Indexed OCR Text

Pages 381-400

٣٨١
سنة ٦٠
فوجدتهما فى رأيهما وفضلهما كما ذكرت ؛ فاستوصِ بهما خيراً ، وإنه قد
بلغنى أن الحسين بن علىّ قد توجّه نحو العراق ؛ فضَعِ المناظر والمسالح(١)،
واحترس على الظنّ ، وخُذ على التهمة، غير ألا تقتل إلا من قاتلك ، واكتب
إلىّ فى كل ما يتحدّث من الخبر؛ والسلام عليك ورحمة اللّه.
قال أبو مخنف : حدثنى الصقعب بن زهير ، عن عون بن أبى جُحَيَفة ،
قال : كان مُخرَج مسلم بن عَقِيل بالكوفة يوم الثلاثاء لثمانِ ليال مضين
من ذى الحجّة سنة ستين - ويقال يوم الأربعاء لسبع مضَيْن سنة ستين من
يوم عرفة بعد مُخرَج الحسين من مكة مقبلاً إلى الكوفة بيوم - قال : وكان
مُخرَج الحسين من المدينة إلى مكة يومَ الأحد لليلتين بقيَتّا من رجب سنة
ستّين ، ودخل مكة ليلة الجمعة لثلاث مضين من شعبان ، فأقام بمكة شعبان
وشهر رمضان وشوّالاً وذا القعدة ، ثم خرج منها لثمان مضين من ذى الحجة
يوم الثلاثاء يوم التروية فى اليوم الذى خرج فيه مسلم بن عَقِيل .
٢٧٢/٢
وذكر هارون بن مسلم ، عن علىّ بن صالح ، عن عيسى بن يزيد ، أن
المختار بن أبى عُبيد وعبد الله بن الحارث بن نوفل كانا خرجا مع مسلم ، خرج
المختار براية خضراء ، وخرج عبدُ اللّه براية حمراء، وعليه ثياب حُمْر ،
وجاء المختار برايته فركزها على باب عَمرو بن حُريث ، وقال : إنما خرجتُ
لأمنع عمراً، وإن ابن الأشعث والقعقاع بن شَوْر وشَبَث بن رِبِعِىّ قاتلوا مسلمًاً
وأصحابَه عشيّة سار مسلم إلى قصر ابن زياد قتالاً شديداً ، وأن شَبئاً جعل
يقول : انتظروا بهم الليل يتفرقوا ؛ فقال له القعقاع: إنك قد سددتَ على
الناس وجهَ مصيرِهِم ، فافرُج لهم يَنسرِبوا؛ وإن عُبيد اللّه أمر أن يطلب
المختار وعبد الله بن الحارث، وجعل فيهما جُعْلا، فأتىَ بهما فحُبِسا.
(١) المناظر: جمع منظرة؛ وهو الموضع يرقب فيه العدو. والمسالح: جمع مسلحة ؛
وهى موضع يكون فيه أقوام يحملون السلاح ، ويرقبون العدو ؛ لئلا يطرقهم على غفلة .

٣٨٢
سنة ٦٠
[ ذكر مسير الحسين إلى الكوفة ]
وفى هذه السنة كان خروج الحسين عليه السلام من مكّة متوجّهًا إلى
الكوفة .
* ذكر الخبر عن مسيره إليها وما كان من أمره فى مسيره ذلك :
قال هشام عن أبي مخنف : حدثنى الصقعب بن زهير ، عن عمر بن
عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومىّ، قال: لما قدمتْ كتُب أهل العراق
إلى الحسين وتهيّأ للمسير إلى العراق، أتيتُهُ فدخلتُ عليه وهو بمكة ، فحمدت
اللّه وأثنيتُ عليه ، ثم قلت : أما بعد ، فإنى أتيتك يابن عم لحاجة أريد
ذكرَها لك نصيحة ، فإن كنتَ ترى أنك تستنصحنى وإلا كففتُ عما أريد
أن أقول ؛ فقال: قل، (١فوالله ما أظنك بسيّئ الرأى، ولا هوٍ للقبيح من
الأمر والفعل(١) ؛ قال: قلت له : إنه قد بلغنى أنك تريد المسير إلى العراق ،
وإنى مشفقٌ عليك من مسيرك ؛ إنك تأتى بلداً فيه عماله وأمراؤه ، ومعهم بيوتُ
الأموال، وإنما الناسُ عَبَيدٌ لهذا الدرهم والدينار، ولا آمَنُ عليك أن
يقاتلك مَن وعدك نصرَه ، ومَن أنت أحبّ إليه ممن يقاتلك معه؛ فقال
الحسين: جزاك الله خيراً يابن عمّ؛ فقد واللّهِ علمتُ أنك مشيتَ بنُصح،
وتكالمت بعقل، ومهما يُقضَ من أمر يكن، أخذتُ برأيك أو تركتُه، فأنت
عندى أحمدُ مُشيرٍ ، وأنصح ناصح .
قال : فانصرفتُ من عنده فدخلت على الحارث بن خالد بن العاص بن
هشام ، فسألنى : هل لقيتَ حسينً ؟ فقلت له : نعم ؛ قال : فما قال لك ،
وما قلت له؟ قال : فقلت له : قلت كذا وكذا ، وقال كذا وكذا ؛ فقال :
نصحتَه وربِّ المَرْوَة الشَّهباء، أما وربّ البنيَّة إن الرأى لمما رأيته، قَبلهُ أو
تركه ، ثم قال :
وظَنِينٍ بالغَيْبِ يُلْفَى نَصِيحًا
رُبَّ مستنصَحِ بَغُنُّ ومُرْدِی
(١ - ١) ابن الأثير: ((فوالله ما أستغشك، وما أظنك بشىء من الهوى)).
٢٧٣/٢

٣٨٣
سنة ٦٠
قال أبو مخنف: وحد ثنى الحارث بن كعب الوالىّ، عن عقبة(١) بن سِمْعان،
أن حسيناً لما أجمع المسير إلى الكوفة أتاه عبد الله بن عباس فقال: يابن عمّ،
إنك قد أرجف الناسُ أنك سائر إلى العراق ، فبيِّن لى ما أنت صانع ؟ قال :
إنى قد أجمعتُ المسير فى أحد يومىَّ هذين إن شاء الله تعالى ؛ فقال له ابن
عبّاس: فإنى أعيذك بالله من ذلك، أخبِرْنى رحمك الله! أتسير إلى قوم قد
قتلوا أميرَهم ، وضبطوا بلادهم ، ونَفَوْا عَدُوَّهم؟ فإن كانوا قد فعلوا ذلك
فسرْ إليهم، وإن كانوا إنما دَعَوْك إليهم وأميرُهُم عليهم قاهر لهم ، وعمّاله
تّجَبِى بلادهم، فإنهم إنما دعَوَك إلى الحرب والقتال ، ولا آمَن عليك أن
يغرُّوك ويكذبوك ، ويخالفوك ويخذلوك ، وأن يستنفروا إليك فيكونوا أشد
الناس عليك ؛ فقال له حسين : وإنى أستخير الله وأنظر ما يكون .
٢٧٤/٢
قال : فخرج ابن عباس من عنده ، وأتاه ابن الزبير فحدَّثَه ساعةً ،
ثم قال : ما أدرى ما تَرْكُنا هؤلاء القوم وكفُّنا عنهم، ونحن أبناء المهاجرين،
ووُلاة هذا الأمر دونهم! خبّرّنى ما تريد أن تصنع ؟ فقال الحسين: واللّه
لقد حدّثتُ نفسى بإتيان الكوفة، ولقد كتب إلى شِيعتى بها وأشرافُ أهلِها ،
وأستخير الله؛ فقال له ابن الزبير : أما لو كان لى بها مثلُ شيعتك ما عدلتُ
بها ؛ قال : ثم إنه خَشىَ أن يتّهمه فقال : أما إنك لو أقمتَ بالحجاز ثم
أردتَ هذا الأمر هاهنا ما خُولِفَ عليك إن شاء اللّه ؛ ثم قام فخرج من عنده ،
فقال الحسين : ها إنّ هذا ليس شيء يُؤتاه من الدنيا أحب إليه من أن أخرج
من الحجاز إلى العراق ، وقد علم أنه ليس له من الأمر معى شىء ، وأن الناس
لم يتعدِلوه بى ، فودّ أنى خرجت منها لتخلو له .
قال : فلما كان من العشىّ أو من الغد، أتى الحسينُ عبد الله بن العباس
فقال : يابن عمّ إنى أتصبّر ولا أصبر، إنى أتخوّف عليك فى هذا الوجه الهلاك"
والاستئصال ؛ إن أهلَ العراق قوم غُدُر ، فلا تقربنَّهم ، أقم بهذا البلد
فإنك سيّد أهل الحجاز ؛ فإنْ كان أهل العراق يريدونك كما زعموا فاكتب
إليهم فلينفُوا عدوهم، ثم أقدم عليهم، فإن أبيْتَ إلا أنه تخرج فسر إلى اليَمَن
(١) ط: ((عتبة))، والصواب ما أثبته، وانظر الفهرس.
٢٧٥/٢

