Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
سنة ٦٦
رُبْع ربع (١) ويقول: يا شرطة اللّه، اصبروا تُؤْجَرُ وا، وصابروا عدوّكم
تَظْفَروا، وَقَاتِلوا أولياءَ الشيطان، إنّ كَيْدَ الشيطانِ كان ضَعِيفًا، إنْ
هلكتُ فأميركم ورقاء بن عازب الأسدىّ، فإن هَلَك فأميرُكم عبد الله بن ٦٤٦/٢
ضَمْرة العذرىّ، فإن هلك فأميرُكم سِعْر بن أبى سعر الحنفىّ. قال :
وأنا والله فيمن يمشى معه ويُمْسِك بعضده ويده ، وإنى لأعرف فى وجهه
أنّ الموت قد نزل به . قال: فجعل يزيدُ بن أنس عبدَ اللّه بن ضَمْرة
العذرىّ على ميمنته، وسِعْر بن أبى سعر على ميسرته، وجعل ورقاءَ بن عازب
الأسدىّ على الخيل ، ونزل هو فوُضع بين الرجال على السرير ، ثم قال لهم :
ابرزوا لهم بالعرَاء ، وقدّمونى فى الرجال ، ثمّ إن شئتم فقاتلوا عن أميركم ،
وإن شئتم فقرّوا عنه . قال : فأخرجناه فى ذى الحجَّة يومَ عرفة سنة ست
وستين، فأخذْنا نُمسك أحيانًا بظَهْره فيقول: اصنعوا كذا ، اصنعوا كذا،
وافعلوا كذا، فيأمر بأمره، ثمّ لا يكون بأسرعَ من أن يغلبه الوجعُ فيُوضع هُنَيْهَة
ويقتتل الناسُ ، وذلك عند شفق الصبح قبل شروق الشمس . قال: فحملتْ
ميسرتهم على مسَمنِتِنا ، فاشتدّ قتالُهم ، وتَحَمِل ميسرتُنا على ميمنتهم
فتهزمها(٢)، ويَحمِل ورقاء بن عازب الأسدىّ فى الخيل فَهَزَمهم، فلم
يرتفع الضحى حتَّى هزمناهم ، وحَويْنا عسكرهم .
قال أبو مخنف : وحدّثنى موسى بن عامر العدوىّ، قال: انتهينا إلى ربيعة
ابن المخارق صاحبهم، وقد انهزم عنه أصحابه وهو نازل (٣) ينادى: يا أولياء
الحقّ، ويا أهلَ السمع والطاعة، إلىّ أنا ابن المخارق ؛ قال موسى: فأمَّا
أنا فكنتُ غلامً حَدَثًا، فَهِبْته ووقفتُ، ويحمل عليه عبدُ اللّه بن
ورقاءَ الأسدىّ وعبد الله بن ضَمْرة العذرىّ، فَقَتَلاه.
قال أبو مخنف: وحدّثنى عمرو بن مالك أبو كبشة القينىّ؛ قال: ٦٤٧/٢
كنت غلامًا حين راهقتُ مع أحد عمومتى فى ذلك العسكر ، فلمَّا نزلنا
بعسكر الكوفيين عبَّأنا ربيعة بن المخارق فأحسنَ التعبئة ، وجعل على ميمنته ابنَ
(١) !: ((ربعًّا ربعًا)).
(٣) ف: ((بارك)).
(٢) ف: ((فهزمتها)).

٤٢
سنة ٦٦
أخيه ، وعلى ميسرته عبدَ ربّه السلمىّ، وخرج هو فى الخيل والرجال وقال :
يا أهلَ الشأم، إنَّكم إنَّما تقاتلون العبيد الأبَّاقَ، وقوماً قد تركوا الإسلام
وخرجوا منه، ليست لهم تقيّة، ولا ينطقون بالعربيَّة؛ قال: فوالله إن كنت
الأحْسِب أنّ ذلك كذلك حتَّى قاتلناهم؛ قال: فوالله ما هو إلّا أن اقتتل
الناس إذا رجلٌ من أهل العراق يعترض الناسَ بسيفه وهو يقول :
وَذَاكَ فينا شَرِّ دينِ دِينَا
برئتُ مِنْ دِينٍ المحگِّمينا
ثمّ إنّ قتالنا وقتالَهم اشتدّ ساعةً من النهار، ثمّ إنَّهم هزمونا حين
ارتفع الضحى فقتلوا صاحبنا، وحَووْا عسكرنا؛ فخرجنا منهزمين حتَّى
تلقَّانا عبدُ اللّه بن حمْلة على مسيرة ساعة من تلك القرية التى يقال لها بنات
تلى ، فردَنا، فأقبلْنا معه حتَّى نزل بيزيد بن أنس، فبتْنا متحارِسين
حتَّى أصبحنا فصلّينا الغداة ، ثمّ خرجْنا على تعبئة حسنة ، فجعل على
ميمنته الزبيرَ بن خُزيمة(١)؛ من خثعم، وعلى ميسرته ابن أقيصر القحافىّ من
خثعم، وتقدّم فى الخيل والرجال، وذلك يوم الأضحى، فاقتتلنا قتالا شديداً ،
ثمّ إنَّهم هزمونا هزيمةً قبيحة ، وقتلونا قتالا ذريعاً ، وحووا عسكرنا ، وأقبلنا
حتى انتهينا إلى عبيد الله بن زياد فحدثناه بما لكَقِينا.
٦٤٨/٢
قال أبو مخنف : وحدّثنى موسى بن عامر، قال: أقبل إلينا عبدُ الله بن
حَمْلة الخثعميّ؛ فاستقبل فَلَّربيعة بن المخارق الغنوىّ فردًّهم، ثمّ جاءَ حتَّى
نزل ببنات تلى ، فلما أصبح غادوا وغادينا، فتطاردت الخيلان من أوّل النهار،
ثم انصرفوا وانصرفْنا؛ حتّى إذا صلّينا الظهر خرجنا فاقتتلنا، ثمّ هزمناهم.
قال : ونزل عبد الله بن حَمْلة فأخذ ينادى أصحابه: الكرّة بعد الفرّة، يا أهل
السمع والطاعة ؛ فحمل عليه عبدُ الله بن قراد الخثعمىّ فقتّه، وحوَّيْنا
عسكرهم وما فيه ، وأتِىَ يزيد بن أنس بثلثمائة أسير وهو فى السوق ، فأخذ
يومىّ بيده أن اضربوا أعناقتهم ، فقُتلوا من عند آخرهم .
وقال یزید بن أنس : إن هلكتُ فأمیركم ورقاء بن عازب الأسدى ، فما
أمسى حتَّى مات، فصلّى عليه ورقاءُ بن عازب ودَفتَنَّه، فلمَّا رأى ذلك
أصحابُه أسقط فى أيديهم ، وَكَسَر موتُه قلوبَ أصحابه ، وأخذوا فى دفنه ،
(١) كذا فى ا، وفى ط من غير فقط .

