Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
سنة ٣٧
وعمّار يقول : تقدّم يا هاشم، الجنّة تحت ظلال السيوف، والموتُ فى
أطراف الأسل ، وقد فُتحت أبواب السماء ، وتزينت الحور العين .
اليوم ألقى الأحبَّهْ: محمَّداً وحزبَهْ
فلم يرجعا وقُتلاقال: يفيد لك علمهما من كان هناك من أصحاب رسول
اللّه صلى اللّه عليه وسلم، أنّهما كانا علما - فلما كان الليل قلت: لأدخلن"
إليهم حتى أعلم: هل بلغ منهم قتل عمّار ما بلغ منّا! وكنا إذا توادعنا من القتال
تحدثوا إلينا وتحدثنا إليهم، فركبت فرسى وقد هدأت الرُّجل، ثم دخلت فإذا
أنا بأربعة يتسايرون: معاوية ، وأبو الأعور السُّلَمَىّ ، وعمرو بن العاص ،
وعبد الله بن عمرو- وهو خير الأربعة- فأدخلت فرسى بينهم مخافة أن يفوتنى
ما يقول أحد الشِّقّيْن، فقال عبد الله لأبيه: يا أبت ، قتلتم هذا الرجلَ فى
يومكم هذا ، وقد قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال! قال : وما قال ؟
قال: ألم تكن معنا ونحن نبنى المسجد، والناس يتنقلون حجراً حجراً ولبنة لبنة،
وعمَّار ينقل حجريْن حجريْن ولبنتين لبنتين، فغُشى عليه، فأتاه رسولُ اللّه
صلى الله عليه وسلم، فجعل يمسح التراب عن وجهه ويقول: ((ويحك يابن ◌ُسَمَيّة!
الناس ينقلون حجراً حجراً، ولبنة لبنة ، وأنت تنقل حجرين حجرين ولبنتين
لبنتين رغبةً منك فى الأجر ! وأنت ويحك مع ذلك تقتلك الفئة الباغية! )) .
فدفع عمرو صدرَ فرسه ، ثم جذب معاوية إليه ، فقال : يا معاوية ، أما تسمع
ما يقول عبد اللّه ! قال : وما يقول ؟ فأخبره الخبر ، فقال معاوية : إنك شيخ
أخرق، ولا تزال تحدّث بالحديث وأنت تدحض فى بولك(١) ! أو نحن قتلنا
عمّاراً! إِنما قتل عمَّاراً من جاء به. فخرج الناس من فتَساطيطهم وأخبيتهم
يقولون: إنما قتل عمَّراً من جاء به ، فلا أدرى مَن كان أعجب ؟ هو أو مم!
٣٣٢١/١
قال أبو جعفر : وقد ذكر أن عماراً لما قتل قال علىّ الربيعة وهمْدان:
أنتم دِرِعى ورُمحى، فانتدب له نحو من اثنى عشر ألفًا، وتقدّمهم علىّ
على بغلته فحمل وحملوا معه حملةَ رجل واحد ، فلم يبق لأهل الشأم صفّ
(١) فى اللسان: ((وفى حديث معاوية، قال لابن عمرو؛ لا تزال تأتينا بهنة تدحض بها فى
بولك ، أى تزلق )) .

٤٢
سنة ٣٧
إلاّ انتقض، وقتلوا كلَّ من انتهوا إليه ، حتى بلغوا معاوية ، وعلىّ يقول :
أَضْرِبُهُمْ ولا أرى معاويَهْ الجاحِظَ العَيْنِ العظيمَ الحاويَهُ(١)
٣٣٢٢/١
ثم نادى معاوية، فقال علىّ: علامَ يُقْتَّل(٢) الناس بيننا! هلمّ أحاكمك
إلى اللّه، فأيّنا قتل صاحبه استقامت له الأمور، فقال له عمرو: أنصَفك
الرجل ، فقال معاوية : ما أنْصَفَ ، وإنك لتعلم أنه لم يبارزه رجل قطّ إلا
قتله ، قال له عمرو: وما يجمُل بك إلاّ مبارزته ، فقال معاوية : طمعت
فيها بعدى .
قال هشام، عن أبى مخنف : قال : حدثنى عبدالله بن عبد الرحمن بن
أبى عَمْرة ، عن سليمان الحضرمىّ، قال: قلت لأبى عمرة : ألا تراهم، ما أحسن
هيئتهم ! يعنى أهلَ الشأم ، ولا ترانا ما أقبح رعيَتنا! فقال: عليك نفسك
فأصلحها ، وَدَع الناسَ فإنّ فيهم ما فيهم .
٠
خبر هاشم بن عُثْبة المرقال وذكر ليلة الهَرير
قال أبو مخنف : وحدثنى أبو سلمة؛ أنَّ هاشم بن عتبة الزُّهرىّ دعا الناس
عند المساء : ألا مَن كان يريدُ الله والدار الآخرة فإلىّ، فأقبل إليه ناسٌ
كثير ، فشدّ فى عصابة من أصحابه على أهل الشأم مراراً ، فليس (٣من وجه
يحمل عليه إلاّ صَبَرَ له وقاتَلَ فيه قتالا شديدا٣ً) ، فقال لأصحابه :
(١) نسبه فى صفين: ٤٥٤ إلى الأشتر فى هذه الرواية:
الأَخْزَرَ العَيْنِ العَظيمَ الحاوية
أضربُهُم ولا أَرَى معاويه
جاوَرَه فيها كلابٌ عَاويَهْ
هَوَتْ بِهِ فِي النَّارِ أُمَّ هَاوِیهْ
* أُغْوَى طعاماً لاهدَتْهُ هادِيَة *
(٢) النويرى: ((نقتل)).
(٣ - ٣) صفين: ((فليس من وجه يحمل عليه إلا صبروا له وقوتل فيه قتالا شديداً)).

٤٣
سنة ٣٧
لا يهولنّكم ما تروْنَ من صبرهم، فوالله ما تروْن فيهم إلاّ حميَّة العرب وصَبْراً
تحت راياتها ، وعند مراكزها ، وإنهم لعلى الضّلال ، وإنكم لعلى احقّ. ياقوم
اصبروا وصابروا واجتمعوا ، وامشوا بنا إلى عدوّنا على تؤدة رويداً، ثم اثبتوا
وتناصروا، واذكروا الله، ولا يسأل(١) رجلٌ" أخاه، ولا تُكثروا الالتفات،
واصمدوا صمد هم ، وجاهدوهم محتسبین ، حتى يحكم الله بيننا وبينهم وهو خير ٣٣٢٣/١
الحاكمين .
ثم إنه مضى فى عصابة معه من القرّاء، فقاتل قتالا شديداً هو وأصحابُه
عند المساء حتى رأوْاً بعض ما يُسرُّون به ، قال: فإنهم لكذلك إذ خرج عليهم
فتّى شابٌ وهو يقول :
والدَّائِنُ اليومَ بدِين عثمانْ
أنا ابنُ أربابِ الملوكِ غَسّانْ
أنَّ عليَّا قَتَلَ ابنَ عمَّانْ
إنّ أتانى خبرٌ فأشجان (٢)
ثم يشدّ فلا يتثنى حتى يضرب بسيفه، ثم يشتم ويلعن ويُكثر الكلام ،
فقال له هاشم بن عتبة: يا عبدَ اللّه، إن هذا الكلام، بعده الخِصام، وإنّ
هذا القتال ، بعده الحساب ، فاتّق اللّه فإنك راجع إلى اللّه فسائلك عن هذا
الموقف وما أردتَ به. قال: فإنى أقاتلكم لأنّ صاحبكم لا يصلّى كما ذكر
لى، وأنتم لا تصلّون أيضًا، وأقاتلكم لأنّ صاحبكم قتل خليفتنا، وأنتم أرد تموه
على قتله . فقال له هاشم : وما أنت وابن عفان ! إنما قتله أصحابُ محمد وأبناء
أصحابه وقرّاء الناس، حين أحدث الأحداث ، وخالف حكم الكتاب ؛ وهم
أهل الدّين ، وأوْلى بالنّظر فى أمور الناس منك ومن أصحابك ، وما أظنّ
أمر هذه الأمة وأمرَ هذا الدين (٣أهمل طرفة عين٣). فقال له: أجَلْ، واللّه
لا أكذب، فإنّ الكذب يضرّ ولا ينفع. قال(٤): فإنّ أهل هذا الأمر أعلم به؛
فخلّه وأهل العلم به. قال: ما أظنك واللّه إلاّ نصحت لى؛ قال(٥): وأمَّا
(١) صفين: ((ولا يسلم رجل أخاه)).
(٢) صفين: ((أنبأنا أقوامنا بما كان)).
(٣-٣) صفين: ((عناك طرفة عين قط)).
(٤) صفين: ((فقال له هاشم)).
(٥) صفين: ((وقال له هاشم)).

