Indexed OCR Text

Pages 541-560

٥٤١
سنة ٦٤
تفعل، ليس هذا برأى أن تنطلق وأنت شيخُ قريش إلى أبى حُبَيَب بالخلافة ،
ولكن ادع أهلَ تدمر فبايعهم ، ثم سرْ بهم وبمن معك من بنى أميّة إلى
الضحّاك بن قيس حتى تخرجه من الشأم ؛ فقال عمرو بن سعيد بن العاص:
صدق واللّه عبيد الله بن زياد، ثمّ أنت سيد قريش وفرعها، وأنت أحقّ"
الناس بالقيام بهذا الأمر ، إنما ينظر الناس إلى هذا الغلام - يعنى خالد بن
يزيد بن معاوية - فتزوجْ أمّه فيكون فى حِجْرك ؛ قال: ففعل مروان ذلك ،
فتزوّج أمّ خالد بن يزيد، وهى فاختة ابنة أبى هاشم بن عتبة بن ربيعة بن
عبد شمس . ثمّ جمع بنى أمية فبايعوه بالإمارة عليهم ، وبايعه أهلُ تدمر
ثمّ سار فى جمع عظيم إلى الضحاك بن قيس ، وهو يومئذ بدمشق ، فلما بلغ
الضحّاك ما صنع بنو أميّة ومسيرتُهم إليه، خرج بمَن تبعه من أهل دمشق
وغيرهم ، فيهم زفر بن الحارث، فالتقوا بمرج راهط ، فاقتتلوا قتالاً شديداً
فقتِل الضحاك بن قيس الفهرىّ وعامّة أصحابه ، وانهزم بقيّتُهم، فتفرقوا،
وأخذ زفر بن الحارث وجهاً من تلك الوجوه ، هو وشابّان من بنى سُليم
فجاءت خيل مروانَ تطلبهم ، فلما خاف السُّلميّان أن تلحقهم خيل مروان
قالا لزفر : يا هذا، انجُ بنفسك، فأما نحن فمقتولان (١)، فمضى زفر وتركهما ٤٨٣/٢
حتى أتى قَرْفيسيا ، فاجتمعتْ إليه قيس ، فرأسوه عليهم ، فذلك(٢) حيث
يقول زُفَر بن الحارث :
أَرَى الحْربَ لا تَزْدَادُ إِلاَّ تَمادِیًا(٣)
أَرِينِى سلاَحِى لا أَبا لكِ إِنَّنى
مقِيدُ دَى أَو قاطعٌ من لسانِیا
أَثَانِىَ عَنْ مِرْوانَ بِالغَيْبِ أَنَّهُ
إِذا نحْنُ رفَّعْنا لَهُنَّ المَثانِيَا
فضِ العيسِ منْجَةٌ وِ الأَرْض مَهْرَب(٤)
ولا تفْرَحوا إِنْ جئتُكُمْ بلِقائيا
فلا تحِْبُونِى إِنْ تَغَيَّبْتُ غافِلاً
(١) ف: ((فإنا نحن مقتولان)).
(٢) ف: ((فلذلك)).
(٣) انظر شرح ديوان الحماسة للتبريزى ١: ١٥٣، والأغانى ١٧: ١١٢ (ساسى).
(٤) ابن الأثير: ((ففى العيش منجاة)).

٥٤٢
سنة ٦٤
فقَدْ يَنْبُتُ المَرْعَى عَلَى دِمَنِ النَّرَى
أَتَذْهَبُ كَلْبٌ لم تَنَلْها رِماحُنا
لَعمرِى لقد أَبْقَتْ وَقِيعَةُ رَاهِطِ
٤٨٤/٢ أَبَعْدَ ابن عمرٍوٍ وابنِ مَعْنٍ تتابعا
فلم تُرَ مِنِّى نِبْوَةٌ قَبْلَ هذه
عِشِيةَ أَعْدو بالقِرانِ فلا أَرَى
أَيَذهَبُ يوْمٌ واحدٌ إِنْ أَسَأْتُهُ
فلاصُلْحَ حَتَّى تَنْحِطُ الخَيْلُ بِالقَنَا
أَلا لَيْتَ شِعْرِى هلْ تُصيبَنَّ غارتِی
فأجابه جَوّاس بن قَعْطل (٦):
لَعَمْرِى لَقَدْ أَبقَتْ وقِيعَةُ راهِطِ
مَقِيمًا ثَوَى بَيْنَ الضُّلوعِ مَحَلَّه
تُبَكِّى عَلَى قَتَلَى سُلَيْم وعَامٍِ
دَعا بِسِلاَحٍ ثُمَّ أَحْجَمَ إِذْ رَأَى
(١) رواية ابن الأثير :
٤٨٥/٢
فَقَدْ يَنْبتُ المرْعِى عَلى دِمَنِ الثرى
ومضى ولا يَبْقَى على الأَرضِ دمنة
(٢) الأغانى: ((أبعد ابن صقر وابن عمرو)).
(٣) فى شرح التبريزى: (( يعنى ابنه كعباً ومولاه مسكان)).
(٤) التبريزى: ((عشية أجرى بالصعيد ولا أرى))، ابن الأثير: ((عشية أدعو فى
القرآن)) .
(٥) فى اللسان: ((النحط والنحيط: صوت الخيل من الثقل والإعياء))، وفى ابن الأثير
((حتى تشحط الخيل)).
(٦) فى الأغانى: ((فقال ابن المخلاة الكلبى يجيبه))؛ وذكر البيتين: الأول والثالث.
(٧) ابن الأثير: ((مرا من الداء)).
(٨) ابن الأثير: ((دعا بالسلاح)).
وتَبْقَى حزازاتُ النُّفُوسِ كما هِيَا (١)
وتُتْرَك قَتْلَى رَاهِط. هىَ مَا هِيَا!
لِحَسَّان صَدْعاً بَيْناً متنائيا
ومقْتَلِ هَمّامٍ أُمَنَّى الأَمانِيَا (٢)!
فِرَارِى وتَرْکی صاحبىَّ ورَائيًا (٣)
مِن الناسِ إِلا مَنْ عَلَّىّ ولا ليَا (٤)
بِصالح أَيّامى وحُسْنِ بَلائيا !
وَتَثْأَرَ مِنْ نِسْوَانِ كَلْب نِسَائِيًا
تَنوخاً. وَحَيَّيْ طَيِّئٍ من شِفَائِيا
على زُفَرٍ دَاءَ مِنَ الدَّاءِ باقِيَا (٧)
وَبَيْنِ الحَشا أَعْيا الطِّبِيبَ المُداوِيا
وَذُبْيَانَ مَعْذورًا وتُبْكِى البواكِيَا
سُيُوفَ جَنَابٍ والطَوَالَ المَذَاكِيا(٨)
لَهُ وَرَقٌ مِنْ تحتِهِ الثغرُ بادياً
وتبقَى حزازاتُ النُّفوسِ كما هِيَا

