمَعَ أمرى وأمرُكم ،
وتكون يدى وأيديكم واحدة ، فقالوا : هاتٍ ، اذكر ما تريد أن تَذكُر ،
فإن يكن ما تدعونا إليه حقًّا نُجِبْك؛ قال : فإنى أدعوكم إلى أن نقاتل
هؤلاء الظَّلَمَةَ العاصين على إحداثهم الَّذى أحدثوا(١)، وأن ندعوهم إلى
كتاب الله وسنَّة نبيِّه، وأن يكون هذا الأمر شورى بين المسلمين، يؤمّرون
عليهم من يرضوْن لأنفسهم على مثل الحال التى تركهم عليها عمرُ بنُ الخَطَّاب؛
فإنّ العرب إذا علمتْ أنّ ما يراد بالشورَى الرّضا من قريش رَضُوا،
وكثر تبعُكم منهم وأعوانُكم على عدوكم، وتمّ لكم هذا الأمر الَّذى
تريدون .
قال: فَوْثَبوا مِن عنده، وقالوا: هذا ما لا نجيبك إليه أبدًا، فلمَّا ٩٨٥/٢
مَضْوا فكادوا أن يخرجوا من صُفَّة البيت التفت إليه سُويد بن سليم، فقال :
يابن المغيرة، لو كان القوم عُدَاةً غُدُرًّا كنتَ قد أمكنتَهم من نفسك ،
ففَزِع لها مطرّف ، وقال : صدقتَ وإله موسى وعيسى .
قال : ورجعوا إلى شبيب فأخبروه بِمَقالته، فطَمع فيه ، وقال لهم :
إِنْ أصبحتم فليأتِهِ أحدُكم؛ فلمَّا أصبحوا بعث إليه سُويدًا وأمَرَه بأمره ،
فجاء سُوَيَد حتَّى انتهى إلى باب مطرّف، فكنتُ أنا المستأذن له، فلمَّا دخل
وجلس أردتُ أن أنصرفَ ، فقال لى مطرّف: اجلسْ فليس دونك سِتر؛
فجلستُ وأنا يومئذ شابّ أغيَد ، فقال له سويد : مَن هذا الذى ليس لك
دونَه سِتْر؟ فقال له : هذا الشَّريف الحسيب ، هذا ابنُ مالك بنِ
زُهير بنِ جَذِيمة ، فقال له: بَخ أكرمت فارتبط، إن كان دِينُه على
(١) !، س: ((على أحداثهم التى أحدثوا)).

٢٨٨
سنة ٧٧
قدْر حسبه فهو الكامل ، ثم أقبل عليه فقال: إنَّا لقِيِنا أميرَ المؤمنين بالَّذى
ذكرتَ لنا ، فقال لنا: القَوْه فقولوا له : ألستَ تَعلَم أنّ اختيار المسلمين
منهم خيرَهم لهم فيما يرون رأىٌ رشيد! فقد مضتْ به السنة بعدَ الرسول صلَّى
الله عليه وسلَّم، فإذا قال لكم : نعم ، فقولوا له : فإنَّا قد اخترنا لأنفسنا
أرضانا فينا، وأشدَّنا اضطلاعًا لِمَا حُمّل، فما لم يغيِّر ولم يُبدّل فهو ولىُّ
أمرِنا . وقال لنا : قُولوا له فيما ذكرت لنا من الشورى حين قلتَ: إنّ العرب
٩٨٦/٢ إذا علمتْ أنّكم إنَّما تريدون بهذا الأمر قُرَيَشًا(١) كان أكثر لتبعكم منهم؛
فإنّ أهلَ الحقّ لا ينقُصُهم عند الله أن يقِلّوا، ولا يزيد الظالمين خيرًا أن
يكثروا، وإن تركنا حقَّنَا الَّذِى خرجْنا له، ودخولنا فيما دعوتنا إليه من
الشورى خطيئةٌ وعَجْز ورُخصة" إلى نصر الظالمين ووَهْن، لأنَّا لا نرى
أنّ قريشًا أحقّ بهذا الأمر من غيرها من العرب. وقال(٢): فإن زعم
أنَّهم أحقّ بهذا الأمر من غيرِها من العرب فقولوا له : ولم ذَاك؟ فإن قال :
لقرابة محمَّد صلَّى الله عليه وسلم بهم فقولوا (٣) له: فوالله ما كان ينبغى
إذًا لأسلافنا الصالحين من المهاجرين الأوَّلين أن يتولّوا على أسْرة محمَّد ،
ولا على ولد أبى لَهَب لو لم يبقَ غيرُهم؛ ولولا أنَّهم علموا أنّ خيرَ
الناس عندَ الله أتقاهم، وأنّ أوْلاهم بهذا الأمر أتْقاهم وأفضلهم فيهم ،
وأشدّهم اضطلاعًا بحَمْل أمورهم ما تولّوا أمور الناس ، ونحن أوّل
مَن أنكر الظلم وغيّر الجَوْر وقاتَل الأحزاب، فإن اتَّبَعنا فله ما لنا
وعليه ما علينا، وهو رجلٌ من المسلمين، وإلا يفعلْ فهو كبعضٍ من
نُعادِى ونُقاتِل من المشركين .
فقال له مطرّف : قد فهمتُ ما ذكرتَ ، ارجع يومَك هذا حتَّى
تنظرَ فى أمرنا .