٤٤
سنة ٣٧
قولك: إنّ صاحبنا لا يصلِّى، فهو أوّل من صلَّى، [ مع رسول اللّه](١) وأفقه
خلق الله فى دين الله، وأولى بالرسول. وأما كلّ مَنْ ترى معى فكلهم قارئ
لكتاب الله لا ينام الليل تهجُّداً، فلا يغوينّك عن دينك هؤلاء الأشقياء المغرورون.
فقال الفتى : يا عبد الله ، إنّى أظنك امراً صالحًا؛ فتخبرنى: هل تجد لى من
توبة ؟ فقال: نعم يا عبد الله؛ تُبْ إلى اللّه يتب عليك، فإنه يقبل التوبةَ عن
عباده ويعفو عن السيئات ويحب المتطهرين. قال: فجشر (٢) والله الفتى
الناس راجعًا ، فقال له رجل من أهل الشأم : خدعَك العراقىّ ، خدعك
العراقىّ، قال: لا ، ولكن نصحَ لى . وقاتل هاشمٌ قتالا شديداً هو وأصحابه ،
وكان هاشم يُدعَى المِرْقال، لأنه كان يُرْقِل فى الحرب، فقاتل هو وأصحابه
حتى أبرّوا على من يليهم، وحتى رأوا الظفر، وأقبلتْ إليهم(٣) عند المغرب كتيبةٌ
لتنوخ فشدّوا على الناس ، فقاتلهم وهو يقول :
أعور يبغى أهلَه محلاًّ (٤) قد عالج الحياةَ حتَّى مَلاً
· يَتُهُم بذى الكُمُوب تَلاَّ ،
فزعموا أنه قتل يومئذ تسعةً أو عشرة . وحمل عليه الحارث بن المنذر
التَّوخِىّ فطعنه فسقط، وأرسل إليه علىَّ: أن قدّم لواءك ، فقال لرسوله:
انظر إلى بطنى، فإذا هو قد شُقّ، فقال الأنصارىّ الحجّاج بن
غزيّة :
فنحن قتَلْنَا ذا الكَلَاعِ وحَوْشَبًا(٥)
فإِن تَفْخروا بابن الْبُدَيل وهاشِمٍ
أخاكم عبيد الله لَحْماً مُلَحِّبا
ونحن تَرَكْنا بَعَدَ مُعتَرَكِ اللَّا
٣٣٢٥/١
1
(١) من صفين .
(٢) جشر الناس، أى تركهم وتباعد عنهم، وفى ابن الأثير: ((فرجع الفتى)).
(٣) ابن الأثير: ((عليهم)).
(٤) بعده فى ابن الأثير: ((لا بد أن يفل أو يفلا)).
(٥) من قصيدة طويلة أوردها صاحب صفين مع الخبر فى ٤٠٢ - ٤٠٧ .
٣٣٢٤/١

٤٥
سنة ٣٧
ونحن أحطنا بالبعيرِ وأهلِه ونحن سقيناكمْ سِماماً مُقَشَّبًا
هشام، عن أبى مخنف، قال : حدثنى مالك بن أعين الجُھنیّ، عن زيد
ابن وهب الجهنىّ ، أنّ عليًّاً مرّ على جماعة من أهل الشأم فيها الوليد بن عقبة،
وهم يشتمونه ، فخبِّر بذلك ، فوقف فيمن يليهم من أصحابه فقال : انهدوا
إليهم، عليكم السكينة والوقار، وقار الإسلام، وسيما الصالحين، فوالله لأقربُ
قوم من الجهل قائدهم ومؤذنهم(١) معاوية وابن النابغة(٢)، وأبو الأعور السلمىّ
وابن أبى مُعيط شارب الخمر المجلود حدًّاً فى الإسلام ، وهم أوْلى من يقومون
فينقصونى ويجدبونى (٣)، وقبل اليوم ما قاتلونى، وأنا إذ ذاك أدعوهم إلى الإسلام،
وهم يَدْعُوننى إلى عبادة الأصنام، الحمدُ لله، قديمًا عادانى الفاسقون قعيدهم
اللّه ألم يُقْبَحوا(٤)! إنّ هذا لهو الخطب الجليل؛ إن فساقاً كانوا غير مرضيّين،
وعلى الإسلام وأهله متخوَّفين، خدعوا شطر هذه الأمّة، وأشربوا قلوبهم حبّ
الفتنة، واستمالوا أهواءهم بالإفك والبهتان، قد نصبوا لنا الحرب فى إطفاء نورالله
عزّ وجلّ، اللهمّ فافضض خدمتهم (٥)، وشتِّت كلمتهم، وأبسلهم بخطاياهم (٦)
فإنه لا يذل من واليت، ولا يعزّ من عاديت (٧).
قال أبو مخنف: حدثنى نمير بن وَعْلة، عن الشعبىّ، أنّ عليًّا مرّ
بأهل راية فرآهم لا يزولون عن موقفهم ، فحرّض عليهم الناس ، وذُكر أنهم
غسّان، فقال: إنّ هؤلاء لن يزولوا عن موقفهم دون طعن دَرّاك يخرج منهم ٣٣٢٦/١
النَّسم ، وضرب يفلق منه الهام ، ويُطيح بالعظام ، وتسقط منه المعاصم
والأكفّ ، وحتى تُصدع جباههم بعُمُد الحديد ، وتنتشر خواجبهم على
الصدور والأذقان . أين أهل الصبر، وطلاّب الأجر ! فئاب إليه عصابة من
(١) صفين: ((ومؤدبهم).
(٢) ابن النابغة عمرو بن العاص، وأمه النابغة، امرأة من عنزة.
(٣) يجدبونى، أى يعيبونى، وفى ط ((يجذبوننى)) تحريف.
(٤) ألم يقبحوا؛ أى ألم يبعدوا! وفى القرآن الكريم: ((وكانوا من المقبوحين)).
(٥) فض اللّه خدمتهم، أى فرقها بعد اجتماعها، وأصل الخدمة سير غليظ مثل الحلقة.
(٦) أبسلهم : أهلكهم .
(٧) صفين: ٤٤٤ ، ٤٤٥.
1

