Indexed OCR Text

Pages 421-440

٤٢١
سنة ٦١
إلا وجه الله الذى خلق الأرض بقدرته ، ويبعث الخلق فيعودون ، وهو فرد
وحدَه ، أبى خيرٌ منى، وأمى خيرٌمنى، وأخى خيرٌ منى، ولى ولهم ولكل مسلم
برسول الله أسوة ؛ قال: فعزّاها بهذا ونحوه ، وقال لها : يا أخيّةٌ ، إنى أقسم
عليك فأبرِّى قَسمى ، لا تشقِىّ علىْ جيبًا، ولا تخمِشى علىّ وجهاً ،
ولا تَدْعى علىّ بالوَيْلِ والثّبُور إذا أنا هلكتُ ؛ قال : ثم جاء بها حتى
أجلسها عندى ، وخرج إلى أصحابه فأمرهم أن يقرّبوا بعض بيوتهم من بعض ،
وأن يُدخلوا الأطناب بعضها فى بعض ، وأن يكونوا هم بين البيوت إلا الوجه
الذى يأتيهم منه عدوّهم .
قال أبو مخنف : عن عبد الله بن عاصم، عن الضحّاك بن عبد الله
المِشْرَ فِىّ ، قال : فلما أمسى حسين وأصحابه قاموا الليلَ كلَّه يصلّون
ويستغفرون، ويَدْعون ويتضرّعون؛ قال: فتمرّ بنا خيلٌ لهم تحرسنا، وإنّ
حسينًا ليقرأ: ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا
نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ «مَا كَانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى
مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾(١). فسمِعَهَا رجل من
تلك الخيل التى كانت تحرسنا، فقال: نحن وربّ الكعبة الطيِّبون، مُيِّزنا منكم.
قال : فعرفتُه فقلتُ لبُرَيْر بن حُضَير : تدرى من هذا ؟ قال : لا ؛ قلت
هذا أبو حَرْب السَّبِيعِىّ عبد الله بن شهروكان مِضْحاكًا بَطّالا، وكان
شريفًا شُجاعًا فاتكاً ، وكان سعيد بن قيس ربما حبسه فى جناية - فقال
له بُرَير بن حُضَير: يا فاسق، أنت يجعلك الله فى الطيِّبين! فقال له: مَن
أنت؟ قال: أنا بُرَيْر بن حُضَير؛ قال: إنا لله! عزّ علىَّ! هلكت واللّه،
هلكت والله يا بُرَير! قال: يا أبا حرب، هل لك أن تتوب إلى الله من ذنوبك
العظام ! فوالله إنا لنحن الطيِّبون، ولكنكم لأنتم الحَبِيثون؛ قال: وأنا على
ذلك من الشاهدينَ ، قلتُ: ويحك! أفلا ينفعك معرفتُك! قال : جُعلت
فداك! فمن ينادم يزيدَ بن عذرة العَشَزَىّ من عشّز بن وائل! قال : ها هو
ذا معى ؛ قال : قبح اللّه رأيك على كلّحال! أنت سفيه. قال: ثم انصرف
٣٢٥/٢
١
(١) سورة آل عمران: ١٧٨، ١٧٩ .

٤٢٢
سنة ٦١
عنّا، وكان الذى يحرُسنا بالليل فى الخيل عَزْرة بن قيس الأحْمسىّ، وكان
على الخيل ؛ قال : فلما صلّ عمر بن سعد الغداةَ يوم السبت- وقد بلغنا
أيضًا أنه كان يوم الجمعة ، وكان ذلك اليوم يوم عاشوراء - خرج فيمن معه
من الناس .
٣٢٦/٢
قال: وعبّأ الحسين أصحابَه، وصلّى بهم صلاةَ الغداة، وكان معه
اثنان وثلاثون فارسًا وأربعون راجلا ، فجعل زهير بن القين فى ميمنة أصحابه ،
وحبيبَ بن مُظاهر فى ميسرة أصحابه ، وأعطى رايتَه العباس بن علىّ أخاه ،
وجعلوا البيوت فى ظهورهم ، وأمر بحطب وقصب كان من وراء البيوت يُحرق
بالنار مخافة أن يأتوهم من ورائهم . قال : وكان الحسين عليه السلام أتى بقصب
وحطب إلى مكان من ورائهم منخفض كأنه ساقية ، فحفروه فى ساعة من
الليل، فجعلوه كالخندق، ثمّ القَوْا فيه ذلك الخطب والقصب، وقالوا: إذا عَدَوْا
علينا فقاتَلُونا ألقَيْنا فيه النار كيلا نُؤْتَى من ورائنا ، وقاتلنا القوم من وجه
واحد . ففعلوا ، وكان لهم نافعًا .
قال أبو مخنف : حدثنى فُضيل بن خديج الكندىُّ ، عن محمد بن
بشر، عن عمرو الحضرمىّ ، قال : لما خرج عمر بن سعد بالناس كان على
رُبْع أهل المدينة يومئذ عبدُ الله بن زهير بن سُليم الأزديّ، وعلى رُبْع مَذْحِج
وأسَد عبدالرحمن بن أبى سَبْرة الجعفى٣(١) ، وعلى رُبْع ربيعة وكِنْدة قيس بن
الأشعث بن قيس ، وعلى ربع تميم وهمْدان الحرّ بن يزيد الرّياحىّ؛ فشهد
هؤلاء كلُّهم مقتلَ الحسين إلا الحُرّ بن يزيد فإنه عدل إلى الحسين،
وقُتل معه . وجعل عمرُ على ميمنته عَمْرو بنَ الحجّاج الزُّبيدىّ، وعلى ميسرته
شَمر بن ذى الجوْشن بن شُرَحبيل بن الأعور بن عمر بن معاوية ــ وهو
الضَّبَاب بن كلاب- وعلى الخيل عَزْرة بن قيس الأحمسّىّ، وعلى الرّجال
شَبَث بن رِبْعِىّ الرياحىّ، وأعطى الراية ذوَيدًا(٢) مولاه.
قال أبو مخنف : حدثنى عمرو بن مرَّة الجملىّ، عن أبى صالح الحنفىّ،
(٢) ابن الأثير: ((دريداً)).
(١) ط: ((الحنفى))، وانظر الفهرس.

٤٢٣
سنة ٦١
٣٢٧/٢
عن غلام لعبد الرّحمن بن عبد ربه الأنصارىّ ، قال : كنت مع مولاى ،
فلما حضر الناس وأقبلوا إلى الحسين، أمر الحسينُ بفُسطاط فضُرب ، ثم أمر
بمسك فميثَ فى جَفْنة عظيمة أو صَحْفة؛ قال : ثم دخل الحسين ذلك
الفُسْطاطَ فتطلّى بالنُّورة. قال: ومولاى عبدُ الرحمن بنُ عبدِ رَبه وبُرَّير
ابن حُضَّير الهمْدانىّ على باب الفُسْطاط تحتكّ مناكبهما ، فازدحما
أيهما يَطّلى على أثره ، فجعل بُريتريهازل عبد الرحمن، فقال له عبدالرحمن:
دعنا ، فوالله ما هذه بساعة باطل، فقال له بُرَير: والله لقد علم قومى أنى
ما أحببتُ الباطلَ شابًّا ولا كتَهْلا، ولكنْ والله إنّى لمستبشرٌ بما نحن لاقُون،
واللّه إنْ بيننا وبين الحور العين إلا أن يميل هؤلاء علينا بأسيافهم، ولَوددتُ
أنهم قد مالوا علينا بأسيافهم. قال : فلما فرغ الحسين دخلنا فاطّلينا؛ قال:
ثمّ إنّ الحسين ركب دابته ودعا بمصحف فوضعه أمامَه؛ قال: فاقتتل
أصحابُه بين يديه قتالا شديداً، فلما رأيتُ القوم قد صُرِعوا أفلَتّ وتركتُهم.
قال أبو مخنف ، عن بعض أصحابه، عن أبى خالد الكاهلىّ، قال :
لما صبّحت الخيل الحسينَ رفع الحسين يديه، فقال: اللهمّ أنت ثقِى فى كلّ
كرب، ورجائى فى كلّ شدّة، وأنت لى فى كلّ أمر نزّل بى ثقة وعُدّة،
كم من همّ يتَضعُف فيه الفؤاد، وتقلّ فيه الحيلة ، ويخذل فيه الصديق ،
ويَشمَت فيه العدوّ، أنزلتُه بك، وشكوته إليك، رغبةً منى إليك عمّن
سواك، ففرَّجتَه وكشفتَه، فأنت ولىّ كلّ نعمة ، وصاحب كلّ حسنة ،
ومُنْتَهَى كلّ رغبة .
قال أبو مخنف: فحدّثنى عبد الله بن عاصم، قال: حدثنى الضحاك ٢٢٨/٢
المشرقىّ، قال : لما أقبلوا نحونا فنظروا إلى النار تضطرم فى الحطب والقصب
الذى كنا ألهبنا فيه النار من ورائنا لئلّ يأتونا مِن خَلفنا، إذْ أقبل إلينا منهم
رجل يتركُض على فرس كامل الأداة، فلم يكلّمنا حتى مرّ على أبياتنا ، فنظر
إلى أبياتنا فإذا هو لا يرى إلاّ حطبًا تلتهب النار فيه ، فرجع راجعًا ، فنادى
بأعلى صوته : يا حسين ، استعجلتَ النارَ فى الدنيا قبل يوم القيامة ! فقال

