Indexed OCR Text
Pages 81-100
٨١ سنة ٦٦ ابنُ عبد الله بن أبى ربيعة، وعلى قضائها هشامُ بنُ هُبيرة، وكانت الكوفة بها المختار غالبًا عليها، وبخُراسان عبد الله بن خازم . [ شخوص إبراهيم بن الأشتر لحرب عبيد الله بن زياد ] وفى هذه السنة شَخَص إبراهيمُ بن الأشتَر متوجِّهَا إلى عبيد الله ابن زياد لحربه ، وذلك لثمانٍ بقين من ذى الحِجَّة . ٧٠١/٢ قال هشام بن محمَّد : حدّثّنى أبو مخنف، قال : حدثنى النَّضر بن صالح - وكان قد أدرك ذلك - قال: حدّثّى فُضَيل بن خَدِيج - وكان قد شهد ذلك - وغيرهما ، قالوا : ما هو إلّا أن فرغ المختار من أهل السَبيع وأهل الكُناسة ، فما نزل إبراهيم بن الأشتر إلا يومين حتَّى أشخصه إلى الوجه الذى كان وجَّهه له لقتال أهل الشام، فخرج يوم السبت لثمان بقِين من ذى الحجَّة سنة ستُّ وستين، وأخرج المختارُ معه من وجوه أصحابه وفرسانهم وذوى البصائر منهم: مِمَّن قد شهد الحرب وجرّبها ، وخرج معه قيس بن طَهْفة النَّهدىّ على ربع أهل المدينة، وأسَّر عبد اللّه بن حيَّة الأسدىّ على ربع مَذْ حِج وأسَد ، وبعث الأسوَد بن جراد الكِنْدىّ على رُبْع كندة وربيعة، وبعث حبيب بن منقذ الثَّورِىّ من هَمْدانَ على ربع تميم وهَمْدان، وخرج معه المختار يشيِّعْه حتَّى إذا بلغ ديرَ عبد الرحمن بن أمّ الحكم ، إذا أصحاب المختار قد استقبلوه ، قد حملوا الكرسىّ على بغل أشهب كانوا يحملونه عليه ، فوقفوا به على القنطرة، وصاحب أمر الكرسىّ حَوْشب البرسمىّ، وهو يقول: يا ربّ عمّرنا فى طاعتك، وانصرنا على الأعداء، واذكرنا ولا تَنْسَنَا واسترنا ، قال: وأصحابه يقولون: آمين آمين ؛ قال فُضَيل: فأنا سمعتُ ابن نَوَف الهَمْدانىّ يقول: قال المختار : أَمَا وَرَبِّ المُرْسَلَاتِ عُرْفًا لنقتُلَنَّ بعدَ صَفٍّ صَفًّا * وبعد أَلفِ قاسِطِين أَلفَا * قال : فلمَّا انتهى إليهم المختار وابنُ الأشتر ازدَ حموا ازدحامًا شديدًا ٨٢ سنة ٦٦ على القنطرة ، ومضى المختار مع إبراهيم إلى قناطر رأس الجالوت - وهى إلى جنب دَيْر عبد الرحمن - فإذا أصحاب الكرسىّ قد وقفوا على قناطر رأسٍ ٧٠٢/٢ الجالوت يستنصرون، فلمَّا صار المختار بين قنطرة دَيْرٍ عبد الرحمن وقناطر رأس الجالوت وقف ، وذلك حين أراد أن ينصرف ، فقال لابن الأشتر : خذ عنّى ثلاثاً: خَفِ اللّه فى سرّ أمرِك وعلانيتِه، وعجّل السير، وإذا لقيتَ عدوّك فناجزهم ساعةَ تلقاهُم، وإن لقيقتهم ليلا فاستطعت ألّ تُصبح حتَّى تناجِزَهم ، وإن لقيتَهم نهارًا فلا تنتظر بهم الليل حتَّى تحاكمهُم إلى الله .، ثم قال: هل حفظتَ ما أوصيتك (١) بِه؟ قال: نعم ، قال: صحبك اللّه؛ ثم انصرف. وكان موضع عسكر إبراهيم بموضع حمام أعيّنَ، ومنه شخص بعسكره . [ ذكر أمر الكرسىّ الذى كان المختار يستنصر به ! ] قال أبو مخنف : فحدثنى فُضيل بن خديج قال : لمَّ انصرف المختار مضى (٢) إبراهيم ومعه أصحابه حتَّى انتهى إلى أصحاب الكُرْسىّ وقد عكفوا حوله(٣) وهم رافعو أيديهم (٤) إلى السّماء يستنصِرون، فقال إبراهيم: اللَّهمّ لا تؤاخذنا بما فعل السُّفهاء سنّةَ بنى إسرائيل، والَّذِى نفسى بسيده إذ عكفوا على عِجْلهم - فلمَّا جاز القنطرة إبراهيمُ وأصحابهُ انصرف أصحاب الكرسىّ. ذكر الخبر عن سبب كرسى المختار الذى يستنصر به هو وأصحابه : قال أبو جعفر : وكان بدءُ سببه ما حدّثنى به عبد اللّه بن أحمد بن شبّوَيْهِ، قال : حدّثنى أبى، قال: حدّثنى سليمان، قال: حدّثنى عبد الله ابن المبارك ، عن إسحاقَ بن يحيى بن طلحة ، قال : حدّثنى معبد بن خالد ، قال: حدثنى طُفَيَل بن جَعْدة بن هُبيرة، قال: أعدمتُ مرّةً من الورق ، فإنى لكذلك إذْ خرجتُ يومًاً فإذا زَيَّات جارٌ لی، له کرسی قد رکبه وسخٌ شديد، فخطر على بالى أن لو قلتُ للمختار فى هذا! فرجعتُ فأرسلتُ إلى ٧٠٣/٢ (١) ف: ((عنى ما وصيتك)). (٣) ف: ((عليه)). (٢) ف: ((ومضى)). (٤) ف: ((وهم رافعون أيديهم)). ٨٣ سنة ٦٦ الزّيات: أرسلْ إلىّ بالكرسىّ، فأرسل إلىّ به ، فأتيت المختار، فقلت : إنى كنت أكتُمُك شيئًا لم (١) أستحلّ ذلك، فقد بدا لى أن أذكره لك، قال: وما هو ؟ قلت : كرسىّ كان جعدة بن هُبيرة يجلس عليه كأنَّه يرى أن فيه أثَرَة مِن عِلم، قال: سبحان الله! فأخَّرتَ هذا إلى اليوم ! ابعث إليه ، ابعث إليه، قال : وقد غُسل وخرج عُود نُضَارٍ ، وقد تشرّب الزيت ، فخرج يَبِصّ، فجىء به وقد غُشى، فأمر لى باثنى عشر ألفًا، ثمّ دعا: الصّلاة جامعة. فحدّثّنى معبد بن خالد الجند لىّ قال: انطُلِقٍ بى وبإسماعيلَ بن طلحة ابن عُبيد اللّه وشَبَث بن ربعىّ والناس يجرون إلى المسجد، فقال المختار: إنَّه لم يكن فى الأمم الحالية أمرٌ إلا وهو كائن فى هذه الأمَّة مثله، وإنَّه كان فى بنى إسرائيل التابوت فيه بقيَّة ممَّا ترك آلُ موسى وآلُ هارون ، وإنّ هذا فينا مثل التابوت ، اكشفوا عنه ؛ فكشفوا عنه أثوابته ، وقامت السبئيَّة فرفعوا أيديهم، وكبَّروا ثلاثاً، فقام شَبَت بن