٤٦
سنة ٣٧
المسلمين ، فدعا ابنه محمداً؛ فقال: امش نحوَ أهل هذه الراية مشيًا رُويداً
على هِينتك، حتى إذا أشرِعتْ فى صدورهم الرماح ، فأمسِك حتى يأتيَك رأبى.
ففعل، وأعدّ علىَّ مثلهم، فلمّا دنا منهم فأشرع بالرماح فى صدورهم أمر على
الذين أعدّ فشدّوا عليهم ، وأنهض محمداً بمن معه فى وجوههم ، فزالوا عن
مواقفهم ، وأصابوا منهم رجالا ، ثم اقتتل الناس بعد المغرب قتالا شديداً ، فما
صلَّى أكثر الناس إلاّ إيماء(١).
قال أبو مخنف: حدثنى أبو بكر الكندىّ ، أن عبد الله بن كعب المرادىّ
قتِلِ يومَ صِفِّيْنَ، فمرّ به الأسوَدُ بن قيس المرادىّ، فقال: يا أسود ، قال:
لبّيك! وعرفه وهو بآخر رَمَق، فقال: عزّ واللّه علىّ مصرَعُك (٢)، أما والله
لو شهدتك الآسيتك، ولدافعتُ عنك، ولو عرفت الذى أشعرك(٣) لأحببتُ ألّ
يتزايل (٤) حتى أقتله أو ألحق بك . ثم نزل إليه فقال: أما والله إن كان جارُك
ليأمن بوائقك، وإن كنتَ لَمِن الذاكرين الله كثيراً، أوصنى رحمك الله!
فقال: أوصيك بتقوى الله عزّ وجلّ، وأن تُناصحَ أمير المؤمنين، وتقاتل معه
المحلّين حتى يظهر أو تلحق باللّه . قال: وأبلغه عنّى السلام ، وقل له: قاتِل
عن المعركة حتى تجعلَها خلْفَ ظهرك ، فإنه من أصبح غدًّاً والمعركة خلف
ظهره كان العالىَ ، ثمّ لم يلبث أن مات، فأقبل الأسوَد إلى علىّ فأخبره ،
فقال رحمه اللّه! جاهد فينا عدوّنا فى الحياة، ونصح لنا فى الوفاة (٥).
٣٣٢٧/١
قال أبو مخنف: حدثنى محمد بن إسحاق مولى بنى المطلب، أنّ عبد الرحمن
ابن حنبل الجُمحىّ ، هو الذى أشار على علىّ بهذا الرأى يوم صِفّين.
قال هشام : حدّى عَوانة ، قال : جعل ابن حَنْبل يقول يومئذ :
إنْ تَقَتلونى فأنا أُبْنُ حْبَلْ أنا الذى قدْ قلتُ فَيَكم نعْتلْ
(١) صفين: ٤٤٥، ٤٤٦.
(٣) أشعرك ؛ أى خالطك ببنائه .
(٤) صفين: ((ألا يزايلنى)).
#
(٢) كذا فى صفين، وفى ط: ((لمصرعك)).
(٥) صفين: ٥٢٠ .

٤٧
سنة ٣٧
رجع الحديث إلى حديث أبى مِخْنف : قال أبو مخنف. فاقتتل الناس تلك الليلة
كلّها حتى الصباح؛ وهى ليلة الهَرير، حتى تقصّفت الرّماح ونفدالنَّبْل، وصارَ
الناس إلى السيوف، وأخذ علىّ يسير فيما بين الميمنة والميسرة، ويأمر كلَّ كتيبة
من القرّاء أن تقدم على التى تليها، فلم يزل يفعل ذلك بالناس ويقوم بهم حتى
أصبح والمعركة كلّها خَلْف ظهره، والأشتر فى ميمنة الناس، وابن عبّاس
فى الميسرة ، وعلىّ فى القلْب، والناس يقتتلون من كلّ جانب، وذلك يومَ
الجمعة، وأخذ الأشتر يزحف بالميمنة ويقاتل فيها، وكان قد تولاها عشيّة الخميس
وليلة الجمعة إلى ارتفاع الضحى ، وأخذ يقول لأصحابه : ازحفوا قيد هذا
الْرّمح، وهو يزحف بهم نحو أهل الشام ، فإذا فعلوا قال : ازحفوا قادَ (١)
هذا القوس ، فإذا فعلوا سألهم مثل ذلك، حتى ملّ أكثر الناس الإقدام، فلمّاً
رأى ذلك الأشتر قال : أعيذكم باللّه أن ترضعوا الغنم سائرَ اليوم ، ثم دعا
بفرسه ، وترك رايته مع حيان بن هوذة النخعىّ ، وخرج يسير فى الكتائب
ويقول: من يشترى نفسه من الله عزّ وجلّ، ويقاتل مع الأشتر، حتى يظهر
أو يلحق باللّه ! فلا يزال رجل من الناس قد خرج إليه ، وحيّان بن هوذة .
٣٣٢٨/١
قال أبو مخنف : عن أبى جناب الكلبىّ، عن ◌ُمارة بن ربيعة الجَرْمىّ،
قال : مرّ بی والله الأشترُ فأقبلتُ معه ، واجتمعإليه ناس" کثیر ، فأقبل حتى
رجع إلى المكان الذى كان به الميمنة ، فقام بأصحابه، فقال: شدّوا شدّة،
فِدّى لكم عمّى وخالى- تُرِضُون بها الربّ، وتُعِزّون بها الدّين، إذا شَددتُ
فشُدُّوا، ثم نزل فضرب وجهَ دابَّته ، ثم قال لصاحب رايته : قدّم بها ، ثم
شَدّ على القوم، وشَدّ معه أصحابُه، فضرب أهل الشأم حتى انتهى بهم
إلى عسكرهم ؛ ثم إنهم قاتلوه عند العسكر قتالا شديداً ، فقتل صاحب رايته ،
وأخَذَ علىّ - لما رأى من الظفر من قِبَلَه - يَمُدّهِ بالرّجال(٢).
١
حدثنى عبد الله بن أحمد ، قال : حدثنى أبى ، قال: حدثنى سليمان
(١) النويرى: ((قيد قوس))، وقاد وقيد، معناهما قدر.
(٢) صفين: ٥٤٤.

٤٨
سنة ٣٧
قال حدثنى عبد الله، عن جويرية، قال: قال عمرو بن العاص يومٌ
صفين لوَرْدان: (١ تدرى ما مثلى وملك! مثل الأشقر١) إنْ تقدّم عُقِر،
وان تأخّر نُحِر، لبْن تأخَّرتَ لأضربن" عنقك، ائتونى بقيد ، فوضعه فى
٣٣٢٩/١ رجليه فقال: أما والله يا أبا عبد الله لأورٍد نك حياضَ الموت ، ضع يدك على
عاتقى، ثم جعل يتقدم وينظر إليه أحيانًا، ويقول: الأورِدِنّك: حياضَ
الموت .
رجع الحديث إلى حديث أبى مخنف . فلما رأى عمرو بن العاص أنّ أمر أهل
العراق قد اشتدّ ، وخاف فى ذلك الهلاك، قال لمعاوية: هل لك فى أمر أعرِضِه
عليك لا يزيدنا اجتماعًا، ولا يزيدهم إلاّ فُرقة؟قال: نعم؛ قال: نرفع المصاحف
ثم نقول: ما فيها حَكّمٌ بيننا وبينكم، فإن أبى بعضُهم أن يقبلها وجدت فيهم
من یقول : بلى ، ينبغى أن نقبل، فتكون فرقة تقع بينهم، وإن قالوا : بلى، نقبل
مافيها ، رفعنا هذا القتال عنّا وهذه الحرب إلى أجل أو إلى حين . فرفعوا
المصاحفَ بالرّماح وقالوا: هذا كتاب الله عزّ وجلّ بيننا وبينكم، مَن لثغور أهل
الشام بعد أهل الشام! ومَن لثغور أهل العراق بعدَ أهل العراق! فلما رأى الناس
المصاحفَ قد رفعتْ، قالوا : نجيب إلى كتاب اللّه عزّ وجلّ وننيب إليه .
ما روى من رفعهم المصاحف ودعائهم إلى الحكومة
قال أبو مخنف: حدثنى عبد الرحمن بن جُندَب الأزدىّ ، عن أبيه
أنّ عليًّاً قال: عبادَ الله، امضُوا على حقكم وصِدقكم قتال(٢) عدوّكم، فإنّ
معاوية وعمرو بن العاص وابنَ أبى مُعيط وحبيب بن مسلمة وابن أبى سرْح
(١ -١) ابن الأثير والنويرى: ((تدرى ما مثله ومثلك ومثل الأشتر؟ قال: لا،
قال: كالأشقر)».
(٢) ابن الأثير والنويرى: ((وقتال)).

