Indexed OCR Text
Pages 461-480
٤٦١ سنة ٣٦ عبد الرحمن بن عتّاب، فكان يصلّى بالناس، وكان عَدْلا بينهم. كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن محمد بن عبد الله ، عن يزيد بن معن السُّلَّمِىّ، قال: لما تيامَنَ عسكرها عن أوطاس أتَّوْا على مكيح بن عوف السّلمىّ، وهو مطلع ما له ، فسلّم على الزبير ، وقال : يا أبا عبد اللّه، ما هذا؟ قال: عُدىَ على أمير المؤمنين رضى الله عنه فقُتل بلا تَرة ولا عذر، قال : ومَن؟ قال: الغوغاءُ من الأمصار ونزّاع القبائل، وظاهرَرَهم الأعراب والعبيد، قال : فتُريدون ماذا ؟ قال : نُنْهض الناس فيدرَك بهذا الدّم لئلاّ يُبْطَل، فإن فى إبطاله توهينَ سُلطان اللّه بَيْنَنا أبداً؛ إذا لم يُفطَم الناس عن أمثالها لم يبق إمامٌ إلا قتله هذا الضّرب، قال: والله ٣١١٥/١ إنّ تَرْك هذا الشديد، ولا تدرون إلى أين ذلك يسير! فودّع كلّ واحد منهما صاحبه ، وافترقا ومضى الناس . # دخولهم البصرة والحربُ بينهم وبين عثمان بن حنيف كتب إلىّ السرىّ عن شُعيب، عن سيف ، عن محمد وطلحة ، قالا: ومضى الناس حتى إذا عاجوا عن الطريق وكانوا بفناء البصرة ، لقيتهم معمّر ابن عبد اللّه التميمىّ، فقال: يا أمّ المؤمنين، أنشدك باللّه أن تقدمى اليوم على قوم تُراسلى منهم أحداً فيكفيكهم! فقالت: جئتَنى بالرأى، امرؤٌ صالح ، قال: فعجلى ابن عامر فليدخل، فإنّ له صنائع فَلْيذهب إلى صنائعه فليْلقُوا الناس حتى تقدمى ويسمعوا ما جئتم فيه . فأرسَلَتْه فاندَسَّ إلى البصرة، فأتى القومَ . وكتبَتْ عائشة رضى الله عنها إلى رجال من أهل البصرة، وكتبت إلى الأحنف بن قَيْس وصَبْرة بن شَيْمان وأمثالهم من الوجوه ، ومضت حتى إذا كانت بالخُفَيْر انتظرت الجوابَ بالخبر ؛ ولما بلغ ذلك أهل البصرة دعا عثمان بن حُنَيف عمران بن حُصَيْن-وكان رجلَ عامّة وألزَّه(١) بأبى الأسود الدؤلىّ - وكان رجل خاصّة - فقال: انطلقا إلى هذه المرأة فاعْلما علمها وعلم من معها ، فخرجا فانتهيا إليها وإلى الناس وهم بالحُفَير ، فاستأذنا (١) ألزّه : ألصقه. ٤٦٢ سنة ٣٦ ٣١١٦/١ فأذنتْ لهما، فسلّما وقالا: إنّ أميرنا بعثنا إليك نسألك عن مسيرك، فهل أنت مخبرتنا ؟ فقالت: والله ما مثلى يسير بالأمْر المكتوم ولا يغطّى لبنيه الخبر. إنّ الغوغاء من أهل الأمصار ونزّاع القبائل غزوْا حَرَم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وأحدثوا فيه الأحداث، وآوَوا فيه المحدثين ، واستوجبوافيه لَعْنة الله ولعنة رسوله، مع ما نالوا من قَتْل إمام المسلمين بلا تِرَة ولا عُذْر، فاستحلّوالدَّمَ الحرام فسفكوه، وانتهبوا المالَ الحرام، وأحلّوا البلدَ الحرام، والشهر الحرام، ومَزّقوا الأعراض والجلُود، وأقاموا فى دار قوم كانوا كارهين لمقامهم ضارین مضرین، غیر نافعین ولا متّقین ؛ لا يقدرون على امتناع ولا يأمنون، فخرجْتُ فى المسلمين أُعْلمِهم ما أتى هؤلاء القَوْمُ وما فيه الناس وراءَنا، وما ينبغى لهم أن يأتوا فى إصلاح هذا. وقرأتْ: ﴿لَاَ خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مِنْ تَجْوَاهُمْ إِلَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾. ننهض فى الإصلاح ممن أمر الله عزّ وجلّ وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ الصغير والكبير والذّكر والأنثى ، فهذا شأننا إلى معروفٍ نأمرُ كم به، ونحضّكم عليه، ومنكر نَنْهاكم عنه، ونحثكم على تغييره . كتب إلىّ السّرىّ عن شُعيب، عن سيف ، عن محمد وطلحة ، قالا : فخرج أبو الأسود وعمران من عندها فأتيا طَلْحة فقالا : ما أقْدَمَك ؟ قال : الطلب بدم عثمان، قالا: ألم تُبَايِعْ عليًّا؟ قال: بلى، واللُّجُّ على عنفى، وما أستقيل عليًّا إن هو لم يُحُلْ بيننا وبين قَتَلَة عثمان ، ثمَّ أتيا الزّيير فقالا: ما أقدمك؟ قال: الطلب بدَم عُمان ، قالا : ألم تُبايِعْ عليًّا ؟ قال: بلى، واللجّ على عُنفى، وما أستقيل عليًّا إن هو لم يحل بيننا وبين قتلة عثمان. فرجعًا إلى أمّ المؤمنين فودّعاها فودّعت عمران، وقالت: يا أبا الأسود إيَّاك أن يقودَك الهوى إلى النار، ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ ◌ِثْهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ... ) الآية. فسَرَّحَتْهما؛ ونادى مُناديها بالرّحيل ، ومضى الرجلان حتى دَخلا على عثمان بن حُنَيْف ، فبدر أبو الأسود عمران فقال : ٣١١٧/١ ٤٦٣ سنة ٣٦ وطاعنِ القَوْمَ وجالدْ وَاصْبِرِ يَا بْنَ حُنَيْفٍ قد أتيتَ فانْفِر وابْرُزْ لَهَمْ مُسْتَلئماً وَشِّرِ * فقال عثمان: إنا لله وإنا إليه راجعون! دارت رَحا الإسلام وربّ الكعبة ؛ فانظروا بأىّ زيفان تزِيف! فقال عمران: إى واللّه لتعْرُ كِنَّكم عركًا طويلاً ثم لا يساوى ما بقىَ منكم كثير شىء ؛ قال: فأشرْ عَلَىَّ يا عمران، قال : إنی قاعد فاقعد، فقال عثمان : بل أمنعهم حتى يأتى أمير المؤمنين علىّ ، قال عمران : بل يحكم الله ما يريد، فانصرف إلى بيته، وقام عثمان فى أمْره، فأتاه هشام بن عامر فقال : يا عثمان، إنّ هذا الأمر الذى تروم يُسلم إلى شرِّ مما تكره، إنّ هذا فَتْقٌ لا يُرْتَق، وصَدْع لا يُجبر ، فساعْهم حتى يأتىَ أمرُ علىّ ولا تحادّهم، فأبَى ونادى عثمان فى الناس وأمرهم بالنَّهِيُّؤْ، ولبسوا السَّلاح، واجتمعوا إلى