٤٢٤
سنة ٦١
الحسين : مَن هذا ؟ كأنه شَمِر بن ذى الجَوْشن! فقالوا: نعم، أصلحك
اللّه! هوهو، فقال: يابن راعية المِعْزَى، أنت أوْلى بها صليًّا؛ فقال
له مسلم بن عَوْسَجَة: يابن رسول الله، جُعِلتُ فِداك! ألا أرميه بسهم! فإنه
قد أمكننى ، وليس يَسقُط [منى] سهم، فالفاسق من أعظم الجبّاربن؛ فقال له
الحسین : لا ترمه، فإنى أكره أن أبدأهم ، و کان مع الحسین فرس له بُدْعی
لاحقًا حمل عليه ابنته علىّ بن الحسين؛ قال : فلما دنا منه القوم عاد
براحلتِهِ فركبها ، ثم نادى بأعلى صوته دُعاءً يُسمِعِ جُلَّ الناس:
أيها الناس؛ استمعوا قولى، ولا تُعجِلونى حتى أعظكم بما لحقُ لكم على، وحتى
أعتذرَ إليكم من مقد مى عليكم، فإن قبلتم عذرى ، وصدَّ قتم قولى ، وأعطيتمونى
النَّصف ، كنتم بذلك أسعد، ولم يكن لكم علىّ سبيل ، وإن لم تقبلوا منّى
العذر، ولم تُعْطُوا النَّصّف من أنفسكم ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَ كُمْ وَثُرَ كَاءَ كُمْ ثُمَّ لَا
يَكُنْأَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةٍ ثُمْ أَقْضُوا إِلىّ ◌َلَا تُنْظِرُون﴾(١)؛ ﴿إِنَّ وَلِّىَ اللهُ الَّذِى
نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَولَّى الصَّالِحِينَ﴾(٢). قال: فلما سمع أخواته كلامه هذا
صِحْن وبكيْن، وبكى بناته فارتفعت أصواتُهنّ، فأرسل إليهنّ أخاه العباس
ابن علىّ وعليًّا ابنه، وقال لهما: أسكتاهنَّ، فَلعمری لیکثرن بكاؤهنّ؛
قال : فلما ذهبا ليُسكتاهنّ قال: لا يَبْعد ابن عباس ؛ قال: فظننا أنه إنما
قالها حين سُمِع بكاؤهنّ ، لأنه قد كان نهاه أن يخرج بهنّ ، فلما سكتن
حَمد الله وأثنى عليه، وَذَكَرَ اللّهَ بما هو أهلُه، وصلى على محمّد صلى الله
عليه وعلى ملائكته وأنبيائه ، فذكر من ذلك ما اللّه أعلم وما لا يُحصى ذكرُه.
قال: فوالله ما سمعتُ متكلِّمًا قطّ قبْلَه ولا بعده أبلغَ فى منطق منه ؛ ثم قال:
أمّا بعد، فانسبونى فانظروا مَن أنا، ثم ارجعوا إلى أنفسكم وعاتِبوها، فانظروا؛
هل يحلّ لكم قتلى وانتهاكُ حرمتى؟ ألستُ ابنَ بنت نبيكم صلى اللّه عليه وسلم
وابنَ وصِّيه وابن عمّه ، وأوَّل المؤمنين بالله والمصدّق لرسوله بما جاء به من عند
رَبّه! أوَ ليس حمزة سيد الشهداء عمّ أبى ! أوَ ليس جعفر الشهيد الطيّار
٣٢٩/٢
(١) سورة يونس: ٨١.
(٢) سورة الأعراف: ١٩٦ .

٤٢٥
سنة ٦١
ذو الجناحين عمِى! أو لم يبلغكم قول مستفيض فيكم: إنّ رسول الله صلى الله
تعالى عليه وآله وسلم قال لى ولأخى: «هذان سيّدًا شباب أهل الجنة))! فإن
صدَّ قَتمونى بما أقول - وهو الحقّ- فوالله ما تعمَّدت كذبًا مذ علمتُ أنّ اللّه
يمقت عليه أهله، ويضرّبه من اختلقه، وإن كذَّ بتمونى فإنّ فيكم مَن إن سألتموه
عن ذلك أخبَرَ كم ؛ سَدُوا جابرَ بنَ عبد الله الأنصارىّ ، أو أبا سعيد
الحُدْرىّ ، أو سهل بن سعد الساعديّ، أو زید بن أرقم ، أوأنس بن مالك ؛
يخبروكم أنهم سمعوا هذه المقالة من رسول الله صلى الله عليه وسلم لى ولأخى.
أفَما فى هذا حاجز لكم عن سَفْك دمى! فقال له شمر بن ذى الجوشن:
هو يتعبد الله على حَرْفٍ إن كان يدرى ما يقول ! فقال له حبيب بن مُظاهر:
والله إنى لأراك تعبُد الله على سبعين حرفًا، وأنا أشهد أنكصادق ما تدری
ما يقول ؛ قد طبع اللّهُ على قلبك؛ ثم قال لهم الحسين: فإنْ كنتم فى شكّ
من هذا القول أفتشكون أثَرًا ما أنّى ابنُ بنت نبيكم! فوالله ما بين المشرق
والمغرب ابن بنت نبيّ غيرى منكم ولا من غيركم ، أنا ابن بنت نبيكم خاصّة .
أخبر ونى، أُتطلبونی بقتیل منکم قتلتُه ، أو مال لكم استهلكته ، أو بقصاص
من جراحة؟ قال : فأخذوا لا يكلمونه ؛ قال: فنادى: يا شَبَت بن رِبْعىّ،
وياحجّار بن أبجر، وياقيس بن الأشعث ، ويايزيد بن الحارث ، ألم تكتبوا
إلىّ أن قد أبْنعَت الثمار، واخضر الجناب، وطمَّت الحمام(١)، وإنما
تقدُّم على جند لك ◌ُمُنَّد ، فأقبِلْ! قالوا له : لم نفعل ؛ فقال : سبحان
اللّه! بلى والله، لقد فعلتم ؛ ثم قال: أيها الناس، إذْكرهتمونى فدعونى
أنصرف عنكم إلى مأمسَى من الأرض ؛ قال : فقال له قيس بن الأشعث :
أوَ لا تنزل على حكم بنى عمّك، فإنهم لن يُرُوك إلا ما تحبّ ، ولن يصل
إليك منهم مكروه ؟ فقال الحسين : أنت أخو أخيك ، أتريد أن يطلبك
بنو هاشم بأكثر من دم مسلم بن عقيل ؛ لا والله لا أعطيهم بيدى إعْطَاء
الذليل، ولا أقرُّ إقرار العبيد. عباد الله، إنى عُذْتُ بربّى وربكم أن تَرجُمون
٣٣٠/٢
(١) لم الماء: علا وغمر. والحمام: جمع جمة؛ وهو المكان يجتمع فيه الماء.