٤٣
سنة ٦٦
فقال لهم ورقاء : يا قوم ، ماذا ترون ؟ إنَّه قد بلغنى أنّ عبيد الله بن زياد
قد أقبل إلينا فى ثمانين ألفًا من أهل الشأم ، فأخذوا يتسلّون ويرجعون . ثم
إنّ ورقاء دعا رءوسَ الأرباع وفُرسانَ أصحابه فقال لهم: يا هؤلاء ، ماذا
ترون فيما أخبرتُكم ؟ إنَّما أنا رجل منكم ، ولست بأفضلكم رأياً، فأشيروا
علىَّ، فإنّ ابن زياد قد جاءكم فى جُنْد أهل الشأم الأعظم ، وبجلَّتهم
وفُرسانهم وأشرافِهم ، ولا أرى لنا ولكم بهم طاقةً على هذه الحال ، وقد
هلك يزيدُ بنَ أنس أميرنا، وتفرّقت عنَّا طائفة مِنَّا، فلو انصرفنا اليومَ من ٦٤٩/٢
تلقاء أنفسنا قبل أن نلقاهم، وقبلَ أن نَبلُغهم، فَيَعلَموا أنَّا إنَّما ردَّنَا
عنهم هلاكُ صاحِبِنا ، فلا يزالوا لنا هائبين لقَتْلنا منهم أميرهم ! ولأنَّا إنَّما
نعتلّ لانصرافنا بموت صاحبنا. وإنّا إن لقيناهم اليوم كنَّا مخاطرين ، فإن
هُزمنا اليوم لم تنفعْنا هزيمتنا إيّاهم من قبل اليوم. قالوا: فإنَّك نعمًّا رأيت،
انصرِفْ رحمك الله. فانصرف، فبلغ مُنصَرَفُهم ذلك المختارَ وأهلَ الكوفة ،
فأرْجف الناسُ، ولم يعلموا كيف كان الأمر أنّ يزيد بن أنس هَلَك ، وأنّ
الناس هُزِموا ، فبعث إلى المختار عاملُه على المدائن عينًا له من أنباط السواد
فأخبره الخبر ، فدعا المختارُ إبراهيم بن الأشتر فعَقَدْ له على سبعة آلاف
رجل ، ثم قال له : سْر حتَّى إذا أنت لقيتَ جيشَ ابن أنس فارددْهم
معك، ثمّ سرْ حتَّى تلقى عدوّك فتُنَاجِزَهُم. فخرج إبراهيم فوَضَع عسكره
بحمَّامٍ أُعْيَن.
قال أبو مخنف : فحدثنى أبو زهير النضر بن صالح، قال: لمَّا مات
يزيد أنس التقى أشرافُ الناس بالكوفة فأرْجفوا بالمختار وقالوا : قتل يزيد بن
أنس، ولم يصدّقوا أنَّه مات، وأخذوا يقولون: والله لقد تأسَّر علينا هذا الرجل بغير
رضاً منَّا، ولقد أدنى موالسينا، فحملتهم على الدواب، وأعطاهم وأطعمتهم
فيئنا ، ولقد عصتْنا عبيدُنا ، فحرِب بذلك أيتامنا وأراملنا . فاتَّعدوا منزلَ
شَبَت بن ربعىّ وقالوا: نجتمع فى منزل شيخنا .. وكان شبث جاهليًّا إسلاميًا -
فاجتمعوا فأتَوا منزله، فصلَّى بأصحابه، ثمّ تذاكروا هذا النحو من الحديث ٦٥٠/٢
قال : ولم يكن فيما أحدث المختارُ عليهم شىء هو أعظمُ من أن جعل للموالى

٤٤
سنة ٦٦
الفىء نصيبًا - فقال لهم شَبَث: دعونى حتى ألقاه ؛ فذهب فلقيه، فلم
يدعْ شيئًا ممَّا أنكره أصحابُه إلاَّ وقد ذا كَرَه إِيَّاه، فأخذ لا يذكر خَصلة
إلاّ قال له المختار: أرضيهم فى هذه الخَصلة، وآنِى كلّ شيء أحبّوا ؛ قال:
فذكر المماليك ؛ قال: فأنا أردّ عليهم عبيدَهم ، فذكر له الموالى ، فقال :
عمدتَ إلى موالينا، وهم فىءٌ أفاءَه الله علينا وهذه البلاد جميعًا فأعتقْنا رقابتهم،
نأمُلُ الأجرَ فى ذلك والثواب والشكر، فلم تَرْض لهم بذلك حتَى جعلتَهم
شركاءنا فى فيئنا ، فقال لهم المختار: إنْ أنا تركتُ لكم مواليكم، وجعلتُ
فَيْئَكم فيكم، أتقاتلون معى بنى أميَّة وابنَ الزبير، وتعطُون على الوفاء بذلك
عهدَ اللّه وميثاقَه، وما أطمئنّ إليه من الأيمان؟ فقال شبَت: ٠! أدرى حتَّى
أخرج إلى أصحابى فأذاكرّهم ذلك ، فخرج فلم يرجع إلى المختار .
قال : وأجمَعَ رأى أشرافٍ أهل الكوفة على قتال المختار .
قال أبو مخنف : فحدّثنى قُدامةُ بن حوشب، قال: جاءَ شَبَت
ابن رِبْعَىّ وشَمِر بن ذى الجَوْشن ومحمّد بن الأشعث وعبد الرحمن بن
سعيد بن قيس حتَّى دخلوا على كعب بن أبى كعب الخثعمىّ، فتكلَّم شَبَك،
فَحَمد الله وأثنى عليه، ثمّ أخبره باجتماع رأيهم على قتال المختار، وسأله
أن يجيبهم إلى ذلك، وقال فيما يَعيُب به المختار: إنَّه تأمَّر علينا بغير رِضًا
٦٥١/٢ منًا، وزعم أنّ ابن الحنفيّة بعثه إلينا، وقد علمْنا أنّ ابن الحنفيّة لم يفعل،
وأطعم مواليَنا فيئنا ، وأخذ عبيدَنا ، فحرِب بهم يتامانا وأراملنا ، وأظهر
هو وَسَبَئِيَّته البراءةَ من أسلافنا الصالحين. قال: فرحّب بهم كعب بن
أبى كعب، وأجابهم إلى ما دَعَوْه إليه .
قال أبو مخنف : حدّثنى أبى يحيى بن سعيد أنّ أشراف أهل الكوفة
قد كانوا دخلوا على عبد الرحمن بن مخنف ، فدعوه إلى أن يجيبهم إلى قتال
المختار، فقال لهم : يا هؤلاء، إنَّكم إن أبيتم إلاّ أن تخرجوا لم أخذُلْكم،
وإن أنتم أطعتمونى لم تخرجوا. فقالوا: لِمَ ؟ قال: لأنى أخاف أن تتفرّقوا
وتختلفوا وتتخاذلوا ؛ ومع الرجل واللّه شجعاؤكم وفرسانكم من أنفسكم ؛ أليس

٤٥
سنة ٦٦
معه فلان وفلان! ثمّ معه عبيدُكم ومواليكم، وكلمةُ هؤلاء واحدةٌ، وعبيدكم
ومواليكم أشدّ حَنَقًا عليكم من عدوّكم، فهو مقاتلكم بشجاعة العرب،
وعداوةِ العَجَم ، وإن انتظرتموه قليلا كُفيتموه بقدوم أهلِ الشأم، أو بمجىء
أهلِ البصرة، فتكونوا قد كُفيتموه بغيركم ، ولم تجعلوا بأستكم بينكم ؛ قالوا :
نَنْشدُك الله أنْ تخالفنا، وأن تُفسد علينا رأينا وما قد اجتمعتْ عليه
جماعتُنا. قال: فأنا رجلٌ منكم، فإذا شئتم فاخرجوا . فسار بعضُهم إلى
بعض وقالوا : انتظروا حتّ يذهب عنه إبراهيم بن الأشتر ؛ قال : فأمهلوا
حتى إذا بلغ ابن الأشتر سَابَاطَ، وثَبوا بالمختار. قال: فخرج عبدُ الرحمن
ابنُ سعيد بن قيس الهمدانىّ فى همدانَ فى جبّانة السَّبيع، وخرج زَحْر بن
قيس الجُعْقىّ وإسحاق بن محمَّد بن الأشعث فى جبَّانة كِنْدة.
قال هشام : فحدّثنى سليمان بن محمَّد الحضرىِّ ، قال : خرج إليهما
جبير الحضرىّ فقال لهما: أُخرُجا عن جسَّانتنا، فإنَّا نكره أن نُعْرَى ٦٥٢/٢
بشرّ؛ فقال له إسحاق بن محمَّد : وجبَّانتُكم هىَ ؟ قال : نعم ، فانصرفوا
عنه ؛ وخرج كعب بن أبى كعب الخثعمىّ فى جبَّانة بِشْر، وسار بشير بن
جرير بن عبد الله إليهم فى بجيلة، وخرج عبد الرحمن بن مخنف
فى جبَّانة مخنف، وسار إسحاق بن محمد وزّحْر بن قيس إلى عبد الرّحمن
ابن سعيد بن قيس بجبَّانة السَّبيع، وسارت بجيلةُ وخَشْعم إلى عبد الرحمن
ابن مخنف وهو بالأزْد . وبلغ الَّذين فى جبَّانة السَّبيع أنّ المختار قد عبَّأ لهم
خيلا ليسير إليهم. فبعثوا الرسل يتلو بعضُها بعضًا إلى الأزْد وبَجِيلة وخثعم،
يسألونَهم بالله والرّحم لمّا عَجِلوا إليهم. فساروا إليهم واجتمعوا جميعًا فى
جبَّانة السبيع، ولمَّا أن بلغ ذلك المختار سرَّه اجتماعهم فى مكان واحد،
وخرج شمر بن ذي الجوشن حتَّى نزل بجبَّانة بنى سكول فى قيس ، ونزل
شَبَت بن ربعيّ وحَسان بن فائد العبسىّ وربيعة بن ثروانَ الضبيّ فى مُضَرَ
بالكُناسة ، ونزل حجَّار بن أبْحر ويزيد بن الحارث بن رؤيم فى ربيعة فيما
بين التَّمَّارين والسَّبَخة، ونزل عمرو بن الحجَّج الزّبيديّ فى جبَّانة مُراد
بمَنْ تبعه من مَدْحُج، فبعث إليه أهلُ اليمن : أن ائتنا، فأبى أن يأتيهم