فرجع ، ودعا مطرّف رجالاً من أهل ثقاتِه وأهلِ نُصائحه ؛ منهم
سليمانُ بنُ حذيفة المُزَنىّ، والرّبيع بنُ يزيدَ الأسَدِىّ. قال النَّضر بن
٩٨٧/٢ صالح: وكنتُ أنا ويزيد بن أبى زياد مولَى المغيرة بن شُعْبة قائمين على
(١) ب: ((قريشياً)).
(٣) ط: ((فقل)).
(٢) ط: ((فقال له )) .

٢٨٩
سنة ٧٧
رأسِه بالسَّيف، وكان على حَرَسه، فقال لهم مطرّفٌ: يا هؤلاء، إنَّكم نُصَحانى
وأهلُ مودّتى ومَنْ أثق بصلاحه وحسن رأيه، والله ما زلتُ لأعمال هؤلاء الظََّمة
كارهاً ، أنكِرِها بقلبى، وأغيّرها ما استطعتُ بفعلى وأمرى، فلمَّا عظمتْ
خطيئتُهم، ومرّ بى هؤلاء القومُ يجاهدونهم ، لم أرَ أنَّه يسعنى إلا مناهَضتَهم
وخِلاَ فَهم إنْ وجدتُ أعوانًا عليهم ، وإنى دعوتُ هؤلاء القومَ فقلت لهم
كَيْتَ وَكَيْت، وقالوا لى كيتَ وَكَيَت، فلستُ أرَى القتالَ معهم ،
ولو تابعونى على رأيى وعلى ما وصفتُ لهم لخلعتُ عبدَ الملك والحجَّاج، ولسِرْت
إليهم أجاهِدهم . فقال له المُزَنىّ: إنَّهم لن يُتَابِعوك ، وإنَّك لن تُتَابِعَهم
فأخْفِ هذا الكلامَ ولا تُظهِرْه لأحد، وقال له الأسَدَىّ مِثَل ذلك ،
فَجَئًا مولاه ابن أبى زِياد على ركبَتَيْه ثمّ قال: والله لا يَخفَى ممَّا كان
بينك وبينَهم على الحجّاج كلمة واحدة، ولَيُزَادَنّ على كلٍّ كلمة عشرة
أمثالها، واللّه أن لوكنتَ فى السَّحاب هاربًا من الحجّاج ليلتمسنّ أن يصل
إليك حتَّى يُهلِكك(١) أنتَ ومَنْ معك؛ فالنَّجاءَ النجاء من مكانك هذا، فإنّ
أهلَ المدائن من هذا الجانب ومن ذاك الجانب، وأهل عسكر شبيب يتحدّثون
بما كان بينك وبين شبيب، ولا تمس من يومِك هذا حتَّى يَبْلُغَ الخبرُ
الحجّاج؛ فاطلبْ دارًا غيرَ المدائن. فقال له صاحباه: ما نَرَى الرأى إلا ٩٨٨/٢
كما ذكرلك (٢)، قال لهما مطرّف: فما عندكما؟ قالا: الإجابة إلى ما دعوْتَنا
إليه والمؤاساة لك بأنفسنا على الحجَّاج وغيرِهِ. قال: ثمّ نظر إلىّ، فقال:
ما عندَكَ ؟ فقلت: قتال عدوّ ك، والصَّبر معك ما صبرتَ، فقال لى :
ذاك الظّنّ بك.
قال : ومكث حتَّى إذا كان فى اليوم الثالث أتاه قعنب فقال له :
إِنْ تابعَتَنا فأنتَ منَّا، وإن أبيت فقد نابذ ناك، فقال: لا تَعجلوا اليوم
فإنَّا نَنظر .
قال : وبعث إلى أصحابه أن ارحلوا اللَّيلةَ من عند آخِركم حتَّى تُوفُوا
الدَّسْكرة معى لحدث حدث هنالك .
(١) ب، فى: ((تهلك)).
(٢) ب، ف، ((ما قال)).

٢٩٠
سنة ٧٧
ثم أدلجَ وخرج أصحابُه معه حتَّى مرَّ بدَيْر يَزْدَ جِرد فنزله ، فلقيه
قَبيصةُ بنُ عبد الرحمن القحافىّ من خَشْعم، فدعاه إلى صُحبته، فصَحِبه
فِكَسَاه وحَمَلَه، وأمَرّ له بنفقة، ثم سارحتى نزل الدَّسكرة، فلمَّا أراد أن
يرتحل منها لم يجد بدًّا من أن يُعلِمَ أصحابَه ما يريد ، فجمع إليه رءوس"
أصحابِهِ، فذكر الله بما هو أهلُه وصلَّى على رسوله، ثم قال لهم: أمَّا
بعد ، فإنّ اللّه كتب الجهاد على خَلْقه، وأمر بالعدل والإحسان، وقال
فيما أنَزّل علينا: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ والنَّقْوَى، وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ
وَالْعُدْوَانِ، وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقَابِ﴾(١) وإنى أشهِد الله أنى قد خلعتُ
عبدَ الملك بن مروانَ والحجَّاجَ بن يوسف، فمن أحبّ منكم صُحبتى وكان على
٩٨٩/٢ مثل رأيى فليُتابعتى، فإن له الأسوة وحُسن الصّحبة، ومَن أبى فليذهب حيث
شاء ، فإنى لست أحبّ أن يتّبعنى من ليست له نيَّةٌ فى جهاد أهل الجَوْر،
أدعوكم إلى كتاب الله وسنَّة نبيّه وإلى قِتال الظَّمة، فإذا جمع الله لنا
أمرنا كان هذا الأمرُ شُوزَى بين المسلمين يرتّضون لأنفسهم من أحبُّوا
قال: فَوَثَب إليه أصحابُهُ فبايعوه، ثمّ إنَّه دخل رحلَه وبعث إلى
سَبْرة بن عبد الرحمن بن مختَف وإلى عبد الله بن كنَّاز النَّهدىّ فاستخلاهما،
ودعاهما إلى مثل ما دعا إليه عامَّة أصحابه ، فأعطَيَاه الرّضًا، فلمَّا ارْتَحَل
انصرفا بمن معهما من أصحابِه حتَّى أتَيَا الحجّاج فوجداه قد نازل شبيبًا ،
فشهدا معه وقعة شبيب . قال : وخرج مطرّف بأصحابه من الدَّسْكرة
موجَّهاً نحو حُلْوان، وقد كان الحجَّاج بعث فى تلك السنة سُويد بن عبدالرحمن
السَّعَدىّ على حُلوان وماسبذان؛ فلمَّا بَلَغه أنّ مطرف بن المغيرة قد
أقبل نحو أرضِه عَرَف أنَّه إن رَفَق فى أمره أو داهَن لا يقبل ذلك منه
الحجّاج، فجمع له سُويد أهلَ البلد والأكراد ، فأما الأكراد فأخذوا
عليه ثَنِيَّةٌ حُلْوان ، وخرج إليه سُويد وهو يحبّ أن يَسلَم من قتاله ،
وأن يُعافى من الحجَّاج ، فكان خروجُه كالتعذير .