٥٤٣
سنة ٦٤
عليْها كأُسْدِ الغابِ فِتْانُ نجْدَةٍ إِذَا شَرعُوا نحْوَ الطِّعان العوالِيَا
فأجابه عمر بن المِخْلاة الكلبىّ من تيم اللّت بن رُفَيْدة، فقال:
بِعَبْرَةٍ عَيْنٍ ما يَجِفُّ سُجُومُهَا
بكى زُفَرُ القيسِىِّ من هُلكِ قَوْمِهِ
تجَاوبُهُ هامُ القِفَارِ وَبُومُهَا
يُبكِّى عَلى قَتْلِى أُصِيبَتْ بَرَاهِطٍ
ووَلّتْ شِلاَلا واستُبِيحِ حِرِيَمُها
أَبحْنَا حِمَّى للحىِّ قَيْسٍ بِراهِط
يُرَجِّى نِزارًا أَن تَقُوبَ حُلُومُها ٤٨٦/٢
يُبَكِّيهِمُ حَرانَ تجْرِی دُموعُهُ
بِحِسْرَةٍ نَفْس لا تَنَامُ هُمُومُهَا
فُمُتْ كمِدًا أَوْ عِشْ ذَلِيلاً مُهَضَّماً
تَخَبطُ فِعْلَ المُصعَبَاتِ قُرُومُهَا
فمن ذا إِذا عَزَّ الخُطوبُ يرُومُهَا
إِذا خَطَرَتْ حَوْلى قُضَاعَةُ بِالقَنَا
خَبطْتُ بِهِمْ من كادَنی مِنْ قبيلة
وقال زُفَر بن الحارث أيضًا :
فيحيا وأمَّا ابن الزُّبَيرِ فَيُقْتَلُ (١)!
أَفى الله أَمَّا بَحْدَلُ وَابنُ بَحْدَل
وَلَمّا يَكِنْ يومٌ أَغْرُّ مُحَجَّلُ
كذّبْتُمْ وَبَيْتِ اللهِ لا تَقْتُلُونَهُ
شعاعٌ كَقَرْنِ الشَّمسِ حِينَ تَرجَّلٌ (٢)
وَلَمّا يكُن للمشْرَفيَّةِ فَوْقكم
(١) ديوان الحماسة - بشرح التبريزى ٢: ١٩٩؛ قال فى شرحه: ((كان معاوية بن أبى
سفيان لما جعل يزيد ابنه ولى عهده بايعه الناس إلا الحى من قيس فإنهم قالوا: والله لا نبايع ابن الكلبية ؛
وذلك أن أمّ يزيد ميسون بنت مالك بن بحدل الكلبى؛ فصار فى نفس يزيد ضغن ؛ وابتدأ الشر بينهم
وبين بنى أمية ؛ فلما هلك يزيد استخلف ابنه معاوية بن يزيد ، وأمه أيضاً كلبية ؛ وصار حسان بن
مالك بن بحدل أخوميسون كالمالك للأمر ؛ وكانت خلافة معاوية بن يزيد أياماً قليلة، وتحركت فتنة
ابن الزبير ، فاضطرب حسان بن مالك فى الأمر اضطراباً شديداً ، وصار يدعو الناس إلى نفسه
تارة ، وإلى من يختارونه من بنى أمية أخرى ؛ حتى قال الشاعر :
فتزبرا
وإلّا زُبیری عَصَی
وما النَّاس إلّا بحدلىّ على الهُدى
إلى أن وقع الاختيار على مروان بن الحكم ، فلما قام بالدعوة صارت البحدلية معه ، فسموا مروانية
فيقول زفر: ((أفى اللّه)) يريد: أفى ذات الله ومرضى حكمه أن تطلب حياة ابن بحدل والمتعصبة
لبنى أمية ويطلب قتل عبد الله بن الزبير مع فضله وشرفه ... وهذا الكلام تقريع للناس)).
(٢) قرن الشمس: أول ما يظهر منها . والترجل: هو أن تنبسط الشمس ولما يشتد حرّها بعد.

٥٤٤
سنة ٦٤
فأجابه عبد الرحمن بن الحكم ، أخو مروان بن الحكم ، فقال :
وتترُكُ قَتْلى راهطٍ ما أُجِنَّتِ (١) !
أُتذهب كلب قد حمتْها رماحُها
أَضاعَتْ ثُغُورَ المسلمين وَوَلَّتِ
لَحا الله قَيْساً قَيْسَ عِيْلاَنَ إِنها
أَخاها إذا ما المَشْرفِيَّةُ سُلَّتِ (٢)
فباهِ بقیْسٍ فى الرخاء ولا تكنْ
٤٨٧/٢
قال أبو جعفر : ولما بايع حصين بن نمير مروان بن الحكم وعصا مالك بن
هبيرة فيما أشار به عليه من بيعة خالد بن يزيد بن معاوية ، واستقرّ لمروانَ بن
الحكم المُلك ، وقد كان الحصين بن نمير اشترط على مروان أن يُنزل البَدْقاءَ
من كان بالشأم من كندة ، وأن يجعلها لهم مأكلةً، فأعطاه ذلك ؛ وإنّ
بنى الحكم لما استوثق الأمرُ لمروان، وقد كانوا اشترطوا لخالد بن يزيد بن معاوية
شروطًا؛ قال مروان ذات يوم وهو جالسٌ فى مجلسه ومالك بن هبيرة جالس
عنده : إن قومًا يدّعون شروطًا منهم عطارة مكحلة - يعنى مالك بن هبيرة
وكان رجلا يتطيب ويكتحل- فقال مالك بن هبيرة: هذا ولمّا تردى تهامة،
ولما يبلغ الحزام الطُّبْييْن؛ فقال مروان : مهلاً يا أبا سليمان ، إنما داعبناك ؛
فقال مالك : هو ذاك. وقال عويج الطائىّ يمتدح كتَلْبًا وحُميد بن بَحْدَل:
وأُخْرَى عِليهم إِن بقَى سَيُعيدُها
لقد علِمَ الأقوامُ وقْع ابنِ بَحْدَلٍ
من الرِّيفِ شهرًا ما يَنِى من يَقُودُها
يقُودُونَ أَولادَ الوجِيه ولاحقٍ
على الناس أقواماً كثيراً حُدودُها
فهذا لهذا ثم إنى لنافِضْ
قُضاعَةُ أَرْباباً وقَيْس عبيدُها
فلولا أمير المومنين لأَصْبحَت
وفى هذه السنة بايع جُنْد خُراسان لسلم بن زياد بعد موت يزيد بن
٤٨٨/٢
معاوية ، على أن يقوم بأمرهم حتى يجتمع الناس على خليفة .
(١) الثانى والثالث فى ديوان الحماسة - بشرح المرزوق ١٤٩٩، ١٥٠٠
(٢) الحماسة: ((فشاول لقيس))؛ أى خاطر.

سنة ٦٤
٥٤٥
2.
[ذكر الخبر عن فتنة عبد الله بن خازم وبيعة سلم بن زياد ]
وفيها كانت فتنة عبد الله بن خازم بخُراسان .
ذكر الخبر عن ذلك :
حدثنى عمرُ بنُ شبّة، قال: حدثنا علىّ بن محمد، قال: أخبرنا مسلمة
ابن محارب، قال: بعث سلم بن زياد بما أصاب من هدايا سمرقند وخُوار زم إلى
يزيدَ بن معاوية مع عبد الله بن خازم ، وأقام سلم واليًا على خُراسانَ حتى مات
يزيد بن معاوية ومعاوية بن يزيد ، فبلغ سلماً موته ، وأتاه مقتل يزيد بن
زياد فى سجستان وأسرُ أبى عبيدة بن زياد ، وكتم الخبر سلم ، فقال ابن
عترادة:
حَدَثَثْ أُمورٌ شَأْنُهُنَّ عظيمٌ
بأَيُّها الملِكُ المُغَلِّقُ بابَهُ
ويزيدُ أعلِنَ شأنُهُ المكتُومُ
قَتْلِى بِجُنْزَةَ والذينَ بكابُلٍ (١)
جسدٌ بِحَوَّارِينَ ثَمَّ مُقِيمُ
أَبَنِى أُمَيّةَ إِنّ آخِرَ مَلكِكُمْ
كُوبٌ وَزِقُّ رَاعِفٌ مَرثومُ(٢
طَرَقَتْ مَنِيَّتُهُ وعِنْدَ وِسادِهِ
ومرِنَّةٌ تبكى على نَشْوانِهِ
بالصَّنْجِ تَقْعُدُ تارةً وتقومُ (٣)
قال مسلمة : فلما ظهر شعر ابن عرّادة أظهر سلمٌ موتَ يزيد بن معاوية
ومعاوية بن يزيد ، ودعا الناس إلى البيعة على الرّضا حتى يستقيم أمرُ الناس ٤٨٩/٢
على خليفة ، فبايعوه ، ثم مكثوا بذلك شهرين ، ثم نکثوا به .
قال علىّ بن محمد: وحد ثنا شيخٌ من أهل خُراسان، قال: لم يحبّ أهلُ
خُراسان أميراً قط حُبّهم سلمَ بن زياد ، فسُمّى فى تلك السنين التى كان بها
سلم أكثر من عشرين ألف مولود بسَلْ ، مِن حُبّهم سَلْما .
(١) ابن الأثير: ((قتلى بحرة)).
(٢) يقال : رثم أنفه، أى كسر حتى تقطر منه الدم.
(٣) ابن الأثير: ((بالصبح تقعد مرة وتقوم)).