٤٦
سنة ٦٦
وقال لهم : جدّوا، فكأنى قد أتيتُكم . قال : وبعث المختار رسولا من يومه يقال
٦٥٣/٢ له عمرو بن تَوْبة بالرَّكض إلى إبراهيم بن الأشْتر وهو بسَابَاط ألّ تضع
كتابى من يدك حتَّى تُقِبل بجميع منْ مَعَك إلىّ . قال : وبعث إليهم
المختار فى ذلك اليوم : أخبرونى ما تريدون ؟ فإنى صانع كلَّ ما أحببتم، فقالوا:
فإنَّا نريد أن تعتزِلتَنا، فإنَّك زعمتَ أنّ ابنَ الحنفيّة بعثك ولم يَبْعَئك.
فأرسل إليهم المختارُ أن ابعثوا إليهِ مِن قِبَلكم وفدًا، وأبعثُ إليه من قِبَلَى
وفدًاً، ثمّ انظروا فى ذلك حتَّى تَتَبَّهُوه؛ وهو يريد أن يريثهم بهذه المقالة
ليقدَمَ عليه إبراهيمُ بن الأشتر ، وقد أمر أصحابه فكفّوا أيديهم ، وقد أخذ
أهلُ الكوفة عليهم بأفواهِ السكك، فليس شىء يصل إلى المختار ولا إلى أصحابه
من الماء إلاّ القليل الوقْح (١)، يجيئهم إذا غفلوا عنه. قال: وخرج عبدُ الله بن
سَبيع فى الميدان ، فقاتلته شاكر قتالا شديداً، فجاءه عُقْبَة بن طارق
الجُشَىّ فقائل معه ساعةً حتّى ردًّ عاديّتهم عنه ، ثمّ أقبلا على حاميتهما
يسيران حتَّى نزل عُقْبة بن طارق مع قيس فى جبَّانة بنى سكول، وجاء
عبد الله بن سَبَيع حتَّى نزل مع أهل اليمن فى جبَّانة السَّبيع.
قال أبو مخنف : حدّثّنى يونس بن أبى إسحاق ، أنّ شمر بن ذى
الجوشن أتى أهل اليمن فقال لهم : إن اجتمعتم فى مكان نجعل فيه مجنّتين
ونقاتل من وجه واحد فأنا صاحبكم ، وإلّ فلا، واللّه لا أقاتل فى مِثْل
هذا المكان فى سيكك ضيّقة ، ونقاتل من غير وجه . فانصرف إلى جماعة
٦٥٤/٢ قومه فى جبانة بنى سكول. قال: ولمَّ خرج رسولُ المختار إلى ابن الأشتر
بلغه من يومه عشَّةً ، فنادى فى الناس : أن ارجعوا إلى الكُوفة ، فسار بقيَّةً
عشيَّه تلك ، ثمّ نزل حين أمسى، فتعشّى أصحابُه، وأراحوا الدوابَّ شيئًا
كلا شىء، ثمّ نادى فى الناس، فسار ليلتَه كلّها، ثمّ صلَّى الغداة
بسُورا، ثمّ سار من يومه فصلَّى العصر على باب الجسر من الغد ، ثمّ إنَّه
جاء حتى بات ليلَتَّه فى المسجد ومعه من أصحابه أهل القوّة والجلد، حتَّى
إذا كان صبيحة اليوم الثالث من مُخرجهم على المختار ، خرج المختارُ إلى
1
(١) الوتح : القليل من كل شىء.

٤٧
سنة ٦٦
المنبر فصعِدَه .
قال أبو مخنف : فحدّثنى أبو جناب الكلىّ أنّ شَبَث بن رِبْعِىّ
بعث إليه ابنه عبد المؤمن فقال: إنَّما نحن عشيرتُك، وكفّ يمينِك، لا والله
لا نقاتلك، فثقْ بذلك منًّا؛ وكان رأيه قتاله، ولكنَّه كاده. ولمَّا أن اجتمع
أهلُ اليَمَن بجبّانة السَبيع حضرتِ الصلاة، فَكَرِهِ كلّ رأس من رءوس
أهلِ اليمن أن يتقدّمه صاحبُه، فقال لهم عبد الرحمن بن مخنف : هذا أوّل
الاختلاف ، قدّموا الرضا فيكم ، فإنّ فى عشيرتكم سيِّدَ قرّاء أهل المصر ،
فليصلّ بكم رفاعةُ بن شهٍّاد الفتيانىّ من بجِيلة، ففعلوا، فلم يزل يصلّى
بهم حتَّى كانت الوقعة .
قال أبو مخنف : وحدّثنى وازع بن السرىّ أنّ أنس بن عمرو الأزدىّ
انطلق فدخل فى أهل اليمن ، وسمعهم وهم يقولون: إنْ سار المختار إلى إخواننا
من مضرَ سرْنا إليهم ، وإن سار إلينا ساروا إلينا ، فسمِعَها منهم رجل ،
وأقبل جواداً حتَّى صعد إلى المختار على المنبر، فأخبره بمقالتهم، فقال: أمَّا ٦٥٥/٢
هم فخُلَقَاء لو سرتُ إلى مضرَ أن يسيروا إليهم، وأمَّا أهل اليَمَن فأشهد
لئن سرتُ إليهم لا تسير إليهم مضر، فكان بعد ذلك يدعو ذلك الرجل
ويكرمه . ثم إنّ المختار نزل فعبّاً أصحابَه فى السوق - والسوق إذ ذاك ليس
فيها هذا البناء - فقال لإبراهيم بن الأشتر : إلى أىّ الفريقين أحبّ إليك أن
تسير ؟ فقال: إلى أىّ الفريقين أحببت ، فنظر المختار - وكان ذا رأى، فكره أن
يسير إلى قومه فلا يبالغ فى قتالهم - فقال: سرْ إلى مضرَ بالكُناسة وعليهم
شَبَت بن ربعىّ ومحمَّد بن عمير بن عطارد ، وأنا أسير إلى أهل اليَمَن.
قال : ولم يزل المختار يُعرف بشدّة النفس، وقلَّة البُقْيَا على أهل اليمن
وغيرهم إذا ظفر، فسار إبراهيمُ بن الأشتر إلى الكُناسة، وسار المختار إلى جبَّانة
السّبيع، فوقف المختار عند دار عُمَرَ بن سعد بن أبى وقَّاص، وسرّح بين
أيديه أحْمَر بن شُميط البجَلَىّ ثمّ الأحمسىّ، وسرّح عبد الله بن كامل
الشاكرىّ، وقال لابن شميط: الزَم هذه السّكّة حتَّى (١) تخرج إلى أهل
(١) س: ((التى)).