قال أبو مخنف : فحدّثنى عبدُ الله بنُ علقمة الخثعميّ أنّ
(١) سورة المائدة: ٢.

٢٩١
سنة ٧٧
الحجّاج بن جارية الخَتعمىّ حين سمع بخروج مطرّف من المدائن نحو
الجبل أتْبعه فى نحو من ثلاثين رجلا من قومه وغيرِهم . قال : وكنت فيهم
فلِحقْناه بحُلْوانَ ، فكنَّا ممَّن شهد معه قتال سُوَيَد بنِ عبدِ الرحمن .
٩٩٠/٢
قال أبو مخنف: وحدثنى بذلك أيضًا النَّصْر .
قال أبو مخنف : وحدثنى عبدُ اللّه بنُ علقمة، قال: ما هو إلا
أن قَد منا على مطرّف بن المُغيرة، فُسرَّ بمَقْدَمَنا عليه، وأجلس الحجَّاجِ
ابنَ جارية معه على مجلِسه .
قال أبو مخنف : وحدثنى النضرُ بن صالح ، وعبدُ اللّه بنُ علقمة،
أنّ سُويداً لمَّا خرج إليهم بمن معه وقف فى الرّجال ولم يخرج بهم من
البُيُوت ، وقَدِم ابنهُ القعقاع فى الخَيْل ، وما خيلُه يومئذ بكثير .
قال أبو مخنَف : قال النَّضر بنُ صالح : أراهم كانوا مائتين ، وقال
ابنُ علقمة: أراهم كانوا يَنقصُون عن (١) الثلثمائة. قال: فدعا مطرّف
الحجَّج بن جارية فسَرَّحه إليهم فى نحو من عِدَتهم (٢) ، فأقبلوا نحوَ
القَعْقاع وهم جادّون فى قتاله ، وهم فرسان متعالمون ، فلمَّا رآهم سُويد
قد تيسّروا(٣) نحوَ ابنهِ أرسَل إليهم غلامًا له يقال له رُستم - قُتل معه
بعد ذلك بَدْير الجماجم- وفى يده رايةُ بنى سعد، فانطلق غلامُهُ حتَّى
انتهى إلى الحجّاجِ بن جارية ، فأسرَّ إليه: إن كنتم تريدون الخروج من
بلادنا هذه إلى غيرها فاخرجوا عنَّاً، فإنَّا لا نريد قتالكم ، وإن كنتم إيَّانا
تريدون فلا بدّ من مَنْع ما فى أيدينا. فلمَّا جاءه بذلك قال له الحجَّاج بنُ
جارية : انتِ أميرَنا فاذكرْ له ما ذكرتَ نى ، فخرج حتى أتى مطرّفاً
فذكر له مثل الَّذى ذَكر للحجَّاج بن جارية ، فقال له مطرّف :
ما أريدكم ولا بلاد كم، فقال له : فالزمْ هذا الطريقَ حتَّى تَخرُج من
بلادنا، فإنَّا لا نجد بدًّا من أن يَرَى الناسُ وتسمع بذلك أنَّا قد خرجْنا ٩٩١/٢
إليك . قال : فبعث مطرَف إلى الحجّاج فأتاه، ولَزِموا الطريقَ حتى
مرّوا بالثّنيَّة فإذا الأكرادُ بها ، فنزل مطرّف ونزل معه عامَّة أصحابِه
(١) كذا فى!، وفى ط: ((من)). (٢) أ: ((عددهم)). (٣) !، س: ((سيلوا)).