٣٨٤
سنة ٦٠
فإن بها حصونًا وشعاباً، وهى أرضٌ عريضة طويلة، ولأبيك بها شيعة،
وأنت عن الناس فى عُزْلة ، فتكتب إلى الناس وترسل، وتبثّ ◌ُدُعاتك ، فإنى
أرجو أن يأتيَك عند ذلك الذى تحبُّ فى عافية؛ فقال له الحسين : يابن عمّ ،
إنى واللّه لأعلم أنك ناصحٌ مشْفِقٍ، ولكنّى قد أزمعتُ وأجمعتُ على المسير ؛
فقال له ابن عباس : فإن كنتَ سائراً فلا تِسرْ بنسائك وصبْيَتِك، فوالله
إنى الخائف أن تُقْتَّلَ كما قُتِل عثمان ونساؤه وولده ينظرون إليه. ثم قال
ابن عباس : لقد أقررتَ عينَ ابنِ الزبير بتخلِيَتَك إياه والحجازَ والخروج
منها ، وهو اليوم لا ينظر إليه أحدٌ معك، والله الذى لا إله إلا هو لو أعلم
أنك إذا أخذتُ بشعرِك وناصيتِك حتى يجتمعَ علىَّ وعليك الناسُ أطعتَنِى
لفعلتُ ذلك . قال : ثم خرج ابن عباس من عنده ، فمرَّ بعبد الله بن الزبير ،
فقال: قرَّت عينُك يابن الزبير ! ثم قال :
بالكِ من قُبَّرة بمعَمْرٍ خَلالَكِ الجُّ فبيضِى وَأَصْفِرِى(١)
ونَقْرِى ما شِئتٍ أَنْ تُنَقِّرِى .
*
هذا حسينُ يخرج إلى العراق ، وعليك بالحجاز .
قال أبو مخنف : قال أبو جناب يحيى بن أبى حيّة ، عن عدىّ بن حرملة
الأسدىّ، عن عبد اللّه بن سُليم والمذرىّ بن المشمعلّ الأسَدّيّين قالا:
خرجنا حاجَيْن من الكوفة حتى قدمنا مكة ، فدخلنا يوم التروية ، فإذا نحن
٢٧٦/٢ بالحسين وعبد الله بن الزبير قائمين عند ارتفاع الضحى فيما بين الحُجْر والباب،
قالا : فتقرّبنا منهما، فسمعنا ابن الزبير وهو يقول للحسين : إن شئتَ أن
تقيم أقمت فولِّيْتَ هذا الأمر ، فآزرناك وساعدناك ، ونصحْنا لك وبايعناك ؟
فقال له الحسين : إنّ أبى حدثنى أن بها كبشًا يستحلّ حرمتها، فما أحبّ
أن أكون أنا ذلك الكبش ؛ فقال له ابن الزبير : فأقم إن شئتَ وتولّينى أنا الأمر
فتطاع ولا تُعْصَى ؛ فقال : وما أريد هذا أيضًا ؛ قالا : ثم إنّهما أخفَيَا
(١) ينسب الرجز إلى طرفة ؛ ملحق ديوانه ١٩٣

٣٨٥
سنة ٦٠
كلامهما دوننا ، فما زالا يتناجيان حتى سمعنا دعاء الناس رائحين متوجهين
إلى مِنَّى عند الظهر ؛ قالا :، فطاف الحسين بالبيت وبين الصَّفا والمروة ،
وقصّ من شعره، وحلّ من مُمرته، ثم توجّه نحو الكوفة، وتوجّهنا نحوَ الناس
إلى مِنَّى.
قال أبو مخنف : عن أبى سعيد عَقيصَى ، عن بعض أصحابه ، قال :
سمعتُ الحسينَ بنَ علىّ وهو بمكة وهو واقف مع عبد الله بن الزَّبير ، فقال
له ابن الزبير إلىّ يابن فاطمة ، فأصغى اليه ، فسارّه ، قال : ثم التفت إلينا
الحسين فقال : أتدرون ما يقول ابنُ الزبير ؟ فقلنا : لا ندرى، جعلنا الله
فداك! فقال : قال : أقمْ فى هذا المسجد أجمع لك الناس ؛ ثم قال الحسين :
واللّه لأن أقتَلَ خارجًا منها بشِبْر أحبّ إلىّ من أن أقتَل داخلاً منها بشبْر،
وإيمُ اللّه لو كنت فى جُحْر هامّة من هذه الهواّ لاستخرجوفى حتى يقضوا فىّ
حاجتهم، ووالله ليَعتدُن علىَّ كما اعتدت اليهود فى السَّبت.
قال أبو مخنف : حدثنى الحارث بن كعب الوالىّ ، عن عُقبة بن
سمعان قال: لما خرج الحسين من مكة اعترضه رُسلُ عَمرو بن سعيد بن ٢٧٧/٢
العاص ، عليهم يحيى بن سعيد، فقالوا له : انصرف؛ أين تذهب! فأبى عليهم
ومضى ، وتدافع الفريقان ، فاضطربوا بالسّياط . ثم إن الحسين وأصحابه
امتنعوا امتناعًا قويًا، ومضى الحسين عليه السلام على وجهه ، فنادَوه :
يا حسين ، ألا تتقى الله! تخرُج من الجماعة، وتفرِّق بين هذه الأمة !
فتأوَّل حسينٌ قولَ الله عز وجل: ﴿لِ عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيِئُونَ
مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِىءٌ مِمَّا تَعْمِلُونَ﴾(١).
قال : ثم إن الحسين أقبل حتى مرّ بالتَّنعيم، فلقىَ بها عِيرًا قد أقبِل
بها من اليَمَن ، بعَث بها بَحِير بن رَيْسان الحميرىّ إلى يزيد بن معاوية ،
- وكان عامله على اليمن - وعلى العِير الوَرْسُ والحُلَل يُنطَلَق بها إلى يزيد
(١) سورة يونس: ٤١.