٤٨
سنة ٦٦
جبّانة السَّبيع من بين دُور قومك. وقال لعبد الله بن كامل : الزّم هذه
السكَّة حتَّى تخرج على جبّانة السَّبيع من دار آل الأخنس بن شَرِيق ،
ودعاهما فأسرّ إليهما أنّ شبامَاً قد بعثتْ تُخبرنى أنَّهم قد أتَوا القوم من
ورائهم، فمَضَيًا ((فَسلكا الطريقين اللَّذين(١) أمرهما بهما (٢)، وبلغ أهل اليمن
٦٥٦/٢ مسيرُ هذين الرجلين إليهم، فاقتسموا تَيْنِك السكَّتّين، فأما السكنَّة الَّتى فى
دبر مسجد أحْمس فإنَّه وقف فيها عبدُ الرحمن بنُ سعيد بن قيس الهسْدانىّ
وإسحاق بن الأشعث وزّحْر بن قيس، وأمَّ السّكَّة الَّتِى تلى الفُراتَ فإنَّه
وقف فيها عبدُ الرحمن بن مخنف، وبشير بن جرير بن عبد الله، وکعب بن
أبى كعب. ثم إن القوم اقتتلوا كأشدّ قتال اقْتَشَّلَه قوم. ثمّ إنّ أصحابَ (٣)
أحْمر بن شمسَيط انكشفوا وأصحاب عبد الله بن كامل أيضًا، فلم يُرَع المختارُ
إلّا وقد جاءه الفَلُّ قد أقبل؛ فقال: ما وراءكم ؟ قالوا: هُزِمنا؛ قال: فما فعل
أحمر بن شُمَيَط؟ قالوا: تركناه قد نزل عند مسجد القصّاص - يَعنُون
مسجدَ أبى داود فى وادعة ، وكان يعتاده رجالُ أهل ذلك الزمان يقصّون
فيه ، وقد نزل معه أناس من أصحابه - وقال أصحاب عبد اللّه : ما ندرى
ما فعل ابن كامل ! فصاح بهم : أن انصرِفوا. ثمّ أقبل بهم حتَّى انتهى
إلى دار أبى عبد الله الجُدّلىّ، وبعث عبد الله بن قُراد الخثعمىّ - وكان على
أربعمائة رجل من أصحابه - فقال: سرْ فى أصحابك إلى ابن كامل ، فإنْ
يك هلك فأنت مكانه ، فقاتِل القومَ بأصحابك وأصحابه ، وإن تجده حيًّاً
صالحًا فسرْ فى مائة من أصحابك كلّهم فارس ، وادفع إليه بقيّة أصحابك،
ومرْ (٤) بالجدّمعه والمناصحة له، فإنَّهم إنَّما يناصحونى، ومَن ناصحنى
فليبشر ، ثمّ امضٍ فى المائة حتَّى تأتى أهل جبّانة السَّبِيع ممَّا يلى حمَّام قَطَن
ابن عبد اللّه. فمضى فوجد ابن كامل واقفًا عند حمَّام عمرو بن حُريث
(١ - ١) ف: ((وسلكا الطريق الذى)).
(٢) فى: ((به)).
(٣) ف: ((وإن أصحاب أحمر)).
(٤) فى: ((وأمرهم)).

٤٩
سنة ٦٦
معه أناس (١) من أصحابه قد صبروا، وهو يقاتل القومَ، فدفع إليه ثَكثَمائة ٦٥٧/٢
مِن أصحابه ثمّ مضى حتَّى نزل إلى جبَّانة السَّبيع.
ثم أخذ فى تلك السكك حتَّى انتهى إلى مسجد عبد القيس ، فوقف
عنده، وقال لأصحابه: ما ترون؟(٢قالوا: أمرنا لأمرٍكَ تَبع ٢) وكل من كان معه
من حاشد من قومه وهم مائة؛ فقال لهم: والله إنى لأحبّ أن يظهر المختار، ووالله
إنى لكارهٌ أن يتَهلِك أشرافُ عشيرتى اليوم، ووالله لأن أموتَ أحبّ إلىّ
من أن يَحلّ بهم الهلاك على يدىّ ، ولكن قفوا قليلا فإنى قد سمعتُ شِبامًاً
يزعمون أنَّهم سيأتونهم (٣) من ورائهم، فلعلّ شِباما تكون هى تفعل ذلك ،
وتُعافى نحن منه. قال له أصحابه : فرأيك . فثبت كما هو عند مسجد
عبد القيس ، وبعث المختارُ مالكَ بن عمرو النهدىّ فى مائتى رجل - وكان
من أشدّ الناس بأسًا - وبعث عبد الله بن شريك النهدىّ فى مائتى فارس إلى
أحمر بن شميط ، وثبت مكانَه، فانتهوا إليه وقد علاه القوم وكشّروه ،
فاقتتلوا عند ذلك كأشدّ القتال، ومضى ابن الأشتر حتَّى لقى شَبَث بن رِبْعِىّ.
وأناسًا معه من مضر كثيرًا، وفيهم حسَّان بن فائد العبسىّ، فقال لهم إبراهيم :
وَيَنْحَكُم! انصرفوا، فوالله ما أحبّ أن يصاب أحد من مُضَر على يدى"،
فلا تُهْلكوا أنفسكم ، فأبوا، فقاتلوه فهزمهم ، واحتُمل حسَّان بن فائد إلى
أهله ، فمات حين أدخل إليهم ، وقد كان وهو على فراشه قبل موته أفاقَ إفاقةٌ
فقال : أما والله ما كنت أحبّ أن أعيشَ من جراحتى هذه، وما كنت أحبّ
أن تكون منيَّى إلاّ بطعنةٍ رمح ، أو بضربةٍ بالسيف ؛ فلم يتكلّم بعدها
كلمةً (٤) حتَّى مات. وجاءت البشرى إلى المختار من قبل إبراهيم بهزيمة
مضرَ، فبعث المختار البشرَى مِن قِبَلَه (٥) إلى أحمر بن شُميط وإلى ابن
كامل ، فالنَّاس (٦) على أحوالهم كلّ أهل سكنَّة منهم قد أغْنتْ ما يليها.
قال : فاجتمعت شِبَام (٧) وقد رأسوا عليهم أبا القلوص، وقد أجمعوا
(٢-٢) ف: ((فقالوا: أمرنا أمرك ونحن لك تبع)).
(١) فى: ((ناس)).
(٤) ف: ((بكلمة)).
٦٥٨/٢
(٣) فى: ((أن سيأتونهم)).
(٥) فى: ((من قبله البشرى)).
(٧) ف: ((فاجتمع)).
(٦) فى: ((والناس)).

٥٠
سنة ٦٦
واجتمعوا بأن يأتوا أهل اليمن من ورائهم ، فقال بعضهم لبعض : أما والله
لو جعلتم جِدَّكُم (١) هذا على من خالفكم من غيركم لكان أصْوَب، فسيروا
إلى مضرَ أو إلى ربيعة (٢) فقاتلوهم - وشيخُهم أبو القلوص ساكت لا يتكلّم -
فقالوا : يا أبا القلوص، ما رأيك؟ فقال: قال الله جلّ ثناؤه:
﴿فَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةٌ﴾(٣) قوموا؛
فقاموا؛ فمشى بهم قيس رمحين أو ثلاثة ثم قال لهم : اجلسوا فجلسوا، ثمَّ مشى
بهم أنفس من ذلك شيئًا، ثم قعد بهم، ثم قال لهم: قوموا ، ثمّ مشى بهم الثالثة
أنفس من ذلك شيئًا، ثمّ قعد بهم، فقالوا له: يا أبا القَلوص، والله إنك عندنا
لأشجع العرب، فما يَحملك على الَّذى تصنع! قال: إنّ المجرّب ليس
كمن لم يجرّب ، إنى أردت أن ترجع إليكم أفئدتُكم ، وأن توطّنوا على القتال
أنفسكم ، وكرهتُ أن أفْحِمكم على القتال وأنتم على حالٍ دَهَش ؛
قالوا : أنت أبصَر بما صنعت .
فلمّا خرجوا إلى جبَّانة السَّبيعِ استقبلهم على فم السكَّة الأعسر الشاكرىّ،
٦٥٩/٢ فحمل عليه الجُندعىّ وأبو الزبير بن كريب فصرعاه، ودخلا الجبَّانة، ودخل
الناسُ الجَبَّانة فى آثارهم، وهم ينادُون: يا لثارات الحسين ! فأجابهم
أصحابُ ابن شميط يَا الثّارات الحسين! فسمعها يزيدُ بن عمير بن ذى مُرَّان
من هَمْدان فقال: يا لثارات عثمان! فقال لهم رفاعة بن شدّاد: ما لنا
ولِعثمان! لا أقاتِل مع قوم يبغون دمَ عثمان، فقال له أناس من قومه: جئتَ بنا
وأطعناك، حتَّى إذا رأينا قومنا تأخذهم السيوف قلت : انصرفوا ودَعُوهم!
فَعَطَف عليهم وهو يقول :
أَنَا ابنُ شدَّادِ عَلَى دينٍ على لستُ لعثمانَ بنِ أَرْوَى بِوَلِ
بِحِرِّ نارِ الحَربِ غير مُؤتلٍ
لأَصلِينَّ اليومَ فِيمَن يصْطَلى
فقاتَل حتى قُتل، وقتل يزيد بن مُمير بن ذى مُرَّان ، وقُتل النعمان
ابن صُهْبان الجرمىّ ثمّ الراسبىّ-وكان ناسكاً - ورفاعةُ بن شدّاد بن عَوْسجة
(٣) سورة التوبة: ١٢٣.
(١) ف: ((حدكم)). (٢) ف: ((ربيعة ومضر)).

