Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١
سنة ٣٨
٣٤٠١/١
فإذا أنت ظهرتَ فليكن أنصارُك آثرَ الناس عندَك، وكلَّ الناس فأوْلِ
حُسْناً . قال : فخرج ◌َمرٌو يسير حتى نزل أدانى أرض مصرَ ، فاجتمعت
العثمانية إليه ، فأقام بهم ، وکتب إلى محمد بن أبى بكر :
. أما بعد، فتنحّ عنى بدمك يابن أبى بكر ، فإنّى لا أحبّ أن يصيبك منى
ظَفَر، إن الناس بهذه البلاد قد اجتمعوا على خلافك ، ورفضٍ أمرك ،
ونَدِ موا على اتّباعك، فهم مُسلموك لو قد التقت حَلْقتا البِطان ، فاخرج
منها ، فإنى لك من الناصحين ؛ والسلام .
وبعث إليه عمرو أيضًا بكتاب معاوية إليه :
أما بعد ، فإنّ غبَّ البغى والظلم عظيم الوَبال، وإنّ سَفْك الدم الحرام
لا يَسلم صاحبه من النّقمة فى الدنياً، ومن التَّبعة الموبِقة فى الآخرة، وإنا
لا نعلم أحداً كان أعظم على عثمانَ بغيًا، ولا أسوأ له عيبًا، ولا أشدّ عليه
خلافًا منك ؛ سعيتَ عليه فى الساعين، وسفكتَ دَمَه فى السافكين، ثم أنت
تظن أنیعنكنائم أو ناس لك، حتى تأتى فتأمر على بلاد أنت فيها جارى،
وجُلّ أهلِها أنصارى، يُرَون رأبى، ويَرْقُبون قولى، ويستصرخونى عليك.
وقد بعثتُ إليك قوماً حناقًا عليك، يستسقون دمَك ، ويتقرّبون إلى الله
بجهادك، وقد أعطوا الله عهداً ليمثّلُنّ بك، ولو لم يكن منهم إليك ما عدا
قتلك ما حذّرتك ولا أنذرتك، ولأحببتُ أن يقتلوك بظُلمك وقطيعتك وعَدْوٍك
على عثمان يوم يُطعَن بمشَاقِصك بين خُشَشائه وأوداجِه (١)، ولكن أكره أن
أمثّل بقرَشىّ، ولن يُسلِمك اللّهُ من القصاص أبداً أينماكنت . والسلام.
٣٤٠٢/١
قال : فطوى محمد كتابيْهما، وبعث بهما إلى علىّ ، وكتب معهما :
أما بعد، فإنّ ابن العاص قد نزل أدانى أرضِ مصرَ، واجتمع إليه أهلُ البلد
جلُّهم ممن كان يَرى رأيتهم، وقد جاء فى جيش لجِب خُرّاب، وقد رأيت
ممن قِبَلى بعض الفشل ، فإن كان لك فى أرض مصرَ حاجة فأمدّنى بالرجال
والأموال ؛ والسّلام عليك .
فكتب إليه علىّ :
(١) المشقص: نصل عريض. والخششاء: العظم الناتى خلف الأذن والأوداج: عروق العنق.

١٠٢
٣٤٠٣/١
سنة ٣٨
أمّا بعد ، فقد جاءنى كتابُك تذكر أنّ ابن العاص قد نزل بأدانى
أرضِ مصرَ فى الجِبِ من جيشِه خُرَّاب، وإنّ مَن كان بها على مثل
رأيه قد خرج إليه ، وخروجُ مَن يرى رأيه إليه خيرٌ لك من إقامتهم عندك .
وذكرتَ أنك قد رأيتَ فى بعض مَنْ قبلك فَشَلا ، فلا تَفْشَل ، وإن
فشلوا فحصِّنْ قريتك، واضمُ إليك شيعتَك ، واندُب إلى القوم كنانةَ بنَ
بشر المعروف بالنصيحة والنّجدة والبأس، فإنى نادبٌ إليك الناس على الصَّعب
والذّلول ، فاصبر لعدوّك ، وامض على بصيرتك ، وقاتلْهم على نيّتك،
وجاهدْ هم صابراً محتسبًا، وإن كانت فئتُك أقلّالفئتين؛ فإنّ اللّه قد يُعزّ
القليل ، ويَخذُل الكثير. وقد قرأتُ كتابَ الفاجر ابن الفاجر معاوية ،
والفاجر ابن الكافر عمرو ، المتحابَّيْن فى عمل المعصية، والمتوافقين المرتّشِييْن
فى الحكومة ، المنكرين فى الدنيا، قد استمتعوا بخلافهم كما استمتع
الذين من قبلهم بخَلاقهم ، فلا يتَهُلْكِ إرعادُهما وإبراقُهما ، وأجبْهما
إن كنتَ لم تجبْهما بما هما أهله ، فإنك تجد مقالا ما شئت ؛ والسلام .
قال أبو مخنف : فحدثنى محمد بن يوسف بن ثابت الأنصارىّ ، عن
شيخ من أهل المدينة، قال : كتب محمد بن أبى بكر إلى معاوية بن أبى سفيان
جوابَ كتابه :
أما بعد ، فقد أتانى كتابُك تذكرنى من أمر عثمان أمراً لا أعتذر إليك
منه، وتأمُرنى بالتنحى عنك كأنك لى ناصح، وتُخوّفِى المُثْلَة كأنك
شفيق ، وأنا أرجو أن تكون لى الدائرةُ عليكم ، فأجتاحتكم فى الوقعة ،
وإن تُؤْتَوَا النصر ويكن لكم الأمر فى الدّنيا، فكم لعمرِى من ظالم
قد نَصرْتم ، وكم من مؤمن قَتَلّم ومثّلتم به ! وإلى الله مصير كم ومصيرُهم،
وإلى اللّه مَرَدّ الأمور، وهو أرحم الراحمين، والله المستعان على ما تصفون.
والسلام .
و کتب محمد إلی عمرو بن العاص
أمّا بعد ، فقد فهمتُ ما ذكرتَ فى كتابك يابن العاص، زعمتَ أنك
تكره أن يصيبنى منك ظفر ، وأشهدُ أنك من المبطلين. وتزعم أنك لى

١٠٣
سنة ٣٨
نصيح، وأقسم أنك عندى ظَنين ، وتزعم أنّ أهل البلد قد رفضوا رأيى وأمرى،
وذَد موا على اتّباعى، فأولئك لك وللشيطان الرجيم أولياء، فحسبُنا الله ربّ
العالمين ، وتوكلنا على الله رب العرش العظيم؛ والسلام.
قال : أقبل عمرو بن العاص حتى قصد مصرَ ، فقام محمد بن أبى بكر
فى الناس ، فحمد الله وأثنى عليه وصلى على رسوله، ثم قال : أمّا بعد معاشر
المسلمين والمؤمنين ، فإنّ القوم الذين كانوا ينتهكون الحرمة، ويَنعَشُون
الضّلال، ويَشُبّون نار الفتنة، ويتسلّطون بالجبرية، قد نصبوا لكم العداوة ،
وساروا إليكم بالجنود . عبادَ اللّه! فمن أراد الجنّة والمغفرة فلْيخرج إلى هؤلاء
القوم فليجاهدهم فى الله؛ انتدبوا إلى هؤلاء القوم رحمكم الله مع كنانة
ابن بشر
٣٤٠٤/١
قال : فانتدب معه نحو من ألفى رجل ، وخرج محمد فى ألفى رجل ،
واستقبل عمرو بن العاص كنانةً وهو على مقدِّمة محمد ، فأقبل عَمرو نحو
كنانة، فلما دنا من كنانة سرّح الكتائب كتيبةً بعد كتيبة، فجعل كنانة لا تأتيه
كتيبة" من كتائب أهل الشام إلا شدّ عليها بمن معه، فيضربها حتّى يقرّبها
لعمرو بن العاص. ففعل ذلك مراراً ؛ فلما رأى ذلك عمرو بعث إلى معاوية بن
حُدَيَج السّكونىّ، فأتاه فى مثل الدّهْم، فأحاط بكنانةَ وأصحابه ، واجتمع
أهلُ الشأم عليهم من كلّ جانب ، فلما رأى ذلك كنانةُ بن بشر نزل عن
فرسه، ونزل أصحابُه وكنانة يقول: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسِ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بَإِذْنٍ
اللهِ كِتَاباً مُوَجَّلاً وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُوْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ذَوَابَ الْآخِرَةِ
نُؤْتِهِمِنْهَا وَسَنَجْزِى الشَّاكِرِينَ﴾(١). فضارَبَهم بسيفه حتى استُشهدرحمه الله.
وأقبل عمرو بن العاص نحوَ محمد بن أبى بكر ، وقد تفرّق عنه أصحابُه
لمّا بلغهم قتل كنانة، حتى بقى وما معه أحد من أصحابه . فلما رأى ذلك محمد
خرج يمشى فى الطريق حتى انتهى إلى ختربة فى ناحية الطريق ، فأوى إليها ،
وجاء عمرو بن العاص حتى دخل الفُسطاط، وخرج معاوية بن حديج فى
(١) سورة آل عمران: ١٤٥