ربعىّ وقال: يا معشر مُضَر، ٧٠٤/٢ لا تكفُرُنَ، فنحوه فذبّوه وصدّه وأخرجوه،. قال إسحاق: فوالله إنى لأرجو أنّها لشبث ، ثمّ لم يلبث أن قيل : هذا عبيد الله بن زياد قد نَزّل بأهل الشأم باجُمَيْرا، فخرج بالكرسيّ على بغل وقد غُشّى ، يُمسكه عن يمينه سبعة وعن يساره سبعة، فقتل أهل الشأم مقتلة لم يقتلوا مثلها ، فزادهم ذلك فتنة ، فارتفعوا فيه حتَّى تعاطَوا الكفر، فقلت: إنَّا لله! وندمتُ على ما صنعت، فتكلّم الناس فى ذلك ، فغُِّب ، فلم أرَهُ بعدُ . حدّثنى عبد الله، قال: حدثنى أبى قال: قال أبو صالح : فقال فى ذلك أعْشى همْدان كما حدّنى غيرُ عبد الله : وإنّى بكم يا شُرْطَةَ الشِّرْكِ عارف شَهدتُ عليكُمْ أَنَّكُمْ سَبَئِيَّةٌ وإِن كان قد لُفَّتْ عليه اللّفائف وأقْسِمُ ما كُرْسِيُّكم بسَكِينةٍ شِبَاءٌ حوالَيْهِ وَنَهْدٌ وخارِفٌ (٢) ٧٠٥/٢ وأَن ليس كالتابوتِ فِينَا وإِن سَعَتْ (١) فى: ((ولم)). (٢) ف: ((وحارف)). 1 ٨٤ سنة ٦٦ وتابَعْتُ وحْياً ضُمِّنَتْهُ المَصاحِفُ عليه قريشُ: شُمْطها والغطَارِفُ وإِنى امرؤٌّ أَحَيَبْتُ آلَ محمد وتابَعْتُ عبدَ الله لمّا تتابَعَتْ(١) وقال المتوكِّل اللَّيْىّ: أَبْلِغْ أَبا إِسحاقَ إِنْ جِئِتَه کافِرُ أَنِی بِكُرْسِكُمْ وتحمِلُ الوحْىَ له شاکرُ تَنْزُو شِبَامُ حولَ أَعوادِهِ كأَنََّّنّ الحمّص الحادرُ محمرَّةً أَعْيُنُهُمْ حولَهُ فأمَّا أبو مخنف: فإنَّه ذكر عن بعض شيوخه قصّةَ هذا الكرسىّ غير الَّذى ذكره عبد الله بن أحمد بالإسناد الَّذِى حدّثنا به ، عن طفيل بن جعدة . والَّذِى ذكر من ذلك ما حُدّثنا به ، عن هشام بن محمَّد، عنه ، قال: حدّثنا هشام بن عبد الرحمن وابنه الحكم بن هشام، أنّ المختار قال لآل جعدة بن هُبَيّرة بن أبى وهب المخزومىّ - وكانت أمّ جعدة أمّ هانى بنت أبى طالب أخت علىّ بن أبى طالب عليه السلام لأبيه وأمَّه: انتونى بكرسىّ علىّ بن أبى طالب؛ فقالوا: لا والله ما هو عندنا، وما ندرى مِنْ أين نجىء به! قال: لا تكونُنّ حَمَقى، اذهبوا فأتونى به، قال : فظنّ القوم عند ذلك أنَّهم لا يأتون بكرسىّ ، فيقولون : هو هذا إلّا قَبِله منهم ، فجاءوا بكرسىّ فقالوا: هو هذا (٢) فقبله، قال: فخرجتْ شبامٌ وشاكر ورءوس أصحاب المختار وقد عَصّبُوه بالحرير والدّ يباج . ٧٠٦/٢ قال أبو مخنف،عن موسى بن عامر أبى الأشعر الجُهسىّ: إنّ الكرسىّ لمَّا بلغ ابن الزبير أمْرُه قال: أين بعضُ جَنَادِ بة الأزْد عنه ! قال أبو الأشعر : لمَّ جىء بالكرسيّ كان أوّل من سَدَنَه موسى بن أبى موسى الأشعرىّ، وكان يأتى المختار أوّل ما جاء ويحفّ به، لأنّ أمَّه أمّ كلثوم بنت الفضل بن العبَّاس بن عبد المطَّب. ثمّ إنَّه بعد ذلك عُتب عليه فاستحيا (١) ف: ((وبايعت)). (٢) ف: وابن الأثير: ((هذا هو)). ٨٥ سنة ٦٦ منه، فدَفَعه إلى حَوْشب البُرْسُمىّ، فكان صاحبه حتَّى هلك المختار . قال : وكان أحد عمومة الأعشى رجلا يُكنى أبا أمامة يأتى مجلس أصحابه فيقول: قد وُضع لنا اليوم وحىٌّ ١٠ سَمِع الناسُ بمثله، فيه نبأ ٠! يكونُ دن شىء . قال أبو مخنف : حدّثنا موسى بن عامر أنَّه إنَّما كان يصنع ذلك لهم عبد الله بن نوف ، ويقول : المختار أمرَنى به ، ويتبرأ المختار منه . ٧٠٧/٢ ثم دخلت سنة سبع وستين : ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فما كان فيها من ذلك مقتل عبيد الله بن زياد ومن كان معه من أهل الشأم . • ذكر الخبر عن صفة مقتله . ذكر هشام بنُ محمَّد ، عن أبى مخنف ، قال : حدثنى أبو الصّلت ، عن أبى سعيد الصَّيْقَل ، قال : مضينا مع إبراهيم بن الأشتر ونحن نريد عُبِيدَ اللّه بن زياد ومَنْ معه من أهل الشام، فخرجنا مُسْرعين لا نشْغنى، فريد أن نلقاه قبل أن يدخل أرض العراق . قال : فسبقناه إلى تُخومِ أرض العراق سَبْقًا بعيداً، ووغلنا فى أرض المَوْصل، فتعجّلنا إليه، وأسرَعْنا السير، فتلقاه بخَازَر إلى جنب قرية يقال لها باربيثا ، بينها وبين مدينة المتوصل خمسة فراسخ ، وقد كان ابن الأشتر جعل على مقدّمته الطفيل بن لقيط ؛ من وهْبيل من النّخَع (رجلا من قومه)، وكان شجاعًا بئيساً(١)، فلمّا أن دنا من ابن زياد ضمّ حميد بن حُريث إليه، وأخذ ابن الأشتر لا يسير إلّا على تعبية ، وضمّ أصحابه كلّهم إليه بخيله ورجاله ، فأخذ يسير بهم جميعاً لا يفرّقهم ، إلا أنَّه يبعث الطُّفيل بن لقيط فى الطَّلائع حتّى نزل تلك القرية. ٧٠٨/٢ قال: وجاء عبيد الله بن زياد حتَّى نزل قريبًا منهم على شاطىء خازر. وأرسل عميرُ بن الحُبَاب السلمىّ إلى ابن الأشتر: إنى معك، وأنا أريد(٢) الليلة لقاءك ، فأرسل إليه ابن الأشتر : أن القِنى إذا شئت ؛ وكانت قيس كلُّها بالجزيرة ، فهم أهلُ خلافٍ لمروان وآل مروان، وجند مروان يومئذ كلبٌ وصاحبهم ابن بَحْدل. فأتاه عُصَيَر ليلًا فبايعه، وأخبره أنَّه على ميسرة صاحبه ، وواعده أن ينهزم بالنَّاس ، وقال ابن الأشتر : ما رأيُك ؟ أخندِق علىّ وأتلوّم يومين أو ثلاثة؟ قال عمير بن الحُباب: لا تفعل، إنَّا (١) الرجل البئيس : الشديد. (٢) ١، س: ((وأريد)). ٨٦ ٨٧ سنة ٦٧ اللّه! هل يريد القومُ إلا هذه! إنْ طاولوك وماطلوك فهو خير لهم، هم كثيرٌ أضعافكم، وليس يطيق القليلُ الكثير فى المطاولة؛ ولكن ناجز القوم فإنَّهم قد مُلِوا منكم رُعْبًا، فأتيهم فإنَّهم إن شاءوا أصحابك وقاتلوهم يومًا بعد يوم، ومرّة بعد مرّة أنسوا بهم، واجترءوا عليهم؛ قال إبراهيم: الآن علمتُ أنَّك لى مناصح، صدقتَ، الرأى مارأيت، أما إنّ صاحبى بهذا أوصانى، وبهذا الرأى أمرَنى. قال عمير: فلا تعدون" رأيه، فإن الشيخ قد ضرّستْهُ الحروب، وقاسى منها ما لم نُقاس ، أصبح فناهِض الرجل . ثمّ إن عميرًاً انصرف، وأذكتى ابن الأشتر حَرَسه تلك اللّيلة اللّيل كلّه، ولم يدخل عينه غمْض، حتَى إذا كان فى السحر الأوّل عَبَى أصحابه، وَكتَّب ٧٠٩/٢ كتائبه، وأمَّر أمراءَه. فبعث سُفْيان بن يزيد بن المُغَفَّل الأزدىّ على ميمنته ، وعلىّ بن مالك الجُشمىّ على ميسرته، وهو أخو أبى الأحوص . وبعث عبد الرحمن بن عبد الله - وهو أخو إبراهيم بن الأشتر لأمه- على الخيل، وكانت خيلُه قليلةً ، فضمّها إليه ، وكانت فى الميمنة والقلب ، وجعل على رجّالته الطُّفْسَيَل بن لقيط، وكانت رايتُهُ مع مزاحم بن مالك. قال: فلمَّا انفجر الفجر صلَّى بهم الغداة بغَلَس ، ثمّ خرج بهم فصفَّهم، ووضع أمراء الأرباع فى مواضعهم، وألحق أميرَ الميمنة بالميمنة، وأميرّ الميسرة بالميسرة، وأمير الرّجالة بالرّجّالة، وضمّ الخيل إليه، وعليها أخوه الأمُّه عبد الرحمن بن عبد الله، فكانت وَسَطًا من الناس ، ونزل إبراهيمُ يمشى ، وقال للناس: ا زحفوا، فَزَّحَف الناسُ مُعه على رِسْلِهِم رُوَيَداً رويداً حتَّى أشرف على تلّ عظيم مُشرِف على القوم ، فجلس عليه ، وإذا أولئك لم يتحرّك منهم أحد بعدُ فسرّح عبدُ الله بن زهير السَّلولى" وهو على فرس له يتأكَّل تأكُلا(١)، فقال: قرّبْ علىّ فرسك حتَّى تأتينى بخبر هؤلاء، فانطلق ، فلم يلبث إلّا يسيرًاً حتَّى جاء ، فقال: قد خرج القومُ على دَهَش وفَشَل ، لقيَى رجل منهم فما كان له هِجِِّرَى إلا يا شيعةَ أبى تُرَاب، يا شيعةَ المختار الكذّاب! فقلت : ما بيننا وبينكم أجلُّ من الشَّم، فقال لى : يا عدوَّ اللّه، إلامَّ (١) تأكل الفرس ، أى هاج وكاد يأكل بعضه بعضاً . ٨٨ سنة ٦٧ تدعوننا ! أنتم تقاتلون مع غير إمام ، فقلت له : بل يا لثارات الحسين ، ابن ٧١٠/٢ رسول اللّه! ادفعوا إلينا عُبيدَ اللّه بن زياد؛ فإنَّه قَتَل ابنَ رسول الله وسيد شباب أهل الجنَّة حتّى نقتله ببعض موالينا الَّذِين قتَلَهم مع الحسين ، فإنَّا لا نراه لحسين نِدًا فَتَرْضى أن يكون منه قَوّدًا، وإذا دفعتُموه إلينا فقتلناه ببعضٍ موالينا الَّذِين قتلهم جعلْنا بيننا وبينكم كتاب اللّه، أو أىَّ صالح من المسلمين شئتم حكمًا ، فقال لى : قد جرّبناكم مرّة أخرى فى مثل هذا - يعنى الحكّسَيْن - فَغدرتم، فقلت له : وما هو ؟ فقال : قد جعلنا بيننا وبينكم حكمين فلم ترضَوْا بحُكْمهما ؛ فقلت له : ما جئت بحجّة، إنَّما كان صلحنا على أنَّهما إذا اجتمعا على رجل تبعنا حكمهما ، ورضينا به وبايعناه، فلم يجتمعا على واحد ، وتفرّقًا ، فكلاهما لم يوفِّقْه اللّه الخير ولم يسدّده، فقال: مَنْ أنت ؟ فأخبرته ؛ فقلت له : من أنت ؟ فقال: عَدَسْ - لبَغْلته يزجرها (١) - فقلت له: ما أنصفَتنى، هذا أوّل غَدْرِك! قال : ودعا ابن الأشتر بفرس له فركبه ، ثمّمرّ بأصحاب الرّايات كلّها، فكلّما مرّ على راية وقف عليها ، ثم قال: يا أنصار الدِّين، وشيعة الحق، وشرْطة اللّه، هذا عُبيد الله بن مَرْجانَة قاتل الحسين بن علىّ، ابن فاطمة بنت رسول اللّه، حالَ بينه وبين بناتِه ونسائِه وشيعته وبين ماء الفرات أن يَشربوا منه ، وهم ينظرون إليه ، ومَنّعه أن يأتىَ ابن عمَّهُ فيصالحه، ومَنَّعه أن ينصرف إلى رَحْله وأهلِهِ ، ومنعه الذّهابَ فى ٧١١/٢ الأرض العريضة حتَّى قتله وقََّل أهْلَ بيته؛ فوالله ما عَمِل فرعون بُنجباء بنى إسرائيل ما عَميل ابن مَرْجانة بأهلِ بيتِ رسولِ الله صلَّى اللّه عليه وسلَّم الَّذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًاً. قد جاءكم الله به، وجاءه بكم، فوالله إنى(٢) لأرجو ألا يكون اللّه جمع بينكم فى هذا الموطن وبينه إلّا ليشفى صدوركم بسفك دمه على أيديكم ، فقد علم اللّه أنَّكم خرجتم غَضَبًا لأهل بيت نبيِّكم . فسار فيما بين الميمنة والميسرة ، وسار فى الناس كلهم فرغَّهم فى الجهاد ، وحرّضهم على القتال، ثمّ رجع حتَّى نزل تحت رايته ، وزحف القوم إليه ، وقد جعل ابنُ زياد على (١) أ: ((ليزجرها)). (٢) س: ((والله إنى)). ٨٩ سنة ٦٧ ميمنته الخصّين بن نمير السَّكُونىّ، وعلى ميسرته عُمَر بن الحُبَاب السُّلَمِىّ، وشُرَ حبيل بن ذى الكتّلاع على الخيل وهو يمشى فى الرجال ، فلمَّا تدانى الصفَّان حمل الحُصَين بن نمير فى ميمنة أهل الشأم