Indexed OCR Text
Pages 321-340
٣٢١
سنة ٥٩
فقال: أراك واللّه شاعَر سَوْء! فرضىَ عنه ، فقال معاوية لابن مفرّغ :
ألستَ القائل :
أبا سُفْيانَ واضعةَ القِناعِ
فَأَشْهِدُ أَنَّ أُمّك لَم تُباشِرْ
الأبيات! لا تعودَنّ إلى مثلها، عَفَوْنا عنك. فأقبل حتى نزل الموصل،
فتزوّج امرأة ، فلما كان فى ليلة بنائها خرج حين أصبح إلى الصّيد ، فلقىَ
ذَهّانًا أو عطَّاراً على حمارله ، فقال له ابن مفرِّغ : من أين أقبلت ؟ قال :
من الأهواز؛ قال: وما فعل ماءُ مسْرُفَانَ ؟ قال : على حاله ؛ قال : فخرج
ابن مفرّغ فتوجه قِبَل البصرة ، ولم يُعليمِ أهله بمسيره، ومضى حتى قدم على
عُبيد الله بن زياد بالبصرة ، فدخل عليه فآمنه ، ومكث عنده حتى استأذنه
فى الخروج إلى كَرْمان ، فأذن له فى ذلك، وكتب إلى عامله هنالك بالوَصاة
والإكرام له، فخرج إليها. وكان عامل عبيد اللّه يومئذ على كتَرْمانَ شريكُ
ابنُ الأعور الحارثىّ .
وحجّ بالناس فى هذه السنة عثمان بن محمد بن أبى سُفْيان ، حدثنى
بذلك أحمد بن ثابت،عمّن حد ثه، عن إسحاق بن عيسى ، عن أبى معشر ،
وكذلك قال الواقدىّ وغيره .
وكان الوالى على المدينة الوليدُ بن عتبة بن أبى سُفْيان ، وعلى الكوفة
النعمان بن بشير ، وعلى قضائها شُرَيح ، وعلى البصرة عبيد الله بن زياد،
وعلى قضائها هشامُ بن هُبيرة ، وعلى خُراسانَ عبدُ الرحمن بن زياد ، وعلى
سِجِستانَ عبّاد بن زياد، وعلى كَرْمان شريك بن الأعور من قِبَل
عبيد الله بن زياد .
١٩٦/٢
ثم دخلت سنة ستين
ذكر ما كان فيها من الأحداث
ففى هذه السنة كانت غزوةُ مالك بن عبد اللّه سُورِيَة ودخولُ جُنادة
ابن أبى أمية رودس ، وهدمه مدینتها ، فی قول الواقدى .
[ ذكر عهد معاوية لابنه يزيد ]
وفيها كان أخذ معاوية على الوفد الذين وفدوا إليه (١) مع عبيد الله بن زياد
البيْعة لابنه يزيد ، وعهد إلى ابنه يزيد حين مرض فيها ما عهد إليه فى النّفر
الذين امتنعوا من البيعة ليزيد حين دعاهم إلى البيعة .
{ وكان عهدُه الذى عهد، ماذكر هشام بن محمد، عن أبى مخنف ، قال :
حدثنى عبد الملك بن نوفل بن مساحق بن عبد اللّه بن مخرَمة ؛ أنّ معاوية
لما مَرِض مرضَّتَه التى (٢) هلك فيها دعا يزيد ابنَه، فقال: يا بنىَّ، إنى قد
كَفَتك الرّحلة(٣) والتّرحال، ووطّأت لك الأشياء، وذلّت لك الأعداء ،
وأخضعتُ لك أعناقَ العرب ، وجمعتُ لك من جمع واحد (٤)، وإنى
لا أتخوَّف أن ينازعك هذا الأمر الذى استتبّ لك إلاّ أربعة نفر من قريش :
الحسين بن على، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزّبير، وعبد الرحمن بن
أبى بكر؛ فأمّا عبد اللّه بن عمر فرجلٌ قد وقتَذَتَه العبادة، وإذا لم يبق أحدٌ
غيره بايعك ، وأما الحسين بن علىّ فإنّ أهل العراق لن يتدعوه حتى يُخرجوه،
فإن خرج عليك فظفرتَ به فاصفح عنه فإنّ له رَحِمًا ماسّة وحقًّا عظيمًا؛
وأما ابن أبى بكر فرجل إن رأى أصحابه صنعوا شيئًا صنع مثلهم ، ليس له
همّة إلا فى النساء واللّهو، وأما الذى يَجِم لك جثومَ الأسد، ويراوغك مراوغة (٥)
١٩٧/٢
(١) س: ((عليه)).
(٢) س: ((مرضه الذى)).
(٣) س: ((الرجال)). كتاب المعمرين: ((الترحال))
(٤) س: ((جميع))؛ ابن الأثير: ((جمعت لك ما لم يجمعه أحد)). (٥) س: ((روغان)).
٣٢٢
سنة ٦٠
٣٢٣
الثعلب ، فإذا أمكنتْه فرصةٌ وثب، فذاك ابن الزبير ، فإن هو فعَلَها بك
فقَدَرَت عليه فقطّعه إرْبًا إِرْبًا (١).
قال هشام : قال عَوانة : قد سمعْنا فى حديث آخر أنّ معاوية لما حضره
الموت - وذلك فى سنة ستين - وكان يزيد غائبًا، فدعا بالضحّاك(٢) بن
قيس الفهرىّ - وكان صاحب شرطته - ومسلم بن عقبة المرّىّ، فأوصى إليهما
فقال : بلّغا يزيدَ وصّينى، انظر أهل الحجاز فإنهم أصلك ، فأكرِمْ مَن
قدم عليك منهم ، وتعاهد من غاب ، وانظر أهلَ العراق ، فإن سألوك أن
تَعِزِل عنهم كلّ يوم عاملاً فافعل، فإنّ عَزْلَ عامل أحبّ إلىّ من أن
تُشهر عليك مائة ألف سيف، وانظر أهل الشأم فليكونوا بطانتك وَعَيْبَتَك،
فإن نابك شىء من عدوّك فانتصر بهم ، فإذا أصبتَهم فارددْ أهل الشأم
إلى بلادهم ، فإنهم إن أقاموا بغیر بلادهم أخذوا بغير أخلاقهم ؛ وإنى لست
أخاف من قريش إلاّ ثلاثة: حسينَ بنَ علىّ، وعبدَ اللّه بن عمر، وعبد الله
ابن الزّبير؛ فأمّا ابن عمرَ فرجل قد وقَذَه الدّين، فليس ملتمساً شيئًا قبَلك،
وأما الحسين بن على فإنه رجل خفيف ، وأرجو أن يكفيكه اللّه بمن قتل أباه ،
وخَذَل أخاه، وإنّ له رَحِما ماسَّةٌ، وحقًّاً عظيماً، وقرابةً من محمد صلى ١٩٨/٢
اللّه عليه وسلم ، ولا أظنّ أهلَ العراق تاركيه حتى يخرجوه ، فإن قدرتَ عليه.