٤٢٦
سنة ٦١
٣٣١/٢ أعوذ بربى وربكم من كلّ متكبِّر لا يؤمن بيوم الحساب؛ قال: ثمّ إنه أناخ
راحلته ، وأمر عقبة بن سِمْعان فعقلها ، وأقبلوا يزحفون نحوه .
قال أبو مخنف : فحد ◌ّثنی على بن حنظلة بن أسعد الشامىّ، عن رجل
من قومه شهد مقتل الحسين حين قُتِل يقال له كثير بن عبد اللّه الشعبىّ ؛
قال : لما زحفنا قِبَل الحسين خرج إلينا زهير بن قَيْن على فرس له ذنوب (١)،
شاك فى السلاح ، فقال : يا أهْلَ الكوفة ، نَذارِ لكم من عذاب الله
نذار! إنّ حقًّا على المسلم نصيحة أخيه المسلم، ونحن حتى الآن إخوة ،
وعلى دين واحد وملّة واحدة ، ما لم يقع بيننا وبينكم السيف ، وأنتم للنصيحة
منا أهلٌ ، فإذا وقع السيف انقطعت العصمة، وكنا أمّة وأنتم أمة، إنَّ اللّه
قد ابتلانا وإياكم بذرّيّة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم لينظر ما نحن وأنتم عاملون،
إذا ندعوكم إلى نصرهم وخذلان الطاغية عبيد الله بن زياد ، فإنكم لا تدركون
منهما إلا بسوء ◌ُمْرَ سلطانهما كلِّه، ليسملانٌّ أعينكم، ويقطّعانٌ أيديكم
وأرجلكم ، ويمثّلانٌ بكم، ويرفعانكم على جُذُوع النخل، ويقتِّلانٌ أماثلكم
وقُرّاءَ كُم، أمثال حجر بن عديّ وأصحابه، وهانى بن عروة وأشباهه؛ قال:
فسبُّوه، وأثنَوا على عبيد الله بن زياد، ودعوا له ، وقالوا: والله لانبرح حتى
تقتل صاحبك ومَنْ معه، أو نبعثَ به وبأصحابه إلى الأمير عُبيد اللّه سِلْمًا؛
فقال لهم: عبادَ الله، إنّ ولد فاطمة رضوان الله عليها أحقّ بالود" والنصر
من ابن سُمَيّة ، فإنْ لم تنصروهم فأعيذكم بالله أن تقتلوهم؛ فخلّوا بين الرجل
وبين ابن عمه يزيد بن معاوية، فلَعمرى إنَّ يزيد ليرضى من طاعتكم بدون
قتل الحسين ؛ قال: فرَماه شَمِر بن ذى الجوْشن بسهم وقال : اسكتْ
أسكتَ اللّه نأمَتك، أبرمْتَنا بكثرة كلامك! فقال له زهير: يا بنَ البَوّال
على عَقِبيْه، ما إيّاك أخاطب، إنما أنت بهيمة، والله ما أظنك تُحكمٍ من
كتاب اللّه آيتَين، فأبشِرْ بالخزى يومَ القيامة والعذاب الأليم ؛ فقال له
شمِر : إنّ اللّه قاتلك وصاحبك عن ساعة؛ قال : أفبالموت تُخوّفِى !
٣٣٢/٢
(١) فرس ذنوب : وافر شعر الذنب.

٤٢٧
سنة ٦١
فوالله للموت معه أحبّ إلىَّ من الخُلد معكم ؛ قال: ثمّ أقبل على الناس رافعًا
صوته ، فقال : عباد الله، لا يغر نكم من دینکم هذا الجلف الجافی وأشباهه،
فوالله لا تنال شفاعةُ محمد صلى اللّه عليه وسلم قومًا هَراقوا دماء ذُرّيته وأهل
بيته ، وقتلوا مَن نصرهم وذَّ عن حريمهم ؛ قال: فناداه رجل فقال له : إنّ
أبا عبد الله يقول لك: أقبل ، فلعمرى لئن كان مؤمنُ آل فرعون نصح
لقومه وأبلغ فى الدعاء، لقد نصحت لهؤلاء وأبلغت لو نفع النصح والإبلاغ !
قال أبو مخنف: عن أبى جّاب الكَلْبِىّ، عن عدىٍّ بن حرملة،
قال : ثمّ إنّ الْخُرّ بن يزيد لما زحف عمر بن سعد قال له: أصلحك الله!
مُقاتِلٌ أنت هذا الرجل ؟ قال: إى واللّه قتالاً أيسرُه أن تسقط الرءوسُ
وتطيح الأيدى ؛ قال: أفما لكم فى واحدة من الخصال التى عرض عليكم رضًا ؟
قال عمر بن سعد: أما والله لو كان الأمر إلىَّ لفعلت، ولكنّ أميرك قد أبى
ذلك ؛ قال : فأقبل حتى وقف من الناس موقفًا ، ومعه رجل من قومه يقال
له قرّة بن قيس ، فقال : يا قرّة ، هل سقيتَ فرستَكَ اليوم ؟ قال : لا ؛
قال : إنما تريد أن تسقيمه ؟ قال : فظننت والله أنه یرید أن يتنحی فلا يشهد
القتالَ ، وكره أن أراه حين يصنع ذلك ، فيخاف أن أرفعه عليه ؛ فقلت له :
لم أسقه ، وأنا منطلِقٍ فساقيه ؛ قال : فاعتزلت ذلك المكان الذى كان فيه ؛
قال : فوالله لو أنه أطلعنى على الذى يريد لخرجت معه إلى الحسين؛ قال :
فأخذ يدنو من حُسين قليلاً قليلاً ، فقال له رجل من قومه يقال له المهاجر
ابن أوس : ما تريد يابن يزيدَ ؟ أتريد أن تحمل ؟ فسكت وأخذه مثل
العُرَوَاءِ(١)، فقال له يابن يزيد، والله إنّ أمرك لمريب، والله ما رأيتُ منك
فى موقف قطّ مثلَ شىء أراه الآن ، ولو قيل لى : من أشجع أهل الكوفة
رجلا ما عدوْتُك ، فما هذا الذى أرى منك! قال : إنى والله أخيِّر نفسى بين
الجنة والنار، ووالله لا أختار على الجنة شيئاً ولو قُطُّعتُ وحُرّقت؛ ثم ضرب
فرستَه فلحِقِ بحسين عليه السلام ، فقال له : جعلنى اللّه فداك يابن رسول
اللّه! أنا صاحبك الذى حبستُك عن الرجوع، وسايرتُك فى الطريق ،
٣٣٣/٢
(١) العرواء كغلواء: الرعدة تكون من الحمى.