٥١
سنة ٦٦
الفِيانىّ عند حمَّام المَهْبذانِ الَّذى بالسَّبَخة - وكان ناسكًا - وقتل الفرات
ابن زَّحْر بن قيس الجُعفىّ، وارتثّ زَحْر بن قيس ، وقتل عبد الرحمن
ابن سعيد بن قيس ، وقتل عمر بن مخنف ، وقاتل عبدُ الرحمن بن مختف حتَّى
آرتُثّ، وحملتْه الرّجال على أيديها وما يَشعر، وقاتل حولَه رجالٌ من
الأزْد ، فقال حُمَيد بن مسلم :
مَفَارِقِ الأَعْبُدِ وَالصَّحِيمِ
لِأَضْرِبَنَّ عن أبى حَكيمٍ
وقال سراقة بن مِرْداس البارقىّ :
٦٦٠/٢
لَا تَتَوَّنَّىْ عِن أَبى حكيمٍ (١)
يا نَفْسُ إِلَّا تَصْبرِى تُلِيمِی
واستُخرج من دور الوادعيّين خمسمائة أسير، فأُتِى بهم المختار مكتَّفين،
فأخذ رجل من بنى نتَهْد وهو من رؤساء أصحاب المختار يقال له : عبد الله
ابن شريك، لا يخلو بعربىّ إلّا خلَّى سبيله، فَرَفَع ذلك إلى المختار دِرْهُم
مولّ لبنى نَهد، فقال له المختار: اعرضوهم علىّ، وانظروا كلّ من شهد
منهم قتل الحسين فأعلمونى به ، فأخذوا لا يُصَرّ عليه (٢) برجل قد شهد قتل
الحسين إلّا قيل له : هذا ممَّن شهد قتله ، فيقدّمه فيضرب عنقه، حتَّى
قتل منهم قبل أن يخرج مائتين وثمانيةً وأربعين قتبلا، وأخذ أصحابه كلَّما
رأوا رجلا قد كان يؤذيهم أو يماربهم (٣) أو يضرّبهم خَلَوْا به فَقَتُوه حتَّى قُتل
ناس كثير منهم وما يشعر بهم المختار ، فأُخبر بذلك المختار بعدُ ، فدعاً
بمَنْ بقى (٤) من الأسارى فأعتقهم، وأخذ عليهم المواثيقَ ألّ يجامعوا
عليه عدوًّا، ولا يبغوه ولا أصحابه (٥) غائلة، إلّا سُرَاقَةَ بن مرداس البارقيّ،
فإنَّه أمر به أن يُساقَ معه إلى المسجد . قال: ونادى منادى المختار: إنَّه
من أغلق بابه فهو آمن، إلّا رجلا شَرَك فى دم آل محمَّد صلَّى اللّه عليه
وسلم .
(٢) ف: ((لا يمر عليهم رجل)).
(١) ديوانه ١٠٥ .
(٣) ف: ((ويماريهم)).
(٤) ف: ((من بق)).
(٥) ف: ((لأصحابه) ..

٥٢
سنة ٦٦
قال أبو مخنف: حدثنى (١) المجالد بن سعيد، عن عامر الشعبيّ.، أن يزيد
ابن الحارث بن يزيد بن رؤيم وحجّار بن أبجر بعثا رسلا لهما ، فقالا لهم :
كونوا من أهل اليمن قريبًا، فإنْ رأيتموهم قد ظهروا(٢) فأيكم سبق إلينا فليقل
٦٦١/٢ صَرَفان، وإن كانوا هُزِموا فليقل جُمْزان، فلما هُزِم أهل اليمن أتتْهم
رسلهم، فقال لهم أوّلُ من انتهى إليهم : جُمْزان، فقام الرجلان فقالا لقومهما:
انصرفوا إلى بيوتكم ، فانصرفوا، وخرج عمرو بن الحجّاج الزَّبيدىّ.ـ- وكان
ممِّن شهد قتل الحسين - فركب راحلتتَه، ثمّ ذهب عليها ، فأخذ طريق
شَرَافٍ وواقصة، فلم يُرَ حتَّى الساعة، ولا يُدرَى أرضٌ بِخَسَتْه، أم
سماءٌ حِصَبَتْهُ! وأمَّا فُرات بن زَحْر بن قيس فإنَّه لمَّا قُتل بعثتْ عائشة
بنت خليفة بن عبد الله الجُعفيَّة - وكانت امرأةَ الحسين بن علىّ- إلى المختار
تسأله أن يأذن لها أن توارىَ جسده ؛ ففعل ؛ فدفنتْه .
وبعث المختار غلامًا له يدعى زِرْبيًا فى طلب شمر بن ذي الجَوْشَن.
قال أبو مخنف : فحدّثنى يونس بن أبى إسحاق، عن مسلم بن عبد الله
الضّبَابِىّ، قال: تَبَعنا زرْبِىٌّ غلامُ المختار، فَلِحقنا وقد خرجْنا من
الكوفة على خيول لنا ضُمَّر، فأقبل يتمطَّر به (٣) فرسُه، فلَّما دنا منًّا قال لنا
شمر: اركضوا وتباعدوا عنّى لعلّ العبد يطمع فىّ؛ قال: فركَضْنا، فأمعنًّا،
وطمع العبد فى شمٍر، وأخذ شمر ما يستطرد له ، حتَّى إذا انقطع من أصحابه
حمل عليه شمر فدقّ ظهره ، وأتى المختار فأخبر بذلك، فقال: بؤسًا لزربىّ،
أما لو يستشيرُنى ما أمرْته أن يخرُج لأبى السابغة .
قال أبو مخنف : حدّثنى أبو محمَّد الهَمْدانىّ ، عن مسلم بن عبد الله
٠٠
٦٦٢/٢ الضّبابىّ، قال: لمَّا خرج شمر بن ذي الجَوْشن وأنا معه حين هزمنا المختار،
وقتل أهل اليمن بحبَّانة السَّبيع ، ووجَّه غلامَه زربيًّا فى طلبٍ شمر ، وكان
مَن قتل شمر إيَّه ما كان، مضى شمر حتَّى ينزَل ساتِيدَمنّاً، ثمّ مضى
حتّى ينزل إلى جانب قرية يقال لها الكلتانيَّة على شاطئ نهر، إلى جانب تلّ،
(١) ف: ((فحدثى)).
(٣) يتمطر به : يسرع.
(٢) ف: ((ظفروا)).