١٠٤
سنة ٣٨
طلب محمّد حتى انتهى إلى عُلوج فى قارعة الطريق ، فسألهم: هل مرَّ بكم
٣٤٠٥/١ أحد تنكرونه ؟ فقال أحدهم: لا والله، إلا أنى دخلت تلك الخربة، فإذا
أنا برجل فيها جالس، فقال ابن حُدَيَج: هو هو وربّ الكعبة ؛ فانطلقوا
يركضون حتى دخلوا عليه ، فاستخرجوه وقد كاد يموت عطشًا ؛ فأقباوا به
نحو فسطاط مصرَ . قال : ووثب أخوه عبدُ الرحمن بن أبى بكر إلى عَمرو بن
العاص- وكان فى جنده فقال: أتقتل أخى صبرًا! ابعث إلى معاوية بن حديْج
فانهَه ، فبعث إليه عمرو بن العاص يأمره أن يأتيه بمحمد بن أبى بكر ،
فقال معاوية : أكذاك! قتلتم كنانة بن بشر وأخلى أنا عن محمد بن أبى بكر !
هيهات، ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أَوْئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِىِ الزُّبُرِ﴾(١).
٠
فقال لهم محمد: اسقُونى من الماء، قال له معاوية بن حُدَيَج: لاسقاه الله إن
سقاك قطرة أبدًا! إنكم منعمْ عثمان أن يشرب الماء حتى قتلتموه صائمًاً مُحرمًا،
فتلقّاه الله بالرَّحيق المختوم، واللّه لأقتلنك بابن أبى بكر فيسقيك اللّه الحميم والغسّاق!
قال له محمد : يابن اليهودّية النسّاجة، ليس ذلك إليك وإلى من ذكرت ،
إنما ذلك إلى الله عزّ وجلّ يَسقى أولياءَه، ويُظِمئ أعداءَه ؛ أنتَ وضُرَبَاؤُك
ومَن تولّه ، أما والله لو كان سيفى فى يدى ما بلغتم منى هذا ؛ قال له معاوية:
أتدرى ما أصنعُ بك ؟ أدخِلِك فى جوفِ حمار، ثم أحْرِقُه عليك بالنار ؛
فقال له محمد: إن فعلتم بى ذلك، فطالما فعل ذلك بأولياء الله ! وإنى لأرجو
هذه النارَ التى تُحْرِقِى بها أن يَجعلها الله على برداً وسلاما كما جعلها على
خليله إبراهيم ، وأن يجعلها عليك وعلى أوليائك كما جعلها على نمروذَ وأوليائِه،
إنّ اللّه يحرقك ومن ذكرته قبل وإمامكَ - يعنى معاوية، وهذا - وأشار إلى
عمرو بن العاص- بنار تَلظَّى عليكم؛ كلَّما خَبَتْ زادها الله سعيراً. قال له
معاوية : إنى إنما أقتلك بعثمان؛ قال له محمد: وما أنتَ وعثمان! إنّ عثمانَ
عَمِل بالجور ، ونبذ حكمَ القرآن، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا
أَنْزَلَ اللَّهُ قَأُولْئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٢)، فنقَمنا ذلك عليه فقتلناه، وحسّنت
٣٤٠٦/١
(١) سورة القمر: ٤٣.
(٢) سورة المائدة: ٤٧ .

١٠٥
سنة ٣٨
أنت له ذلك ونظراؤك، فقد برّأنا الله إن شاء اللّه من ذنبه، وأنت شريكُه فى
إنمه وعظم ذنبه ، وجاعلك على مثاله . قال : فغضب معاوية فقدّمه فقتله ،
ثم ألقاه فى جيفة حمار ، ثم أحرقه بالنار ؛ فلما بلغ ذلك عائشةَ جزِعت
عليه جزءًاً شديداً، وقَنَتَت عليه فى دُبُر الصلاة تدعو على معاوية وعمرو،
ثم قبضتْ عيالَ محمّد إليها ، فكان القاسم بن محمد بن أبى بكر فى عيالها .
وأما الواقدىّ فإنه ذكر لى أنّ سُويد بن عبد العزيز حدّثه عن ثابت
ابن عجلان ، عن القاسم بن عبد الرحمن ، أنّ عمرو بن العاص خرج فى
أربعة آلاف، فيهم معاوية بن حُدَيَج، وأبو الأعور السلمىّ، فالتقوا بالمسنّاة،
فاقتتلوا قتالا شديداً ، حتى قتل كنانة بن بشر بن عتّاب التُّجِيبىّ، ولم يجد
محمد بن أبى بكر مقاتلا ، فانهزم، فاختبأ عند جبلة بن مسروق، فدل
عليه معاوية بن حُدَيج ، فأحاط به ، فخرج محمد فقاتل حتى قُتِل .
٣٤٠٧/١
قال الواقدىّ: وكانت المسنّاة فى صفرَ سنة ثمان وثلاثين، وأذْرُح فى شعبان"
منها فى عام واحد .
رجع الحديث إلى حديث أبى مخنف. وكتب عمرو بنُ العاص إلى معاوية
عند قتله محمد بن أبى بكر وكنانة بن بشر :
أما بعد ، فإنا لقينا محمد بن أبى بكر وكنانةَ بن بشر فى جموع جَمّة
من أهلِ مصرَ ، فدعوناهم إلى الهدى والسنّة وحكم الكتاب، فرفضوا الحقّ،
وتورّكوا فى الضلال، فجاهَدْناهم، واستنصَرْنا اللّهَ عليهم، فضرب الله
وجوهتهم وأدبارهم ، ومنحونا أكتافهم، فقتل الله محمد بن أبى بكر وكنانة"
ابن بشر وأماثل القوم ، والحمد لله رب العالمين، والسّلام عليك.
وفيها قُتِل محمد بن أبى حُذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس .
* ذكر الخبر عن مقتله :
اختلف أهلُ السير فى وقت مقتله؛ فقال الواقدىّ: قُتل فى سنة

