Indexed OCR Text
Pages 601-620
٦٠١ سنة ٦٥ إلى ما ساء أعينَهم؛ فقال لهم عبد الله بن نُفَيل: إنا لهذا خرجْنَا، ثمّ اقتتلنا فما اضطربنا إلا ساعةً حتى قتل المزنىّ، وطعين الحنفىّ فوقع بين القتلى، ثم ارتُثّ بعد ذلك فنجا ، وطعن الطائى فجزم أنفُه ، فقاتل قتالا شديداً ، وكان فارساً شاعراً ، فأخذ يقول : قد علِمِتْ ذاتُ القَوامِ الرُّودِ أَنْ لَسْتُ بالوانِى ولا الرِّعدِيدِ * يوماً ولا بالفَرِقِ الحَيُودِ * قال : فحمل علينا ربيعةُ بن المخارق حملةً منكرة، فاقتتلنا قتالاً شديداً. ثمّ إنه اختلف هو وعبد الله بن سعد بن نفيل ضربتين، فلم يصنع سيفاهما شيئًا، واعتنق كلّ واحد منهما صاحبه، فوقعا إلى الأرض ، ثمّ قاما فاضطربا ، ويحمل ابن أخى ربيعة بن الخارق على عبد الله بن سعد، فطعنه فى ثُغْرة نحره، فقتله ، ويحمل عبد الله بن عوف بن الأحمر على ربيعة بن المخارق ، فطعنه فصرعه . فلم يُصِب مَقتلا ؛ فقام فكرّ عليه الثانية ، فطعنه أصحابُ ربيعة فصرّعوه؛ ثمّ إنّ أصحابَه استنقذوه. وقال خالد بن سعد بن نفيل: أرُونى ٥٦٣/٢ قائلَ أخى، فأريناه ابن أخى ربيعة بن المخارق، فحمل عليه فقنَّعه بالسيف واعتنقه الآخر فخرّ إلى الأرض ، فحمل أصحابه وحملْنا، وكانوا أكثر منّا فاستنقذوا صاحبتهم ، وقتلوا صاحبنا ، وبقيت الرّاية ليس عندها أحدٌ . قال : فنادينا عبد الله بن وال بعد قتلهم فرسانتنا ، فإذا هو قد استلحم فى عصابة معه إلى جانبنا ، فحمل عليه رفاعة بن شدّاد ، فكشفتَهم عنه ، ثم أقبل إلى رايته وقد أمسكها عبد الله بن خازم الكثيرىّ ، فقال لابن وال : أمسك عنى رايتك ؛ قال: امسكْها عنّى رحمك الله، فإنّى بى مثلُ حالك فقال له: أمسك عنى رايتك، فإنىّ أريد أن أجاهد ؛ قال: فإن هذا الذى أنت فيه جهاد وأجر ؛ قال : فصحْنا : يا أبا عزّة، أطع أميرَك يرحمُك اللّه ! قال : فأمسكها قليلا ، ثمّ إنّ ابن وال أخذها منه. قال أبو مخنف : قال أبو الصلت التيمىّ الأعور: حدّثّى شيخ للحىّ ٦٠٢ سنة ٦٥ كان معه يومئذ، قال: قال لنا ابن وال: مَنْ أراد الحياة التى ليس بعدها موتُ، والراحة التى ليس بعدها نَصَبٌّ، والسرورَ الذى ليس بعده حزنٌ، فليتقرّب إلى ربه بجهاد هؤلاء المحلِّين، والرواح إلى الجنة رحمكم الله! وذلك عند العصر ؛ فشدّ عليهم، وشددْنا معه، فأصبنا واللّه منهم رجالاً، وكشفناهم طويلاً ، ثم إنهم بعد ذلك تعطّفوا علينا من كلّ جانب، فحازونا حتى بلغوا ٥٦٤/٢ بنا المكان الذى كنا فيه، وكنا بمكان لا يقدرون أن يأتونا فيه إلاّ من وجه واحد ، وولِىَ قتالتنا عند المساء أدهم بن مُحرِزِ الباهلىّ ، فشدّ علينا فى خيله ورجاله ، فقتل عبد الله بن وال التيمى . قال أبو مخنف ، عن فروة بن لقيط ، قال : سمعت أدهمَ بن مُحرز الباهلىّ فى إمارة الحجاج بن يوسف وهو يحدّث ناسًا من أهل الشام، قال: دفعت إلى أحد أمراء العراق؛ رجل منهم يقولون له عبد الله بن وال وهو يقول: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوافِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُون. فَرِحِين ... (١))، الآيات الثلاث، قال: فغاظنى، فقلت فى نفسى: هؤلاء يَعدّوننا بمنزلة أهل الشرك، يَرَون أنّ من قتلْنا منهم كان شهيداً. فحملتُ عليه أضرب يده اليسرى فأطنّنْتها ، وتنحّيت قريبًا ، فقلت له : أما إنى أراك وَدِ دْتَ أنك فى أهلك، فقال: بئسما رأيت! أما والله ما أحبّ أنها بدك الآن إلاّ أن يكون لى فيها من الأجر مثل ما فى يدى؛ قال: فقلت له : لم؟ قال: لكيما يجعل اللّه عليك وزْرَها، ويُعظم لى أجرها؛ قال: فغاظى فجمعتُ خيلى ورجالى؛ ثمّ حملنا عليه وعلى أصحابه ، فدفعتُ إليه فطعنتُه فقتلتُه، وإنه لمقبل إلىّ ما يزول؛ فزعموا بعدُ أنه كان من فقهاء أهل العراق الذين كانوا يُكثرون الصوم والصلاة ويُفْتُون الناس . قال أبو مخنف: وحدثنى الثقة ، عن حميد بن مسلم وعبد الله بن غزيّة (١) سورة آل عمران: ١٦٩ - ١٧٠. ٦٠٣ سنة ٦٥ قال: لما هلك عبد الله بن وال نظرنا، فإذا عبد الله بن خازم قتيل إلى جنبه، ولحن نرى أنه رفاعة بن شدّاد البَجَلىّ، فقال له رجل من بني كنانة يقال له الوليد بن غضين: أمسك رايتك؛ قال: لا أريدها؛ فقلت له: إنا لله! ٠٦٥/٢ ما لَكَ ! فقال: ارجعوا بنا لعلّ اللّه يجمعنا ليوم شرّلهم، فوثب عبد الله بن عوف بن الأحمر إليه، فقال : أهلكْتَنا، والله لئن انصرفت ليركبُنَّ أكتافنا فلا نبلغ فرسخاً حتى نتهلك من عند آخرنا ، فإن نجا منا ناج أخذه الأعراب وأهلُ القرى ، فتقرّبوا إليهم به فيُقْتَل صبراً ، أنشدك الله أن تفعل ، هذه الشمس قد طفلتْ للمغيب ، وهذا الليلُ قد غشينا ، فنقاتلهم على خيلنا هذه فإنا الآن ممتنعون ، فإذا غَسق الليل ركبنا خيولنا أوّل الليل فرمينا بها ، فكان ذلك الشأن حتى تُصبح ونسير ونحن على مَهَل ، فيحمل الرجل منا جريحه وينتظر صاحبه ، وتسير العَشَرة والعشرون معًا، ويعرف الناس الوجه الذى يأخذون ، فيتبع فيه بعضهم بعضاً ؛ ولو كان الذى ذكرت لم تقف أم على ولدها ، ولم يعرف رجل وجهَه ، ولا أين يسقُط، ولا أين يَذهَب! ولم نصبح إلا ونحن بین مقتول ومأسور. فقال له رفاعة بن شداد : فإنك نعم ٤٠ رأيت ؛ قال: ثمّ أقبل رفاعة على الكنافىّ فقال له: أتمسكها أم آخذُها منك ؟ فقال له الكنانىّ: إنى لا أريد ما تريد، إنى أريد لقاء ربّى، واللَّحاق بإخوانى ، والخروج من الدنيا إلى الآخرة ، وأنت تريد ورقَ الدنيا، وتَهوَى البقاء ، وتكره فراقَ الدنيا؛ أما والله إنى لأحبُّ لك أن ترشد ، ثمّ دفع إليه الراية، وذهب ليستقدم. فقال له ابن أحمر: قائلْ معنا ساعةً رحمك الله ولا تُلقِ بيدك إلى التَّهلكة ، فما زال به یناشده حتى احتبس عليه ، وأخذ أهلُ الشأم يتنادَوْن: إنّ اللّه قد أهلكهم؛ فأقدموا عليهم فافرُغوا منهم قبل الليل . فأخذوا يقدمون عليهم ، فيقدمون على شوكة شديدة ؛ ويقاتلون فُرساناً شجعانًا ليس فيهم سقتط رجل، وليسوا لهم بمضجرين فيتمكنوا منهم ؛ فقاتلوهم حتى العشاء قتالاً شديداً، وقتِل الكنانىّ قبل المساء ، وخرج عبد الله بن عزيز الكندىّ ومعه ابنه محمد غلام صغير ، فقال: يا أهل الشام ، هل فيكم أحدٌ من كندة؟ فخرج إليه منهم رجال، فقالوا: نَعَم ، نحن هؤلاء ، ٦٠٤ سنة ٦٥ فقال لهم: دونكم أخوكم فابعثوا به إلى قومكم بالكُوفة ، فأنا عبد الله بن عزيز الكندىّ، فقالوا له: أنت ابنُ عمّنا، فإنك آمن؛ فقال لهم: والله لا أرغب عن مصارع إخوانى الذين كانوا للبلاد نوراً، وللأرض أوتاداً، وبمثلهم كان اللّه يُذكّر؛ قال: فأخذ ابنُه يبكى فى أثَر أبيه ، فقال: بابنىّ ، لو أن شيئًا كان آثَرَ عندى من طاعة ربِّ إذاً لكنتَ أنتَ، وناشدَه قومه الشأميون لما رأوا من جزع ابنه وبكائه فى أثره ، وأرُوا الشأميون له ولا بنه رِقّة شديدة حتى جزءوا وبكوا ، ثم اعتزل الجانب الذى خرج إليه منه قومه، فشدّ على صفّهم عند المساء ، فقاتل حتى قُتل . قال أبو مخنف : حدثنى فضيل بن خديج ، قال : حدّثنى مسلم بن ٠٦٧/٢ زَحْر الْحَوْلانىّ، أنّ كريب بن زيد الحميرىّ مشى إليهم عند المساء ومعه راية بَلْقاء فى جماعة ، قلما تَنقُص من مائة رجل إنْ نقصَت ، وقد كانوا تحدّثوا بما يريد رفاعة أن يصنع إذا أمسى ، فقام لهم الحمیری وجمع إليه رجالا من حميَرَ وهَمْدانَ، فقال: عباد الله! رُوحوا إلى ربكم، والله ما فى شىء من الدنيا خَلَف من رضاء اللّه والتوبة إليه، إنه قد بلغنى أنّ طائفة منكم يريدون أن يرجعوا إلى ما خرجوا منه إلى دنياهم ، وإن هم رَكنوا إلى دنياهم رجعوا إلى خطاياهم، فأمّا أنا فوالله لا أولى هذا العدوّ ظهرى حتى أرد موارد إخوانى؛ فأجابوه وقالوا : رأينا مثل رأيك . ومضى برايته حتى دنا من القوم ، فقال ابن ذى الكلاع: والله إنى لأرى هذه الرايةَ حيمْيَرِّيّة أو همْدانية، فدنا منهم فسألهم ، فأخبروه ، فقال لهم: إنكم آمنون ، فقال له صاحبهم : إنا قد كنا آمنين فى الدنيا ، وإنما خرجنا نطلب أمانَ الآخرة؛ فقاتلوا القوم حتى قُتلوا ، ومشى صُخير بن حذيفة بن هلال بن مالك المُزّنىّ فى ثلاثين من مُزينة، فقال لهم : لا تهابوا الموت فى اللّه، فإنه لاقيكم ، ولا ترجعوا إلى الدّنيا التى خرجتم منها إلى الله فإنها لا تبقى لكم، ولا تزهدوا فيما رغبتم فيه من ثواب الله فإنّ ما عند الله خيرٌ لكم؛ ثمّ مضوا فقاتلوا حتى قُتلوا، فلما أمسى الناسُ ورجع أهلُ الشأم إلى معسكرهم، نظر رفاعة إلى كلّ رجل قد عُقْر به ، وإلى ٦٠٥ سنة ٦٥ كل جريح لا يُعينُ على نفسه ؛ فدَفتَعه إلى قومه ، ثمّ سار بالناس ليلته كلّها حتى أصبح بالتُّنَّيْنير فعَبَر الخابور، وقطع المعابر، ثمّ مضى لا يمرّ بمعبر ٥٦٨/٢ إلا قطعه ، وأصبح الحصين بن نمير فبعث فوجدهم قد ذَهَبوا ، فلم يبعث فى آثارهم أحداً، وسار بالناس فأسرَعَ، وخلَّف رفاعة وراءهم أبا الجُوَيْرِية العبدىّ فى سبعين فارسًا يَستُرون الناس؛ فإذا مرّوا برجل قد سقط حمله، أو بمتاع (١) قد سقط قَبَضَه حتى يعرفه، فإن طُلب أو ابتُغىَ بعث إليه فأعلمه ، فلم يزالوا كذلك حتى مرّوا بقَرْقِيسيا من جانب البرّ، فبعث إليهم زُفَر من الطعام والعلف مثل ما كان بعث إليهم فى المرة الأولى ، وأرسل إليهم الأطباء وقال : أقيموا عندنا ما أحبتم ، فإنّ لكم الكرامة والمواساة؛ فأقاموا ثلاثًا، ثمّ زوّد كلَّ امرئ منهم ما أحبّ من الطعام والعَلَف ؛ قال : وجاء سعد بن حُذيفة بن اليمان حتى انتهى إلى هِيتَ ، فاستقبله الأعراب فأخبروه بما لفىّ الناس ، فانصرف، فتلقى المثنى بن مخرّبة العبدىّ بصندوْداء، فأخبره ، فأقاموا حتى جاءهم الخبر: إنّ رفاعة قد أظلكم، فخرجوا حين دنا من القرية ، فاستقبلوه فسلم الناس بعضُهم على بعض ، وبكى بعضُهم إلى بعض ، وتناعْوا إخوانَهم فأقاموا بها يومًا وليلة ؛ فانصرف أهل المدائن إلى المدائن ، وأهل البصرة إلى البصرة ، وأقبل أهلُ الكوفة إلى الكوفة ، فإذا المختار محبوس . قال هشام: قال أبو مخْنف، عن عبد الرّحمن بن يزيد بن جابر، عن أدهم بن مُحرز الباهلىّ ، أنه أتى عبد الملك بن مروان ببشارة الفتح، قال : فصَعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: أما بعد، فإنّ اللّه قد أهلك من رءوس أهل العراق مُلقح فتنة، ورأسَ ضلالة، سليمان بن صُرَّد، ألا وإنّ ٥٦٩/٢ السيوف تركتْ رأس المسيّب بن نجبة خذ اريف، ألا وقد قتل اللّهُ من رءوسهم رأسَين عظيمين ضالّين مضلّين: عبد الله بن سعد أخا الأزد، وعبد الله بن وال أخا بكر بن وائل ، فلم يَبْقَ بعد هؤلاء أحدٌ عندَه دفاع ولا امتناع. قال هشام ، عن أبى مخنف: وحُدَّثت أن المختار مكث نحواً من خمس (١) ف: ((متاع)). ٦٠٦ سنة ٦٥ عشرة ليلةً ، ثمّ قال لأصحابه: عدوا لغازيكم هذا أكثر من عشر، ودون الشهر، ثمّ يجيئكم نبأ هِشْر، من طعن فتر، وضرب هبر، وقتل جمً، وأمر رَجم. فمَنْ لها ؟ أَنا لَها، لا تُكْذِبُنَّ ، أَنا لَها قال أبو مخنف : حدّثنا الحصين بن يزيد ، عن أبان بن الوليد ، قال : كتب المختار وهو فى السجن إلى رفاعةَ بن شدّاد حين قدم من عين الوردة: أما بعد ، فمرحبًا بالعَصّب الذين أعظم الله لهم الأجر حينَ انصرفوا، ورضى انصرافتهم حين قفلوا. أما وربّ البنية التى بنتى ماخطا يخاط منكم خُطوةً، ولارَتَا رتْوة (١)، إلا كان ثوابُ اللّه له أعظم من مُلْك الدنيا . إنّ سليمان قد قضى ما عليه ، وتوفّاه اللّه فجعل روحه مع أرواح الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين ، ولم يكن بصاحبكم الذى به تُنْصَرون، إنى أنا الأمير المأمور ، والأمين المأمون ، وأمير الجيش، وقاتل الجبّارين، والمنتقم من أعداء الدّين ، والمقيد من الأوتار، فأعدوا واستعدّوا، وأبشروا واستبشروا؛ أدعوكم إلى كتاب الله، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وإلى الطلب بدماء أهل البيت والدفع عن الضَّعفاء ، وجهاد المُحدين؛ والسلام ٥٧٠/٢ قال أبو مخنف: وحد فى أبو زهير العبسىّ، أنّ الناس تحدثوا بهذا مِنْ أمْر المختار ، فبلغ ذلك عبد الله بن يزيد وإبراهيم بن محمد ، فخرجا فى الناس حتى أتَيَا المختار ، فأخذاه قال أبو مخنف : فحدّثنى سليمان بن أبى راشد ، عن حميد بن مسلم قال : لما تهيَّأنا للانصراف قام عبد الله بن غزّية ووقف على القتلى فقال: يرحمكم الله، فقد صدقْتم وصَبرْتم، وكذبنا وفَرَرْنا؛ قال : فلما سرنا وأصبحنا إذا عبد الله بن غزيّة فى نحو من عشرين قد أرادوا الرجوع إلى العدو والاستقتال ، فجاء رفاعة وعبد الله بن عوف بن الأحمر وجماعة الناس فقالوا لهم: نَتْشدكم الله ألاّ تزيدونا فُلولا ونقصاناً، فإنا لا نزال بخير ما كان فينا مثلكم من ذوى النيّات ، فلم يزالوا بهم كذلك يناشدونهم حتى ردّ وهم غير (١) ابن الأثير: ((ولا ربا ربوة)» ٦٠٧ سنة ٦٥ رجل من مزينة يقال له عبيدة بن سُفيان، رحل مع الناس ، حتى إذا غُفِل عنه انصرف حتى لقى أهل الشأم ، فشدّ بسيفه يضاربهم حتى قُتل قال أبو مخنف : فحدثنى الحصين بن يزيد الأزدىّ ، عن حُميد بن مسلم الأزدىّ ، قال : كان ذلك المزنىّ صَدِيقًا لى ، فلما ذهب لينصرف ناشدته الله، فقال: أما إنك لم تكن لتسألنى شيئًا من الدّنيا إلا رأيتُ لك من الحق علىَّ إيتاءَ كَهُ ، وهذا الذى تسألنى أريد اللّهَ به؛ قال : ففارقنى حتى لقى القوم فقُتل؛ قال: فوالله ما كان شىء بأحبَّ إلىّمن أن ألقى إنسانًا يحدّثنى عنه كيف صَّنَعَ حين لقىَ القوم! قال : فلقيتُ عبد الملك بن جزء بن الحدْرِجان الأزدىّ بمكة ، فجرى حديثٌ بيننا ، جرى ذكرُ ذلك اليوم، فقال: أعجب ما رأيتُ يومَ عَين الوردة بعد هلاك القوم أنّ رجلا أقبل حتى شدّ علىّ بسيفه ، فخرجنا نحوه ، قال : فانتهى إليه وقد عقر به وهو يقول : ٥٧١/٢ إِنِّى مِنَ اللهِ إِلى اللهِ أَفِرْ رِضْوَانَكَ اللَّهِمْ أَبْدِى وَأَسِرٌ قال : فقلنا له : ممن أنت ؟ قال : من بنى آدم ؛ قال : فقلنا : من ؟ قال : لا أحبّ أن أعرِفَكم ولا أن تعرفونى يا مُخرِبى البيت الحرام ؛ قال : فتزل اليه سليمانُ بن عمرو بن محصن الأزدىّ من بنى الخيار ؛ قال : وهو يومئذ من أشدّ الناس؛ قال: فكلاهما أثخَنَ صاحبه ؛ قال : وشدّ الناسُ عليه من كلّ جانب، فقتلوه ؛ قال : فوالله ما رأيتُ واحداً قطّ هو أشدّ منه ؛ قال : فلمّا ذكر لى، وكنتُ أحبّ أن أعلم علمه، دمعت عيناى ، فقال: أبينك وبينه قرابة ؟ فقلت له: لا، ذلك رجل من مضَر كان لى وُدًّا وأخًا، فقال لى : لا أرقأ اللّه دمعتك، أتبكى على رجل من مضرّ قُتل على ضلالة! قال : قلتُ : لا ، والله ما قُتل على ضلالة، ولكنه قتل على بيّنة من ربه وهُدَى؛ فقال لى: أدخَلَك اللّهُ مدخَلَه؛ قلتُ: آمين، وأدخَلَك اللّه مدخّل حصين بن نمير، ثمّ لا أرقأ الله لكَ عليه دمعًاً؛ ثمّ قمت وقام. وكان مما قيل من الشعر فى ذلك قولُ أعشى هَمْدانَ ، وهى إحدى المكتَّمات ، كنّ يُكتَّمن فى ذلك الزمان ٦٠٨ ٥٧٢/٢ أَلَّ خَيَالٌ مِنكِ يا أُمَّ غالبٍ ومازِلتِلِى شَجْوًا ومازلتُ مُقْصَدًا(٢) فما أَنسَ لَا أَنْسَ انْفِتَالكِ فِى الضُّحَى تَرَاءَتْ لنا هَيْفَاءَ مُهْضُومَةَ الحَشا مُبْتَّلَةٌ غَرَّاءِ ، رُؤُّدٌ شَبَابُها فلمّا تغَشَّاها السّحابُ وحولَهُ فتلك الهوى وَهْىِ الجَوَى لِ والمُنَّى ولا يُبْعِدِ اللهُ الشَّبابَ وذِكرَهُ ويزدادُ ما أحببتُه من عِتَابِنَا ٠٧٣/٢ فإِنّى (٤) وإنْ لم أَنسَهُنَّ لذَاكَرٌ تَوَسَّلَ بِالنَّقْوَى إِلى اللهِ صادقاً وحَلَّى عن الدنيا فلم يلتبِشْ بها تخلَّى عن