فاصفح عنه، فإنّى لو أنى صاحبه عفوتُ عنه، وأما ابن الزبير فإنه خَبٌّ ضَبٌّ، فإذا
شَخَص لك فالبدْله ، إلاّ أن يلتمس منك صُلحًا ، فإن فعل فاقبل"،
واحْقُنْ دماءَ قومك ما استطعت(٣).
[ ذ کر وفاة معاوية بن أبى سفيان ]
وفى هذه السنة هلك معاويةُ بن أبى سُفْيانَ بدمشق ، فاختُلف فى وقت
وفاته بعد إجماعٍ جميعهم على أنّ هلاكه كان فى سنة ستّين من الهجرة ،
٠٫٧٥
(١) الخبر فى كتاب المعمرين لأبى حاتم ١٥٥ .
(٢) س: ((الضحاك)).
(٣) كتاب المعمرين ١٥٥، ١٥٦.
٣٢٤
سنة ٦٠
وفى رجب منها ، فقال هشام بن محمد : مات معاويةُ لهلالٍ رجب من سنة
ستين .
وقال الواقدىّ : مات معاويةُ للنّصف من رجب .
وقال علىّ بن محمّد: مات معاويةُ بدمشقَ سنة ستّين يوم الخميس
لثمانٍ بقِين من رَجَب ؛ حَدَّتنى بذلك الحارث عنه .
ذكر الخبر عن مدة ملكه
حدثنى أحمد بن ثابت الرازىّ، قال : حدثنى مَن سمع إسحاقَ بن
عيسى يذكر عن أبى معشر، قال: بويع لمعاوية بأذْرُحَ، بايعه الحسنُ بنُ
علىّ فى جُمادَى الأولى سنة إحدى وأربعين، وتوفِّىَ معاوية فى رجب سنة
ستين ، وكانت خلافتُه تسعَ عشرةَ سنةً وثلاثة أشهر .
وحدثنى الحارث ، قال : حدثنا محمد بن سعد ، قال: أخبرنا محمد بن
عمر ، قال : حدثنى يحيى بن سعيد بن دينار السعدىّ ، عن أبيه ، قالوا :
١٩٩/٢ توفى معاوية ليلة الخميس للنصف من رجب سنة ستين، وكانت خلافته تسع
عشرة سنة وثلاثة أشهر وسبعة وعشرين يومًا.
وحَدَّثنى عمر، قال : حدّثنا علىّ، قال : بايع أهل الشأم معاوية"
بالخلافة فى سنة سبع وثلاثين فى ذى القعدة حين تفرّق الحكّمان ، وكانوا
قبلُ بايعوه على الطلب بدم عثمان، ثمّ صالحه الحسنُ بنُ علىّ ، وسلّم له
الأمر سنة إحدى وأربعين، لخمس بقين من شهر ربيع الأوّل ، فبايع الناس
جميعًا معاوية ، فقيل : عام الجماعة؛ ومات بدمشق سنة ستين، يوم الخميس
لثمان بقين من رجب . وكانت ولايتُه تسعَ عشرةَ سنةً وثلاثة أشهر وسبعةً
وعشرين يوماً .
قال : ويقال : كان بين موت على عليه السلام وموتِ معاويةَ تسعَ عشرةَ
سنةٌ وعشرةُ أشهر وثلاثُ لیالِ .
٣٢٥
سنة ٦٠.
وقال هشام بنُ محمد : بويع لمعاوية بالخلافة فى جمادى الأولى سنة
إحدى وأربعين، فولى تسع عشرةَ سنةً وثلاثة أشهر إلاّ أيامًا، ثم مات
لهلال رجب من سنة ستين .
[ ذكر مدّة عمره ]
واختلفوا فى مدّة عمره ، وكم عاش ؟ فقال بعضهم : مات يومَ مات
وهو ابن خمسٍ وسبعين سنة .
ذكر من قال ذلك :
حد ◌ّثنی عمر ، قال : حدثنا محمد بن یحی ، قال: أخبرنى هشام بن الوليد،
قال : قال ابن شهاب الزّهرىّ: سألنى الوليدُ عن أعمار الخلفاء ، فأخبرتُه
أنّ معاوية مات وهو ابن خمس وسبعين سنة ؛ فقال: بخ بخ ! إن هذا
لعُمْر .
وقال آخرون : مات وهو ابن ثلاث وسبعين سنة .
ذكر من قال ذلك :
حدثنى عمر، قال : حدثنى أحمد بن زهير قال : قال علىّ بن محمد :
مات معاويةُ وهو ابن ثلاث وسبعين ؛ قال : ويقال ابن ثمانين سنة .
وقال آخرون : توفى وهو ابن ثمان وسبعين سنة .
٢٠٠/٢
ذكر من قال ذلك :
حدّثنى الحارث، قال : حدثنا محمد بن سعد ، قال: أخبرنا محمد بن
عمر ، قال : حدثنى يحيى بن سعيد بن دينار ، عن أبيه، قال : توفى معاوية
وهو ابن ثمان وسبعين سنة .
وقال آخرون : توفى وهو ابن خمس وثمانين سنة ، حُدّٹتُ بذلك عن
هشام بن محمد أنه كان يقوله عن أبيه .
٣٢٦
سنة ٦٠
[ ذكر العلَّة التى كانت فيها وفاته ]
حدّثنى الحارث ، قال: حدثنا محمد بن سعد ، قال: حدّثنا أبو عبيدة،
عن أبى يعقوب الثقفىّ، عن عبد الملك بن عمير ، قال : لما ثَقُل مُعاوية
وحدّث الناس أنه الموت ، قال لأهله : احشُوا عينى إثمداً ، وأوسعوا رأسى
دُهنًا، ففعلوا، وبرَقوا وجهَه بالدّهن، ثم مُهِّدَ له ، فجلس وقال:
أسندونى ، ثم قال : ائذنوا للناس فليسلموا قياماً، ولا يجلس أحدٌ ، فجعل
الرجل يدخل فيسلم قائمًا فيراه مكتحلاً مُدّهنًا فيقول: يقول الناس : هو
لمآبه، وهو أصحّ الناس ، فلما خرجوا من عنده قال معاوية :
٠٠(١)
أَنِّى لِرَيبِ الدهرِ لا أَتَضَعْضَعُ
وتجَلُّدِى للشامِتِينَ أُرِيهِمُ
٢٠١/٢
أَلْفَيْتَ كلَّ تَميمةِ لا تَنفعُ
وإِذا المَنِيَّةُ أَنْشِبَتْ أَظْفارَها
قال : وكان به النُّفاثات (٢)، فمات من يومِهِ ذلك.
حدثنى أحمد بن زهير ، عن علىّ بن محمد ، عن إسحاق بن أيوب ،
عن عبد الملك بن ميناس الكلبىّ، قال: قال معاوية، لابنتيه فى مرضه الذى
مات فيه وهما تقلّبانه: تُقَلّبان حُوَلاَ قُلْبًا، جمع المال من شُبَّ إلى ◌ُدُبَّ(٣)
إن لم يدخل النار ، ثم تمثّل :
لقد سعیتُ لكم من سَعْی ذی نَصَب
وقد كَفَيْتُكُمُ التّطْوافَ والرِّحَلاَ(٤)
ويقال: ((من جمع ذى حسب)).