٣٨٦
سنة ٦٠
فأخَذَها الحسين ، فانطلق بها ؛ ثم قال لأصحاب الإبل: لا أكرِهكم، مَن
أحبَّ أن يمضىَ معنا إلى العراق أوْفينًا كِراءه وأحسنا صحبته ، ومن أحبّ
أن يفارقنا من مكاننا هذا أعطيناه من الكراء على قدر ما قطع من الأرض؛
قال : فمن فارقه منهم حوسب فأوفى حقّه، ومَن مضى منهم معه أعطاه كِراءَه
وكساه .
قال أبو مخنف ؛ عن أبى جناب، عن عديّ بن حتَرْملة، عن عبد اللّه
ابن سليم والمذرى قالا : أقبلنا حتى انتهينا إلى الصِّفاح ، فلقينا الفرزدق بن
غالب الشاعر ، فواقف حسينًا فقال له : أعطاك الله سُؤَلَك وأملك فيما تحبّ:
فقال له الحسين: بَيْنْ لنا نبأ الناس خلفك ، فقال له الفرزدق : مِن الخبير
سألتَ ، قلوبُ الناس معك، وسيوفُهم مع بنى أميّة ، والقضاء ينزل من السماء ،
والله يفعل ما يشاء؛ فقال له الحسين: صدقتَ، اللّه الأمر، واللّه يفعل ما
يشاء، وكلّ يوم رُّبنا فى شأن، إن نزل القضاء بما نحبّ فنحمد الله على
نَعمائه، وهو المستعان على أداء الشكر، وإن حال القضاء دون الرّجاء ، فلم
يعتدٍ مَن كان الحقُّ نيّته، والتقوى سريرته، ثم حرّك الحسينُ راحلتَه فقال :
السلام عليك ؛ ثم افترقا .
قال هشام ، عن عَوانة بن الحكم ، عن لَبَطة بن الفرزدق بن غالب ،
عن أبيه ، قال: حججتُ بأمّى ، فأنا أسوق بعيرَها حين دخلت الحرم فى أيام
الحجّ ، وذلك فى سنة ستين ، إذلقيت الحسين بن علىّ خارجًا من مكة معه
أسيافه وتِراسُه، فقلت: لمن هذا القطار ؟ فقيل: للحُسين بن علىّ ، فأتيته
فقلت : بأبى وأمى يا بن رسول اللّه! ما أعجَلك عن الحجّ؟ فقال: لو لم
أعجل لأخِذتُ؛ قال : ثم سألنى: ممن أنت ؟ فقلت له : امْرؤٌ من
العراق؛ قال : فوالله ما فتّشنى عن أكثرَ من ذلك، واكتفى بها منِّى، فقال :
أخبرنى عن الناس خلفك ؟ قال : فقلت له : القلوب معاك ، والسيوف مع
بنى أميّة ، والقضاء بيد اللّه؛ قال: فقال لى: صدقتَ ؛ قال : فسألته عن
أشياءَ ، فأخبرنى بها من نذور ومناسِك ؛ قَال : وإذا هو ثقيل اللسان من
٢٧٨/٢

سنة ٦٠
٣٨٧
برسام(١) أصابَه بالعراق ؛ قال : ثم مضيتُ فإذا بفُسطاط مضروب فى الحرم،
وهيئته حسنة ، فأتيته فإذا هو لعبد الله بن عمرو بن العاص ، فسألنى،
فأخبرتُه بلقاء الحسين بن علىّ، فقال لى: ويلك ! فهلاّ اتّبعتَه، فوالله
ليملكنّ، ولا يجوز السلاح فيه ولا فى أصحابه، قال: فهممت واللّه أن
ألحق به، ووقع فى قلبى مقالته، ثمّ ذكرت الأنبياءَ وقَتْلَهم، فصدَّى ذلك
عن اللَّحاق بهم، فقدمتُ على أهلى بعُسْفَانَ ، قال: فوالله إنى لعندهم إذ
أقبلتْ عِيرٌ قد امتارت من الكوفة ، فلما سمعتُ بهم خرجتُ فى آثارهم حتى
إذا أسمعتُهم الصوت وعجِلْتُ عن إتيانهم صرختُ بهم : ألا ما فعل الحسينُ
ابنُ علىّ؟ قال: فردّوا علىّ: ألا قد قُتل ؛ قال : فانصرفتُ وأنا ألعنُ
عبد الله بنَ عمرو بن العاص ؛ قال: وكان أهلُ ذلك الزمان يقولون ذلك
الأمر، وينتظرونه فى كلّ يوم وليلة. قال: وكان عبدُالله بنُ عمرو يقول :
لا تبلغ الشجرة ولا النخلة ولا الصّغير حتى يظهر هذا الأمر ؛ قال : فقلت
له : فما يمنعك أن تبيع الوَهْط ؟ قال: فقال لى: لعنَةُ اللّه على فلان - يعنى
معاوية - وعليك ؛ قال: فقلت : لا ، بل عليك لعنة اللّه ؛ قال : فزادنى
من اللعن ولم يكن عنده من حشمِهِ أحدٌ فألقى منهم شرًّا ؛ قال : فخرجتُ
وهو لا يعرفنى - والوَهْط حائطٌ لعبد الله بن عمرو بالطائف ؛ قال : وكان
معاوية قد ساوَمَ به عبد الله بنَ عَمرو ، وأعطاه به مالاً كثيراً ، فأبى أن يبيعه
بشىء - قال : وأقبل الحسين مُغِذًا لا يَلوِى على شىء حتى نزل ذاتَ عِرْق.
٢٧٩/٢
قال أبو مخنف : حدثنى الحارث بن كعب الوالىّ ، عن علىّ بن الحسين
ابن علىّ بن أبى طالب قال : لما خرجنا من مكة كتب عبدُالله بن جعفر بن
أبى طالب إلى الحسين بن علىّ مع ابنيه: عَون ومحمد: أما بعد ، فإنّى أسألك
باللّه لَمَّ انصرفت حين تنظر فى كتابى، فإنّ مُشفِقٌ عليك من الوجه الذى
توّجه له أن يكون فيه هلاكُك واستئصالُ أهلِ بيتك ، إن هلكتَ اليومَ
طَفْع نورُ الأرض ، فإنك عَلَمُ المهتدين؛ ورجاء المؤمنين ؛ فلا تعجَل بالسير
(١) البرسام : علة يهذى فيها .

٣٨٨
سنة ٦٠
فإنى فى أثر الكتاب ؛ والسلام .
٢٨٠/٢
قال: وقام عبد الله بنُ جعفر إلى عَمرو بن سعيد بن العاص فكلّمه .
وقال: اكتبْ إلى الحسين كتابًا تَجعَل له فيه الأمان، وتمنّيه فيه البِرّ والصّلة،
وتوثق له فى كتابك ، وتسأله الرجوع لعله يطمئنّ إلى ذلك فيرجع ؛ فقال عَبرو
ابن سعيد : اكتب ما شئتَ وأتنى به حتى أختمَّه ، فكتب عبد الله بن جعفر
الكتاب ، ثمّ أتى به عمرو بن سعيد فقال له : اختِمه ، وابعثْ به مع أخيك
يحيي بن سعيد، فإنه أحْرَى أن تطمئنّ نفسُه إليه، ويعلم أنه الجِدّ منك ،
ففعل ؛ وكان عمرو بن سعيد عاملَ يزيد بن معاوية على مكة ؛ قال : فلحقه
يحيي وعبد الله بن جعفر، ثم انصرفا بعد أن أقرأه يحيى الكتاب ، فقالا: أقرأناه
الكتاب ، وجهدْنا به ، وكان مما اعتَذَرَ به إلينا أن قال : إنى رأيتُ رؤيا
فيها رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم، وأمرت فيها بأمر أنا ماضٍ له ، علىّ كان
أوْ لِى؛ فقالاله : فما تلك الرؤيا؟ قال: ما حدّثت أحدًاً بها، وما أنا محدّث
بها حتى ألقىَ ربِّى .
قال: وكان كتاب عمرو بن سعيد إلى الحسين بن علىّ: بسم الله الرّحمن
الرّحيم، مِن عَمرو بن سعيد إلى الحسين بن علىّ، أما بعد ، فإنى أسأل الله
أن يصرفك عمّا يوبقُك، وأن يهدينَك لما يرشدُك ؛ بلغنى أنك قد توجهت
إلى العراق، وإنى أعيذك بالله من الشقاق ، فإنّى أخاف عليك فيه الهلاك ،
وقد بعثتُ إليكَ عبدَ اللّه بنَ جعفر ويحيى بن سعيد، فأقبِلْ إِلىّ معهما ،
فإنّ لك عندى الأمان والصّلة والبِرّ وحُسن الجِوار لك، اللّه علىّ بذلك شهيدٌ
وكفيلٌ، ومُراعٍ ووكيلٌ ؛ والسلام عليك.
٢٨١/٢
قال : وكتب إليه الحسين: أما بعد ؛ فإنه لم يشاقِقِ اللّه ورسوله مَنْ دعا
إلى الله عزّ وجلّ وعمل صالحاً وقال إننى من المسلمين ؛ وقد دعوتَ إلى
الأمان والبرّ والصّلة، فخير الأمان أمانُ اللّه، ولن يؤمِنَ اللّه يومَ القيامة
مَنْ لم يخفْه فى الدّنيا ، فنسأل الله مخافةً فى الدنيا تُوجب لنا أمانه يومَ