٤٩
سنة ٣٧
٣٣٣٠/١
والضحّاك بن قيس، ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن ، أنا أعرف بهم منكم ،
قد صحبتُهم أطفالا ، وصحبتهم رجالا ، فكانوا شرّ أطفال وشرّ رجال ،
وينحتكم! (١ إنهم ما رفعوها، ثم لا يرفعونها ولا يعلمون بما فيها١)، وما رفعوها لكم
إلا خديعةً ودَهْنًا (٢) ومكيدة ، فقالوا له: ما يسعنا أن نُدْعَى إلى كتاب
اللّه عزّ وجلّ فنأبى أن نَقبله؛ فقال لهم: فإنَّى إنما قاتلتُهم ليدينوا بحكم هذا
الكتاب ، فإنَّهم قد عصَوا اللّه عز وجلّ فيما أمَرَهم ونسُوا عهدَه، ونبذُوا
كتابه . فقال له مِسْعر بن فَدَكىّ التميمىّ وزيد بن حصين الطائىّ ثم
السُّنْبِسىّ، فى عصابة معهما من القرّاء الذين صاروا خوارج بعد ذلك: يا علىّ،
أجِب إلى كتاب الله عزّ وجلّ إذْ دعيتَ إليه، وإلاّ ندفعك برُمّتك إلى
القوم، أو نفعل كما فعلنا بابن عفان (٣)؛ إنه علينا أن نعمل بما فى كتاب الله عزّ
وجلّ فقبلناه؛ واللّه لتفعلنّها أو لنفعلنّها بك. قال: فاحفظوا عنى نهي إيا كم،
واحفظوا مقالتكم لى ، أمَّا أنا فإن تطيعونى تقاتلوا ، وإن تعصونى فاصنعوا
ما بدا لكم ! قالوا له : إمَّا لاَ فابعث إلى الأشتر فليأتك (٤).
قال أبو مخنف : حدثنى فضيل بن خديج الكندىّ ، عن رجل من
النَّخَعَ ، أنه رأى إبراهيم بن الأشتر دخل على مصعب بن الزبير ، قال :
كنت عند علىّ حين أكرهه الناس على الحكومة، وقالوا: ابعث إلى الأشتر
فليأتك ، قال : فأرسل علىّ إلى الأشتر يزيدَ بن هانئ السّبيعىّ: أن اثتنى؛
فأتاه فبلّغه ، فقال : قل له ليس هذه الساعة التى ينبغى لك أن تُزِيلنى فيها
عن موقفی ، إنى قد رجوت أن يُفتح لى ، فلا تعجلی . فرجع یزید بن هانئ
"إلى علىّ فأخبره، فما هو إلا أن انتهى إلينا، فارتفع الرّهَج، وعلَت الأصوات
من قِبَل الأشتر ، فقال له القوم : والله ما نراك إلا أمرتّه أن يقاتل ؛ قال:
من أين ينبغى أن ترَوا ذلك ! رأيتمونى ساررْته ؟ أليس إنما كلمته على رءوسكم
٣٣٣١/١
(١-١) كذا وردت العبارة فى ط، وفى صفين: ((إنهم والله ما رفعوها، إنهم يعرفونها ويعلمون بها)).
(٢) يقال: دهن الرجل؛ إذا نافق. فى ابن الأثير: ((ووهنا)).
(٣) صفين: ((وإلا قتلناك كما قتلنا ابن عفان)).
(٤) صفين: ٥٦٠، ٥٦١ مع تصرف واختصار.

٥٠
سنة ٣٧
علانية ، وأنتم تسمعوننى !قالوا: فابعث إليه فليأتك، وإلا واللّه (١) اعتزلناك.
قال له : ويحَك يا يزيد !قل له : أقبل إلىّ فإنّ الفتنة قد وقعتْ، فأبلغه
ذلك ، فقال له: ألِرفع المصاحف ؟ قال : نعم ؛ قال: أما والله لقد ظننت
حين رُفعتْ أنّهاستوقع اختلافًا وفُرقة، إنها مشورة ابن العاهرة (٢)، ألا ترى
ماصنع الله لنا ! أينبغى أن أدع هؤلاء وأنصرف عنهم ! وقال یزید بن هانئ :
فقلت له: أتحب أنك ظفرتَ ها هنا، وأنّ أمير المؤمنين بمكانه الذى هو به
يُفُرج عنه أويُسْكم ؟ قال: لا والله، سبحان الله! قال: فإنهم قد قالوا :
لَتُرُسلِنَّ إلى الأشتر فليأتينّك أو لنقتلنّك كما قتلْنا ابن عفّان. فأقبل حتى
انتهى إليهم فقال: يا أهلَ العراق، يا أهل الذّلّ والوَهَن ، أحين علوتم
القوم ظهرًا ، وظنّوا أنكم لهم قاهرون، رفعوا المصاحف يدعونكم إلى ما فيها !
٣٣٣٢/١ وقد والله تركوا ما أمر الله عزّ وجلّ به فيها، وسنّةَ من أنزلت عليه صلى الله عليه
وسلم ، فلا تجيبوهم ، أمهلونى (٣ عَدْ وَ الفرس، فإنى قد طمعت فى النصر ٣)؛
قالوا : إذاً ندخل معك فى خطيئتك ؛ قال: فحدُ ثُونى عنكم ، وقد قُتل
أماثِلُكم، وبقىَ أراذلكم، منى كنتم محقِّين! أحين كنتم تقاتلون وخياركم
يُقتلون ! فأنتم الآن إذ أمسكم عن القتال مبطلون ، أم الآن أنتم محقون ،
فقَتْلاكم الذين لا تنكرون فضلهم فكانوا خيراً منكم فى النار إذاً ! قالوا : دعنا
منك يا أشتر، قاتَلْناهم فى اللّه عزّ وجلّ، ونَدَع قتالهم الله سبحانه ، إنا
لسنا مُطيعِيك ولا صاحبُك، فاجتنِبْنا، فقال: خُدٍ عتم واللّه فانخدعتم ،
ودُ عيتم إلى وضع الحرب فأجبتم . يا أصحابَ الجباه السود ، كنا نظنّ صلواتِكم
زَهادةً فى الدنيا وشوقًا إلى لقاء الله عزّ وجل"، فلا أرى فراركم إلاّ إلى
الدنيا من الموت ، ألا قبحًا يا أشباهَ النَّيب الجَلّلة! وما أنتم براثين بعدها
عزَّا أبداً، فابعدوا كما بَعِدَ القوم الظالمون ! فسبوه ، فسبّهم ، فضربوا
وجه دابته بسياطهم ، وأقبل يضرب بسوطه وجوهَ دوابتهم، وصاح بهم على
(١) صنفين: ((فوالله)).
(٢) صفين: ((إنها من مشورة ابن النابغة - يعنى عمرو بن العاص)).
(٣-٣) صفين: ((أمهلونى فواقاً فإنى قد أحسست بالفتح)). ((والفواق: ما بين
الحلبتين .