٢٩٢
سنة ٧٧
وصَعِد إليهم فى الجانب الأيمن الحجَّجُ بنُ جارية، وفى الجانب (١) الأيسر
سليمانُ بنُ حُذَيَفة، فهزَماهم (٢) وقَتَلاهم، وسِلِم مطرّف وأصحابُه
فضَوا حتَّى دذَوْا من هَمَذَان، فتركتَها وأخذَ ذاتَ اليسار إلى ماه دينار،
وكان أخوه حمزة بن المغيرة على هَمَذان، فكره أن يدخلها فيُنَّهمَ
أخوه عند الحجّاج ، فلمَّا دخل مطرّف أرضّ ماه دينار كتب إلى
أخيه حمزة :
أمَّا بعد، فإن النَّفقة قد كَثُرت والمؤنة قد اشتدّت ، فأمدد
أخاك بما قدَرَتَ عليه من مال وسلاح .
وبعث إليه يزيدَ بن أبى زياد مولى المغيرة بن شعبة، فجاء حتَّى دخل
على حمزةَ بكتاب مطرّف ليلاً ، فلمَّا رَآه قال له : ثكلتك أمُّك! أنت
قتلتَ مطرّفً ؟ فقال له : ما أنا قتلتُه جُعلتُ فداك! ولكنّ مطرفًا قتل
نفسَه وقتلَى، وليتَه لا يقتلُك، فقال له : وَيْحَك! مَن سَوّل له
هذا الأمر! فقال: نفسُهُ سوّلتْ هذا(٣) له. ثمّ جلس إليه فقصّ عليه
القصص ، وأخبَرَه بالخبر، ودفع كتابَ مطرّف إليه، فقرأه ثمّ قال :
نعم ، وأنا باعثُ إليه بمال وسلاح، ولكن أخبرنى تَرَى ذلك يخفى لى ؟
٩٩٢/٢ قال: ما أظنّ أن يخفى، فقال له حمزة: فوالله لئن أنا خذلته فى أنفع
النَّصرين له نصر العلانية ، لا أخذلُه فى أيسر النَّصْرين نصر السَّريرة .
قال : فسرّح إليه مع يزيد بن أبى زياد بمال وسلاح، فأقبل به حتَّى أتى
مطرّفًا ونحن نزولٌ فى رُسْتاق من رَساتِيق ماه دينار، يقال له : سامان
مُتَاخِمٍ أرضَ أصبهان، وهو رُسْتَان كانت الحمراءُ تَنزِلِه.
قال أبو مخنف: فحدّى النّضرُ بنُ صالح، قال: والله ماهو إلاّ أن
مضى يزيدُ بنُ أبى زياد، فسمعتُ أهلَ العسكر يتحدّثون أنّ الأمير بعث
إلى أخيه يسأله النفقة والسلاح ، فأتيتُ مطرّفًا فحدثته بذلك ، فضرب بيده
على جَهته ثمّ قال: سبحان الله! قال الأوّلُ: ما يخفى إلا مالا يكون (٤)،
(١) ب، ف: ((فى الجانب)) ..
(٢) س: ((فهزموهم).
(٤) كذا فى ا، وهو الصواب، وفى ط: ((قال)).
(٣) ب، س: (( له هذا)» .

٢٩٣
سنة ٧٧
قال : وما هو إلا أن قدم يزيدُ بن أبى زياد علينا، فسار مطرّف بأصحابه
حتى نزل قُمّ وقاشان وأصبتهان.
قال أبو مخنف : فحدّثّنى عبدُ الله بنُ علقمة أنّ مطرّفًا حين نزل
قُمّ وقاشانَ واطمأنّ، دعا الحجّاج بن جارية فقال له: حدِّثنى عن هزيمة
شبيب يومَ السَّبَخة أكانت وأنتَ شاهدَها ، أم كنتَ خرجتَ قبل الوَقْعة ؟
قال: لا، بل شهدتُها (١)؛ قال: فحدَّثْنى حديثهم كيفِ كان؟ فحدّثّه،
فقال : إنى كنتُ أحبّ أن يَظَفّر شبيب وإن كان ضالاً فيقتل ضالًّا .
قال : فظننت أنه تمنى ذلك لأنه كان يرجو أن يتمّ له الذى يَطلُب لو هلك
الحجّاج. قال: ثمّ إنّ مطرّفاً بعث عمّاله .
قال أبو مخنف: فحدثنى النّضرُ بنُ صالح أنّ مطرّفًّاً عمل عملا ٩٩٣/٢
حازمًاً لولا أنّ الأقدار غالبة. قال: كتب (٢) مع الرّبيع بن يزيد إلى سُويد
ابن سرحانَ الثقفىّ، وإلى بكير بن هارون البَجَىّ:
أما بعد ، فإنا ندعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيِّه، وإلى جهادٍ مَنْ عَندَ
عن الحقّ، واستأثر بالفتىء، وترك حُكم الكتاب، فإذا ظهر الحق وَدُمِغ
الباطل ، وكانت كلمةُ اللّه هى العليا، جعلْنا هذا الأمرَرَ شُورَى بين الأمة
يرتضى المسلمون لأنفسهم الرضا، فمَن قَبِل هذا منّا كان أخانا فى ديننا ،
ووليّنا فى محيانا ومماتِنا، ومَن ردّ ذلك علينا جاهدْناه واستنصرْنا اللّهَ عليه
فكَفَى بنا عليه حجة، وكفى بتركه الجهاد فى سبيل اللّه غَبْناً، وبمُداهنة الظالمين
فى أمر اللّه وَهْنً! إن الله كتب القتال على المسلمين وسماه كُرْهًا، ولن
يُنَالَ رضوانُ الله إلا بالصّبر على أمر الله، وجهاد أعداء الله، فأجيبوا
رحمكم الله إلى الحقّ، وادعوا إليه من ترجون إجابته، وعرِّفُوه ما لا يعرفه،
وليقْل إلىّ كلُّ من رأى رأينا، وأجاب دعوتَنا، ورأى عدوّه عدّونا.