٥٣
سنة ٦٦
ثمّ أرسل إلى تلك القرية فأخذ منها عِلْجًا فضربه، ثمّ قال: النّجاء
بكتابى هذا إلى المصعب بن الزبير وكتب عنوانه : للأمير المصعب بن الزبير
من شمر بن ذي الجوشن. قال: فَمَضَى العِلْج حتَّى يدخل قريةً فيها
بيوت، وفيها أبو عَمْرة، وقد كان المختار بعثَه فى تلك الأيَّام إلى تلك القرية
لتكون مَسْلحة فيما بينه وبين أهل البصرة ، فلقى ذلك العِلْجِ عِلْجا من
تلك القرية ، فأقبل يشكو إليه ما لقى من شمر ، فإنَّه لقائم معه يكلّمه إذ
مر به رجل من أصحاب أبى عمرة ، فرأى الكتابَ مع العلج، وعنوانه: لمصعب
من شمر ، فسألوا العلجَ عن مكانه الَّذى هو به ، فأخبَرَهم ، فإذا ليسٍ
بينهم وبينه إلاّ ثلاثة فراسخ. قال: فأقبلوا يسيرون إليه.
قال أبو مخنف: فحدّثّنى مسلم بن عبد الله، قال: وأنا والله مع شَمِر
تلك الليلة(١)، فقلنا: لو أنَّك ارتحلتَ بنا من هذا المكان فإنَّا نتخوّف به!
فقال: أوَ كلّ هذا فَرَقًا من الكذَّاب! والله لا أتحوّل منه ثلاثَة أيَّام، ملأ
اللّه قلوبكم رُعْبًا! قال: وكان بذلك المكان الذى كنَّا فيه دبى كثير ،
فوالله إنى لَبْنِ اليَقْظانِ والنائم، إذْ سمعتُ وَفْعَ حوافر الخيل ، فقلت فى
نفسى : هذا صوتُ الدَّبِى، ثمّ إنى سمعته أشدّ من ذلك، فانتبهتُ ومسحتُ (٢)
عينىّ، وقلت: لا والله، ما هذا بالَّبَى. قال: وذهبتُ لأقومَ ، فإذا أنا
بهم قد أشرفوا علينا من الثَّلّ ، فكبَّّروا، ثمّ أحاطوا بأبياتنا ، وخرجْنا
نشتدّ على أرجُلنا، وتركنا خيلنا. قال: فأمُرّ على شمر، وإنَّه لمتَّزر ببُرد
محقق (٣) - وكان أبرَصَ - فكأنى أنظر إلى بياض كشحيه من فوق البُرْد،
فإنَّه لَيطاعنهم بالرمح، قد أعجلوه أن يلبس سلاحَه وثيابته ، فمضينا وتركناه.
قال: فما هو إلاّ أن أمعنتُ ساعةٌ، إذ سمعتُ: الله أكبر، قتلَ اللهُ الخبيث!
٦٦٣/٢
قال أبو مخف : حدثنى المشرقىّ ، عن عبد الرحمن بن عبيد أبى الكنود ،
قال: أنا والله صاحب الكتاب الَّذى رأيته مع العِلْج، وأتيتُ به أبا عمرة
وأنا قتلت شمرًا ؛ قال: قلت : هل سمعته يقول شيئًا ليلتئذ ؟ قال : نعم،
(١) ف: ((ليلتئذ). (٢) ف: ((فحت)). (٣) برد محقق: محكم النسيج.

٥٤
سنة ٦٦
خرج علينا فطاعَتّنا برمحه ساعةً، ثمّ ألقى رمْحَه، ثمّ دخل بيته فأخذ
سيفتَه ، ثمّ خرج علينا وهو يقول :
جَهْمًا مُحِيَّاهُ يَدُقُّ الكاهِلاَ
نَبَّهْتُمُ لَيْثَ عَرِينٍ بَاسِلَا
لم يُرَ يَوْماً عَنْ عَدُوّ ناكِلَا إِلَّ كَذَا مُقَاتِلاً أَو قَاتِلاَ
• يُبْرِحُهُمْ ضَرْباً ويُرْوِى العامِلاَ *
قال أبو مخنف، عن يونس بن أبى إسحاق : ولمَّا خرج المختار من جَبّانة
٦٦٤/٢ السَّبيع، وأقبل إلى القصر، أخذ سراقةُ بن مِرْ داس يناديه بأعلى صوته:
امننْ علَّ اليَوْمَ يا خَيْرَ مَعَدْ وَخَيْرَ مَن حَلَّ بِشِحْرٍ وَالجَنَدْ(١)
* وَخَيْرَ من حَيَّا وَلَّى وَسَجَدْ (٢) .
فبعث به المختار إلى السجن ، فحبسه ليلةٌ ، ثمّ أرسل إليه من الغد
فأخرجه ، فدعا سراقة ، فأقبَل إلى المختار وهو يقول :
أَلا أَبلِغْ أَبا إِسْحاقَ أَذّا نَزَوْنا نَزْوَةٌ كانت علينا (٣)
وكانَ خُرُوجُنا بَطْرًا وحَيْنَا
خَرَجْنَا لاَ نَرِى الضعَفاءَ شيئاً
نراهُمْ فى مصافِّهمِ قليلاً
برَزْنا إذ رَأَيْنَاهُمْ فلما
لِقِينَا مِنْهُمُ ضَرْباً طِلَحْفاً(٤)
وهم مثلُ الدَّبِى حين التَقَينا
رأينا القومَ قد برزُوا إِلينا
وطَعْناً صائباً حتَّى انثنَيْنَا
بكلِّ كَتِيبَةٍ تَنْعَى حُسَيْنَا(٥)
نصِرْتَ على عَدُوِّكِ كُلَّ يومٍ
ويومِ الشِّعْبِ إِذ لاقَى حُنَيْنَا
كنصْرٍ مُحَمّدٍ فى يوم بَدْرٍ
فَأَسْجِحْ إِذْ مَلِكْتَ فلو ملَكنا
لِجُرْنا فى الحكومة وأعتَدَينا
سأَشكرُ إِنْ جعلتَ النَّقْدَ دينا
تَقَبَلْ توبَةً منّى فإِنّى
(١) ديوانه ٧٤ .
(٣) ديوانه ٧٧،٧٦ .
(٢) ف: ((لّ وحيا)).
(٤) ضربًا طلحفاً، أى شديداً وجيعاً .
(٥) ف: ((تبغى علينا)).

٥٥
سنة٦٦
قال : فلَّما انتهى إلى المختار، قال له: أصلحك الله أيها الأمير! سُراقةُ
ابن مرداس يَحلف بالله الَّذى لا إله إلاّ هو لقد رأى الملائكةَ تُقاتِل على
الخيول البُلْق بين السماء والأرض ؛ فقال له المختار : فاصعد المنبر فأعلِم
ذلك المسلمين ؛ فصَعِد فأخبرَهم بذلك ثمّ نزل ، فخلا به المختار ، فقال :
إنى قد علمت أنَّك لم تر الملائكة، وإنَّما أردتَ ما قد عرفتُ ألّا أقتلك، ٦٦٥/٢
فاذهب عنى حيث أحببت(١)، لا تُفسد على أصحابى .
قال أبو مخنف : فحدثنى الحجّاج بن علىّ البارقى عن سراقة بن
مرداس، قال : ما كنت فى أيمان حلفت بها قطّ أشدّ اجتهاداً ولا مبالغةً فى
الكذب (٢) منّى فى أيمانى هذه الَّى حلفتُ لهم بها أنى قد رأيت الملائكة
معهم تُقاتِل . فخدّوا سبيله. فهرب ، فلحق بعبد الرحمن بن مخنف عند
المصعب بن الزبير بالبصرة ، وخرج أشرافُ أهل الكوفة والوجوه . فلتحقوا
بمصعب بن الزبير بالبصرة ، وخرج سراقة بن مرداس من الكوفة وهو يقول :
رأَيتُ الْبُلْقَ دُهْماً مُصْمتَاتٍ (٣)
أَلاَ أَبلِغْ أَبًا إِسحاقَ أَنّى
علىَّ قِتالَكُمْ حتَّى الممَاتِ
كَفَرْتُ بَوَحْيِكْم وجعلت نَذْرًا
كلانا عالمٌ بالتُّرَّهاتِ
أُرِى عَيْنَىَّ ما لم تُبِصراهُ
وإِن خرجوا لبِسْتُ لهم أَداتى
إِذا قالوا أَقول لهم كَذَبْتُمْ
حدّثّنى أبو السائب سلم بن جُنادة، قال: حدّثنا محمَّد بن برّاد (٤)، من
ولد أبى موسى الأشعرىّ، عن شيخ ، قال: لمَّا أسر سراقة البارقىّ ، قال :
وأنتم أسرتمونى! ما أسَرَنى إلاّ قوم على دوابَ بُلق، عليهم ثيابٌ بيض. قال:
فقال المختار : أولئك الملائكة ، فأطْلَقه ، فقال :
رأَيتُ البُلْقَ دُهْماً مصمَتَاتٍ
أَلا أَبلغ أَبا إِسحاقَ أَنّى
كلانَا عالمٌ بالتُّرَّهاتِ
أُرِى عينىَّ ما لمْ تَرْأَياه
(١) ف: ((شئت)).
(٣) ديوانه ٧٨ .
(٢) ف: ((منى فى الكذب)).
(٤) !: ((برأه)).