الدنيا وقال أطَّرَحتُها(٦) وما أَنا فيمايُكبرُ الناسُ فَقْدَهُ(٧) فوجَّهَهُ نحوَ الثَّوِيَّةِ سائرًا بقوم همُ أَهلُ التَّقِيَّةِ والنُّهَى مَضَوا تارٍ كَى رأَى ابنٍ طلحة حَسْبُهُ فساروا وهمْ من بين مُلْتَمِسِ النُّقَى سنة ٦٥ فَحُيِّتٍ عنّا من حَبيبٍ مُجانِبٍ(١) لِهَمِّ عَرَانِ من فِراقِك ناصِبِ إِلينامع البيضِ الوِسام الخَرَاعِب(٣) لطيفَةَ طيِّ الكَشْحِ رَيَّا الحَقائِبِ كشمسِ الضُّحَى تَنْكلُّ بين السحائِب بَدَا حاجبُ منها وضنَّتْ بحاجبٍ فَأَحْبِبْ بها من خُلَّةٍ لم تُصاقِبِ وحُبَّ تَصافِىِ المعْصِرَاتِ الكَوَاعِبِ لُعَاباً وسُقياً للخَدِينِ المُقَارِبِ رَزِيئَةَ مِخْباتٍ كريم المَناصبِ(٥) وتَقْوى الإِلهِ خیرُ تَكْسابِ کاسِبِ وتابَ إِلى اللهِ الرَّفيعِ المَرَاتِب فَلَستُ إِليها ما حَبِيتُ بَآيِبِ ويسعي له الساعُونَ فيها بِراغِبٍ إلى ابنِ زيادِفى الجموعِ الكباكِب (٨) مَصَالِيتُ أَنجادٌ سُرَاةُ مَنَاجِبٍ ولم يستجيبوا للأمير المُخاطِبِ وآخرَ مما جرّ بالأَمسِ تائِبٍ (١) ديوان الأعشين ٣١٥ - ٣١٧ (٣) ابن الأثير: ((من البيض الحسان)). (٤) ابن الأثير: ((غير أنى)). (٥) س: ((المضارب)). (٧) ابن الأثير: ((يكره الناس)) .. (٢) ابن الأثير: ((وما زلت فى شجو)). (٦) ابن الأثير: ((اطرحها)). (٨) ابن الأثير: ((الكتائب)) .. سنة ٦٥ فلاقوا بعين الوردَةِ الجَیْشَ فاصِلا (١) يَمَانِيَةٍ تَذْرِى الأَكفَّ، وتارةً فجاءهُم جمعٌ من الشأمِ بعده فما بَرِحِوا حتى أُبِيدَتْ سُراتُهُم وغودِرَ أَهلُ الصبر صَرْعي فأَصبحوا فأَضحَى الخُراعىُّ الرئيسُ مُجَدَّلاً (٣) ورأسُ بنى شَمْخٍ وفارِسُ قومِهِ وعمرو بنُ بِشرٍ والوليدُ وخالدٌ وضارِبُ من هَمدانَ كلّ مُشَيعٍ ومن كل قومٍ قد أُصِيبَ زعيمُهمْ أَبَوْا غيرَ ضربٍ يَفلِقُ الهامَ وقعُهُ وإِنَّ سعيدًا يومَ يَدْمُرُ عامِرًاً فياخيرَ جيشٍ للعراقِ وأَهلِهِ فلا يَبْعَدنْ قُرساننا وحُماتنا فإِن يُقتَلوا فالقتلُ أَكرَمُ مِيتةٍ وما قُتِلُوا حتى أَثاروا عِصابةً ٦٠٩ ٥٧٤/٢ إليهمْ فَحَسْوهم بِيضِ قواضِب(٢). بخيلٍ عِتاقٍ مُقْرَبَاتٍ سَلاهِبٍ جُمُوعٌ كموج البحر من کلّجانِب فلم ينجُ منهم ثَمَّ غیرُ عصائِب تُعَاوِرُهم ريحُ الصّبَا والجنائبِ كأَن لم يقاتل مَرَّةً ويُحارِبِ شَنُوءَةَ والتّيْمِيُّ هادِى الكتائِب(٤) وزيدُ بنُ بكر والحُلَيْسُ بن غالبِ(٥) إِذا شدّ لم يَنْكلْ كريمُ المكاسبِ ٥٧٥/٢ وذو حَسَبٍ فِى ذِرِوَةِ المجدثاقِبِ وطَعْنِ بأَطرافِ الأَسِنَّةِ صائب لِأَشْجَعُ من لَيثٍ بِدُرنَى مُواثِبٍ سُقِيمَ رَوايا كلِّ أَسحَمَ سَاكِبٍ إذا البِيض أَبدتْ عن خِدَام الكواعِبِ وكل فتّى يوماً لإِحدى الشَّواعِبِ مُحِّينِ ثَورًا كاللَّيُوثِ الضَّوارِبِ وقُتل سليمانُ بنُ صُرَد ومن قُتل معه بعين الوردة من التوّابين فى شهر ٥٧٦/٢ ربيع الآخر . (١) ابن الأثير: ((فاضلا)). (٢) حسوهم: ((قتلوهم)). (٣) ابن الأثير: ((وأضحى))، وفيه أن الخزاعى الذي في الشعر هو سليمان بن صرد الخزاعى. (٤) ابن الأثير: ((رأس بنى شمخ)) هو المسيب بن نجبة الفزارى، وفارس شنوءة هو عبد الله بن سعد بن نفيل الأزدى، والتيمى هو عبد الله بن وال التيمى من تيم اللات بن ثعلبة بن عكابة أبن صعب بن على بن بكر بن وائل )) . (٥) ابن الأثير: ((الوليد هو ابن عصير الكناني، وخالد هو ابن سعد بن نفيل، أخو عبد الله)). ٦١٠ سنة ٦٥ [ ذكر الخبرعن بيعة عبد الملك وعبد العزيز ابنى مروان ] وفى هذه السنة أمر مروان بن الحكم أهل الشأم بالبيعة من بعده لابنيْه عبد الملك وعبد العزيز ، وجعلتهما وليّ العهد . ذكر الخبر عن سبب عقد مروان ذلك لها : ٠ قال هشام ، عن عوانة قال : لما هزم عمرو بن سعيد بن العاص الأشدق مصعب بن الزبير حين وجَّهه أخوه عبدُ اللّه إلى فلسطين وانصرف راجعًا إلى مروان ، ومروانُ يومئذ بد مشق ، قد غلب على الشأم كلِّها ومصر ، وبلغ مروان أنّ عمراً يقول : إنّ هذا الأمر لى من بعد مروان ، ويدعى أنه قد كان وعَدَه وعداً، فدعا مروانُ حسّان بن مالك بن بحدل فأخبره أنه يريد أن يبايع لعبد الملك وعبد العزيز ابنيه من بعده ، وأخبره بما بلغه عن عمرو بن سعيد ، فقال : أنا أكفيك عَمرًا ، فلما اجتمع الناس عند مروان عشيًا قام ابن بحدل فقال: إنه قد بلغنا أنّ رجالا يتمنون أمانىّ ، قُوموا فبايعوا لعبدالملك ولعبد العزيز من بعده ؛ فقام الناس ، فبايعوا من عند آخرهم . # [ذكر الخبرعن موت مروان بن الحكم ] وفى هذه السنة مات مروانُ بنُ الحَكَمَ بدمشق مستهلّ شهر رمضان. * ذكر الخبر عن سبب هلاكه : حدّثنى الحارث، قال : حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر ٥٧٧/٢ قال: حدثنى موسى بن يعقوب ، عن أبى الحویرث، قال: لما حضرت معاوية ابن يزيد أبا ليلى الوفاة ، أبى أن يستخلف أحداً ، وكان حسان بن مالك بن بُحْدل يريد أن يجعل الأمر بعد معاوية بن يزيد لأخيه خالد بن يزيد بن معاوية، وكان صغيراً ، وهو خال أبيه يزيد بن معاوية ، فبايع لمروان ، وهو يريد أن يجعل الأمر بعده لخالد بن يزيد ، فلما بايع لمروان وبايعه معه أهل الشأم قيل لمروان: تزوّجْ أمّ خالد- وأمه أمّ خالد ابنة أبى هشام بن عتبة-حتى تُصغِّر ٦١١ سنة ٦٥ شأنه ، فلا يطلب الخلافة؛ فتزوّجها، فدخل خالد يومًا على مروانَ وعنده جماعة" كثيرة، وهو يمشى بين الصفّين، فقال: إنه والله ما علمتُ لأحمق، تعالَ يا بن الرَّطبة الاست- يقْصّر به ليُسقطَه من أعين أهل الشأم - فرجع إلى أمه فأخبَرَها ، فقالت له أمُّه: لا يُعرَفنّ ذلك منك، واسكت فإنى أكفيكه ؛ فدخل عليها مروان ، فقال لها : هل قال لكِ خالد فىّ شيئًا ؟ فقالت : وخالد يقول فيك شيئًا! خالد أشدّ لك إعظامًا من أن يقول فيك شيئًا؛ فصدّقها، ثمّ مكثت أيامًا، ثمّ إنّ مروانَ نَام عندها، فغطّتْه بالوِسادة حتى قتلتْه . قال أبو جعفر : وكان هلاك مروانَ فى شهر رمضانَ بدمشق ، وهو ابن ثلاث وستين سنة فى قول الواقدىّ؛ وأمّا هشام بن محمد الكلبى فإنه قال : كان يومَ هَلك ابنَ إحدى وستين سنة؛ وقيل: تُوفَّى وهو ابن إحدى وسبعين سنة ؛ وقيل: ابن إحدى وثمانين سنة ؛ وكان يُكنى أبا عبد الملك، وهو ٢ /٥٧٨ مروان بن الحكم بن أبى العاص بن أمية بن عبد شمس، وأمُّه آمنة بنت علقمة ابن صَفْوان بن أميّة الكنانىّ ، وعاش بعد أن بويع له بالخلافة تسعة أشهر ؛ وقيل : عاش بعد أن بوبع له بالخلافة عشرة أشهر إلاّ ثلاث ليال، وکان قبل هلاكه قد بعث بعثَيْن : أحدهما إلى المدينة ، عليهم حُبَيَش بن ◌ُدُلحَة القسَينىّ، والآخر منهما إلى العراق، عليهم عُبيد اللّه بنُ زياد، فأما عبيد اللّه ابن زياد فسار حتى نزل الجزيرة ، فأتاه الخبر بها بمَوْت مروان ، وخرج إليه التوّابون من أهل الكوفة طالبين بدَمَ الحسين ، فكان من أمرهم ما قد مضى ذكرُه، وسنذكر إن شاء اللّه باقىَ خبرِه إلى أن قُتل . [ ذكر خبر مقتل حبيش بن دلجة] وفى هذه السنة قتل حبيش بن دُلْجة . وأما حبيش بن دلجة؛ فإنه سارحتى انتهى فيما ذكرِ عن هشام، عن عوانة بن الحكم - إلى المدينة، وعليهم جابر ابن الأسود بن عوف، ابن أخى عبد الرّحمن بن عوف؛ مِن قِبَل عبد الله بن ٦١٢ سنة ٦٥ الزبير، فهرب جابر من حُبيش. ثمّ إنّ الحارث بن أبى ربيعة - وهو أخو عمر بن عبد الله بن أبى ربيعة - وجَّه جيشًا من البصرة، وكان عبد الله بن الزبير قد ولّه البصرة، عليهم الخنيف بن السجْف التميمىّ لحرب حبيش ابن دُلْجة، فلما سمع حبيش بندُلْجة سار اليهم من المدينة، وسرَّح عبدالله ابن الزبير عبّاس (١) بن سهل بن سعد الأنصارىّ على المدينة، وأمره أن يسيرَ فى طلب حبيش بن دُلْجة حتى يوافى الجند من أهل البصرة الذين جاءوا يَنصُرُون ابنَ الزبير، عليهم الحنيف ، وأقبل عبّاس فى آثارهم مُسرعًا حتى لحقهم بالرَّبذة ، وقد قال أصحاب ابن دلجة له: دَعْهم، لا تعجلْ إلى قتالهم ؛ فقال: لا أنزل حتى آكلَ من مُقَنَّدهم،-يعنى السَّوِيقِ الذى فيه القَنْد - فجاءه سهمُ غَرْب فَقتله، وقتل معه المنذر بن قيس الجذامىّ ، وأبو عتّاب مولی أبى سُفْيان، وكان معه يومئذ يوسفُ بن الحكم، والحجاج بن يوسف، وما نَجَوا يومئذ إلا على جمل واحد، وتحرّز منهم نحوٌ من خمسمائة فى عمود المدينة ، فقال لهم عباس: انزلوا على حُكْمى ، فنزلوا على حُكْمِه فضرب أعناقتَهم، ورجع فلُّ حُبَيْش إلى الشأم . حدثنى أحمد بن زهير ، عن علىّ بن محمد أنه قال : الذى قتل حبيش ابنُدُلْجَة يوم الرَّبَذَة يزيد بن سِياه الأسوارىّ ، رماه بنُشّابة فقتله ، فلما دخلوا المدينة وقف يزيد بن سياه على بِرْذَون أشهبَ وعليه ثيابٌ بياض ، فما لبث أن اسودّت ثيابُه، ورأيتُه ممّا مسح الناسُ به وما صبّوا عليه من الطِّيب. [ ذكر خبر حدوث الطاعون الجارف ] قال أبو جعفر : وفى هذه السنة وقع بالبصرة الطاعونُ الذى يقال له الطاعون الجارف ، فهلك به خلقٌ كثير من أهل البَصْرة. حدّثنى عمرُ بنُ شبّة، قال: حدثنى زهير بن حرب، قال: حدّثنا وهب بنُ ٥٨٠/٢ جرير، قال: حدّثنى أبى ، عن المصعب بن زيد أن الجارف وقع وعبيد الله بن (١) ط: ((عياش))، وانظر الفهرس. ٢ /٥٧٩ ٦١٣ سنة ٦٥ عبيد الله بن مَعَمَر على البصرة ، فماتت أمه فى الجارف ، فما وجدوا لها من يحملها حتى استأجروا لها أربعة عُلُوج فحملوها إلى حُفْرتها وهو الأمير يومئذ . [ مقتل نافع بن الأزرق واشتداد أمر الخوارج ] وفى هذه السنة اشتدّت شوكة الخوارج بالبصرة، وقتل فيها نافعُ بنُ الأزرق. * ذكر الخبر عن مقتله : حد ٹی عمر بن شبة، قال: حدثنا زهير بن حرب، قال: حدثنا وهب بن جرير، قال : حدّثنا أبى، عن محمد بن الزبير، أنّ عبيد اللّه بن عبيد الله بن مَعَمَر بعث أخاه عثمان بن عبيد اللّه إلى نافع بن الأزرق فى جيش ، فلقيهم بدولاب ، فَقُتِل عثمان وهُزِمَ جيشُهُ . قال عمر : قال زهير : قال وهب : وحدّثنا محمد بن أبى عيينة ، عن سبْرة بن نخْف ، أنّ ابن معمر عبيد الله بعث أخاه عثمان إلى ابن الأزرق ، فهُزِمِ جندُهُ وقُتِل ؛ قال وهب : فحدّثنا أبى أنّ أهل البَصْرة بعثوا جيشاً عليهم حارثةُ بن بدر ، فلقيهم ، فقال لأصحابه : وحيثُ شِئْمْ فَآذهَبُوا كَرْنِبُوا وَدَوْلِبُوا حدّثنا عمر، قال: حدّثنا زهير، قال: حدّثنا وهب، قال: حدّثنا أبى ومحمد بن أبى عيينة، قالا : حدثنا معاوية بن قرّة ، قال : خرجنا مع ابن عُبيس فلقيناهم ، فقتل ابن الأزرق وابنان أو ثلاثة للماحُوز، وقُتِل ابن عُبيس . قال أبو جعفر : وأمّا هشام بن محمد فإنه ذكر عن أبى مخنف ، عن أبى المخارق الراسيّ من قصّة ابن الأزرق، وبنِى الماحوزُ قصّةً هى غيرُ ما ذكره عمر ، عن زهير بن حرب ، عن وهب بن جرير ؛ والذى ذكر من خبرهم أنّ نافع بن الأزرق اشتدّت شوكته باشتغال أهل البصرة بالاختلاف الذى كان بين الأزْد وربيعة وتميم بسبب مسعود بن عمرو ، وكثرت جموعُه ، فأقبل نحوّ البصرة حتى دنا من الجسْر ، فبعث إليه عبدُالله بن الحارث مُسْلِمَ ابن عبیس بن کریز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف فی أھلی ٠٨١/٢ ٦١٤ سنة ٦٥ البصرة ، فخرج إليه ، فأخذ يُحُوزه عن البصرة ، ويدفعه عن أرضها ، حتى بلغ مكانًا من أرض الأهواز يقال له : دُولاب، فتهيّأ الناس بعضُهم لبعض وتزاحفوا ، فجعل مسلم بن عبيس على ميمنته الحجّاج بن باب الحميرىّ ، وعلى ميسرته حارثة بن بدر التميمىّ ، ثم الغُدَانىّ ، وجعل ابنُ الأزرق على ميمنته عَبيدة بن هلال اليَشْكرىّ، وعلى ميسرته الزبير بن الماحوز التميمىّ؛ ثمّ التقوا فاضطربوا ، فاقتتل الناس قتالا لم يُر قتال قطّ أشدّ منه، فقتل مسلم ابن عُبيس أمير أهل البصرة ، وقتل نافع بن الأزرق رأس الجوارج ، وأمَّر أهل البصرة عليهم الحجّاج بن باب الحميرىّ، وأمَّرَت الأزارقةُ عليهم عبد الله ابن الماحوز ، ثمّ عادوا فاقتتلوا أشدّ قتال، فقتل الحجّاج بن باب الحميرىّ أمير أهل البصرة ، وقتل عبد الله بن الماحوز أمير الأزارقة . ثمّ إنّ أهل البصرة أمَّروا عليهم ربيعة الأجذم التميمىّ، وأمَّرت الخوارجُ عليهم عُبيد الله بن الماحوز، ثمّ عادوا فاقتتلوا حتى أمسوا ، وقد كَرِهِ بعضُهم بعضًا، وماُّوا القتال، فإنهم لمُتواقفون(١) متحاجزون حتى جاءت الخوارج سريّة لهم جامة لم تكن شهدت القتالَ ، فحملتْ على الناس من قبَل عبد القيس ، فانهزم الناس، وقاتل أمير البصرة ربيعةُ الأجدم(٢) ، فقتل، وأخذ راية أهل البصرة حارثةُ بن بدر ، فقاتل ساعةً وقد ذهب الناس عنه ، فقاتل من وراء الناس فى حماتهم ، وأهل الصبر منهم ، ثمّ أقبل بالناس حتى نزل بهم منزلا بالأهواز ففى ذلك يقول الشاعر من الخوارج : (٣) ويا كَبِدى من حُبِّ أَمَّ حليمٍ ... يا كَبِدَاً من غيرِ جُوعٍ ولا ظَمَلٍ طِعَانَ آمرئ فى الحرب غیرٍ لثيمِ ولو شَهدَتنى يوم دُولابَ أَبْصرتْ ١ (١) فى: ((لكذلك متوافقون)). (٢) الكامل: ((الربيع بن عمرو الأجذم الغدانى)). (٣) الكامل ٦١٨، ٦١٩ طبع أوربا؛ بزيادة فى الأبيات: ونسبها إلى قطرى بن الفجاءة. وأم حكيم: امرأة من الخوارج كانت معه ؛ وكانت تحمل على الناس وترتجز : أَحْمِلُ رأساً قد سئمتُ حمْلَهْ وَقَد مللتُ دَهْنَه وغسْلَهْ ﴿ أَلا فَتَّى يحمل عَنِّى ثِقْلَه" (٤) الكامل: ((فتى فى الحرب غير ذميم)). ٥٨٢/٢ ٦١٥ سنة ٦٥ وُجْنَا صُدُورَ الخيل نحوَ تميمٍ(١) غَدَاةَ طَفَتْ فى الماءِ بِكْرِ بنُ وائل ٠٠ ٠ (٢) وَذَلَّتْ شُيُوخُ الأَزْدِ وَهْيَ تَعُومُ وكان لعبدِ القيْس أَوَّلُ حَدّنا ٥٨٣/٢ وبلغ ذلك أهل البصرة ، فهالَهم وأفزّعتَهم ، وبعث ابنُ الزبير الحارثَ ابن عبد الله بن أبى ربيعة القرشىّ على تلك الحَرّة، فقدم، وعزل عبد الله ابن الحارث ، فأقبلتْ الخوارجُ نحوَ البصرة ، وقَدِم المهلّب بن أبى صُفْرة على تلك (٣) من حال الناس (٤) من قبل عبد الله بن الزبير، معه عهدُه على خراسان، فقال الأحنف للحارث بن أبى ربيعة وللناس عامّة: لا والله، ما لهذا الأمر إلاّ المهلّبُ [بن أبى صُفْرة ](٥)، فخرج أشرافُ الناس، فكلّموه أن يتولّى قتال" الخوارج ؛ فقال : لا أفعل ، هذا عهدُ أمير المؤمنين معى على خُراسان ، فلم أكن لأدَعَ عهدَه وأمره ، فدعاه ابن أبى ربيعة فكلّمه فى ذلك ، فقال له مثل ذلك ، فاتفق رأى ابن أبىُ ربيعة ورأىُ أهل البصرة على أن كتبوا على لسان ابن الزبير : بسم الله الرّحمن الرحيم. من عبد الله بن الزُّبير إلى المهلب بن أبى صُفُرة ، سلامٌ عليك، فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو ، أما بعد ، فإنّ الحارث بن عبد الله كتب إلىّ أنّ الأزارقة المارِقَة أصابوا جُنْداً (١) رواية الكامل: ((مَكْمارٍ)). (٢) رواية الكامل : غَدَاةَ طفَتْ عَلْمَاءِ بَكْرُ بن وائلٍ وكان لعبد القيس أَوّل جَدّهَا وَظَلَّتْ شيوخُ الأَزْدِفِى حَوْمَةِ الْوَغَى فلمْ أَرَ يومًا كَانَ أَكْثَرَ مُفْعَصًا وضاربة خدًّاً كريماً على فتَّى أَصيبَ بدولابٍ ولم تك موطنًا فلوْ شهدتنا يومَ ذاك وخيلُنَا رَأَتْ فتيةً باعُوا الإِلَه نفوسَهُمْ (٥) من ف . وعُجْنَا صُدُور الخيْلِ نَحْوَ تَحِيمِ وأَحلافِهَا من يَحْصُبٍ وَسَلِيمٍ تَعومُ وظِلْنَا فى الجلادِ نَعومُ يمجّ دمًا من فائظٍ. وكليمٍ أَغْرِّ نَجِبٍ الأَمَهَاتِ كرِيمٍ له أَرضُ دولابٍ ودير حميم تبيحٌ من الكفّار كُلّ حريمٍ بجنّاتِ عدنِ عنده ونَعِيمِ ء (٤) ف: ((المسلمين)). (٣) ف: ((ذلك)). ٦١٦ سنة ٦٥ للمسلمين كان عددُهم كثيراً ، وأشرافهم كثيراً ، وذكر