٥١
سنة ٣٧
٣٣٣٣/١
فكّفّوا؛ وقال للناس : قد قبلنا أن نجعلَ القرآن بيننا وبينهم حكما ،
فجاء الأشعث بن قيس إلى علىّ فقال له : ما أرى الناسَ إلا قد رضُوا ،
وسرّهم أن يجيبوا القومَ إلى ما دعَوْهم إليه من حكم القرآن، فإن شئتَ أتيتُ
معاوية فسألتُه ما يريد، فنظرتَ ما يسأل ؛ قال : اثته إن شئتَ فسَلْه ، فأتاه
فقال : يا معاوية ، لأىّ شىء رفعتم هذه المصاحف ؟ قال: لنرجع نحن وأنتم
إلى ما أمر الله عزّ وجلّ به فى كتابه ، تبعثون منكم رجلا ترضَوْن به ، ونبعث
منّا رجلا ، ثم نأخذ عليهما أن يعمَلا بما فى كتاب الله لا يعدُ وانه ، ثم نتبع
ما اتّفقا عليه، فقال له الأشعث بنُ قيس: هذا الحقّ، فانصرف إلى علىّ
فأخبرَه بالذى قال معاوية ؛ فقال الناس : فإنا قد رضينا وقبلنا، فقال أهل
الشأم : فإنا قد اخترنا عمرو بن العاص ؛ فقال الأشعث وأولئك الذين صاروا
خوارجَ بعد : فإنا قد رضينا بأبى موسى الأشعرىّ، قال علىّ: فإنكم قد
عصيتمونى فى أول الأمر ، فلا تعصُونى الآن، إنى لا أرى أن أولِّىَ أبا موسى .
فقال الأشعث وزيد بن حُصين الطائىّ ومسعر بن فدكىّ : لا يرضى إلاّ به ،
فإنه ما كان يحذّرنا منه وقعنا فيه؛ قال علىّ: فإنه ليس لى بثقة، قد فارقی ،
وخذّل الناسَ عنى ثم هرب منى حتى آمنتُه بعد أشهر ، ولكن هذا ابن عباس
نولِّيه ذلك، قالوا : ما نبالى أنت كنت أم ابن عباس !لا نريد إلاّ رجلاً هو
منك ومن معاوية سواء ، ليس إلى واحد منكما بأدنى منه إلى الآخر ، فقال
علىّ: فإنّى أجعل الأشتر (١).
قال أبو مخنف : حدثنى أبو جناب الكليّ ، أن الأشعث قال : وهل
سَعّر الأرضَ غيرُ الأشتر ؟!
#
#
قال أبو مخنف ؛ عن عبد الرحمن بن جُندَب ، عن أبيه : إنّ الأشعث
قال : وهل نحن إلا فى حكم الأشتر ! قال علىّ: وما حُكمُهُ ؟ قال :
حكمه أن يضرب بعضنا بعضًا بالسيوف حتى يكون ما أردتَ وما أراد ؛ قال :
فقد أبَيتم إلا أبا موسى ! قالوا : نعم ؛ قال : فاصنعوا ما أردتم ؛ فبعثوا إليه
٣٣٣٤/١
( ١) صفين: ٥٦١ - ٥٦٣.

٥٢
سنة ٣٧
وقد اعتزل القتال، وهو بعُرْض، فأتاه مولی له؛ فقال: إنّ الناس قداصطلحوا؛
فقال: الحمد لله ربّ العالمين! قال: قد جعلوك حكّما؟ قال: إنا لله وإنا
إليه راجعون! وجاء أبو موسى حتى دخل العسكر ، وجاء الأشتر حتى أتى
عليًّاً فقال: ألِزّى بعمرو بن العاص، فوالله الذى لا إله إلا هو، لئن ملأتُ
عينى منه لأقتلنّه ؛ وجاء الأحنف فقال : يا أميرَ المؤمنين ، إنك قد رُميتَ
بحجَر الأرض، وبمَنْ حارب اللّهَ ورسوله أنْفَ الإسلام، وإنّى قد عجمتُ
هذا الرجلَ وحلبتُ أشطُرَه فوجدتُه كَلِيلَ الشَّفرة، قريبَ القعر ، وإنه
لا يصلح لهؤلاء القوم إلاّ رجل يدنو منهم حتى يصير فى أكفّهم ، ويبعد
حتى يصير بمنزلة النجم منهم ، فإن أبيتَ أن تجعلنى حكماً، فاجعلنى ثانيًاً
أو ثالثًا، فإنه لن يعقد عقدةً إلا حللتُها، ولن يحلّ عقدة أعقدها إلا عقدت
لك أخرى أحكم منها . فأبى الناسُ إلا أبا موسى والرِّضا بالكتاب ؛ فقال
الأحنف: فإنْ أبيتم إلا أبا موسى فأدفئوا ظهرَه بالرجال. فكتبوا: بسم الله
الرحمن الرّحيم؛ هذا ما تقاضَى عليه علىّ أميرُ المؤمنين .... فقال عمرو :
اكتب اسمه واسم أبيه ، هو أميرُكم فأما أميرُنا فلا، وقال له الأحنف :
لا تمح اسم (( إمارة المؤمنين))، فإنى أتخوف إنْ محوتتها ألّ ترجع إليك أبداً،
٣٣٣٥/١ لا تَمحُها وإن قتل الناسُ بعضهم بعضًا؛ فأبى ذلك علىّ مليًا من النهار،
ثم إنّ الأشعث بنَ قيس قال: امحُ هذا الاسم برَحه اللّه! فمُحِىَ وقال:
علىّ: الله أكبر، سنّة بسنّة، ومثَل بمثَل، والله إنى لكاتب بين يدى رسول
اللّه صلى الله عليه وسلم يومَ الحديبية إذ قالوا: لستَ رسول اللّه، ولا نشهد
لك به ، ولكن اكتب اسمك واسمَ أبيك ، فكتبه ، فقال عمرو بن العاص :
سبحان الله! ومَثَلُ هذا أن نشبه بالكفّار ونحن مؤمنون ! فقال علىّ: يابن
النابغة، ومتى لم تكن للفاسقين وليًا، وللمسلمين عدوًّا! وهل تشبِه إلا أمك
التى وضعت بك ! فقام فقال: لا يجمع بينى وبينَك مجلسٌ أبداً بعد هذا
اليوم؛ فقال له علىّ: وإنى لأرجو أن يطهّر الله عزّ وجلّ جلسى منك ومن
أشباهك . وكتب الكتاب(١).
(١) صفين من ٥٨١ - ٥٨٣ مع تصرف واختصار.