سنة ٦٦
قال أبو مخنف : حدثی عمير بن زیاد أنّ عبد الرحمن بن سعيد بن قيس
٦٦٦/٢ الهمدانىّ قال يوم جبَّانة السبيع: ويحكم! من هؤلاء الَّذِينَ أَتَوْنا من
ورائنا ؟ قيل له : شيام؛ فقال: يا عجبا ! يقاتلنى بقَوْمى من لاَ قومَ له.
قال أبو مخنف: وحدثنى أبو روق أنّ شُرحبيل بن ذى بُقلان من
الناعطيِّن قُتِل يومئذ، وكان من بيوتات هَمْدان ، فقال يومئذ قبل أن
يُقتَل: يا لها قتلةً، ما أضلّ مقتولها! قِتال مع غير إمام ، وقتالٌ على غير
نيَّةً، وتعجيلُ فراقِ الأحبّة، ولو قتلناهم إذا لم نسلم منهم، إنَّا لله
وإنَّا إليه راجعون! أما والله ما خرجْتُ إلّا مواسياً لقومى بنفسى مخافة أن
يُضطهَدوا، وايم الله ما نجوْتُ من ذلك ولا أُنجُوا، ولا أغَنْيت عنهم ولا
أُغنُوا. قال : ويرميه رجل من الفائشيّين من هَمْدانَ يقال له أحمر بن
هديج بسهم فيقتله .
قال: واختصَم فى عبد الرحمن بن سعيد بن قيس الهمدانىّ نفرٌ ثلاثة: سِعْر
ابن أبى سعر الحنفىّ، وأبو الزبير الشّامىّ: ورجل آخر؛ فقال سعْر: طعنته
طعنة ، وقال أبو الزبير : لكن ضربتُه أنا عشرَ ضَرَبَات أو أكثر، وقال لى
ابنه: يا أبا الزبير ، أتقتل عبد الرحمن بن سعيد سيّد قومك ! فقلت :
﴿لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ بُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ
كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾(١). فقال المختار:
كلّكم محسن. وانجلست الوقعة عن سبعمائة وثمانين قتيلامن قومه.
قال أبو مخنف: حدثنى النَّضْر بن صالح أنَّ القتل إذ ذاك كان استحرّ
٦٦٧/٢ فى أهل اليمن، وأن مُضَر أصيب منهم بالكُناسة بضعة عشر رجلا ، ثمّ
مضوا حتَّى مرّوا بربيعة ، فرجع حجَّار بن أبجر ، ويزيد بن الحارث بن
رؤيم وشدّاد بن المنذر - أخو حضين - وعكرمة بن ربعىّ، فانصرف جميع
هؤلاء إلى رحالهم ، وعطف عليهم عكرمة فقاتلهم قتالا شديداً، ثمّ انصرف
عنهم وقد خرج، فجاء حتّى دخل منزله ، فقيل له : قد مرّت خيلٌ فى
(١) سورة المجادلة: ٢٢ .

٥٧
سنة ٦٦
ناحية الحىّ ؛ فخرج فأراد أن يثب من حائط داره إلى دار أخرى إلى جانبه
فلم يستطع حتَّى حملته غلام له . وكانت وقعة جبَّانة السَّبيع يومَ الأربعاء
لستّ ليال بقين من ذى الحجة سنة ست وستين.
قال: وخرج أشرافُ الناس فلَحقوا بالبَصرة، وتجرّد المختارُ لقتلة الحسين
فقال : ما من ديننا تركُ قوم قتلوا الحسينَ يمشون أحياء فى الدّنيا آمنين؛ بئس
ناصرُ آل محمَّد أنا إذاً فى الدنيا! أنا إذا الكذّاب كما سمَّوْنى، فإنى(١) باللّه
أستعين عليهم، الحمد(٢) لله الَّذى جعلنى سيفاً ضربهم به، ورمحا طعنهم به،
وطالب وترهم، والقائم بحقّهم؛ إذَّه (٣) كان حقًّا على الله أن يَقتُل من قَتَلهم،
وأن يذلَ من جهل حقَّهم، فسمّوهم لى ثمّ اتبعوهم (٤) حتَّى تُمْنوهُم.
قال أبو مخنف : فحدّثّنى موسى بن عامر أنّ المختار قال لهم : اطلبوا لى
قَلَةَ الحسين، فإنَّه لا يَسُوغ لىَ الطعام والشرابُ حتَّى أطهّرُ الأرضَ
منهم ، وأنفى المُصِرّ منهم .
قال أبو مخنف: وحد ثني مالك بن أعين الجُهسىّ أنّ عبد الله بن دباس،
وهو الَّذِى قَتَل محمَّد بنَ عمَّار بن ياسر الَّذِى قال الشاعر:
* قَتِيل أَبنِ دَبَّاسِ أَصابَ قَذَالَهُ ﴾(٥)
٦٦٨/٢
هو الَّذِى دلّ المختار على نفر ممَّن قَتَل الحسينَ، منهم عبد الله بن
أسيد بن النَّزّال الجُهَىّ من حُرَقة، ومالك بن النُّسير البدّىّ، وحَمَل بن
مالك المحاربىّ؛ فبعث إليهم المختار أبا نِمْران مالك بن عمرو النَّهدىّ. وكان
من رُؤساء أصحاب المختار - فأتاهم وهمْ بالقادسيَّة ، فأخذهم فأقبل بهم
حتَّى أدخلهم عليه عشاء ، فقال لهم المختار : يا أعداء اللّه وأعداءَ كتابه
وأعداءَ رسولهِ وَآلِ رسولِهِ، أين الحسينُ بنُ علىّ؟ أدّوا إلىّ الحسينَ ،
قتلتم من أُمِرِثُم بالصّلاة عليه فى الصلاة، فقالوا (٦): رحمك الله! بُعثنا ونحن
كارهون ، فامننْ علينا واستبقنا ، قال المختار: فهلاً منتتم على الحسين ابن بنت
(٣) ف: ((إن)).
(٢) ف: ((والحمد)).
(١) ف: ((وإنى)).
(٥) ف: ((أصيب قذاله)). (٦) ف: ((قالوا)).
(٤) ف: ((تتبعوهم)).

٥٨
سنة ٦٦
نبيكم واستبقيتموه وسَقَيْتموه! ثم قال المختار للبدَّىّ: أنت صاحبُ بُرنُسه ؟
فقال له عبد اللّه بن كامل : نعم، هو هو؛ فقال المختار، اقطعوا يدَىْ(١)
هذا ورِجْلَه، ودَعُوه فليضطرب حتَّى يموت، ففُعل ذلك به وتُرك ، فلم
يزل يسَزِف الدمَ حتَّى مات، وأمر بالآخرين فقُدّمًا ، فقتل عبدُ اللّه بن
كامل عبدَ الله الجهنىّ، وقتل سعرُ بن أبى سعر حَمَل بن مالك المحاربيّ.
قال أبو مخنف : وحدثنى أبو الصّلت السَّيمىّ، قال: حدثنى أبو سعيد
الصّيْقل أنّ المختار دُلّ على رجال من قَتَّة الحسين، دَلّه (٢) عليهم سِعْر
اختفىّ؛ قال: فبعث المختارُ عبدَ الله بنَ كامل، فخرجنا معه حتَّى مَرّ ببنى
ضُبيعة ، فأخذ منهم رجلا يقال له زياد بن مالك؛ قال: ثمّ مضى إلى عَشّزة
٦٦٩/٢ فأخذ منهم رجلا يقال له عِمْران بن خالد. قال: ثمّ بعثنى فى رجال معه يقال
لهم الدّبابة إلى دار فى الحمراء، فيها عبد الرحمن بن أبى خُشْكارة البَجَلَىّ
وعبد الله بن قيس الخَوْلانىّ ، فجئنا بهم حتى أدخلناهم عليه ، فقال لهم :
يا قتلة الصالحين، وقتّلة سيد شباب أهل الجنَّة، ألا ترون اللّه قد أقاد
منكم اليومَ ! لقد جاءكم الوَرْس ، بيوم نَحْس - وكانوا قد أصابوا من
الوَرْس الَّذى كان مع الحسين - أخرجوهم إلى السوق فضربوا رقابهم. ففُعل
ذلك بهم ، فهؤلاء أربعة نفر .
قال أبو مخنف : وحدثنى سليمان بن أبى راشد ، عن حميد بن مسلم ،
قال : جاءنا السَّائب بنُ مالك الأشعريّ فى خيل المختار، فخرجتْ نحوّ
عبد القيس، وخرج عبد الله وعبدُ الرحمن ابنا صَلْخب (٣) فى أثَرَى، وشُغلوا
بالاحتباس عليهما عنّى ، فنجوت وأخذوهما ، ثم مضوا بهما حتّى مرّوا على
منزل رجل يقال له عبد الله بنُ وهب بن عمرو ابن عمّ أعشى هَمْدانَ من
بنى عبد ، فأخذوه ، فانتهوا بهم إلى المختار، فأمر بهم فقُتلوا فى السوق، فهؤلاء
ثلاثة . فقال حميد بن مسلم فى ذلك حيث نجا منهم :
أُلَمْ تَرَنِىِ على دهشٍ نَجوْتُ ولم أَكدْ أَنْجُو
(٢) ف: ((دل)).
(١) ف: ((يديه)).
(٣) ابن الأثير: ((صلحب)).