١٠٦
سنة ٣٨
ست وثلاثين . قال : وكان سبب قتله أنّ معاوية وعمرًا سارا إليه وهو بمصر
قد ضبطها ، فنزلا بعتَيْن شمس ، فعالجا الدّخول ، فلم يقدرا عليه ، فخدعا
محمد بن أبى حُذيفة على أن يخرج فى ألف رجل إلى العريش ، فخرج
وخلّف الحكم بن الصلت على مصرَ ، فلما خرج محمد بن أبى حُذيفة إلى
العريش تحصّن ، وجاء عمرو فنصب المجانيق حتى نزل فى ثلاثين من أصحابه ،
فأخذوا فقُتلوا. قال : وذلك قبل أن يبعث على إلى مصر قيسَ بنَ سعد .
٣٤٠٨/١
وأما هشام بن محمد الكلبىّ فإنه ذكر أنّ محمد بن أبى حُذيفة إنما أخذ
بعد أن قتل محمد بن أبى بكر ودخل عمرو بن العاص مصرّ وغلَب عليها ،
وزعم أنّ عمراً لما دخل هو وأصحابه مصرّ أصابوا محمد بن أبى حُذيفة ،
فبعثوا به إلى معاوية وهو بفلسطين ، فحبسه فى سجن له ، فمكث فيه غير
كثير ، ثم إنه هرب من السجن - وكان ابن خال معاوية - فأرَى معاويةُ
الناس أنه قد كره انفلاته، فقال لأهل الشام: مَنْ يطلبه ؟ قال : وقد
كان معاوية يحبّ فيما يرون أن ينجوَ ، فقال رجل من خَشْعم - يقال له عبدُ الله
ابن عمرو بن ظلام ، وكان رجلاً شجاعًا، وكان عثمانيًّا : أنا أطلبه ،
فخرج فى حاله حتى لحقه بأرض البلْقاء بحَوْران وقد دخل فى غار هناك ،
فجاءت حُمْرٌ تدخله ، وقد أصابها المطر، فلما رأت الحمُّر الرجل فى الغار
فزعت ، فنفرتْ، فقالَ حصّادُون كانوا قريبًا من الغار: والله إنّ لنَفْرِ
هذه الحمر من الغار لشأنًا . فذهبوا لينظروا، فإذا هم به ، فخرجوا، ويوافقهم
عبدُ اللّه بن عمرو بن ظلام الخَشْعمِىّ، فسألهم عنه، ووصفته لهم ، فقالوا
له : ها هو ذا فى الغار؛ قال : فجاء حتى استخرجه ، وكره أن يُرجعه إلى
معاوية فيخلى سبيله . فضرب عنقه .
قال هشام، عن أبى مخنف: قال: وحدثنى الحارث بن كعب بن فَقّْم.
عن جندب، عن عبد الله بن فقيم، عم الحارث بن كعب ... (١) يستصرخ
من قبل محمد بن أبى بكر إلى علىّ - ومحمّد يومئذ أميرهم فقام على فى
٣٤٠٩/١
(١) سقط فى أصول ط

١٠٧
سنة ٣٨
الناس وقد أمر فنُودىَ: الصّلاةَ جامعة! فاجتمع الناس ، فحمد الله وأتْنَى
عليه ، وصلى على محمد صلى اللّه عليه وسلم، ثم قال: أمّا بعد، فإنّ هذا صريخُ
محمد بن أبى بكر وإخوانكم من أهلِ مصر، قد سار إليهم ابن النّابغة عدوّ
اللّه، وولىّ من عادى اللّه، فلا يكونن" أهل الضلال إلى باطلهم والرّكون إلى
سبيل الطاغوت أشدَّ اجتماعًا منكم على حقكم هذا، فإنهم قد بدءوكم وإخوانكم
بالغَزْو ، فاعجلوا إليهم بالمؤاساة والنصر . عباد الله، إنّ مصرَ أعظم من
الشأم، أكثر خيراً، وخيرٌ أهلاً، فلا تغلبوا على مصر، فإنّ بقاءَ مصر فى
أيديكم عزّ لكم، وكَبْتٌ لعدوكم، اخرجوا إلى الجَرّعة بين الحيرة والكوفة ،
فوافُونى بها هناك غداً إن شاء الله. قال : فلمّا كان من الغد خرج يمشى ،
فنزلها بُكرَةً ، فأقام بها حتى انتصف النهار يومه ذلك ، فلم يوافِه منهم رجل
واحد ؛ فرجع. فلما كان من العشىّ بعث إلى أشراف الناس ، فدخلوا عليه
القصر وهو حزين كئيب ، فقال : الحمد للّه على ما قضَى من أمرى، وقدّر
مِن فعلى ، وابتلانى بكم أيَّتُها الفرقة ممن لا يطيع إذا أمرتُ ، ولا يُجيب
إذا دَعوتُ ، لا أبا لغيركم ! ما تنتظرون بصبركم ، والجهاد على حقكم !
الموت والذلّ لكم فى هذه الدنيا على غير الحقّ، فوالله لئن جاء الموت -
وليأتينّ (١) - ليفرقن" بينى وبينكم، وأنا لصحبتكم قال؛ وبكم غير
ضَنين، اللّه أنتم! لا دين يجمعكم، ولا حمية تحميكم، إذا أنتم
سمعتم بعدوّكم يرد بلادكم ، ويَشنّ الغارة عليكم . أوّ ليس عجبًا
أنّ معاوية يدعو الجفاة الطعام فيتبعونه على غير عطاء ولا معونة !
ويجيبونه فى السنة المرّتين والثلاث إلى أىّ وجه شاء ، وأنا أدعوكم
وأنتم أولو النّهى وبقيّة الناس - على المعونة وطائفةً منكم على العطاء ،
فتقومون عنّى وتعصَوْننى ، وتختلفون علىّ! فقام إليه مالك بن كعب
الهمدانىّ ثم الأرحتىّ ، فقال : يا أمير المؤمنين، اندب الناس فإنه
لا عطرَ بعد عروس؛ لمثل هذا اليوم كنتُ أدّخر نفسى ، والأجر
لا يأتى إلا بالكرّة. اتقوا الله وأجيبوا إمامكم، وانصروا دعوته،
٣٤١٠/١
(١) ابن الأثير: ((وليأتينى)).

١٠٨
سنة ٣٨
وقاتلوا عدوّه، أنا أسير إليها يا أميرَ المؤمنين ؛ قال: فأمر علىّ مناديه
سعداً، فنادى فى الناس: ألا انتدبوا إلى مصرَمَع مالك بن كعب .
٣٤١١/١
ثمّ إنه خرج وخرج معه علىّ، فنظر فإذا جميعُ من خرج نحو ألفى
رجل ، فقال: سِرْ فوالله ما إخالك تُدرِك القوم حتى ينقضىَ أمرهم ؛ قال :
فخرج بهم ، فسار خمسًا . ثمّ إن الحجاج بن غَزيّة الأنصارىّ، ثم
النّجّارىّ قدم على علىّ من مصر، وقَدم عبدُ الرحمن بن شبيب الفزارىّ ،
فأمّا الفزارى فكان عينه بالشام ، وأما الأنصارىّ فکان مع محمد بن أبى بكر ،
فحدّثه الأنصارىّ بما رأى وعاين وبهلاك محمد ، وحدّثه الفزارىّ أنه لم يخرج
من الشأم حتى قدمت البُشْرَاء من قِبَل عمرو بن العاص تَتْرى، يَتَبعُ بعضُها
بعضًا بفتح مصر وقَتْل محمد بن أبى بكر، وحتى أذِّنَ بقتله على المنبر،
وقال : يا أميرَ المؤمنين، قلّما رأيت قومًا قطّ أسرّ، ولا سروراً قطّ أظهرَ من
سرور رأيته بالشأم حين أتاهم هلاكُ محمد بن أبى بكر . فقال علىّ: أما إنّ
حُزْننا عليه على قدر سرورهم به ، لا بل يزيد أضعافًا. قال: وسرّح علىّ
عبد الرحمن بن شُريح الشّبامىّ (١) إلى مالك بن كعب، فردّه من الطريق. قال:
وحَزِن علىّ على محمد بن أبى بكر حتى رئىَ ذلك فى وجهه ، وتبيّن فيه ،
وقامَ فى الناس خطيبًا ، فحمد الله وأثنى عليه، وصلّى على رسولِهِ صلى الله
عليه وسلم، وقال : ألا إنّ مصر قد افتتحها الفَجَرة أولو الجَوْر والظلم الذين
صدّوا عن سبيل الله، وبغَوا الإسلام عوَجا. ألا وإنّ محمد بن أبى بكر
قد استُشهد رحمه الله، فعند اللّه نحتسبه. أما والله إنْ كان ما علمت لممن
ينتظر القضاء ، ويعمل للجزاء، ويُبغض شكل الفاجر، ويحبّ هدى المؤمن ،
إنى والله ما ألوم نفسى على التقصير، وإنى لمقاساة الحرب الجدّ خبير ، وإنّ
لأقدم على الأمر وأعرِف وجهَ الحزم ، وأقومُ فيكم بالرأى المصيب ،
فأستصرخكم معلنًا ، وأناديكم نداءَ المستغيث مُعرِبًا ، فلا تسمعون لى قولا ،
ولا تطيعون لى أمراً ، حتى تصير بى الأمور إلى عواقب المساءة ، فأنتم القومُ
لا يُدرَك بكم الثأر، ولا تُنْقَض بكم الأوتار؛ دعوتُكم إلى غِياث إخوانكم
٣٤١٢/١
(١) ط: ((اليامىّ))، وانظر الفهرس.

١٠٩
سنة ٣٨
منذ بضع وخمسين ليلةً فتجرجرتم جرجرةَ الجَمَل الأشدق (١)، وتثاقلتم
إلى الأرض تثاقُلَ من ليس له نيّة فى جهاد العدوّ ، ولا اكتساب الأجر ،
ثم خرج إلىّ منكم جُنِيْد متذانب كأنّما (٢) يُساقون إلى الموت وهم ينظرون.
فأفْ لكم ! ثم نزل . وكتب إلى عبد الله بن عباس وهو بالبصرة :
بسم الله الرّحمن الرّحيم، من عبد الله على" أمير المؤمنين إلى عبد الله بن
عبّاس، سلامٌ عليك، فإنّى أحمد اللّهَ إليك الذى لا إله إلا هو، أمّا بعد،
فإنّ مصر قد افتتحت ، ومحمد بن أبى بكر قد استُشهد، فعند اللّه نحتسبه
وندّخره ، وقد كنت قمتُ فى الناس فى بدئه ، وأمرتهم بغياثِهِ قبل الوقعة ،
ودعوتهم سرًّاً وجهراً، وعوداً وبدءًا، فمنهم من أتى كارها، ومنهم من اعتلّ
كاذبًا، ومنهم القاعد حالا، أسأل الله أن يجعل لى منهم فَرَجا ومخرجا،
وأن يُريحَنى منهم عاجلاً. والله لولا طمعى عند لقاء عدوّى فى الشهادة
لأحببتُ ألّا أبقى مع هؤلاء يومًاً واحداً. عَزَم الله لنا ولك على الرَّشد، وعلى ٣٤١٢/١
تقواه وهداه ، إنه على كلّ شيء قدير. والسلام.
فكتب إليه ابنُ عبّاس :
بسم الله الرحمن الرحيم ؛ لعبد اللّه على بن أبى طالب أمير المؤمنين ، من
عبد الله بنِ عباس. سلامٌ عليك يا أميرَ المؤمنين ورحمة الله وبركاته ،
أما بعد ، فقد بلغنى كتابك تذكر فيه افتتاحَ مصر ، وهلاكَ محمد بن
أبى بكر، فالله المستعان على كلّ حال، ورحم الله محمد بن أبى بكر وآجَرَك
يا أميرَ المؤمنين! وقد سألت الله أن يجعل لك من رعيّتك التى ابتليت بها فرَجاً
ومخرجًا، وأن يُعزّك بالملائكة عاجلاً بالنصرة، فإنّ اللّه صانعٌ لك ذلك ،
ومعزّك ومجيب دعوتك، وكابتٌ عدوّك . أخبرك يا أميرَ المؤمنين أنّ الناس
ربما تثاقلوا ثم ينشَطون، فارفق بهم يا أميرَ المؤمنين ، وداجِنْهم ومَنَّهم ،
واستعن بالله عليهم ، كفاك اللّه ألمتهم . والسلام .
قال أبو مخنف : حدّثّنى فُضَيل بن خَدِيج ، عن مالك بن الحور ،
(١) الأشدق: الواسع الشدق. (٢) كذا فى ابن الأثير والنويرى وفى ط: ((كثيرة))

١١٠
سنة ٣٨
أنّ عليًّا قال: رحم الله محمداً! كان غلامًاً حَدَثًا، أما والله لقد كنتُ
على أن أولِّىَ المِرْقَال هاشم بن عُتْبة مصرَ، أما والله لو أنه وليتها ما خلّى
لعمرو بن العاص وأعوانه الفَجَرة العَرْصة، ولمَا قُتِل إلا وسيفه فى يده،
لا بلا دم كمحمد. فرحم الله محمداً، فقد اجتهد نفسَه، وقضى ما عليه .
٥
وفى هذه السنة وجه معاوية بعد مقتل محمد بن أبى بكر عبد الله بن عمرو
٣٤١٤/١ ابن الحضرمىّ إلى البصرة للدعاء إلى الإقرار بحُكم عمرو بن العاص فيه.
وفيها قُتل أعين بن ضبيعة المُجاشعىّ ، وكان على وجهه لإخراج ابن
الحضرىّ من البصرة.
٥
ذكر الخبر عن أمر ابن الحضرمى
وزياد وأعين وسبب قتل من قتل منهم
حدثنى عمرُ بن شبّة، قال : حدثنى على بن محمد ، قال : حدّثنا
أبو الذّيّال ، عن أبى نَعامة، قال: لما قُتل محمد بن أبى بكر بمصرّ ، خرج
ابنُ عباس من البصرة إلى على بالكوفة ، واستخلف زياداً ، وقدم ابن
الحضرمىّ من قبل معاوية، فنزل فى بنى تميم ، فأرسل زياد إلى حُضّين بن
المنذر ومالك بن مسمع، فقال: أنتم يا معشر بكر بن وائل من أنصار
أمير المؤمنين وثقاتِه، وقد نزل ابن الخضْرمىّ حيث ترون، وأتاه مَنْ أتاه، فامنعونى
حتى يأتيسنى رأىُ أمير المؤمنين . فقال حُضَين : نعم ، وقال مالك - وكان
رأيه مائلاً إلى بنى أمية، وكان مروانُ لجأ إليه يومَ الجمل : هذا أمرٌ لِى فيه
شركاء ، أستشير وأنظر . فلما رأى زياد تشاقُلَ مالك خاف أن تختلف
ربيعة ، فأرسل إلى نافع أن أشِرْ علىّ ، فأشار عليه نافع بصيرة بن شَيْمان
الحُدّانىّ ، فأرسل إليه زياد، فقال: ألاّ تجيرنى! وبيت مال المسلمين فإنه
فَيْثُكم، وأنا أمينُ أمير المؤمنين . قال: بلى إن حملته إلىّ ونزلت دارى
قال : فإنى حامله ، فحمله ، وخرج زياد حتى أتى الحُد ◌ّان ، ونزل فى دار