٤٢٨
سنة ٦١
٣٣٤/٢
وجَعجعتَ بك فى هذا المكان ، والله الذى لا إله إلا هو ما ظننت أنّ القوم
يردّون عليك ما عرضتَ عليهم أبداً، ولا يبلغون منك هذه المنزلة . فقلت فى.
نفسى : لا أبالى أن أطيع القوم فى بعض أمرهم ، ولا يرون أنى خرجتُ من
طاعتهم ، وأمّا هم فسيقبلون من حسين هذه الخصال التى يعرض عليهم ، ووالله
لو ظننت أنهم لا يقبلونها منك ماركبتُها منك؛ وإنّى قد جئتك تائبًا مما كان
منى إلى ربى ، ومواسيًا لك بنفسى حتى أموت بين يديك، أفترى ذلك لى توبة؟
قال: نعم، يتوب الله عليك، ويغفر لك، ما اسمك ؟ قال: أنا الخرّ بن
يزيد؛ قال: أنت الخرّ كما سمّتك أمك، أنت الحرّ إن شاء اللّه فى الدنيا
والآخرة ؛ انزلْ؛ قال : أنا لك فارسًا خيرٌ منَّ راجلاً ، أقاتلهم على فرسى
ساعة ، وإلى النزول ما يصير آخر أمرى. قال الحسين : فاصنع يرحمك
اللّه ما بدا لك. فاستقدم أمامَ أصحابه ثم قال : أيّها القوم، ألا تقبلون من
حسين خَصلةً من هذه الخصال التى عرض عليكم فيعافيتكم الله من حربه
وقتاله ؟ قالوا : هذا الأمير عمر بن سعد فكلّمْه، فكلّمَه بمثل ما كلمه به
قبل، وبمثل ما كلّم به أصحابه؛ قال عمر : قد حرصتُ، لو وجدتُ إلى
ذلك سبيلاً فعلت، فقال: يا أهل الكوفة، لأمَّكم الهَبَعَل والعُبْرِ (١) إذْ
دعوتهموه حتى إذا أتاكم أسلمتُموه ، وزعمتم أنكم قاتلو أنفسكم دونه ، ثم
عدوتم عليه لتقتلوه ، أمسكتم بنفسه، وأخذتم بكتَظمه ، وأحطتم به من كل
جانب ، فمنعتموه التوجّهَ فى بلاد الله العريضة حتى يأمن ويأمن أهلُ بيته،
وأصبح فى أيديكم كالأسير لايملك لنفسه نفعًا، ولا يدفع ضرًّا، وحَلأ تموه(٢)
ونساءه وأصَيْبِيَتَه وأصحابه عن ماء الفرات الجارى الذى يشربه اليهودى
والمجوسىّ والنصرانىّ، وتمرَّغُ (٣) فيه خنازير السواد وكلابه، وها هم أولاءقد صرعهم
العطش، بئسما خلفتم محمَّداً فى ذريته! لا سقاكم الله يومَ الظما إن لم تتوبوا
وتسَنزعوا عما أنتم عليه من يومكم هذا فى ساعتكم هذه . فحملتْ عليه رَجَّالة
٣٣٥/٢
(١) العبر: سخنة العين.
(٢) حلاً تموه عن الماء: صدد تموه عنه ومنعتموه إياه. وفى ابن الأثير: ((ومنعتموه)).
(٣) ابن الأثير: ((ويتمرغ)).

٤٢٩
سنة ٦١
لهم ترميه بالنَّبل ؛ فأقبل حتى وقف أمام الحسين .
قال أبو مخنف ، عن الصّقعب بن زهير وسليمان بن أبى راشد ، عن
حمید بن مسلم، قال: وزحف عمر بنسعد نحوهم ، ثم نادى:یا ذويد ،أدْن
رايتَك؛ قال: فأدناها ثم وضع سهمَه فى كبد قوسه، ثمّ ربى فقال :
اشهَدوا أنى أوّل مَنْ رمى .
قال أبو مخنف : حدّثنى أبو جناب ، قال : كان منّا رجل يُدعى
عبدَ الله بن ◌ُمير، من بنى عُليم، كان قد نزل الكوفة، واتّخذ عند بئر الجَعْد
من هَمْدَان داراً، وكانت معه امرأةٌ له من النَّمِر بن قاسط يقال لها أمّ
وهب بنت عبد، فرأى القوم بالنُّخيلة يُعرّضون ليُسرَّحوا إلى الحسين، قال:
فسأل عنهم ، فقيل له : يسرّحون إلى حسين بن فاطمة بنت رسول اللّه صلى اللّه
عليه وسلم ؛ فقال : والله لقد كنتُ على جهاد أهل الشرك حريصًا ، وإنى
لأرجو ألا يكون جهاد هؤلاء الذين يغزون ابن بنت نبيّهم أيسرَ ثوابًا عند الله
من ثوابه إيّاى فى جهاد المشركين؛ فدخل إلى امرأته فأخبرها بما تسمع، وأعلَمها
بما يريد، فقالت: أصبتَ أصاب اللّه بك أرشدَ أمورك، افعلْ وأخرجتى
معك ؛ قال : فخرج بها لَيْلاً حتى أتى حسيناً ، فأقام معه ، فلما دنا منه
عمر بن سعد ورمی بسھم ارتمی الناس ، فلما ارموا خرج یسار مولی زیاد بن
أبى سفيان وسالم مولى عُبيد الله بن زياد، فقالا: مَنْ يبارز؟ ليخرجْ إلينا
بعضكم، قال: فوثب حبيب بن مُظاهر وبُرَيْرُ بن حُضَيْر ، فقال لهما
حسين : اجلسا ؛ فقام عبد الله بن عمير الكلبىّ فقال: أبا عبد الله ، رحمك.
اللّه! ائذن لى فلأخرج إليهما؛ فرأى حسين رجُلا آدم طويلا شديد
الساعدين بعيدَ ما بين المنكبين، فقال حسين: إنّى لأحسبه للأقران قتَّالا،
اخرجْ إن شئتَ؛ قال: فخرج إليهما، فقالا له: مَنْ أنت ؟ فانتَسَب
لهما ، فقالا : لا نعرفك ، ليخرجْ إلينا زهير بن القَيْن أو حبيب بن مُظاهر
أوبُرّير بن حُضَير، ويسار مُستنتِلٌ(١) أمامَ سالم، فقال له الكلبىّ: يابن الزانية،
وبك رغبةٌ عن مُبارزة أحدمن الناس، وما يخرج إليك أحد من الناس إلا وهو
٣٣٦/٢
(١) استنتل للأمر : استعدّ له.

٤٣٠
سنة ٦١
خير منك ؛ ثمّ شدَّ عليه فضربه بسيفه حتى برد ، فإنه لمشتغل به بضربه بسيفه
إذ شدّ عليه سالم ، فصاح به : قد رَهَقَك العبد ؛ قال : فلم يأبه له حتى
غشيَه فبدَرَه الضّربة، فاتَّقاه الكلبىّ بيده اليسرى ، فأطار أصابع كفِّه
اليسرى، ثم مال عليهالكلبىّ فضربه حتى قتله، وأقبل الكلبى مرتجزا وهو يقول،
وقد قتلهما جميعاً :
حَسْبِىَ بَيْتِى فى عُلَيمٍ حَسْبٍ
إِنْ تُنكُروِنِ فأَنا ابن كلبٍ
ولستُ بالخَوَّارِ عندَ النَّكْبِ
إنى امرُؤٌ ذو مِرّةٍ وَعَصْبٍ
بالطعنِ فيهِمْ مُقدِماً والضربِ
إِنِّى زعيمٌ لكِ أُمَّ وهب
ضَرْبٍ غُلام مؤمنٍ بِالرَّبِّ .
#
فأخذتْ أمّ وهب امرأته عموداً ، ثم أقبلتْ نحو زوجها تقول له : فداك
أبى وأمى! قاتِلْ دون الطيِّبين ذريّة محمد، فأقبل إليها يردّها نحو النّساء
فأخذتْ تجاذب ثوبَه، ثمّ قالت: إنى لن أدَعَك دون أن أموت معك ،
فناداها(١) حسين ، فقال: جُزيتم من أهلٍ بيت خيراً ، ارجعى رحمك الله
إلى النساء فاجلسى معهنّ ، فإنه ليس على النساء قتال ؛ فانصرفت إليهنّ .
قال : وحتمَل عمرو بن الحجّاج وهو على ميمنة الناس فى الميمنة، فلما أن
دنا من حسين جََّوْا له على الرُّكَب، وأشرّعوا الرماح نحوهم ، فلم تقدم
خيلهم على الرماح، فذهبت الخيل لترجع ، فرَشَقُوهم بالنَّبل ، فصرعوا
منهم رجالا ، وجَرَحوا منهم آخرين .
قال أبو مخنف : فحدثنى حسين أبو جعفر، قال: ثمّ إنّ رجلاً من بنى
تميم - يقال له عبد الله بن حَوْزة - جاء حتى وقف أمام الحسين ، فقال :
يا حسين، يا حسين! فقال حسين : ما تشاء ؟ قال : أبشرْ بالنار ؛ قال :
كلّ ، إنى أقدم على ربّ رحيم ، وشفيع مطاع ، من هذا ؟ قال له أصحابه :
هذا ابن حَوْزة؛ قال : ربِّ حُزْه إلى النار ؛ قال: فاضطرب به فرسُه فى
(١) ف: ((فنادى)).
٣٢٧/٢