٥٣
سنة ٣٧
حدثنى علىّ بن مسلم الطوسىّ، قال: حدّثنا حَبّان، قال : حدّثنا
مُبارك ، عن الحسن ، قال: أخبرنى الأحنف ، أنّ معاوية كتب إلى علىّ
أن امحُ هذا الاسمَ إن أردتَ أن يكون صلح ؛ فاستشار - وكانت له قبّة يأذن
لبنى هاشم فيها ، ويأذن لى معهم - قال : ما تروْن فيما كتب به معاوية أن
امح هذا الاسم؟ - قال مبارك: يعنى أمير المؤمنين - قال: برّحه اللّه! فإنّ رسول
الله صلى الله عليه وسلم حين وادع أهل مكة كتب: ((محمّد رسول الله)، فأبوا
ذلك حتى كتب: هذا ما قاضى عليه محمد بنُ عبد الله؛ فقلت له: أيّها الرجل
مالك وما لرسول الله صلى اللّه عليه وسلم! إنا والله ما حابَيْناك ببيعتنا، وإنا
لو علمنا أحداً من الناس أحقّ بهذا الأمر منك لبايعناه ، ثم قاتلناك ، وإنى
أقسم بالله لئن محوتَ هذا الاسم الذى بايعت عليه وقاتلتهم لا يعود إليك أبداً.
قال: وكان واللّه كما قال. قال: قلّما وُزِن رأيه برأى رجل إلا رَجَح عليه.
٣٣٣٦/١
رجع الحديث إلى حديث أبى مخنف . وكتب الكتاب: بسم الله الرحمن الرحيم،
٠
هذا ما تقاضى عليه علىّ بن أبى طالب ومعاوية بن أبى سفيان، قاضى علىّ على أهل
الكوفة(١) ومَنْ معهم من شيعتهم من المؤمنين والمسلمين، وقاضى معاوية على أهل
الشأم ومن كان معهم من المؤمنين والمسلمين ، إنا ننزل عند حُكم الله عزّ وجلّ
وكتابه، ولا يجمع (٢) بينناغيره، وإن كتاب الله عزّ وجل" بيننامن فاتحته إلىخاتمته،
نُحيى ما أحيا، ونُميت ما أمات، فما وجد الحكمان فى كتاب الله عزّ وجلّ-
وهما أبو موسى الأشعرىّ عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص القرشى- عملاً به ،
وما لم يسَجِدَا فى كتاب الله عزّ وجلّ فالسنة العادلة الجامعة غير المفرّقة. وأخذ
الحكتمان من على ومعاوية ومن الجندين من العهود والميثاق (٣) والثقة من الناس،
أنهما آمنان على أنفسهما وأهلِهما، والأمّة لهما أنصار على الذى يتقاضيان
عليه ، وعلى المؤمنين والمسلمين من الطائفتين كلتيهما عهدُ اللّه وميثاقُه أنّا على
(١) صفين: ((العراق)).
(٢) ابن الأثير والنويرى: ((وألا يجمع)).
(٣) ابن الأثير والنويرى: ((والمواثيق)).

٥٤
سنة ٣٧
٣٣٣٧/١ ما فى هذه الصحيفة، وأن قدوجبتْ قضيتهما على المؤمنين، فإنّ الأمن والاستقامة
ووضع السلاح بينهم أينما ساروا على أنفسهم وأهليهم وأموالهم ، وشاهدهم
وغائبهم ، وعلى عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص عهدُ اللّه وميثاقُه أنْ
يحكُمَا بين هذه الأمة، ولا يَرُدّاها فى حرب ولا فُرقة حتى يُعصيا، وأجَلُ
القضاء إلى رَمضان. وإن أحبّا أن يؤخّرا ذلك أخراه على تراضٍ منهما، وإن
تُوفَّى أحد الحكمين فإنّ أمير الشيعة يختار مكانه، ولا يألو من أهل المتعدلة
والقسط ، وإنّ مكان قضيّتهما الذى يقضيان فيه مكان عدلٌ بين أهل
الكوفة وأهل الشأم؛ وإن رضيها وأحبًا فلا يحضرهما فيه إلا من أرادا ، ويأخذ
الحكمان من أرادا من الشهود ، ثم يكتبان شهادتهما على ما فى هذه الصحيفة ،
وهم أنصارٌ على مَن ترك ما فى هذه الصحيفة ، وأراد فيه إلحاداً وظُلمًا .
اللهم إنا نستنصرك على من تَرَك ما فى هذه الصحيفة (١).
شَهِد من أصحاب علىّ الأشعثُ بنُ قيس الكندىّ، وعبدُ اللّه بن عباس ،
وسعيد بن قيس الهمدانىّ، وورقاء بن سُمَىّ البَجَلَىّ، وعبد الله بن ◌ُحِلّ
العجلىّ، وحُجْر بن عدىّ الكندىّ، وعبد الله بن الطفيل العامرىّ، وعقبة
ابن زياد الخضْرمىّ ، ويزيد بن حجيّة التيمى، ومالك بن كعب الهمدانى . ومن
أصحاب معاوية أبو الأعور السلمىّ عمرو بن سفيان، وحبيب مسلمة الفهرىّ،
والمخارق بن الحارث الزُبيديّ، وزِمْل بن عمرو العذرِىّ، وحمزة بن مالك
الهمْدانىّ، وعبد الرحمن بن خالد المخزوميّ، وسُبيع بن يزيد الأنصارىّ ،
وعلقمة بن يزيد الأنصارىّ، وعُتبة بن أبى سفيان، ويزيد بن الحرّالعبسى"(٢).
٣٣٣٨/١
قال أبو مخنف: حدثنى أبو جناب الكلبىّ، عن مُمارة بن ربيعة الجَرْمىّ،
قال: لما كُتبت الصحيفة دُعِىَ لها الأشتر فقال: لا صحِبتْنِى يمينى،
ولا نفعتْنى بعدَها شمالى(٣)، إن خُطّ لى فى هذه الصحيفة اسم على صلح
(١) بعدها فى صفين: ((وأراد فيها إلحاداً وظلماً)).
(٢) صفين: ٥٨٤ - ٥٨٦ .
(٣) صفين: ((الشمال)).

٥٥
سنة ٣٧
ولا موادَعة. أوَلستُ على بينة من ربى، ومن ضلال عدوّى(١)! أوَ لستم قد
رأيتم الظَّفَر لو لم تُجمعوا على الجْور (٢)! فقال له الأشعث بن قيس :
إنك واللهِ ما رأيت ظَفَرًا ولا جَوْرًا(٣)، هلمَّ إلينا فإنه لا رغبة بك عنّا؛ فقال:
بلى والله لرغبة بى عنك فى الدّنيا للدّنيا والآخرة للآخرة، ولقد سفَكَ اللّه
عزّ وجلّ بسيفى هذا دماءَ رجال ما أنت عندى خيرٌ منهم ، ولا أحرَم دماً ؛
قال عُمارة: فنظرتُ إلى ذلك الرجل وكأنما قُصع على أنفه الحُمم (٤) ــ يعنى
الأشعث(٥) .
قال أبو مخنف ، عن أبى جَناب ، قال : خرج الأشعث بذلك الكتاب
يقرؤه على الناس ، ويعرضه عليهم ، فيقرءونه ، حتى مرّ به على طائفة من
بنى تميم فيهم عروة بن أدَيّة ، وهو أخو أبى بلال ، فقرأه عليهم ، فقال عروة
ابن أدَيَّة: تحكّمون فى أمر الله عزّ وجلّ الرجال! لا حكم إلا لله ؛ ثم شدّ
بسيفه فضرب به عجُزُ دابته ضربةً خفيفة ، واندفعت الدّابة ، وصاح به
أصحابه ، أن املك يدك ، فرجع، فغضبللأشعث قومه وناس کثیر من أهل
اليمن ، فمشى الأحنف بنُ قيس السعدىّ ومعقِل بن قيس الرّياحىّ،
ومِسْعر بن فَدَكِى، وناس كثيرٌ من بني تميم ، فتنصّلوا إليه واعتذروا ؛ فقبل
وصَفَح.
٣٣٣٩/١
قال أبو مخنف : حدثنى أبو زيد عبدالله الأودىّ، أن رجلاً من أوْد كان
يقال له عمرو بن أوس ، قاتَلَ مع علىّ يومَ صِفِين، فأسره معاوية فى أسارَى
كثيرين، فقال له عمرو بن العاص : اقتلهم، فقال له عمرو بن أوس : إنك
خالى ، فلا تقتلنى، وقامت إليه بنو أوْد فقالوا : هب لنا أخانا ؛ فقال : دعوه،
لعمرى لئن كان صادقًا فلنستغنينّ عن شفاعتكم ، ولئن كان كاذبًا لتأتين
(١) صفين: ((ويقين من ضلال عدوّى)).
(٢) صفين: ((الخور)).
(٣) صعين: ((خوراً)).
(٤) القصع : الضرب الذلك، والحمم : الرماد والفحم وكل ما احترق؛ واحدته حممة .
(٥) صفين: ٥٨٧.

