Indexed OCR Text
Pages 241-260
٢٤١ سنة ٥٠ على المدينة سعيد بن العاص ، وعلى البَصْرة والكوفة والمشرق وسجستان وفارس السند والهند زياد . [ ذ کر هرب الفرزدق من زیاد] وفى هذه السنة طلب زياد الفرزدقَ ، واستَعْدت عليه بنو نَهْشل وفُقّيم، فهرب منه إلى سعيد بن العاص - وهو يومئذ والى المدينة من قبل معاوية - مستجيراً به ، فأجاره . * ذكر الخبر عن ذلك : حدّثنى عمرُ بن شبّة، قال: حدّثنا أبو عبيدة وأبو الحسن المدائنّ وغيرهما، أن الفرزدق لما هجا ہی نھشل وبی فُقيم. لم یزد أبو زيد فی إسناد خبره على ما ذكرت ؛ وأما محمد بن على فإنه حدثنى عن محمد بن سعد(١) ، عن أبى عبيدة، قال: حدثنى أعين بن لبَطَة بن الفرزدق، قال: حدثنى أبى ٩٠/٢ عن أبيه، قال: لما هاجَيْت الأشهبَ بنَ رُمَيلة والبَعيث فسَقَطًا، استعدَتْ علىّ بنو نَهْشل وبنو فُقيم زياد بن أبى سفيان . وزعم غيرُه أنّ يزيد بن مسعود بن خالد بن مالك بن رِبْعی بن سلمی بن جندل بن نهشل استعدى أيضًا عليه . فقال أعين : فلم يعرفه زياد حتى قيل له : الغلام الأعرابىّ الذى أنهب ورقه وألقى ثيابه ؛ فعرفه . قال أبو عبيدة : أخبرنى أعين بن لَبطة ، قال : أخبرنى أبى ، عن أبيه، قال: بعثى أبى غالبٌ فى عِير له وجَلَب أبيعُه وأمتَّار له وأشترى لأهله كُساً ، فقدمتُ البصرة ، فبعْتُ الجَلب، فأخذتُ ثُمنَه فجعلتهُ فى ثوبى أزاوله ، إذ عَرَض لى رجل أراه كأنه شيطان، فقال: لَشدّ ما تستوثق منها! فقلت : وما يمنعنى! قال : أما لو كان مكانَك رجل أعرفه ما صبر عليها ؛ فقلت : ومن هو ؟ قال: غالب بن صَعْصعة ؛ قال: فدعوتُ أهل المِرْبد (١) ف: ((سعدان)). ٢٤٢ سنة ٥٠ فقلت: دُونَكموها - ونثرتُها عليهم - فقال لى قائل: ألقٍ رداءك يابن غالب، فألقيتُه. وقال آخر : ألق قميصَك ؛ فألقيتُه، وقال آخر : ألق عمامَتَك فألقيتُها حتى بقيتُ فى إزارٍ ، فقالوا: ألْقِ إزارَك ، فقلت : لن ألقيَه وأمشى مجرّداً، إنّى لست بمجنون . فبلغ الخبرُ زياداً، فأرسل خيلا إلى المِرْبد ليأتوه بى ، فجاء رجل من بنى الهُجَيم على فَرَس ؛ قال: أتِيتَ فالنَّجاء! وأَرْدَ فنى خلفه ، وركتض حتى تغيّب ، وجاءت الخيلُ وقد سبقت ، فأخذ زياد ٩٦/٢ عَمّين لى: ذهيلا(١) والزحّاف ابنى صعصعة - وكانا فى الدّيوان على ألفين ألفين، وكانا معه - فحبسهما فأرسلتُ إليهما: إن شئتما أتيتُكما، فبعَثَا إلىّ: لا تَقْرَبْنا، إنّه زياد! وما عسى أن يَصنَع بنا، ولم تُذنِب ذنباً! فمكثا(٢) أيّامًا . ثم كُلّم زياد فيهما، فقالوا : شيخان سامعان مطيعان ، ليس لهما ذنب مما صنع غلام أعرابىّ من أهل البادية؛ فخلى عنهما؛ فقالا لى: أخبرنا بجميع ما أمَرّك أبوك من ميرة أو كسوة ؛ فخبرتهما به أجمع ، فاشتریاه وانطلقتُ حتى لحقت بغالب ، وحملتُ ذلك(٣) معى أجمع، فأتيتُهُ وقد بلغه خبرى ، فسألنى : كيف صنعتَ ؟ فأخبرتُه بما كان ؛ قال : وإنك لتُحسن مثلَ هذا! ومَسَح رأسى . ولم يكن يومئذ يقول الشّعر، وإنما قال الشعر بعد ذلك ، فكانت(٤) فى نفس زياد عليه . ثمّ وَقد الأحنفُ بنُ قيس وجاريةُ بنُ قدامة ، من بنى ربيعة بن کعب ابن سعد والجوْن بن قتادة العَبْشَىّ والحتات بن يزيد أبو منازل ، أحد بنى حُوىّ(٥) بن سُفيان بن مجاشع إلى معاوية بن أبى سُفْيان ، فأعطى كلّ رجل منهم مائة ألف ، وأعطى الختات سبعين ألفًا ، فلما كانوا فى الطريق سأل بعضهم بعضًا ، فأخبروه بيجوائزهم ، فكان الختات أخذ سبعين ألفًا ، فرجع إلى معاوية ، فقال: ما ردّك يا أبا منازل؟ قال: فضَحْتَّى فى بنى تميم، (١) ف: ((زنبيلا)). (٢) س: ((فكمنا)). (٣) س: ((وحملته)). (٤) ف: ((وكانت)). (٥) س: ((جون)). ٢٤٣ سنة ٥٠ أما حسبى بصحيح! أُوَلَسْتُ ذا سِنّ! أَوَلَسْتُ مطاعًا فى عشيرتى ! فقال معاوية : بلى؛ قال: فما بالك خَسَسْت بى دون القوم! فقال : إنى اشتريت من القوم دينَهم ووكَلْتُك إلى دينك ورأيك فى عثمان بن عفان ٩٧/٢ -- وكان عثمانيًا - فقال: وأنا فاشتِر منِّ دينى، فأمر له بتمامِ جائزة القوم. وطعن فى جائزته ، فحبسها معاوية ، فقال الفرزدق فى ذلك : تُراثاً فيحْتَازُ التّراثَ أَقاربُهْ(١) أبوك وعمى يا معاوِىَ أَوْرثا وميراثُ حرْبٍ جامدٌ لك ذائبُه ! فما بالُ ميراث الحُتَاتِ أَخذتَه عَلِمْتَ منِ المرءِ القليلُ حَلائبهْ فلو كَانَ هذا الأمر فى جاهليَّةِ لنا حقّنا أو غَصَّ بالماء شاربُهْ ولو كان فى دينٍ سوى ذا شنِئتَمُ ولو كان إِذ كنَّ وفى الكفّ بسطةٌ لَصمّم عَضْبٌ فیك ماضٍ مَضارِبُهْ -وأنشد محمد بن علىّ ((وفى الكفّ مبسط)) - خياطِف ◌ِلْوَدٌ صعاب مراتبُهْ وقد رُمْتَ شيئاً يا معاوِىَ دونَهُ سواكَ ، ولو مالتْ علىَّ كتائبه وما كنتُ أُعطى النّصَفَ من غير قدرةٍ ٩٨/٢ وأَمنعَهُمْ جارًا إِذا ضِيمَ جانبُهْ أَلَستُ أَعزَّ الناس قوماً وأسرةً کمِثْلی حصانٌ فی الرجالِ یقارِبه وما ولدَتْ بعدَ النبيِّ وَآلِهِ إلى صعصعٍ يُنمَى، فمن ذا يناسبه!(٣) أَبِى غالبٌ والمرءُ ناجيةُ الَّذِى(٢) ومِن دونِه البدْرُ المضِىءُ كواكبُه وبيْتى إلى جنب الثرَيّا فِناؤه وعرْقُ الثَّرَى عِرقى ،فمن ذايُحاسبه! أنا ابنُ الجبال الصُّمِّفى عدَدِ الحَصَى (٤) (١) ديوانه: ٤٩؛ مع اختلاف فى الرواية وعدد الأبيات، وانظر النقائض: ٦٠٨، ٦٠٩. (٢) النقائض: ((صعصعة الذى)). (٣) النقائض: ((دارم ينمى)). (٤) النقائض: ((الجبال الثم)). ٢٤٤ سنة ٥٠ على الدهرِ إِذْ عَرَّتْ لِدهرٍ مكاسبُه أَنا ابنُ الَّذِى أَحيا الوئيدَ وضامِنٌ أَغَرِّ يبارِى الريح ما أَزْوَرَّ جانبُه وكم من أَبٍ لى يا معاوِىَ لم يَزَل أَبوك الذى من عبدِ شمسٍ يقارِبُه مْهُ فروعُ المالكيْنِ ولم يكُنْ كرِيماً يُلاقى المجدَ ما طَرَّ شاربه تراهُ كتَصْلِ السّيف يهتَزُّ الندى قصىّ وعبدُ الشمس ممَّنْ يخاطبُهْ طویل نِجاد السیفمذ کان لم یکنْ ٩٩/٢ فرد" ثلاثين ألفًا على أهله ، وكانت أيضًا قد أغضبت زياداً عليه. قال : فلما استعدتْ عليه نهشل وُفُقيم ازدادَ عليه غضباً ، فطلبه فهرب ، فأتى عيسى بنَ خُصّيلة بن معتّب بن نصر بن خالد البَهْزىّ ، ثم أحد بنى سُليم، والحجّاج بن عِلاط بن خالد السُّلَمىّ. قال ابن سعد : قال أبو عبيدة : فحدثی أبو موسى الفضل بن موسى ابن خُصَيلة، قال: لما طرد زياد الفرزدقَ جاء إلى عمِى عيسى بن خُصَيلة ليلا فقال: يا أبا خُصَيلة، إنّ هذا الرجل قد أخافى، وإنّ صديقى وجميع مَن كنت أرجو قد لفظونى، وإنى قد أتيتك لتغيَّى عندك؛ قال: مَرْحبًا بك! فكان عنده ثلاث ليال ، ثم قال : إنه قد بدا لى أن ألحق بالشام ، فقال : ما أحببتَ ؛ إنْ أقمتَ معى ففى الرّحب والسعة؛ وإن شَخَصتَ فهذه ناقة أرحبِيّة أمتِّعُك بها . قال: فركب بعد ليل ، وبعث عيسى معه حتى جاوز البيوت ، فأصبح وقد جاوز مسيرة ثلاث ليال ، فقال الفرزدق فى ذلك : منالناس والجانیتُخافُ جرائمه(١) حَبانى بها البَهزىُّ حُمْلانَ مَنْ أَبی فَضَيْفُكَ مِحْبُورٌ هنىٌّ مطاعِمُهْ ومنْ كان يا عيسى يونّبُ ضيْفَهُ وأَنَّ لها الليلَ الذى أَنت جاشمُهْ ١٠٠/٢ وقال تعلَّمْ أَنَّهَا أَرْحَبِيَةٌ وما صَدَرَتْ حتى علا النَّجْ عَائِمُهْ (٢) فأصبحتُ والملقَى ورائى وحَنْبَلٌ (١) ديوانه: ٧٦٣ والنقائض: ٦١٠. (٢) النقائض: ((علا الليل)). ٢٤٥ سنة ٥٠ ظَلِيمٌ تبارَى جنحَ ليلٍ نَعائمُهْ تَزاوَرُ عن أَهلِ الحُغَيرِ كأنّها لها الصّبح عن صَعْلٍ أَسيلٍ مَخاطِمُهْ وَأَتْ بين عينيها حُويَّةً وانجلَى بِدِجْلَةَ إِلَّ خَطِمُهُ وملاغِمُهْ كأَن شراعاً فيه مَجْرَى زمامها وأَعَرَضَ مِن فَلْجٍ ورائِى مخارمُهْ إذا أَنتِ جَاوَزتِ الغَرِيِّيْنِ فاسلَمِى وقال أيضًا : ندارَ كنى أَسبابُ عيسى من الرَّدَى ومن يَكُ مَولاهُ فَليْسَ بواحِدٍ (١) وهى قصيدة طويلة . قال : وبلغ زياداً أنه قد شَخَص، فأرسل علىّ بن زَهْدم، أحد بنى فَوْلَّة بن فُقَم فى طلبه . قال أعين : فطلبه فى بيت نصرانية يقال لها ابنة مرّار، من بنى قيس ابن ثعلبة تنزل قصيمة كاظمة ؛ قال: فسلّتْه (٢) مِنْ كِسْر بيتها، فلم يقدر ١٠١/٢ عليه ؛ فقال فى ذلك الفرزدق : وما يُبْتَغَى تحت السّويَّةِ أَمثالى (٣) أَتيت ابنَةَ المَرّار أُهبِلتَ تبتغِى فضاءُ الصّحارى لا ابتغاءُ بأدغال ولكِنْ بُغائى لو أَردتَ لقاءنا وقيل : إنها ربيعة بنت المرّار بن سلامة العجلىّ أمّ أبى النجم الرّاجز. قال أبو عُبيدة : قال مِسمَعَ بن عبد الملك: فأتى الرَّوحاء ، فنزل فى بكر بن وائل ، فأمين ، فقال يمدحهم : لفَوْرتها کالحَیِّ بكر بن وائل(٤) وقد مثّلتْ أَين المسيرُ فلم تجدْ إذا وازَّنَتِ ثُمَّ الدُّرَا بالكواهِلِ أَعفَّ وَأَوفِى ذِمةً يعْقِدونها (١) ديوانه: ١٩٧، ١٩٨، النقائض: ٦١٠. (٢) س: ((فسالته)). (٣) ديوانه: ٦٢٤، ٦٢٥، النقائض: ٦١١ . (٤) ديوانه: ٦٥٠، ٦٥١، النقائض: ٦١٢، وفيها: ((وقد ميلت)). ٢٤٦ سنة ٥٠ وهى قصيدة طويلة . ومدحهم بقصائدَ أُخَر غيرها . ١٠٢/٢ قال : فكان الفرزدق إذا نزل زياد البصرة نزل الكوفة ، وإذا نزل زيادٌ الكوفة نزل الفرزدق البصرة ، وكان زياد ينزل البصرة ستّة أشهر والكوفة ستّة أشهر، فبلغ زياداً ما صنع الفرزدق ، فكتب إلى