٣٨٩
سنة ٦٠
القيامة ، فإن كنتَ نوَيَتَ بالكتاب صلّى وبرّى ، فجُزيتَ خيرًا فى الدنيا
والآخرة ؛ والسلام .
رجع الحديث إلى حديث عمار الدّهنىّ عن أبى جعفر (١) . فحدّثّنى
زكرياء بن يحيى الضرير، قال: حدثنا أحمد بن جناب المَصّيصيّ قال :
حدّثنا خالد بن يزيدَ بن عبد الله القسرىّ قال : حدثنا عمار الدُّهنيّ قال :
قلت لأبى جعفر : حدثنى عن مقتل الحسين حتى كأنى حضرته؛ قال : فأقبَل
حسينُ بن علىّ بكتاب مسلم بن عقيل كان إليه، حتى إذا كان بينه وبين
القادسيّة ثلاثة أميال، لقيَه الخرّ بن يزيدَ التميمىّ ، فقال له : أين تريد ؟
قال : أريد هذا المِصْر ؛ قال له : ارجع فإنى لم أدعْ لك خلفى خيراً أرجوه ،
فهمّ أن يرجع، وكان معه إخوةُ مسلم بن عَقِيل، فقالوا : واللّهِ لا نرجع
حتى نصيب بثأرنا أو تُقتَل ؛ فقال: لا خيرَ فى الحياة بعدكم! فسار فَلَقِيَتْه
إوائلُ خيلِ عُبيد اللّه، فلما رأى ذلك عدل إلى كرْبَلاء فأسند ظهرَه إلى
قصباء وخَلًا كيْلا يقاتل إلا من وجه واحد ، فنزل وضرب أبنيَتَه، وكان
أصحابُه خمسةً وأربعين فارسًا ومائة راجل ، وكان مُمر بن سعد بن أبى وقاص
قد ولّه عُبيد الله بن زياد الرّىّ وعهد إليه عهدَه فقال: اكفى هذا الرجل ؛
قال : أعفِى ، فأبى أن يُعفيَه؛ قال: فأنظرْنى الليلة ؛ فأخَّرَه ، فنظر فى
أمره فلما أصبح غدًا عليه راضيًا بما أمر به، فتوجّه إليه مُمر بن سعد ، فلما
أتاه قال له الحسين : اخترْ واحدةً من ثلاث : إما أن تدعونى فأنصرف من
حيث جئتُ ، وإما أن تدعونى فأذهبَ إلى يزيد ، وإما أن تدعونى فألحق
بالثغور ؛ فقبل ذلك عمر ، فكتب إليه عُبيد الله : لا ولا كرامةً حتى يضع
يده فى يدى! فقال له الحسين: لا والله لا يكون ذلك أبداً، فقاتله فقُتل
أصحابُ الحسين كلُّهم ، وفيهم بضعة عَشَرَ شابًّا من أهل بيته ، وجاء سهمٌ
فأصاب ابنًا له معه فى حجره، فجعل يمسح الدم عنه ويقول : اللهمّ احكم
بينناوبين قوم دَعَوْنا لينصرونا فقتلونا ؛ ثم أمر بِحبَرَة فشقّقها ، ثم
٢٨٢/٢
(١) انظر أول الحديث ص ٣٤٧، ثم انظر ص ٣٤٩ من هذا الجزء.

٣٩٠
سنة ٦٠
لبسها وخرج بسيفه، فقاتل حتى قُتِل صلوات اللّه عليه؛ قتله رجلٌ من
مَذْحِج وحَزّ رأسه ، وانطلق به إلى عبيد اللّه وقال :
فقد قَتَلْتُ المَلِكَ المُحجَّبا
أَوْقِرْ رِكابِى فِضَّةً وَذَهبَا
وخَيْرُهُمْ إِذ يُنْسِبُونَ نَسبا
قَتَلتُ خَيْرِ الناسِ أُمَّا وَأَبَا
وأوفده إلى يزيد بن معاوية ومعه الرأس ، فوضع رأسَه بين يديه وعنده
أبو برزة الأسلميّ، فجعل يَنكُتُ بالقضيب على فيه ويقول :
يُفَلِّفْنَ هاماً مِن رجالٍ أَعِزَّة
عَلَيْنا وَهُمْ كانوا أَعقَّ وَأَظْلَمَا(١)
٢٨٣/٢
فقال له أبو برزة: ارفع قضيبَك، فوالله لربما رأيتُ فارَسولِ اللّه صلّى الله
عليه وسلم على فيه يتكثِمه! وسرّح عمر بن سعد بحرَمه وعياله إلى عبيد اللّه ،
ولم يكن بقىَ من أهل بيت الحسين بن على عليه السلام إلا غلام كان مريضًا
مع النساء ، فأمر به عُبيد اللّه ليُقتل، فطرحتْ زينب نفسَها عليه وقالت :
واللّه لا يُقْتَل حتى تقتلونى! فرقَّ لها ، فتَرّكه وكفّ عنه .
قال : فجهزهم وحملهم إلى یزید، فلما قدموا عليه جمعمن كان بحضرته
من أهل الشأم ، ثم أدخلوهم، فهنَّوه بالفتح ، قال رجل منهم أزرق أحمر
ونظر إلى وصيفة من بناتهم فقال : يا أمير المؤمنين ، هبْ لى هذه ، فقالت
زَينب: لا واللّه ولا كرامةَ لك ولا له إلا أن يَخرُج من دين الله، قال:
فأعادها الأزرق ، فقال له يزيد : كُفَّ عن هذا ؛ ثم أدخلهم على عياله ،
فجهّزهم وحَمَلهم إلى المدينة ، فلما دخلوها خرجتْ امرأةٌ من بنى عبد المطلب
ناشرةً شعرَها ، واضعةٌ كمَّها على رأسها تتلقاهم وهى تبكِى وتقول :
ماذا فَعلْمْ وَأَنتُمْ آخِرُ الأُمَمِ!
ماذا تقولون إن قال النَّبِىُّ لكُمْ
منهم أُسارَى وقَتلَى ضُرُّجوا بِدَمِ
بعتْرتى وبأَهْلِ بعْدَ مُفْتَقَدِى
أَن تُخلفُونی بسوءفی دویرحِمِی!
ما كان هذا جزائى إِذنَصحْتُ لكم
(١) للحصين بن الحمام المرى، ديوان الحماسة ١: ١٩٣ - بشرح التبريزى.
٢