٤٣١
سنة ٦١
جدْ وَل فوقع فيه، وتعلّقتْ رجلُه بالركاب، ووقع رأسُه فى الأرض ،
ونَفَر الفرس، فأخذ يمرُّ به فيضرب برأسه كلّ حجرٍ وكلّ شجرة حتى
مات .
قال أبو مخنف: وأمَّا سُوَيَد بن حَيَّة؛ فزعم لى أنّ عبد الله بن حَوْزة
حين وقع فرسه بقيتْ رجلُه اليسرى فى الركاب ، وارتفعت اليُمنى فطارت ،
وعَدَاً به فرسُه يضرب رأسه كلَّ حَجَر وأصل شجرة حتى مات .
٣٣٨/٢
قال أبو مخنف عن عطاء بن السائب، عن عبد الجبّار بن وائل الحضرمىّ،
عن أخيه مسروق بن وائل، قال: كنتُ فى أوائل الخيل ممن سار إلى الحسين ،
فقلت : أكون فى أوائلها لعلّى أصيب رأسَ الحسين، فأصيب به منزلةً عند
عُبيد الله بن زياد ؛ قال: فلما انتهينا إلى حسين تقدّم رجلٌ من القوم يقال
له ابن حَوْزة ، فقال: أفيكم حسين؟ قال: فسكَت حسينٌ؛ فقالها ثانية ،
فأسكت حتى إذا كانت الثالثة قال: قولوا له: نَعَمَ، هذا حسين ، فما حاجتُك؟
قال : يا حسين ، أبشرْ بالنار؛ قال : كذبتَ، بل أقدم على ربُّ غفور
وشفيع مطاع ، فمن أنت ؟ قال: ابن حَوْزة؛ قال؛ فرفع الحسين يديهحتى
رأينا بياض إبطَيْه من فوق الثياب ثم قال: اللهمّ حُزْه إلى النار؛ قال :
فغضب ابنحوزة، فذهب ليُقحم إلیه الفرس وبينه وبينه نهر ؛ قال: فعلقتْ
قدمُه بالرّ كاب ، وجالت به الفرس فسقط عنها ؛ قال : فانقطعت قدمه
وساقُهُ وفخذُه، وبقىَ جانبه الآخر متعلقًا بالرّ كاب. قال: فرجع مسروق
وترك الخيلَ من ورائه ؛ قال : فسألتُه، فقال: لقد رأيتُ من أهل هذا البيت
شيئاً لا أقاتلهم أبداً ؛ قال : ونشب القتال .
٢
قال أبو مخنف : وحد ٹی یوسف بن یزید، عن عقیف بن زهير بن
أبى الأخنس - وكان قد شهد مقتل الحسين - قال : وخرج يزيد بن معقل
من بنى عميرة بن ربيعة وهو حليف لبنى سليمة من عبد القيس، فقال: يا بُرَير
ابن حُضَّيَر، كيف ترى اللّه صَنَعَ بك! قال: صنع اللّهُ واللّهِ بى خيراً ،

٤٣٢
سنة ٦١
وصنع اللّه بك شرًّا ؛ قال : كذبتَ، وقبل اليوم ما كنت كذَّابًا ، هل
تذكر وأنا أماشيك فى بنى لوذان وأنت تقول : إنّ عثمان بن عفان كان على
٣٣٩/٢ نفسه مسرفًا، وإنّ معاوية بن أبى سُفْيان ضالّ مُضلّ، وإن إمام الهدى
والحقّ علىّ بن أبى طالب؟ فقال له برير: أشهد أنّ هذا رأيى وقولى ؛ فقال
له يزيد بن معقل: فإنّى أشهد أنك من الضالين؛ فقال له بسُرَير بن حُضَير:
هل لك فلْأُ باهِلْكَ (١)، ولندْعُ اللّهَ أن يلعن الكاذب وأن يقتل المبطل ،
ثمّ اخرجْ فلأبارزك؛ قال: فخرجا فرفعا أيديهما إلى الله يدعوانه أن يلعن
الكاذب ، وأن يقتل المُحَقُّ المبطلَ ؛ ثم برز كلّ واحدمنهما لصاحبه ،
فاختلفا ضربتين، فضرب يزيدُ بن معقل بُرَيْر بنَ حُضير ضربةً خفيفة
لم تضرّه شيئًا، وضربه برير بن حضير ضربةً قدّت المغفَر ، وبلغت
الدّمَاغَ، فخرَّ كأنما هَوَى من حالق، وإن سيف ابنَ حُضير لثابت فى
رأسه ، فكأنى أنظر إليه يُنْضْنضه(٢) من رأسه، وحمل عليه رضىّ بن مُنقذ
العبدىّ فاعتنق بُرَيْرًا، فاعتركا ساعةً. ثمّ إنّ بُريراً قعد على صدره فقال
رضىّ : أين أهل المصاع (٣) والدفاع ؟ قال : فذهب كعب بن جابر بن
عمرو الأزدىّ ليحمل عليه، فقلت: إنَّ هذا بُرَير بن حُضير القارئ الذى
كان يقرئنا القرآن فى المسجد ؛ فحمل عليه بالرّمح حتى وضعه فى ظهره ، فلمَّا
وجد مسَّ الرّمح برك عليه فعضّ بوجهه، وقطع طرف أنفه ، فطعنه كعب
ابن جابر حتى ألقاه عنه ، وقد غيَّب السنانَ فى ظهره ، ثمّ أقبل عليه يضربه
بسيفه حتى قتله ؛ قال عفيف : كأنى أنظر إلى العبدىِّ الصريع قام ينفُض
الترابَ عن قبائه، ويقول: أنعمت علىّ يا أخا الأزد نعمةً لن أنساها أبداً؛
قال : فقلت : أنت رأيت هذا ؟ قال: نعم ، رأىَ عينى وسُمْعَ أذنى .
٣٤٠/٢
فلمَّا رجع كعب بن جابر قالت له امرأته، أو أخته الذَّوار بنت جابر :
(١) باهل القوم بعضهم بعضاً وتباهلوا وابتهلوا: تلاعنوا، والمباهلة: الملاعنة؛ ومعنى المباهلة
أن يجتمع القوم إذا اختلفوا فى شىء فيقولوا : لعنة الله على الظالم منا.
(٢) ينضنضه ؛ أى يحركه .
(٣) المصاع : المجالدة .