عامله على الكوفة عبد الرحمن ابن عُبيد : إنّما الفرزدق فحلُ الوحوش يَرعَى القِفار، فإذا ورد عليه الناس ذُعِرٍ ففارقهم إلى أرض أخرى فرتع ؛ فاطلبه حتى تظفرَ به . قال الفرزدق: فطُلبت أشدّ طلب (١) ، حتى جعل من كان يُؤْوينى يُخرجنى من عنده ، فضاقت علىّ الأرض ، فبينا أنا ملفِّف رأسى فى كسائى على ظهر الطريق (٢)، إذ مرّ بى الذى جاء فى طلبى ، فلمّا كان الليل أتيتُ بعضَ أخوالى من بنى ضَبّة وعندهم عُرْس ولم أكن طعمتُ قبلَ ذلك طعامًا، فقلت: آتيهم فأصيب من الطعام - قال : فبينا أنا قاعد إذ نظرت إلى هاد ی(٣) فرسٍ وصدرٍ رُمح قد جاوز باب الدار داخلاً إلينا، فقاموا إلى حائط قصب فرفعوه ،فخرجتمنه، وألقوا الحائط فعاد مكانه، ثم قالوا: ما رأيناه، وبحثواساعة ثم خرجوا، فلمّا أصبحنا جاءونى فقالوا: اخرج إلى الحجاز عن جوار زياد لا يظفر بك، فلوظفر بك البارحةَ أهلكتَنا؛ وجمعوا ثمن راحلتين، وكلّموا لى مقاعِسًا أحد بنى تتَيْم الله ابن ثعلبة - وكان دليلا يسافر للتجار. قال: فخرجْنا إلى بانقْياحتى انتهينا إلى بعض القصور التى تُنزّل، فلم يُفتح لنا الباب، فألقينا رحالَنا إلى جنب الحائط والليلة مُقمرة ، فقلت : يا مقاعس ، أرأيت إن بعث زياد بعد مانصبح إلى العتيق رجالاً ، أيقدرون علينا ؟ قال : نعم، يرصدوننا ـ ولم يكونوا جاوزوا العتيق وهو خندق كان للعجم - قال: فقلت : ما تقول العرب ؟ قال : يقولون: أمهِلْه يومًا وليلة ثم خذه . فارتحل ؛ فقال إنى أخاف السباعَ ، فقلت : السباعُ أهون من زياد، فارتحلْنا لانرى شيئاً إلا خلّفناه ، ولزِمَنا شخصٌ لا يُفارقنا، فقلت: يا مُقاعس، أترى هذا الشخص! لم نمررْ ١٠٣/٢ (١) س: ((الطلب)). (٢) س: ((طريق)). (٣) الهادى : العنق ؛ سمى بذلك لتقدمه . ٢٤٧ سنة ٥٠ بشىء إلاّ جاوزناه غيره ، فإنه يسايرنا منذ الليلة . قال : هذا السَّبُع ، قال: فكأنه فهِمَ كلامَنَا، فتقدّم حتى رَبَض على مَتْن الطريق، فلما رأينا ذلك نزلْنا فشددْنا أيدى ناقتَيْنا بثِنايَيْن وأخذتُ قوسى . وقال مقاعس : یا ثعلب ، أتدری ممن فررنا إليك؟ من زیاد،فأحصببذنبه حتى غشینا غبارُه وغشىَ ناقتيْنا، قال: فقلت: أرميه، فقال: لاتَهجْه ، فإنه إذا أصبح ذهب؛ قال : فجعل بُرعِد ويُبرِق ويزثير ، ومُقاعس يتوعّده حتى انشقّ الصبح، فلما رآه ولّى، وأنشأ الفرزدق يقول: لاقَيْتُ ليلةَ جانِبِ الأَنْهارِ (١) ما كنتُ أَحْسِبُنی جباناً بعد ما شَئْنَ البرائِنِ مُؤْجَدَ الأَظفارِ لِيْئاً كأَنّ على يَدَيْه رِحالةً ، نَفْسى إِلىّ وقلت أَينَ فِرارى!(٢) لما سَمِعْتُ له زَمَازمَ أَجْهَشَتْ وشَدَدْتُ فى ضِيقِ المقامِ إِزارِى ورَبَطْتُ جِرْوَتَها وقلتُ لها اصْبِى اذْهَبْ إِليك مُخرِّم الأسفارِ فلأَنْتَ أَهْوَنُ من زِیادٍ جائِباً (٣) ١٠٤/٢ قال ابن سعد : قال أبو عبيدة : فحد ٹی اعین بن لبطة، قال: حدّثی أبى، عن شَبَث بن رِبعىّ الرياحىّ، قال: فأنشدتُ زياداً هذه الأبيات فكأنه رقَّ له ، وقال: لو أتانى لآمنته وأعطيتُه، فبلغ ذلك الفرزدق ؛ فقال : تَذَكَّرَ شَوْقاً ليس ناسيَهُ عَصْرَا(٤) تَذَكَّرَ هذا القلبُ من شَوْقِهِ ذِكْرًا وإِن كان أَدْنِى عَهْدِها حِجَجًا عَشْرا تَذَكّرَ ظَمیاءَ الَّتى ليس ناسِيا تَرَغَّى أَراكاً فى منابتِهِ نضْرًا(٥) وما مُغْزِلُ بِالغَوْرِ غَوْرِ تِهامةٍ إِلى رَشَاءٍ طِفِلٍ تخالُ بِهِ فَتْرا من الأُدْمِ حَوَّاءِ المدامعِ تَرْعَوِى (١) النقائض: ٦١٧ . (٢) النقائض: ((فقلت)). (٣) النقائض: ((من زياد عندنا)). (٤) ديوانه: ٢٢٥، النقائض: ٦١٨. (٥) ف والنقائض: ((تراعى)). ٢٤٨ ١٠٥/٢ ١٠٦/٢ (١) النقائض: ((فلا تعجلانى)). سنة ٥٠ أصابَتْ بِوادى الوَلْولان حِبالةٌ بأَحْسَنَ من ظَمْيَاءَ يومَ تَعَرَّضَتْ وكم دونها من عاطفٍ فى صريمة إِذا أَوْعَدُونى عند ظمياءَ ساءَها دعانى زيادٌ للعطاء ولم أكنْ وعند زيادٍ لو يُرِيدُ عطاءُهُمْ قُعُودُ لدى الأبواب طُلاَّبُ حاجةٍ فلمّا خشيت أن يكون عطاؤه نميَتُ إِلى حَرْفٍ أَضَرَّ بِنِيُّها تَنَفَّس فى بهوٍ من الجوف واسع. تَراها إذا صامَ النَّهَارُ كأنما تخُوضُ إِذا صاح الصِّدى بعد هجعةٍ فإن أَعرَضَتْ زَوراءُ أَو شَمَّرَتْ بها تعاديْنَ عن صُهبٍ الحصى وكأُما و کم من عَدُوّ كاشحٍ قد تجاوزَتْ يَوْمُّ بها المَوماةَ منْ لا يرى له ولا تُعجلانی صاحٍِ فربما(١) وحِضْنين من ظلماءِ ليلِ سَرَيتُهُ رَماه الکری فی الرأس حتى كأنه من السَّيْرِ والإِدلاج تحْسِبُ أَنما جَرَرنا وفَدَّيناه حتى كأَمَا فما اسْتمْسَكَتْحتی