المسجد الجامع، وأقبلَ عُثمان على الكتَيْد فكاد الناس لينظر ما عندهم ، وأمرهم بالتهيُّؤْ، وأمر رجلاً ودسَّه إلى الناس خد ما كوفيًا قيسيًّا، فقام فقال: يأيّها الناس، أنا قيس بن العَقَدّية الحُمْيْسِىّ، إنّ هؤلاء القوم الذين جاءوكم إن كانوا جاءوكم خائفين فقد جاءوا من المكان الذى يأَمَن فيه الطير ، وإن كانوا جاءوا يطلبون بدم عثمان رضى الله عنه فما نحن بقتلة عثمان . أطيعونى فى هؤلاء القَوْم فرد وهم من حيث جاءوا . فقام الأسود ابن سريع السعدىّ ، فقال: أوَ زعموا أنّا قتلة عثمان رضى الله عنه! فإنما فزعوا إلينا يَسْتعينون بنا على قَتّلة عثمان منا ومن غيرنا ، فإن كان القوم أخرجوا من دیارهم کما زعمت، فمن منعهم من إخراجهم الرجال أو البُلْدان! فحصبه الناس، فعرف عثمان أنّ لهم بالبصرة ناصراً ممن يقوم معهم، فكسره ذلك. وأقبلت عائشة رضى الله عنها فيمن معتها ، حتى إذا انتهوا إلى المِرْبد ودخلوا من أعْلاه أمسكوا ووقفوا حتى خرج عثمان فيمن معه ، وخرج إليها من أهل البصرة من أراد أن يخرج إليها ويكونُ معها ، فاجتمعوا بالمِرْبد وجعلوا يئوبون حتى غصّ بالناس . فتكلّم طلحةُ وهو فى ميمنة المربد ومعه الزّبير وعثمان فی میسرته، فأنصتوا ٣١١٨/١ ٤٦٤ سنة ٣٦ له ، فحمد الله وأثنى عليه، وذكر عثمان رضى الله عنه وفضله والبلدَ وما استحل ٣١١٩/١٠ منه، وعظّم ما أتِىَ إليه، ودعا إلى الطلب بدَمَه، وقال: إنّ فى ذلك إعزازَ دين الله عزّ وجلّ وسلطانه، وأما الطلب بدم الخليفة المظلوم فإنه حدٍّ من حُدود الله، وإنّكم إن فعلتم أصبتم وعادَ أمركم إليكم، وإن تَرَكْتُم لم يقُ لكم سلطانٌ، ولم يكن لكم نظام . فتكلم الزّبير بمثل ذلك. فقال من فى ميمنة المِرْبد: صَدَقا وبرّاً، وقالا الحق، وأمرًا بالحقّ. وقال مَن فى ميسرته: فَجَرا وغدرًا، وقالا الباطل، وأمرا به ، قد بايعا ثم جاءا يقولان ما يقولان! وتحائى(١) الناس وتحاصَبُوا وأرهجوا . فتكلّمت عائشةُ - وكانت جهورية يعلو صوتها كثرة كأنّه صوت امرأة جليلة - فحمدت الله جلّ وعزّ وأثنت عليه ، وقالت : كان الناس يتجنّوْن على عثمان رضى الله عنه ويُزْرُون على عمّاله ويأتونَنا بالمدينة فيَسْتَشيروننا فيما يخبروننا عنهم، ويرون حسنًا من كلامنا فى صلاح بينهم، فننظر فى ذلك فنجده بريًّا تقيًّا وفيًّا ونجدهم فجرَةٌ كذبَةً يحاولون غير ما يظهرون . فلما قوُوا على المُكاثرة كاثروه فاقتحموا عليه داره، واستحلوا الدّمّ الحرامَ، والمال الحرام، والبلد الحرامَ، بلا تِرةٍ ولا عُذْر، ألا إن مما ينبغى لا ينبغى لكم غيره، أخْذ قتلة عثمان رضى الله عنه وإقامة كتاب الله عزّ وجلّ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللهِ لِيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾(٢). ٣١٢٠/١ فافترق أصحابُ عثمان ابن حنيف فِرْقَتَيْن، فقالت فرقة: صَدَقَتْ واللّه وبرَّت؛ وجاءت واللّه بالمعروف؛ وقال الآخرون: كذبتم واللّه ما نعرف ما تقولون ، فتحاثَوْا وتحاصَبوا وأرْهجوا ، فلما رأت ذلك عائشةُ انحدرت وانحدر أهل المَيْمنة مفارقين لعثمان حتى وقفوا فى المِرْبد فى موضع الدّباغين ، وبقىَ أصحابُ عثمان على حالهم يتدافعون حتى تحاجزوا ، ومال بعضُهم إلى عائشة، وبقى بعضُهم مع عثمان على فم السكة . وأتى عثمانُ (١) النويرى: ((وتحاثا)). والحتى كالرمى: ما رفعت به يدك. (٢) سورة آل عمران ٢٣. ٤٦٥ سنة ٣٦ ابن حُنيف فيمن معه، حتى إذا كانوا على فتم السكة، سكة المسجد عن يمين الدّباغين استقبلوا الناس فأخذوا عليهم بفمها . * وفيما ذكر نَصْر بن مُزاحم، عن سيف، عن سهل بن يوسف ، عن القاسم ابن محمد، قال : وأقبل جارية بن قدامة السّعدىّ، فقال: يا أمّ المؤمنين؛ واللّه لَقتلُ عثمان بن عفان أهونُ من خروجك من بيتك على هذا الجَمل الملعون عُرْضةً للسلاح! إنه قد كان لك من اللّه سِتْرٌ وحرمة، فهتكْتِ سِيرَك وأبحتِ حُرْمَتَك، إنه مَن رأى قتالك فإنه يرى قَتْلَكِ ، وإن كنتِ أَتَيْتِنا طائعةٌ فارجعى إلى منزلك ، وإن كنت أتيتنا مستكرهةً فاستعينى بالناس . قال : فخرج غلامٌ شابّ من بنى سعد إلى طلحة والزّبير، فقال: أمّا أنت يا زُبير فحوارىُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمّا أنت يا طلحة فوقَيْت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدك، وأرى أمَّكما معكما فهل جئما بنسائكما ؟ قالا : لا ، قال : فما أنا منكما فى شىء، واعتزل . وقال السعدىّ فى ذلك : هذا لَعَمَرُك ◌ِقِلَّةُ الإِنْصَافِ صُنْمْ حَلائِلَكُمْ وَقُدْتُمْ أُمْكُمْ فَهَوَتْ تَشُقُّ البيدَ بالإِيجاف أمرَتْ بَجَرِّ ذيولها فى بيتها ٣١٢١/١ بالنْلِ والخَطِّىِّ والأسياف غَرَضَاً يُقاتلُ دونَها أبناؤها هُتَكَتْ بَطْلِحَة والزُّبَيْرِ سُتورُها هذا المُخَبِرُ عنهمُ والكافى وأقبل غلامٌ من جُهينة على محمد بن طلحة - وكان محمد رجلا عابداً - فقال: أخبِرْنى عن قَتَّلة عثمان! فقال: نعم، دمُّ عمان ثلاثة أثلاث ، ثلثٌ على صاحبة الهوْدَج - يعنى عائشة - وثلثٌ على صاحب الجمل الأحمر - يعنى طلحة - وثلثٌ على علىّ بن أبى طالب ؛ وضحك الغلام وقال : ألا أرانى على ضلال! ولحق بعلىّ، وقال فى ذلك شعراً: يجوْفِ المدينةِ لمَّ يُقبَرَ سَأَلْتُ ابْنَ طُلحةَ عنْ هالِك فقال ثلاثة رَهْطِ هُمُ أماتوا ابنَ عفّن واسْتَعْبرِ وثْثٌ على راكبٍ الأَحْمَرَ فئلْثٌ على تْكَ فِى خِدْرها ٤٦٦ سنة ٣٦ وُثُلْتٌُ على ابْنِ أبى طالبٍ ونَحْنُ بدَوِّيَّةٍ قَرْقَرَ وأخْطَأْتَ فى الثالثِ الأزهرِ فقلْتُ صَدَقْتَ على الأوَّلْنِ ٣١٢٢/١ ٠ ٠ رجع الحديث إلى حديث سيف عن محمد وطلحة . قال: فخرج أبو الأسود وعمران وأقبلَ حُكَيْم بن جَبَلة؛ وقد خرج وهو على الخيل ، فأنشب القتال ، وأشرع أصحابُ عائشة رضى الله عنها رماحتهم وأمسكوا ليُمسكوا فلم يَنْتَهِ ولم يُثْنَ ، فقاتلهم وأصحاب عائشة كافّون إلاّ ما دَافَعُوا عن أنفسهم ، وحُكِتَيْمِ يذمُر خيله ويركبهم بها، ويقول: إنها قريش ليُرْدِيَنَّها جُبْنُها والطَّيش، واقتتلوا على فم السكة، وأشرف أهل الدور ممن كان له فى واحد من الفريقين هوّى ، فرموا باقى الآخرين بالحجارة ، وأمرت عائشةُ أصحابها فتيامنوا حتى انتهوا إلى مقبرة بنى مازن ، فوقفوا بها مليًّا ، وثار إليهم الناس ، فحجز الليل بينهم . فرجع عثمان إلى القصر ، ورجع الناس إلى قبائلهم ، وجاء أبو الجَرْباء ؛ أحدُ بنى عثمان بن مالك بن عمرو بن تميم إلى عائشة وطلحة والزّبير ، فأشار عليهم بأمثل من مكانهم فاستنصحوه وتابعوا رَأيْه ، فساروا من مقبرة بنى مازن فأخذوا على مُسَنّاة البصرة من قبَل الجبَّانة حتى انتهوا إلى الزّابوقة ، ثم أتوا مقبرة بنى حِصْن وهى متنحّية إلى دار الرّزق، فباتوا يتأهبون ، وبات الناس يسيرون إليهم ، وأصبحوا وهم على رِجْل فى ساحةٍ دار الرّق ، وأصبح عُثمان بن حُنَيَف فغاداهم ، وغدا حُكَيْ بن جَبَّلة وهو يُبَرْبر وفى يده الرّمح، فقال له رجل من عبد القيس: مَن هذا الذى تسبّ وتقول له ما أسمع ؟ قال : عائشة ، قال : يابن الخبيثة ، ألأمّ المؤمنين تقول هذا! فوضع حُكَم السَّنَّان بين ثدييه فقتله. ثمّ مرّ بامرأة وهو يسبُّها - يعنى عائشة - فقالت: مَنْ هذا الذّى ألجأك إلى هذا ؟ قال : عائشة ، قالت : يابن الخبيثة، ألأمّ المؤمنين تقول هذا! فطعنها بين ثدييها فقتلها. ثمّ سار، فلما اجتمعوا واقفوهم، فاقتتلوا بدار الرّزق قتالاً شديداً من حين بزغت الشمس إلى أن زال النهار وقد كثر القَتْلى فى أصحاب ابن حُنَيف وفشت الجراحة فى الفريقين ، ومنادى عائشة يُناشدهم ويدعوهم ٣١٢٣/١ دس ٤٦٧ سنة ٣٦ إلى الكفّ فيأبوْن، حتى إذا مسّهم الشرّ وعضَّهم (١) نادوا أصحابَ عائشة إلى الصّلح والمَتّات(٢). فأجابوهم وتواعدوا(٣)، وكتبوا بينهم كتابًا على أن يبعثوا رسولاً إلى المدينة ؛ وحتى يرجع الرّسول من المدينة ، فإن كانا أكثرها خرج عثمان عنهما وأخلى لهما البصرة ، وإن لم يكونا أكْرِها خرج طلحة والزّبير : بسم الله الرحمن الرحيم . هذا ما اصطلح عليه طلحة والزّبير ومن معهما ٣١٢٤/١ من المؤمنين والمسلمين، وعثمان بن حُنَيف ومَنْ معه من المؤمنين والمسلمين . إنّ عثمان يقيم حيث أدركه الصّلْح على ما فى يده، وإنّ طلحة والزّبيريُقيمان حيث أدركهما الصّلح على ما فى أيديهما ، حتى يرجع أمينُ الفريقين ورسولُهم كعب بن سُور من المدينة . ولا يضارّ واحدٌ من الفريقين الآخرَ فى مسجد ولا سوق ولا طريق ولا فُرْضة، بينهم عيْبة مفتوحة حتى يرجع كعب بالخبر؛ فإن رجع بأنّ القوم أكرهوا طلحةَ والزّبير فالأمر أمرُهما، وإن شاء عثمان خرج حتى يلحق بطِيَّته، وإن شاء دخل معهما؛ وإن رجع بأنَّهما لم يكرّها فالأمرُ أمر عثمان، فإن شاء طلحة والزّبير أقاما على طاعة علىّ وإن شاءا خرجا حتى يلحقا بطِيّتهما؛ والمؤمنون أعوانُ الفالح منهما . فخرَجَ كعبٌ حتى يقدَم المدينةَ ، فاجتمع الناس لقدومه، وكان قدومه يوم جمعة، فقام كعب فقال: يا أهلَ المدينة، إنى رسول أهل البصرة إليكم؛ أأكرَهَ هؤلاء القومُ هذين الرّجلين على بيعة علىّ، أم أتياها طائعيْن؟ فلم يجبه أحدٌ من القوم إلاّ ما كان من أسامة بن زَيْد، فإنه قام فقال: اللهم إنهما (٤) لم يُبَايعا إلاّ وهما كارِهان. فأمر به تمّام، فواثبه سهل بن حُنَيَف والناس، وثار صُهيب بن سنان وأبو أيوب بن زيد ، فى عدّة من أصحاب رسول الله صلى اللّه عليه وسلم، فيهم محمد بن مسلمة، حين خافوا أن يُقْتَل أسامة، فقال: اللهم نعم ؛ فانفرِجُوا عن الرّجل ؛ فانفرجوا عنه ، وأخذ صهيب بيده حتى أخرجه فأدخله منزلَه ، وقال : قد علمت أن أمّ عامر حامقة، أما وَسعك (١) ابن الأثير: ((وعضتهم الحرب)). (٢) المتات : التوصل بالقربى. (٣) ابن الأثير: ((وتوادعوا))، النويرى: ((وتداعوا)). (٤) ط: ((إنهم)). ٣١٢٥/١ ٤٦٨ سنة ٣٦ ما وسعنا من السكوت! قال: لاَ واللّه، ما كنت أرى أن الأمر يترامى إلى ما رأيت، وقد أبسكنا(١) لعظيم. فرجع كعبٌ وقد اعتدّ طلحة والزّبير فيما بين ذلك بأشياء كلها كانت مما يعتدّ به، منها أنّ محمد بن طلحة - وكان صاحب صلاة - قام مقامًا قريبًا من عثمان بن حُنَيْف، فخشى بعضُ الزُّطّ والسيابجة أن يكون جاء لغير ما جاء له ، فنحنّياه، فبعثا إلى عثمان، هذه واحدة . وبلغ عليّا الخبرُ الذى كان بالمدينة من ذلك، فبادر بالكتاب إلى عُمان يعجّزه ويقول: والله ما أكْرِها إلا كَرْهًا على فرقة، ولقد أكْرِ ها على جماعة وفضل، فإن كانا يُريدان الخلع فلا عذرَ لهما ، وإن كانا يُريدان غير ذلك نَظَرْنا ونظرا . فقدِم الكتابُ على عثمان بن حُنيف، وقدم كعبٌ فأرسلوا إلى عثمان أن اخرج عنا ، فاحتجّ عثمان