سنة ٦١
٤٣٣
أعنتَ على ابن فاطمةَ ، وقتلتَ سيِّد القُرَّاء؛ لقد أتيتَ عظيمًا من الأمر ،
واللّه لا أكلِّمك من رأسى كلمةً أبداً.
وقال كعب بن جابر :
غَدَاةَ حُسينِ والرّمَاحُ شوارعُ
سَلِ تُخْبَرَى عنّى وأنتِ ذميمةٌ
علىَّ غداةَ الرَّوْعِ ما أَنا صانعُ
ألم آتِ أُقصى ما كرهتٍ وَلَم يُخِلْ
مِعِى يَزَنىِّ لم تَخُنْه كعوبُهُ
فجرَّدْتُه فى عُصبةٍ ليس دينُهمْ
وَأَبْيضُ مخشوبُ الفِرَارين قاطع (١)
بدينى وإنَّی بابنِ حربٍ لقانمُ
ولا قبلَهم فى الناس إذا أَنا يافعُ
ولم تَر عيْنِى مِثلهم فى زمانِهِمْ
أَشدَّ قِراعاً بالسيوفِ لدى الوَغَى
ألا كلُّ منْ يحمِى الدِّمارَ مُقارعُ
وقد نازلوا لو أَنَّ ذلك نافعُ
وقد صبرُوا للطعنِ والضربِ حُسَّرًا
بأَنِّى مُطِيعٌ للخليفةِ سامعُ
فأَبلغْ عبيد اللّهِ إِمّاً لِقِيتَه
أَبا مُنقذِ لمَّا دعا: مَن يُماصعُ؟
قَتَلتُ بُريراً ثم حَمَّلْتُ نِعمةً
قال أبو مخنف: حدّثنى عبد الرحمن بن جُندَب، قال : سمعتُه فى إمارة
مُصْعَب بن الزَّبير؛ وهو يقول: يارب" إنا قد وَفيْنا، فلاتجعلنا ياربّ كمن
قد غدر ؛ فقال له أبى : صدق، ولقد وَفَتَى وكَرُم، وكَسبتَ لنفسك
شرًّا؛ قال: كلا ، إنّى لم أكسب لنفسى شرًّا، ولكنّ كسبتُ لها خيراً.
قال : وزعموا أن رضىّ بن منقذ العبدىّ ردًّ بعدُ على كعب بن جابر
جوابَ قوله ، فقال :
ولا جعَل النَّعْماءَ عندى ابْنُ جابر
لو شاءَ ربّى ما شهدتُ قِتَالَهُمْ
يُعَيَّرُهُ الأَبناءُ بعد المعاشِ
لقد كانَ ذاك اليومُ عارًا وُسُبَّةً
ویوم حُسينٍ کنت فی رَمْسِ قابٍ
فياليتَ أَنى كنتُ مِن قبلِ قتلِهِ
(١) اليزنى: الرمح؛ وسميت الرماح یزنية ؛ لأن أول من عملت له ذو یزن . وسیف مخشوب ،
أى شحيذ . وغرارا السيف : حدّاه .

٤٣٤
سنة ٦١
قال: وخرج عمرو بن قَرَظَة الأنصارىُ يقاتل دون حسين وهو يقول(١):
٣٤١/٢
أَنِّى سَأَحْمِى حوْزَةَ الدِّمارِ
قد علمَتْ كِتِيبَةُ الأَنصار
دون حسينٍ مُهجتى ودارِى (٢)
ضَرْبَ غُلامِغِیرِ نِكْسِ شارِی
قال أبو مخنف : عن ثابت بن هبيرة ، فقتل عمرو بن قَرظة بن كعب ،
وكان مع الحسين، وكان علىّ أخوه مع عمر بن سعد، فنادى علىُ بنُ قريظة:
يا حسينُ، يا كذّاب ابن الكذّاب، أضللتَ أخى وغررتَه حتى قتلتَه. قال :
إنّ اللّه لم يضلّ أخاك، ولكنه هدى أخاك وأضلّك؛ قال: قَتلنى اللّهُ إن
لم أقتلك أو أموتَ دونك؛ فحمَل عليه ، فاعترضه نافع بن هلال المرادىّ ، فطعنه
فصرعه ، فحمله أصحابُه فاستنقذوه ، فدُورِى بعدُ فبَرَأْ .
قال أبو مخنف: حدثنى النّضر بن صالح أبو زهير العبسىّ أنّ الحرّ بن
يزيدَ لما لحق بحسين قال رجل من بني تميم من بنى شقرة وهم بنو الحارث بن
تميم ، يقال له يزيد بن سُفيان: أما واللّلو أنى رأيتُ الحُرّ بنَ يزيدَ حين خرج
لأتبعته السَّنان ؛ قال: فبينا الناس يتجاولون ويقتتلون والحرّ بن يزيدَ يَحمل
على القوم مقدماً ويتمثَّل قولَ عَشْترة :
وَلَبَانِهِ حتَّى تَسَرِبَلَ بالدَّم (٢)
ما زِلتُ أَرْميِهِمْ بِثُغْرَةِ نَحْرِهِ
قال : وإنّ فرسه لمضروب على أذنيه وحاجبه ، وإن دماءه لَتَسيل،
فقال الحصين بن تميم- وكان على شُرطة عبيد اللّه، فبعثه إلى الحسين ، وكان
مع عمر بن سعد، فولآه عمر مع الشرطة المجففة (٤) ليزيد بن سُفْيان: هذا
الحرّ بن يزيد الذى كنت تتمنىّ؛ قال: نعم فخرج إليه فقال له : هل لك
ياحرّ بن يزيد فى المبارزة؟ قال : نعم قد شئتُ ، فبرز له ؛ قال : فأنا
سمعتُ الحصين بن تميم يقول: والله لأبرز له ؛ فكأنما كانت نفسُه فى يده ،
(٢) ف: ((جنّى ودارى)).
٣٤٢/٢
(١) ف: ((يرتجز)).
(٣) من المعلقة ٢٠٤ - بشرح التبريزى. واللبان: الصدر.
(٤) المجففة: اللابسة التجفاف، بكسر التاء؛ اسم آلة الحرب يلبسه الفرس والإنسان ليقيه.
فى الحرب .

٤٣٥
سنة ٦١
فما لبثه الحرّ حين خرج إليه أن قتله .
قال هشام بن محمّد ، عن أبى مخنف، قال: حدثنى يحيى بن هانئ بن
عروة، أنّ نافع بنَ هلال كان يقاتل يومئذ وهو يقول: ((أنا الجَمَلِى،
أنا عَلى دينٍ عَلَى)).
قال : فخرج إليه رجل يقال له مُزاحم بن حُرّيث، فقال : أنا على دين
عثمان ، فقال له : أنت على دين شيطان، ثمّ حمل عليه فقتله، فصاح عمرو
ابن الحجّاج بالناس: يا حَمفى، أتدرون من تقاتلون! فرسان المِصْر؛ قومًاً
مستميتين، لا يبرزنَّ لهم منكم أحد ، فإنهم قليل ، وقدّما يبقون ، واللّه لو لم
ترموهم إلا بالحجارة لقتلتموهم ؛ فقال عمر بن سعد: صدقت ، الرأىُ ما رأيتَ،
وأرسل إلى الناس يعزم عليهم ألّ يبارز رجلٌ منكم رجلاً منهم .
قال أبو مخنف : حدثنى الحسين بن عقبة المرادىّ ، قال : الزّبيدى :
إنه سمع عمرو بن الحجّاج حين دنا من أصحاب الحسين يقول : يا أهل الكوفة،
الزَموا طاعتكم وجماعتكم، ولا ترتابوا فى قتل من مَرَق من الدّين ، وخالف
الإمام، فقال له الحسين: ياعمرو بن الحجّاج، أعلىَّ تحرّض الناس ؟ أنحن
مَرّقنا وأنتم ثبتُم عليه؟ أما والله لتعلمنّ لو قد قبضتْ أرواحكم، ومِتُّم على
أعمالكم، أيّنا مَرّق من الدّين، ومَن هو أولى بصلىّ النار! قال: ثمّ إنّ
عمرو بن الحجاج حمل على الحسين فى ميمنة عمر بن سعد من نحو الفُرات،
فاضطربوا ساعةً ؛ فصرِع مسلم بن عَوْسجة الأسدىّ أول أصحاب الحسين،
ثم انصرف عمرو بن الحجاج وأصحابه، وارتفعت الغبرة، فإذا هم به صريع،
فمشى إليه الحسين فإذا به رَمَقٌ، فقال: رحمك ربُّك يا مسلم بن عوسجة،
﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾(١).
ودنامنه حبيب بن مظاهر فقال: عزَّ علىَّ مصرعُك يا مسلم ، أبشر بالجنة ،
فقال له مسلم قولاً ضعيفًا: بشَّرك الله بخير! فقال له حبيب : لولا أنى
٣٤٣/٢
(١) سورة الأحزاب: ٢٣.