٥٤٦
سنة ٦٤
قال: وأخبرنا أبو حفص الأزدىّ ، عن عمهقال: لما اختلف الناس بخُراسان
ونكثوا بيعة سَلْ، خرج سَلْم عن خُراسان وخلّف عليها المهلب بن أبى صُفْرة،
فلما كان بسَرَخْسَ لقيه سليمان بن مَرْتَد أحد بنى قيس بن ثعلبة ، فقال
له : مَنْ خلّفت على خراسان؟ قال : المهلب ؛ فقال : ضاقت عليك نزارٌ
حتى ولَّتَ رجلا من أهل اليَمَن! فولاَه مَرْوَ الرُّوذ والفارياب والطالَقَان
والجُوزَجان ، وولى أوس بن ثعلبة بن زفر - وهو صاحب قصر أوس بالبصرة ..
هراةَ، ومَضَى فلما صار بنَيْسابور لقيَه عبد الله بن خازم فقال: مَن ولَّيت
خُراسان ؟ فأخبره ، فقال : أمَا وجدت فى مُضرَ رجلا تستعمله حتى فرَّقت
خُراسان بين بكر بن وائل ومَزُون عمَانَ (١) ! وقال له: اكتبْ لى عَهْدًا على
خُراسان؛ قال: أوالى خراسان أنا(٢)! قال: اكتب لى عهداً وخَلاَك ذمّ.
قال : فكتب له عهداً على خُراسان ؛ قال : فأعنّى الآن بمائة ألف درهم
فأمَرّ له بها ، وأقبل إلىَ مَرْو، وبلغ الخبرُ المهلبَ بنَ أبى صُفْرة ، ، فأقبل
واستخلف رجلا (٣) من بنى جُشَ بن سعد بن زيد مناة بن تميم .
قال : وأخبَرَنا المفضَّل بن محمد الضَّبِىُّ، عن أبيه ، قال : لما صار
٤٩٠/٢ عبد الله بن خازم إلى مروَ بعهد سَلْم بن زياد، منعه الجُشمىّ، فكانت
بينهما مناوشة ، فأصابت الجشمىّ رميةٌ بحجر فى جبهته ، وتحاجزوا
وَخَلَّى الجشمىّ بين مرْوالرُّوذ وبينَه ، فدخلها ابن خازم ، ومات الجشمىّ
بعد ذلك بیومین .
قال علىّ بن محمد المدائىّ: حدّثنا الحسن بن رشيد الجُوزَ جانىّ، عن
أبيه ، قال : لما مات يزيد بن معاوية ومعاوية بن يزيدَ وثب أهلُ خُراسان
بعُمّالهم فأخرجوهم، وغلب كلُّ قوم على ناحية ، ووقعت الفتنة ، وغلب ابن
خازم على خُراسان ، ووقعت الحرب .
قال أبو جعفر: وأخبرنا أبو الذّيّال زهير بن هُنيد، عن أبى نعامة، قال :
أقبَل عبد الله بن خازم فغلب على مرْوَ، ثم سار إلى سليمان بن مرثد فلقيه
(١) ابن الأثير: ((واليمن)).
(٢) ساقطة من ف .
(٣) هو عرفجة بن الورد .

٥٤٧
سنة ٦٤
بمروَ الرُّوذ، فقاتَلته أيامًا ، فقتل سليمان بن مرثد ، ثم سار عبد الله بن خازم
إلى عمرو بن مرثد وهو بالطالقان فى سبعمائة ، وبلغ عمرًا إقبالُ عبد اللّه إليه
وقتله أخاه سليمان ، فأقبل إليه، فالتقَوْا على نهر قبل أن يتوافتى إلى ابن خازم
أصحابُه ، فأمر عبد الله من كان معه فنزلوا،فنزل وسأل عن زهير بن ذؤيب
العدوىّ ، فقالوا : لم يجىء حتى أقبل وهو على حاله ، فلما أقبل قيل له : هذا
زهير قد جاء ؛ فقال له عبد الله: تقدّم، فالتَقَوْا فاقتتلوا طويلا، فقتل
عمرو بن مرثد، وانهزم أصحابه ، فلحقوا بهراة بأوس بن ثعلبة، ورجع عبد الله
ابن خازم إلى مَرْو.
قال: وكان الذى ولىَ قتلَ عَمرو بن مرثد زهير بن حيّان العدوىّ فيما يروون
فقال الشاعر :
زهير بنَ حيّانٍ بعَمْرو بنٍ مَرْئَدٍ! ٤٩١/٢
أَنذْهبُ أَيَّامُ الحروبِ ولم تُبِّ
قال: وحدّثنا أبو السَّرىّ الْحُراسانىّ - وكان من أهل هَرَاة - قال: قتل
عبد الله بن خازم سليمان وعمرًا ابنْى مرثد المرثديَّين من بنى قيس بن ثعلبة
ثم رجع إلى مَرْو، وهرب من كان بمروَ الرّوذ من بكر بن وائل إلى هَراة،
وانضم إليها من كان بكُوَرَ خُراسان من بكر بن وائل ، فكان لهم بها جمعٌ
كثير عليهم أوْس بن ثعلبة ؛ قال: فقالوا له : نبايعك على أن تسير إلى ابن
خازم، وتُخرجَ مُضَرّ من خُراسان كلِّها ؛ فقال لهم: هذا بَغْىٌ ، وأهلُ
البغى مخذولون، أقيموا مكانكم هذا، فإنْ تركَكُم ابن خازم- وما أراه
يفعل - فارضوا بهذه الناحية، وخلّوه وما هو فيه ؛ فقال بنو صُهيب- وهم موالى
بنى جحْدَرَ : لا والله لا نَرضى أن نكون نحن ومُضَر فى بلد ، وقد قتلوا
ابنى مَرْتَد، فإن أجبتَنا إلى هذا وإلا أمّرْنا علينا غيرك؛ قال: إنما أنا رجلٌ
منكم ، فاصنعوا ما بدا لكم ؛ فبايعوه ، وسار إليهم ابن خازم ، واستخلف
ابنته موسى ، وأقبل حتى نزل على واد بين عسكره وبين هَراة؛ قال : فقال
البكريّون لأوس : اخرجْ فخندِقْ خندقًا دون المدينة فقاتلهم فيه، وتكون
المدينة من ورائنا ، فقال لهم أوس : الزموا المدينة فإنها حصينة ، وخلّوا ابنَ
خازم ومنزلته الذى هو فيه ؛ فإنه إن طال مُقَامُه ضجر فأعطاكم ما ترضون