حسِبْنَبها نفْرا ولا مُزْنةٌ راحَتْ غمامتها قصْرا وأعداءٍ قومٍ يَنْذُرُونَ مِی نَذْرًا! وعیدی وقالت لا تقولوا له مُجرا لآتِيَهُ ما ساقَ ذو حَسَبٍ وَفرا رجالٌ کثیرٌ قد یری بھِم فقرا غَوانٍ من الحاجاتِ أُو حاجةً پِكْرا أداهِمَ سودًا أَو مُحَدْرَجَةً سُمْرا سُرَى الليل واستعرَاضُها البلدَ القَّفْر! إذا مَدَّ حيزومَا شَراسيفِها الضَّفْرا تسامى فَنيقاً أَو تُخالِسُهُ خَطْرا من الليل مُلتجًّا غیاطلهُ خُضرا فلاةٌ تَرَى منها مخارِمَها غُبْرا طحنٌ به من كلّ رَضراضةٍ جَمْرا مخافتَهُ حتى تكون لها جِسْرا إلى ابن أبى سفيان جاهاً ولا عُذْرا سَبَقْتُ بوِرد الماءِ غاديةً كُدْرا بأغید قد كان النعاس له سُكْرا أُمِيمُ جلامِيدٍ تركنَ به وَقْرا سقاهُ الکری فی کلّ منزلة خَمْرا يرى بهوادِى الصَّبْح قنبلةً ثُقرا % ٢٤٩ ١٠٧/٢ قال: فمضينا وقَد منا المدينة وسعيد بن العاص بن أميّة عليها ، فكان فى جنازة ، فتبعتُه فوجدتُه قاعداً والمّت یُدفن حتى قمت بین یدیه، فقلت : هذا مقامُ العائذ من رجل لم يُصِب دماً ولا مالا! فقال: قد أجَرْتُ إن لم تكن أصبتَ دمًا ولامالاً؛ وقال : من أنت؟ قلت : أنا همّام بن غالب بن صعصعة، وقد أثنيتُ على الأمير ، فإنْ رأى أن يأذن لى فأسمعتَه فليفعل ؛ قال : هات ، فأنشدتُه : وتصْبِحُ فى مَباركها ثِقَالاً(١) وُومٍ تُنْعِمُ الأَّضيافَ عَيْنًا حتى أتيتُ إلى آخرِها ؛ قال : فقال مروان : · قُعُودًا ينظرون إلى سعيد . قلتُ : والله إنك لقائم يا أبا عبد الملك . قال: وقال كعب بن جُعَيل: هذه واللّهِ الرّؤيا التى رأيت البارحة؟ قال سعيد : وما رأيتَ ؟ قال: رأيتُ كأنى أمشى فى سكّة من سكك المدينة، فإذا أنا بابن قِتْرة فى جُحْر، فكأنه أراد أن يتناولنى، فاتّقيته، قال: فقام الحطيئة فشقّ ما بين رجُلين حتى تجاوز إلىّ، فقال: قل ما شئت فقد أدركت من مضى، ولا يدركك من بقى . وقال لسعيد: هذا واللّه الشعر، لا يعلّل به منذ اليوم. قال : فلم نزل بالمدينة مرّة وبمكة مرّة . وقال الفرزدق فى ذلك : مُخَلْفِلةٌ يَخُبُّ بها البَرِيدُ(٢) أَلا مَنْ مُبلغٌ عِنِّى زيادًا ولا يُسْطَاعُ ما يَحْمِى سَعيدُ بأَنّى قد فَررتُ إِلى سَعيدٍ تَفادَى. عن فرِيسَتِهِ الأُسُودُ فَرَرتُ إليه من لَيْثٍ هِزَبْرٍ ١٠٨/٢ وإن شئتَ أنتسبتُ إلى اليهود فإن شئتَ أنتسبتُ إِلى النَّصارى (١) ديوانه:٦١٥، النقائض: ٦١٩؛ والبيت من شواهد اللسان (نعم) ، على جواز رفع كلمة (( الأضياف ))، ونصبها. (٢) ديوانه: ١٧١ والنقائض: ٦١٩، مع اختلاف فى الرواية. ٢٥٠ سنة ٥٠ وناسبنى وناسبتُ القُرُودُ وإِن شئت أنتسبتُ إِلى قُقَيمٍ ويُروَى: * وناسبنى وناسبت اليهودُ . وَأَبِغَضُهم إِلىّ بنو فُقِيمٍ ولكنْ سوف آتِى ما ترِيدُ وقال أيضاً : وَسَيْلُ اللُّوَى دونى فَهضْبُ التَّهائمِ(١) أَثانى وَعيدٌ من زِيادٍ فلم أَنمْ سَرَت فى عظامى أَو سِمامَ الأَرَاقِمِ فبتُ كأَى مُشْعَرٌ خَيْبَريّةً وذا الضُّغْنِ قد خشَّمْتُهُ غيرَ ظالم زياد بن حَربِ لن أَظُنَّكَ تار کی قال : وأنشد تیه عمرو : * * وبالضّغن قد خشمتنى غير ظالم * رَجُومٌ مع الماضى رءوسَ المخارِمِ وقد كافَحت منِّى العراقَ قَصيدةٌ (٢) على قِرْنها نَزّالةٌ بالموَاسمِ خَفيفةُ أَفواهِ الرَّواةِ ثقيلة وهى طويلة . فلم نزل بين مكة والمدينة حتى هلك زياد . * وفى هذه السنة كانت وفاةُ الحكم بن عمرو الغِفارىّ بمَرْوَ منصرفَه من ١٠٩/٢ غزوة أهل جبل الأشلّ . ذكر الخبر عن غزوة الحكم بن عمر وجبل الأشل وسبب هلا كه حدثنى عمرُ بن شبّة، قال: حدثنى حاتم بن قبيصة ، قال : حدّثنا غالب بن سليمان ، عن عبد الرحمن بن صبح ، قال : كنتُ مع الحكم بن عمرو بخُراسان ، فكتب زيادٌ إلى عَمرو: إنّ أهلَ جبل الأشلّ سلاحُهم (١) ديوانه: ٧٧٢، والنقائض: ٦٢٠. (٢) النقائض: ((جاحفت)). ٢٥١ سنة ٥٠ اللُّبود، وآنيتهم الذّهب. فغزاهم حتى توسّطوا، فأخذوا بالشِّعاب والطرق ، فأحدقوا به ، فعىّ بالأمر ، فولّى المهلّب الحرب ، فلم يزل المهلب يحتال حتى أخذ عظيماً من عظمائهم، فقال له: اختَرْ بين أن أقتلَك، وبين أن تُخرِجَنَا من هذا المَضيق ؛ فقال له : أوْقِد النارَ حيالَ الطريق من هذه الطُّرُّق، ومر بالأثقال فلتُوجَّه نحوه ، حتى إذا ظنّ القوم أنكم قد دخلتم الطريق لتسلكوه فإنّهم يستجمعون لكم، ويُعَرُّون ما سواه من الطرق، فبادِرْهم إلى غيره فإنهم لا يدركونك حتى تخرج منه . ففعلوا ذلك ، فنجا وغَنِموا غنيمةٌ عظيمة . حدثنى عمر، قال: حدّثنا علىّ بن محمد؛ قال: لما قفل الحكتم بن عمرو من غَزْوة جبل الأشلّ ولى المهلّب ساقتَه، فسلكوا فى شعاب ضيّقة، فعارَضَه التُّرك فأخذوا عليهم بالطُرق، فوجدوا فى بعض تلك الشعاب رجلا يتغنى من وراء حائط ببيتين : ١١٠/٢ تَعَزَّ بصبرٍ لا وجَدُّكَ لا تَرَى وَأَهلَ الحمى يهفُو به ريشُ طائِرٍ(١) كأَنّ فؤادى من تذكُّرِىَ الحِمَی سَنامَ الحِمَى أُخرى اللّيالى الغوابر فأتى به الحكم ، فسأله عن أمره ، فقال : غايرتُ ابنَ عَمّ لى ، فخرجتُ تَرَفَعنى أرض وتخفِضنى (٢) أخرى، حتى هَبَطتُ هذه البلاد . فحمله الحكمُ إلى زياد بالعراق . قال: وتخلّص الحكمّ من وجهه حتى أتى هَرَاةَ ، ثم رجع إلى مَرْو . حدثنى عمر ، قال : حدثنى حاتم بن قبيصة ، قال : حدّثنا غالب ابنُ سليمانَ ، عن عبد الرحمن بن صُبْح ، قال: كتب إليه زياد: والله لئن بقيتُ لك لأقطعنّ منك طابقًا سحتا(٣)، وذلك أنّ زياداً كتب إليه لما ورد بالخبر عليه بما غنم: إنّ أمير المؤمنين كتب إلىّ أن أصطفى له صفراء وبيضاء والروائع (٤) فلا تحرّكنّ شيئًا حتى تخرِج ذلك . (١) ط: ((الطائر)). (٣) س: ((طابقاً سمتا)). (٢) س: ((وتضعنى). (٤) س: ((والروابع)). ٢٥٢ سنة ٥٠ فكتب إليه الحكم: أما بعد، فإنّ كتابَك ورد ، تَذكُر أنّ أمير المؤمنين كتب إلىَّ أن أصطفىَ له كلَّ صفراءَ وبيضاء والروائح ، ولا تحرّكَنّ شيئًا؛ فإن (١) كتاب الله عزّ وجل" قبل كتابٍ أمير المؤمنين، وإنه والله لو كانت السموات والأرض رَتْقًا على عبد اتّقَى اللّهَ عزّ وجلّ جعل الله سبحانه وتعالى له مخرَجًاً . وقال للناس : اغدوا على غنائمكم؛ فغدًا الناس ، وقد عزّل الحُمْس، فقسم بينهم تلك الغنائم ؛ قال: فقال الحكم: اللهمّ إن كان لى عندَك خير فاقبضى؛ فمات بخُراسان بمَرْو (٢). قال عمر: قال علىّ بن محمد: لما حَضَرت الحكمَ الوفاةُ بمرْو، استخلفَ أنس بن أبى أناس ، وذلك فى سنة خمسين. ١١١/٢ (١) س: ((وإن)). (٢) ف: ((بمرو من خراسان)). ثم دخلت سنة إحدى وخمسين ذكر ما كان فيها من الأحداث فممّا كان فيها مَشتَى فضالة بن عبيد بأرض الروم ، وغزوة بُسْر بن أبى أرطاةَ الصائفة، ومَقتَل حُجْر بن عَدِىّ وأصحابه . [ذكر مقتل حُجْر بن عدى وأصحابه] ذكر سبب مقتله : قال هشام بن محمد ؛ عن أبى مخنف ، عن المجالد بن سعيد ، والصقعب ابن زهير ، وفضيل بن خَدِيج ، والحسين بن عُقْبة المرادىّ، قال: كلٌّ قد حدثی بعض هذا الحديث ، فاجتمع حديثهم فيما سُقت من حديث حُجْر ابن عدىّ الكندىّ وأصحابه: إنّ معاوية بن أبى سُفْيان لما ولى المغيرة بن شعبة الكوفة فى جمادى سنة إحدى وأربعين دعاه ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أمّا بعد فإن الذى الحِلْ قبل اليومِ ما تُقْرّع العَصَا، وقد قال المتلمّس: لِذِى الحِلْم قبلَ اليوم ما تُفْرَعُ العصا وما عُلِّمَ الإِنسانُ إِلاَّ لِيَعْلَما(١) وقد يجزى عنك الحكيم بغير التعليم(٢)، وقد أردت إيصاءك(٣) بأشياء" كثيرة ، فأنا تاركُها اعتماداً على بصرك بما يرضينى ويُسعد (٤) سلطانى ، ويُصْلَحُ به رعيّى، ولست تاركًا إيصاءك بخَصْلة: لا تتحمّ(٥) عن شمٍ على وذمّه، والترحّم على عثمانَ والاستغفار له، والعيب على أصحاب علىّ، والإقصاء لهم ، وترك الاستماع منهم ؛ وبإطراء شيعة عثمان رضوان اللّه عليه، والإدناء لهم : ١١٢/٢ (١) من المفضلية ٩٨. (٢) ف: ((تعليم)). (٣) فى: ((أن أوصيك)). (٤) س : ((ويسدد)). (٥) لا تتحم : لا تتورع . ٢٥٣ - ٢٥٤ سنة ٥١ والاستماع منهم . فقال المغيرة: قد جَرّبْتُ وجُرّبتُ، وعملتُ قَبْلك لغيرك، فلم يُذِمْ بِى دَفْع ولا رفع ولا وَضْع، فستبلو فتُحمِد أو تُذِمّ. قال(١): بل نحمد إن شاء الله . قال أبو مخنف: قال الصقعب بن زهير: سمعتُ الشعبىّ يقول : ما ولِينًا وال بعده مثله، وإن كان لاحقاً بصالح مَن كان قبله من العمّال . وأقام المغيرةُ على الكوفة عاملا لمعاوية سبعَ سنين وأشهراً، وهو من أحسن شىء سيرةً، وأشدّه حبًّاً للعافية، غير أنه لا يدَع ذمّ علىّ والوقوعَ فيه والعيب لقتلة عثمان، واللّعزلهم، والدعاء لعثمان بالرحمة والاستغفار له، والتزكية لأصحابه، فكان حُجْ بن عدىّ إذا سمع ذلك قال: بل إيّاكم فلمّ اللّه ولعن! ثم قام فقال : إنّ اللّه عزّ وجلّ يقول: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلّهِ﴾(٢)، وأنا أشهد أن من تذّمون وتعيّرون لأحقّ" بالفضل، وأنّ من تزكون وتُطْرُون أوْلى بالذّم فيقول المغيرة : يا حُجْر ، لقد رُمِىَ بسهمك، إذ كنتُ ١١٣/٢ أنا الوالى عليك، يا حُجْر وَيْحك! اتّق