٤٣٦
سنة ٦١
أعلم أنّى فى أثرك لاحقً بك من ساعتى هذه لأحببتُ أن توصینی بكل
ما أهَّك حتى أحفَظَك فى كلّ ذلك بما أنت أهلّله فى القرابة والدّين؛ قال:
بل أنا أوصیك بهذارحمك الله - وأهوی بیدہ إلیالحسین- أن تموتدونه،
قال : أفعل وربِّ الكعبة ؛ قال : فما كان بأسرع من أن مات فى أيديهم ،
وصاحت جاريةٌ له فقالت: يا بن عوسجتاه"! يا سيداهْ! فتنادى أصحاب
عمرو بن الحجاج: قتلْنا مسلمَ بنَ عوسجة الأسدىّ ؛ فقال شَبَث لبعض
من حوله من أصحابه : ثكلِّتْكم أمهاتكم ! إنما تقتلون أنفسكم بأيديكم ،
وتذللون أنفسكم لغيركم ، تفرحون أن يُقْتَّل مثل مسلم بن عوسجة ! أما والذى
أسلمت له لِرُبَّ موقفٍ له قد رأيته فى المسلمين كريم ! لقد رأيته يوم سلقٍ
آ ذربيجان قَتَل ستّةً من المشركين قبل تتامّ خيول المسلمين ، أفيُقُتل منكم
مثله وتفرحون !
قال : وكان الذى قتل مسلم بن عَوْسجة مسلمُ بن عبد اللّه الضَّبَانِىّ
وعبد الرحمن بن أبى خُشكارة البَجَلَىّ. قال: وحمل شَمر بن ذي الجَوْشن
فى الميسرة على أهل الميسرة فثبتوا له، فطاعتنوه وأصحابه ، وحمل على حسين
وأصحابه من كلّ جانب، فقُتل الكلبىّ وقد قَتّل رجلين بعد الرّجلين
الأوّلتين ، وقاتل قتالا شديداً، فحمل عليه هانئ بن ثُبَيْت الحضرمىّ وبُكير
ابن حتىّ التّيمىّ، من تيم اللّه بن ثعلبة، فقَتّلاه، وكان القتيل الثانى من
أصحاب الحسين ، وقاتلهم أصحابُ الحسين قتالا شديداً ، وأخذتْ خيلُهم
تحمل وإنما هم اثنان وثلاثون فارساً ، وأخذتْ لا تحمل على جانب من خيل
أهل الكوفة إلا كشفتْه ، فلما رأى ذلك عَزْرَة بن قيس- وهو على خيل أهل
الكوفة۔۔ أن خیله تنكشف منكل جانب، بعث إلى عمر بن سعد عبد الرحمن
ابن حصن، فقال: أما ترى ما تلقى خيلى مذ اليوم من هذه العِدّة اليسيرة !
ابعث إليهم الرّجال والرّماةَ؛ فقال لشَبَت بن رِبْعىّ: ألا تقدم إليهم!
فقال : سبحان اللّه! أتعمد إلى شيخ مُضَر وأهلِ المصر عامة تبعثه فى الرّماة !
لم تجد مَنْ تندب لهذا ويجزئ عنك غيرى! قال: وما زالوا يرون من شَبَث
الكراهةَ لقتاله . قال: وقال أبو زهير العبسىّ: فأنا سمعتُه فى إمارة مصعب
٢٤٤/٢

ا
٤٣٧
سنة ٦١
يقول: لا يعطى اللّه أهلَ هذا الحصر خيراً أبداً، ولا يسدّدهم لرُشْد، ألا
تعجبون أنّا قاتلْنا مع على بن أبى طالب ومع ابنه من بعده آلَ أبى سُفْيان
خمسَ سنين، ثم عدَوْنا على ابنه وهو خير أهل الأرض نقاتلُه مع آل معاوية
وابن سميّة الزانية ! ضلاليا لك من ضلال !
٣٤٥/٢
قال : ودعا عمر بن سعد الحصينَ بن تميم فبعث معه المجففة وخمسمائة من
المرامية ، فأقبلوا حتى إذا دفَوْا من الحسين وأصحابه رشَقُوهم بالنَّبل، فلم
يَكْبَئوا أن عقروا خيولهم ، وصاروا رَجَّالة كلِّهم .
قال أبو مخنف : حدّثّى نُمير بن وَعْلة أن أيّوب بن مِشْرَح الخيْوانىّ
كان يقول: أنا واللّه عقرتُ بالحُرّ بن يزيدَ فرسه، حشأتُهُ(١) سهماً، فما
لبث أن أرعد الفرس واضطرب وكبا ، فوَئب عنه الحرّ كأنه ليث والسيف فى
يده وهو يقول :
أَشْجَعُ مِن ذِى لِبَدٍ هزَبْر
إِن تَعْقِرُوا بی فأَنا ابنُ الحُرِّ
قال : فما رأيت أحداً قط يفرى فرْيَه؛ قال: فقال له أشياخٌ من الحىّ:
أنت قتلتَه ؟ قال : لا والله ما أنا قتلتُه، ولكنْ قتلَه غيرى، وما أحبّ أنى
قتلتُه، فقال له أبو الودّاك: ولِمَ؟ قال: إنه كان زعموا من الصّالحين، فوالله
لئن كان ذلك إثماً لأنْ ألقى الله بإثم الجراحة والموقف أحب إلىّ من أن
ألقاه بإثم قتل أحد منهم؛ فقال له أبو الودّاك: ما أراك إلا ستلقى اللّه بإثم
قتلهم أجمعين؛ أرأيت لو أنكرميت ذا فعقرت ذا، ورميت آخر، ووقفتَ موقفاً،
وكررتَ عليهم ، وحرّضتَ أصحابك، وكثَّرت أصحابك، وحُمل عليك
فكرهت أن تفرّ ، وفعل آخر من أصحابك كفعلك ، وآخر وآخر ، كان
هذا وأصحابه يقتلون! أنتم شركاءُ كلكم فى دمائهم ؛ فقال له: يا أبا الودّاك،
إنك لتَقنَّطنا من رحمة الله، إن كنتَ ولىّ حسابنا يوم القيامة فلا غفر الله
لكَ إِنْ غفرتَ لنا ! قال : هو ما أقول لك ؛ قال : وقاتلوهم حتى انتصف
٣٤٦/٢
(١) حشأه بالسهم ، أى رماه فأصاب به جوفه.