حدثنى أحمد بن زهير ، عن علىّ، عن سليمان بن أيوب، عن الأوزاعىّ
وعلىّ بن مجاهد، عن عبد الأعلى بن ميمون ، عن أبيه ؛ أنّ معاوية قال فى
(١) لأبى ذؤيب الهذلى، ديوان الهذليين ١: ٣٨.
(٢) ابن الأثير: ((التفاتات)).
(٣) من شب إلى دب ؛ أى من جمعت لدن شبيت إلى أن دببت على العصا؛ وأصل المثل ((أعييتنى
من شب إلى دب)) . وانظر اللسان ( شبب) .
(٤) كتاب المعمرين ١٥٩، وروايته: ((وقد كفيتكم الترحال والنصبا)).
٣٢٧
سنة ٦٠
مرضه الذى مات فيه: إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كسانى قميصًا فرفعتُه.
وقلم أظفاره يومًا ، فأخذتُ قُلامتَه فجعلتُها فى قارورة ، فإذا متّ فألبسونى
ذلك القميصَ ، وقطعوا تلك القُلامةَ ، واسحقوها وذُرُّوها فىعينى ، وفى فىّ ،
فعسى الله أن يرحمنى ببركتها! ثم قال متمثلاً بشعر الأشهب بنِ رُمَّلة
التَّهشلىّ يمدح به القُباع (١):
من الناس إِلاَّ من قليل مصَرَّدٍ
إِذا مُتّ ماتَ الجُودُ وانقطعَ النَّدَى
من الدّينِ والدنيا بخِلفٍ مُجدَّدٍ
ورُدَّتْ أَكُفُّ السائلينَ وَأَمْسَكوا
فقالت إحدى بناته أوغيرها: كلا يا أمير المؤمنين، بل يدفع الله عنك؛ ٢٠٢/٢
فقال متمثلاً :
وإِذا المنيّة أَنشبتْ أَظفارَها أَلفَيتَ كلَّ تَميمةٍ لا تَنفعُ
ثم أغمِىّ عليه ، ثم أفاق ، فقال: لمن حضره من أهله : اتقوا الله عزّ
وجلّ ، فإنّ اللّه سبحانه يقى من اتّقاه، ولا واقىَ لمن لا يتقى الله؛ ثم قضى.
.حدّثنا أحمد، عن علىّ، عن محمد بن الحكم ، عمّن حدّثه أنّ معاوية
لما حُضر أوصى بنصف ماله أن يُردّ إلى بيت المال، كان(٢) أراد أن يطيب
له الباقى ، لأنّ عمر قاسم عمّاله .
ذكر الخبر عمّن صَلّى على معاوية حين مات
F
حدثنى أحمد بن زهير، عن علىّ بن محمد، قال : صّلى على معاوية
الضحّاك بن قيس الفهرىّ ، وكان يزيد غائبًا حين مات معاوية .
وحُدَّثت عن هشام بن محمد ، عن أبى مخنف ، قال : حدّثّنى عبدالملك
ابن نوفل بن مُساحِق بن عبد الله بن مخرمة، قال : لما مات معاوية خرج
(١) هو الحارث بن عبد الله بن أبى ربيعة المعروف بالقباع، وانظر الكامل ٣: ٣٠٧.
(٢) ابن الأثير: ((كأنه)).
٣٢٨
سنة ٦٠
الضحاك بن قيس حتى صعد المنبرَ وأكفانُ معاوية على يديه(١) تلوح ،
فَحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إنّ معاوية كان عُود العرب، وحدّ العرب،
قطع اللّه عزّ وجلّ به الفتنة، ومَلّكهُ على العباد ، وفتح به البلاد . ألا إنه
قد مات، فهذه أكفانه ، فنحن مُدْرِ جُوه فيها، ومُدْخلوه قبرَه، ومُخلُّون
بينه وبين عمله ، ثمّ هو البرزخ إلى يوم القيامة ، فمن كان منكم يريد أن
يَشهَدَه فليحضُر عند الأولى، وبعث البَريدَ(٢) إلى يزيد" بوجع معاوية،
فقال يزيد فى ذلك :
٢٠٢/٢
فَأَوْجَسَ القلبُ من قرطاسهِ فَزْعَا (٣).
جاءَ البريدُ بقرطاسٍ يَخُبُ بِهِ
قالوا : الخليفةُ أَمْسَى مُثْبَتاً وجِعا
قلنا : لك الويلُ ماذا فى كتابِكُمُ ؟
كأَنَّ أَغْبَرَ من أركانها انقطعا
فمادتِ الأَرْضُ أَو كادَتْ تَمیدُ بنا
تُوشِكْ مقاليدُ تلك النفسِ أَن تقعا
من لا تَزَلْ نفسُهُ تُوِفِى على شَرَفٍ
وصوتُ رَملةَ رِيعَ القلبُ فانصَدَعا
لمّا انتهَيْنا وبابُ الدار مُنْصَفِقٌ
حدّثنى عمر، قال: حدثنا علىّ ، عن إسحاقَ بن خُلَيد، عن خليد
ابن عَجْلان مولى عبّاد، قال: مات معاويةُ ويزيد بحُوّارِين ، وكانوا كتبوا
إليه حين مرض ، فأقبل وقد ◌ُدُفِن ، فأتى قبره فصلى عليه ، ودعا له ، ثم أتى
منزله، فقال: ((جاء البريد بقِرْطاس ... )) الأبيات.
ذكر الخبر عن نسبه وكنيته
٢٠٤/٢
أما نسبه فإنه ابن أبى سُفْيان ، واسم أبى سُفْيان صَخْر بن حَرْب بن
أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصىّ بن كلاب ، وأمّه هند بنت عتبة
ابن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصىّ ، وكنيته أبو عبد الرحمن .
(١) س: ((على يده)).
(٢) فى المعمرين: ((بعد الظهر)).
(٣) الأغانى ١٦ : ٣٣ (ساسى)، والمعمرون ١٥٧.
٠
سنة ٦٠
٣٢٩
ذکر نسائه وولده
من نسائه مَيْسون بنت بَحْدل بن أنيف بن وَلْجة بن قُنافة بن عدىّ
ابن زهير بن حارثة بن جناب الكلبىّ، ولدت له يزيدَ بن معاوية. قال علىّ:
ولدت ميسونُ لمعاويةَ مع يزيد أمةً - ربّالمشارق - فماتت صغيرة، ولم يذكرها
هشام فى أولاد معاوية .
ومنهنّ فاختة ابنة قَرَظة بن عبد عمرو بن نوفل بن عبد مناف . ولدتْ
له عبد الرحمن وعبد الله بنی معاوية ، وكان عبد الله محمَّقًاً ضعيفاً ، وكان
يُكتنى أبا الخير. حدثنى أحمد، عن على بن محمد، قال: مرّ عبد الله بن معاوية يوماً
بطحان قد شدّ بغله فى الرّحا للطحن، وجعل فى عنقه جلاجل ، فقال له:
لمّ جعلتَ فى عنق بغلك هذه الجلاجل؟ فقال الطحّان : جعلتُها فى عنقه
لأعلمَ إِنْ قد قام فلم تَدُر الرّحا، فقال له: أرأيت إن هو قام وحرّك رأسه
كيف تعلم أنه لا يدير الرحا؟ فقال له الطحان: إنّ بغلى هذا - أصلح الله
الأمير - ليس له عَقْل مثل عقل الأمير! وأما عبد الرحمن فإنه مات صغيراً.
ومنهنّ نائلة بنت مُمارة الكلبية، تزوّجها ؛ فحدثنى أحمد، عن علىّ
قال : لما تزوج معاوية نائلة قال لميْسون : انطلقى فانظرى إلى ابنة عمك،
فنظرت إليها، فقال : كيف رأيتِها؟ فقالت : جميلة كاملة ، ولكن رأيت
تحتَ سرّتها خالاً ليوضعنّ رأس زوجها فى حِجْرها، فطلّقها معاوية،
فتزوّجها حبيب بن مسلمة الفهرىّ ، ثم خلف عليها بعد حبيب النعمان بن
بشير الأنصارىّ، فقتل ، ووضع رأسه فى حِجْرها .
٢٠٥/٢
ومنهنّ كَتْوة بنت قرظة أخت فاختة ، فغزا قُبْرُسَ وهى معه ، فماتت
هنالك .
ذكر بعض ما حضرنا من ذكر أخباره وسيره
حدّثنى أحمد بن زهير، عن علىّ، قال : لما بويع لمعاوية بالخلافة صير
٣٣٠
سنة ٦٠
X على شرطته قيس بن حمزة الهمدانىّ، ثم عزله، واستعمل زميل (١) بن عمرو
العُذْرىّ - ويقال السَّكْسكىّ. وكان كاتبه وصاحب أمره سرجون بن
منصور الرّومِىّ، وعلى حَرَسه رجلٌ من الموالى يقال له المختار ؛ وقيل : رجل
يقال له مالك ، ويكنى أبا المخارق ، مولّى لحمير. وكان أوّل من اتّخذ
الحرس . وكان على حجّابه سعد مولاه، وعلى القضاء فضالة بن عبيد
الأنصارىّ، فمات فاستقضى أبا إدريس عائذ اللّه بن عبد الله الخَوْلانىّ. إلى
هاهنا حديث أحمد ، عن على .
٢٠٦/٢
وقال غير علىّ: وكان على ديوان الخاتم عبد اللّه بن مِحصّن
الحمْيَرىّ ، وكان أوّل من اتّخذ ديوان الخاتم . قال : وكان سبب ذلك أن
معاوية أمر لعمرو بن الزُّبير فى معونته وقضاء دينه بمائة ألف درهم ، وكتب
بذلك إلى زياد بن سُميّة وهو على العراق، ففضّ عمرو الكتاب وصّير المائة
مائتين ، فلما رفع (٢) زياد حسابه أنكرها معاوية، فأخذعمراً بردّ ها وحبسه،
فأدّاها عنه أخوه عبدالله بن الزبير، فأحدث معاوية عند ذلك ديوان الخاتم
وخَزْم الكتب ، ولم تكن تُخْزَم .
حد ◌ّثنی عبد الله بن أحمد بن شبویه، قال:حدثنى أبى، قال:حدّثنی
سليمان ، قال : حدثنى عبد الله بن المُبارك ؛ عن ابن أبى ذئب ، عن سعيد
المَقْبرىّ، قال : قال عمر بن الخطاب: تذكرون كسرى وقيصرَ ودهاء هما
وعند کم معاوية !
حدّثنى عبد الله بن أحمد، قال: حدثنى أبى ، قال : حدّثنى
سليمان، قال : قرأت على عبد الله، عن فُليح، قال: أخبرت أنّ عمرو
ابنَ العاص وفد إلى معاوية ومعه أهلُ مصر ، فقال لهم عمرو : انظروا، إذا
دخلتم على ابن هند فلاتُسلّموا عليه بالخلافة، فإنه أعظم لكم فى عينه، وصغّر وه
ما استطعتم . فلما قدموا عليه قال معاوية لحجّابه: إنى كأنى أعرف ابن النابغة
وقد صغّر أمرى عند القوم ، فانظروا إذا دخل الوفد فتعتعوهم (٣) أشدّ تَعْتَعة
(١) ابن الأثير: ((زمل)).
(٣) تعتعوهم ؛ أى أزعجوم .
(٢) س: ((بلغ)).
٣٣١
سنة ٦٠
٢٠٧/٢
تقدرون علیها ، فلا يبلغی رجل منهم إلاّ وقد همّته نفسه بالتّلف. فكان أول
مَنْ دخل عليه رجل من أهل مصرَ يقال له ابن الخيّاط، فدخل وقد تُعتع،
فقال: السّلام عليك يا رسولَ الله، فتتابع القومُ على ذلك، فلما خرجوا قال لهم
عمرو: لعنكم الله! نهيتكم أن تسلموا عليه بالإمارة، فسدمتم عليه بالنبوة !
قال : ولبس معاوية يوماً عمامته الحرقانيّة واكتّحل ، وكان من
أجمل الناس إذا فعل ذلك. شكّ عبد الله فيه سمعه أو لم يسمعْه .
حدّثنى أحمد بن زهير ، عن علىّ بن محمد ، قال : حدّثنا أبو محمد
الأموىّ، قال: خرج عمربن الخطاب إلى الشام، فرأى معاوية فى موكب يتلقاه،
وراح إليه فى موكب ، فقال له عمر : يا معاوية ، تَروحُ فى موكب وتغدو
فى مثلِهِ؛ وبلغنى أنك تُصبح فى منزلك وذوو الحاجات ببابك ! قال :
يا أمير المؤمنين، إنّ العدوّ بها قريب منا، ولهم عيون وجواسيس، فأردتُ
يا أمير المؤمنين أن يروا للإسلام عزًّا؛ فقال له عمر: إنّ هذا لكيدُ رجل
لبيب ، أو خُدْعَةُ رجل أريب ؛ فقال معاوية : يا أمير المؤمنين ، مُرْنى
بما شئتَ أَصِرْ إليه؛ قال : وَيْحك! ما ناظرتُك فى أمر أعِيب عليك فيه
إلا تركتنى ما أدرى آمرك أم أنهاك!
حد ◌ّثنی عبد الله بن أحمد ، قال : حدثی أبى، قال: حدثنى سليمان ،
قال: حدثنى عبد اللّه، عن مَعَمَر، عن جعفر بن بُرْقان، أنّ المغيرة
كتب إلى معاوية : أمّا بعد، فإنى قد كَبِرَتْ سنى، ودَقّ عظمِى ،
وشَنِفَتْ لى (١) قريش، فإنْ رأيتَ أن تعزلسَى فاعزِلى.