بالكتاب وقال : هذا أمرٌ آخر غير ما كنا فيه ؛ فجمع طلحة والزبير الرّجالَ فى ليلة مظلمة باردة ذات رياح وندى ، ثمّ قصدا المسجدَ فوافقا صلاةَ العشاء - وكانوا يؤخرونها- فأبطأ عثمانُ بن حُنيف فقدّمًا عبد الرّحمن بن عتاب ، فشهر الزُّطُّ والسيابجة السلاح ثم وضعوه فيهم ، فأقبلوا عليهم فاقتتلوا فى المسجد وصبروا لهم ، فأناموهم وهم أربعون ، وأدخلوا الرّجال على عُثمان ليُخرجوه إليهما، فلما وصل إليهما توطّؤوه وما بقيت فى وجهه شعرة، فاستعظما ذلك، وأرسلا إلى عائشة بالذى كان، واستطلعا رأيها، فأرسلت إليهما أن خلّوا سبيلَه فليذهب حيث شاءَ ولا تحبسوه ، فأخرجوا الحرّس الذين كانوا مع عثمان فى القصر ودخلوه ، وقد كانوا يعتقبون حرسَ عثمان فى كلّ يوم وفى كلّ ليلة أربعون، فصلّى عبد الرحمن بن عتاب بالناس العشاءَ والفجرَ ، وكان الرّسول فيما بين عائشة وطلحة والزّبير هو، أتاها بالخبر، وهو رجع إليهما بالجواب ، فكان رسول القوم . حدّثنا عمر بن شبّة ، قال : حدثنا أبو الحسن عن أبى مخنف ، عن يوسف بن يزيد ، عن سهل بن سعد ، قال : لما أخذوا عثمان بن حُنيف أرسلوا أبانَ بن عثمان إلى عائشة يستشيرونها فى أمره ، قالت : اقتلوه ، فقالت لها امرأة : نشدتُك باللّه يا أمّ المؤمنين فى عُثمان وصحبته لرسول الله صلى الله (١) يقال : أبسلت فلانًا؛ إذا أسلمته للهلكة. ٣١٢٦/١ ٤٦٩ سنة ٣٦ عليه وسلم! قالت : ردّوا أباناً ، فردّوه ، فقالت : احبسوه ولا تقتلوه ، قال : لو علمتُ أنّكِ تدعينى لهذا لم أرجع ، فقال لهم مجاشع بن مسعود: اضربوه وانتِفوا شعرَ لحيته ، فضربوه أربعينَ سوطًا، ونتفوا شعر لحيته ورأسه وحاجبيه وأشفار عينيه وحبسوه . حدثنى أحمد بن زُهير ، قال : حدّثنا أبى ، قال : حدثنى وهب بن جرير بن حازم ، قال: سمعتُ يونس بن يزيد الأيْلىّ، عن الزهرّىّ ، قال : بلغنى أنه لما بلغ طلحة والزّبير منزل علىّ بذى قار انصرفوا إلى البصرة ، فأخذوا على المنْكَدر، فسمِعَتْ عائشة رضى الله عنها نُباح الكلاب، فقالت: أىّ ماء هذا ؟ فقالوا: الحوْءب، فقالت: إنا لله وإنا إليه راجعون! إنى لهِيَهْ، قد سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولُ وعنده نساؤه: ((ليتَ شِعْرى أيَّتكنّ تنبحها كلاب الحوْعب!)). فأرادت الرّجوعَ، فأتاها عبد الله بن الزّبير فزعم أنه قال: كَذَب من قال إنّ هذا الحوءب . ولم يزل حتى مضت، فقد موا البصرة وعليها عثمان بن حُنيف ، فقال لهم عثمان: ما نقَمتم على صاحبكم ؟ فقالوا: لم نرَه أوْلى بها منَّا، وقد صنع ما صنع، قال: فإنّ الرجل أمّرنى فأكتب إليه فأعلمه ما جثّم له، على أن أصلّىَ بالناس حتى يأتينا كتابُه، فوقفُوا عليه وكتب ، فلم يلبث إلاّ يومين حتى وثبوا عليه فقاتلوه بالزّابوقة عند مدينة الرّزق، فظهروا، وأخذوا عثمان فأرادوا قَتْله، ثم خشُوا غضب الأنصار، فنالوه فى شعره وجَسده . فقام طلحةُ والزّبير خطيبين فقالا: يا أهل البصرة ، توبة بحوبة ، إنما أردنا أن يستعتب أميرُ المؤمنين عثمانَ ولم نرد قتله ، فغلب سُفهاء الناس الحلماء حتى قتلوه . فقال الناس لطلحة: يا أبا محمد، قد كانت كُتبك تأتينا بغير هذا ، فقال الزبير : فهل جاءكم منى كتاب فى شأنه ؟ ثمّ ذكر قتلَ عثمان رضى الله عنه وما أتى إليه، وأظهر عيب علىّ". فقام إليه رجلٌ من عبد القيس فقال: أيّها الرّجل، أنصت حتى نتكلّم، فقال عبد الله بن الزبير: وَمَالَك وللكلام ! فقال العبدىّ: يا معشر المهاجرين ، أنتم أوّل من أجاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان لكم بذلك فضل، ثم دخل الناس فى الإسلام كما دخلتم، فلما توفَّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بايعتم رجلاً منكم، ٣١٢٧/١ ٣١٢٨/١ ٤٧٠ سنة ٣٦ واللّه ما استأمرتمونا فى شىء من ذلك فرضينا واتّبعناكم، فجعل الله عزّ وجلّ المسلمين فى إمارته بركة، ثمّ مات رضى الله عنه واستخلف عليكم رجلاً منكم، فلم تشاورونا فى ذلك، فرضينا وسلمنا، فلمّا توُفَّىَ الأمير جعل الأمر إلى ستّة نفر، فاخترتمْ عثمان وبايعتموه عن غير مشورة منا، ثمّ أنكرتم من ذلك الرّجل شيئًا، فقتلتموه عن غير مشورة منا، ثمّ بايعتم عليًّا عن غير مشورة منا، فما الذى نقمتم عليه فنقاتله ؟ هل استأثر بفىء، أو عمل بغير الحقّ ؟ أو عمل شيئًا تنكرونه فتكون معكم عليه! وإلاّ فما هذا! فهمُّوا بقتل ذلك الرّجل، فقام من دونه عشيرتُه ؛ فلما كان الغد وثبوا عليه وعلى مَن كان معه، فقتلوا سبعين رجلاً . ٠٠ رجع الحديث إلى حديث سيف ، عن محمد وطلحة . قالا: فأصبح طلحة والزّبير وبيتُ المال والحرسُ فى أيديهما، والناس معهما، ومن لم يكن معهما مغمور مستسرّ ، وبعثا حين أصبحا بأن حُكّاً فى الجمع ، فبعثت : لا تحبسا عثمان وَدَعاه. ففعلا، فخرج عثمان فمضى لطلبته، وأصبح حكيم بن ٣١٢٩/١ جبلة فى خيله على رجل فيمن تبعه من عبد القيس ومَنْ نزع إليهم من أفناء ربيعة، ثمّ وجَّهُوا نحو دار الرّزق وهو يقولُ: لستُ بأخيه إن لم أنصره ، وجعل يشتم عائشة رضى الله عنها، فسمعته امرأةٌ من قومه فقالت : يابنَ الخبيثة، أنت أوْلى بذلك ! فطعنها فقتلتها، فغضبت عبد القيس إلاّ من كان اغتُمِرِ منهم ، فقالوا : فعلتَ بالأمس وعُدتَ لمثل ذلك اليوم! والله . لندعنّك حتى يُقيدك الله. فرجعوا وتركوه، ومضى حكيم بن جبلة