١١١
سنة ٣٨
:: ٣٤١٥/١
صبرة بن شَيْمان، وحوّل بيت المال والمنبر ، فوضعه فى مسجد الخدّان،
وتحوّل مع زياد خمسون رجلاً ، منهم أبو أبى حاضر - وكان زياد يصلى الجمعة
فى مسجد الحُدَّان ، ويطعم الطعام - فقال زياد لجابر بن وهب الرّاسيّ
يا أبا محمد، إنى لا أرى ابنَ الحضرمىّ يكفّ، لا أراه إلا سيقاتلكم، ولا
أدرى ما عند أصحابك فآمرْهم ، وانظر ما عندهم . فلما صلى زياد جلس
فى المسجد، واجتمع الناس إليه، فقال جابر: يا معشر الأزد ، تميم تزعم
أنهم هم الناس ، وأنهم أصبرُ منكم عند البأس ، وقد بلغنى أنهم يريدون أن
يسيروا إليكم حتى يأخذوا جاركم، ويخرجوه من المصر قسْراً ، فكيف أنتم إذا
فعلوا ذلك وقد أجَرْتموه وبيت مال المسلمين! فقال صَبرة بن شَيْمان - وكان
مفخّمًا : إن جاء الأحنف جئت، وإن جاء الحتَّات جئت، وإن جاء شبّان
ففينا شبّان . فكان زياد يقول : إنى استضحكت ونهضت ، وما كدتُ
مكيدةً قطّ كنتُ إلى الفضيحة بها أقرب منى للفضيحة يومئذ؛ لما غلبنى من
الضّحك. قال: ثمّ كتب زياد إلى على: إنّ ابن الحضرمىّ أقبل من الشأم
فنزل فى دار بنى تميم ، ونَعَى عثمان ، ودعا إلى الحرب ، وبايعتْه تميم وجُلّ
أهل البصرة ، ولم يبق معى من أمتنع به ، فاستجرت لنفسى ولبيت المال
صَبرة بن شَيْمان ، وتحوّلت فنزلت معهم ، فشيعة عثمان يختلفون إلى ابن
٣٤١٦/١
الحضرىّ، فوجّه علىّ أعين بن ضُبيعة المجاشعيّ ليفرّق قومه عن ابن الحضرمى،
فانظر ما يكون منه، فإن فُرّق جمعُ ابن الحضرمىّ فذلك ما تُريد، وإن ترقّت
بهم الأمور إلى المادى فى العصيان فانهض إليهم فجاهدْهم، فإنْ رأيتَ ممن
قبلك تثاقلاً، وخفت ألّ تبلغ ما تريد، فدارهمْ وطاولهم، ثم تسمع وأبصر،
فكأن جنود اللّه قد أظلّتك، تقتل الظالمين. فقدم أعين فأتى زياداً ،
فنزل عنده ، ثم أتى قومَه ، وجمع رجالا ونهض إلى ابن الحضرمىّ ، فدعاهم ،
فشتموه وناوشوه، فانصرف عنهم، ودخل عليه قوم فقتلوه ، فلما قتل أعين
ابن ضُبيعة ، أراد زياد قتالَهم، فأرسلتْ بتوتميم إلى الأزْد : إنّا لم نَعرِض
لجاركم ، ولا لأحد من أصحابه ، فماذا تريدون إلى جارنا وحربنا ! فكرهت
الأزد القتال ، وقالوا : إن عرضوا لجارنا منعناهم، وإن يكفُّوا عن جارنا
كففْنا عن جارهم . فأمسكوا . وكتب زيادٌ إلى علىّ: أن أعيسن بن ضبيعة

١١٢
سنة ٣٨
قَدم فجمعَ مَن أطاعه من عشيرته ، ثم نهض بهم يجد وصدق نيّة إلى ابن
الحضرمىّ ، فحثّهم على الطاعة ، ودعاهم إلى الكفّ والرجوع عن شقاقهم،
ووافقتْهم عامّة (١) قوم ، فهالَهم ذلك، وتصدّع عنهم كثير ممن كان معهم،
يمنّيهم نُصرَته ، وكانت بينهم مناوشة. ثم انصرف إلى أهله ، فدخلوا عليه
فاغتالوه فأصيب ، رحم الله أعين ! فأردت قتالتهم عند ذلك ، فلم يخفّ
معى مَن أقوَى به عليهم ، وتَرَاسَل الحيّان ، فأمسك بعضُهم عن بعض .
فلما قرأ علىّ كتابه دعا جارية بن قدامة السعدىّ، فوجّهه فى خمسين رجلا
من بني تميم ، وبعث معه شريك بن الأعور - ويقال بعث جارية خمسمائة
رجل - وكَتَب إلى زياد كتابًا يصوّب رأيه فيما صنع ، وأمَرَه بمعونة جارية
ابن قُدامة والإشارة عليه، فقدم جارية البصرة، فأتى زياداً فقال له: احتفزْ (٢)
واحذر أن يصيبك ما أصاب صاحبَك ، ولا تثقنّ بأحد من القوم . فسار
جارية إلى قومه فقرأ عليهم كتابَ علىّ، ووعدهم ، فأجابه أكثرُهم ، فسار
إلى ابن الحضرمىّ فحصره فى دار سُنْبيل، ثم أحرق عليه الدار وعلى من معه ،
وكان معه سبعون رجلاً - ويقال أربعون - وتفرّق الناس ، ورجع زياد إلى
دار الإمارة، وكتب إلى علىّ مع ظَبْيان بن عمارة، وكان ممن قَدِم مع
جارية ...... (٣) وأنّ جارية قدم علينا فسار إلى ابن الحضرمىّ فقتله
حتى اضطرّه إلى دار من دُور بنى تميم ، فى عدّة رجال من أصحابه بعد
الإعذار والإنذار ، والدعاء إلى الطاعة ، فلم يُنيبوا ولم يَرَجِعوا ، فأضرَم
عليهم الدّار فأحرَقَهم فيها ، وهُدّمتْ عليهم ، فبعداً لمن طغى وعَصَى !
فقال عمرو بن العَرَنْدَس العَوْدىّ:
وجارُ تَمِيمٍ دخاناً ذَهَبْ
رَدَدْنا زِيادًا إلى دارِهِ
ولِلِشَاءِ بالدِّرْهَمَيْنِ الشَّصَبْ
لحَى اللَّهُ قَوْمًا شَوَوْا جارَهُمْ
(١) ابن الأثير: ((وواقفهم نهاره)).
(٢) احتفز، أى تهيأ.
(٣) سقط فى أصول ط .
٣٤١٧/١

١١٣
سنة ٣٨
وقد سَمَطُوا رَأْسَهُ بِاللَّهَبْ
يُنادى الخِناقُ وخُمَّانُها
٣٤١٨/١
نحامىٍ عَن الجارِ أَنْ يُغْتَصبْ
ونحْنُ أُناسٌ لنا عادَةٌ
ولا يَمْنَعُ الجَارَ إِلا الحَسَبْ
حمَيْنَاهُ إِذْ حَلَّ أَبياتَنا
رِإِذْ أَعْظَم الجارَ قَوْمٌ نُجُبْ
ولَمْ يَعْرِفِوا حُرْمَةً لِلْجِوا
عَشِيَّةَ إِذْ بَزُّهُ يُسْتَلَبْ
كفِعْلِهِمُ قَبَلَنا بالزُّبَيْر
وقال جرير بن عطية بن الخَطَفَى:
وَفاءَ الأَزْدِ إِذ مَنَعوا زِيادًا(١)
· غَدَرْتُمْ بالزُّبَيْرِ فما وَفَيْ
وجارُ مُجاشعٍ أَمسَى رَمادا
فَأَصْبَح جارهُمْ بنجاةِ عِزُ
لذادَ القَوْمَ ماحَمَل النّجادا(٢)
فلوْ عاقَدتَ حَبْلَ أَبى سعيد
وَأَغْشَاها الأَسِنَّةَ والصِّعادا
وَأَدْنِى الخَيْلَ مِنْ رَهَجِ المنايا
#
[الخرَّيت بن راشد وإظهاره الخلاف على على (٣)]
ومما كان فى هذه السنة - أعنى سنة ثمان وثلاثين - إظهار الخِرّيت بن
راشد فى بنى ناجية الخلاف على علىّ وفراقُه إياه ؛ كالذى ذكر هشام بن
محمد ، عن أبى مخنف ، عن الحارث الأزدىّ، عن عمّه عبدِ الله بن فُقَم ،
قال: جاء الخِرِّيت بن راشد إلى علىّ- وكان مع الخِرّيت ثلثمائة رجل من
بنی ناجية مقیمین مع على بالكوفة، قد موا معه من البصرة، و کانوا قد خرجوا
إليه يومَ الجمل، وشتهيدوا معه صفّينَ والنّهروان - فجاء إلى علىّ فى ثلاثين
راكبًا من أصحابه يسير بينهم حتى قام بين يدى علىّ ، فقال له : والله
يا علىّ لا أطيع أمرك، ولا أصلّى خلفَك، وإنّ غداً لمُفارِقك . وذلك بعد
٣٤١٩/١
(١) ديوانه: ١٤٢ .
(٢) الديوان: ((ولو عاقدت))؛ وهو أبو سعيد المهلب بن أبى صفرة.
(٣) انظر قصة الخريت بن راشد فى شرح نهج البلاغة لابن أبى الحديد فى ٣: ١٢٨-١٤٨.

١١٤
سنة ٣٨
تحكيم الحكمين. فقال له علىّ: ثكلتْك أمّك! إذا تعصى ربّك، وتَنكُث
عهدك ، ولا تضرّ إلا نفسك. خبّرنى لم تفعل ذلك ؟ قال: لأنك حكمت
فى الكتاب(١)، وضعُفتَ عن الحقّ إذ جدّ الجدّ، وركنتَ إلى القوم الذين
ظلموا أنفسهم ، فأنا عليك زارٍ ، وعليهم ناقِمٍ، ولكم جميعًا مُبَايِن .
فقال له علىّ: هلمّ أدارِسْك الكتاب، وأناظِرْك فى السنن، وأفاتحْك أموراً
من الحقّ أنا أعلم بها منك، فلعلك تعرف ما أنت له الآن مُنكِرِ، وتَستبصِر
ما أنت عنه الآن جاهل . قال : فإنى عائد إليك ؛ قال : لا يستهوينّك
الشيطان ، ولا يستخفّنك الجهل، ووالله لئن استرشد تنى واستنصحتنى وقبلتَ
منّى لأهدينّك سبيل الرشاد .
فخرج من عنده منصرفًا إلى أهله ، فعجِلْت فى أثره مسرٍعًا . وكان لى
من بنى عمّه صديق ، فأردت أن ألقى ابنَ عمّه ذلك فأعلمه بشأنه ، ويأمره
بطاعة أمير المؤمنين ومناصحته ، ويخبره أنّ ذلك خير له فى عاجل الدنيا
وآجلِ الآخرة . فخرجت حتى انتهيت إلى منزله وقد سبقنى ، فقمت عند
باب داره ، وفى داره رجال من أصحابه لم يكونوا شهدوا معه دخوله على علىّ .
قال: فوالله ما جزم شيئًا مما قال ، ومما ردّ عليه، ثم قال لهم: يا هؤلاء، إنى
قد رأيت أن أفارقَ هذا الرجل ، وقد فارقتُه على أن أرجَعَ إليه من غد ، ولا
أرانى إلاّ مُفارقه من غد. فقال له أكثر أصحابه : لا تفعل حتى تأتيه ،
فإنْ أتاك بأمرٍ تعرفه قبلتَ منه، وإن كانت الأخرى فما أقدَرَك على فراقه .
٣٤٢٠/١ فقال لهم: فنعمٍ ما رأيتم. قال: ثم إنى استأذنت عليه، فأذنوا لى، فدخلتُ
فقلت : أنشُدك اللهَ أن تفارق أمير المؤمنين ، وجماعة المسلمين ، وأن تجعل
على نفسك سبيلا، وأن تقتل مَنْ أرى من عشيرتك! إنّ عليًّا لَعلى الحقّ.
قال : فأنا أغدو إليه فأسمع منه حجّته ، وأنظر ما يعرض علىّ به ویذ کر، فإن
رأيتُ حقًّا ورُشْداً قبلتُ، وإن رأيتُ غَيَّ وجَوراً تَركتُ . قال : فخلوت
بابن عمّه ذلك - قال : وكان أحد نفره الأدنین، وهو مدرك بن الريان، وكان
من رجال العرب - فقلت له: إنّ لك علىّ حقًّا لإخائك وودّك ذلك على"
(١) النويرى: ((حكمت الرجال)).

١١٥
سنة ٣٨
بعد حقّ المسلم على المسلم. إنّ ابنَ عمّك كان منه ما قد ذكرلك، فأجدّبه،
فاردد عليه رأيه ، وعظّم عليه ما أنّى ، فإنى خائف إن فارق أمير المؤمنين أن
يقتله نفسه وعشيرته . فقال : جزاك الله خيراً من أخ! فقد نصحتَ وأشفقتَ ،
إن أراد صاحبى فراقَ أمير المؤمنين فارقتُه وخالفته ، وكنتُ أشدّ الناس عليه .
وأنا بعدُ فإنى خال به ، ومشيرٌ عليه بطاعة أمير المؤمنين ومناصحته والإقامة
معه ، وفى ذلك حظّه ورشْدُه .
فقمت من عنده ، وأردتُ الرُّجوعَ إلى أمير المؤمنين لأعلمه بالذى كان،
ثم اطمأننت إلى قولٍ صاحبى ، فرجعتُ إلى منزلى فبتّ به ثم أصبحت ، فلما
ارتفع الضحى أتيتُ أميرَ المؤمنين، فجلستُ عنده ساعةً وأنا أريد أن أحدثه
بالذى كان من قوله لى على خَلوة ، فأطلت الجلوس ، فلم يزدد الناسُ إلا
كثرةً، فدنوت منه ، فجلستُ وراءه ، فأصغى إلىّ بأذنيه ، فخبَّرته بما سمعتُ
من الخِرّيت بن راشد ، وبما قلتُ له ، وبما ردّ على، وبما كان من مقالتى
لابن عمه، وبما ردّ علىّ، فقال: دَعْه، فإن عَرَف الحقّ وأقبلَ إليه
عرفْنا ذلك وقَبَلْنا منه ، وإن أبى طلبناه . فقلت : يا أمير المؤمنين ، ولمَ لا
تأخذه الآن وتستوثقُ منه وتحبسه؟ فقال: إنا لو فعلنا هذا بكلّ مَنْ نتهمه
من الناس ملأنا سجننا منهم ، ولا أراه - يعنى الوثوبَ على الناس والحبس
والعقوبة - حتى يُظهروا لنا الخلاف . قال : فسكتّ عنه ، وتنحّيت ،
فجلست مع القوم .
٣٤٢١/١
١
ثم مكث ما شاء اللّه. ثم إنه قال: ادنُ منّى؛ فدنوتُ منه ، فقال لى
مسرًّا : اذهب إلى منزل الرجل فاعلم لى ما فعل ، فإنه کل یوم لم یکن یأتینی
فيه إلا قبل هذه الساعة . فأتيتُ منزلته ، فإذا ليس فى منزله منهم دَيّار ،
فدعوتُ على أبواب دور أخری کان فيها طائفة من أصحابه ، فإذا ليس فيها
داعٍ ولا مجيب ، فرجعت. فقال لى حين رآنى: وطنوا (١) فأمنوا ، أم جنبوا
فظَعَنُوا ! فقلت : بل ظعنوا فأعلنوا ، فقال : قد فعلوها ! بُعداً لهم كما
بَعَدتْ ثمود! أما لوقد أشرِعَتْ لهم الأسنّة وصبّبَتْ على هامهم السيوف،
(١) وطن بالمكان : أقام.