سنة ٦٦
٥٩
ولم أَكُ غِيْرَهُ أَرْجو
رجاءُ اللهِ أَنْقَذَنِى
قال أبو مخنف : حدّثنى موسى بن عامر العدوىّ من جُهينة ـ- وقد عرف
ذلك الحديث شهمُ بن عبد الرّحمن الجُهَسَىّ - قال: بعث المختارُ عبدَ الله
ابن كامل إلى عثمانَ بن خالد بن أسير الدُّهمانى من جُهَينة، وإلى أبى أسماءَ ٦٧٠/٢
بِشْر بن سَوْط القابضىّ - وكانا ممَّن شَهِدا قتلَ الحسين، وكانا اشتركا فى
دم عبد الرّحمن بن عقيل بن أبى طالب وفى سلبه - فأحاط عبدُ اللّه بنُ
كامل عند العصر بمسجد بنى دُهمان، ثم قال : علىّ مثل خطايا بنى دُهُمان
منذ يوم خُلقوا إلى يوم يُبعثون إن لم أوتَ بعثمانَ بنٍ خالد بن أسير، إن لم أضرب
أعناقكم من عند آخركم . فقلنا له : أمهلْنا نطلبه، فخرجوا مع الخيل فى طلبه،
فوجدوهما جالسَين فى الجبّانة-وكانا يريدان أن يخرجا إلى الجزيرة - فأتىَ بهما
عبدُ الله بنُ كامل، فقال: الحمد لله الَّذى كفى المؤمنين القتالَ ، لو لم يجدوا
هذا مع هذا عنّانا إلى منزله فى طلبه، فالحمد لله الَّذى حيّنك حتَّى أمكن
منك . فخرج بهما حتَى إذا كان فى موضع بئر الجعد ضربَ أعناقَهما ، ثمّ
رجع فأخبر المختارَ خبرهما، فأمره أن يرجع إليهما فيحرقتَهما بالنار ، وقال :
لا يُدفنان حتَّى يُحرَقا. فهذان رجلان، فقال أعشى همْدانْ يرثى عثمانَ
الجُهْسَىّ:
لا يَبْعِدَنَّالفَتَى من آلِ دُهْمانَا
يا عَيْن بكِّى فَتَى الفِتيانِ عُمَّانَا
ما مِثْلُهُ فارسٌ فى آلِ هَمْدَانًا
وإذْكرْ فَتَّى ماجِدًا حُلوًا شَائِلُهُ
قال موسى بنُ عامر: وبعث معاذ بن هانئ بن عدىّ الكندىّ، ابن أخى ٦٧١/٢
حُجْر، وبعث أبا عمرة صاحب حَرَسه، فساروا حتَّى أحاطوا بدار
خَوْلىّ بن يزيد الأصبحىّ وهو صاحبُ رأس الحسين الَّذِى جاء به، فاختباً
فى مخرجه، فأمر معاذٌ أبا عَمْرةَ أن يطلبه فى الدار، فخرجتْ امرأتهُ إليهم،
فقالوا لها : أين زوجُك ؟ فقالت : لا أدرى أين هو - وأشارت بيدها إلى المخرج،
فدخلوا فوجدوه قد وضع على رأسه قَوْصَرَّةً، فأخرجوه ، وكان (٢) المختار يسير
(١) اسمه عبد الرحمن بن عبد الله، وهمدان بالدال الساكنة من قبائل كهلان باليمن، وانظر
(٢) ف: ((وقد كان)).
المؤتلف والمختلف ١٢ .

٦٠
سنة ٦٦
بالكوفة . ثمّ إنَّه أقبل فى أثر أصحابه وقد بعث أبو عمرةَ إليه رسولا ،
فاستقبل المختار الرسولَ عند دار بلال ، ومعه ابنُ كامل ، فأخبَرَه الخبر ،
فأقبل(١) المختار نحوّهم، فاستقبل به، فردّده (٢) حتَّى قتله إلى جانب أهله ،
ثمّ دعا(٣) بنار فحرّقه [ بها](٤)، ثم لم يبرح حتَّى عاد رماداً، ثمّ انصرف
عنه. وكانت امرأته من حَضْرَ مَوْت يقال لها العَيُوف بنت مالك بن نهار بن
عَقْرَبَ ، وكانت نصبتْ له العداوة حين جاءَ برأس الحسين .
قال أبو مخنف : وحدّثّنى موسى بن عامر أبو الأشعر أنّ المختار قال ذات
يوم وهو يحدّث جلساءَه : لأقتلنّ غدًا رجلا عظيمَ القَدَمين، غائرَ العينين:
مشرفَ الحاجبين، يسرّ مَقتلُه المؤمنين والملائكةَ المقرّبين. قال : وكان
الهيثم بن الأسود النَّخعىّ عند المختار حين سمع هذه المقالة، فوقع فى نفسه أنّ
٦٧٢/٢ الَّذِى يريد عمر بن سعد بن أبى وقَّاص، فلمَّا رجع إلى منزله دعا ابنه
العُريان فقال: القَ ابنَ سعد الليلةَ فخَبّره بكذا وكذا، وقل له: خذ حِذْرَك،
فإنَّه لا يريد غيرك. قال: فأتاه فاستخلاه ، ثُمّ حدثّه الحديث ، فقال له
عمر بن سعد: جزى الله أباك والإخاءَ خيراً ! كيف يريد هذا بى بعد الَّذِى
أعطانى من العهود والمواثيق! وكأن المختار أوّل ما ظهر أحسنَ شىءٍ سيرةٌ
وتألّفًا للناس، وكان عبد الله بن جَعْدة بن هبيرة أكرمَ خَلْق اللّه على
المختار لقرابته بعلىّ(٥)، فكلّم عمرُ بنُ سعد عبد الله بن جعدة وقال له: إنى
لا آمَن هذا الرجل - يعنى المختار - فخُذْ لى منه أماناً، ففعل ؛ قال : فأنا
رأيتُ أمانَه وقرَأْتُه [وهو ] (٦) :
بسم الله الرحمن الرحيم. هذا أمانٌ من المختار بن أبى عبيد لعمرَ بنِ سعد
ابن أبى وقَّاص، إنَّك آمن بأمان الله على نفسك ومالك وأهلِك وأهل بيتك
وولد ك، لا تؤاخَذُ بحدث كانَ منك قديمًا ما سمعتَ وأطعتَ ولزمتَ رَحْلك
وأهلَك ومصرك (٧)، فمن لقىَ عمرَ بنَ سعد من شُرْطة اللّه وشيعة آل محمَّد
(١) ف: ((فرجع وأقبل )).
(٣) ف: ((ودعا)).
(٥) ف: ((من على)).
(٢) ف: ((فردّوه)).
(٤) من ف .
(٧) ف: ((وقصرك)).
(٦) من ف .