فيمن غزا معه عثمان بن عفان وحصره من نزَّاع القبائل كلها، وعرفوا أن لا مقام لهم بالبصرة، فاجتمعوا إليه، فانتهى بهم إلى الزّابوقة عند دار الرّزق، وقالت عائشة: لا تقتلوا إلاّ من قاتلكم، ونادوا من لم يكن من قتلة عثمان رضى الله عنه فليكفف عنا، فإنا لا نريد إلا قتلة عثمان ولا نبدأ أحداً، فأنشب حُكَمُ القتال ولم يُرَعْ للمنادى، فقال طلحة والزّبير: الحمد لله الذى جمع لنا ثأرنا من أهل البصرة، اللهم" لا تُبْقِ منهم أحداً، وأقِدْ منهم اليوم فاقتلهم. فجاد وهم القتالَ فاقتلوا أشدّ سنة ٣٦ ٤٧١ قتال ومعه أربعةُ قوّاد ، فكان حُكم بحیال طلحة ، وذریج بحیال الزبير ، وابن المحرَّش بحيال عبد الرحمن بن عتّابٍ، وحُرْقوص بن زهير بحيال عبد ٣١٣٠/١ الرحمن بن الحارث بن هشام ، فزحف طلحة ◌ُكم وهو فى ثلمائه رجُل ، وجعل حُكيم يضرب بالسيف ويقول : أَضْرِبُهُمْ باليابسِ ضَرْبَ غُلامِ عابسٍ من الحياةِ آَيْسٍ فى الفُرْت نافسٍ فضرب رجل رجله فقطعها، فحبا حتى أخذها فرمى بها صاحبه، فأصاب جسده فصرعه ، فأتاه حتى قتله، ثم اتّكأ عليه وقال : يا فخْذِ لن تراعى إنَّ مَعی ذراعى • أخىی بها كراعی . وقال وهو يرتجز : ليس علىَّ أَنْ أَمُوتَ عَارُ والعارُ فى الناس هو الفِرارُ والمَجْدُ لا يَفْضَحُهُ الدَّمَارُ . فأتى عليه رجلٌ وهو رثيث (١)، رأسه على الآخر، فقال: مَالَك يا حُكيم؟ قال : قُتلتُ ، قال: من قتلك ؟ قال: وسادتى ؛ فاحتمله فضمه فى سبعين من أصحابه، فتكلم يومئذ حكيم وإنه لقائم على رجل، وإن السيوف لتأخذهم فما يُتْعَتَع، ويقول: إنا خلّفنا هذيْن وقد بايعا عليًّاً وأعطياه الطاعة ، ثم أقبلاً مخالفين محاربين يطلبان بدم عثمان بن عفان، ففرّقا بيننا، ونحن أهلُ دار وجوار. اللهمَّ إنهما لم یریدا عمان . فنادى منادٍ : يا خبيث ، جزعت حين عضّك فكال اللّه عزّ وجلّ إلى كلامٍ من نَصَبك وأصحابك بما ركبتم من الإمام المظلوم، وفرَقْتُم من الجماعة، وأصبتم من الدّماء ، ونلتم من الدّنيا! فذُق وبالَ اللّه عزّ وجلّ وانتقامه ، وأقيموا فيمن أنتم . ٣١٣١/١ وقتل ذریح ومن معه، وأفلت حُرْ قوص بن زهير فى نفر من أصحابه فلجئوا (١) الرثيث : الجريح وبه رمق . ٤٧٢ سنة ٣٦ إلى قومهم ، ونادى مُنادى الزّبير وطلحة بالبصرة : ألاَ من كان فيهم من قبائلكم أحدٌّ ممن غزا المدينة فليأتِنا بهم. فجىء بهم كما يُجَاءُ بالكلاب، فقُتلوا فما أفلت منهم من أهل البصرة جميعًا إلا" حرقوص بن زهير؛ فإنّ بنى سعد منعوه، وكان من بنى سعد، فمسَّهم فى ذلك أمرٌ شديد، وضربوا لهم فيه أجلاً وخَشَّنَوا صدورَ بنى سعد وإنَّهم لعُثْمانية حتى قالوا : نَعتَزل؛ وغضبت عبدُ القَيْس حين غضبت سعد لمن قتل منهم بعد الوقعة ومن كان هرب إليهم إلى ما هم عليه من لزوم طاعةٍ علىّ ، فأمرا للنَّاس بأعطياتهم وأرزاقهم وحقوقهم، وفضّلا بالفضل أهل السمع والطاعة . فخرجت عبدُ القيس وكثيرٌ من بكر بن وائل حين زَووْا عنهم الفضول ، فبادروا إلى بيت المال ، وأكبّ عليهم الناس فأصابوا منهم، وخرج القوم حتى نزلوا على طريق علىّ، وأقام طلحة والزّبير ليس معهما بالبصرة ثأر إلاّ حُرْقوص، وكتبوا إلى أهل الشأم بما صنعوا وصاروا إليه: إنا خرجنا لوضْع الحرب، وإقامة كتاب اللّه عزّ وجلّ ٣١٣٢/١ بإقامة حدوده فى الشريف والوضيع والكثير والقليل، حتى يكون الله عزّ وجلّ" هو الذى يردّنا عن ذلك، فبايعَنَا خيارُ أهل البصرة ونجباؤهم؛ وخالَفَنَا شرارهم ونزّاعهم، فرَدُّونا بالسلاح وقالوا فيما قالوا: نأخذُ أمّ المؤمنين رهينة؛ أن أمرتَهم بالحقّ وحثَّتْهم عليه. فأعطاهم اللّه عزّ وجلّ ◌ُسَنَّة المسلمين مرّة بعد مرّة، حتى إذا لم يبقَ حجّة ولا عذر استبسل قتلةُ أمير المؤمنين فخرجوا إلى مضاجعهم فلم يُفلت منهم مخبر إلاّ حرقُوص بن زُهير، واللّه سبحانه مُقيده إن شاء الله . وكانوا كما وصف الله عزّ وجلّ؛ وإنا نناشد كم الله فى أنفسكم إلاّ نهضتم بمثل ما نهضنا به؛ فتلقى الله عزّ وجل" وتلقونه وقد أعذرنا وقضينا الذّى علينا. وبعثوا به مع سيَّار العجلىّ ، وكتبوا إلى أهل الكوفة بمثله مع رجُل من بنى عمرو بن أسد يدعى مظفّر بن معرّض . وكتبوا إلى أهل اليمامة وعليها سبْرة ابن عمرو العنبرىّ مع الحارث السَّدوسىّ. وكتبوا إلى أهل المدينة مع ابن قدامة القُشيرىّ ، فدسّه إلى أهل المدينة . وكتبت عائشةُ رضى الله عنها إلى أهل الكوفة مع رسولهم: أمّا بعد فإنى أذكركم الله عزّ وجلّ والإسلام، أقيموا كتاب اللّه بإقامة ما فيه، اتقوا الله م سنة ٣٦ ٤٧٣ واعتصموا بحبله، وكونوا مع كتابه؛ فإنا قدمنا البصرة فدعوناهم إلى إقامة كتاب اللّه بإقامة حدوده ، فأجابتنا الصالحون إلى ذلك؛ واستقبلنا من لا خير فيه بالسلاح، وقالوا: لنُتبعنّكم عثمان، ليزيدوا الحدود تعطيلاً، فعاندوا فشهدوا علينا ٣١٣٣/١ بالكفر وقالوا لنا المنكر، فقرأنا عليهم: ﴿أَلمَّ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إلى كِتَابِ اللهِ لَيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ(١)). فأذعن لى بعضهم، واختلفوا بينهم، فتركناهم وذلك، فلم يمنع ذلك من كان منهم على رأيه الأوّل من وضع السلاح فى أصحابى ، وعزم عليهم عثمان بن حُنيف إلاّ قاتلونى حتى منعنى الله عزّ وجل" بالصّالحين، فرد" كيدهم فى نحورهم، فمكثنا ستًّّا