١١٦
سنة ٣٨
لقد ندموا . إنّ الشيطان اليومَ قد استهواهم وأضلّهم ، وهو غدًا متبرّئ
منهم ، ومخلّ عنهم .
فقام إليه زياد بن خَصّفة، فقال : يا أمير المؤمنين ، إنه لو لم يكن من
مضرّة هؤلاء إلا فراقهم إيّانا لم يعظم فقدُهم فنَأسَى عليهم ، فإنّهم قلّما
يزيدون فى عددنا لو أقاموا معنا ، وقلّما ينقصون من عددنا بخروجهم عنّا ،
٣٤٢٢/١ ولكنا نخاف أن يفسدوا علينا جماعةً كثيرة ممن يقدمون عليه (١) من أهل
طاعتك، فأذَنْ لى فى اتّباعهم حتى أردّ هم عليك إن شاء اللّه. فقال له علىّ:
وهل تدرى أين توجّه القوم ؟ فقال : لا، ولكنى أخرج فأسأل وأتبع الأثر .
فقال له : اخرُج رحمك الله حتى تنزل دير أبى موسى ، ثم لا تتوجّه حتى
يأتيَك أمرى، فإنهم إن كانوا خرجوا ظاهرين للناس فى جماعة، فإنّ عمّالى
ستكتب إلىّ بذلك ، وإن كانوا متفرّقين مستخفين فذلك أخفى لهم ،
وسأكتب إلى عمّالى فيهم . فكتب نسخةً واحدةً فأخرجها إلى العمّال :
أما بعد، فإنّ رجالاً خرجوا هُرَابًا ونظنّهم وجهوا نحوَ بلاد البصرة،
فسلْ عنهم أهلَ بلادِك، واجعل عليهم العيون" فى كلّ ناحية من أرضك ،
واكتب إلىّ بما ينتهى إليك عنهم ؛ والسلام .
فخرج زياد بن خصّقة حتى أتى داره ، وجمع أصحابه ، فحمد الله
وأثنى عليه، ثمّ قال: أمّا بعد يا معشرَ بكر بن وائل، فإنّ أمير المؤمنين
ندَبَنى الأمر من أمره مُهِمّ له ، وأمرنى بالانكماش(٢) فيه، وأنتم شيعتُه
وأنصارُه، وأوثقُ حىّ من الأحياء فى نفسه، فانتد بوا معى الساعة ، واعجلوا .
قال : فوالله ما كان إلا ساعةً حتى اجتمع له منهم مائة وعشرون رجلاً
أو ثلاثون ؛ فقال : اكتفينا ، لا نريد أكثر من هذا ، فخرجوا حتى قطعوا
الجسر ، ثم دير أبى موسى ، فنزله ، فأقام فيه بقيّة يومه ذلك ينتظر أمرَ
أمير المؤمنين .
(١) ابن الأثير: ((عليك)).
(٢) الانكماش فى الأمر : الجد فيه .

١١٧
سنة ٣٨
قال أبو مخنف : فحدّثّنى أبو الصَّلْت الأعور التيمىّ ، عن أبى سعيد
العُقيلىّ، عن عبد الله بن وأل التيمىّ، قال: والله إنى لَعندَ أمير المؤمنين
إذ جاءه فَيْج(١)، كتابٌ بيديْه، من قِبَلَ قَرَظة بن كعب الأنصارىّ:
٣٤٢٣/١
بسم الله الرحمن الرحيم. أمّا بعد فإنّى أخبر أميرَ المؤمنين أنّ خيلاً مرّت
بنا من قِبَل الكوفة متوجِّهةً نحوَ نِفّر، وإنّ رجلا من دهاقِين أسفل الفرات
قد صلّى يقال لهِ : زاذان فرّوخ، أقبل من قبَل أخواله بناحية نِفّر، فَعرضوا
له ، فقالوا : أمسليم أنت أم كافر ؟ فقال: بل أنا مسلم ، قالوا : فما قولُك
فى علىّ؟ قال : أقول فيه خيراً، أقول: إنه أميرُ المؤمنين ، وسيّد البشر،
فقالوا له : كفرت يا عدوّ اللّه! ثم حملتْ عليه عصابةٌ منهم فقطّعوه ،
ووجدوا معه رجلاً من أهل الذمة ، فقالوا : ما أنت ؟ قال : رجل من أهل
الذّة ، قالوا : أمّا هذا فلا سبيلَ عليه، فأقبل إلينا ذلك الذّمىّ فأخبرنا هذا
الخبر، وقد سألتُ عنهم فلم يخبرنى أحدٌ عنهم بشىء، فليكتب إلىّ
أميرُ المؤمنين برأيه فيهم أنْتَهِ إليه . والسّلام .
فكتب إليه :
أما بعد ، فقد فهمتُ ما ذكرتَ من العصابة التى مرّت بك
فقتلت البَرَّ المُسلِمِ ، وأمِن عندهم المخالِفِ الكافر ، وإنّ أولئك قومٌ
استهواهم الشيطان فضلوا وكانوا كالذين حسبوا ألّ تكونَ فتنةٌ فَعَموا وصَمُّوا،
فأسمع بهم وأبصر يوم تُخبَر أعمالهم . والزم عملتَك، وأقبيل على خَرَاجِك
فإنك كما ذكرتَ فى طاعتك ونصيحتك ؛ والسلام .
قال أبو مخنف : وحدثنى أبو الصّلت الأعور التيْمىّ عن أبى سعيد
العُقَيْلى"، عن عبد الله بن وأل، قال: كتب علىّ عليه السلام معى كتاباً
إلى زياد بن خَصَّفة ، وأنا يومئذ شابّ حَدَث :
أما بعد ، فإنّى كنت أمرتك أن تنزل دير أبى موسى حتى يأتيَك أمرى
وذلك لأنّ لم أكن علمت إلى أىّ وجه توجّه القوم، وقد بلغنى أنهم أخذوا نحو
قرية يقال لها نِفّر، فاتّبع آثارَهم، وسلْ عنهم ، فإنهم قد قتلوا رجلاً من أهل
(١) الفيج: رسول السلطان على رجله، فارسى معرّب.
٣٤٢٤/١

١١٨
سنة ٣٨
السواد مصلّيًا، فإذا أنت لحقتَهم فارددْهم إلىّ ، فإن أبوْا فناجِزْهم،
واستعن بالله عليهم، فإنهم قد فارقوا الحقّ، وسفكوا الدم الحرام ، وأخافوا
السبيل . والسلام .
قال : فأخذتُ الكتاب منه ، فمضيتُ به غيرَ بعيد ، ثم رجعتُ به ،
فقلت : يا أميرَ المؤمنين ، ألا أمضى مع زياد بن خَصَفة إذا دفعتُ إليه كتابك
إلى عدوّك؟ فقال: يابنَ أخى ، افعل، فوالله إنى أرجو أن تكون من أعوانى
على الحقّ ، وأنصارى على القوم الظالمين ؛ فقلت له : أنا والله يا أمير المؤمنين
کذلك ومن أولئك ، وإنا حيث تحبّ .
قال ابن وأل: فوالله ما أحبّ أنّ لى بمقالة علىّ تلك حُمْرُ النَّعَّم.
قال : ثمّ مضيت إلى زياد بن خَصَفة بكتاب على وأنا على فرس لى رائع
كريم، وعلىّ السلاح، فقال لى زياد: يابن أخى، والله ما لى عنك من غناء،
وإنّى لأحبّ أن تكون معى فى وجهى هذا ؛ فقلت له : قد استأذنتُ فى ذلك
أميرَ المؤمنين فأذن لى ، فسرّ بذلك .
قال : ثمّ خرجنا حتى أتينا نِفّر ، فسألنا عنهم ، فقيل لنا : قد ارتفعوا
نحو جَرْجَرايا ، فاتّبعناهم ، فقيل لنا : قد أخذوا نحو المذار، فلحِقناهم
وهم نزول بالمذار ، وقد أقاموا به يومًا وليلة ، وقد استراحوا وأعلفوا وهم جامون،
فأتيناهم وقد تقطّعنا ولغِبنا وشَقِينا ونَصبنا ، فلما رأوْنا وثبوا على خيولهم
فاستوَوْا عليها ، وجئنا حتى انتهينا إليهم ، فواقَفْناهم ، ونادانا صاحبهم
الْخِرّيتُ بن راشد: يا عميانَ القلوب والأبصار ، أمع اللّه أنتم وكتابه وسنّة
نبيه، أم مع الظالمين ؟ فقال له زياد بن خَصّفة: بل نحن مع اللّه ومَنِ اللّهُ
وكتابه ورسوله آثرُ عندَه ثوابًا من الدّنيا منذ خلقت إلى يوم تفنى ،
أيُّها العُمْى الأبصار، الصمُ القلوب والأسماع. فقال لنا : أخبرونى ما تريدون؟
فقال له زياد - وكان مجرّبًا رقيقًا: قد ترى ما بنا من اللُّغوب والسغوب (١)،
والذى جئنا له لا يُصلِحه الكلامُ علانيةً على رءوس أصحابى وأصحابك ،
ولكن أنزل وتنزل ، ثم نخلو جميعًا فنتذاكر أمرنا هذا جميعًا وننظر ، فإن
٣٤٢٥/١
(١) السغوب : الجوع ، مثل السغب.