٥٤٨
سنة ٦٤
به ، فإن اضطررتم إلى القتال قاتلتم ، فأبَوْا وخرجوا من المدينة فخندقوا خندقًا
دونها ، فقاتلهم ابن خازم نحواً من سنة .
٤٩٢/٢
قال وزعم الأحنف بن الأشهب الضبىّ، وأخبرنا أبو الذيال زهير بن الهُنَيد؛
سار ابن خازم إلى هراةَ وفيها جمعٌ كثير لبكر بن وائل قد خندقوا عليهم ،
وتعاقدوا على إخراج مضرَ إن ظفروا بخُراسان ، فنزل بهم ابن خازم ، فقال
له هلال الضّىّ أحد بنى ذُهْل، ثم أحد بنى أوس: إنما تقاتل إخوتَتَك مِن
بنى أبيك ، والله إن نِلتَ منهم فما تريد ما فى العيش بعد هم من خير، وقد
قتلت بمروَ الرّوذ منهم من قتلت ، فلو أعطيتهم شيئًا يرضَوْن به ، أو أصلحتَ
هذا الأمر! قال: والله لو خرجتُ(١) لهم عن خُراسانَ ما رَضُوا به ، ولو
استطاعوا أن يُخرجوكم من الدنيا لأخرجوكم؛ قال: لا، والله لا أرمى معك
بسهم، ولا رجلٌ يطيعفى من خِندف حتى تُعْذِر (٢) إليهم ؛ قال: فأنت
رسولى إليهم فأرضِهم ، فأتى هلال إلى أوس بن ثعلبة فناشَدَه اللّهَ والقرابة،
وقال : أذكرك اللّه فى نزار أن تسفك دماءها، وتضربَ بعضها ببعض (٣)!
قال : لقيتَ بنى صهيب ؟ قال : لا والله ؛ قال : فالقهم ؛ فخرج فلقى
أرقم بن مطرّف الحنفىّ، وضَمْضَ بن يزيد - أو عبد الله بن ضمضم بن
يزيد- وعاصم بن الصّلت بن الحريث الحنفيّين، وجماعة من بكر بن وائل
وكلمهم بمثل ما كلّم به أوساً ، فقالوا : هل لقيت بنى صُهيب ؟ فقال : لقد
عظّم اللّه أمَر بنى صُهَيب عندكم، لا لم ألقهم ، قالوا : القهم ، فأتى بنى
صهيب فكلّمهم ، فقالوا : لولا أنك رسولٌ لقتلناك؛ قال: أما يرضيكم شىء ؟
٤٩٣/٢ قالوا: واحدةٌ من اثنتين، إما أن تخرجوا عن خُراسان ولا يَدْعو فيها لمُضرّ
داعٍ، وإما أن تقيموا وتنزلوا لنا عن كل كُراع وسلاح وذهب وفضّة ؛ قال :
أفما شىء غير هاتين ؟ قالوا : لا ، قال : حسبنا الله ونعم الوكيل! فرجع إلى
ابن خازم، فقال: ما عندك ؟ قال: وجدتُ إخوتنا قُطْعًا للرَّحِيمِ ، قال :
قد أخبرتُك أنّ ربيعة لم تزل غِضابًا على ربّها منذ بعث اللّهُ النبيَّ صلى اللّه
عليه وسلم من مضرّ .
(١) ابن الأثير: ((خرجنا)). (٢) ابن الأثير: ((تعتذر)). (٣) ف: ((تضرب أعناقها)).

٥٤٩
سنة ٦٤
قال أبو جعفر : وأخبرنا سليمان بن مجالد الضّبِىّ، قال : أغارت الترك
على قصر إسفاد (١) وابن خازم بَهراةَ، فحصروا أهله، وفيه ناس من الأزْد
هم أكثر مَن فيه ، فهزمتْهم ، فبعثوا إلى من حولهم من الأزْد فجاءوا لينصروهم
(٢) فهزمتْهم الترك٢)، فأرسلوا إلى ابن خازم، فوجَّه إليهم زهير بن حيان فى بني تميم
وقال له : إياك ومُشاوَلَة الترك (٣)، إذا رأيتموهم فاحملوا عليهم، فأقبَلِ فوافاهم
فى يوم بارد ، قال : فلما التقَوا شدُّوا عليهم فلم يَشْبتوا لهم، وانهزمت الترك
واتّبعوهم حتى مضى عامّةُ الليل حتى انتهوا إلى قصر فى المفازة، فأقامت الجماعة
ومضى زهير فى فوارسَ يتبعهم ، وكان عالمًا بالطريق ، ثمّ رجع فى نصف من
الليل ، وقد يَبِسَتْ يدُهُ على رُمحِه من البرد ، فدعا غلامَه كعباً ، فخرج
إليه ، فأدخله ، وجعل يُسخن له الشَّحم فيضعه على يده ، ودهنوه وأوقدوا له
ناراً حتى لانَ وَدَفِىء ؛ ثم رجع إلى هَراة ، فقال فى ذلك كعبُ بنُ معدانَ
الأشْقَرَىّ :
دُرُوعٌ وبَيْضٌ حشْوهُنَّ تميمُ
أَتاك أَتَاك الغوثُ فِی بَرْقِ عارِضٍ
أَبُوْا أَن يضُمُّوا حَشْو ما تجمَعُ القُرَى
ورزْقُهُمُ من رائحاتٍ تَزينُها
وقال ثابت قُطْنَة :
فَدَتْ نفسى فَوارِس من تميمٍ
بِقِصْرِ الباهلِيِّ وقد أَرانى
بسيفى بعد كسرِ الرَّمْحِ فيهمِ
أَكُرُّ عليهمُ اليحْمُومَ كَرًّا
فلولا اللهُ ليسَ له شريكٌ
فضَمَّهُمُ يومَ اللقاءِ صَمِيمٌ ٤٩٤/٢
ضروع عَرِيضات الخَوَاصِر كومُ
على ما كان من ضَنْكِ المُقَامِ
أُحامِى حين قَلَّ به المُحامِ
أَذودُهُمُ بِذِى شِطَبٍ حُسامٍ
كَكَرِ الشَّرْبِ آنِيَةَ الْمُدَامِ
وضرْبِى قَوْنَسَ المَلِكِ الهُمَامِ
(١) ابن الأثير: ((إسغاد)).
(٢ - ٢) فى: ((فلم تغن شيئاً)).
(٣) فى اللسان عن أبى زيد: ((تشاول القوم تشاولا؛ إذا تناول بعضهم بعضاً عند القتال
بالرماح، ومثله المشاولة))، وفى ابن الأثير: ((ومناوأة)).

٥٥٠
سنة ٦٤
٠
أمام التُّرْك بادِية الخِدامِ
إِذًا فاظتْ نساءُ بَنی دِثارٍ
* *
قال أبو جعفر : وحدثنى أبو الحسن الحُراسانىّ، عن أبى حمّاد السُّلَمِىّ
قال : أقام ابن خازم بهَرَاةَ يقاتل أوسَ بنَ ثعلبة أكثرَ من سنة ، فقال يومًا
٤٩٥/٢ لأصحابه : قد طال مُقَامُنا على هؤلاء ، فنادُ وهم: يا معشرَ ربيعة، إنكم
قد اعتصمتم بخندقكم ، أفرضيتم من خُراسانَ بهذا الخندق ! فأحفَظَهم
ذلك ، فتنادى الناسُ(١) للقتال ، فقال لهم أوس بن ثعلبة : الزموا خندقكم
وقاتلوهم كما كنتم تقاتلونهم ، ولا تخرجوا إليهم بجماعتكم ؛ قال : فعصَوْه
وخرجوا إليهم ، فالتقى النّاس ، فقال ابن خازم لأصحابه : اجعلوه يومتكم
فيكونَ المُلْك لمَنْ غلب، فإن قُتلتُ فأميركم شَّاس بن دِثار العُطارِدِىّ،
فإن قُتل فأميركم بكيْر بن وشاح الثقفى .
قال علىّ: وحدّثنا أبو الذيّال زهير بن هُنَيد، عن أبى نَعَامة العَدَوىّ
عن عبيد بن نقيد ، عن إياس بن زهير بن حيان: لما كان اليوم الذى هرب
فيه أوس بن ثعلبة وظفر ابن خازم ببكر بن وائل ، قال ابن خازم لأصحابه
حين التقوا: إنى قِلْع (٢)، فشدّونى على السرج، واعلموا أن علىّ من السلاح
ما لا أقتَل قدرَ جَزْر جَزورين، فإن قيل لكم: إنّى قد قُتلت فلا تصدّقوا .
قال : وكانت راية بنى عدىّ مع أبى وأنا على فرس مُحزَّم (٣) ، وقد قال لنا
ابن خازم : إذا لقيتم الخيلَ فاطعنوها فى مناخِرها ، فإنه لن يطعن فرسٌ فى
نخْرته إلا أدبر أو رَمَى بصاحبه، فلما سمع فرسى قَعقَعَة السلاح وثب
بى واديًا كان بينى وبينهم ؛ قال : فتلقانى رجل من بكر بن وائل فطعنت
فرستَه فى نُخرته (٤)، فصرعه، وحمل أبى ببنى عدّى، واتبعتْه بنو تميم من كلّ
وجه ، فاقتتلوا ساعةً، فانَهَزمتْ بكر بن وائل حتى انتهَوا إلى خندقهم
(١) ابن الأثير: ((فتنادوا)).
(٢) القلع : الذى لا يثبت على الخيل .
(٣) محزّم: مهيّاً للركوب.
(٤) النخرة : رأس الأنف .

