Indexed OCR Text
Pages 301-320
١٧٣/٢ ثم دخلت سنة ست وخمسين ذ کر ما کان فيها من الأحداث ففيها كان مَشتَى جُنادة بن أبى أميّة بأرض الرّوم؛ وقيل: عبدالرحمن ابن مسعود . وقيل غزا فيها فى البحر يزيد بن شَجَرة الرّهاوىّ ، وفى البرّ عِياض ابن الحارث . وحجّ بالناس - فيما حدثنى أحمد بن ثابت عمن حدّثه ، عن إسحاق ابن عيسى ، عن أبى معشر - الوليد بن عتبة بن أبى سُفْان . وفيها اعتَمَر معاوية فى رجب . [ ذكر خبر البيعة ليزيد بولاية العهد ] وفيها دعا معاويةُ الناسَ إلى بيعة ابنه يزيدَ من بعده، وجعله ولى العهد(١). ذكر السبب فى ذلك : حد ◌ّثی الحارث ، قال : حدثنا على بن محمد، قال : حدثنا أبو إسماعيل الهمْدانىّ وعلىّ بن مجاهد، قالا: قال الشعبىّ: قَدِم المغيرةُ على معاوية واستعفاه وشكا إليه الضَّعف، فأعفاه، وأراد أن يولّىَ سعيد بن العاص، وبلغ كاتب المغيرة ذلك، فأتى سعيد بن العاص فأخبره وعنده رجل من أهل الكوفة يقال له ربيعة - أو الربيع - من خُزاعة ، فأتى المغيرة فقال: يا مغيرة ، ما أرى أميرَ المؤمنين إلاّ قد قَلاك، رأيتُ ابن خُنيس كاتبك عند سعيد ابن العاص يخبره أنّ أمير المؤمنين يوليه الكوفة، قال المغيرة : أفلا يقول كما قال الأعشى : (١) س: ((عهده)). ٣٠١ ٣٠٢ ١٧٤/٢ سنة ٥٦ أَمْ غابَ رَبُّكَ فَاعْتَرْكَ خَصاصةٌ ولعلّ ربَّك أَن يعودَ مُؤْيِّدًا رُوَيْداً! ادخُل على يزيد ؛ فدخل عليه فعرّض له بالبيعة ، فأدّى ذلك يزيد إلى أبيه ، فردً معاوية المغيرة إلى الكوفة ، فأمره أن يعمل فى بيعة يزيد، فشَخَص المغيرة إلى الكوفة، فأتاه كاتبُه ابن خُنَيْس، فقال: والله ما غششْتْك ولا خُنْتُك، ولا كرهتُ ولايتَك ، ولكنّ سعيداً كانت له عندى يَدّ وبلاء، فشكرتُ ذلك له ، فرضى عنه وأعاده إلى كتابته ، وعمِل المغيرةُ فى بيعة يزيد، وأوفد فى ذلك وافداً إلى معاوية . حدثنى الحارث، قال: حدّثنا علىّ، عن مَسلّمة، قال: لما أراد معاوية أن يبايع ليزيدَ كتب إلى زياد يستشيره ، فبعث زياد إلى عبيد بن کعب النُّميرىّ، فقال: إنّ لكلّ مستشير ثقة، ولكلّ سرّ مستودَع، وإنّ الناس قد أبدعت(١) بهم خَصْلتان: إذاعة السرّ ، وإخراج النصيحة إلى غير أهلها ، وليس موضع السرّ إلاّ أحد رجلين: رجلُ آخرة يرجو ثواباً، ورجل دُنْيا له شَرَف فى نفسِه وعَقْل يصون حَسَبَه، وقد عجمْتُهما منك ، فأحمدت الذى قِبَلَك، وقد دعوتُك لأمر اتّهمتُ عليه بطونَ الصّحُف؛ إنّأمير المؤمنين كتب إلىّ يزعم أنه قد عزم على بيعة يزيد، وهو يتخوّف نَفْرةَ الناس ، ويرجو مطابقتهم ، ويستشيرنى، وعلاقةُ أمرِ الإسلام وضمانُه عظيم ، ويزيد صاحبُ رَسْلَة وتهاون ، مع ما قد أولِع به من الصيد ، فالقَ أمير المؤمنين مؤدّيًا عنى ؛ فأخبره عن فَعَلات يزيد؛ فقال له : رُوَيْدَك بالأمر، فأقْمَنُ(٢) أن يتمّ لك ما تريد، ولا تَعَجَل فإنّ دَرَكاً فى تأخير خيرٌ" من تعجيل عاقبتُهُ الفَوْت(٣) . فقال عُبيد له : أفلا غير هذا! قال: ما هو ؟ قال: لا تُفسد على معاويةَ رأيه، ولا تمقِّت إليه ابنَه، وألقى أنا يزيدَ سرًّا من معاوية فأخبره عنك أنّ أمير المؤمنين کتب إليك يستشيرك فى بيعته ، ١٧٥/٢ (١) أبدعت بهم خصلتان ، أى أضربهم. (٢) س: ((فلعل)). (٣) س: ((الموت)). ٣٠٣ سنة ٥٦ وأنك تخوّفُ خلاف الناس لهنَّات ينقمونها عليه، وأنّك ترى له ترك ما يُنقُّ عليه، فيستحكم لأمير المؤمنين الحجّة على الناس، ويسهل لك ما تريد، فتكون قد نصحت يزيد وأرضيتَ أمير المؤمنين ؛ فسلمت مما تخاف من علاقة أمر الأمّة. فقال زياد: لقد رميت الأمر بحجَرِه ، اشخص على بركة الله، فإن أصبت فما لا ينكر، وإن يكن خطأ فغير مستغشّ (١) وأبْعُدبك إن شاء الله من الخطإ، قال: تقول بما ترى ، ويقضى اللّه بغيب ما يعلم. فقدم على يزيدَ فذاكره ذلك. وكتب زياد إلى معاوية يأمره بالتؤدة، وألّ يعجل، فقبل ذلك معاوية ، وكفّ يزيد عن كثير مما كان يصنع، ثم قدم عبيد على زياد فأقطعه قطيعة حدثنى الحارث ، قال : حدثنا علىّ، قال: لما مات زياد دعا معاوية بكتاب فقرأه على الناس باستخلاف يزيد ، إن حدث به حدثُ الموت فيزيد ولى عهد، فاستوسق (٢) له الناس على البيعة ليزيد غير خمسة نفر (٣) فحدثنى يعقوبُ بن إبراهيم ، قال : حدّثنا إسماعيل بن إبراهيم، قال : حدّثنا ابن عون ، قال : حدثنى رجل بنخلة ، قال : بايع الناس ليزيد بن معاوية غير الحسين بن علىّ وابن عمر وابن الزّبير وعبد الرحمن بن أبى بكر وابن عبّاس؛ فلما قدم معاوية أرسل إلى الحسين بن علىّ، فقال : يابن أخى، قد استوسق الناس لهذا الأمر غير خمسة نفر من قريش أنت تقودُهْم؛ يابن أخى ، فما إرْبك إلى الخلاف ؟ قال : أنا أقودهم! قال : نعم ، أنت تقودهم ؛ قال: فأرسل إليهم، فإنْ بايعوا (٤) كنتُ رجلاً منهم، وإلا لم تكن عجلت علىّ بأمر؛ قال: وتفعل؟ قال: نعم؛ قال: فأخذ عليه ألّ يُخبر بحديثهم(٥) أحداً قال : فالْتوى عليه ، ثم أعطاه ذلك، فخرج وقد أقعد له ابن الزبير ١٧٦/٢ (١) س: ((غير مستشعر وأعيذك)» (٢) استوسق له الناس: اجتمعوا على رأيه (٣) س: ((نفر خمسة (٤) س: ((بايعوك)). (٥) س: ((يخبره)) ٣٠٤ سنة ٥٦ رجلاً بالطريق قال : يقول لك أخوك ابن الزبير : ما كان ؟ فلم يزل به حتى استخرج منه شيئًا . ثم أرسل بعده إلى ابن الزّبير، فقال له : قد استوسق الناسُ لهذا الأمر غير خمسة نفر من قريش أنت تقودهم ؛ يابن أخى ! فما إرْبك إلى الخلاف ؟ قال : أنا أقودهم ! قال : نعم ، أنت تقودهم ؛ قال : فأرسل إليهم فإن بايعوا كنتُ رجلاً منهم، وإلا لم تكن عجلتَ علىَّ بأمر ؛ قال : وتفعل ؟ قال : نعم ؛ قال : فأخذ عليه ألّ يخبر بحديثهم أحداً ؛ قال : يا أمير المؤمنين ، نحن فى حَرَم الله عزّ وجلّ ، وعهدُ اللّه سبحانه ثقيل، فأبى عليه ، وخرج . ١٧٧/٢ ثم أرسل بعده إلى ابن عمر فكلمه بكلام هو ألين من كلام صاحبه ، فقال: إنّى أرهب (١) أن أدعَ أمة محمد بعدى كالضأن لا راعىَ لها ، وقد استوسَق الناس لهذا الأمر غير خمسة نفر من قريش أنت تقودهم ، فما إرْبك إلى الخلاف! قال : هل لك فى أمرٍ يُذهب الذمّ ، وَيحقِن الدم (٢)، وتُدرك به حاجتك ؟ قال: وددتُ! قال : تبرز سريرك ، ثم أجىء فأبايعك، عَلى أنّى أدخل بعدك فيما تجتمع عليه الأمة، فوالله لو أنّ الأمة اجتمعتْ بعدك على عبد حبشىّ لدخلتُ فيما تدخل فيه الأمة ؛ قال : وتفعل ؟ قال : نعم ، ثم خرج فأتى منزله فأطبق بابته ، وجعل الناسُ يجيئون فلا يأذن لهم . فأرسل إلى عبد الرحمن بن أبى بكر ، فقال : يابن أبى بكر ، بأيّة يد أو رِجل تُقدم على معصيتى! قال : أرجو أن يكون ذلك خيراً لى ؛ فقال : والله لقد هممتُ أن أقتلَك؛ قال: لو فعلتَ لأتبعَك الله به لعنةً فى الدنيا، وأدخلك به فى الآخرة النار . قال : ولم يذكر ابن عباس . * * [ ذكر عزل ابن زياد عن خراسان واستعمال سعيد بن عثمان ] وكان العامل على المدينة فى هذه السنة مروان بن الحكم ، وعلى الكوفة الضحّاك بن قيس ، وعلى البصرة عبيد الله بن زياد ، وعلى خُراسان سعيد ابن عثمان . (١) س: ((كرهت)). (٢) س ((الدماء)). سنة ٥٦ ٣٠٥ وكان سبب ولايته خُراسانَ ما حدثنى عمر، قال: حدّثْنى علىّ ، قال : أخبرنى محمد بن حفص ، قال : سأل سعيد بن عثمانَ معاوية أن يستعمله على خُراسان ، فقال : إنّ بها عبيد الله بن زياد ، فقال: أما لقد اصطنعك أبى ورَفاك حتى بلغتَ باصطناعه المَدَى الذى لا يُجارَى إليه ولا يُسامَى، فما شكرت بلاءه ، ولا جازیته بآ لائه ، وقدمت علىّ هذا ۔ یعنی یزید بن معاوية - وبايعتَ له؛ ووالله لأنا خير منه أبًا وأمَّا ونفسًا؛ فقال: فقال معاوية: أمّا بلاء أبيك فقد يحقّ علىّ الجزاء به، وقد كان من شكرى لذلك أنى طلبتُ بدمه حتى تكشفت الأمور ، ولست بلائم لنفسى فى التّشمير (١) ؛ وأما فضل أبيك على أبيه فأبوك والله خيرٌ منى وأقربُ برسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وأما فضل أمّك على أمه فما يُنكّر ، امرأةٌ من قريش خير من امرأة من كلب ، وأما فضلُك عليه فوالله ما أحبّ أن الغُوطة دُحِسَتْ(٢) ليزيدَ رجالاً مثلك. فقال له يزيد : يا أمير المؤمنين، ابنُ عمّك، وأنت أحقّ مَن نَظر فى أمره ، وقد عَتَب عليك فأعتبه (٣)، قال : فولآه حربَ خُراسان ، وولى إسحاق ابنَ طلحة خراجها، وكان إسحاق ابن خالة معاوية، أمّه أمّ أبان ابنة عُتبة ابن ربيعة، فلما صار بالرّىّ مات إسحاق بن طلحة فولىَ سعيد خراجَ خُراسان وحربها . ١٧٨/٢ حدّثنى عمر ، قال: حدثنى علىّ، قال : أخبرنا مسلمة، قال : خرج سعيد إلى خُراسان وخرج معه أوس بن ثعلبة التّيمىّ صاحب قصر أوس؛ وطلحة ابن عبد الله بن خَلَف الخُزاعىّ والمهلّب بن أبى صُفْرة وربيعة بن عِسْل أحدُ بنى عمرو بن يَربوع؛ قال: وكان قومٌ من الأعراب يقطعون الطريقَ على الحاجّ ببطن فَلْج، فقيل لسعيد: إنّ ها هنا قومًا يقطعون (١) س: ((نفسى بالتشمير)). (٢) دحست، أى ملئت، وفى اللسان: ((وفى حديث جرير أنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو فى بيت مدحوس من الناس))، أى مملوء؛ وكل شىء ملأته فقد دحسته . وفى ابن الأثير : ((فوالله ما أحب أن الغوطة ملئت رجالا مثلك))، والغوطة: اسم مكان واسع فى فضاء دمشق وهى إحدى متنزهات الدنيا الأربع. (٣) أعتبه ، أى أرضاه . ٣٠٦ سنة ٥٦ الطريق على الحاجّ ويُخِيفون السبيل ، فلو أخرجتَهم معك! قال : فأخرج قومًا من بني تميم ، منهم مالك بن الرَّيْب المازنىّ فى فِتْيان كانوا معه ، وفيهم يقول الراجز (١): ١٧٩/٢ ومن أَبِى حَرْدبَةَ الأُثم (٢) الله أنجاك من القصيم ومالِكِ وسيفه المَسْمُومِ ومن غُوَیْثٍ فاتح المُگُومِ قال علىّ: قال مَسلَمة: قدم سعيد بنُ عثمانَ ، فقطع النّهر (٣) إلى سَمَرْ قَنْد، فخرج إليه أهل الصُّغْد، فتواقفوا يومًا إلى الليل ثم انصرفوا من غير قتال ، فقال مالكُ بن الرَّيْب يذمّ سعيداً: ما زلتَ يومَ الصُّغْدِ تُرعَدُ واقفاً من الجُبن حتى خِفْتُ أَن تَتَنصَّر! سوی نَسْلِهِ فی رهطِه حین أُدبرا وما كان فى عثمانَ شىءٍ عِلِمتُه بُطُونَ العَظايا من كسيرٍ وأَعورًا ولولا بنو حرب لَظلَّتْ دماؤُكُمْ قال : فلما كان الغدُ خرج إليهم سعيدُ بنُ عثمانَ ، وناهَضَه الصُّغد ، فقاتلهم فهزمهم وحصرهم فى مدينتهم ، فصالحوه وأعطَوْه رُهُناً منهم خمسين غلامًا يكونون فى يده من أبناء عظمائهم، وعَبَر فأقام بالتَّرْمِذ، ولم يفِ لهم ، وجاء بالغِلْمان الرّهن معه إلى المدينة . قال: وقدم سعيد بن عثمانَ خُراسان وأسلم بن زُرْعة الكلابىّ بها من قبَل عُبيد الله بن زياد، فلم يزل أسلم بن زُرعة بها مقيماً حتى كتب إليه عُبيد الله بن زياد بعهده على خُراسان الثانية، فلما قَدِمِ كتابُ عبيد اللّه على أسلم طرق سعيد بن عثمانَ ليلاً ، فأسقطتْ جاريةٌ له غلامًا، فكان سعيد ١٨٠/٢ (١) الأغانى ١٩: ١٦٣ (ساسى). (٢) قال صاحب الأغانى: ((وكان السبب الذى من أجله وقع مالك بن الريب إلى ناحية فارس أنه كان يقطع الطريق هو وأصحاب له، منهم شظاظ، وهو مولى لبنى تميم - وكان أخبتهم - وأبو حردبة أحد بنى أثالة بن مازن، وغويث أحد بنى كعب بن مالك بن حنظلة )». . (٣) س: ((الترمذ)). ٣٠٧ سنة ٥٦ يقول : لأقتلنّ به رجلاً من بنى حرب ؛ وقدم على معاوية فشكا أسلم إليه ، وغضبت القيسيّة ؛ قال: فدخل همّام بن قبيصة النَّمَرَىّ فنظر إليه معاوية محمرَّ العينين ، فقال : ياهمام، إنّ عينيك لمحمرتان؛ قال همّام : كانتا يومَ صِفِّين أشدّ حُمرة ؛ فغمّ معاوية ذلك، فلما رأى ذلك سعيد كفّ عن أسلم، فأقام أسلم بن زُرْعة على خُراسانَ واليًا لعُبيد الله بن زياد سنتين. ، ثم دخلت سنة سبع وخمسين وكان فيها مَشتّى عبد الله بن قيس بأرض الرّوم . وفيها صُرُف مروانُ عن المدينة فى ذى القعدة فى قول الواقدىّ؛ وقال غيره : كان مروانُ إليه المدينة فى هذه السنة . وقال الواقدىّ: استعمل معاويةُ على المدينة حين صَرّف عنها مروان الوليدَ بن عُشْبة بن أبى سُفْيان . وكالذى قال الواقدىّ قال أبو معشر ، حدثنى بذلك أحمدُ بن ثابت الرازىّ ، عمّن حدّثه ، عن إسحاق بن عيسى ، عنه . وكان العامل على الكوفة فى هذه السنة الضحّاك بنُ قيس، وعلى البصرة عُبيد الله بن زياد، وعلى خُراسانَ سعيد بن عثمانَ بن عفّان. ٣٠٨ ثم دخلت سنة ثمان وخمسين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث ١٨١/٢ ففيها نزع معاويةُ مروان عن المدينة فى ذى القعدة فی قول أبى معشر ، وأمَّر الوليد بن عتبة بن أبى سُفْيان عليها ؛ حدّثنى بذلك أحمدُ بن ثابت عمّن ذكره ، عن إسحاق بن عيسى، عنه . وفيها غزا مالكُ بن عبد الله الخثعمىّ أرضَ الروم. وفيها قتيل يزيد بن شجرة فى البحر فى السفن فى قول الواقدىّ . قال : ويقال عمرو بن يزيد الجُهَىّ، وكان الذى شتا بأرض الروم ، وقد قيل: إنّ الذى غزا فى البحر فى هذه السنة جُنادة بن أبى أميّة . وحجّ بالناس فی هذه السنة الوليد بن عتبة بن أبىسُفْیان ، كذلك حد ٹی أحمد بن ثابت عمّن ذكره ، عن إسحاق بن عيسى ، عن أبى معشر، وكذلك قال الواقدى وغيره . [ عزل الضحّاك عن الكوفة واستعمال عبد الرحمن بن أمّ الحكم ] وفى هذه السنة ولى معاويةُ الكوفة عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الله بن عثمان بن ربيعة الثقفىّ، وهو ابن أمّ الحكم أخت معاوية بن أبى سُفْيان، وعزل عنها الضحّاك بن قيس ، ففى عمله فى هذه السنة خرجتْ الطائفة الذين كان المغيرةُ بن شعبة حبسهم فى السّجن من الخوارج الذين كانوا بايعوا المستورد بن عُلَّفة، فظَفِرِ بهم فاستوَدعَهم السجن، فلما مات المغيرةُ خرجوا من السجن . فذكر هشام بن محمد أنّ أبامخنف، حدّثه عن عبد الرحمن بن جُندب، عن عبد الله بن عُقْبة الغَنَوِىّ أنّ حيَّان بن ظَبْيان السُّلَمِىّ جمع إليه أصحابه، ثم إنه حمد الله وأثنى عليه ثم قال لهم: أمّا بعد، فإنّ اللّه عزّ ٣٠٩ ٣١٠ ١٨٢/٢ سنة ٥٨ وجلّ كتب علينا الجهاد، فمنّا من قَضَى نَحْبَه ، ومنّا من ينتظر، وأولئك الأبرار الفائزون بفضلهم، ومَنْ يكن منّا من ينتظر فهو مِن سلفنا القاضين نَحبَهم ، السابقين بإحسان ؛ فمن كان منكم يريد اللّهَ وثوابه فليسلك سبيل أصحابه وإخوانه يؤته اللّهُ ثوابَ الدنياوحُسنَ ثواب الآخرة واللّه مع المحسنين . قال معاذ بن جُوّين الطائىّ: يا أهل الإسلام، إنا والله لو علمْنا أنا إذا تركنا جهاد الظلمة وإنكار الجور ، كان لنا به عند الله عذر ، لكان تركه أيْسِرَ علينا، وأخفَّ من ركوبه، ولكنّا قد علمنا واستيقنًا أنه لا عذر لنا ، وقد جعل لنا القلوب والأسماع حتى ننكر الظلم ، ونُغيّر الجوْر ، ونجاهد الظالمين ؛ ثم قال : ابسط يدك نبايعك، فبايعه وبايَعَه القومُ ، فضربوا على يد حيَّان بن ظَبْيان، فبايعوه ، وذلك فى إمارة عبد الرحمن بن عبد الله بن عثمان الثقفىّ، وهو ابن أمّ الحكم، وكان على شرطته زائدة بن قُدامة الثقفىّ. ثم إن القوم اجتمعوا بعد ذلك بأيام إلى منزل معاذ بن جوين بن حصين الطائىّ. فقال لهم حيَّان بن ظَبْيان: عبادَ الله، أشيروا برأيكم، أين تأمرونى أن أخرج ؟ فقال له معاذ : إنى أرى أن تسير بنا إلى حُلوان حتى ننزلها ، فإنها كورةٌ بين السهل والجبل ، وبين المِصر والثّغر - يعنى بالثغر الرىّ - فمن كان يرى رأينا من أهل المِصْر والشَّغر والجبال والسواد لحق بنا. فقال له حيّان: عدوُّك مُعاجلك قبل اجتماع الناس إليك، لَعمرى لا يتركونكم حتى يجتمعوا إليكم ، ولكن قد رأيت أن أخرجَ معكم فى جانب الكوفة والسَّبخة أو زُرارة والخيرة ، ثم نقاتلهم حتى نلحق بربّنا، فإنى والله لقد علمتُ أنكم لا تقدرون وأنتم دون المائة رجل أن تهزموا عدوّكم ، ولا أن تشتدّ نكايتكم فيهم؛ ولكن متى علم الله أنكم قد أجهدتم أنفسكم فى جهاد عدوّه وعد وكم كان لكم به العذر ، وخرجتم من الإثم . قالوا : رأينا رأيك ، فقال لهم عيّريس ابن عرقوب أبو سليمان الشيبانىّ : ولكن لا أرى رأىّ جماعتكم ، فانظروا فى رأى لكم ، إنِى لا إخالكم تَجهَلون معرفتى بالحرب ، وتجربتى بالأمور ، فقالوا له : أجَل ، أنت كما ذكرت ، فما رأيك ؟ قال : ما أرى أن تخرجوا على الناس بالمصر ، إنكم قليل فى كثير، والله ما تزيدون على أن تجزروهم أنفسكم ؛ وتقرّوا أعينهم بقتلكم، وليس هكذا تكون المكايدة إذْ آثرتم أن ١٨٣/٢ ٣١١ سنة ٥٨ تخرجوا على قوميكم ، فكيدوا عدوّكم ما يضرّهم؛ قالوا : فما الرأى ؟ قال : تسیر ون إلى الكورة التى أشار بنزولها معاذ بن جُوین بن حصين - يعنى حُلوان - أو تسيرون بنا إلى عَين التّمر فنقيم بها، فإذا سمع بنا إخواننا أتَوْنا من كلّ جانبٍ وأوْب؛ فقال له حيّان بن ظَبْيان: إنك والله لو سرتَ بنا أنت وجميع أصحابك نحو أحد هذين الوجهين ما اطمأننتم به حتى يلحق بكم خيولُ أهل المِصْر، فأنى تشْفُونَ أنفسكم! فوالله ما عدَّتكم بالكثيرة التى ينبغى أن تطمعوا معها بالنصر فى الدّنيا على الظالمين المعتدين ، فأخرجوا بجانب من مصركم هذا فقاتلوا عن أمر الله من خالفَ طاعة الله ، ولا تربّصوا ولا تنتظروا فإنكم إنما تبادرون بذلك إلى الجنة ، وتُخرِجون أنفسكم بذلك من الفتنة. قالوا: أما إذا كان لابدّ لنا (١) فإنا لن نخالفَك، فاخرج حيث أحببت . ١٨٤/٢ فمكث حتى إذا كان آخر سنة من سنِى ابن أمّ الحكم فى أوّل السنة - وهو أوّل يوم من شهر ربيع الآخر ـ اجتمع أصحابُ حيّان بن ظَبْيان إليه ، فقال لهم: يا قوم، إنّ اللّه قد جمعكم لخير وعلى خير، والله الذى لا إله غيره(٢) ما سررتُ بشىء قطّ فى الدنيا بعد ما أسلمت سُرورى لمُخرَجى هذا على الظَّمة الأئمة، فوالله ما أحبّ أنّ الدنيا بحذافيرها لى وأن اللّه حَرَمنى فى مُخرَجِى هذا الشهادة . وإنى قد رأيت أن نخرج حتى ننزل جانب دار جرير ، فإذا خرج إليكم الأحزابُ ناجز تمُوهم. فقال عِشْريس بن عُرُقوب البَكْرِىّ : أمّا أن نقاتلّهم فى جوف المِصْر فإنه يقاتلنا الرّجال، وتَصعد النساءُ والصّبيان والإماء فيرموننا بالحجارة ؛ فقال لهم رجل منهم : انزلوا بنا إذاً من وراء المِصْر الجسرّ - وهو موضع زرارة، وإنما بنيت زُرارة بعد ذلك إلا أبياتاً يسيرة كانت منها قبل ذلك - فقال لهم معاذ بن جوين بن حصين الطائىّ : لا ، بل سيروا بنا فلننزل بانِقْنَا فما أسرع ما يأتيكم عدوّ كم ، فإذا كان ذلك استقبلْنا القومَ بوجوهنا ، وجعلْنا البيوت فى ظهورنا ، فقاتلناهم من وجه واحد . فخرجوا ، فبُعث إليهم جيش ، فقُتلوا جميعًا . (١) س: ((ذلك رأيك)). (٢) س: ((لا إله إلا هو)). ٣١٢ ١٨٥/٢ سنة ٥٨ ثم إنّ عبد الرحمن بن أمّ الحكتم طرده أهل الكوفة، فحدّثت عن هشام ابن محمد ، قال : استعمل معاويةُ ابن أمّ الحكم على الكوفة فأساء السيرة فيهم ، فطردوه ، فلحق بمعاوية وهو خاله ، فقال له : أولّيك خيراً منها ؛ مصرّ ؛ قال : فولاه ، فتوجه إليها، وبلغ معاويةَ بن حُديج السَّكونىّ الخبر، فخرج فاستقبله على مَرْحلتين من مصر، فقال : ارجع إلى خالك فلعمرِى لا تسير فينا سيرتك فى إخواننا من أهل الكوفة . قال : فرجع إلى معاوية ، وأقبل معاوية بن حُدَيَج وافداً؛ قال : وكان إذا جاء قُلِّسَتْ له الطريق - يعنى ضُرِبت له قباب الرّيحان - قال : فدخل على معاوية وعنده أمّ الحكم ، فقالت : من هذا يا أمير المؤمنين ؟ قال : بخٍ ! هذا معاوية بن حُدَيج؛ قالت: لا مرحباً به! تَسمَعَ بالمُعَيْدِىّ خيرٌ مِن أن تراه؛ فقال: على رِسْلِكِ يا أمّ الحكم! أما والله لقد تزوّجت فما أكرمتِ ، وولدتِ فما أنْجَبْتِ ، أردتِ أن يلى ابنك الفاسق علينا فيسير فينا كما سار فى إخواننا من أهل الكوفة ؛ ما كان اللّه ليُرِيتَه ذلك ، ولو فعل ذلك لضربْناه ضربًا يطأطئ منه ، وإن كره ذلك الجالس . فالتفت إليها معاوية ، فقال : كُفّى. [ ذكر قتل عروة بن أديّة وغيره من الخوارج ] وفى هذه السنة اشتدّ عبيد الله بن زياد على الخوارج ، فقتل منهم صبراً جماعة" كثيرة ، وفى الحرب جماعة أخرى ، ومن قتل منهم صبراً عروة بن أدیة، أخو أبى بلال مرداس بن أَدَيّة . . ذكر سبب قتله إيّاهم : حدّثنى عمر ، قال : حدثنى زهير بن حرب ، قال : حدثنا وهب بن جرير ، قال : حدثنى أبى ، قال : حدّثنى عيسى بن عاصم الأسدىّ ، أنّ ابن زياد خرج فى رهان له، فلما جلس ينتظر الخيل اجتمع الناسُ (١) وفيهم عروة بن أديّة أخو أبى بلال ، فأقبل على ابن زياد فقال : خمس كنَّ ١٨٦/٢ (١) س: ((ساس)). ٣١٣ سنة ٥٨ فى الأمم قبلنا، فقد صِرْن فينا: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعِ آيَةً تَعْبَنُونَ* وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكَمْ تَخْلُدُونَ * وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَارِينَ﴾(١). وخَصْلتين أخريين لم يحفظهما جرير . فلما قال ذلك ظنّ ابن زياد أنه لم يجترئ على ذلك إلا ومعه جماعة من أصحابه ، فقام ورَكِب وترك رهانه، فقيل لعُرْوة: ما صنعتَ! تعلَّمَنْ واللّه ليقتلنّكَ. قال: فتوارى، فطَلَبه ابنُ زياد، فأتى الكُوفة ، فأخذ بها ، فقدم(٢) به على ابن زياد، فأمر به فقطعتْ يداه ورجلاه ، ثم دعا به فقال : كيف ترى ؟ قال: أرى أنك أفسدت دنياى وأفسدت آخرتَك ؛ فقَتَّله ، وأرسل إلى ابنته فقتلها . وأما مرداس بن أدیّة فإنه خرج بالأهواز وقد كان ابن زياد قبل ذلك حَبَسه - فيما حدثنى عمر، قال: حدّثّى خلاّد بن يزيدَ الباهلىّ، قال: حبس ابن زياد - فيمن حبس - مرداس بن أدیة،فكان السجان یری عبادته واجتهاده ، وكان يأذن له فى الليل ، فينصرف ، فإذا طلع الفجر أتاه حتى يدخل السجن ، و کان صدیقٌ لمرداس یسامرُ ابن زياد ، فذكر ابن زياد الخوارج ليلةً فعزم على قتلهم إذا أصبح ، فانطلق صدیقُ مرداس إلى منزل مرداس فأخبرهم ، وقال : أرسلوا إلى أبى بلال فى السجن فليعهْد فإنه مقتول ، فسمع ذلك مرداس ، وبلغ الخبرُ صاحبَ السجن ، فبات بليلة سوء إشفاقًا من أن يعلم الخبر مرداس فلا يرجع ، فلما كان الوقت الذى كان يرجع فيه إذا به قد طلع ، فقال له السجّان: هل بلغك ما عزم عليه الأمير ؟ قال : نعم ؛ قال : ثمّ غدوتَ! قال: نعم، ولم يكن جزاؤك مع إحسانك أن تعاقَب بسبى؛ وأصبح عُبيد اللّه فجعل يقتل الخوارج، ثم دعا بمرداس ، فلمّا حضر وَتَب السجّان - وكان ظهراً لعبيد الله - فأخذ بقدمه، ثم قال: هب هذا ؛ وقصّ عليه قصّته ، فوهبه له وأطلقه . ١٨٧/٢ حدّثی عمر ، قال : حدثنا زُهیر بن حرب ، قال : حدثنا وهب بن جرير ، قال : حدثنا أبى ، قال : حدّثنى يونس بن عبيد ، قال : خرج (١) سورة الشعراء: ١٢٨ - ١٣٠. (٢) س: ((فأتى)). ٣١٤ سنة ٥٨ مرداس أبو بلال - وهو من بنى ربيعة بن حنظلة - فى أربعين رجلاً إلى الأهواز ، فبعث إليهم ابنُ زباد جيشًا عليهم ابن حصن التميمىّ ، فقتلوا فى أصحابه وهزموه ، فقال رجلٌ من بنى تَيْم اللّه بن ثعلبة: ويَقتُلُهُمْ بآسَكَ أَرْبَعونا (١) أَأَلْفًا مُؤْمِنٍ منكم زَعمْتُمْ ولكِنّ الخوارِجَ مؤمِنونا كذبتُمْ ليس ذاك كما زعمتمْ على الفِئةِ الكثيرة يُنْصَرُونا م .(٢) هى الفِئةُ القليلة قد عَلمتُمْ (١) قال عمر : البيت الأخير (٣) ليس فى الحديث ، أنشدنيه خلاّد بن یزید الباهلى . ١٨٨/٢ وقيل: مات (٤) فى هذه السنة مُميرة بن يتربىّ قاضى البصرة، واستُقْضِىَ مكانَه عليها هشامُ بن هُبيرة . وكان على الكوفة فى هذه السنة عبد الرحمن بن أمّ الحكم. وقال بعضهم: كان عليها الضحّاك بن قيس الفِهْرىّ، وعلى البَصْرة عُبيد الله بن زياد، وعلى قضاء الكوفة شُريح . وحجّ بالناس الوليدُ بنُ عُتبة فى هذه السنة ، كذلك قال أبو معشر والواقدى . (١) من أبيات ذكرها ياقوت فى ١: ٥٨، ونسبها إلى عيسى بن فاتك الخطفى، أحد بنى تيم الله ابن ثعلبة . (٢) ياقوت: ((غير شك)). (٣) س: ((الآخر)). (٤) س: ((هلك)). ثم دخلت سنة تسع وخمسين ذكر ما كان فيها من الأحداث ففيها كان مَشتَى عَمرو بن مرّة الجُهَسَىّ أرض الروم فى البرّ؛ قال الواقدىّ: لم يكن عامَئذٍ غزوٌ فى البحر . وقال غيره : بل غزا فى البحر جُنادة بنُ أبى أميّة . وفيها عُزِل عبدُ الرحمن بن أمّ الحكم عن الكوفة ، واستُعمِل عليها النعمانُ بنُ بَشير الأنصارىّ؛ وقد ذكرنا قبلُ سببَ عزل ابن أمّ الحكتم عن الكوفة . [ ذكر ولاية عبد الرحمن بن زياد خراسان ] وفى هذه السنة ولَى معاوية عبد الرحمن بنَ زياد بن سُمَيَّة خُراسان . ذكر سبب استعمال معاوية إيّاه على خراسان : حدّثنى الحارث بن محمد ، قال : حدّثنا علىّ بن محمد ، قال : حدّثنا أبو عَمرو ، قال : سمعتُ أشياخَنَا يقولون: قدم عبدُ الرحمن بنُ زياد وافداً ١٨٩/٢ على معاوية ، فقال : يا أميرَ المؤمنين، أمَّا لنا حقٌّ ؟ قال : بلى ؛ قال : فماذا تولّينى ؟ قال : بالكوفة النعمان رشيدٌ ، وهو رجل من أصحاب النبيّ صلى اللّه عليه وسلم، وعبيد الله بن زياد على البصرة وخُراسان، وعبّاد بن زياد على سِجِسْتان، ولست أرى عملا يُشبهك إلا أن أشركتَك فى عمل أخيك عبيد اللّه؛ قال أشرِكنى ، فإنَّ عَمله واسع يحتمل الشركة ، فولاه خُراسان . قال على: وذكر أبو حفص الأزدىّ، قال : حدثنى عمر، قال: قدم علينا قيسُ بنُ الهيثم السُّلَمِىّ ، وقد وجهه عبد الرحمن بن زياد ، فأخذ أسلم بن ٣١٥ ٣١٦ سنة ٥٩ زُرْعة فحبسه ، ثم قَدِمِ عبد الرحمن ، فأغرَمَ أسلم بن زرْعة ثلثمائة ألف درهم . قال : وذكر مصعب بن حيّان ، عن أخيه مُقاتل بن حيّان، قال: قدمَ عبدُ الرحمن بنُ زياد خُراسانَ، فقدمَ رجلٌ سخىٌّ حريصٌ ضعيفٌ لم يغزُ غزوةٌ واحدةً ، وقد أقام بخُراسان سنتين . قال علىّ : قال عوانة : قدم عبدُ الرحمن بن زياد على يزيد بن معاوية من خُراسان بعد قتل الحسين عليه السلام ، واستخلف على خُراسانَ قيسَ ابن الهيثم . قال: وحد ثنی مسلمة(١) بن محارب وأبو حفص، قالا : قال یزیدُ لعبدالرحمن ابن زياد : كم قدمتَ به معك من المال من خُراسان ؟ قال : عشرين ألف ألف درهم ؛ قال : إن شئتَ حاسبناك وقبضناها منك ، ورددناك على عملك ، وإن شئتَ سوّغناك وعزَلْناك، وتعطى عبد الله بن جعفر خمسمائة ألف درهم ؛ ١٩٠/٢ قال: بل تسوّغنى ما قلت، ويُستعمل عليها غيرى. وبعث عبد الرحمن بن زياد إلى عبد الله بن جعفر بألف ألف درهم ، وقال : خمسمائة ألف من قبل أمير المؤمنين ، وخمسمائة ألف (٢) من قبلى . [ ذکر وفود عبيد الله بن زياد على معاوية ] وفى هذه السنة وَقَد عُبيد الله بن زياد على معاوية فى أشراف أهل البصرة، فعزله عن البصرة ، ثم رّده عليها وجدّد له الولاية . * ذكر من قال ذلك(٣): حدثنی عمر، قال : حدثنى علىّ، قال: وفد عبيد الله بن زياد فى أهل العراق إلى معاوية فقال له : ائذن" لوفدك على (٤) منازلهم وشرفهم ، فأذن لهم ، (١) ط: ((مسلم))، وانظر الفهرس. (٢) س: ((ألف درهم)). (٣) كذا فى س، وفى ط: ((ذكر ذلك)). (٤) س: ((فى منازلهم)). ٣١٧ سنة ٥٩ ٹے ودخل الأحنفُ فى آخرهم ، وكان سَيّئ المنزلة من عُبيد اللّه ، فلما نظر إليه معاويةُ رحّب به ، وأجلسه معه على سريره، ثم تكلم القومُ فأحسنوا الثناءُ على عبيد اللّه، والأحنفُ ساكت، فقال: مالَكَ يا أبا بَحْر لا تتكلّم! قال : إن تكلّمتُ خالفتُ القومَ . فقال : انهضوا فقد عزلته عنكم ، واطلبوا واليًا ترضَوْنه، فلم يبق فى القوم أحد إلا أتى رجلاً من بنى أميّة أو من أشراف أهل الشأم ، كلّهم يطلب ، وقعد الأحنف فى منزله، فلم يأت أحداً، فلبثوا أيامًا ، ثم بعث إليهم معاوية فجمعهم ، فلما دخلوا عليه قال : مَن اخترتم ؟ فاختلفتْ كلمتهم، وسمّى كلّ فريق منهم رجلاً والأحنف ساكتٌ ، فقال له معاوية : مالَك يا أبا بحر لا تتكلّم! قال : إن ولّيت علينا أحداً من أهل بيتك لم نعدل بعُبيد الله أحداً، وإنْ وليت من غيرهم فانظر فى ذلك ، قال معاوية : فإنى قد أعدته علیکم ، ثم أوصاه بالأحنف ، وقبح رأيه فى مباعدته، فلما هاجت الفتنةُ لم يفِ لعُبيد اللّه غيرُ الأحنف . ١٩١/٢ [ ذكر هجاء يزيد بن مفرّغ الحميري بنى زياد ] وفى هذه السنة كان ما كان من أمر يزيد بن مفرِّغ الحميرىّ وعبّاد بن زياد وهجاء يزيد بنی زیاد . ذكر سبب ذلك : # حدّثت عن أبى عبيدة معمر بن المثنّى أن يزيدَ بن ربيعة بن مفرِّغ الحَمْيَرىّ كان مع عبّاد بن زياد بسجستان، فاشتغل عنه بحرب التّرك ، فاستبطأه ، فأصاب الجند مع عبّاد ضِيقٌ فى أعلاف دوابهم ، فقال ابن مفرّغ : أَلا لَيْتَ اللُّحَى عادتْ حَشيشاً فنعْلِفَها خُيُولَ الْمُسْلِمِينَا(١)! وكان عبّاد بن زياد عظيمَ اللحية ، فأنِهِىَ شِعْرُه إلى عبّاد؛ وقيل: ما أراد غيرك ، فطلبه عبّاد، فهرب منه ، وهجاه بقصائد كثيرة ، فكان مما هجاه به قولُه : (١) الأغانى ١٧: ٥٣ (ساسى). ٣١٨ سنة ٥٩ (١) فبَشِّرْ شعْبَ قعْبكَ بانصداع إِذا أَوْدَى مُعاوية بنُ حَرْبٍ أَبا سُفيانَ واضعَة القِناعِ فأَشْهِدُ أَنَّ أُمكَ لم تُبَاشِرْ على وَجَلٍ شَدِيدٍ وارتياعٍ ولكِنْ كان أَمَرًا فِيه ◌َبْسُ وقوله : مُغَلْخَلَةً من الرَّجُل اليمانِ (٢) أَلا أَبْلِغْ مُعَاوِيةً بن حَرْبٍ وتَرَضَى أَن يُقَالَ أَبُوكَ زَانٍ! أَتَغْضِبُ أَن يُقال أَبُوكَ عَفّ کرِحْم الفِيل من ولَدِ الأَتان فأَشْهَد أَنَّ رِحْمَكَ من زِیادٍ ١٩٢/٢ فحدّثنى أبو زيد، قال: لما هجا ابن المفرِّغ عبّاداً فارقه مقبلاً إلى البصرة، وعبيد الله يومئذ وافدٌ على معاوية، فكتب عبّاد إلى عُبيد الله ببعض ما هجاه به ، فلمّا قرأ عُبيد الله الشعرَ دخل على معاوية فأنشده إياه، واستأذنه فى قتل ابن مفرِّغ، فأبى عليه أن يقتلَه ، وقال : أدِّبْه ولا تبلغ به القتل ، وقدم ابن مفرِّغ البصرة ، فاستجار بالأحنف بن قيس ، فقال : إنا لا نجير على ابن سميّة، فإن شئتَ كفيتُك شعراءَ بني تميم؛ قال: ذاك ما لا أبالى أنْ أُكْفاه ، فأتى خالد بن عبد الله فوعده، وأتى أميّة فوعده، ثم أتى عمر بن عبيد الله بن معمر فوعده ، ثم أتى المنذر بن الجارود فأجاره ، وأدخله داره ، وكانت بَحْرِيَّة بنت المنذر عند عُبيد الله، فلما قدم عبيد اللّه البَصرة أخبر بمكان ابن مفرِّغ عند المنذر، وأتى المنذرُ عبيدَ اللّه مسلِّما، فأرسل عبيد الله الشُّرَط إلى دار المنذر، فأخذوا ابن مفرِّغ، فلم يشعر المنذر وهو عند عُبيد الله إلا بابن مفرِّغ قد أقيم على رأسه، فقام إلى عُبيد اللّه وقال: أيّها الأمير ، إنى قد أجرته ، قال: والله يا منذر ليمدحنّك وأباك ويهجونى أنا وأبى، ثم تجيره علىّ ! فأمر به فسُقى دواءً، ثم حُمل على حمار عليه إكافٌ فجعل يطاف به وهو يَسلَح (١) الأغانى ١٧ : ٥٧ (ساسى). (٢) الأغانى: ١٧: ٦٠ (ساسى). سنة ٥٩ ٣١٩ فى ثيابه ، فيُمَرُّ به فى الأسواق ، فمرّ به فارسىّ فرآه، فسأل عنه، فقال: إين ١٩٣/٢ جيست(١) ؟ ففهمها ابنُ مفرّغ، فقال (٢): عصارات زبيب اسْت آبْ اسُتْ نبیذ است. * سمُسّيّة روسييد استْ(٣). ثم هجا المنذر ابن الجارود : وجاوَرْتُ عبدالقيسِ أَهْلَ المُشَفَّرِ (٤) تركتُ قُرَيشاً أَن أُجاورَ فیھمُ أَعاصيرَ من فَسْوِ العِراق المُبَذِّرِ (٥) أُناسٌ أَجارُونا فكان جوارُهُمْ ولا يمنَعُ الجِيرانَ غَيرُ المُشمّر فأَصبح جارِى من جُذِيمَةً نائماً وقال لعُبيد اللّه : راسِخُ منكَ فى العظامِ البَوالى(٦) يَغْسِلُ المساءُ مَا صَنَعْتَ وَقَوْلى ثم حمله عبيد اللّه إلى عبّاد بسجستان، فكلّمت المانية فيه بالشأم معاوية، فأرسل رسولا إلى عبّاد ، فحمل ابن مفرّغ من عنده حتى قَدِم على معاوية، فقال فى طريقه : نجَوْتِ وهذا تحملينَ طَليقُ(٧) عَدَسْ مالِعِبَادٍ عَلَيْكِ إِمارةٌ إمامٌ وحبْلٌ لِلأَنَامِ وَثِيقُ لَعَمْرِى لقد نجّاكِ من هُوَّةِ الرَّدى (١) إين جيست؛ بالفارسية معناها: ((هذا ماذا؟)). (٢) وردت هذه الأبيات الفارسية فى الشعر والشعراء ٣٢٠ والبيان والتبيين ١ : ١٤٣، والأغانى ١٧ : ٥١، والخزانة ٢١٠. (٣) آب: ماء . است فعل من أفعال الكينونة بالفارسية، أراد أن النبيذ ماهو إلا ماء، هو عصارات الزبيب . سمية هى أم زياد بن أبيه . وروسبيد ، أى مشهورة . ( ٤) الأغانى ١٧ : ٥٧ . (٥) الأغانى: ((المشذر). (٦) من قصيدة طويلة فى الأغانى ١٧ : ٥٧، ٥٨ : (٧) الأغانى ١٧: ٦٠، والشعر والشعراء ٣٢٤ مع اختلاف فى الرواية. عدس: كلمة زجر البغال . ١٩٤/٢ ٣٢٠ ومثِلى بِشُكْرِ المنعِمِينَ حقيقٌ سأَشْكُرُ مَا أَوْلَيْتَ من حُسْنِ نِعْمَةٍ فلما دخل على معاوية بكى، وقال: رُكبَ مِنى ما لم يُرْكَبْ من مسلم على غير حَدَّث ولا جريرة ! قال : أوَ لست القائل : مُغلغلةً من الرَّجلِ اليمَانِى! أَلا أبلغ معاويةً بن حَرْبٍ القصيدة - قال: لا والذى عظّم حقَّ أمير المؤمنين ما قلتُ هذا ؛ قال : أفلمْ تقل : فَأَشْهَدُ أَن أُمَّكَ لم تُباشِرْ أَبَا سُفْيانَ واضعةَ القِناعِ (٢) فى أشعار كثيرة هجوتَ بها ابن زياد! اذهب فقد عفونا لك عن جُرمك، أما لو إيانا تعامل لم يكن مما كان شىء ، فانطلق ؛ وفى أىّ أرض شئتَ فانزل . فنزل المَوْصِلَ ، ثمّ إنه ارتاح إلى البصرة، فقدمها ، ودخل على عُبيد الله فآمنه . وأما أبو عُبيدة فإنه قال فى نزول ابن مفرّغ الموصل عن الذى أخبرنى به أبو زيد، قال: ذكر أنّ معاوية لما قال له : ألست القائل : أَلاَ أَبلغْ معاويةَ بَن حَرْبٍ مُغلِغَلةً من الرّجلِ الْيَمَانِى الأبيات، حلف ابن مفرّغ أنه لم يقله، وأنه إنما قاله عبدُالرحمن بن أُمّ الحكم أخو مروان ، واتخذفى ذريعةً إلى هجاء زياد، وكان عتَب عليه قبل ذلك ، فغضب معاويةُ على عبد الرحمن بن أمّ الحكم وحرَمه عطاءَه ، حتى أضرّبه، فكُلّم فيه ، فقال: لا أرضى عنه حتى يَرضَى عُبيد الله؛ فقدم العراق على عبيد الله ، فقال عبد الرحمن له : أَحَبُّ إِلىّ من إحدى بنانِی لأَنْتَ زيادةٌ فى آل حَرْبٍ ١٩٥/٢ ولا أدرى بِغَيْبٍ ما ترانِى أَراكَ أَخاً وعمَّا وأبنَ عمّ (١) الأغانى ١٧: ٦٨، الشعر والشعراء ٣٢٢. (٢) الأغانى ١٧ : ٦٠ (ساسى).