٣٩١
سنة ٦٠
٢٨٤/٢
حدّثنى الحسين بن نصر قال : حدثنا أبو ربيعة، قال: حدّثنا أبو عوانة،
عن حصين بن عبد الرحمن قال: بَلَغنا أنّ الحسين عليه السلام ...
وحدّثنا محمد بن عمار الرازىّ ، قال : حدّثنا سعيد بن سليمان، قال: حدّثنا
عباد بن العوّام قال : حدّثنا حصين ، أنّ الحسين بن علىّ عليه السلام كتب
إليه أهلُ الكوفة : إنه معك مائة ألف ، فبعث إليهم مسلم بن عقيل ، فقدم
الكوفة ، فنزل دارَ هانئ بن عروة ، فاجتمع إليه الناس ، فأخبر ابن زياد
بذلك . زاد الحسين بن نَصْر فى حديثه: فأرسل إلى هانئ فأتاه ، فقال : ألم
أوَّقَرْك! ألم أكرِمْك! ألم أفْعَلْ بك! قال: بلى، قال: فما جزاءُ ذلك ؟
قال : جزاؤه أن أَمنعك ؛ قال : تمنعنى ! قال: فأخذ قضيبا مكانه فضربه
به ، وأمَرَ فكُتِفِ ثم ضرب عنقه ، فبلغ ذلك مسلم بن عقيل ، فخرج
ومعه ناس كثير ، فبلغ ابنَ زياد ذلك ، فأمر بباب القصر فأغلق ، وأمر
مناديًا فنادى: يا خيلَ اللّهِ اركبى، فلا أحديجيبه، فظنّ أنه فى ملا من الناس .
قال حصين : فحدثنى هلال بن يَساف قال: لقيتُهم تلك اللَّلة فى
الطريق عند مسجد الأنصار ، فلم يكونوا يمرّون فى طريق يمينًا ولا شمالاً إلا
وذهبت منهم طائفة ؛ الثلاثون والأربعون ، ونحو ذلك . قال : فلمّا بلغ
السوق ، وهى ليلة مظلمة ، ودخلوا المسجد ، قيل لابن زياد: والله ما نرى
كثيرَ أحَد ، ولا نسمع أصواتَ كثير أحد ، فأمر بسقف المسجد فقُلع ،
ثم أمر بحرادىّ (١) فيها النيران ، فجعلوا ينظرون ، فإذا قريب خمسين رجلا .
قال : فنزل فصعد المنبر وقال للناس : تميّزوا أرباعًا أرباعًا؛ فانطلق كلّ
قوم إلى رأس رُبْعهم، فنهض إليهم قومٌ يقاتلونهم، فجُرُح مسلم جِراحة
ثقيلة ، وقتل ناس من أصحابه ، وانهزموا ؛ فخرج مسلم فدخل داراً من دُور
کندة ،فجاء رجل إلى محمد بن الأشعث وهو جالس إلى ابن زياد ، فسارّه ،
فقال له : إنّ مسلمًاً فى دار فلان ، فقال ابن زياد : ما قال لك ؟ قال :
إنّ مسلما فى دار فلان ، قال ابن زياد لرجلين : انطلقا فأتِيانى به ،
فدخلا عليه وهو عند امرأة قد أوقدتْ له النار، فهو يغسل عنه الدّماء ، فقالا
٢٨٥/٢
(١) فى اللسان عن ابن الأعرابى: ((يقال خشب السقف الروافد، ولما يلقى عليها من
أطنان القصب حرادى )).

٣٩٢
سنة ٦٠
له : انطلق، الأميرُ يدعوك ، فقال: اعقدا لى عقداً؛ فقالا: ما نملك ذاك ؛
فانطلق معهما حتى أتاه فأمربه فكُتِف ثمّ قال: هِيهْ هِيهْ يابن خليّة -
قال الحسين فى حديثه : يابن كذا - جئتَ لتنزعَ سلطانى! ثم أمر به فضربتْ
عنقُه . قال حصين: فحد ◌ّثنى هلال بن يساف أنّ ابن زياد أمر بأخذ ما بين
واقصةَ إلى طريق الشأم إلى طريق البصرة ، فلا يدعون أحداً يلج ولا أحداً
يخرج ، فأقبل الحسين ولا يشعر بشىء حتى لقىَ الأعراب، فسألهم، فقالوا :
لا والله ما ندرى ، غير أنا لا نستطيع أن نلج ولا نخرج ؛ قال : فانطلق يسير
نحوَ طريق الشأم نحو يزيد، فلقيتْه الخيول بكَرْبَلاء ، فنزل يناشدهم الله
والإسلام، قال: وكان بعث إليه عمر بن سعد وشَمر بن ذي الجَوْشن وحُصين
ابن نميم ، فناشَدَهَنَم الحسين اللّهَ والإسلامَ أن يسيّروه إلى أمير المؤمنين ،
فيضع يده فى يده، فقالوا: لا ، إلا على حكم ابن زياد؛ وكان فيمن بعث إليه
الخرّ بن يزيد الخَنْظَلَىّ ثم النَّهْشَلَىّ على خيل، فلما سمع ما يقول الحسين
قال لهم: ألا تقبلون من هؤلاء ما يتعرضون عليكم! والله لو سألكم هذا الشُّرك
والدَّيْلَم ما حلّ لكم أن تردّوه! فأبَوْا إلا على حكم ابن زياد، فصرف الحرُّ
وجهَ فرسه، وانطلق إلى الحسين وأصحابه ، فظنوا أنه إنما جاء ليقاتلتهم ، فلما
دفا منهم قلب تُرسَه وسلَّم عليهم ، ثمّ كرّ على أصحاب ابن زياد فقاتلهم ،
فقتل منهم رجلين، ثم قتيل رحمة الله عليه .
٢٨٦/٢
وذكر أن زُهير بن القيْن البجلىّ لقى الحسينَ وكان حاجًّا ، فأقبل
معه، وخرج إليه ابن أبى بحريّة المرادىّ ورجلان آخران وعمرو بن الحجّاج
ومعن السُّلمىّ؛ قال الحصين : وقد رأيتهما .
قال الحصين: وحدّثنى سعد بن عبيدة، قال: إنّ أشياخًا من أهل الكوفة.
للوقوف على التلّ يبكون ويقولون: اللهم أنزل نصرك ، قال: قلت: يا أعداء
الله ، ألا تنزلون فتنصرونه ! قال : فأقبل الحسین یکلّم من بعث إليه ابن زياد ،
قال : وإنى لأنظر إليه وعليه جبّة من بُرُود ، فلما كلّمهم انصرف، فرماه
رجلٌ من بني تميم يقال له : عمر الطُّهَوىّ بسهم، فإنى لأنظر إلى السهم بين
كتفيه متعلِّقًا فى جبّته، فلما أبوًا عليه رجع إلى مصافّه، وإنى لأنظر إليهم ،
(١) ط: ((نمر))، وانظر الفهرس.