٤٣٨
سنة ٦١
النهار أشدَّ قتال خلقه الله، وأخذوا لا يقدرون على أن يأتوهم إلّا من وجهٍ
واحد لاجتماع أبنيتهم وتقارُبِ بعضِها من بعض .
قال : فلما رأى ذلك عمر بن سعد أرسل رجالاً يقوِّضونها عن أيمانهم
وعن شمائلهم ليحيطوا بهم ؛ قال : فأخذ الثلاثة والأربعة من أصحاب الحسين
یتخلّلون البیوت فیشدّون على الرجل وهو يقوّضٍ وینتهب فيقتلونه ویرمُونه من
قريب ويعقرونه ، فأمر بها عمر بن سعد عند ذلك فقال : أحرقوها بالنار ،
ولا تَدخُلُوا بيتًا ولا تقوّضوه ، فجاءوا بالنار، فأخذوا يحرّقون ، فقال حسين :
دَعُوهم فليحرقوها ، فإنهم لو قد حرَّقوها لم يستطيعوا أن يجوزوا إليكم منها ،
وكان ذلك كذلك ، وأخذوا لا يقاتلونهم إلاّ من وجه واحد. قال : وخرجت
امرأة الكلبىّ تمشى إلى زوجها حتى جلستْ عند رأسه تمسح عنه التراب وتقول:
هنيئًا لك الجنّة! فقال شمِر بن ذى الجوْشَن لغلام يسمَّىَّ رُستَمَ: اضرِب
رأستها بالعمود ؛ فضرب رأسها فشَدَخه ، فماتت مكانتها ؛ قال : وَحَمَل
شمر بن ذي الجوشن حتى طعن (١) فسطاط الحسين برمحه، ونادى: علىّ بالنار
حتى أحرّقَ هذا البيت على أهله ؛ قال : فصاح النساء وخرجن من الفسطاط ؛
قال : وصاح به الحسين : يابن ذي الجوشن، أنت تدعو بالنار لتحرّق بيتى
على أهلى ، حرّقك اللّه بالنار !
قال أبو مخنف : حدثنى سليمان بن أبى راشد ، عن حُميد بن مسلم ،
قال: قلت لشَمر بن ذي الجوشن: سبحان الله! إنّ هذا لا يصلح لك،
أتريد أن تجمع على نفسك خصلتين. تعذّب بعذاب الله، وتقتل الولدان والنساء!
والله إنّ فى قتلك الرجال لما ترضى به أميرك؛ قال : فقال : من أنت ؟ قال :
قلت : لا أخبرك من أنا ، قال : وخشيتُ واللّه أن لو عرفى أن يضرّى عند
السلطان؛ قال: فجاءه رجل كان أطوَعَ له منى؛ شَبَت بن رِبْعِىّ، فقال:
ما رأيتُ مقالا أسوأ من قولك ، ولا موقفًا أقبحَ من موقفك ، أمُرُعِبًا للنساء
صرتَ ! قال: فأشهد أنه استحيا ، فذهب لينصرف. وحَمَل عليه زهيرُ
ابن القَيْن فى رجال من أصحابه عشرة ، فشدّ على شمر بن ذي الجوشن
٣٤٧/٢
(١) ابن الأثير ((بلغ)).

٤٣٩
سنة ٦١
وأصحابه ، فكشفهم عن البيوت حتى ارتفعوا عنها ، فصَرّعوا أبا عزّة
الضَّبَابىّ فقتلوه ، فكان من أصحاب شَمِر، وتعطّف الناس عليهم فكثر وهم،
فلا يزال الرجل من أصحاب الحسين قد قتل ، فإذا قتل منهم الرّجل والرّجلان
تبيّن فيهم ، وأولئك كثير لا يتبيَّن فيهم ما يقتل منهم؛ قال: فلما رأى ذلك
أبو ثمامة عمرو بن عبد الله الصائدىّ قال للحسين: يا أبا عبد اللّه؛ نفسى لك
الفداء! إنى أرى هؤلاء قد اقتربوا منك، ولا واللّه لا تُقْتَل حتى أُقْتلَ دونك
إن شاء الله، وأحبّ أن ألقى ربى وقد صلّيتُ هذه الصلاةالتى دنا وقتُها ؛
قال : فرفع الحسينُ رأسَه ثم قال : ذكرتَ الصلاة، جعلك الله من المصلّين
الذاكرين ! نعم ، هذا أوّل وقتها ؛ ثم قال: سلوهم أن يكفُّوا عنا حتى نصلّ؛
فقال لهم الحصين بن تميم: إنها لا تُقبَل؛ فقال له حبيب بن مظاهر: لا تُقْبَل
زعمتَ! الصلاة من آل رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تُقبلَ وتُقْبَل
منك يا حمار ! قال : فحمل عليهم حصين بن تميم ، وخرج إليه حبيب بن
مظاهر ، فضرب وجه فرسه بالسيف ، فشبّ ووقع عنه ، وحمله أصحابُه
فاستنقذوه ، وأخذ حبيب يقول :
٣٤٨/٢
أُقْسِمُ لو كُنَّا لكم أَعْدَادًا أَو شَطْرَكُمْ وَلَّيْمُ أَكَتَادَا (١)
* يا شَرَّ قوم حسَباً وَآدا(٢).
قال : وجعل يقول يومئذ :
فارِسُ هيجاءَ وحرب تُسعَرُ
أَنا حبيب وأَبِى مُظاهِرُ
ونحن أَوَفَى منكُمُ وَأَصْبَرُ
وأكثرُ
أَنتُمْ أَعَدُّ عُدَّة
حقًّا وَتقَى منكمُ وأَعْذَرُ
وأَظھرُ
ونحن أُعْلی حُجَّةً
وقائل قتالاً شديداً، فحمَل عليه رجلٌ من بني تميم فضربه بالسيف
على رأسه فقتله - وكان يقال له: بديل بن صُرَيْم من بنى عُقْفان - وحَمَل
(٢) الآد : الأصل.
(١) أكتادا : جماعات .

٤٤٠
سنة ٦١
٣٤٩/٢
عليه آخرُ من بنى تميم فطعنه فوقع، فذهب ليقوم ، فضربه الحصين بن تميم
على رأسه بالسيف ، فوقع ، ونزل إليه التميمىّ فاحتزّ رأسه، فقال له الحصين :
إنّى لشريكك فى قتله ، فقال الآخر: والله ما قتَلَه غيرى؛ فقال الحصين :
أعطنيه أعلَّقْه فى عُنق فرسى كيْما يرى الناسُ ويعلموا أنى شركتُ فى قتله ؛
ثم خذه أنت بعدُ فامضِ به إلى عبيد الله بن زياد، فلا حاجةَ لى فيما تعطاه على
قتلك إياه . قال : فأبى عليه ، فأصلح قومه فيما بينهما على هذا ، فدفع إليه
رأسَ حبيب بن مظاهر ، فجال به فى العسكر قد علّقه فى عنق فرسه ، ثمّ
دفعه بعد ذلك إليه ، فلما رجعوا إلى الكوفة أخذ الآخرُ رأسَ حبيب فعلقه فى
لبان (١) فرسه، ثمّ أقبل به إلى ابن زياد فى القصر فبَصُرُبه ابنُه القاسم بن
حبيب ، وهو يومئذ قد راهق ، فأقبل مع الفارس لا يفارقه، كلَّما دخل القصر
دخل معه ، وإذا خرج خرج معه ، فارتاب به ، فقال : مالك يا بنىّ تتبعنى!
قال : لا شىء ، قال: بلى ، يابنىّ أخبرنى، قال له: إنّ هذا الرأس الذى
معك رأس أبى ، أفتعطينيه حتى أدفنَّه ؟ قال: يا بنىّ، لا يرضى الأميرُ أن
يُدفَن، وأنا أريد أن يثيبَنى الأميرُ على قتله ثوابًا حسنًا؛ قال له الغلام :
لكنّ اللّه لا يثيبك على ذلك إلا أسوأ الثواب؛ أما والله لقد قتلتَ خيراً منك ،
وبكى . فمكث الغلامُ حتى إذا أدرك لم يكن له هنَّةٌ إلا اتّباعُ أثر قاتل أبيه
لیجد منه غرّةً فيقتله بأبيه ، فلما كان زمان مصعب بن الز بير وغزا مصعب
باجُمَيْرا دخل عسكرَ مصعب فإذا قاتِلُ أبيه فى فسطاطه ، فأقبل يختلف
فى طلبه والتماس غِرَّته، فدخل عليه وهو قائلٌ نصفَ النهار فضربه بسيفه
حتى برد .
قال أبو مخنف : حدثنى محمد بن قيس ، قال : لما قُتِل حبيب بن
مظاهر هدّ ذلك حسيناً وقال عند ذلك: أحتَسِب نفسى وحُماةً أصحابى ،
قال : فأخذ الحُرّ يرتجز ويقول:
ولنْ أُصابَ اليومَ إِلاَّ مُقبلاً
آليتُ لا أُقتلُ حتَّى أَقْتُلاَ
(١) لبان الفرس : صدره .