أرشدنا الله وإياكم ، وتاب علينا وعليكم ، إنه هو التّواب الرحيم . والسلام.
(١) ب، ف: ((شاهدتها)).
(٢) ب، ف: ((وكتب)).

٢٩٤
سنة ٧٧
فلما قَدِمِ الكتابُ على ذَيْنك الرجلين دَبًّا فى رجال من أهل الرىّ
ودَعَدَوا من تابعتَهما، ثمّ خرجا فى نحو من مائة من أهل الرَّى سرًّا لا يُقْطَن(١)
٩٩٤/٢ بهم، فجاءوا حتى وافوا مطرّفاً. وكتب البراءُ بنُ قبيصة، وهو عامل الحجّاج
على أصبتهانَ :
أما بعد، فإن كان للأمير أصلحه الله حاجةٌ فى أصبهانَ فليبعث إلى
مطرّف جيشًا كثيفًا يستأصله ومن معه ، فإنه لا تزال عصابة قد انتفحتْ
له من بلدة من البلدان حتى تُوافيه (٢) بمكانه الذى هو به ، فإنه قد استكشف
وكَثُرُ تَبَعَه ، والسلام .
فكتب إليه الحجّاج :
أما بعد ، إذا أتاك رسولى(٣) فعَسْكِرْ بمن معك، فإذا مرّ بك عَدِىّ
ابن وتّاد فاخرج معه فى أصحابك ، واسمع له وأطيع . والسلام .
فلما قرأ كتابَه خرج فعسكر ، وجعل الحجاج بن يوسف يسرُح إلى
البراء بنِ قَبيصة الرّجالَ على دوابُ البريد (٤) عشرين عشرين، وخمسة عشر
خمسة عشر، وعشرة عشرة، حتى سرّح اليه نحوًا من خمسمائة، وكان فى ألفين.
وكان الأسوَد بن سعد الهمذانىّ(٥) أتى الرَّىّ فى فتح اللّه على الحجّاج يومَ لفى
شبيباً بالسّبخة، فمرّ بهَذان والجبال، ودخل على حمزةَ فاعتذر إليه ،
فقال الأسوَد : فأبلغت الحجّاج عن حمزة، فقال: قد بلغنى ذاك، وأراد
عزلَه، فخشى أن يمكربه، وأن يمتنع منه، فبعث إلى قيس بن سعد العجلىّ-
وهو يومئذ على شُرْطة (٦) حمزة بن المغيرة ولبنى عِجْل ورَبيعة عددٌ بِهَمَذان-
فبعث إلى قيس بن سعد بعَهْده على هَمَذان، وكتب إليه أن أوثِقْ حمزة
٩٩٥/٢ ابن المغيرة فى الحديد (٧)، واحبسْه قبلك حتى يأتيك أمرى.
فلما أتاه عهده وأمرُه أقبل ومعه ناس من عشيرته كثير ، فلما دخل
المسجدوافق الإقامة لصلاة العصر، فصلّى حمزة (٨)، فلما انصرف حمزة انصرف معه
(١) ب، ف: ((فقطن)).
(٣) ب: ف: ((كتابى ورسولى)).
(٥) كذا فى ا، وفى ط: ((الهمدانى)).
(٧) ب، ف: ((بالحديد)).
(٢) ب: ((يواقيه)).
(٤) ب: ((البرد)).
(٦) ب، ف: ((شرط)).
(٨) ا: ((وصلى مع حمزة)).

٢٩٥
سنة ٧٧
قيس بن سعد العجلىّ صاحب شُرَطه ، فأقرأه كتابَ الحجّاج إليه ، وأراه
عهدَه ، فقال حمزة. سمعًا وطاعة؛ فأوثقه وحبسه فى السجن ، وتولى أمر.
هَمّذان، وبعث عمّاله عليها ، وجعل عماله كلهم من قومه ؛ وكتب إلى
الحجاج :
أما بعد ، فإنى أخبر الأميرَ أصلحه اللّه ، أنى قد شددتُ حمزةَ بنَ المغيرة
فى الحديد، وحبَسْته فى السجن، وبعثتُ عمّالى على الخرَاج، ووضعتُ
يدى فى الجباية، فإن رأى الأميرُ أبقاه الله أن يأذن لى فى المتَسير إلى مطرّف
أذن لى حتى أجاهدَه فى قومى، ومن أطاعَنى من أهل بلادى؛ فإنى أرجو أن
يكون الجهادُ أعظم أجراً من جباية الخرّاج . والسلام .
فلما قرأ الحجاج كتابَهَ ضَحِك ثمّ قال: هذا جانب آثراً سَّا قد أمتناه .
وقد كان حمزة بهَمَذَان أثقل ما خلق الله على الحجّاج مخافة أن يمدّ أخاه
بالسلاح والمال ، ولا يدرى لعله يبدو له فيعقّ ، فلم یزل یکیدُهُ حتى عزله؛
فاطمأنّ وقصد قصْد مطرّف.
قال أبو مخنف : فحدَّثَى مطرّف بن عامر بن واثلة أنّ الحجاج لما
قرأ كتابَ قيس بنِ سعد العِجْلىّ وسمع قولَه: إِنْ أَحَبَّ الأميرُ سرت إليه
حتى أجاهدَه فى قومى، قال: ما أبغض إلىّ أن تستكثر العربُ فى أرض الخراج.