على ميسرة أهل الكوفة ، وعليها علىّ بن مالك الجُشَىّ؛ فثبت له هو بنفسه فقتِل، ثمّ أخذ رايته قُرَّةُ بن علىّ، فقُتِلَ أيضًا فى رجال من أهل الحفاظ قتِلُوا وانهزمت الميسرة، فأخذ رايَة علىّ بن مالك الجُشَىَّ عبدُ الله بن ورقاء بن جُنادة السَّلولىّ ابن أخى حُبْشى بن جُنادة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلّم، فاستقبل أهل الميسرة حين انهزموا، فقال : إلىّ يا شُرطة اللّه ؛ فأقبلَ إليه جُلُّهم، فقال : هذا أميركم يقاتل ، سِيرُوا بنا إليه، فأقبل حتَّى أتاه وإذا هو كاشفٌ عن رأسه يُنادى: يا شُرطة اللّه، إلىّ أنا ابن الأشتر! إنّ خيرَ فُرَّارِكم ٧١٢/٢ كُرّارُكم ، ليس مُسيئًا من أعتَبَ . فثابَ إليه أصحابه ، وأرسل إلى صاحب الميمنة: احمل على ميسرتهم - وهو يرجُو حينئذ أن ينهزم لهم عمير ابن الحُباب كما زعم ، فحمل عليهم صاحبُ الميمنة، وهو سُفْيان بن يزيد ابن المغفَّل، فثبت له عُمَير بن الحباب وقاتَه قتالا شديداً، فلمَّا رأى إبراهيم ذلك قال لأصحابه: أمُّوا هذا السواد الأعظم، فوالله لو قد فَضَضناه لانجفل مَن ترون منهم يمنةً ويَسْرة انجفالَ طير ذعرتها فطارت . قال أبو مخنف : فحدثنى إبراهيمُ بنُ عبد الرحمن الأنصارىّ، عن ورقاءً ابن عازب، قال: مشْنا إليهم حتَى إذا دَفَوْنا منهم اطعنًّا بالرماح قليلا، ثم صرنا إلى السيوف والعَمَد، فاضطربنا بها مليًا من النهار، فوالله ما شبَّهْتُ ما سمعتُ بيننا وبينهم من وقْع الحديد على الحديد إلا مَيَاجِنَ قَصَّارِى(١) دار الوليد بن عُقْبة بن أبى مُعَيط. قال: فكان ذلك كذلك ، ثمّ إنّ الله هزَمَهم، ومَنَتَحتَنَا أكتافَهمْ . قال أبو مخنف: وحدّثنى الحارث بن حَصيرة، عن أبى صادق أنّ إبراهيم بن الأشتر كان يقول لصاحب رايته: انغمس برايتِك فيهم ، فيقول له : إنَّه - جُعلت فداك - ليس لى مُتُقَدَّم، فيقول: بلى، فإنّ أصحابك (١) المياجن: جمع ميجنة، وهى مدقة القصار . ٩٠ سنة ٦٧ يقاتلون؛ وإنّ هؤلاء لا يَهُربون إن شاء اللّه؛ فإذا تقدّم صاحبُ رايته برايته شدَّ إبراهيمُ بسيفه فلا يضرب به رجلا إلا صرعه. وكرّد(١) إبراهيم الرجال من ٧١٣/٢ بين يديه كأنَّهم الحُمْلان، وإذا حمل برايته شدّ أصحابُه شدّةً رجل واحد . قال أبو مخنف : حدثنى المشرقىّ أنَّه كان مع عبيد الله بن زياد يومئذ حديدةٌ لا تُليق شيئًا مرّت به، وأنه لمَّا هُزِمِ أصحابه حمل (٢) عُيَيْنَةُ ابن أسماء أخته هند بنت أسماءَ - وكانت امرأة عُبيد الله بن زياد - فذهب بها وأخذ يرتجز ويقول : أَرْدَيْتُ فِى الْهَيْجَا الكَمِىَّ المُعلِما إِنْ تَصْرِمِى حِبَالَنَا فَرُبمَا قال أبو مخنف: وحدثنى فُضَّيل بن خَدِيج أنّ إبراهيم لمَّا شدّ على ابن زياد وأصحابه انهزموا بعد قتال شديد وقتلى كثيرة بين الفريقين، وأنّ عمير بن الحُباب لمَّا رأى أصحابَ إبراهيم قد هَزموا أصحابَ عبيد الله بعث إليه : أجيئك الآن ؟ فقال: لا تأتينّى حتَّى تسكن فورةُ شُرطة اللّه، فإنى أخاف عليك عادٍيَتَّهم . وقال ابن الأشتر: قتلت رجلا وجدتُ منه رائحة المسك ، شَرّقتْ يداه وغرّبت رجلاه ، تحتَ راية منفردة ، على شاطئ نهر خازَرَ . فالتمسوه فإذا ٧١٤/٢ هو عُبيد الله بن زياد قتيلا، ضربه فقدَّهُ بنصفين، فذهبت رجلاه فى المشرق، ويداه فى المغرب . وحمل شريك بن جدير التَّغلبىّ على الحصين بن نُمَير السّکونی وھو یحسبه عُبيد الله بن زیاد ، فاعتنق کلّ واحد منهما صاحبه، ونادى التغلَّىّ: اقتلونى وابن الزانية؛ فقتل ابن نُمَير. وحد ثنی عبد الله بن أحمد، قال : حدثنى أبى، قال : حدثنى سلیمان، قال : حدثنى عبد الله بن المبارك، قال: حدثنى الحسن بن كثير ، قال : كان شريكُ بنُ جدير التغلَيّ مع علىّ عليه السلام، أُصيبتْ عينه معه ، فلمَّا انقضت حربُ علىّ لحق ببيت المقدس ، فكان به ، فلمَّا جاءه (١) الكرد : الطرد . (٢) ا: (جعل)). - ٠. ٩١ سنة ٦٧ قتلُ الحسين ، قال : أعاهدُ اللّه إن قدرت على كذا وكذا ــ يَطلُب بدم الحسين - لأقتلنّ ابنَ مرجانة أو لأموتنّ دونَه. فلما بلغه أنَّ المختار خرج يَطلُب بدم الحسين أقبل إليه. قال: فكان وجَّهه مع إبراهيم بن الأشتر ، وجُعِل على خيل ربيعة، فقال لأصحابه: إنِّى عاهدتُ اللّه على كذا وكذا، فبايعه ثلثمائة على الموت ، فلمَّا التقدَوا حمل فجعل يتَهتكها صفًّا صفًّاً مع أصحابه حتّى وصلوا إليه، وثار الرّهَج فلا يُسمَعَ إلا وقع الحديد والسيوف، فانفرجت عن الناس وهما قتيلان ليس بينهما أحد؛ التَّغَلَىّ وعبيدُ اللّه ابن زياد؛ قال : وهو الَّذِى يقول : كلُّ عيش قد أَرَاهُ قَذِرًا(١). غيْرِ رَكز الرمحِ فى ظلّ الفَرَسْ (٢) ٧١٥/٢ قال هشام: قال أبو مخنف: حدثنى فُضَيل بن خديج، قال: قتِل(٣) شرحبيل بن ذى الكتلاع ، فادّعى قتلَه ثلاثة : سُفْان بن يزيد بن المغفَّل الأزْدىّ، وورقاء بن عازب الأسدىّ، وعُبيد اللّه بن زُهَيَر السُّلَمِىُّ. قال: ولمَّا هُزُم أصحاب عبيد اللّه تبعهم أصحابُ إبراهيمَ بنِ الأشتر، فكانَ مَنْ غرق أكثر مِمَّن قتل، وأصابوا عسكرهم فيه من كلّ شيء ، وبلغ المختار وهو يقول لأصحابه: يأتيكم الفتح أحدَ اليومين إنْ شاء اللّه من قبل إبراهيم ابن الأشتر وأصحابه، قد هزموا أصحابَ عُبيد اللّه بن مسَرْ جانة. قال: فخرج المختار من الكوفة ، واستخلف عليها السائبَ بنَ مالك الأشعرىّ، وخرج بالناس ، ونزل ساباط . قال أبو مخنف : حدّثنى المشرقىّ ، عن الشعبىّ، قال : كنت أنا وأبى مِسَّن خرج معه ، قال: فلمَّا جُزْنا ساباطَ قال للنَّاس : أبشروا فإنّ شُرْطة الله قد حسُّوهم بالسيوف يومًا إلى اللّيل بنَصيبينَ أو قريبًا من نصيبين ودُوّينَ منازلهم، إلاّ أنّ جلَّهم محصور بنصيبين. قال: ودخلْنا المدائن، واجتمعنا إليه، فصعد المنبر، فوالله إنَّه ليخطبنا ويأمرنا بالجدّ وحسْن (١) ف: ((باطلا)). (٣) س: ((فقتل)). (٢) فى: ((غير ركن الرمح)). ٩٢ ٧١٦/٢ سنة ٦٧ الرأى والاجتهاد والثبات على الطاعة ، والطلب بدماء أهل البيت عليهم السلام، إذ جاءتْه البشرى تَتْرَى يَتْبع بعضُها بعضاً بِقَتْل عبيد الله بن زياد وهزيمة أصحابه ، وأخذ عسكره ، وقتل أشراف أهل الشام ، فقال المختار: يا شُرطة اللّه، ألم أبشركم بهذا قبل أن يكون ! قالوا: بلى والله لقد قلت ذلك ؛ قال : فيقول لى رجل من بعض جيراننا من الهَمْدانِّين: أتؤمن الآن يا شعبىّ ؟ قال: قلت بأىّ شىء أومن؟ أومن بأنّ المختار يعلم الغيب! لا أومن بذلك أبدًا. قال: أوَ لم يقل لنا : إنَّهم قد هُزِموا ! فقلتُ له : إنَّما زعم لنا أنَّهم هُزِموا بنصيبينَ من أرض الجزيرة، وإنَّما هو بخازَرَ من أرض الموصل، فقال: والله لا تؤمن يا شعبىّ حتَّى ترى العذاب الأليم؛ فقلت له: مَن هذا الهَمْدانىّ الَّذِى يقول لك هذا؟ فقال: رجل لعمرى كان شجاعاً - قتل مع المختار بعد ذلك يوم حَرُورَاء - يقال له: سَلْمان بن حمير من الثوريّين من هَمْدان ؛ قال : وانصرف المختار إلى الكوفة ، ومضى ابن الأشتر من عسكره إلى الموصل ، وبعث عمَّالَه عليها ، فبعث أخاه عبد الرحمن بن عبد الله على نصيبين، وغلب على سِنْجار ودَارًا، وما والاها من أرض الجزيرة، وخرج أهلُ الكوفة الَّذِين كان المختار قاتلتهم فهزمهم، فلحقوا بِمُصعب بن الزبير بالبصرة . وكان فيمن قدم على مصعب شَبَت بن رِبْعِىّ، فقال سُراقةُ ابن مِرْداس البارقىّ يمدح إبراهيم بن الأشتر وأصحابَه فى قتل عُبيد الله ابن زياد : جرىٌّ على الأعداءِ غَيرُ نكُولٍ (١) أَتَاكُمْ غُلامُ من عَرَانِينٍ مِذْحِجٍ وذُقْ حَدٌّ ماضى الشَّفْرَتَيْنِ صَقِيلٍ فَيَا بْنِ زِيَادٍ بوْ بأُعْظمِ مَالكٍ إِذَا ما أَبأُّنَا قاتِلا بِقَتِيل ضَرَبْناك بالعَضْبِ الحُسَامِ بحِدَّةٍ شَفَوْا مِنْ عُبَيْد الله أَمْسِ غَلِيلى (٢) جزى الله خيْرًا شُرْطَة الله إِنَّهُمْ # * (١) ديوانه ٨١. (٢) بعده فى رواية الديوان: وأَجْدِرْ بهنْد أَن تُساقَ سبيئةً لها من بنى إِسْحاق شَرِّ حَليل ٩٣ سنة ٦٧ [ذكر الخبر عن عزل القباع عن البصرة ] وفى هذه السنة عزل عبدُ اللّه بنُ الزبير القُباعَ عن البصرة، وبعث ٧١٧/٢ عليها أخاه مصعب بن الزبير؛ فحدّثنى عمرُ بنُ شَبَّة، قال: حدّثْنى علىّ ابن محمَّد، قال: حدّثنا الشَّعْبِىّ، قال: حدّثّنى وافد بن أبى ياسر ، قال : كان عمرو بن سرح مولى الزبير يأتينا فيحدّثنا، قال: كنتُ والله فى الرّهط الَّذين قَدِ موا مع المصعب بن الزّبير من مكَّة إلى البَصْرة؛ قال: فقدم متلثِّمًا حتَّى أناخ على باب المسجد، ثمّ دخل فصَعِد المنبر، فقال الناسُ : أمير أمير . قال : وجاء الحارث بن عبد اللّه بن أبى ربيعة - وهو أدبرها قبله - فسفَر المصعب فعرفوه ، وقالوا : مصعب بن الزبير! فقال : الحارث: اظهر اظهَرْ، فصعد حتَّى جلس تحته من المنبر درجة ؛ قال: ثمّ قام المصعب فحمد الله وأثنى عليه. قال: فوالله ما أكثر الكلام ، ثم قال : بِسمِ اللّه الرحمن الرحيم: (طّم تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ المُبِينِ* نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإٍ مُوسَى﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينِ) - وأشار بيده نحو الشام- ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينِ اسْتُضْعِفُوا فِى الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ - وأشار بيده نحو الحجاز -﴿وَنُرِىَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ)(١) - وأشار بيده نحو الشأم. حدثنى عمر بن شَبَّة ، قال : حدّثنى علىّ بن محمد ، عن عوانة، قال: لما قدم مصعب البَصرة خَطَبَهم فقال : يا أهل البصرة ، بلغنى أنّكم تلقِّون أمراءكم، وقد سَمَّيْتُ نفسى الجَزّار . [ ذكر خبر قتل مصعب المختارَ بن أبى عبيد ] وفى هذه السنة سارَ مصعبُ بنُ الزبير إلى المختارَ فقَتَّله . ذكر الخبر عن سبب مسير مصعب إليه والخبر عن مقتل المختار : (١) سورة القصص : ١ - ٦ . ٧١٨/٢ 1 ٩٤ سنة ٦٧ قال هشام بن محمَّد ، عن أبى مخنف ، حدثنى حبيب بن بديل ، قال : لمّا قدم شَبَّت على مُصعب بن الزّبير البصرة وتحته بَغْلة له قد قطع ذَنَبها، وقَطَعَ طرف أذُنُها وشقّ قَباءه ، وهو ينادى: ياغوثاه ياغوثاه! فأتِىَ مصعب، فقيل له: إنّ بالباب رجلا ينادى: يا غَوْتاه يا غَوْتاه! مشقوق القَباء، مِنْ صفته كذا وكذا ، فقال لهم: نعم، هذا شَبَت بن رِبْعِىّ لم يكن ليفعَل هذا غيره ، فأدخلوه ، فأدخل عليه ، وجاءه أشراف الناس من أهل الكوفة فدخلوا عليه ، فأخبروه بما اجتمعوا له ، وبما أصيبوا به ووثوب عبيدهم ومواليهم عليهم، وشَكَوْا إليه، وسألوه النَّصْر لهم، والمسيرَ إلى المختار معهم. وقدم عليهم محمَّد بن الأشعث بن قيس - ولم يكن شَهِد وقعةَ الكوفة، كان فى قَصْر له مِمَّا يلى القادسيّة بطِيزَنَّابَاذَ - فلمَّا بلغه هزيمةُ الناس تهيَّأ للشخوص ، وسأل عنه المختار ، فأخبر بمكانه ، فسرّح إليه عبد الله بن قراد الخثعمىّ فى مائة، فلمَّا ساروا إليه، وبلغه أن قد دنوا منه، خرج فى البرّيَّة نحو المصعب حتَّى لحق به ، فلمَّا قدم على المصعب استحثَّه بالخروج، وأدناه مصعب وأكرمه لشَرَفه. قال : وبعث المختار إلى دار محمَّد بن الأشعث فَهبَدمها . ٧١٩/٢ قال أبو مخنف : فحدّثنى أبو يوسف بن يزيد أنّ المصعب لما أراد المسيرَ إلى الكوفة حين أكثرَ الناسُ عليه، قال لمحمد بن الأشعث: إنى لا أسير حتَّى يأتينى المهلسب بن أبى صُفْرة . فكتب المصعب إلى المهلب ــ وهو عاملُه على فارس : أن أقبِلْ إلينا لتشهدَ أمْرفا، فإنما نريد المسيرَ إلى الكوفة . فأبطأ عليه المهلتّب وأصحابه ، واعتلّ بشىء من الخراج، لكراهة الخروج ، فأمر مصعب محمد بن الأشعث فى بعض ما يستحثه أن يأتى المهلب فيقبل به، وأعلَمَه أنه لا يشخص دون أن يأتى المهلب؛ فذهب محمد بن الأشعث بكتاب المصعب إلى المهلسب، فلما قرأه قال له: مثلك يا محمد يأتى (١) بَريدًا! أما وَجَدَ المصعبُ بريداً غيرك! قال محمد: إنى والله ما أنا يبريد أحد، غير أنَّ نساءنا وأبناءنا وحَرَمَنَا غَلَنَا عليهم عبدانُنا وموالينا. فخرج المهلب، (١) ف: ((تأتى)). ٩٥ سنة ٦٧ وأقبل بجموع كثيرة وأموال عظيمة معه فى جموع وهيئة ليس بها أحد من أهل البصرة . ولمّا دخل المهلّب البصرة أتى باب المصعب ليدخل عليه وقد أذن للناس ، فحجَبَه الحاجب وهو لا يعرفه ، فرفع المهلب يده فكسر أنفه ، فدخل إلى المُصعب وأنفُه يسيل دماً ، فقال له : ما لك ؟ فقال : ضَرَبسنى رجل ما أعرفه، ودخل المهلب فلما رآه الحاجب قال : هو ذا ، قال له المصعب: عُدْ إلى مكانك ، وأمر المصعب الناسَ بالمعسكر عند الجسر الأكبر ، ودعا عبد الرحمن بن مخنف فقال له : انتِ الكوفةَ فأخرج إلىّ جميعَ من قدرتَ عليه أن تُخِرِجه، وادعهم إلى بيعتى سرًّا، وخَذَل ٧٢٠/٢ أصحاب المختار، فانسلّ من عنده حتى جلس فى بيته مستترً(٢) لا يَظهَرَ، وخرج المصعب فقدّم أمامَة عَّاد بن الحصين الحبطىّ من بني تميم على مقدّمته، وبعث عمر بن عُبيد الله بن معمر على ميمنته ، وبعث المهلب بن أبى صفرة على ميسرته ، وجعل مالك بن مسمع على خمس بكر بن وائل ، ومالك بن المنذر على خمس عبد القيس ، والأحنف بن قيس على خمس تميم وزياد بن عمرو الأزدىّ على خمس الأزْد ، وقيس بن الهيثم على خمس أهل العالية؛ وبلغ ذلك المختار، فقام فى أصحابه فحَمِد اللّهَ وأثْنَى عليه ثم قال : يا أهل الكوفة ، يا أهلَ الدّين، وأعوانَ الحقّ، وأنصارَ الضّعيف ، وشيعةَ الرّسول، وآل الرسول، إنّ فُرَّارَ كم الذِين بَغَوا عليكم أتوا أشباهتَهم من الفاسقين فاستغوُوهم عليكم ليمصَح (٢) الحق، وينتعش الباطل، ويقتل أولياء الله، والله لو تهلكون ما عُبد الله فى الأرض إلا بالفرْى على اللّه واللعن لأهل بيت نبيّه . انتدبوا مع أحمر بن شُمَسَط فإنكم لو قد لقيتموهم لقد قتلتموهم إن شاء اللّه قَتَلَ عاد وإرَمٍ. فخرج أحمرُ بن شُمَيَط ، فعسكر بحَمّام أعين ، ودعا المختار رءوسَ الأرباع الذين كانوا مع ابن الأشتر ، فبعثهم مع أحمر بن شُميط، كما كانوا مع ابن الأشترِ، فإنهم إنما فارقوا ابنَ الأشتر؛ لأنهم رأوه كالمتهاون بأمرِ المختار، ٧٢١/٢ فانصرفوا عنه، وبعثهم المختار مع ابن شُميط ، وبعث معه جيشًا كثيفًا، (٢) يمصح الحق ، أى ليذهب. (١) !: ((مسترًّا)). ٩٦ سنة ٦٧ فخرج ابن شميط ، فبعث على مقدّمته ابن كامل الشاكرىّ ، وسار أحمر بن شميط حتى ورد المَذّار ، وجاء المصعب حتى عسكر منه قريبًا . ثمّ إنّ كلّ واحد منهما عبّ جنده، ثمّ تزاحقا، فجعل أحمر بن شُمَسَط على ميمنته عَبَدَ اللّه بن كامل الشاكرِىّ، وعلى ميسرته عبدَ اللّه ابن وهب بن نَضْلة الجشمىّ، وعلى الخيل رزين عبد السلولىّ، وعلى الرجّالة كثير بن إسماعيل الكِنْدَىّ - وكان يوم خازَرَ مع ابن الأشتر - وجعل كيسان أبا عمرةَ- وكان مولّ لعُرَينة - على الموالى، فجاء عبدُ اللّه بنُ وهب بن أنس الجُشَمَىّ إلى ابن شُمَيط وقد جعله على ميسرته، فقال له: إنّ الموالىَ والعبيد