وعشرين ليلة ندعوهم إلى كتاب الله وإقامة حُدوده - وهو حَقْن الدّماء أُن ◌ُهراق دون من قد حلّ دمُہ ــ فأبوا واحتجوا بأشياء، فاصطلحْنَا عليها، فخافوا وغدروا وخَانُوا، فجمع اللّه عزّ وجلّ لعثمان رضى اللّه عنه ثأرهم، فأقادهم فلم يُفْلِت منهم إلاّ رجلٌ، وأرْدَ أنا الله، ومنَعَنا منهم بعُمير ابن مرثَد ومرثد بن قيس، ونفر من قيس ، ونفر من الرِّباب والأزْد . فالزموا الرضا إلاّ عن قتلة عثمان بن عفان حتى يأخذ الله حقه، ولا تخاصموا الخائنين ولا تمنعوهم، ولا ترضَوْا بِذُوِىِّ حدود الله فتكونوا من الظالمين . فكتبتُ إلى رجال بأسمائهم . فثبِّطوا الناس عن منع هؤلاء القوم فُصْرتهم واجلسوا فى بيوتكم؛ فإنَّ هؤلاء القوم لم يرضوا بما صنعوا بعثمان بن عفان رضى الله عنه ، وفرّقوا بين جماعة الأمة ، وخالفوا الكتاب والسنَّة ، حتى شهدوا علينا فيما أمرناهم به ، وحثثناهم علیه من إقامة کتاب الله وإقامة حدوده بالكفر ، وقالوا لنا المنكر ، فأنكر ذلك الصّالحون وعظَّموا ما قالوا، وقالوا: ما رضيتم أن قتلتم الإمام حتى خرجتم على زوجة نبيكم صلى الله عليه وسلم؛ أن أمَرْتكم بالحقّ لتقتلوها وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأئمة المسلمين! فعزموا وعثمان بن حُنيف ٣١٣٤/١ معھم علی من أطاعھم من جهّال الناس وغوغائهم على زُطھم وسیابجهم، فلُذنا منهم بطائفة من الفُسْطاط ؛ فكان ذلك الدّأب ستة وعشرين يوماً (١) سورة آل عمران ٢٣. ٤٧٤ سنة ٣٦ فدعوهم إلى الحقّ وألا يحولوا بيننا وبين الحقّ فغدَرُوا وخانوا فلم نُقابِسْهم(١)، واحتجّوا ببيعة طلحة والزّبير؛ فأبردُوا بريداً فجاءهم بالحجّة فلم يعرفوا الحقّ، ولم يصبروا عليه؛ فغادَوْنى فى الغكس ليقتلونى؛ والذى يحاربهم غيرى، فلم ببرحوا حتى بلغوا سدَّ بیتی ومعهم هاد یهیهم إلىّ ، فوجدوا نفراً على باب بيتى؛ منهم ◌ُمير بن مرثَد، ومرتَد بن قيس، ويزيد بن عبد الله بن مَرْنَد؛ ونفر من قيس، ونفر من الرِّباب والأزْد، فدارت عليهم الرّحا، فأطاف بهم المسلمون فقتلوهم ، وجمع اللّه عزّ وجلّ كلمة أهل البصرة على ما أجمع عليه الزَّبير وطلحة ؛ فإذا قتلنا بثأرنا وسعنا العذر . وكانت الوقعة لخمس ليال بقين من ربيع الآخر سنة ست وثلاثين. وكتب عبيد بن كعب فى جُمادى . حدّثنا عمر بن شبّة، قال: حدثنا أبو الحسن، عن عامر بن حفص، عن أشياخه، قال: ضَرَب عنقَ حُكَم بن جبلة رجلٌ من الحُدّان يقال له ضُختَيم، فمال رأسهُ، فتعلّق بجلده، فصار وجهُه فى قفاه . قال ابن المثنىّ الحُدّانى: الذى قتل حُكَثما يزيدُ بن الأسحم الحُدانىّ، وجُد حُكَم قتيلاً بين يزيد بن الأسحم وكعب بن الأسحم، وهما مقتولان . ٣١٣٥/١ حدثنى عمر، قال : حدثنى أبو الحسن، قال : حدثنا أبو بكر الهُذلىّ، عن أبى المليح، قال: لما قتل حُكَيم بن جبلة أرادو أن يقتلوا عثمان بن حُنيف ، فقال: ما شئتم، أما إن سهل بن حنيف وال على المدينة، وإن قتلتمونى انتصر. فخلّوْاً سبيله. واختلفوا فى الصّلاة، فأمّرت عائشة رضى الله عنها عبد الله ابن الزبير فصلّى بالناس ، وأراد الزّبير أن يعطى الناس أرزاقتهم ويقسم ما فى بيت المال ، فقال عبد اللّه ابنه: إن ارتزق الناس تفرّقوا. واصطلحوا على عبد الرحمن بن أبى بكر، فصيّروه على بيت المال . حدثنى عمر، قال: حدثنا أبو الحسن على، عن أبى بكر الهُذَلىّ ، عن الجارود بن أبى سَبْرة، قال : لمّا كانت الليلة التى أخذ فيها عثمان بن 'حنيف، وفى رَحَبَة مدينة الرّزق طعامٌ يرتزقه الناس، فأراد عبد الله أن يرزقه أصحابه وبلغ حُكَم بن جبلة ما صنع بعثمان ، فقال: لستُ أخاف الله إن لم أنصره ، (١) لم نقايسهم: لم نجارهم وتقابل المثل بالمثل. ٤٧٥ سنة ٣٦ فجاء فى جماعة من عبد القيس وبكر بن وائل وأكثرهم عبد القيس ، فأتى ابن الزّبير مدينة الرزق، فقال: مَالَك يا حكّم؟ قال : نريد أن نرتزق من هذا الطعام، وأن تخلّوا عثمان فيقيم فى دار الإمارة على ما كتبتم بينكم حتى يقدم علىّ، والله لو أجد أعوادًا عليكم أخبطكم بهم ما رضيت بهذه منكم حتى أقتلكم بمن قتلتم، ولقد أصبحتم وإنّ دماء كم لنا لحلال بمن قتلتم من إخواننا ، أما تخافون اللّه عزّ وجلّ! بم تستحدّون سَفْك الدّماء !قال: بدم عثمان ابن عفان ، قال: فالّذين قتلتموهم قتلوا عثمان ! أما تخافون مقتَ اللّه؟ فقال له عبد الله بن الزبير: لا نرزقكم من هذا الطعام، ولا نخلّى سبيل عثمان ٣١٣٦/١ ابن حُنيف حتى يخلع عليًّا، قال حُكيم : اللهمّ إنك حكتمَ عَدْل فاشهد . وقال لأصحابه : إنّى لست فى شكّ من قتال هؤلاء ، فمن كان فى شكّ فلينصرف . وقاتَلَهم فاقتتلوا قتالاً شديداً، وضرب رجل ساق حكيم فأخذحكيمٌ ساقَه فرماه بها ، فأصاب عنقه فصرعه ووَقَذَ، ثم حبا إليه فقتله واتَّكأ عليه ، فمرّ به رجل فقال: من قتلك ؟