السلطان، اتق غضبَه وسطوتتَه، فإنّ غضْبة السلطان أحيانًا مما يُهلِك أمثالَك كثيرًا . ثم يكفّ عنه ويصفح. فلم يزل حتى كان فى آخر إمارته قام المغيرة فقال فى علىّ وعثمان كما كان يقول، وكانت مقالته : اللهمّ ارحم عثمانَ بنَ عفان وتجاوَزْ عنه، وأجزِه بأحسنِ عمله ، فإنه ◌َمِل بكتابك ، واتّبع سنة نبيك صلى اللّه عليه وسلم ، وجمَعَ كلمتنا ، وحقن دماءَنا ، وقُتل مظلومًا ؛ اللهم فارحم أنصاره وأولياء. ومحبّه والطالبين بدمه! ويدعو على قتلته. فقام حُجْر بن عدىّ فنَعَرَ نعرة٣(٣) بالمغيرة سمعتها كلّ مَن كان فى المسجد وخارجًاً منه ، وقال: إنك لا تدرى بمن تولع من هَرَمَك! أيها الإنسان، مُرْ لنا بأرزاقنا وأعطياتنا ، فإنك قد حبستها عنا ، وليس ذلك لك ، ولم يكن يطمع فى ذلك من كان قبلَك، وقد أصبحت مولعًاً بذمّ أمير المؤمنين ، وتقريظِ المجرمين . قال : فقام معه أكثر من ثُلُثُىِ الناس يقولون: صَدَق واللّه حُجْر وبَرَّ، مُرْ لنا (١) كذا فى س، وفى ط: ((ثم قال)). (٢) سورة النساء: ١٣٥. (٣) فعر : صاح صيحة شديدة . ٢٥٥ سنة ٥١ بأرزاقنا وأعطياتنا ، فإنا لا ننتفع بقولك هذا ، ولا يجدى علينا شيئًا؛ وأكثروا فى مثل هذا القول ونحوه . فنزل المغيرة، فدخل واستأذن عليه قومُه، فأذن لهم، فقالوا: علامَ تترك هذا الرجلَ يقول هذه المقالة ، ويجترئ عليك فى سلطانك هذه الجرأة ! إنّك تجمع على نفسك بهذا خصلتين : أما أوّلهما فتهوين سلطانك ، وأما الأخرى فإنّ ذلك إن بلغ معاوية كان أسخط (١) له عليه - وكان أشدّهم له قولا فى أمر حُجْر والتعظيم عليه عبد الله أبى عقيل الثَّقَفىّ - فقال لهم المغيرة : إنّ قد قتلته؛ إنه سيأتى أميرٌ بعدى فيحسبه مثلى فيصنع به شبيهًا بما ترونه يصنع بى ، فيأخذه عند أوّل وهلة فيقتله شرّ قتلة؛ إنه قد اقترب أجلى، وضَعُف عملى، ولا أحبّ أنْ أبتدئ أهلَ هذا المِصر بقتل خيارهم ، وسَفْكِ دمائهم ، فيسعدوا بذلك وأشقى ، ويعزّ فى الدنيا معاوية ، ويذل" يوم القيامة المغيرة ؛ ولكنى قابلٌ من محسنهم ، وعافٍ عن مسيئهم ، وحامدٌ حليمَهم ، وواعظٌ سِفِيهَهم ، حتى يفرّق بينى وبينهم الموت ، وسيذكرونى لو قد جرّبوا العمّالَ بعدى (٢). ١١٤/٢ قال أبو مخنف : سمعتُ عثمان بنَ عقبة الكندىّ، يقول: سمعت شيخًاً للحىّ يذكر هذا الحديث يقول: قد والله جرّبناهم فوجدناه خيرهم، أحمدهم للبرىء ، وأغفَرَهم للمسئء، وأقبَلَهم للعذر. قال هشام : قال عَوانة : فوِلىَ المغيرة الكوفة سنة إحدى وأربعين فى جمادى، وهلك سنة إحدى وخمسين ، فجُمعت الكوفة والبصرة لزياد بن أبى سُفْيان، فأقبل زياد حتى دخل القصر بالكوفة ، ثم صعد المنبر فحمد اللّهَ وأثنى عليه، ثم قال: أمّا بعد، فإنّا قد جَرّبنا وجُرّبنا، وسُسْنا وساسَنًا السائسون، فوجدْنا هذا الأمر لا يَصلُح آخره إلاّ بما صَلّح أوّله، بالطاعة الليّنة المشبّه سرّها بعلاَنِيتها، وغيْب أهلها بشاهدهم، وقلوبهم بألسنتهم ، ووجدنا الناس لا يصلحهم إلاّ لين فى غير ضَعْف، وشدّة فى غير عُنْف، ١١٥/٢ وإنى والله لا أقوم فيكم بأمر إلا أمضيته على أذلاله(٣) ، وليس من كذبة (٢) الخبر فى الأغانى ١٦: ٤ (ساسى). (١) س: ((إسخاط)). (٣) أذلاله : طرقه . ٢٥٦ سنة ٠١ الشاهد عليها من الله والناس أكبر (١) من كذبة إمام على المنبر. ثم ذكر عمان" وأصحابه فقرّظهم، وَذَكَر (٢) قَتلَته ولَعنّهم(٣). فقام٤١ حُجر ففعل مثل الذى كان يفعل بالمغيرة ، وقد كان زيادٌ قد رجع إلى البصرة وولىَ الكوفة٤) عَمرو بن الحريث، ورجع إلى البصرة فبلغّه أنّ حُجْرا يجتمع إليه شيعة علىّ، ويُظهرون لعنَ معاوية والبراءة منه(٥)، وأنهم حَصّبوا عمروبن الحريث، فشخّص إلى الكوفة حتى دخلها ، فأتى القصر فدخله ، ثم خرج فصعد المنبر وعليه قَبَاء سُنْدس ومُطْرَف خَزّ أخضر، قد فرق شعره، وحُجْر جالسٌ فى المسجد حوله أصحابُه أكثر ما كانوا ، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أمّا بعد، فإنّ غيبَّ البَغْى والغىّ وخيم، إنّ هؤلاء جمّوا (٦) فأشيروا، وأمنونى فاجترموا علىّ، وإيمُ اللّه لئن لم تستقيموا لأداوينكم بدوائكم؛ وقال: ما أنا بشىء إن لم أمنع باحةَ الكوفة من حُجْر وأدَعْه تكالا لمن بعدَه ! ويلُ امّك يا حُجر! سَقّطَ العَشاء بك على سِرْحان، ثم قال: سَقَط العَشاءُ بِه على سِرْحان (٧) أبلغْ نُصَيحَة أَنّ راعِى إِبْلِها وأما غيرُ عوانة، فإنه قال فى سبب أمر حُجْر ما حدثنى علىّ بن حسن قال: حدثنا مسلم الجَرْمىّ، قال: حدّثنا مخلد بن الحسن، عن هشام، عن ١١٦/٢ محمد بن سيرين، قال: خطب زياد يومًاً فى الجمعة فأطال الخطبة وأخر الصلاة، فقال له حُجْر بن عدىّ : الصلاة ! فمضى فى خطبته، ثم قال : الصلاة ! فضى فى خطبته ، فلما خشى حُجرفَوْتَ الصلاة ضرب بيده إلى كفّ من الحصا ، وثار إلى الصلاة وثار الناسُ معه،فلما رأى ذلك زیاد نزل فصلى بالنّاس ، فلما فرغ من صلاته كتب إلى معاوية فى أمره ، وكثّر عليه . فکتب إلیه معاوية أن شُدّه فىالحدید،ثم احمله إلىّ. فلما أن جاء کتاب معاوية أراد قومُ حُجر أن يمنعوه ، فقال : لا، ولكن سمعٌ وطاعة ، فشدّ (١) س: ((أکثر)). (٣) ف: ((فلعنهم)). (٢) س: ((فذكر)). (٤ - ٤) س: ((وأقام بالكوفة ستة أشهر ثم ولاها)). (٥) س: ((منهم)). (٧) مثل، وأصله أن رجلا خرج يلتمس العشاء، فوقع على (٦) جموا: اجتمعوا. ذئب ناكله، يضرب فى طلب الحاجة يؤدى بصاحبها إلى التلف . ٢٥٧ سنة ٥١ فى الحديد ، ثم حُمل إلى معاوية، فلما دخل عليه قال : السّلام عليك يا أميرَ المؤمنين ورحمةُ الله وبركاته ، فقال له معاوية: أمير المؤمنين! أما والله لا أقيلك ولا أستقيلك ، أخرجوه فاضربوا عنقه ، فأخرج من عنده ، فقال حُجر للذين يَلُون أمره : دعونى حتى أصلى ركعتين ؛ فقالوا: صلّ؛ فصلّى ركعتين خفف فيهما، ثم قال : لولا أن تظنّوا بى غيرَ الذى أنا عليه لأحببتُ أن تكونا أطوَلَ مما كانتا، ولئن لم يكن فيما مضى من الصلاة خيرٌ فما فى هاتين خير ؛ ثم قال لمن حضره من أهلِه : لا تُطلِقوا عنى حديداً ، ولا تغسلوا عنى دمًا ، فإنى ألاقى معاوية غداً على الجادّة. ثم قُدُّم فضربتْ عنقُه. قال مخلد : قال هشام : كان محمد إذا سئل عن الشهيد يُغسَّل ، حدَّتهم حديثَ حُجْر . قال محمد : فلقيَتْ عائشة أمّ المؤمنين معاوية - قال مخلد: أظنّه بمكة - فقالت: يا معاوية ، أين كان حلمُك عن حُجْر !فقال لها: يا أمّ المؤمنين، لم يحضرنی رشید ! قال ابن سيرين : فبلغنا أنه لما حضرته الوفاة جعل يُغرغر بالصوت ويقول: ١١٧/٢ یومی منك يا حُجْرِ يومٌ طويل ! قال هشام، عن أبى مخنف، قال: حدثنى إسماعيل بن نُعَم النّمَرىّ، عن حسين بن عبد اللّه الهمْدانىّ، قال: كنت فى شُرّط زياد ، فقال زياد : لينطلِقْ بعضكم إلى حُجْر فليدْعُّه؛ قال: فقال لى أمير الشُّرْطة - وهو شدّاد ابن الهيثم الهلالىّ: اذهب إليه فادْعُه؛ قال: فأتيتُه، فقلت : أجِبِ الأميرَ؛ فقال أصحابه : لا يأتيه ولا كرامة ! قال : فرجعت إليه فأخبرته ، فأمر صاحب الشُّرْطة أن يبعث معى رجالا ، قال: فبعث نفراً ؛ قال: فأتيناه فقلنا : أجب الأمير ، قال : فسبّونا وشَتَمونا، فرجعنا إليه فأخبرناه الخبر ، قال : فوثب زياد بأشراف أهل الكوفة ، فقال : يا أهل الكوفة ، أتشجون بيدٍ وتأسُون بأخرى! أبدانكم معى وأهواؤكم مع حُجْر! هذا الهَجهاجة الأحمق المذبوب(١) (١) الهجهاجة: الأحمق الذى لا يؤامر أحداً ويركب رأيه، والمذبوب: المجنون. ٢٥٨ ١١٨/٢ سنة ٥١ أنتم معى وإخوانُكم وأبناؤكم وعشائركم مع حُجر! هذا والله من دَحْسكم(١) وغِشتكم! والله لتظهرَنّ لى براء تُكم أولآتينّكم بقوم أقيم بهم أوَدَكم وصعركم! فوَتَبوا إلى زياد، فقالوا: معاذ الله سبحانه أن يكون لنا فيما ها هنا رأى إلا طاعتك وطاعة أمير المؤمنين، وكلّ ما ظننا أنّ فيه رضاك، وما يَستبين به طاعتنا وخلافنا لحُجر فمُرْنا به ، قال: فليقم كلّ امرئ منكم إلى هذه الجماعة حولَ حُجر فليدْعُ كلّ رجل منكم أخاه وابنه وذا قرابته ومن يطيعه من عشيرته، حتى تقيموا عنه كلّ مَن استطعتم أن تقيموه . ففعلوا ذلك، فأقاموا جُلّ من كان مع حُجْر بن عدّى، فلما رأى زيادأنَّ جُلَّ مَن كان مع حُجْر أقيم عنه، قال لشدّاد بن الهيثم الهلالىّ- ويقال: هيثم بن شدّاد أمير شرطته -: انْطلِق إلى حُجْر، فإن تتبعك فأتنى به ، وإلا فمرْ مَن معك فلينتزعوا مُمُد السوق، ثم يشدّوا بها عليهم حتى يأتونى به ويضربوا مَن حال دونَه. فأتاه الهلالى" فقال : أجب الأميرَ ؛ قال : فقال أصحاب حُجْر: لا ولا نُعمةَ عين ! لا نجيبه . فقال لأصحابه : شُدّوا على مُحُمُد السوق ، فاشتدّوا إليها ، فأقبلوا بها قد انتزعوها، فقال عمير بن يزيد الكندىّ من بنى هندوهو أبو العَمَرَّطة: إنه ليس معك رجل معه سيفٌ غيرى ، وما يغنى عنك ! قال : فما ترى ؟ قال: قُمْ من هذا المكان فالحق بأهلِك يَمنَعْك قومُك. فقام زياد ينظر إليهم وهو على المنبر، فغشوا بالعُمُد، فضرب رجل من الحمراء - يقال له بكر ابن عبيد -رأس عَمرو بن الحَمِقِ بعمود فوقع ، وأتاه أبو سُفْيان بن عُوَيمر والعجلان بنربيعة- وهمارجلان من الأزْد- فحملاه؛ فأتيّا به دار رجل من الأزْد - يقال له عبيد الله بن مالك - فخبأه بها ، فلم يزل بها متوارياً حتى خرج منها(٢). قال أبو مخنف : فحدّثنى يوسف بن يزيد ، عن عبد الله بن عوف بن الأحمر ، قال : لما انصرفنا من غزوة باجُمَيرا قبل مقتل مُصعب بعام ، فإذا أنا بأحمرىّ يسايرنى - ووالله ما رأيتُه من ذلك اليوم الذى ضرب فيه عمرو بن الحَمِق، وما كنت أرى لو رأيتُه أن أعرفَه - فلما رأيته ظننتُ (١) الدحس : التدسيس للأمور. ٠ (٢) الأغانى ١٦: ٣، ٤ (سامى). ٢٥٩ سنة ٥١ ١١٩/٢ أنه هوهو ؛ وذاك حين نظرْنا إلى أبيات الكوفة ، فكرهتُ أن أسألَه : أنت الضارب عمرو بن الحمق ؟ فيُكابرنى ، فقلت له : ما رأيتُك من اليوم الذى ضربتَ فيه رأسَ عمرو بن الحمق بالعمود فى المسجد إلى يومى هذا ، ولقد عرفتُك الآن حين رأيتُك ؛ فقال لى : لا تَعْدم بصرَك ، ما أثبتَ نظرَك! كان ذلك أمرُ الشيطان، أما إنه قد بلغنى أنه كان امرأ صالحًا ، ولقد ندمتُ على تلك الضربة ، فأستغفر الله . فقلت له : ألا ترى واللّه لا أفترق أنا وأنت حتى أضربَك على رأسك مثلَ الضّربة التى ضربتتها عمرو بن الحمق أو أموت أو تموت ! فناشَدَنى الله وسألنى اللّه، فأبَيْتُ عليه، ودعوتُ غلامًا لى يُدعَى رشيداً من سَبْى أصبهان معه قناة له صُلْبة ، فأخذتُها منه ، ثم أحمل عليه بها ، فنزل عن دابّته ، وألحقه حين استوت قَدَماه بالأرض ، فأصفع بها هامَتَّه ، فخرّ لوجهه ، ومضيتُ وتركته ، فبرَأ بعدُ ؛ فلقيتُه مرّتين من الدهر، كلّ ذلك يقول: اللّه بينى وبينك! وأقول: اللّه عزّ وجلّ بينك وبين عمرو بن الحمقِ(١)! # ثم رجع إلى أوّل الحديث . قال: فلما ضرب عمرًا تلك الضربة وحمله ذانك الرّجلان، انحاز أصحابُ حُجْر إلى أبواب كِنْدة، ويضرب رجلٌ من جُدام كان فى الشُّرْطة رجلاً يقال له عبد الله بن خليفة الطائىّ بعمود، فضَرَبَه ضربةً فصرعه ، فقال وهو يرتجز : أَنِى إِذا ما فِئِتِى تَوّتٍ قد علِمَتْ يَوْمَ الهِياج خُلَّتِى وكَثُرَتْ عُداتُها أَو قلَّتِ أَنَّ قَتَّالُ غداةَ بَلَّتٍ وضُرِبتْ يد عائذ بن حملة التميمىّ وكُسرتْ نابه ، فقال : ١٢٠/٢ إِنْ تَكْسِروا نابى وعَظْمَ ساعِدِى فإِنَّ فىَّ سوْرةَ المُناجِدِ * وبعْضَ شَغْبِ البَطَلِ المُبالِدِ » وينتزع عموداً من بعض الشُّرْطة، فقال به وحَمَتَى حُجْرًا وأصحابه ؛ حتى خرجوا من تلقاء أبواب كنْدة ، وبغلة حُجْر موقوفة ، فأتى بها أبوالعمرّطة إليه، ثم قال: اركب لا أبَ لغيرك! فوالله ما أراك إلاّ قد قتلت نفسك، (١) الأغانى ١٦: ٤ (ساسى). ٢٦٠ سنة ٥١ وقتلتنَا معك ؛ فوضع حُجْر رجلَه فى الرِّكاب ؛ فلم يستطع أن ينهض ، فحمله أبو العمرّطة على بغلته ، ووثب أبو العمرّطة على فرسه ؛ فما هو إلا أن استوى عليه حتى انتهى إليه يزيد بن طريف المُسْلِىّ - وكان يغْمِزِ(١)- فضرب أبا العمرّطة بالعمود على فخذه ، ويخترط أبو العمر طة سيفه ، فضرب به رأس يزيد بن طريف، فخرّ لوجهه. ثم إنه برأ بعدُ، فله يقول عبد اللّه بن همّام السّلولىّ: إِلى بَطَلٍ ذِى جُرْأَةٍ وَشَكِيمٍ! أَلُوْمَ ابْنَ لُؤْمِ ما عدا بك حاسِرًا على الهام عند الرَّوْعِ غَيْرَ لثيم معاوِدٍ ضَرْبِ الدَّارِعين بسَيْفِهِ بصِفِّينَ قَرْمٍ خَيْرِ نَجل قُرُوم(٢) ١٢١/٢ إلى فارِسِ الغارَيْنِ يومَ تلاقَيا قِتالَك زَيْدًا يَوْمَ دارٍ حَكِيمٍ (٣) حَسِبْتَ ابنَ بَرْصاءَ الحِتار قِتالَهُ وكان ذلك السيف أوّل سيف ضُرب به فى الكوفة فى الاختلاف بين الناس. ومضى حُجْر وأبو العَمرّطة حتى انتهيا إلى دار حُجْر، واجتمع إلی حُجْر ناس کثیر من أصحابه ، وخرج قيس بن فهدان الكندى على حمار له يسير فى مجالس كِنْدة ، يقول : وعَنْ أَخيكُمْ ساعَةً فقاتِلوا با قَوْمَ حُجْرِ دافِعُوا وصاِلوا أَلَيْسَ فِيكُمْ رامحُ ونابلُ لا يُلْفَيَا مِنكُمْ لِحُجْرٍ خاذِلُ وضارِبُ بالسَّيْفِ لا يُزايلُ! وفارِسُ مُسْتَلْهِمٌ وراجلُ فلم يأته من كِنْدة كثير أحد. وقال زياد وهو على المنبر : ليقم همْدان وتميم وهَوازن وأبناء أعصُر(٤) ومذحج وأسد وغطفان فليأتوا جبّانةَ كِنْدة، فليَمْضوا مِنْثُمّ إلى حُجْر فليأتونى به. ثم إنه كره أن يسيّرَ طائفةً من مضرّ مع طائفة من أهل اليمن فيقع بينهم شَغّب واختلاف ، وتفسُد ما بينهم ١٢٢/٢ الحميّة، فقال: لتقُم تميم وهوازنُ وأبناء أعصُر وأسَد وغطفان، ولتمض (١) الغمز: الظلع الخفيف؛ وأصله فى الدابة . (٢) الغاران هنا: الجيشان ؛ واحده غار . (٣) برصاء الختار ، يعنى حلقة الدبر. (٤) ف: ((وبنو يعصر)).