سنة ٦٠
٣٩٣
وإنهم لقريب من مائة رجل، فيهم (١) لصُلب علىّ بن أبى طالب عليه السلام
خمسة ، ومن بنى هاشم ستة عشر، ورجل من بنى سُلّيم حليفٌ لهم ، ورجلٌ
من بنى كنانة حليفٌ لهم ، وابن عمر بن زياد .
قال : وحدثنى سعد بن عبيدة، قال: إنا لمستنقعون فى الماء مع عمر بن
سعد ، إذ أتاه رجل فسارَّه وقال له : قد بعث إليك ابن زياد جُوَيْرَيَةَ بن بدر
التميمىّ ، وأمَرَه إن لم تقاتل القومَ أن يضربَ عُنقَك؛ قال: غوثب إلى
فرسه فركبه ، ثم دعا سلاحه فلبسه ، وإنه على فرسه ، فنهض بالناس إليهم
فقاتلوهم ، فجیء برأس الحسين إلى ابن زياد ، فوُضع بين يديه ، فجعل
يَنَكُت (٢) بقضيبه، ويقول: إنّ أبا عبد الله قد كان شمط؛ قال: وجى ءبنسائه
وبناته وأهله، وكان أحسن شيء صنعته أن أمر لهنّ بمنزل فى مكان معتزل ،
وأجرَى عليهنّ رزقًا، وأمر لهنّ بنفقة وكسوة . قال: فانطلق غلامان منهم
لعبد الله بن جعفر - أو ابن ابن جعفر-فأتيا رجلاً من طيِّئ فلجآ إليه، فضرب
أعناقهما ، وجاء برءوسهما حتى وضعهما بين يدى ابن زياد ؛ قال : فهمّ
بضرب عنقه ، وأمر بداره فهدمت.
٢٨٧/٢
قال : وحدّثنى مولّى لمعاوية بن أبى سُفْيان قال: لما أنِىَ يزيد
برأس الحسين فوضع بين يديه، قال : رأيته يبكى ، وقال: لو كان بينه وبينه
رحِم ما فعل هذا .
قال حصين: فلما قتل الحسين لبثوا شهرين أو ثلاثةً، كأنما تلطّخ الحوائط
بالدماء ساعة تطلع الشمس حتى ترتفع .
قال : وحدثنى العلاء بن أبى عاثة قال : حدثنى رأس الجالوت، عن
أبيه قال : ما مررت بكربلاء إلا وأنا أركُض دابتى حتى أخلّف المكان ،
قال: قلت: لِمَ ؟ قال: كنا نتحدّث أنّ وَلَدَ نَبِىّ مقتول فى ذلك المكان ؛
قال : وكنت أخاف أن أكون أنا ، فلمّا قتل الحسين قلنا : هذا الذى كنا
نتحدّث. قال : وكنت بعد ذلك إذا مررت بذلك المكان أسير ولا أركض .
حدّثنى الحارث ، قال: حدّثنا ابن سعد ، قال : حدّثنى علىّ بن محمّد،
(٢) كذا فى البلاذرى، وفى ط: ((يقول)).
(١) ط .: ((فهم)).

٣٩٤
سنة ٦٠
عن جعفر بن سليمان الضّبَعِىّ قال: قال الحسين: والله لا يدعونى حتى
يستخرجوا هذه العَلَقة من جَوْقى، فإذا فعلوا سلّط الله عليهم من يذلهم حتى
يكونوا أذلّ من فَرَم الأمة (١)؛ فقَدِم للعراق فقُتِل بنينوَى يومَ عاشوراء
سنة إحدى وستين .
٢٨٨/٢
قال الحارث : قال ابن سعد: أخبرنا محمد بن عمر ، قال :
قُتل الحسينُ بنُ على عليه السلام فى صفر سنة إحدى وستين وهو يومئذ
ابن خمس وخمسين .
حدّثنى بذلك أفلح بن سعيد ، عن ابن كعب القُرَظىّ ، قال الحارث :
حدّثنا ابن سعد ، قال : أخبرنا محمد بن عمر، عن أبى معشر، قال : قُتِل
الحسين لعشر خلون من المحرّم . قال الواقدىّ : هذا أثبت .
قال الحارث : قال ابن سعد: أخبرنا محمد بن عمر، قال: أخبرنا عطاء
ابن مسلم، عمّن أخبره ، عن عاصم بن أبى النَّجود ، عن زِرّ بن حُبَيْش،
قال: أول رأس رُفع على خشبة، رأس الحسين رضى الله عنه وصلّى اللّه
علی رُوحه .
قال أبو مخنف: عن هشام بن الوليد، عمّن شهد ذلك، قال : أقبل الحسين
ابن علىّ بأهله من مكة ومحمد بن الحنفيّة بالمدينة ؛ قال : فبلغه خبرُه وهو
يتوضأ فى طَسْت ؛ قال : فبكى حتى سمعتُ وكْفَ دموعه فى الطَّست .
قال أبو مخنف: حدثی یونس بن أبى إسحاق السَّبِیعیّ، قال : ولما بلغ
عبيدَ اللّه إقبال الحسين من مكة إلى الكوفة ، بعث الحصين بن تميم صاحب
شُرَّطه حتى نزل القادسيّة ونظم الخيل ما بين القادسيّة إلى خَفّان، وما بين
القادسيّة إلى القُطْقُطانة وإلى لَعْلَع، وقال الناس: هذا الحسين يريدُ
العراق .
قال أبو مخنف : وحدثنى محمد بن قيس أنّ الحسين أقبل حتى إذا بلغ
الحاجر من بطن الرُّمَّة بعث قيسَ بن مُسهِرِ الصّداوىّ إلى أهل الكوفة ،
و کتب معه إليهم :
(١) الفرم : خرقة الحيض.

٣٩٥
سنة ٦٠
بسم الله الرّحمن الرّحيم، من الحسين بن على إلى إخوانه من المؤمنين
والمسلمين ، سلامٌ عليكم، فإنى أحمد إليكم الله الذى لا إله إلا هو ، أما
بعد ، فإنّ کتاب مسلم بن عقيل جاءنى يخبرنى فيه بحسن رأيكم ، واجتماع ٢٨٩/٢
مَكئكم على نصرنا ، والطلب بحقِّنًا، فسألتُ اللّه أن يُحسن لنا الصُّنْع، وأن
يثيبتكم على ذلك أعظم الأجر، وقد شخصتُ إليكم من مكة يومَ الثلاثاء
لثمان مضين من ذى الحجة يوم التروية،، فإذا قدم عليكم رسولى فاكمشوا أمرّكم
وجدّوا، فإنى قادم عليكم فى أيّامى هذه إن شاء اللّه؛ والسلام عليكم ورحمة
الله وبركاته .
وكان مسلم ابن عقيل قد كان كتب إلى الحسين قبل أن يُقْتل السبع
وعشرين ليلة: أما بعد، فإنّ الرائد لا يكذب أهله، إنّ جَمْع أهل
الكوفة معك ، فأقبل حين تقرأ كتابى ؛ والسلام عليك.
قال : فأقبل الحسين بالصّبيان والنساء معه لا يلوى على شىء ، وأقبل
قيس بن مُسهر الصّيداوىّ إلى الكُوفة بكتاب الحسين ، حتى إذا انتهى إلى
القادسية أخذه الحصين بن تميم فبعث به إلى عبيد الله بن زياد ، فقال له
عبيد اللّه: اصعد إلى القصر فَسُبّ الكذّاب ابن الكذّاب ؛ فصعِد ثم
قال: أيها الناس، إنّ هذا الحسّين بن على خير خلق اللّه ؛ ابن فاطمة
بنت رسول اللّه، وأنا رسولُه إليكم، وقد فارقتُه بالحاجر ؛ فأجيبوه ؛ ثمّ لعن
عُبيد الله بن زياد وأباه ، واستغفر لعلىّ بن أبى طالب. قال: فأمر به عُبيد الله
ابن زياد أن يُرَمى به من فوق القصر، فرُمى به، فتقطع فمات . ثم أقبل الحسين
سيراً إلى الكوفة ، فانتهى إلى ماء من مياه العرب ، فإذا عليه عبدُ الله بن مطيع
العدّوىّ، وهو نازل ها هنا، فلما رأى الحسينَ قام إليه، فقال: بأبى أنت وأمّى
يا بن رسول الله! ما أقْدَمَك! واحتَمله فأنزله، فقال له الحسين : كان من
موت معاوية ما قد بلغك ؛ فكتب إلىّ أهلُ العراق يدعوننى إلى أنفسهم ،
فقال له عبد الله بن مُطيع: أذكِّرك الله يابن رسول الله وجرمة الإسلام أن
تُنتهَك! أنشدكَ اللّهَ فى حُرمة رسول الله صلى الله عليه وسلم! أنشدك الله
فى حُرمة العرب! فوالله لئن طلبت ما فى أيدى بنى أميّة ليقتُلنَّك، ولئن قتلوك
لا يهابون بعدك أحداً أبداً. والله إنها ◌ُرْمة الإسلام تُنْتهَك، وحُرْمةُ قريش
٢٩٠/٢