قال : فقال لى ابن الغرق : ما هو إلا أن سمعتها من الحجّاج فعلمت أنه لو ٩٩٦/٢
قد فَرَغ له قد عَزّله .
قال : وحدّثنى النّضر بن صالح أنّ الحجاج كتب إلى عدى بن وتّاد
الإيادىّ وهو على الرّىّ يأمره بالمسير إلى مطرّف بن المغيرة وبالممرّ على البرَاء
ابن قبيصة ، فإذا اجتمعوا فهو أميرُ الناس .
قال أبو مخنف : وحدثنى أبى عن عبداللّه بن زهير ، عن عبد الله بن
سُليم الأزْدىّ، قال: إنّ لجالسٌّ مع عدىّ بن وتّاد على مجلسه بالرّىّ إذ
أتاه كتاب الحجّاج، فقرأه ثمّ دفعه إلىّ، فقرأته فإذا فيه :
أما بعد ، فإذا قرأتَ كتابى هذا فانهض بثلاثة أرباعٍ مَن معك من أهل
الرّىّ ، ثمّ أقبِل حتى تمرّ بالبراء بن قبيصة بجَىّ ، ثم سِيراً جميعاً، فإذا

٢٩٦
سنة ٧٧
لقيتهما فأنتَ أمير الناس حتى يقتل الله مطرّفاً، فإذا كفَى اللّه المؤمنين
مؤُنتَه فانصرف إلى عملك فى كَف من اللّه وكلاءته وستره . فلما
قرأته قال لى : قم وتجهزْ .
قال : وخرج فعسكَرَ ، ودعا الكتّاب فضَرَّبوا البَعْث على ثلاثة أرباع
الناس، فما مضت جُمُعة حتى سرنا فانتهينا إلى جتىّ، ويُوافينا بها قبيصة
القُّحافىّ فى تسعمائة من أهل الشأم، فيهم مُمر بنُ هُبيرة ، قال: ولم نلبث
يحَىّ إلا يومين حتى نهض عدىّ بن وتّاد بمن أطاعه من الناس ومعه ثلاثة
آلاف مُقاتِل من أهل الرّىّ وألف مُقاتِل مع البراء بن قبيصة بعثهم إليه
٩٩٧/٢ الحجّاج من الكوفة، وسبعمائة من أهل الشأم، ونحو ألف رجل من أهل
أصبهان والأكراد ، فكان فى قريب من ستة آلاف مُقاتِل، ثمّ أقبلَ
حتى دخل على مطرّف بن المغيرة .
قال أبو مخنف: فحدّثّى النّضر بنُ صالح ، عن عبد الله بن علقمة،
أن مطرّفًا لما بلغه مسيرُهم إليه خَندَق على أصحابه خَشْدقاً، فلم يزالوا فيه
حتى قدموا عليه .
قال أبو مخنف: وحدّثنى يزيدُ مولى عبد الله بن زهير، قال: كنتُ
مع مولاى إذ ذاك؛ قال: خرج عدىّ بن وتّاد فعبّى الناسَ ، فجعل على
ميمنته عبد الله بنَ زهير، ثمّ قال البرَاء بن قبيصة: قُمْ فى الميسرة، فغضب
البراء، وقال: تأمرنى بالوقوف فى الميسرة وأنا أمير مثلك! تلك خَيْلى فى الميسرة،
وقد بعثتُ عليها فارسَ مُضَرَ الطُّفَيل بن عامر بن واثلة ؛ قال: فأنْهِىَ
ذلك إلى عدىّ بن وتّاد، فقال لابن أقيصر الخثعمىّ: انطلِق فأنت على الخيل ،
وانطلِقٍ إلى البراء بن قبيصة فقل له : إنك قد أمرت بطاعتى ، ولست من
الميمنة والميسرة والخيل والرّجالة فى شىء، إنما عليك أن تؤمَر فتُطيع ، ولا
تتعرض لى فى شىء أكرهه فأتنكّر لك - وقد كان له مُكرِمًا .
ثمّ إنّ عديًا بعث على الميسرة عمرَ بنَ هبيرة، وبعثه فى مائة من أهل
الشأم ، فجاء حتى وقف برايته ، فقال رجل من أصحابه للطُّفيل بن عامر :

٢٩٧
سنة ٧٧
خَلْ رايتَك وتنحَّ عنّا، فإنما نحن أصحابُ هذا الموقف؛ فقال الطُّفَيل:
إنّى لا أخاصمكم، إنما عقد لى هذه الراية البراء بنُ قبيصة، وهو أميرُنا ،
وقد علمْنا أنّ صاحبكم على جماعة الناس ، فإن كان قد عَقَدَ لصاحبكم ٩٩٨/٢
هذا فبارَكَ اللّه له، ما أسَمَعَنَا وأطوَعنا! فقال لهم عمرُ بنُ هبيرة: مهلا، كُفّوا
عن أخيكم وابنِ عمِّكم، رايتنا رايتك ، فإن شئتَ آثرْناك بها . قال : فما
رأينا رجُلَيْن كانا أحلم منهما فى موقفهما ذلك. قال: ونزل عدىّ بن وتّاد ثمّ
زحف نحو مطرّف .