سنة ٦٤
٥٥١
وأخذوا يمينًا وشمالا، وسقط ناسٌ فى الخندق فقُتلوا قتلاً ذريعًا، وهرب أوسُ
ابن ثعلبة وبه جراحات، وحلف ابن خازم لا يؤتى بأسير إلا قتله حتى تغيب ٤٩٦/٢
الشمس ، فكان آخرَ مَن أتِى به رجلٌ من بنى حنيفة يقال له ◌ْمِية
فقالوا لابن خازم: قد غابت الشمس ، قال: وفُّوابه القتلى؛ فقُتِل .
قال: فأخبَرَنى شيخٌ من بنى سعد بن زيد مناة أنّ أوس بن ثعلبة هرب
وبه جراحاتٌ إلى سجستانَ.، فلما صار بها أو قريبًا منها مات .
وفى مقتل ابن مرثد وأمْر أوس بن ثعلبة يقول المغيرةُ بن حَبناء، أحد
بنى ربيعة بن حنظلة :
قتيلاً ومَسجوناً بها ومُسيّرًا
وفى الحرب كنتمْ فى خُراسانَ كلِّها
فلم تجدوا إِلَّ الخنادِقِ مَقْبَرا
ويومَاحْتَوَا کمْ فی الحفِیرِ ابنُ خازمٍ
وأَوساً تركتمْ حيثُ سار وعَسكرا
ويومَ تَركُمْ فى الغبارِ ابن مرثدٍ
قال: وأخبَرَنى أبو الذّيال زهير بن هنيد، عن جدّه أبى أمّه، قال :
قُتل من بكر بن وائل يومئذ ثمانية آلاف .
قال : وحدّثنا التميمىّ ، رجل من أهل خُراسان، عن مولى لابن خازم،
قال : قاتل ابن خازم أوسَ بن ثعلبة وبكر بن وائل ، فظَفِر بهرَاةً ، وهرب
أوس وغلبه ابن خازم على هَرَاةَ ، واستعمل عليها ابنه محمدًا، وضم إليه
شماس بن دثار العُطاردىّ، وجعل بُكير بن وِشَاح على شُرطتِهِ ، وقال لهما :
ربِّياه فإنه ابن أختكما، فكانت أمه من بنى سعد يقال لها صفيّة ، وقال له:
لا تخالفْهما، ورجع ابن خازم إلى مَرْوَ .
٠
*
[ ذكر الخبر عن تحرُّك الشيعة للطلب بدم الحسين ]
قال أبو جعفر: وفى هذه السنة تحرّكت الشيعة بالكوفة، واتّعدوا الاجتماع ٤٩٧/٢
بالنُّخيلة فى سنة خمس وستين للمسير إلى أهل الشأم للطلب بدم الحسين بن
علىّ ، وتكاتبوا فى ذلك .

٥٥٢
سنة ٦٤
ذكر الخبر عن مبدإ أمرهم فى ذلك :
*
قال هشام بنُ محمد: حدّثنا أبو مخنف، قال : حدثنى يوسف بن يزيد
عن عبد الله بن عوف بن الأحمر الأزدىّ، قال: لما قتل الحسين بن علىّ ورجع
ابن زياد من معسكره بالنُّخَيْلة ، فدخل الكوفة ، تلاقتِ الشيعة بالتلاوم
والتندُّم (١)، ورأت أنها قد أخطأتْ خطأ كبيراً بدُ عائهم الحسينَ إلى النصرة
وتركهم إجابته، ومقتله إلى جانبهم لم يتنصروه، ورأوا أنه لا يُغسل عارُهم والإثم
عنهم (٢) فى مقتله إلا بقتل مَن قَتّله، أو القتل فيه، ففزعوا بالكُوفة إلى
خمسة نفر من رءوس الشيعة إلى سليمان بن صُرّد الخزاعىّ، وكانت لهصُحبة
مع النبيّ صلى الله عليه وسلم، وإلى المُسَيّب بن نجَبَة الفَزّارىّ، وكان
من أصحاب علىّ وخيارهم، وإلى عبد الله بن سعد بن نفيل الأزدىّ، وإلى
عبد الله بن وال التَّيمىّ، وإلى رفاعة بن شَدَّاد البحلىّ.
ثمّ إنّ هؤلاء النفر الخمسة اجتمعوا فى منزل سليمان بن صُرَّد، وكانوا من
خيار أصحاب علىّ ، ومعهم أناس من الشيعة وخيارهم ووجوههم .
٤٩٨/٢
قال: فلما اجتمعوا إلى منزل سليمانَ بن صُرَد بدأ المسيّب بن نَجَبة القوم
بالكلام ، فتكلّم فحمدَ اللّهَ وأثنى عليه وصلى على نبيه صلى الله عليه وسلم
ثم قال :
أما بعد ، فإنا قد ابتُلينا بطول العمر ، والتعرّض لأنواع الفِتَن
فترغب إلى ربنا ألّ يجعلنا ممن يقول له غداً: ﴿أَوَ لَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ
مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَ كُم النَّذِيرُ﴾ (٣)؛ فإنّ أمير المؤمنين قال: العُمر الذى أعذر
اللّه فيه إلى ابن آدم ستون سنة، وليس فينا رجل إلا وقد بلغه، وقد كنا مُغرَمين
بتزكيةِ أنفُسنا ، وتقريظ شيعتنا ، حتى بَلا الله أخيارنا فوجدنا كاذبين فى
موطنَيْن (٤) من مواطن ابنِ ابنة نبيّنا(٥) صلى اللّه عليه وسلم، وقد بلغتْنا قبل
ذلك كُتُبه ، وقدمَت علينا رُسُلُه ، وأعتذر إلينا يسألنا (٦) نَصرَه عَوْداً
(١) ابن الأثير: ((المنادمة)).
(٣) سورة فاطر: ٣٧.
(٥) ابن الأثير: ((نبيه)).
(٢) ابن الأثير: ((عليهم)).
(٤) ابن الأثير: ((فى كل موطن)).
(٦) ابن الأثير: ((فسألنا)).

سنة ٦٤
٥٥٣
وبدءًا، وعلانيةً وسرًّا ، فبخلنا عنه بأنفسنا حتى قتل إلى جانبنا ، لا نحن
نصرناه بأيدينا ؛ ولا جادلْنا عنه بألسنتنا، ولا قوّ يناه بأموالنا ، ولا طلبنا له
النُّصرة إلى عشائرنا ، فما عُذرنا إلى ربّنا وعند لقاء نبيِّنًا صلى الله عليه وسلم وقد
قُتل فينا ولدُه وحبيبه، وذرّيتُهُ ونَسلُه! لا واللّه، لاعُذْرَ دون أن تَقْتُلُوا
قائلَه والمُؤالين عليه، أو تُقتلوا فى طلب ذلك، فعسى ربّا أن يَرضى عنا
عند ذلك ، وما أنا بعد لقائه لعقوبته بآمِن . أيها القوم ، ولوا عليكم رجلا منكم
فإنه لا بدّ لكم من أمير تَفزّعون إليه، وراية تحفّون بها، أقول قولى هذا
وأستغفر الله لى ولكم .
٤٩٩/٢
قال: فبدر القومَ رِفَاعة بن شدّاد بعد المسيّب الكلام، فحمد اللهَ
وأثنى عليه وصلّى على النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ثم قال: أما بعد، فإنّ اللّه قد
هداك لأصوَب القول، ودعوت إلى أرشد الأمور (١)، بدأتَ بحمد الله والثناء
عليه ، والصلاة على نبيّه صلى اللّه عليه وسلم، ودعوتَ إلى جهاد الفاسقين
وإلى التوبة من الذنب العظيم ، فمسموعٌ منك، مستجابٌ لك ، مقبول قولُك ؛
قلتَ: ولُّوا أمر کم رجلا منکم تفزعون إليه،وتحفّون برایته، وذلك رأى قد رأينا
مِثلَ الذى رأيتَ ، فإن تكن أنت ذلك الرجل تكن عندنا مرضيًّا ، وفينا
متنصّحاً، وفى جماعتنا محبًّا(٢)، وإن رأيتَ رأى أصحابنا ذلك ولّينا هذا الأمْر
شيخ الشيعة صاحبَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذا السابقة والقَدَم سليمان
ابن صُرّد المحمود فى بأسه ودينه، والموثوق بحزمه. أقول قولى هذا وأستغفر الله
لى ولكم .
قال: ثمّ تكلم عبد الله بن وال وعبد الله بن سعد، فحمداً ربَّهما وأثنَيَا
عليه ، وتكلما بنحو من كلام رفاعة بن شدّاد، فذكرا المسيّب بن نجَبَة
بفضله ، وذكرا سليمان بن صُرّد بسابقته، ورضاهما بتولييَتِه ، فقال المسيب
ابن نجتَبة: أصبتم ووفقتم، وأنا أرَى مِثْلَ الذى رأيتم، فولوا أمر كم سليمانَ
ابنَ صُرّد .
(١) ف وابن الأثير: ((وبدأت بأرشد الأمور)).
(٢) ابن الأثير: ((محبوباً)).
:

٥٥٤
سنة ٦٤
قال أبو مخنف : فحدّثت سليمانَ بن أبى راشد بهذا الحديث ، فقال :
حدّثنى حُميد بن مسلم ، قال: والله إنّ لتشاهدٌ بهذا اليوم، يوم ولَّا سليمان
ابن صُرّد ، وإنّا يومئذ لأكثر من مائة رجل من فُرسان الشيعة ووجوهِهم فى
داره .
٥٠٠/٢
قال : فتكلّم سليمان بن صرد فشدّد ، وما زال يردّد ذلك القول" فى كل
جمعة حتى حفظتُه، بدأ فقال: أثنى على الله خيراً، وأحمد آلاءه وبلاءه،
وأشهد أن لا إله إلا الله، وأنّ محمداً رسوله، أمّا بعد، فإنى واللّه لخائف
ألّا يكون آخرنا إلى هذا الدهر الذى نكدتْ فيه المعيشة، وعظُمت فيه الرّزية
وشمل فيه الجورُ أولى الفضل من هذه الشيعة لما هو خير؛ إنا كنا نمدّ أعناقنا
إلى قدوم آل نبيّنا ، ونمنّيهم النصر، ونحثّهم على القدوم، فلما قدموا وذَيْنا
وعَجْزنا، وادّهنّا (١)، وتربّصنا، وانتظرنا ما يكون حتى قُتل فينا
وَلَدُ نبينا وسُلالتُهُ وعُصارتُه وبضعةٌ من لحمه ودمه، إذ جعل يَستصرِخ
فلا يُصرَخ، ويسأل النّصف فلا يُعطاه، اتّخذه الفاسقون غَرَضًا للنّبل، ودرّية
للرّماح حتى أقصدوه، وعدَوْا عليه فسلبوه . ألّ انهضوا فقد سخط ربكم ،
ولا ترجعوا إلى الحلائل والأبناء حتى يرضى الله، والله ما أظنه راضيًا دون
أن تناجِزوا مَن قتله، أو تُبيروا. ألّا لا تهابوا الموت فوالله ما هابه امر ؤٌ قطّ
إلا ذلّ، كونوا كالأولى من بنى إسرائيل إذ قال لهم نبيَّهم: ﴿إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ
أَنْفُسَكُمْ بِالْخَاذِ كُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ
لَكُمْ عَنْدَ بَارِئِكُمْ)، (٢) فما فعل القومُ؟ جئوا إلى الرُّكب واللّه، ومدّوا الأعناق
ورضُوا بالقضاء حتى حين علموا أنه لا ينجيهم من عظيم الذّنب إلاّ الصبر
٥٠١/٢ على القتل، فكيف بكم لو قد دُعيتم إلى مثل ما دُعِى القوم اليه!
اشحذوا (٣) السيوف، وركِّبُوا الأسنّة، ﴿وَأَعِدُّوا لَهِمَا اسْتَطَهُمْمِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ
رِبَاطِ الْخَيْلِ) (٤)، حتى تُدعوا حين تُدْعَون وتُستنفُرون .
(١) ابن الأثير: ((وأذهلنا)).
(٣) ابن الأثير: ((أحدوا)).
(٢) سورة البقرة:٥٤
(٤) سورة الأنفال .٦ .

سنة ٦٤
٥٥٥
قال: فقام خالد بن سعد بن نُقيل، فقال: أما أنا فوالله لو أعلم أنّ قتلى(١)
نفسى يُخرِجنى من ذنبى ويُرضى ربّى لقتلتُها ؛ ولكن هذا أمر به قوم" كانوا
قبلنا ونُهينا عنه، فأشهد اللّهَ ومَن حضر من المسلمين أنّ كلَّ ما أصبحت
أملكه سوى سلاحى الذى أقاتل به عدوّى صدقةً على المسلمين ، أقوّيهم به
على قتال القاسطين .
وقام أبو المعتمر حَنّش بن ربيعة الكنانىّ فقال: وأنا أشهدكم على
مثل ذلك .
فقال سليمان بن صُرَّد: حَسْبُكم؛ مَنْ أراد من هذا شيئًا فليأت بماله
عبدَ اللّه بن وال التيمىّ تيم بكربن وائل، فإذا اجتمع عنده كلّ ما تريدون
إخراجته من أموالكم جهّزْنا به ذوى الختلّة والمسكّنة من أشياعكم .
قال أبو مخنف لوط بن يحيى ، عن سليمان بن أبى راشد ، قال : فحد ◌ّثنا
حُمَيد بن مسلم الأزديّ أنّ سليمان بن صُرّد قال لخالد بن سعد بن نفيل حين
قال له : والله لو علمت أنّ قتلى نفسی يُخرِجی من ذنبی ویرضی عنی ربی
لقتلتُها، ولكنّ هذا أمر به قوم غيرُنا كانوا من قبلنا ونُهينا عنه، قال: أخوكم
هذا غدًا فَريسُ أوّلِ الأسنَّة؛ قال: فلما تصدّق بماله على المسلمين قال
له : أبشر بجزيل ثواب الله للَّذين لأنفُسِهِم يمهدون.
قال أبو مخنف : حدثنى الحصين بن يزيد بن عبد الله بن سعد بن نُفيل ٥٠٢/٢
قال: أخذت كتابًا كان سليمان بن صُرّد كتب به إلى سعد بن حذيفة بن اليمان
بالمدائن، فقرأتُه زمانَ ولىَ سليمان ، قال : فلما قرأتُه أعجبنى ، فتعلِّمته فما
نسيته ، كتب إليه :
بسم الله الرّحمن الرّحيم. من سليمانَ بَن صُرَد إلى سعد بن حذيفة ومَن
قِبَله من المؤمنين . سلام عليكم ، أما بعد ؛ فإنّ الدنيا دارٌ قد أدبر منها
ما كان معروفًا، وأقبل منها ما كان مُنكَراً، وأصبحتْ قد تشنّأتْ إلى ذوى
الألباب ، وأزمَعَ بالتَّرحال منها عبادُ اللّه الأخيار ، وباعوا قليلاً من الدنيا
(١) ف: ((قتل نفسى)).