قال: وسادقی ،وقتل سبعون رجلا من عبد القيس . قال الهذلىّ : قال حكيم حين قطعت رجله : أقولُ لَما جَدَّ بِى زَماعى للرِّجْل يا رجليّ لن تراعى • إنَّ مَعَى مِنْ نَجْدَةٍ ذراعى * قال عامر ومسلمة: قتل مع حُكيم ابنهُ الأشرف وأخوه الرّعِل بن جبلة. حدثنى عمر، قال: حدثنا أبو الحسن ، قال: حدّثنا المثنّى بن عبد الله، عن عوف الأعرابىّ، قال: جاء رجلٌ إلى طلحة والزّبير وهما فى المسجد بالبصرة، فقال: نشدتكما بالله فى مسيركما! أعتهد إليكما فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا! فقام طلحة ولم يجبه، فناشد الزّبير فقال: لا، ولكن بلغنا أنّ عندكم دراهم فجئنا نشارككم فيها . حدثنى عمر ، قال : حدثنا أبو الحسن ، قال : حدثنا سُليمان بن أرقم ، عن قتادة ، عن أبى عمرة مولى الزّبير، قال: لما بايع أهل البصرة الزّبيرَ وطلحة) قال الزّبير: ألا ألف فارس أسيرُ بهم إلى علىّ، فإما بيَّتُّه وإما صبَّحته، لعلّ ٣١٣٧/١ ٤٧٦ سنة ٣٦ : أقتله قبل أن يصل إلينا ! فلم يُجبه أحدٌ ، فقال: إنّ هذه لهى الفتنة التى كنا نحدّث عنها؛ فقال له مولاه: أتُسمّيها فتنة وتُقاتل فيها ! قال : ويحك! إنا نُبصّر ولا نَبَصُر، ما كان أمر قطّ إلاّ علمتُ موضع قدمى فيه ، غير هذا الأمر فإنى لا أدرى أمُقْبل أنا فيه أم مُدبر ! حدّثنى أحمد بن منصور ، قال : حدثنى يحيى بن معين ، قال : حدّثنا هشام بن يوسف ، قاضى صَنْعاء ، عن عبد الله بن مصعب بن ثابت ابن عبد الله بن الزّبير ، عن موسى بن عقبة ، عن علقمة بن وقّاص الليثىّ، قال: لما خرج طلحة والزّبير وعائشة رضى الله عنهم رأيتُ طلحة وأحبّ المجالس إليه أخلاها، وهو ضاربٌ بلحيته على زَوْرهِ ، فقلت: يا أبا محمد، أرى أحبّ المجالس إليك أخلاها ، وأنت ضارب بلحيتك على زَوْرك ؛ إن كرهتَ شيئًا فاجلس . قال : فقال لى: يا علقمة بن وقّاص، بينا نحن يدٌ واحدة على مَن سوانا، إذ صرنا جبلین من حدید یطلبُ بعضنا بعضًا، إنه کان منّی فی عثمان شىءٌ ليس توبتى إلاّ أن يُسفك دمى فى طلب دمه. قال: قلت: فُرُدّ محمد ابن طلحة فإنّ لك ضيعة وعيالاً ؛ فإن يك شىء يخلفك ؛ فقال : ما أحبّ أن أرى أحداً يخفّ فى هذا الأمر فأمنعه . قال : فأتيت محمد بن طلحة فقلت له : لو أقمتَ ، فإن حدث به حدثٌ كنتَ تخلفه فى عياله وضيعته ، قال : ما أحبّ أن أسأل الرجال (١) عن أمره . ٣١٣٨/١ حدثنى عمر بن شبّة، قال : حدّثنا أبو الحسن، قال: حدثنا أبو مخنف، عن مجلد بن سعيد ، قال : لما قدمت عائشةُ رضى الله عنها البصرة كتبتْ إلى زيد بن صُوحان : من عائشة ابنة أبى بكر أمّ المؤمنين حبيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ابنها الخالص زيد بن صُوحان، أمّا بعد: فإذا أتاك كتابى هذا فاقدم ؛ فانصرنا على أمرنا هذا ، فإن لم تفعل فخذِّل الناس عن علّ . فكتب إليها : من زيد بن صُوحان إلى عائشة ابنة أبى بكر الصدّيق (١) ابن الأثير: ((الركبان)). ٤٧٧ سنة ٣٦ حبيبةٍ رسول الله صلى الله عليه وسلم، أمّا بعد: فأنا ابنك الخالص إن اعتزلت هذا الأمر ورجعت إلى بيتك، وإلاّ فأنا أوّل من نابَذَك . قال زيد ابن صُوحان: رحم الله أمَّ المؤمنين! أمرت أن تلزم بيتها وأمرنا أن نُقاتل، فتركتْ ما أمِرَتْ به وأمَرَتْنَا به، وصنعت ما أمِرْنا به ونَهَتَنا عنه ! ذكر الخبر عن مسير علىّ بن أبى طالب نحو البصرة مما كتب به إلىّ السرىّ، أن شعيبًا حدّثه، قال: حدّثنا سيفٌ، عمَن عُبيدة بن معتِّب، عن يزيد الضّخم، قال: لما أتى عليًّا الخبرُ وهو بالمدينة بأمر عائشة وطلحة والزّبير أنهم قد تَوَجْهوا نحو العراق ، خرج يُبادر وهو يرجو أن يدركهم ويردّهم، فلما انتهى إلى الرّبَذَة أتاه عنهم أنهم قد أمعنوا ، فأقام بالرَّبَذة أيامًاً ، وأتاه عن القوم أنهم يُريدون البصرة ، فسرّىَ بذلك عنه، وقال: إنَّ أهلَ الكوفة أشدُّ إلىَّ حبًّا، وفيهم رءوس العرب وأعلامهم. فكتب إليهم : إنّى قد اخترتكم على الأمصار وإنّى بالأُثْرة . حدثنى عُمر، قال: حدثنا أبو الحسن، عن بشير بن عاصم، عن محمد ٣١٣٩/١ ابن عبد الرحمن بن أبى ليلى، عن أبيه ، قال : كتب علىّ إلى أهل الكوفة : بسم الله الرحمن الرحيم . أما بعد ، فإنى اخترتُكم والتزول بين أظهركم لما أعرف من مودّتكم وحبكم الله عزّ وجل" ولرسوله صلى الله عليه وسلم، فمن جاءنى ونصرفى فقد أجاب الحقَّ وقضى الذى عليه . حد ◌ّثنی عمر ، قال : حدثنا أبو الحسن . قال : حد ◌ّثنا حبّان بن موسى ، عن طلحة بن الأعلم وبشر بن عاصم ، عن ابن أبى ليلى ، عن أبيه ، قال : بُعِث محمد بن أبى بكر إلى الكوفة ومحمّدُ بن عون، فجاء الناس إلى أبى موسى يستشيرونه فى الخروج، فقال أبو موسى: أمَّا سبيلُ الآخرة فأنْ تقيموا، وأمَّا سبيل الدّنيا فأن تخرجوا ، وأنتم أعلم. وبلغ المحمّديْن قولُ أبى موسى، فبايناه وأغلظا له ، فقال: أما والله إنّ بيعة عثمان فى عُنقى وعُنق صاحبكما الذى أرسلكما ، إن أردنا أن نُقاتِل لا نقاتل حتى لا يبقى أحد من قَتّلة ٤٧٨ سنة ٣٦ عثمان إلا قُتل حيث كان . وخرج علىّ من المدينة فى آخر شهر ربيع الآخر سنة ست وثلاثين ، فقالت أخت على بن عدىّ من بنى عبدالعزَّى ابن عبد شمس : لاهُمَّ فَاعْقِرْ بِعَلِّ جَمَلَهُ وَلا تُبَارك فى بعيرِ حَمَلَهْ ، ألّا علىّ بنُ عَدَيٍّ ليس لَهْ. ٣١٤٠/١ حدّثنى عمر، قال : حدثنا أبو الحسن ، عن أبى مخنف، عن نُمَير ابن وعْلة، عن الشعبىّ؛ قال: لمَّا نزل علىٌّ بالرَّبَذَة أتته جماعة من طيّئ، فقيل لعلىّ : هذه جماعة من طيِّئ قد أتتك ، منهم من يريد الخروج معك ومنهم من يريد التسليم عليك؛ قال: جزَى اللّه كلاًّ خيراً وفَضَّل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً. ثمّ دخلوا عليه فقال علىّ: ما شهد تمونا به ؟ قالوا : شهدناك بكلّ ما تحبّ، قال: جزاكم الله خيراً! فقد أسلمتم طائعين وقاتلتم المرتّدين ووافيتم بصدقاتكم المسلمين. فنهض سعيد بن عبيد الطائىّ فقال : يا أمير المؤمنين ، إنّ من الناس من يعبّر لسانه عما فى قلبه ، وإنى والله ما كلّ ما أجد فى قلبى يعبّر عنه لسانى وسأجهد وبالله التوفيق، أمّا أنا فسأنصح لك فى السرّ والعلانية وأقاتل عدوّك فى كلّ موطن وأرى لك من الحقّ ما لا أراه لأحد من أهل زمانك لفضلك وقرَابَتِك. قال: رحمك اللّه! قد أدَّى لسانُكَ عما يجنَّ ضميرك. فقُتِل معه بصفِّين رحمه الله. كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن محمد وطلحة ، قالا: لما قدم علىَّ الرَّبَذَة أقام بها وسرّح منها إلى الكوفة محمد بن أبى بكر ومحمد بن جعفر ؛ وكتب إليهم : إنى اخترتكم على الأمصار وفزعت إليكم لما حدث، فكونوا لدين الله أعوانًا وأنصاراً، وأيُّدونا وانهضوا إلينا فالإصلاح ما نُريد، لتعود الأمة إخوانًا، ومن أحبَّ ذلك وآثره فقد أحبَّ الحقّ وآ ثره، ومن أبغض ذلك فقد أبغض الحقّ وغمصه(١). ٣١٤١/١ فمضى الرّجلان وبقى علىّ بالرَّبَذة يتهيأ، وأرسل إلى المدينة فلحقه ما أراد (١) غمصه : تهون به . ٤٧٩ سنة ٣٦ من دابّة وسلاح، وأمر أمرُه(١) وقام فى الناس فخطبهم؛ وقال: إنّ اللّه عزّ وجلَّ أعزَّنا بالإِسلام ورفَعَنا به وجعلنا به إخوانًا بعد ذلَّة وقلّة وتباغُضِ وتباعد ؛ فجرى الناس على ذلك ما شاء اللّه ؛ الإسلام دينهم والحقّ فيهم والكتاب إمامهم ، حتى أصيب هذا الرّجل بأيدى هؤلاء القوم الذين نزغهم الشيطان لينزغ بين هذه الأمة، ألا إنّ هذه الأمَّة لا بُدَّ مفترقة كما افترقت الأمم قبلهم ، فنعوذ باللّه مِن شرّ ما هو كائن، ثمّ عاد ثانية، فقال: إنه . لا بدَّ مما هو كائن أن يكون، ألا وإنّ هذه الأمة ستَفْتَرِقُ على ثلاث وسبعين فرقة؛ شرّها فرقة تنتحلنى ولا تعمل بعَمَلِى، فقد أدركتم ورأيتم(٢) فالزموا دينكم واهدوا بهدى(٣) نبيكم صلى الله عليه وسلم، واتَّبعوا سنته، واعرضوا ما أشكل عليكم على القرآن ، فما عرفه القرآن فالزموه وما أنكره فردّ وه ، وارضُوا بالله جلَّ وعزّ ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًّاً، وبالقرآن حكماً وإمامًاً . كتب إلىّ السرىّ عن شعيب، عن سيف ، عن محمد وطلحة ، قالا : لما أراد علىّ الخروجَ من الرَّبَذَة إلى البصرة قام إليه ابنٌ لرفاعة بن رافع، فقال : يا أمير المؤمنين ، أىّ شىء تريد؟ وإلى أين تذهب بنا ؟ فقال : أمَّا الذى نُريد وننوى فالإصلاح؛ إن قبلوا منّا وأجابونا إليه، قال: فإن لم يجيبوا إليه ؟ قال : ندَعُهم بعذرهم ونعطيهم الحقّ ونصبر؛ قال: فإن لم يرضَوْا؟ قال : ندَعهم ما تركونا ، قال : فإن لم يتركونا ؟ قال : امتنعنا منهم ، قال : فنعم إذاً . وقام الحجّاج بن غزّية الأنصارىّ فقال: لأرضينّك بالفعل كما أرضيتنى بالقول . وقال : ٣١٤٢/١ دَرَاكِهَا دَرَاكِهَا قَبْلَ الفَوْتْ وانِفِرْ بنا واسْمُ بنا نحْوَ الصَّوْتْ • لا وَأَلَتْ نَفْسِىَ إِنْ هِبْتُ الموتْ. والله لأنصرن" اللّه عزّ وجل" كما سمّانا أنصاراً. فخرج أمير المؤمنين وعلى (١) أمر أمره : اشتد . (٣) ابن الأثير والنويرى: ((بهدني فإنه)). (٢) ابن الأثير: ((أدركتهم ورأيتهم )) . ٤٨٠ سنة ٣٦ مقدمته أبو ليلى بن عمر بن الجرّاح، والرّاية مع محمّد بن الحنفيّة، وعلى الميمنة عبد الله بن عباس، وعلى الميسرة عمر بن أبى سلمة أو عمرو بن سفيان بن عبد الأسد ، وخَرَجَ علىّ وهو فى سبعمائة وستين ؛ وراجزُ علىّ يرجز به : إذْ عَزَمَ السَّيْرَ وقولوا خَيْرا سيروا أبابيلَ وحُثُّوا السَّيْرَا حتَّى يُلاقوا وتُلاقوا خَيْرًا تغزو بها طَلْحَةً والزُّبَيرا وهو أمام أمير المؤمنين ، وأميرُ المؤمنين علىّ على ناقة له حمراء يقود فرساً كُميتًا. فتلقّاهم بفَيْدَ غلامٌ من بنى سعد بن ثعلبة بن عامر يدعى مُرّة ، فقال: من هؤلاء؟ فقيل: أمير المؤمنين ، فقال : سفرة فانية فيها دماء من نفوس فانية ؛ فسمعها علىّ فدعاه ، فقال: ما اسمك ؟ قال: مُرَّة ، قال : أمَرَّ اللّه عيشْك، كاهن سائرِ اليوم؟ قال: بل عائف ؛ فلما نزل بفَيْد أتته أسد وطيِّئ فعرضوا عليه أنفسهم ، فقال : الزموا قراركم، فى المهاجرين كفاية . وقدِم رجلٌ من أهل الكوفة فيْد قبل خروج على" فقال: مَن الرجل؟ قال : عامر بن مطر، قال : الليْىّ؟ قال الشيبانىّ: قال: أخبرنى عما وراءك، قال : فأخبره حتى سأله عن أبى موسى ، فقال : إن أردت الصّلح فأبو موسى صاحبُ ذلك ، وإن أردت القتال فأبو موسى ليس بصاحب ذلك، قال: والله ما أريدُ إلا الإصلاح حتى يُردَّ علينا، قال: قد أخبرتك الخبر، وسكت وسكت علىّ". حدّثنى عمر، قال: حدثنا أبو الحسن ، عن أبى محمد، عن عبد الله بن عمير ، عن محمد بن الحنفيّة، قال: قدم عثمان بن حُنيف على علىّ بالرَّبَذَة وقد نتفوا شعر رأسه ولحيته وحاجبيه ، فقال : يا أميرَ المؤمنين ، بعثتسنى ذا لحية وجئتك أمرَد ، قال : أصبت أجرًا وخيراً ، إنّ الناس ولِيَهم قبلى رجلان ، فعميلا بالكتاب، ثمّ وليهم ثالث، فقالوا وفعلوا، ثم بايعونى، وبايعنى طلحةُ والزّبير، ثمّ نكثَا بيعتى، وألَّبًا الناس علىّ، ومن العجب انقيادهما لأبى بكر وعمر وخلافهما علىّ، واللّه إنهما ليعلمان أنى لستُ بدون رجل ممن قد مضى ، ٣١٤٤/١ اللهم فاحلل ما عقدا، ولا تبرم ما قد أحكما فى أنفسهما وأرِهما المساءة فيما قد عملا . ٣١٤٣/١