أنهم قد أقبلوا نحو البَصرة ، وقد كنتُ وجّهتُك إلى خُراسانَ ، وكتبت لك عليها عهداً، وقد رأيتُ حيث ذكر هذه الخوارج أن تكون أنتَ تلى قتالَهم، فقد رجوتُ أن يكون ميمونًا طائرُك ، مباركًا على أهل مِصرِك ، والأجر فى ذلك أفضل من المسير إلى خُراسان ، فسرْ إليهم راشداً، فقاتلْ عدوّ اللّه وعدوّك ، ودافع عن حقك وحقوقٍ أهل مصرك ، فإنه لن يفوتك من سلطاننا خُراسانُ ٥٨٤/٢ ولا غيرُ خراسانَ إن شاء اللّه، والسلام عليك ورحمة الله. فأتِىَ(١) بذلك الكتاب، فلما قرأه قال: فإنى واللّه لا أسير إليهم إلا أن تجعلوا لى ما غلبتُ عليه، وتُعْطونى من بيت المال ما أقوِّى به مَن معى ، وأنتخب من فُرْسان الناس ووجوههم وذَوِى الشرف مَن أحببت ؛ فقال جميعُ أهل البصرة : ذلك لك ؛ قال : فاكتبوا لى على الأخماس بذلك كتّابًاً ففعلوا ، إلا ما كان من مالك بن مسْمَع وطائفة من بكر بن وائل ، فاضطغنتها عليهم المهدَّب ، وقال الأحنف وعبيد الله بن زياد بن ظَبيان وأشراف أهل البصرة للمهلَّب: وما عليك ألّ يَكُتب لك مالك بن مسمع ولا من تابعه من أصحابه، إذا أعطاكَ الذى أردتَ من ذلك جميع أهل البصرة ! ويستطيع مالك خلاف جماعة الناس أوله ذلك ! انكمش" أيها الرجل، واعزم" على أمرٍك ، وسرْ إلى عدوّك ؛ ففعل ذلك المهلب ، وأمَّر على الأخماس ، فأمَّر عبيد الله بن زياد بن ظَبيانَ على خمس بكر بن وائل، وأمَّرَ الحَرِيش ابن هلال السعدىّ على خمس بنى تميم ، وجاءت الخوارج حتى انتهت إلى الجسْر الأصغر ، عليهم عبيد الله بن الماحوز ، فخرج إليهم فى أشراف الناس وفُرسانهم ووجوههم ، فحازهم (٢) عن الجسر، ودفعهم عنه ، فكان أوّل شىء دفعهم عنه أهل البصرة ، ولم يكن بقى لهم إلا أن يدخلوا؛ فارتفعوا إلى الجسر ٥٨٥/٢ الأكبر. ثمّ إنه عبّاً لهم، فسار إليهم فى الخيل والرّجال، فلما أن رأوا أن قد أظلّ عليهم ، وانتهى إليهم ، ارتفعوا فوق ذلك مرحلة أخرى ، فلم يزل يحوزهم ويرفعهم مرحلةً بعد مرحلة ، ومنزلة بعد منزلة ، حتى انتَهْوا إلى منزل (١) ف: ((وأتى)). (٢) ف: ((فحاربهم)). ٦١٧ سنة ٦٥ من منازل الأهواز يقال له سَلَى وسَكْبْرَى، فأقاموا به؛ ولما بلغ حارثة بن بدر الغُد انى أن المهلب قد أمُّر على قتال الأزارقة ، قال لمن معه من الناس : وحيثُ شئتمْ فأذهبُوا وَدْولِبوا کَرْنِبوا * قد أُمِّرَ المهلَّبُ * فأقبل من كان معه نحو البصرة ، فصرفهم الحارثُ بن عبد الله بن أبى ربيعة إلى المهلب ؛ ولما نزل المهلب بالقوم خَندَقَ عليه، ووضع المسالحَ ، وأذكى العيون ، وأقامَ الأحراس ، ولم يزل الجندُ على مصافِّهم ، والناس على راياتهم وأخماسهم ، وأبواب الخنادق عليها رجال موكَّلون بها ، فكانت الخوارج إذا أرادو ابَياتَ المهلَّب وجدوا أمراً مُحْكمًا، فرجعوا، فلم يقاتلْهم إنسانٌ قطّ كان أشدّ عليهم ولا أغيَظَ لقلوبهم منه . قال أبو مخنف : فحدّثنى يوسف بن يزيد ، عن عبد الله بن عوف بن الأحمر ، أن رجلاً كان فى تلك الخوارج حدّثه أنّ الخوارج بعثتْ عَبيدَة ابن هلال والزبير بن الماحوز فى خيلين عظيمين ليلا إلى عسكر المهلب ، فجاء الزبير من جانبه الأيمن ، وجاء عَبيدة من جانبه الأيسر ، ثمّ كبّروا وصاحوا بالناس، فَوجَدوهم على تعبيتهم ومصافّهم حَذِرِين مُغِذَّين ، فلم يصيبوا للقوم غِرّةً، ولم يَظفروا منهم بشىء ، فلما ذهبوا ليرجعوا ناداهم عبيدُ اللّه ابن زياد بن ظَبْيَانَ فقال : ٠٨٦/٢ وَجَدتمُونا وُقُرًا أَنْجَادَا لا كُثُفاً خُورًا ولا أَوْغَادَا(١) هيهات ! إنَّا إذا صِيحَ بنا أتَيْنا، يا أهل النار ، ألَّ ابكروا إليها غداً، فإنها مأواكم ومثواكم ؛ قالوا: يافاسق، وهل تُدَّخر النار إلا لك ولأشباهك! إنّها أعدّتْ للكافرينَ وأنت منهم ؛ قال: أتسمعون ! كلُّ مملوك لى حرّ (١) الكامل ٦٦٩ (طبع أوربا)؛ ونسبه إلى الحريش بن هلال؛ وذكر معه بيتاً آخر بهذه الرواية : لقدْ وَجَدْتُمْ وُقُرًا أَنجادا لا كُثُفاً مِيلاً ولا أَوغادَا لا بلْ إذا صِيحَ بنا آسادا هيهاتَ لا تُلْفُوننا رُقَّادَا ٦١٨ سنة ٦٥ إنْ دخلتم أنتم الجنة إن بقىَ فيما بين سَقَوَان إلى أقصى حجر من أرض خُراسان" مجوسىٌّ ينكح أمّه وابنته وأختَه إلا دخلها ؛ قال له عبيدة : اسكت يا فاسق فإنما أنت عبد الجبّار العنيد، ووزيرٌ للظالم الكفور ؛ قال: يا فاسق ، وأنت عدوّ المؤمن التقىّ، ووزير الشيطان الرّجيم؛ فقال الناس لابن ظَبيان: وفّقك الله يابن ظبيان؛ فقد والله أجبتَ الفاسق بجوابه، وصد قته . فلما أصبح الناس أخرجتَهُم المهلَّب على تعبيتهم وأخماسهم ، ومواقفهم الأزدُ ، وتميم ميمنة الناس، وبكر بن وائل وعبد القيس ميسرة الناس ، وأهل العالية فى القَلْب وسط الناس . وخرجت الخوارجُ على ميمنتهم عَبيدة بن هلال اليشكرىّ ، وعلى ميسرتهم الزّبير بن الماحوز، وجاءوا وهم أحسن عُدَّة، وأكرم خيولا، وأكثر سلاحًا من أهل البصرة ؛ وذلك لأنهم مخَروا الأرض وجرّدوها، وأكلوا ما بين كَرْمان إلى الأهواز، فجاءوا عليهم مَغافرُ تضرب إلى صدورهم، وعليهم ◌ُدُروعٌ يَسحَبونها، وسوق من زَرَد يشدّونها بكلاليب الحديد إلى مناطقهم، فالتقى الناسُ فاقتتلوا كأشدّ القتال، فصبر بعضُهم عامّة النهار. ثمّ إنّ الخوارج شدّت على الناس بأجمعها شدّةً منكرة ، فأجفل الناسُ وانصاعوا منهزٍمين لا تلوى أمّ على ولد (١) حتى بلغ البصرة هزيمةُ الناس، وخافوا السِّبَاءَ ، وأسرع المهلّب حتى سبقهم إلى مكان يتفاع فى جانب عن سنن المنهزمين . ثمّ إنه نادى الناسَ: إلىّ إلىّ عبادَ الله، فئاب إليه جماعة" من قومه ، وثابت إليه سَرِّيّة عُمَان فاجتمع إليه منهم نحوٌّ من ثلاثة آلاف ، فلما نظر إلى مَنْ قد اجتمع رضى جماعتهم، فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: أما بعد، فإنّ اللّه ربّما يَكلُ الجمعَ الكثيرَ إلى أنفسهم فيُهْزَمون، ويُنزل النصرَ على الجمع اليسير فيظهرون ، ولَعَمرى ما بكم الآن من قلة ، إنى الجماعتكم لراضٍ؛ وإنكم لأنتم أهل الصبر، وفُرسان أهل المِصْر، وما أحبُّ أن أحداً ممن انهزم معكم، فإنهم لو كانوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا . عزمت على كلّ امرئٍ منكم لما أخذ عشرة أحجار معه ، ثم امشوا بنا نحو (١) ف: ((أم ولد على ولدها)). ٥٨٧/٢ ٦١٩ سنة ٦٥ عسكرهم ، فإنهم الآن آمنون ، وقد خرجتْ خيلُهم فى طلب إخوانكم ؛ فوالله إنّى لأرجو ألّ ترجع إليهم خيلُهم حتى تستبيحوا عسكرهم، وتقتلوا أميرهم . ففعلوا ، ثمّ أقبل بهم راجعًا، فلا والله ما شعرت الخوارج إلا بالمهلّب يضاربهم بالمسلمين فى جانب عسكرهم . ثم استقبلوا عبيد الله بن الماحوز وأصحابه ، وعليهم الدّروع والسلاح كاملا ، فأخذ الرجل من أصحاب المهلَّب يستقبل الرجلَ منهم ، فيستعرض وجهه بالحجارة فيرميه حتى يُثْخنه، ثم يطعنه بعد ذلك برمحه، أو يضربه بسيفه ، فلم (١) يقاتلْهم إلا ساعة حتى قُتل عبيد اللّه ابن الماحوز، وضرب الله وجوهَ أصحابه؛ وأخذ المهلَّب عسكر القوم وما فيه، وقتل الأزارقة قتلاً ذريعًا، وأقبل مَنْ كان فى طلب أهل البصرة منهم راجعًا؛ وقد وضع لهم المهلَّب (٢) خيلاً ورجالاً فى الطريق تختطفهم وتقتلهم، فانكفئوا راجعين مفلولين، مقتولين محروبين(٣)، مغلوبين؛ فارتفعوا إلى كَرْمان وجانب أصفهان ، وأقام المهلّب بالأهواز، ففى ذلك اليوم يقول الصَّلْتَانُ العَبْدىّ : ٠٨٨/٢ كرام وقَتْلَى لم تُوَسَّدْ خدودُها(٤) بِسِلِّى وسِلَّبْرَى مَصارعُ فِنْيَةٍ وانصرفت الخوارج حين انصرفت ؛ وإنّ أصحاب النيران الخمس والست ليجتمعون على النار الواحدة من الفلول وقلّة العدد، حتى جاءتهم مادَّةٌ لهم من قبَل البحرين ، فخرجوا نحو كرْمان وأصبهان ؛ فأقام المهلب بالأهواز فلم يزل ذلك مكانه حتى جاء مُصعب البصرةَ ، وعزل الحارث بن عبد الله بن أبى ربيعة عنها . ولما ظهر المهلّب على الأزارقة كتب : بسم الله الرحمن الرحيم . للأمير الحارث بن عبد الله، من المهلّب بن أبى صُفرة. سلام عليك؛ فإنى أحمد إليك اللّه الذى لا إله إلا هو ؛ أما بعد فالحمد لله الذى نَصر أميرَ المؤمنين، وهزم الفاسقين، وأنزل بهم نقمته، وقتلهم كلّ قتلة، وشرّدهم كلَّ مشرَّد. أخبر الأمير أصلحه الله أنَّا لقينا الأزارقة (١) ف: ((ولم)). (٢) ف: ((المهلب لهم)). (٣) ف: ((محزونين)). (٤) الكامل ٦٣٨، وروايته: ((كرام وجرحى)). ٥٨٩/٢ اسك الاليه: ٦٢٠ سنة ٦٥ بأرض من أرض الأهواز يقال لها سلّى وسلَّبْرى؛ فزحفنا إليهم ثم ناهضناهم، فاقتتلنا كأشد القتال مليًّا من النهار. ثم إن كتائب الأزارقة اجتمع بعضها إلى بعض ، ثم حملوا على طائفة من المسلمين فهزموهم ؛ وكانت فى المسلمين جولة قدكنت أشفقت أن تكون هى الأصرّى منهم . فلما رأيت ذلك عمدت إلى مكان يفاع فعلوته ، ثم دعوت إلىّ عشيرتى خاصّة والمسلمين عامة ، فثاب إلىّ أقوام شرَوْا أنفسَهم ابتغاء مرضاة الله من أهل الدّين والصبر والصدق والوفاء ، فقصدت بهم إلى عسكر القوم ؛ وفيه جماعتهم وحدّهم وأميرهم قد أطاف (١) به أولو فضلهم فيهم، وذوو النيّات منهم؛ فاقتتلْناساعة رمْياً بالنَّبْل، وطعناً (٢) بالرماح. ثم خلص الفريقان إلى السيوف ؛ فكان الجلاد بها ساعة من النهار مبالطةً ومبالدةً . ثمّ إن اللّه عزّ وجلّ أنزل نصره على المؤمنين، وضرب وجوه الكافرين ونزل طاغيتُهم فى رجال كثير من حُماتهم وذوى نيّاتهم، فقتلهم الله فى المعركة. ثمّ اتّبعت الخيل شرادَ هم (٣) فقتلوا فى الطريق والآخاذ(٤) والقرىّ، والحمد لله رب العالمين، والسلام عليك ورحمة الله. فلما أتى هذا الكتابُ الحارثَ بن عبد الله بن أبى ربيعة بعثَ به إلى الزُّبير فقرئ على الناس بمكة . ٢ / ٥٩٠ وكتب الحارث بن أبى ربيعة إلى المهلَّب : أما بعد؛ فقد بلغنى كتابك، تذكر فيه نصر الله إيّاك، وظفر المسلمين، فهنيئًا لك يا أخا الأزد بشرف الدنيا وعزّها، وثواب الآخرة وفضلها ، والسلام عليك ورحمة الله . فلما قرأ المهدَّب كتابه ضحك ثم قال : أما تظنّونه يعرفى إلا بأخى الأزد ! ما أهل مكة إلا أعرابٌ . قال أبو مخنف: فحدثنى أبو المُخَارِق الراسبىّ أن أبا علقمة البَحْمَدِىّ قاتَلَ يومٍ سِلَّى وسلَّبْرَى قتالا لم يقاتله أحدٌ من الناس؛ وأنه أخذ ينادى فى (١) ف: ((أطافت)). (٢) ف: ((وأطعنا)). (٤) ف: ((والأخاديد » (٣) ف: ((شذاذهم)).