٥٥٦
سنة ٦٤
لا يبقى بجزيل مثوبة عند اللّه لا تتَفنى. إنّ أولياءَ من إخوانكم ، وشيعة
آل نبيِّكم نظروا لأنفسهم فيما ابتُلوا به من أمر ابن بنت نبيّهم الذى دُعِىّ
فأجاب ، ودعا فلم يجَّب ، وأراد الرجعة فحُبِس ، وسأل الأمان فمُنع ، وترك
الناسَ فلم يتركوه ، وعَدْوا عليه فقتلوه، ثم سلبوه وجرّدوه ظلمًا وعُدوانًا
وغِرَّةً بالله وجهلاً، وبعين اللّه ما يعملون، وإلى الله ما يرجعون، ﴿وَسَيَعْلَمُ
الَّذِينَ ظَلَمُوا أَىَّمُنْقَلَبِ يَنْقَلِبُونَ﴾، (١) فلما نظر واإخوانكم وتد بّر واعواقبَ
ما استقبلوا رأوا أن قدخطئوا بخذلان الزّكىّ الطيّب وإسلامه وترك مواساته، والنصر
له خطأ كبيراً ليس لهم منه مخرجٌ ولا توبة، دون قتل قاتليه أو قتلهم حتى تفنى
على ذلك أرواحهم ؛ فقد جَدّ إخوانكم فجِدّوا ، وأعدّوا واستعدّوا، وقد
ضربنا لإخواننا أجلاً يوافوننا إليه ، وموطنًا يَلَقَوننا فيه ؛ فأما الأجل فغُرّةُ
٥٠٣/٢ شهر ربيع الآخر سنة خمس وستين، وأمّا الموطن الذى يلقوننا فيه فالنُّخيلة.
أنتم الذين لم تزالوا لنا شيعة وإخواناً ، وإلا وقد رأينا أن ندعوكم إلى هذا الأمر
الذى أراد الله به إخوانكم فيما يزعمون ، ويُظهرون لنا أنهم يتوبون، وإنكم
جُدَرَاءُ بتَطْلاب الفضل، والتماس الأجر ، والتوبة إلى رّبكم من الذنب،
ولو كان فى ذلك حزُّ الرقاب، وقتلُ الأولاد ، واستيفاء الأموال ، وهلاك
العشائر؛ ما ضرّ أهلَ عذراء الذين قُتلوا ألّ يكونوا اليوم أحياءً عند رَبّهم
يُرزقون، شهداء قد لَقُوا اللّه صابرين محتسبين، فأثابهم ثوابَ الصابرين
- يعنى حُجراً وأصحابه- وما ضرّ إخوانكم المُقْتَّلين صَبْرًا، المُصلَّبِين
ظُلمًا ، والممثَّل بهم ، المعتدى عليهم، ألّ يكونوا أحياء مبتليْن بخطايا كم،
قد خِيرَ لهم فلقوا ربهم، ووفّاهم الله إن شاء اللّه أجرهم، فاصبروا رحمكم الله
على البأساء والضرّاء وحينَ البأس، وتوبوا إلى اللّه عن قريب؛ فوالله إنكم
لأحرياء ألّ يكون أحدٌ من إخوانكم صبر على شىء من البلاء إرادة ثوابه
إلا صبرتم التماسَ الأجر فيه على مثله، ولا يطلب رضاءَ اللّه طالبٌ بشىء
من الأشياء ولو أنه القتلُ إلا طلبتم رضا الله به. إنّ التقوى أفضلُ الزّاد
فى الدنيا ، وما سوى ذلك يبور ويَفنى، فلتعزِف عنها أنفسكم ، ولتكن
رغبتُكم فى دارٍ عافيتكم، وجهاد عدوّ اللّه وعدوّ كم، وعدوّ أهل بيت نبيكم
(١) سورة الشعراء: ٢٢٧.

سنة ٦٤
٥٥٧
حتى تقدموا على الله تائبين راغبين، أحيانا الله وإياكم حياة طيّبةً، وأجارنا ٠٠٤/٢
وإيّاكم من النار، وجعل منايانا قتلاً فى سبيله على يدى أبغض خلقه إليه وأشدّهم
عداوةٌ له؛ إنه القدير على ما يشاء، والصانع لأوليائه فى الأشياء؛ والسلام عليكم .
قال : وکتب ابن صُرّد الكتاب و بعث به إلى سعد بن حذيفة بن اليمان
مع عبد الله بن مالك الطائىّ، فبعث به سعد حين قرأ كتابه إلى مَن كان
بالمدائن من الشيعة ، وكان بها أقوامٌ من أهل الكوفة قد أعجبتهم فأوطنوها
وهم يقدمون الكوفة فی کلّ حین عطاء ورِزْق ، فيأخذون حقوقهم، وينصرفون
إلى أوطانهم، فقرأ عليهم سعد كتابَ سليمان بن صرد. ثمّ إنه حمد الله وأثنى
عليه ثمّ قال: أما بعد ، فإنكم قد كنتم مجتمعين مُزْمِعِين على نصر الحسين
وقتال عدوّه، فلم يَفْجأكم أوّلُ من قتله، واللّه مثيبُكم على حُسن النِيَّة وما
أجمعتم عليه من النصر أحسنَ المثوبة ، وقد بعثَ إليكم إخوانُكم يستنجدونكم
ويستمدّ ونكم، ويدعونكم إلى الحق" وإلى ما ترجون لكم به عندالله أفضلَ الأجر
والحظّ ، فماذا ترون ؟ وماذا تقولون ؟ فقال القوم بأجمعهم : نجيبُهم ونقاتل
معهم ، ورأينا فى ذلك مثل رأيهم .
فقام عبد الله بن الحنظل الطائىّ ثم الحِزْمِرىّ، فحَمِدِ اللّهَ وأثنى عليه ثم
قال : أما بعد ، فإنا قد أجبنا إخواننا إلى ما دعونا إليه، وقد رأينا مثل
الذى قد رَأوْا، فسرّحْنى إليهم فى الخيل، فقال له: رويداً، لا تعجلْ،
استعدّوا للعدّو، وأعدّوا له الحرب، ثمّ نسير وتسيرون .
وكتب سعد بن حذيفة بن اليمان إلى سليمانَ بن صُرَّد مع عبد الله بن
مالك الطائىّ :
بسم الله الرّحمن الرّحيم . إلى سليمان بن صرد، من سعد بن حذيفة ٠٥/٢.
ومن قبله من المؤمنين ، سلام عليكم ، أما بعد، فقد قرأنا كتابك ، وفهمنا
الذى دعوْتَنا إليه من الأمر الذى عليه رأىُ الملا من إخوانك ، فقد
هُدِيتَ لحظك ، ويُسِّرتَ لِرُشدك، ونحن جادّون مجدُّون،معدُّون مُسرِ جون
مُلْجِمون ننتظر الأمر، ونستمع الداعى ؛ فإذا جاء الصَّريخ أقبَلْنا ولم نُعَرّج
إن شاء اللّه ؛ والسلام .

٥٥٨
سنة ٦٤
فلما قرأ كتابه سليمان بن صُرَد قرأه على أصحابه ، فسُرّوا بذلك .
قالوا : وكتب إلى المثنّى بن مخرِّبة العبدىّ نسخة الكتاب الذى كان كتب
به إلى سعد بن حذيفة بن اليمان وبعث به مع ظَبْيان بن مُمارة التميمىّ من بنى
سعد ، فكتب إليه المثنى : أما بعد ، فقد قرأت كتابك ، وأقرأته إخوانك،
فحمدوا رأيك، واستجابوا لك، فنحن مُوافُوك إن شاء اللّه للأجل الذى ضربت
وفى الموطن الذى ذكرت ؛ والسلام عليك . وكتب فى أسفل كتابه :
على أَتْلِعِ الهادی أَجَشَّ هَزِیم.
تبَصَّرْ كأَنِّى قد أتيتُك مُعْلِماً
مُلِحٌّ على فأْسِ اللجام أَزُومِ
طويلِ القَرَانَهْدِ الشَّوَاةِمِقَلَّصٍ
مُحِسٌّلِعَضّ الحربِ غيرِ سئُومٍ
بكلٌّ فَتَّى لا يملأُ الرَّوْعِ نَحرَه
ضَرُوبٍ بِنَصلِ السيفِ غيرِ أَثيم
أَخى ثقةٍ يَنِوى الإِله بِسَعْیهِ
قال أبو مخنف لوط بن يحيى، عن الحارث بن حصيرة ، عن عبد الله بن
سعد بن نفيل، قال : كان أوّل ما ابتدعوا به من أمرهم سنة إحدى وستين، وهی
السنة التى قُتلَ فيها الحسين رضى الله عنه ، فلم يزل القومُ فى جمع آلة
الحرب والاستعداد للقتال ، ودعاء الناس فى السرّ من الشيعة وغيرها إلى الطلب
بدم الحسين ، فكان يجيبهم القوم بعد القوم ، والنّفَر بعد النّفر .
فلم يزالوا كذلك وفى ذلك حتى مات يزيدُ بنُ معاوية يومَ الخميس لأربع
عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأوّل سنة أربع وستين ، وكان بين قتل
الحسين وهلاك يزيد بن معاوية ثلاث سنين وشهران وأربعة أيام ، وهلك يزيدُ
وأمير العراق عبيدُ اللّه بن زياد ، وهو بالبصرة ، وخليفته بالكوفة عمرو بن
حُريث المخزومىّ ، فجاء إلى سليمان أصحابه من الشيعة ، فقالوا : قدمات
هذا الطاغية ، والأمر الآن ضعيف ، فإن شئت وثَبنا على عمرو بن حريث
فأخرجْناه من القصر، ثمّ أظهرنا الطلبَ بدم الحسين، وتتبّعنا قَتَلَتّه ، وَدعوْنا
الناس إلى أهل هذا البيت المستأثر عليهم ، المدفوعين عن حقهم ، فقالوا فى
ذلك فأكثروا؛ فقال لهم سليمان بن صُرَد: رُويدًا، لا تعجلوا ، إنى قد نظرت
فيما تذكرون، فرأيت أنّ قتَلَّة الحسين هم أشراف أهل الكوفة، وفُرسان العرب
وهم المطالبون بدمه ، ومتى علموا ما تريدون ، وعلموا أنهم المطلوبون ، كانوا
٥٠٦/٢