قال أبو مخنف: فحدثنى النّضر بنُ صالح وعبد الله بنُ علقمة أنّ
مطرّفاً بعث على ميمنته الحجّاج بنَ جارية ، وعلى ميسرته الرّبيع بن يزيد"
الأسدىّ، وعلى الحامية سليمان بن صخر المُزَنىّ(١)، ونزل هويمشى فى الرّجال،
ورأيتُه مع يزيد بن أبى زياد مولتى أبيه المغيرة بن شُعبة . قال : فلما زحف
القوم بعضهم إلى بعض وتدانَوْا قال لبكير بن هارونَ البَجَلىّ: اخرج
إليهم فادعهم إلى كتاب الله وسُنة نبيه، وبَكَتْهم بأعمالهم الخبيثة. فخرج
إليهم بكير بن هارون على فرس له أدهتم أفرح ذنوب عليه الدّرع والمغفَر
والساعدان ، فى يده الرمح، وقد شدّ درعته بعصابة حمراءَ من حواشى البرُّود ،
فنادى بصوت له عال رفيع: يا أهلَ قِبلتنا، وأهلَ مِلّتنا، وأهلَ دعوتِنا ،
إنا نسألكم بالله الذى لا إله إلا هو الذى علمه بما تُسرّون مثل علمه بما تُعلنون
لمّا أنصفتمُونا وصدَ قْتمونا، وكانت نصيحتُكم الله لا لخلقه، وكنتم شهداء
للّه على عباده بما يعلَمُه الله من عباده. خَبّرونى عن عبد الملك بن مروان ،
وعن الحجّاج بن يوسف، ألستم تعلمونهما جبّارَيْن مستأثرَيْن يتبعان الهوى، ٩٩٩/٢
فيأخذان بالظِّنّة، ويَقتُلان على الغَضَب. قال: فتنادَوْا من كل جانب:
ياعدوّ اللّه كذبتَ، ليسا كذلك، فقال لهم: ويْلتكم ﴿لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللهِ كَذِباً
فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْخَابَ مَنِ افْتَرَى﴾(٢) ويْلَكم، أوَ تعلمون من الله ما لا يعلم،
إنى قد استشهدتكم وقد قال الله فى الشهادة: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهَآئِمٌ قَلْبُهُ﴾ (٣).
(٣) سورة البقرة: ٢٨٣.
(٢) سورة طه: ٦١ .
(١) : ((المرّى)).

٢٩٨
سنة ٧٧
فخرج إليه صارمٌ مولى عدىّ بن وتاذ وصاحب رايته، فحمل على بُكتير
ابن هارونَ البجَلَىّ، فاضطرَبًا بسيفيهما، فلم تعمل ضربةُ مولى عدى
شيئًا، وضربه بكير بالسيف فقَّلَه ، ثمّ استقدم، فقال : فارس لفارس،
فلم يخرج إليه أحدٌ ، فجعل يقول :
صَارِمُ قَدْ لَا قَيْت سيْفاً صَارِمَا
وأَسَدًا ذا لِيْدَة ضُبَارِمَا(١)
قال: ثمّ إنّ الحجّاج بن جارية حمل وهو فى الميمنة على مُمر بن هبيرة"
وهو فى الميسرة، وفيها الطُّفَيل بن عامر بن واثلة، فالتقى هو والطَّفيل -. وكانا
صديقَين متواخيسَيْن - فتعارفا، وقد رفَعَ كُلّ واحد منهما السيفَ على
صاحبه ، فكفَّا أيديَهما، واقتتلوا طويلا. ثمّ إنّ ميسرةَ عدىّ بن وتّاد
زالت غير بعيد ، وانصرف الحجاج بنُ جارية إلى موقفه. ثمّ إن
الربيع بنَ يزيد حمل على عبد الله بن زُهير، فاقتتلوا طويلا، ثمّ إن
جماعة الناس حملتْ على الأسَدّى فقتلتْه، وانكشفتْ ميسرةُ مطرّف
١٠٠٠/٢ ابن المغيرة حتى انتهت إليه. ثمّ إنّ عمرَ بنَ هُبيرة حمل على الحجاج بن
جارية وأصحابه فقاتلته قتالاطويلا ، ثمّ إنه حذّره حتى انتهى إلى مطرّف،
وحمل ابن أقيصر الخثعمىّ فى الخَيْل على سليمان بن صخر المُزّنىّ فقَتَّلَه ،
وانكشفت خيلُهم، حتى انتهى إلى مطرّف، فثَمّ اقتتلتْ الفُرسان أشدّ قتال
رآه الناس قطّ ، ثمّ إنه وصل إلى مطرف.
قال أبو مِخفّف : فحدّثَى النَّضْرَبن صالح أنه جعل يناديهم يومئذ:
﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّ نَعْبُدَ إِلَّ الله وَلَا
نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللهِ فَإِنْ تَلَّوْا فَقُولُوا
أَشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾(٢).
17
قال: ولم يزل يقاتل حتى قُتل، واحتزّ رأسَهَ مُمر بنُ هبيرة ، وذكر أنه
قتله ، وقد كان أسرع إليه غيرُ واحد ، غير أنّ ابن هُبيرة احتزَّ رأسه وأوفده
(١) الضبارم: الشديد الخلق من الأسد .
(٢) سورة آل عمران: ٦٤ .

٢٩٩
سنة ٧٧
إلى عدىّ بن وتاد وحظى به، وقاتل عُمر بن هبيرة يومئذ وأبلى بلاءً حسناً .