فكتب إليه معاوية: جاءفى كتابُك تذكر فيه أنه كبرتْ سنُّك، فلعمرى ٢٠٨/٢
ما أكل عمرَك غيرُك، وتذكر أنّ قريشًا شنفتْ لك، ولعمرى ما أصبتَ خيراً
إلاّ منهم. وتسألنى أن أعزلك، فقد فعلت؛ فإنْ تك صادقًا فقدشفَّعتُك،
وإن تك مخادعًاً فقد خدعتُك.
(١) شنفت لى ؛ أى أبغضتنى.
٣٣٢
سنة ٦٠
حدّثنى أحمد ، عن علىّ بن محمد ، عن علىّ بن مجاهد ، قال : قال
معاوية: إذا لم يكن الأموىّ مصلحًا لما له ، حليماً، لم يُشبه مَن هو منه ،
وإذا لم يكن الهاشمىّ سخيًا جواداً لم يشبه من هو منه ، ولا يقدمْك من
الهاشمىّ اللسان والسخاء والشجاعة .
حدثنى أحمد ، عن علىّ، عن عوانة وخلاّد بن عيدة ، قال: تغدَّى
معاوية يومًا وعنده عبيد الله بن أبى بكْرة ، ومعه ابنُه بشير - ويقال : غير
بشير - فأكثر من الأكل ، فلحَظه معاوية ، وفتطن عبيد الله بن أبى بكثرة ،
فأراد أن يغمِزِ ابنه ، فلم يمكنه، ولم يرفع رأسه حتى فرغ، فلما خرخ لآَمَه
على ما صنع ، ثم عاد إليه وليس معه ابنه ، فقال معاوية : ما فعل ابنُك
التِّقامة ؟ قال: اشتكى؛ فقال: قد علمتُ أن أكلَه سيورَّتُه داءً".
حدّثنى أحمد، عن علىّ، عن جويرية بن أسماء، قال : قدم أبو موسى
على معاوية ، فدخل عليه فى بُرُنُسٍ أسوّد ، فقال : السّلام عليك يا أمينَ
اللّه، قال: وعليك السلام ؛ فلما خرج قال معاوية: قدم الشيخ لأُوَليْه،
ولا واللّه لا أوّلّيه .
حدثنى عبد الله بن أحمد، قال : حدثنى أبو صالح سليمان بن صالح
قال : حدثنى عبد الله بن المبارك ، عن سليمان بن المغيرة ، عن حميد بن
هلال ، عن أبى بُرْدة ، قال : دخلتُ على معاوية حيث أصابته قَرْحتُه ،
فقال : هلمّ يابن أخى، نحوى فانظر، فنظرتُ فإذا هى قد سُبِرِتْ ، فقلت:
ليس عليك بأس يا أميرَ المؤمنين ، فدخل يزيدُ فقال معاوية : إن وليتَ من
أمر الناس شيئًا فاستوص بهذا ، فإن أباه كان لى خليلاً أو نحو ذلك من
القول غير أنى رأيت فى القتال ما لم يَرَه .
حدثنى أحمد ، عن علىّ، عن شهاب بن عبيد الله ، عن يزيد بن
سويد ، قال : أذن معاوية للأحنف وكان يبدأ بإذنه ، ثم دخل محمد بن
الأشعث فجلس بين معاوية والأحنف ، فقال معاوية : إنا لم نأذن له قبلك
فتكونَ دونه، وقد فعلتَ فعالَ من أحسّمن نفسه ذلّاً، إنا كما تملك أموركم
٢٠٩/٢
ے
سنة ٦٠
٣٣٣
نملك إذنكم ، فأريدوا منا ما نريد منكم ، فإنه أبقى لكم .
حدثنى أحمد ، عن علىّ ، عن سُحيم بن حفص ، قال : خطب
ربيعة بن عِسْل اليربوعىّ إلى معاوية، فقال معاوية: اسقُوه سَوِيقا؛ وقال له
معاوية : يا ربيعة ، كيف الناسُ عندكم ؟ قال : مختلفون على كذا وكذا
فرقةً ؛ قال : فمن أيّهم أنت ؟ قال : ما أنا على شىء من أمرهم ؛ فقال
معاوية : أراهم أكثر ممّا قلت؛ قال : يا أمير المؤمنين ، أعنّى فى بناء دارى
باثنى عشرَ ألف جِذْع؛ قال معاوية : أين دارُك ؟ قال بالبصرة ، وهى
أكثر من فرسخين فى فرسخين ؛ قال : فدارُك فى البصرة ، أو البصرة فى
دارك! فدخل رجلٌ من ولده على ابن هُبِيْرة فقال: أصلح اللّه الأمير ! أنا
ابنُ سيِّد قومه، خطب أبى إلى معاوية، فقال ابن هبيرة لسلْ بن قتيبة : مايقول
هذا ؟ قال : هذا ابن أحمق قومِه ؛ قال ابن هبيرة : هل زوّج أباك معاوية ؟
قال : لا ، قال : فلا أرى أباك صنع شيئًا .
٢١٠/٢
حدّثنى أحمد ، عن علىّ ، عن أبى محمّد بن ذكوان القرشىّ، قال :
تنازع عُتبة وعنبسة ابنا أبى سُفْيان ـ وأمّ عتبة هند وأمّ عنبسة ابنة أبى أُزَيْهِر
الدَّ وسِىّ - فأغلظ معاويةُ لعنبسةَ، وقال عنبسة: وأنت أيضًا يا أمير المؤمنين!
فقال: يا عنبسة، إنّ عُتبةَ ابنُ هند ، فقال عنبسة :
قدماً فأَمست فَرَّقَتْ بيننا هندُ(١)
کنَّا بخیر صالحاً ذاتُ بینِنا
لبيضاءَ يَنمِيها غَطارفةٌ نُجْدُ(٢)
فإِنْ تك هندٌ لَم تَلِدْنى فإنَّتِى
ومأُوى ضعافٍ لا تَنُوءُ من الجَهدِ
أبوها أبوالأضياف فى كلِّشتْرةٍ
لمن خافَ من غَوْرَى تهامةَ أَونجدٍ
جُفَيْنَاته ما إِنْ تزال مُقيمة
فقال معاوية : لا أعيدها عليك أبداً .
حد ٹنی عبد الله بن أحمد ، قال : حدثنى أبى ، قال : حدثنى سليمان ،
قال : حدّثنى عبد اللّه، عن حرملة بن عمران، قال: أتى معاوية فى ليلة أنّ
(١) كتبت الأبيات فى ط محرفة على هيئة النثر. (٢) ط: ((مجد)).