آلُ خَوَر عند المصدوقة، وإنّ معهم رجالا كثيراً على الخيل ، وأنت تمشى، فمُرْهم فلينزلوا معك، فإنّ لهم بك أسوةً ، فإنى أتخوّف إن طُورِ دوا ساعةً ، وطُوعِنْوا وضُوربوا أن يطيروا على متونها ويُسلِموك، وإنك إن أرجلتهم لم يجدُوا من الصبر بُدَّا، وإنما كان هذا منه غشًا للموالى والعبيد، لما كانوا لقوا منهم بالكوفة ، فأحبَّ إن كانت عليهم الدَّبْرَة أن يكونوا رجالا لا ينجو منهم أحد ، ولم يتهمه ابنُ شميط ، وظنّ أنه إنما أراد بذلك نُصحَه ليصبروا ويُقاتِلوا ، فقال: يا معشر الموالى، انزلوا معى فقاتِلوا ، فنَزّلوا معه، ثم مَشَوْا بين يديه وبين يدَىْ رايته، وجاء مصعب بن الزبير وقد جعل عبّاد ٢/ ٧٢٢ ابن الحصين على الخيل، فجاء عبّاد حتى دنا من ابن شميط وأصحابه فقال: إنّا(١) ندعوكم إلى كتاب الله وسنة رسوله، وإلى بسيعة أمير المؤمنين عبد الله ابن الزبير ؛ وقال الآخرون : إنا ندعوكم إلى كتاب الله وسنة رسوله ، وإلى بيعة الأمير المختار، وإلى أن نجعل هذا الأمرَ شُورَى فى آل الرسول (٢)، فمن زعم من الناس أنّ أحدًا ينبغى له أن يتولّى عليهم برئنا منه وجاهدناه . فانصرف عبَّاد إلى المُصعب فأخبره ، فقال له : ارجع فاحمل عليهم ، فرجع فحمَلَ على ابن شميط وأصحابه فلم يزُل منهم أحدٌ ، ثمّ انصرف إلى موقفه وحمل المهلّب على ابن كامل ، فجال أصحابه بعضُهم فى بعض ، فنزل ابنُ كامل، ثمّ انصرف عنه المهلّب، فقام مكانه، فوقفوا ساعةً (١) فى: ((إنما)). (٢) ف: ((رسول اللّه)). ٩٧ سنة ٦٧ ثم قال المهلسب لأصحابه: كرُّوا كَرّةً صادقة، فإنّ القومَ قد أطمَعَوكم، وذلك بجَوْلِتِهِم التى جالوا، فحمل عليهمْ حَمْلَةً منكَرَةٌ فَلَّوا، وصبر ابنُ كامل فى رجال مِن هَمْدانَ، فأخذ المهلَّب يَسْمَعَ شِعارَ القوم: أنا الغلامُ الشاكرِىّ، أنا الغلام الشِّبامى، أنا الغلام الثَّورِىّ ، فما كان إلّ ساعهٌ حتَّى هُزِمُوا، وحمل عمرُ بنُ عبيدِ اللّه بنِ مَعمر على عبدِ اللّه ابن أنس ، فقاتل ساعةً ثمّ انصرف، وحملَ الناسُ جميعًا على ابن شُمَيط، فقاتل حتَّى قُتِل، وتنادوا: يا مَعَشَرَ بَجِيلة وخَشْعَم، الصَّبرَ الصبرَ! فناداهم المهلَّب : الفِرارَ الفِرارَ ! اليوم أنجى لكم ، عَلامَ تتقتُلُون أنفسكم مع هذه العِبْدان، أضَلّ اللّه سَعْيكم. ثمّ نظر إلى أصحابه فقال: والله ما أرَى استِحرار القَتْل اليومَ إلّ فى قومى. ومالسَت الخيلُ على رَجَّالة ابنِ شُمَيَط، فافترقتْ فانهزمتْ وأخذت الصَّحْراء، فبَعَث المصعبُ عبّاد بن الحُصَين على الخيل، فقال: أيّما أسيرٍ أخذتَه فاضرِب عُنُقته . وسرّحَ محمَّد بنَ الأشعث فى خيل عظيمة من خيل أهل الكوفة مِمَّن كان المختار طَرَدَهُم، فقال: دُونَكم ثَأُرِكم! فكانوا حيث انهزموا أشدَّ عليهمْ مِن أهل البَصْرة ، لا يُدركون منهزمًا إلّا قَتَلوه، ولا يأخذون أسيراً فيَعَفُون عنه. قال : فلم يَنْج من ذلك الجيش إلّا طائفةٌ من أصحاب الخيل ؛ وأما رَجَّ لتُهم فأبيدوا إلا قليلا . ٧٢٣/٢ قال أبو مخنف : حدّثنى ابنُ عيَّاش المَنْتُوف ، عن معاوية بن قُرّة المُزْنِىّ ، قال : انتهيتُ إلى رجل منهم ، فأدخلتُ سنان الرمح فى عينه ، فأخذتُ أخضخض (١) عينَه بسنان رُمْحى، فقلتُ له : وفعلتَ به هذا ؟ قال : نعم، إنَّهم كانوا أحَلَّ عندَنا دِماءٌ من الترْك والدَّيلم ؛ وكان معاويةُ بنُ قرّة قاضيًا لأهلِ البصْرة ، ففى ذلك يقول الأعشى (٢): بما لاقتْ بَجِيلةُ بالمَذَارِ أَلاهلَ آتَاكَ والأَنباءُ تُنْمَى وطعْنٌ صائبٌ وَجِهَ النهارِ أُتِيحَ لهم بها ضَرْبٌ طِلَحْفٌ فَعَمَّتُهُمْ هُنالِكَ بِالدَّمَارَ كأَنَّ سَحَابً صَعَقَتْ عليهمْ : ((أحصحص)). (٢) هو أعشى همدان، واسمه ٩٨ سنة ٦٧ . مَرَرْتَ على الكُويفْةِ بِالصَّغَارِ فَبِّرْ شِيعَةَ المختارِ إِما لهمْ جَمُّ يُمثَّل بالصَّحَارِى أَقَرَّ العينَ صَرْعاهِمْ وَقَلٌّ وإِن كانوا وجَدِّكَ فى خيارٍ وما إِنْ سَرَّنِى إِهلاكُ قومى أَبو إِسحاقَ مِنْ خِى وعارٍ ولكنِّى سُررْتُ بما يُلَاِّقِى ٧٢٤/٢ وأقبل المصعبُ حتَّى قطع من تلقاءِ واسطَ القَصَب ، ولم تكُ واسط هذه بُنيتْ حينئذ بعد، فأخذ فى كَسْكَر، ثمّ حَمَل الرجالَ وأثقالتَهم وضُعفاءَ الناسِ فى السفن، فأخذوا فى نَهر يقال له : نهر خُرْشاذ، ثمّ خرجوا من ذلك النَّهر إلى نهر يقال له قُوسان؛ ثمّ أخرَجهم من ذلك النَّهرِ إلى الفُرات. قال أبو مخنف: وحدثنى فُضَيل بنُ خَديج الكندىّ، أنّ أهَل البصرة كانوا يخرجون فيسَجُرّون سفنهم ويقولون: والزَّنْبَرِيَّاتِ الطَّوَالِ القُعِسِ عَوَّدَنَا المصعبُ جَرَّ القَلْسِ قال : فلمَّا بلغ من مع المختارِ من تلك الأعاجم ما لقىَ إخوانُهم مع ابن شُمَيَط قالوا بالفارسيَّة: ((إِينْ بَارْ دُرُوغ كُفْت))؛ يقولون: هذه المرّة كذب . قال أبو مخنف : وحدثنى هشامُ بنُ عبدِ الرّحمن الثقفِىّ، عن عبدِ الرّحمن بن أبى عُمَيَرِ الشَّقْفِىّ، قال: واللهِ إنى لجالسٌ عند المختار