قال أبو مخنف : وقد حدثی حكيم بن أبى سفيان الأزدی أنه قتل یزید بن
زياد مولى المغيرة بن شعبة ، وكان صاحب راية مطرّف . قال : ودخلوا عسكر
مطرّف، وكان مطرّف قد جعل على عسكره عبد الرحمن بن عبد الله بن عفيف
الأزدىّ ، فقتِل ، وكان صالحاً ناسكاً عفيفاً .
أبو مخنف : حدثنى زيد مولاهم أنه رأى رأسه مع ابن أقيصر الخثعمىّ ، فما
ملكتُ نفسى أن قلت له: أما والله لقد قتلتتَه من المصلّين العابدين الذاكرين الله
كثيراً. قال: فأقبل نحوى وقال: منْ أنت ؟ فقال له مولاى: هذا غلامى ١٠٠١/٢
ما له؟ قال : فأخبره بمقالتى ؛ فقال: إنه ضعيف العقل ؛ قال: ثم انصرفنا إلى
الرّىّ مع عدى بن وتاد. قال: وبعث رجالا من أهلِ البلاء إلى الحجّاج،
فأكرمهم وأحسن إليهم . قال : ولما رجع إلى الرى جاءت بجيلة إلى عدىّ بن
وتاد فطلبوا لبكير بن هارون الأمان فآمنه ، وطلبت ثقيف لسُويد بن سرحان
الثقفىّ الأمان فآمنه، وطلبت فى كلّ رجل كان مع مطرّف عشيرتهُه،
فآمنهم وأحسن فى ذلك ، وقد كان رجال من أصحاب مطرّف أحيط بهم فى
عسكر مطرف ، فنادوا : يابرَاء ، خذَلَنا الأمان ، يا براء ، اشفع لنا .
فشَفَعَ لهم ، فتُرِكوا، وأستر عدىّ ناسًا كثيراً فخَلّى عنهم .
قال أبو مخنف : وحدثنى النّضربن صالح أنه أقبل حتى قدم على سويد بن
عبد الرحمن بحلوان ، فأكرمه وأحسن إليه ، ثم إنه انصرف بعد ذلك إلى الكوفة.
قال أبو مخنف: وحد ◌ّى عبدُالله بن علقمة أنّ الحجّاج بن جارية
الخَشْعمىّ أتى الرىّ وكان مَكْتَبُه بها، فطُلب إلى عدىّ فيه، فقال : هذا
رجلٌ مشهور قد شُهِر مع صاحبه ، وهذا كتابُ الحجاج إلىّ فيه .
قال أبو مخنف : فحدثنى أبى عن عبد الله بن زُهير ، قال : كنت
فيمن كلمه فى الحجّاج بن جارية، فأخرج إلينا كتابَ الحجّاج بن يوسف:

٣٠٠
١٠٠٢/٢
سنة ٧٧
أما بعد: فإن كان اللّه قتلَ الحجّاجَ بن جارية فبُعْدًا له . فذاك ما أهوَى
وأحِبّ؛ وإن كان حيًّا فاطلبه قبلك حتى توُثِقَه، ثمّ سَرَّح به إلىّ إن
شاء الله . والسلام.
قال : فقال لنا: قد كُتِب إلىّ فيه ، ولا بدّ من السمع والطاعة ، ولو لم
يُكتَب إلىّ فيه آمنته لكم ، وكففتُ عنه فلم أطلبْه . وقمنا من عنده .
قال : فلم يزل الحجاج بن جارية خائفًا حتى عُزل عدىّ بن وتَّاد، وقدم خالد
ابن عتّاب بن وَرْقاء ، فمشيتُ إليه فيه ، فكلّمته فَآمنه . وقال حبيب بن
خِدْرَة مولى لبنى هلال بن عامر :
إِذ خَشِينَا مِنْ عَدُوّ خرُقًا
هل أُتی فائدَ عن أیسارِنا
فَطَوينا فى سَوادٍ أُفُقَا
إِذ أَتانا الخَوْفُ من مَأْمَنِنا(١)
بشَرًا أَكرَمَ منَّا خُلُقا !
وَسَلِى هَدْيَة يَوْمًا هل رَأَتْ
وَسَليها أَعَلَى العهدِ لنا
ولكَمْ من خُلَّة من قَبلِها
قَدْ أَصَبْنَا العَيْشَ عَيْشًا ناعمًا
وأَصَبْتُ الدَّهْرَ دهرًا أَشْتَهِى
وشَهِدْتُ الخيل فى مَلْمُومَةٍ
يَتَسَاقَوْنَ بِأَطرافِ القَنَا
أَو يُصِرُّونَ عِلينا حَنَقًا !
قَدْ صَرَمْنَا حَبلَهَا فانطَلَقًا
وأَصَبْنَا الْعَيْشَ عَيْشًا رَنَقَا
طبَقًا منه وأَلوى طبَقًا
ما ترى منهنَّ إِلا الحَدَقَا
من نَجميعِ الموتِ كأُمَّا دَمقا
ويردّ اللّهْوُ عنى الأَنَقَا
فطِرادُ الخيلِ قد يُؤْنِقُنى
لسُيوفِ الهِنْد فيها طُرُقَا
بمُشيح البَيْض حتَّى يَتركوا
مثل ما وافَقَ شَنَّ طَبَقًا
فكأَنَّى من غدٍ وافقتها
١٠٠٣/٢
***
[ ذكر الخبر عن وقوع الخلاف بين الأزارقة ]
قال أبو جعفر : وفى هذه السنة وقع الاختلاف بين الأزارقة أصحاب
(١) ا: ((هل أتانا الخوف))، وسقط البيت الأول.