٣٣٤
٢١١/٢
سنة ٦٠
قيصرَ قصد له فى الناس ، وأنّ ناتِل بن قيس الجُذامىّ غلب فلسطين وأخذ
بيتَ مالها، وأنّ المصريّين الذين كان سَجَنهم هَرَبوا، وأنّ علىّ بن
أبى طالب قصد له فى الناس، فقال لمؤذنه: أذّن هذه الساعة- وذلك نصف
الليل - فجاءه عمرو بن العاص ، فقال: لم أرسلت إلىّ ؟ قال : أنا ما أرسلت
إليك؛ قال: ما أُذّن المؤذّن هذه الساعة إلاّ من أجلى؛ قال: رُمِيتُ بالقِسِّ
الأربع ؛ قال عمرو : أما هؤلاء الذين خرجوا من سجنك ، فإنهم إن خرجوا
من سجنك فهم فى سجن اللّه عزّ وجلّ ، وهم قوم شُراةٌ لا رحلة بهم.، فاجعل
لمن أتاك برجل منهم أو برأسه دِيِّته، فإنك ستؤتى بهم ، وانظر قيصرَ فوادعْه،
وأعطه مالاً وحُللاً من حُلَل مصر ، فإنّه سيرضى منك بذاك ، وانظر ناتل
ابن قيس ، فلَعَمرى ما أغضبه الدّين ، ولا أراد إلا ما أصاب ، فاكتب
إليه ، وهب له ذلك ، وهنّئه إياه ، فإن كانت لك قدرةٌ عليه ، وإن لم تكن
لك فلا تأسَ عليه ، واجعل حدّك وحديدك لهذا الذى عنده دمُ ابن عمِّك.
قال : وكان القوم كلّهم خرجوا من سجنه غير أبرهة بن الصّباح ، قال
معاوية : ما منعك من أن تخرج مع أصحابك ؟ قال : ما منعنى منه بغض
لعلىّ، ولا حبّ لك، ولكنى لم أقدر عليه؛ فخلَّ سبيلَه.
حدّثنى عبد الله، قال: حدثنى أبى ، قال : حدثنى سليمان ، قال :
حدثنى عبد الله بن المبارك (١)، عن جرير بن حازم ، قال: سمعت محمد بن
الزبير يحدّث ، قال : حدثنى عبد الله بن مسعدة بن حكمة الفزارىّ من
بنى آلِ بدر ، قال : انتقل معاويةُ من بعض كورِ الشأم إلى بعض عمله ،
فنزل منزلاً بالشأم، فَبُسِط له على ظهر إجار(٢) مُشرِف على الطريق،
فأذن لى ، فقعدت معه، فمرّت القُطُرات والرّحائل والجوارى والخيول، فقال:
٢١٢/٢ يا بن مسعدة، رحم الله أبا بكر! لم يُرد الدنيا ولم تُرِدِه الدنيا، وأما عمر -
أو قال : ابن حَتْتمة - فأرادته الدنيا ولم يردْها، وأماعثمان فأصاب من الدنيا
وأصابتْ مِنه؛ وأما نحن فتمرّغنا فيها ؛ ثم كأنه ندم فقال: والله إنّه ◌ِمُلْك
آتانا الله إيّاه .
(١) ط: ((مسعدة))، وانظر الفهرس.
(٢) الإجّار: السطح بلغة الشام.
سنة ٦٠
٣٣٥
حدّثنى أحمد، عن علىّ بن محمّد، عن علىّ بن عبيد الله ، قال :
كتب عمرو بن العاص إلى معاوية يسأله لابنه عبد الله بن عمرو ما كان أعطاه
أباه من مصر ، فقال معاوية : أراد أبو عبد الله أن يكتب فهدَر، أشهدكم
أنى إن بقيتُ بعدَه فقد خلعتُ عهدَه. قال: وقال عمرو بن العاص :
ما رأيت معاوية متكئًا قطّ واضعًاً إحدى رجليه على الأخرى كاسراً عينه
یقول لرجل : تكلّم ، إلا رحمته
قال أحمد : قال علىَّ بن محمد: قال عمرو بن العاص لمعاوية:
يا أمير المؤمنين ، ألستُ أنصحَ الناس لك ؟ قال : بذلك نلتَ ما نلت .
قال أحمد : قال علىّ: عن جويرية بن أسماء ، أنّ بسر بن
أبى أرطاة نال من علىّ عند معاوية وزيد بن عمر بن الخطاب جالس ، فعلاه
بعصًا فشجه ، فقال معاوية لزيد : عمدت إلى شيخ من قريش سيّد أهل الشأم
فضربته! وأقبل على بُسر فقال: تَشتمُ عليًّا وهو جدّه وابن الفاروق على
رءوس الناس ، أوكنت ترى أنه يصبر على ذلك ! ثم أرضاهما جميعاً .
قال : وقال معاوية : إنى لأرفع نفسى من أن يكون ذنبٌ أعظم من عفوى ،
وجهلٌ أكثر من حلمى، أو عورةٌ لا أواريها بسترى ، أو إساءةٌ أكثر من
إحسانى. قال: وقال معاوية : زين الشريف العفَاف ؛ قال : وقال معاوية :
ما من شيء أحبّ إلىّ من عين خرّارة ، فى أرض خَوّارة ، فقال عمرو بن
العاص: ما من شىء أحب إلىّ من أن أبيت عروساً بعقيلة من عقائل
العرب ؛ فقال وَرْدان مولتى عمرو بن العاص: ما من شىء أحبّ إلىّ من
الإفضال على الإخوان، فقال معاوية: أنا أحقّ بهذا منك؛ قال: ما تحبّ فافعل .
٢١٣/٢
حدثنى أحمد، عن علىّ ، عن محمد بن إبراهيم ، عن أبيه ، قال :
كان عامل معاوية على المدينة إذا أراد أن يُبرد بريداً إلى معاوية أمر مُناديه
فنادى : مَن له حاجةٌ يكتب إلى أمير المؤمنين ؛ فکتب زرّ بن حُبيش- أو
أَيْمَن بن خُرَيم - كتابًا لطيفًا ورَمَتى به فى الكُتُب ، وفيه :
وأضطرَبَتْ من كِبَرِ أَعْضادُها
إِذا الرجالُ وَلَدَتْ أَولادُها
فهى زُرُوعُ قد دَنا حصادُها
وجَعلتْ أَسقامُها تعْدادُها
٣٣٦
سنة ٦٠
فلمّا وردت الكتب عليه فقرأ هذا الكتاب ؛ قال : نعى إلىّ نفسى.
قال : وقال معاوية : ما من شىء ألذّ عندى من غيظ أتجرّعه .
قال : وقال معاوية لعبد الرحمن بن الحكم بن أبى العاص : یابن أخى،
إنك قد لهُجْتَ بالشعر، فإيّاك والتشبيبَ بالنساء فتعُرّ الشريفة، والهجاء فتعرّ
كريمًا، وتستثير لئيما، والمدح ، فإنه طُعمة الوَقاح ، ولكن افخرْ بمفاخر
٢١٤/٢ قومك، وقل" من الأمثال ما تزين به نفسَك، وتؤدّب به غيرك .
حدّثنى أحمد ، عن على، قال : قال الحسن بن حماد : نظر معاويةُ
إلى الثُّما فى عباءة ، فازدراه، فقال: يا أمير المؤمنين، إنّ العباءة لا تكلّمك ،
وإنما يكلمك من فيها .