٥٦
سنة ٣٧
شفاعتكم من ورائه ، فقال له : من أين أنا خالك ! فوالله ما كان بيننا وبين
أوْدٍ مصاهَرة ؛ قال : فإن أخبرتُك فعرفتَه فهو أمانى عندَك ؟ قال : نعم ؛
قال : ألستَ تعلم أن أمّ حبيبة ابنة أبى سُفيان زوجُ النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ؟
قال : بلى ، قال : فإنّى ابنُها ، وأنتَ أخوها ، فأنت خالى ؛ فقال معاوية :
لله أبوك! ما كان فى هؤلاء واحد يفطُن لها غيره . ثم قال للأوْديّين:
أيستغنى عن شفاعتكم! خاُّوا سبيله(١).
قال أبو مخنف: حدثنى ثُمَير بن وَعْلَة الهمْدانىّ، عن الشعبىّ، أن
٣٣٤٠/١ أسارى كان أسرهم علىٌ يومَ صِفِين كثير، فخلى سبيلهم، فأتوا معاوية،
وإنّ عمرًاً ليقول - وقد أسر أيضًا أسارى كثيرة: اقتلهم، فما شعروا إلا
بأسرائهم قد خُلّىَ سبيلهم ، فقال معاوية : يا عمرو، لو أطعناك فى هؤلاء
الأسرى وقعْنا فى قبيح من الأمر؛ ألا ترى قد خُلِى سبيل أسارانا ! وأمر بتخلية
سبيل من فى يديه من الأسارى (٢).
قال أبو مخنف : حدّثّنى إسماعيل بن يزيد ، عن حُميد بن مسلم ،
عن جندب بن عبد اللّه، أن عليًّا قال للناس يومَ صِفِّين: لقد فعلتم فَعَلةٌ
ضَعْضعتْ قوّة، وأسقطتْ مُنّة، وأوهنت وأورثت وَهْناً وذلّة، ولمّا كنتم
الأعْلَيْن ، وخاف عدوّ كم الاجتياح، واستحرّ بهم القتل ووجدوا ألم الجراح،
رفعوا المصاحف، ودَعوْكم إلى ما فيها ليفشئوكم عنهم ، ويقطعوا الحرب فيما
بينكم وبينهم، ويتربَّصوا [بكم] (٣) ريبَ المنون خديعة ومكيدة، فأعطيتموهم ما
سألوا، وأبيتم إلا أن تُدْهِنوا وتجوّزوا(٤) !وايم الله ما أظنّكم بعدهاتوافقون رَشَداً،
ولا تصيبون بابَ حزم .
#
قال أبو جعفر: فكُتِب كتاب القضيّة بين علىّ ومعاوية - فيما قيل- يوم
(١) صفين: ٥٩٤ - ، ٥٩٥ .
(٢) صفين: ٥٩٥
(٣) من ابن الأثير.
(٤) ابن الأثير: ((تدهنوا وتجيروا)).

٥٧
سنة ٣٧
الأربعاء لثلاث عشرة خلت من صفر سنة سبع وثلاثين من الهجرة ، على أن
يوافى علىّ ومعاوية موضع الحكمين بدُومة الجندل فى شهر رمضان ، مع كلّ
واحد منهما أربعمائة من أصحابه وأتباعه .
فحد ◌ّثنی عبد الله بن أحمد، قال: حدثنى أبى، قال: حدثنى سليمان بن ٣٣٤١/١
يونس بن يزيدَ، عن الزّهرىّ، قال : قال صعصعة بن صُوحان يومَ صِفِّين
حين رأى الناس يتبارون: ألا اسمعوا واعقلوا، تعلمُنّ والله لئن ظهر علىّ" ليكونن"
مثل أبى بكر وعمرَ رضى الله عنهما، وإن ظهر معاوية لا يُقِرّ لقائل بقول حقّ".
قال الزّهرىّ: فأصبح أهل الشأم قد نشروا مصاحفتهم، ودَعَوا إلى
ما فيها ، فهاب أهل العراقين، فعند ذلك حكموا الحكمين ، فاختار أهلُ
العراق أبا موسى الأشعرىّ، واختار أهلُ الشأم عمرو بن العاص ، فتفرّق أهلُ
صِفِّين حين حُكُمَ الحكَمان ، فاشترطا أن يرفعا ما رفع القرآن ، ويخفِضا
ما خفض القرآن، وأن يختارا لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، (١ وأنّهما يجتمعان
بدُومة الجندل، فإن لم يجتمعا لذلك اجتمعا من العام المقبل بأذرُ ح(١).
فلما انصرف علىّخالفت الخروريّة وخرجت ــ وكان ذلك أول ماظهرت-
فآذنوه بالحرب، وردّوا عليه: إنّ حكم بنى آدم فى حكم اللهعزّ وجلّ، وقالوا:
لا حكم إلا لله سبحانه! وقاتلوا، فلما اجتمع الحكمان بأذرُح ، وافاهم
المغيرة بن شعبة فيمن حضر من الناس ، فأرسل الحكمان إلى عبد اللّه بن عمر
ابن الخطاب وعبد الله بن الزّبير فى إقبالهم فى رجال كثير ، ووافى معاويةُ بأهل
الشأم ، وأبى علىّ وأهل العراق أن يوافُوا؛ فقال المغيرة بن شعبة لرجال من ذوى
الرأى من قريش: أتروْن أحداً من الناس برأى يبتدعه يستطيع أن يعلم أيجتمع
الحَكَمَان أم يتفرّقان؟ قالوا: لا نرى أحداً يعلم ذلك، قال: فوالله إذّ لأظنّ"
أنَّى سأعلمه منهما حين أخذُو بهما وأراجعهما . فدخل على عمرو بن العاص
وبدأ به فقال : يا أبا عبد الله ، أخبرنى عمّا أسألك عنه ، كيف ترانا معشر
المعتزلة ، فإنا قد شككْنا فى الأمر الذى تبيّن لكم من هذا القتال ، ورأيْنا
٣٣٤٢/١
(١ - ١) ابن الأثير: ((واتفقوا على أن يوافى أمير المؤمنين على موضع الحکین بدومة جندل أو
بأذرح فى شهر رمضان )) .

٥٨
سنة ٣٧
أن نستأنى ونتثبّت حتى تجتمع الأمة ! قال: أراكم معشرَ المعتزِلة خَلْفَ
الأبرار، وأمامَ الفُجّار ! فانصرف المغيرة ولم يسأله عن غير ذلك، حتى دخل
على أبى موسى فقال له مثلَ ما قال لعمرو ، فقال أبو موسى : أراكم أثبتَ
الناس رأيًا، فيكم بقيَّة المسلمين ، فانصرف المغيرة ولم يسأله عن غير ذلك ،
فلقى الذين قال لهم ما قال من ذوى الرّأى من قريش ، فقال : لا يجتمع هذان
علی أمر واحد، فلما اجتمع الحكمان وتکلّما قالعمرو بنالعاص : يا أبا موسى ،
رأيت أوّل ما تقضى به من الحقّ أن تقضىَ لأهل الوفاء بوفائهم ، وعلى أهل
الغدر بغَدرِهم ؛ قال أبو موسى : وما ذاك ؟ قال : ألستَ تعلم أنّ معاوية
وأهل الشأم قَدْ وَفَوا ، وقَدِ موا للموعد الذى واعدْناهم إيّاه ؟ قال : بلى ،
قال عمرو : اكتُبها ؛ فكتبها أبو موسى ؛ قال عمرو : يا أبا موسى ، أأنتَ
على أن نسمّىَ رجلاً يلِى أمرَ هذه الأمة؟ فسمِّه لى، فإن أقدر على أن أتابعتَك
فلك علىّ أن أتابعك، وإلا فلِى عليك أن تتابعنى! قال أبو موسى: أسْمِّى
لك عبد الله بن عمر، وكان ابن عمر فيمن اعتزل ؛ قال عمرو: إنى اسمّى
لك معاوية بن أبى سفيان ، فلم يبرحا مجلسهما حتى استبّاً، ثم خرجا إلى
الناس ، فقال أبو موسى: إنّى وجدت مثلَ عمرو مثل الّذين قال الله عزّ
وجلّ: ﴿ وَاتَلُ عَلَيْهِمْ نَبَأُ الَّذِى آتَيْنَاءُ آيَاتِنَا فَانْسَلَحْ مِنْهَا﴾،(١)
فلمّا سکت أبو موسى تكلم عمرو فقال : أيُّها الناس وجدت مثل أبى موسى
كَمَثَل الذى قال عزّ وجلّ: ﴿مَثَلُ الذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّلمْ يَحْمِلوها
كَمَثَلِ الحِمَارِ يَحْمِلُ أسْفارًا)، (٢) وكتب كلّ واحد منهما مثله
الذى ضرب لصاحبه إلى الأمصار .
٣٣٤٣/١
قال ابن شهاب : فقام معاوية عشيَّةً فى الناس، فأثنَى على الله جلّ
ثناؤه بما هو أهله ، ثم قال: أما بعد، فمن كان متكلّمًا فى الأمر فليطلع لنا
قَرْنَه، قال ابن عمر: فأطلقتَ حُبْوَنى، فأردت أن أقول قولا يتكلّم فيه رجالٌ
قاتلوا أباك على الإسلام ، ثم خشيت أن أقول كلمة تفرّق الجماعة ، أو
يُسفك فيها دم، أو أحمَل فيها على غير رأى، فكان ما وعد الله عزّ وجلّ
(١) سورة الأعراف: ١٧٥.
(٢) سورة الجمعة:٥ .