١١٩
سنة ٣٨
رأيتَ ما جئناك فيه حظًّا لنفسك قبلتته، وإن رأيتَ فيما أسمعه منك أمراً أرجو
فيه العافية لنا ولك لم أردُ دْه عليك . قال : فانزل بنا ؛ قال : فأقبل إلينا زياد
فقال : انزلوا بنا على هذا الماء ؛ قال: فأقبلْنا حتى إذا انتهينا إلى الماء ، نزلناه
فما هو إلا أن نزلنا فتفرقنا، ثم تحلّقنا من عشرة وتسعة وثمانية وسبعة، يضعون
طعامتهم بين أيديهم فيأكلون ، ثم يقومون إلى ذلك الماء فيشربون . وقال لنا
زياد: علّقوا على خيولكم ، فعلّقنا عليها مخاليتها، ووقف زياد بيننا وبين
القوم ، وانطلق القوم فتنحَّوا ناحية ، ثم نزلوا ، وأقبل إلينا زياد ، فلما رأى
تفرّقنا وتحلُّقنا قال: سُبحان اللّه، أنتم أهلُ حرب؟ والله لو أنّ هؤلاء جاءوكم
الساعةَ على هذه الحال ما أرادوا من غيركم أفضل من حالكم التى أنتم عليها .
اعجَلوا، قوموا إلى خيلكم، فأسرعْنا، فتحشحشْنا(١) فمنّا من يتنفّض، ثم
يتوضأ ، ومنّا من يشرب ، ومنا من يسقى فرسه، حتى إذا فرغنا من ذلك كله،
أتانا زياد وفى يده عرق ينهشه، فنهش منه نهشتيْن أو ثلاثًا، وأتى بأداوة فيها
ماءٌ ، فشرب منه، ثم ألقى العَرْقُ(٣ من يده. ثم قال: يا هؤلاء، إنا قد لقينا
القومَ، ووالله إن عدّتكم كعدّتهم، ولقد حَزرتكم وإيّاهم فما أظنّ أحدَ
الفريقين يزيدُ على الآخر بخمسة نفر ، وإنّى والله ما أرى أمرّهم وأمر كم إلا
يرجع إلى القتال ، فإن كان إلى ذلك ما يصيِّربكم وبهم الأمور فلا تكونوا
أعجزَ الفريقين . ثم قال لنا: ليأخذ كلّ امرئ منكم بعنان فرسِه حتى
أدنوَ منهم، وادعوا إلىّ صاحبهم فأكلمه، فإن بايعتنى على ما أريد وإلا
فإذا دعوتكم فاستَوُوا على متون الخيل، ثم أقبِلوا إلىّ معًاً غيرَ متفرِّقين.
قال : فاستقدم أمامنا وأنا معه ، فأسمع رجلا من القوم يقول : جاءكم
القوم وهم كالُّون معيُون ، وأنتم جامُّون مستريحون ، فتركتموهم حتى نزلوا وأكلوا
وشربوا واستراحوا؛ هذا والله سوءُ الرأى! واللّه لا يرجع الأمرُ بكم وبهمْ إلا
إلى القتال . فسكتوا ، وانتهينا إليهم ، فدعا زياد بن خَصَفة صاحبهم ، فقال:
اعتزل بنا فلننظرْ فى أمرنا هذا، فوالله لقد أقبل إلىّ زياد فى خمسة ، فقلت
لزياد: ادع ثلاثةً من أصحابنا حتى نلقاه فى عدّتهم؛ فقال لى: أُدع مَن
(٢) المَرْق، بفتح فسكون؛ العظم بلحمه.
(١) التحشحش: التحرك.
٣٤٢٦/١

١٢٠
سنة ٣٨
أحببت منهم، فدعوت من أصحابنا ثلاثاً، فكّنا خمسةً وخمسةً . فقال له
٣٤٢٧/١ زياد: ما الذى نقمْتَ على أمير المؤمنين وعلينا إذ فارقتنا؟ فقال: لم أرضّ
صاحبكم إمامًا، ولم أرضَ سيرتكم سيرة، فرأيتُ أن أعتزِل وأكونَ مع متن
يدعو إلى الشورى من الناس ، فإذا اجتمع الناسُ على رجل لجميع الأمة
رضًا كنت مع الناس . فقال له زياد: وَيْحك! وهل يجتمع الناسُ على
رجلٍ منهم يدانى صاحبَك الذى فارقته علمًاً بالله وبسُنن اللّه وكتابه ،
مع قرابته من الرّسول صلى الله عليه وسلم وسابقته فى الإسلام ! فقال له :
ذلك ما أقول لك؛ فقال له زياد: ففيم قتلتَ ذلك الرجل المسلم ؟ قال : ما أنا
قتلتُهُ، إنما قتلتْه طائفةٌ من أصحابى، قال : فادفعهم إلينا ؛ قال : ما إلى
ذلك سبيل ؛ قال : كذلك أنت فاعل ؟ قال : هو ما تسمع؛ قال : فدعَوْنا
أصحابنا ودعا أصحابه ، ثم أقبلنا؛ فوالله ما رأينا قتالاً مثله منذ خلقنى
ربّى، قال: اطعنًا واللّه بالرماح حتى لم يبقَ فى أيدينا رُمح، ثم اضطربنا
بالسيوف حتى انحنتْ وعقر عامة خيلينا وخيلهم ، وكثرت الجراح فيما بيننا
وبينهم ، وقُتِلِ منّا رجلان : مولى زياد كانت معه رايتُهُ يدعى سُوَيَداً ،
ورجلٌ من الأبناء يدعى وافد بن بكر ، وصرَعْنا منهم خمسةً، وجاء الليل
يحجز بيننا وبينهم ، وقد والله كرهونا وكر هناهم ، وقد جرح زياد وجرحت.
قال : ثمّ إنّ القوم تنجّوا وبتْنا فى جانب، فمكثوا ساعةً من الليل، ثم
إنهم ذهبوا واتّبعناهم حتى أتينا البصرة ، وبلغّنا أنهم أتوا الأهواز ، فنزلوا
يجانب منها ، وتلاحق بهم أناس من أصحابهم نحو من مائتين كانوا معهم
بالكوفة، ولم يكن لهم من القوّة ما يُنهضهم معهم حتى نهضوا فاتبعوهم فلحقوهم
بأرض الأهواز ، فأقاموا معهم. وكتب زياد بن خَصّفة إلى على :
أمّا بعد، فإنا لقينا عدوّ اللّه الناجىّ بالمذار، فدعوناهم إلى الهدى
والحقّ وإلى كلمةِ السَّواء، فلم ينزلوا على الحقّ، وأخذتْهم العزّة بالإثم
وزَيّن لهم الشيطان أعمالهم فصدّهم عن السبيل ، فقَصَدوا لنا، وصَمدْنا
صمدَهم ، فاقتتلْنا قتالاً شديداً ما بين قائم الظَّهيرة إلى دُلُوك الشمس ،
فاستشهد منّا رجلان صالحان، وأصيب منهم خمسةُ نفَر، وخلّوا لنا المعركة،
٣٤٢٨/١