حدثنى أحمد، عن علىّ ، عن سليمان ، قال : قال معاوية : رجلان إن
ماتا لم يموتا ، ورجُلٌ إِنْ مات مات، أنا إنْ متّ خَلَفى ابنى، وسعيد إن
مات خلفه عمرو ، وعبد الله بن عامر إن مات مات ؛ فبلغ مروان ، فقال :
أمَّا ذكر ابنى عبد الملك ؟ قالوا : لا؛ قال : ما أحبّ أن لى بابنى ابنَتْهما .
حدّثنى أحمد، عن علىّ ، قال : حدّثنا عبد الله بن صالح ، قال :
قال رجل لمعاوية: أىّ الناس أحبّ إليك؟ قال: أشدّ هم لى تحبيبًا إلى الناس .
قال: وقال معاوية: العقل والحلم أفضل ما أعطِىَ العبد ، فإذا ذُكِّر ذكر،
وإذا أعطى شَكَر ، وإذا ابتُلى صَّبَرَ، وإذا غَضِب كَظَم ، وإذا قَدر
غَفّر، وإذا أساء استغفَرَ ، وإذا وَعَد أنجز.
حدثنى أحمد ، عن على، عن عبد اللّه، وهشام بن سعد، عن عبد الملك
ابن ◌ُمير ، قال : أغلَظَ رجلٌ لمعاوية فأكثر، فقيل له : أتحلم عن هذا ؟
فقال : إنى لا أحولُ بين الناس وألسنتهم ما لم يَحُولوا بيننا وبين مُلكِنا .
حدّثّنى أحمد ، عن علىّ ، عن محمد بن عامر ، قال : لامّ معاوية
عبد الله بن جعفر على الغناء ، فدخل يومًا على معاوية ومعه بُدَيْحٌ ، ومعاوية
واضع رجلاً على رِجل ، فقال عبد اللّه لبُديح: إيهًا يا بديح ! فتغنّى ،
:
سنة ٦٠
٣٣٧
٢١٥/٢
فحرّك معاوية رِجلَه، فقال عبدُ اللّه: مهْ يا أمير المؤمنين! فقال معاوية:
إن الكريمَ طَروب .
قال : وقدم عبدُ الله بن جعفر على معاوية ومعه سائبُ خائر - وكان
مولّ لبنى لَيث، وكان فاجراً - فقال له: ارفع حوائجَك؛ ففعل ، ورفع
فيها حاجة سائبٍ خاثر ؛ فقال معاوية: مَن هذا ؟ فخَبَّره ؛ فقال : أدخله،
فلمّا قام على باب المجلس غنَّى : .
لَعِبَتْ بِها الأَرواحُ والقَطْرُ !
لِمَن الديارُ رُسُومُها قَفْرُ
حِجَجٌ خَلْنَ ثَمان أَو عَشْرُ
وخَلاَ لَهَا من بعد ساكِنِها
شَرِقاً به اللَّبَاتُ والنَّحرُ
والزّعفران على تَرائِبها
فقال أحسنتَ ، وقضى حوائجَه .
حد ثنی عبد الله بن أحمد ، قال : حدثنى أبى ، قال : حد ◌ّثنی سلمان ،
قال: حدّثنى عبدالله، عن معمر، عن همّام بن منبه ، قال : سمعت ابن
عبّاس يقول : ما رأيت أحداً أخلقَ للمُلك من معاوية ، إن كان ليردُ الناس
منه على أرجاء وادٍ رحْب، ولم يكن كالضّيق الخضْخض، الحصر .. يعنى
ابن الزبير .
حدّثنى عبد الله ، قال : حدثنى أبى ، قال : حدثنى سليمان ، قال :
حدّثنى عبد الله، عن سُفيانَ بن عيينة ، عن مجالد ، عن الشعبىّ ، عن
قبيصة بن جابر الأسدىّ قال: ألا أخبركم من صحبتُ ؟ صحبتُ عمر بنّ
الخطاب فما رأيت رجلاً أفقَه فِقْها، ولا أحسنَ مُدارَسة منه ؛ ثم صحبتُ
طلحة بن عبيد الله، فما رأيت رجلاً أعطى للجزيل من غير مسألة منه ؛ ثم
صحبتُ معاويةَ فما رأيت رجلاً أحبَّ رفيقًا ، ولا أشبَهَ سريرةً بعلانية منه،
ولو أنّ المغيرةِ جُعِل فى مدينة لا يُخرَج من أبوابها كلِّها إلاّ بالغدر لخرج
منها .
٢١٦/٢
٣٣٨
سنة ٦٠
خلافة يزيد بن معارية
وفى هذه السنة بويع ليزيدَ بن معاوية بالخلافة بعد وفاة أبيه، للنّصف من
رجب فى قول بعضهم، وفى قول بعضٍ : لمانِ بقِينَ منه - على ماذكرنا قبلُ
من وفاة والده معاوية - فأقرّ عُبيد الله بن زياد على البَصرة، والنُّعمانَ بن
بشير على الكوفة .
وقال هشام بن محمد ، عن أبى مخنف ؛ ولى يزيد فى هلال رجب سنة
ستين ، وأمير المدينة الوليدُ بن عُتبة بن أبى سُفْيان، وأمير الكوفة النّعمان
ابن بشير الأنصارىّ، وأمير البصرة عُبيد الله بن زياد، وأمير مكّة عَمرو بن
سعيد بن العاص، ولم يكن ليزيد همّة حين ولى إلا بيعة النفر الذين أبوا على
معاوية الإجابة إلى بيعة يزيدَ حين دعا الناس إلى بيعته ، وأنه ولى عهده بعده،
والفراغ من أمرهم ، فكتب إلى الوليد :
بسم الله الرحمن الرحيم. من يزيدَ أمير المؤمنين إلى الوليد بن عتبة ، أما
بعد ، فإنّ معاوية كان عبداً من عباد الله، أكرمه اللّه واستخلَفَه، وخوّله ،
ومكّن له ، فعاش بقَدَرَ ، ومات بأجَل ، فرحمه الله ، فقد عاش محموداً ،
ومات بَرًّا تقيًّا، والسلام .
وكتب إليه فى صحيفة كأنها أذْنُ فأرة :
أما بعد، فخذ حُسَينًا وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير بالبيعة
أخْذاً شديداً ليست فيه رُخصة حتى يبايعوا ؛ والسلام .
٢١٧/٢
فلما أتاه نَعِىّ معاوية فَظع به، وكبُر عليه ، فبعث إلى مروانَ بن
الحكم فدعاه إليه - وكان الوليد يومَ قدم المدينة قدمها مروانُ متكارِهًا ...