٣٩٦
سنة ٦٠
وحُرْمة العرب، فلا تفعل، ولا تأتِ الكوفة، ولا تَعَرَّضْ لبنى أميّة؛
قال : فأبى إلا أن يمضى؛ قال : فأقبل الحسين حتى كان بالماء فوق
زَرُود .
قال أبو مخنف: فحدّثنى السدّىّ، عن رجل من بنى فَزارة قال: لما
كان زمن الحجّاج بن يوسف كنا فى دار الحارث بن أبى ربيعة التى فى التّمّارين،
التى أقطعت بعدُ زهير بن القَيْن ، من بنى عمرو بن يشكرَ من بجيلة ،
وكان أهل الشأم لا يدخلونها، فكنا مُخْتَبِئين فيها، قال: فقلت للفزارىّ :
حدّثْنى عنكم حين أقبلتم مع الحسين بن علىّ ؛ قال : كنا مع زهير بن القيْن
البَجَلَىّ حين أقبلنا من مكة نساير الحسينَ ، فلم يكن شىء أبغضَ إلينا من
أن نسايره فى منزل، فإذا سار الحسين تخلف زهير بن القَيْن ، وإذا نزل
الحسينُ تقدّم زهير ، حتى نزلنا يومئذ فى منزل لم نجد بُدَّا من أن ننازله فيه ،
فنزل الحسين فى جانب، ونزلنا فى جانب ، فبينا نحن جلوس نتغدّى من طعام
لنا ، إذ أقبل رسولُ الحسين حتى سلّم، ثم دخل فقال: يا زهير بن القَيْن،
إنّ أبا عبد الله الحسين بن علىّ بعثنى إليك لتأتيه؛ قال: فطرح كلّ إنسان
ما فى يده حتى كأننا على رءوسنا الطير .
قال أبو مخنف: فحدّثتْنى ◌َلهم بنت عمرو امرأة زهير بن القَيْن،
قالت: فقلت له: أيَبعث إليك ابن رسول اللّه ثمّ لا تأتيه! سبحان الله ! لو
أتيتَه فسمعتَ من كلامه! ثم انصرفت ؛ قالت : فأتاه زهير بن القَيْن ، فما
لبث أن جاء مستبشراً قد أسفر وجهُه ؛ قالت : فأمر بفُسطاطه وثقله ومتاعه
فقُدّم، وحُمل إلى الحسين ، ثم قال لامرأته: أنتِ طالقٌ ، الحقفى بأهلك،
فإنى لا أحبّ أن يصيبك من سبى إلا خير ، ثمّ قال لأصحابه: مَنْ أحبّ
منكم أن يتبعنى وإلا فإنه آخر العهد ، إنى سأحدثكم حديثًا ، غَزَوْنا
بلَنْجَرَ، ففتح الله علينا، وأصبْنا غنائم، فقال لنا سَلْمان الباهلىّ: أفرحتم
بما فتح اللّه عليكم، وأصبتم من الغنائم! فقلنا: نعم، فقال لنا: إذا أدركتم
شبابَ آل محمد فكونوا أشدّ فرحًا بقتالكم معهم منكم بما أصبتم من الغنائم، فأمّا
٢٩١/٢

٣٩٧
سنة ٦٠
أنا فإنّى أستودعكم الله؛ قال: ثمّ والله ما زال فى أوّل القوم حتى قُتل.
قال أبو مخنف : حدثنى أبو جناب الكلبىّ ، عن عدىّ بن حرملة
الأسدىّ، عن عبد الله بن سُليم والمذرى بن المشمعلّ الأسديّين قالا: لما
قضينا حجّنا لم يكن لنا همّة إلا اللَّحاق بالحسين فى الطريق لننظر ما يكون من
أمره وشأنه ، فأقبلنا تُرْقل بنا ناقتانا مسرعين حتى لحقناه بزرود ، فلما دنوْنا
منه إذا نحن برجل من أهل الكوفة قد عدل عن الطريق حين رأى الحسين ؛
قالا : فوقف الحسين كأنه يريده ، ثم تركه ، ومضى ومضينا نحوّه ، فقال
أحدنا لصاحبه : اذهب بنا إلى هذا فلنسألْه ، فإن كان عنده خبر الكوفة
علمناه ، فمضينا حتى انتهينا إليه، فقلنا : السلام عليك ، قال : وعليكم السلام
ورحمة اللّه ، ثم قلنا : فمَن الرجل ؟ قال: أسدىّ : فقلنا : فنحن أسدّيّان
فمن أنت ؟ قال : أنا بكير بن المثعبة ، فانتسبنا له ، ثم قلنا : أخبرنا عن
الناس وراءك ؛ قال : نعم ، لم أخرج من الكوفة حتى قُتل مسلم بن عقيل
وهانئ بن عروة، فرأيتهما يُجَرّان بأرجلهما فى السوق؛ قالا : فأقبلنا حتى
لحقْنَا بالحسين ، فسايرناهحتى نزل الثعلبيّة ممسياً ، فجئناه حين نزل ، فسلّمنا
عليه فردّ علينا، فقلنا له : يرحمك الله؛ إنّ عندنا خبراً ، فإن شئت حد ◌ّثنا
علانيةً ، وإن شئتَ سرًّا؛ قال : فنظر إلى أصحابه وقال : ما دون هؤلاء
سرّ ؛ فقلنا له : أرأيت الراكبَ الذى استقبلك عشاءَ أمس ؟ قال : نعم ،
وقد أردتُ مسألته ؛ فقلنا : قد استبرأنا لك خبره ، وكفيناك مسألته ، وهو
امرؤ من أسد منا ، ذو رأى وصدق ، وفضل وعقل ، وإنه حدّثنا أنه لم
يخرج من الكوفة حتى قُتل مسلم بن عَقِيل وهانئ بن عروة، وحتى رآهما
يُجَرّان فى السوق بأرجلهما، فقال: إنا لله وإنا اليه راجعون! رحمة الله عليهما،
فردّد ذلك مراراً، فقلنا: نَنشدُك اللّهَ فى نفسك وأهل بيتك إلا انصرفتَ من
مكانك هذا ، فإنه ليس لك بالكوفة ناصرٌ ولا شيعة ، بل نتخوّف أن تكون
عليك ! قال : فوثب عند ذلك بنو عقيل بن أبى طالب .
٢٩٢/٢
قال أبو مخنف : حدثنى عمر بن خالد ، عن زيد بن علىّ بن حسين ،
وعن داود بن على بن عبد الله بن عباس ، أنّ بنى عقيل قالوا: لا والله لا نبرح
حتى ندرك ثأرَنا ، أو نذوقَ ما ذاق أخونا .
٢٩٣/٢