حين أتاه هزيمةُ القومِ وما لقوا، قال: فأصغى إلىّ، فقال: قتِلتْ والله العبيدَ قتلةً ما سمعتُ بِمثلها قطّ. ثمّ قال: وقُتِلَ ابْنُ شُمَيَط وابنُ كامل وفلانٌ وفلانٌ ، فسمَّى رجالا من العرب أصيبوا ، كان الرّجل منهم فى الحرب خيراً مِن فِئام(١) مِن الناس. قال: فقلتُ له: فهذه واللّه مصيبةٌ، فقال لى: ما مِنَ الموتِ بُدّ، وما من ميتة أموتها أحب إلىّ مِن مثل ميتةٍ ابن (١) الفئام: الجماعة من الناس. ٩٩ سنة ٦٧ شُمَيَط، حبَّذًا مَصارعُ الكرام! قال: فعلمتُ أنّ الرجل قد حدّث ٧٢٥/٢ نفسَه إن لم يُصِبْ حاجته أن يُقاتِلِ حتَّى يموتَ. ولما بلغ المختارَ أنَّهم قد أقبلوا إليه فى البَحْر ، وعلى الظهْر ، سار حتَّى فَزّل بهم السَّيْلَحِين، ونظر إلى مُجْتَمَعَ الأنهار نهرِ الحِيرةَ ونهرِ السَّلحِين ونهرِ القادسيَّة، ونهر يوسُف (١)، فسكتَرَ (٢) الفُرات على مُجتمع الأنهار ، فذهب ماءُ الفرات كلّه فى هذه الأنهار ، وبقيت سفنُ أهلِ البصرة فى الطّن، فلمَّا رأوْا ذلك خرجوا من السفن يَمْشونَ ، وأقبلتْ خيلُهم تركض حتَّى أَتَوْا ذلك السِّكْر، فَكَسَرَوهُ وصَمَدوا صمد الكُوفة ، فلمَّا رأى ذلك المختارُ أقبَل إليهِم حتَّى نزل حَرُ وراءَ ، وحالَ بينهمْ وبين الكوفة ، وقد كان حصّن قصرَه والمسجد ، وأدخلَ فى قصرِهِ عُدّة الحِصار ، وجاء المصعبُ يسير إليه وهو بَحرُورَاءَ وقد استعمل على الكُوفة عبدَ الله ابنَ شَدّاد، وخرج إليه المختارُ وقد جعل على مسَيْمنتهِ سُليم بن يزيد الكِنْدىّ، وجعل على مَيْسرٍتِهِ سعيدَ بن مُنْقَذ الهَمْدانىّ ثمّ الثَّورِىّ، وكان على شرطتِهِ يومئذ عبد الله بنُ قُراد الخَشْعَمىّ، وبَعَث على الخيل عمرَ بنَ عبد اللّهِ النَّهْدِىّ، وعلى الرّجال مالكَ بنَ عمرو (٣) النَّهْدىّ (٤)، وجعل مُصعبٌ على ميمنتِه المهدَّبَ بنَ أبى صُفْرةٍ ، وعلى ميسرته عمرَ بنَ عُسَيد اللّه بن مَعْمَرَ التَّيْمىّ، وعلى الخيل عَّاد بن الحُصَين الحَبَطَىّ، وعلى الرّجال مقاتل بن مِسمَعَ البَكْرِىّ، ونزل هو يَمْشِى مُتَنكِّبًا قَوْساً له . . قال: وجعل على أهلِ الكُوفة محمَّد بنَ الأشعث، فجاء محمَّد حتَّى ٧٢٦/٢ نَزَل بين المصعب والمختار مغرّبًا مُيامنا. قال: فلمَّا رأى ذلك المختارُ بعث إلى كلّ خُمس من أخماس أهلِ البَصْرة رجلا من أصحابه ، فبعث إلى بكر ابن وائل سعيدَ بن مُنقذ صاحبَ مَسرته، وعليهمْ مالِك بنُ مِسمَعَ البَكْرىّ، وبعث إلى عبد القَيْس وعليهم مالكُ بنُ المنذر عبد الرحمن بنَ (١) ط: ((برسف))، وصوابه من ا. (٣) ف وابن الأثير: ((مالك بن عبد الله)). (٢) سكر النهر ؛ أى سد فاه . (٤) س: ((البرزى)). ١٠٠ سنة ٦٧ شُرَيح الشِّبامىّ ، وكان على بيتٍ ماله، وبعث إلى أهل العالية وعليهم قيسُ ابنُ الهَيْمِ السُّلَمَىّ عبدَ اللّه بنَ جَعْدة القرشىّ، ثم المخزومىّ، وبعث إلى الأزْد وعليهم زيادُ بنُ عمرو العَتّكىّ مسافرَ بن سعيد بن نِمْران الناعطىّ ، وبعث إلى بنى تميم وعليهم الأحتَف بنُ قيس سُليم بن يزيد الكِنْدىّ ، وكان صاحب ميْمنته ، وبعث إلى محمّد بنِ الأشعث السائبَ بنَ مالك الأشعرىّ، ووقف فى بقيّة أصحابه، وتزاحف الناسُ ودَنَا بعضُهم من بعض، ويسَحمِل سعيدُ بن منقذ وعبدُ الرّحمن بنُ شُرَيح على بكر بن وائل، وعبد القيس، وهم فى الميسرَة وعليهم عمرُ بنُ عُبيدِ اللّه بنِ مَعَمَرَ؛ فقاتلتهم ربيعةٌ قتالاً شديداً، وصبروا لهم، وأخذ سعيدُ بنُ مُنقِذ وعبدُ الرحمن بنُ شُرَّيح لا يُقلعان، إذا حمل واحدٌ فانصرف حمل الآخَرَ، وربَّما حَمَلا جميعًا ؛ قال: فَبَعَث المصُعَب إلى المهلَّب: ما تنتظر أن تتحميل على مسن بإزائك! ألا تری ما یلقیهذان الخُمْسان منذ اليوم! احمل بأصحابك، فقال: إِى لعَمْرِى ما كنتُ لأجْزُر الأزْد وتميمًا خشية أهلِ الكوفة حتَّى ٧٢٧/٢ أرى فُرْصَى. قال: وبعث المختارُ إلى عبدِ الله بنِ جَعْدَة أنِ احمِلْ على مَنْ بإزائك، فَحَمل على أهل العالية فكشفهم حتَّى انَتَهْوا إلى المُصْعَب، فَجْثَا المُصْعب على رُكْبَتَيه- ولم يكن فرّارًا - فرَمىَ بأسهمه. ونزل الناسُ عنده فقاتَلُوا ساعَةً، ثم تَحَاجَزوا. قال: وَبَعث المصعبُ إلى المهلَّب وهو فى خُمْسَيَن جامِّين كثيرَى العَدَد والفُرْسان: لا أبا للَك! مَا تنتظر أن تحميل على القوم! فمَكَث غيرَ بعيد ، ثمّ إنَّه قال لأصحابه: قد قاتل الناسُ منذ اليوم وأنتم وقوفٌ ، وقد أحسنوا ، وقد بقِىَ ما عليكم ، أحملوا واستعينوا بالله واصبروا، فحمل على مَن يَليهِ حملةً منكرة، فحطموا أصحابَ المُختار حَطْمَةٌ منكرة، فكشفوهم. وقال عيدُ اللّه ابنُ عَمر والنَّهدىّ - وكان من أصحاب صِفِينَ: اللَّهمَّ إنى على ما كنتُ عليه ليلةَ الخَمِيس بصِفِين، اللَّهمَ إنى أبرأ إليكَ مِن فِعل هؤلاءُ لأصحابه حين انهزموا ، وأبرأ إليك من أنفُس هؤلاء - يعنى أصحابَ الْمُصْعَب - ثم جالَدَ بِسَيْقه حتى قُتِل، وأتى مالك بن عمرو أبو نِمْران النَّهْدىّ وهو