فلما رأى ذلك الوليد منه شتمه عند جلسائه ، فبلغ ذلك مرْوان ، فجلس عنه
وصرَمَه ، فلم يزل كذلك حتى جاء نعىّ مُعاوية إلى الوليد ، فلما عظُم على
الوليد هلاكُ معاوية وما أمر به من أخذ هؤلاء الرّهط بالبيْعة ، فزع عند ذلك
إلى مروان، ودعاه، فلما قرأ عليه كتاب يزيد، استرجع وترحّم عليه ، واستشاره
سنة ٦٠
٣٣٩
الوليدُ فى الأمر وقال : كيف ترى أن نصنع ؟ قال : فإنى أرى أن تبعث
الساعةَ إلى هؤلاء النفر فتدعوهم إلى البيعة والدّخول فى الطاعة ، فإن فعلوا
قَبَلْتَ منهم ، وكَففتَ عنهم ، وإن أبَوا قدّمتَهم فضربتَ أعناقَهم
قبل أن يعلموا بموت معاوية ، فإنهم إن علموا بموت معاوية وثَبَ كلّ امرئ
منهم فى جانب ، وأظهرَ الخلافَ والمنابذة ، ودعا إلى نفسه لا أدرى ؛ أما
ابنُ عمَرَ فإنى لا أراه يرَى القتال، ولا يحبّ أنه يُوَلَّى على الناس، إلاّ أن
يُدفَع إليه هذا الأمر عَقْواً. فأرسل عبد الله بن عمرو بن عثمان - وهو إذ ذاك
غلامٌ حَدَث (١ - إليهما يدعوهما ١)، فوجدهما فى المسجد وهما جالسان،
فأتاهما فى ساعة لم يكن الوليد(٢) يجلس فيها للناس ، ولا يأتيانه فى مثلها،
فقال: أجيبَا، الأميرُ يدعوكما، فقال له : انصرف؛ الآن نأتيه . ثم أقبل
أحدهما على الآخر، فقال عبد الله بن الزبير للحسين: ظُنّ فيما تراه
بعث إلينا فى هذه الساعة التى لم يكن يجلس فيها! فقال حُسين: قد ظننتُ،
أرى طاغيّتهم قد هلك ، فبعث إلينا ليأخذنا بالبيعة قبل أن يَفْشُوَ فى الناس
الخبر ؛ فقال: وأنا ما أظنّ غیرہ .قال: فما تريد أن تصنع؟ قال: أجمع فتْیانی
الساعة، ثم أمشى إليه ، فإذا بلغتُ البابَ احتبستهم عليه ، ثم دخلت عليه .
قال : فإنى أخافه عليك إذا دخلت ؛ قال : لا آتيه إلا وأنا على الامتناع
قادر . فقام فجمع إليه مواليهُ وأهل بيته ، ثم أقبل بمشی حتى انتهى إلى باب
الوليد وقال لأصحابه : إنى داخلٌ ، فإن دعوتُكم أو سمعتم صوتَه قد علا
فاقتحموا علىّ بأجمعكم ، وإلا فلا تبرحوا حتى أخرج إليكم ، فدخل فسلّم
عليه بالإِمْرة ومرْوانُ جالسٌ عندَه، فقال حسين؛ كأنه لا يظن ما يظنّمن موت
معاوية : الصّلة خيرٌ من القطيعة ، أصلَح اللّهُ ذاتَ بينكما! فلم يجيباه فى
هذا بشىء ، وجاء حتى جلس، فأقرأه الوليد الكتابَ ، ونَعَى له معاوية ،
ودعاه إلى البيعة، فقال حسين: إنا لله وإنا إليه راجعون! ورَحِيم اللّه معاوية ،
وعَظَّ لك الأجر! أمّا ما سألتنى من البيعة فإنّ مثلى لا يُعطى بيعته سِرًّا،
٢١٨/٢
(١-١) كذا فى ط، وفى ابن الأثير: ((إلى الحسين وإلى ابن الزبير يدعوها))؛ وهو أوضح.
(٢) هو الوليد بن عتبة بن أبى سفيان أمير المدينة .
٣٤٠
سنة ٦٠
ولا أراك تجتزئ بها منى سرًّا دون أن نُظهِرَها على رءوس الناس علانية؛
قال : أجَلْ، قال: فإذا خرجتَ إلى الناس فدعوتتهم إلى البيعة دعوتنا
مع الناس فكان أمراً واحداً ؛ فقال له الوليد - وكان يحبّ العافية: فانصرف على
اسم اللّه حتى تأتينا مع جماعة الناس ؛ فقال له مروان : والله لئن فارقك الساعة
ولم يُبايع لا قدرتَ منه على مثلها أبداً حتى تكثُر القتلى بينكم وبينه، احبس
الرجلَ ، ولا يخرج من عندك حتى يبايع أو تضرب عنقه ؛ فوثب عند ذلك
الحسين ، فقال: يابن الزَّرقاء، أنت تقتلنى أم هو! كذبت والله وأثمت ،
ثم خرج فمرّ بأصحابه ، فخرجوا معه حتى أتى منزله . فقال مروانُ للوليد :
عصيتّى ، لا والله لا يُمكنك مِن مثلها مِن نفسه أبداً؛ قال الوليد: وَبُخْ
غيرَك يا مروان، إنك اخترتَ لى التى فيها هلاكُ دينى، والله ما أحبّ أن لى
ما طلعتْ عليه الشمس وغربتْ عنه من مال الدنيا ومُلكِها ، وأنى قتلتُ حُسينً
سبحان الله! أقتل حسينًا أن قال: لا أبايع! واللّه إنى لا أظنّ امراً يُحاسَبُ
بدمِ حسين خفيفُ الميزان عند الله يوم القيامة . فقال له مروان : فإذا كان
هذا رأيك فقد أصبتَ فيما صنعت ، يقول هذا له وهو غير الحامد له على رأيه .
وأما ابنُ الزبير، فقال: الآن آتيكم، ثمّ أتى دارَه فكمن فيها، فبعث
الوليد إليه فوجده مجتمعًا فى أصحابه متحرّزاً، فألحّ عليه بكثرة الرّسُل والرجال
فى إثر الرجال ؛ فأما حُسين فقال: كُفّ حتى تنظر وننظر ، وتَرَى ونَرى ؛
وأما ابنُ الزّبير فقال: لا تعجلونى فإنى آتيكم ، أمهلونى ، فألحوا عليهما
عشيتهما تلك كلها وأوّل ليلهما، وكانوا على حسين أشدّ إبقاءً ، وبعث
الوليد إلى ابن الزبير موالى له فشتموه وصاحوا به : يا بن الكاهلية، واللّه لتأتين
الأميرَ أو ليقتلنّك ، فلبث بذلك نهارَه كلَّه وأوّل ليلة يقول: الآن أجىء،
فإذا استحثّوه قال : والله لقد استربت بكثرة الإرسال ، وتتابع هذه الرجال ،
فلا تُعْجلونى حتّى أبعث إلى الأمير مَنْ يأتينى برأيه وأمرِه ، فبعث إليه أخاه
جعفر بن الزبير فقال : رحمك الله ! كفّ عن عبد اللّه فإنك قد أفزعْته
وذعَرْتُه بكثرة رُسلك، وهو آتيك غداً إن شاء اللّه، فمُرْ رُسلك فلْينصرفوا
عنّا . فبعث إليهم فانصرفوا، وخرج ابن الزبير من تحت الليل فأخذ طريق
٢١٩/٢