٣٩٨
سنة ٦٠
قال أبو مخنف : عن أبى جَناب الكلبىّ ، عن عدىّ بن حرملة ، عن
عبد الله بن سُلَيم والمذرى بن المشمعلّ الأسديّين، قالا: فنظر إلينا الحسين
فقال : لا خير فى العيش بعد هؤلاء ؛ قالا : فعلمنا أنه قد عزم له رأيه على
المسير ؛ قالا : فقلنا : خارَ الله لك! قالا: فقال: رحمكما اللّه! قالا:
فقال له بعض أصحابه: إنك والله ما أنت مثل مسلم بن عقيل، ولو قدمتَ
الكوفة لكان الناسُ إليك أسرع؛ قال الأسديّان: ثم انتظر حتى إذا كان
السَّحَر قال لفتيانه وغلمانه: أكثروا من الماء فاستَقُوا وأكثروا، ثمّ ارتحلوا
وساروا حتى انتَهْوا إلى زُبالة .
قال أبو مخنف: حدثنى أبو علىّ الأنصارىّ ، عن بكر بن مصعب
المُزَنىّ، قال: كان الحسين لا يمرّ بأهل ماء إلا اتبعوه حتى إذا انتهى إلى زُبَالة
سقط إليه مَقْتل أخيه من الرّضاعة، مقتلُ عبد اللّه بن بُقْطُر، وكان سرّحه
إلى مسلم بن عقيل من الطريق وهو لا يدرى أنه قد أصيب ، فتلقاه خيلُ
الحصين بن تميم بالقادسيّة، فسرّح به إلى عُبيد الله بن زياد، فقال: اصعد
فوق القصر فالعَنِ الكذّاب ابن الكذّاب ، ثم انزل حتى أرى فيك رأيى !
قال : فصعد ، فلما أشرف على الناس قال : أيّها الناس ، إنى رسول الحسين
ابن فاطمة بنتِ رسول الله صلى الله عليه وسلم لتنصروه وتوازٍروه على ابن مَرْجانة
ابن سمّية الدعىّ. فأمر به عُبيد اللّه فألقى من فوق القصر إلى الأرض، فكُسرت
عظامُه ، وبقى به رَمَق، فأتاه رجل يقال له عبد الملك بن مُمَير اللَّخْمىّ
فذبحه ، فلمّا عيب ذلك عليه قال : إنما أردت أن أريحه .
قال هشام : حدّثنا أبو بكر بن عياش عمّن أخبره، قال : والله ما هو
عبد الملك بن عمير الذى قام إليه فذبحه ، ولكنه قام إليه رجل جعْد طُوال
يشبه عبد الملك بن عمير. قال : فأتى ذلك الخبرُ حسينًا وهو بُزبالة، فأخرج
للناس كتابًا ، فقرأ عليهم :
٢٩٤/٢
بسم الله الرّحمن الرّحيم. أما بعد، فانه قد أتانا خبر فظيع، قتل مُسلم
ابن عقيل وهانئ بن عروة وعبد الله بن بُقْطُر، وقد خذلتْنا شيعتُنا، فمن
ـ
--
٠ ٧٠

٣٩٩
سنة ٦٠
أحبّ منكم الانصراف فلينصرفْ ، ليس عليه منا ذِ مام .
قال : فتفرق الناس عنه تفرّقًا ، فأخذوا يمينًا وشمالاً حتى بقىَ فى أصحابه
الذين جاءوا معه من المدينة ، وإنما فعل ذلك لأنه ظنّ أنما اتبعه الأعراب ،
لأنهم ظنّوا أنه يأتى بلداً قد استقامت له طاعةُ أهله ، فكره أن يسيروا معه
إلا وهم يعلمون عَلاَم يقدمون، وقد علم أنَّهم إذا بَيَّنَ لهم لم يصحبه إلا من
يريد مواساته والموتَ معه . قال: فلما كان من السَّحَر أمر فتيانَه فاستقَوْا
الماء وأكثَرُوا ، ثم سار حتى مرَّ ببطْنِ العَقَبة ، فنَزَّل بها .
قال أبو مخنف: فحدثنی لوذان أحدُ بنی عكرمة أنّ أحد عمومته سأل
الحسين عليه السلام أين تريد ؟ فحدَّثّه، فقال له: إنّى أنشدُك اللّه لمّا
انصرفت، فوالله لا تقدم إلا على الأسنَّة وحدّ السيوف، فإنّ هؤلاء الذين
بعثوا إليك لو كانوا كفَوْك مؤنة القتال، ووطَّوا لك الأشياء فقدمتَ عليهم
كان ذلك رأياً ، فأمّا على هذه الحال التى تذكرها فإنّى لا أرى لك أن تفعل .
قال: فقال له: يا عبد اللّه، إنه ليس يخفى علىّ، الرأىُ ما رأيتَ، ولكنّ
اللّه لا يُغلَب على أمره ؛ ثم ارتحل منها .
ونَزّع يزيدُ بن معاوية فى هذه السنة الوليد بن عتبة عن مكة، وولاها ٢٩٠/٢
عَمرو بن سعيد بن العاص ، وذلك فى شهر رمضانَ منها ، فحجّ بالناس عمرو
ابن سعيد فى هذه السنة ؛ حد ◌ّثنی بذلك أحمد بن ثابت، عمّن ذكره ، عن
إسحاق بن عيسى ، عن أبى معشر .
وكان عامله على مكة والمدينة فى هذه السنة بعد ما عزل الوليد بن عتبة
عمرو بن سعيد، وعلى الكوفة والبصرة وأعمالهما عبيد الله بن زياد ، وعلى قضاء
الكوفة شُرَيح بن الحارث ، وعلى قضاء البصرة هشام بن هُبيرة .

ثم دخلت سنة إحدى وستين
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فمن ذلك مقتل الحسين رضوان الله عليه ، قُتل فيها فى المحرّم لعشر
خلوْن منه ، كذلك حدثنى أحمد بن ثابت، قال : حدثنى مُحَدّث ، عن
إسحاق بن عيسى ، عن أبى معشر . وكذلك قال الواقدىّ وهشام بن الكلبىّ ؛
وقد ذكرنا ابتداءَ أمر الحسين فى مسيره نحوَ العراق وما كان منه فى سنة ستين ،
ونذكر الآن ما كان من أمره فى سنة إحدى وستين وكيف كان مقتلُه .
حُدّٹت عن هشام ، عن أبى مختف ، قال : حدثی أبو جناب،عن
عدىّ بن حرملة ، عن عبد الله بن سليم والمذرى بن المشمعلّ الأسديَّين قالا:
أقبل الحسين عليه السلام حتى نزل شراف ، فلما كان فى السَّحَر أمر فتيانَه
فاستقَوْاً من الماء فأكثروا، ثم ساروا منها، فرسموا صدرَ يومهم حتى انتصف
النهار. ثم إنّ رجلاً قال: الله أكبر! فقال الحسين: الله أكبر ما كبَّرَتَ (١)؟
قال : رأيتُ النخل، فقال له الأسديان : إنّ هذا المكان ما رأينا به نخلةً قطّ؛
قالا : فقال لنا الحسين : فما تَرَيَانه رأى ؟ قلنا : نراه رَأى هَوادِىَ الخيل؛
فقال: وأنا والله أرى ذلك؛ فقال الحسين: أمَا لنا ملجأ نلجأ إليه ، نجعله
فى ظهورنا ، ونستقبل القومَ من وجه واحد؟ فقلنا له: بلى، هذا ذو حُسُمٍ إلى
جنبك ، تميل إليه عن يسارك ، فإن سبقتَ القوم إليه فهو كما تريد ؛ قالا :
فأخذ إليه ذاتَ اليسار ؛ قالا : وملنا معه فما كان بأسرع من أن طلعتْ علينا
هوادى الخيل ، فتبينّاها ، وعدنا ، فلما رأونا وقد عدلنا عن الطريق عدلوا إلينا
كأنّ أسنّهم اليعاسيب، وكأنّ راياتهم أجنحة الطير ، قال : فاستبقنا
إلى ذى حُسُم، فسبقناهم إليه ، فنزل الحسين، فأمر بأبنيته فضُربتْ، وجاء القوم
وهم ألف فارس مع الخرّ بن يزيد التميمى الير بوعىّ حتى وقف هو وخيله مقابل
الحسين فى حَرّ الظَّهيرة، والحسين وأصحابه معتمون متقلدو أسيافهم ، فقال
٢٩٦/٢
(١) ابن الأثير: ((ثم كبرت؟)).
٤٠٠