٥٥٩
سنة ٦٤
أشدّ علیکم . ونظرت فیمن تبعنی منکم فعلمت أنهم لو خرجوا لم يدركوا ثارهم،
ولم يتشفُوا أنفسَهم، ولم ينكوا فى عدوّهم، وكانوا لهم جَزَراً، ولكن بُثّوا ٥٠٧/٢
دُعاتكم فى المصر، فادعوا إلى أمركم هذا، شيعتكم وغيرَ شيعتكم، فإنّ أرجو أن
يكون الناس اليومَ حيث هلك هذا الطاغية أسرعَ إلى أمركم استجابةٌ منهم
قبل هلاكه . ففعلوا ؛ وخرجتْ طائفة منهم دعاةٌ يدعون الناس ، فاستجاب
لهم ناسٌ كثير بعد هلاك يزيد بن معاوية أضعافُ مَن كان استجاب لهم
قبل ذلك .
قال هشام: قال أبو مخنف: وحدّثنا الحصين بن يزيدَ، عن رجل من مُزينة
قال: ما رأيتُ من هذه الأمة أحداً كان أبلغَ من عبيد الله بن عبدالله المرّىّ فى.
مَنَطِقٍ ولا عظة، وكان من دعاةٍ أهل المصر زمانَ سليمان بن صُرَد، وكان
إذا اجتمعت إليه جماعةٌ من الناس فوعظهم بدأ بحَمْد الله والثناء عليه والصلاة
على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يقول: أما بعد، فإنّ الله اصطفى محمداً
صلى الله عليه وسلم على خلقه بنبوَّته، وخصّه بالفضل كلِّه، وأعزكم باتباعه
وأكرمكم بالإيمان به ، فحقَن به دماءكم المسفوكة، وأمّن به سُبُلَكم المَخُوفة،
﴿وَكُنْتُمْ عَى شَفَاحُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَ كُمْ مِنْهَا، كَذْلِكَ يُبَيُِّ اللهُ
لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُون﴾(١). فهل خلق ربكم فى الأولين والآخرين أعظم
حقًّا على هذه الأمة من نبيها؟ وهل ذرّية أحد من النبيين والمرسلين أو غيرهم أعظمُ حقًّاً
على هذه الأمة من ذرية رسولها ؟ لا والله، ما كان ولا يكون. لله أنتم! ألمْ ترَوْا
ويبلغكم ما اجتُرِم إلى ابن بنت نبيِّكم! أما رأيتم إلى انتهاك القوم حُرمتَه ،
واستضعافِهِم وَحدته، وترميلِهِم إيّاه بالدّم، وتجرارهِمُوه على الأرض! ٥٠٨/٢
لم يرقُبُوا فيه ربّهم ولا قرابته من الرسول صلى الله عليه وسلم؛ اتّخذوه للنبل
غرضًا، وغادروه للضّباع جَزَرًا، فِلِلّه عينًا من رأى مثله! ولله حسين بن
علىّ ، ماذا غادروا به ذا صِدْق وصَبْر ، وذا أمانة ونجدة وحزم !
ابنُ أوّل المسلمين إسلامًا، وابن بنت رسول ربّ العالمين، قلَّتِ حُماته،
وكثرت عُداتُه حولَه، فقتَلَه عدوُّه ، وخذَلَه وليَّه. فويل للقاتِل، وملامة
(١) سورة آل عمران: ١٠٣.

٥٦٠
سنة ٦٤
للخاذلِ! إنّ اللّه لم يجعل لقاتله حُجّة، ولا لخاذله مَعْذرةً، إلاّ أن يناصح
اللّه فى التوبة ، فيجاهد القاتلين ، وينابذَ القاسطين ؛ فعسى الله عند ذلك أن
يقبل التوبة ، ويُقيل العثرة؛ إنا ندعوكم إلى كتاب الله وسنة نَبيّه، والطلبٍ
بدماء أهل بيته، وإلى جهاد المُحلِّين والمارقين، فإن قُتلنا فما عند اللّه خيرٌ
للأبرار ، وإن ظَهَرَنا ردَدْنا هذا الأمر إلى أهل بيت نبيِّنَا.
قال : وكان يعيد هذا الكلامَ علينا فى كلّ يوم حتى حفظه عامّتنا .
قال : ووثب الناس على عمرو بن حُرَيث عند هلاك يزيد بن معاوية، فأخرجوه
من القصر، واصطلحوا على عامر بن مسعود بن أميّة بن خلف الجُمَحىّ .
وهو دُحْرُوجة الجُعَل الذى قال له ابنُ همّام السّلُولىّ :
اشددْ يديْك بزيدٍ إِنْ ظفِرْتَ بِهِ واشِفِ الأَرامِلَ مِن دُخْرُوجَةِ الجُعَلِ(١)
وكان كأنه إبهامٌ قِصَراً، وزيد مولاه وخازنُهُ، فكان يصلّى بالناس.
وبايع لابن الزبير ، ولم يزل أصحاب سليمانَ بن صُرَد يدعون شعيتهم. وغيرهم
٥٠٩/٢ من أهل مصرهم حتى كثر تبعهم ، وكان الناس إلى اتباعهم بعد هلاك يزيد
ابن معاوية أسرعَ منهم قبل ذلك ، فلما مضت ستّة أشهر من هلاك يزيد
ابن معاوية ، قدم المختارُ بن أبى عُبيد الكوفة ، فقدم فى النصف من شهر
رمضان يومَ الجمعة . قال: وقدم عبد الله بن يزيد الأنصارىّ ثمّ الخطمىّ
مِن قِبَل عبد الله بن الزبير أميرًا على الكوفة على حربها وثَغرِها ، وقدم
معه من قِبَل ابن الزبير إبراهيمُ بن محمد بن طلحة بن عبيد الله الأعرج
أميرًاً على خراج الكوفة ، وكان قدوم عبد الله بن يزيدَ الأنصارىّ ثمّ الخطمىّ
يومَ الجمعة لثمان بقين من شهر رمضان سنة أربع وستين .
قال : وقدم المختار قبل عبد الله بن يزيد وإبراهيم بن محمد بثمانية أيام،
ودخل المختار الكوفة ، وقد اجتمعت رءوس الشيعة ووجوهُها مع سليمان بن صُرّد
فليس يتعد لونه به ، فكان المختار إذا دعاهم إلى نفسه (٢) وإلى الطلب بدم الحسين
قالت له الشيعة : هذا سليمان بن صُرَد شيخ الشيعة ، قد انقادوا له واجتمعوا
(١) فى اللسان: ((الدحروجة: ما يدحرجه الجعل من البنادق)).
(٢) ف: ((لنفسه)).