٥٩
سنة ٣٧
فى الجنان أحبَّ إلىّ من ذلك. فلما انصرف (١) إلى المنزل جاءنى حبيب بن
مَسْلمة فقال: ما منعك أن تتكلم حين سمعت الرجل يتكلّم؟ قلت : أردت
ذلك ، ثم خشيت أن أقول كلمةً تُفرَّق بين جميع، أو يُسفَّك فيها دم ،
أو أحمَل فيها على غير رأى، فكان ما وعد الله عزّ وجلّ من الجنان أحبّ
إلىّ من ذلك. قال : قال حبيب : فقد عُصمْتَ .
#
• رجع الحديث إلى حديث أبى مخنف : قال أبو مخنف : حدثنى
فُضيل بن خديج الكندىّ، قال: قيل لعلىّ بعد ما كُتبت الصحيفة: إن
الأشتر لا يُقرّ بما فى الصحيفة، ولا يرى إلا قتال القوم؛ قال على": وأنا واللّه
ما رضيتُ ولا أحببتُ أن ترضَوْا، فإذْ أبيتم إلا أن ترضَوا فقد رضيتُ ، فإذ
رضيت فلا يصلح الرجوع بعد الرّضا ، ولا التبديل بعد الإقرار ، إلا أن
يُعصَّى اللّه عزّ وجلّ ويُتعدّى كتابُه، فقاتِلوا مَن تَرَك أمرَ الله عزّ وجل".
وأمّا الذى ذكرتم من تركه أمرٍى وما أنا عليه فليس من أولئك ، ولستُ أخافه
على ذلك ، یالیت فیکم مثله اثنین ! یالیت فیکم مثله واحداً يرى فى عدوى
ما أُرَى، إذاً لخفّتْ علىّ مئونتكم، ورجوتُ أن يستقيم لى بعض أوّدكم؛ وقد
نهيتكم عما أتيتم فعصيتمونى ، وكنت أنا وأنتم كما قال أخو هوازن (٢):
٣٣٤٤/١
وهل أَنا إِلَّ مِنْ غَزِيَّةٍ إِن غَوَتْ غَوَيتُ وإِن تَرْشُدْ غزيَّةُ أَرْشُدٍ
فقالت طائفة ممّن معه : ونحن مافعلْنا يا أمير المؤمنين إلا ما فعلت ؛
قال : نعم، فلِمَ كانت إجابتكم إياهم إلى وضع الحرب عنّا ! وأما القضية
فقد استوثقنا لكم فيها ، وقد طمعت ألَّ تَضلُّوا إن شاء الله ربّ العالمين.
فكان الكتاب فى صَفَر والأجل رمضان إلى ثمانية أشهر ، إلى أن يلتقى
الحَكمان . ثم إنّ الناس دفنوا قتلاهم، وأمر علىّ الأعورَ فنادى فى الناس
بالرّحيل .
(٢) هو دريد بن الصمّة ؛ من أبيات أوردها
(١) ابن الأثير: ((انصرفت)).
صاحب الحماسة - ٢ : ٣٠٤ - ٣٠٩ بشرح التبريزى .

٦٠
٣٣٤٥/١
٣٣٤٦/١
سنة ٣٧
قال أبو محْنف: حدثنى عبد الرحمن بن جندب ، عن أبيه، قال : لما
انصرفنا من صفّين أخذنا غير طريقنا الذى أقبلْنا فيه؛ أخذنا على طريق البرّ
على شاطئ الفرات ، حتى انتهينا إلى هيت، ثم أخذْنا على صَنْدودَاء، فخرج
الأنصاريّون بنو سعد بن حرام ، فاستقبلوا عليًّا ، فعرضو عليه النزول ، فبات
فيهم ثم غدا، وأقبلْنا معه، حتى إذا جُزْنا النُّخيلة، ورأينابيوت الكوفة،إذا نحن
بشيخ جالس فى ظلّ بيت على وجهه أثر المرض ، فأقبل إليه علىّ ونحن معه
حتى سلم عليه وسلمنا معه ، فردّ ردًّا حسنًا ظننا أن قد عرفه، قال له علىّ :
أرى وجهك منكفئًا فمِنْ منَهْ؟ أمين مرض؟ قال: نعم؛ قال: فلعلَّك
كرهتَه ، قال : ما أحبّ أنه بغيرى ، قال : أليس احتسابًا للخير فيما
أصابك منه ؟ قال : بلى ، قال : فأبشر برحمةِ رّبك وغفرانٍ ذنبِك. مَن
أنت يا عبدَ الله؟ قال: أنا صالح بن سُلَيم، قال: مَّن ؟ قال: أمّا
الأصل فمِن سَلاَ مَان طيِّئ، وأما الجوار والدّعوة ففى بنى سُليم بن منصور؛
فقال: سبحان الله! ما أحسَن اسمك واسمَ أبيك واسمَ أَدْعِيائك واسمَ من
اعتزيتَ إليه! هل شهدتَ معنا غَزاتنا هذه؟ قال : لا ، واللّه ما شهدتُها ،
ولقد أردتها ولكن ما ترى من أثر لحَبٍ(١) الحمَى خزَلنى عنها ؛ فقال:
﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ
حَرَجٌ إِذَا نَصَحوالِهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ). (٢)
خبرنى ما تقول الناس فيما كان بيننا وبين أهل الشام ؟ قال : فيهم
المسرور فيما كان بينك وبينهم - وأولئك أغِشَّاء الناس - وفيهم المكبوت
الآسف بما كان من ذلك - وأولئك نُصحاء الناس لك - فذهب لينصرف
فقال: قد صدقت، جعل الله ما كان من شكواك حطًّا لسيئاتك، فإنّ
المرض لا أجرَ فيه، ولكنه لا يَدَعَ على العبد ذنبًا إلا حطَّه، وإنما أجرٌ
فى القول باللسان والعمل باليد والرِّجل، وإنّ اللّه جلّ ثناؤه ليُدخل
بصدق النيّة والسريرة الصالحة عالمًا جمًّا من عباده الجنة . قال : ثم
(١) لحب الحمى: هزالها .
(٢) سورة التوبة : ٩١ .