Indexed OCR Text
Pages 221-240
٢٢١ سنة ٢٣ وأبى المجالد جراد بن عمرو وأبى عثمان وأبي حارثة وأبى عمرو مولى إبراهيم بن طلحة ، عن زيد بن أسلم ، عن أبيه ، قالوا: إنّ هند ابنة عُتبة قامت إلى عمر بن الخطّاب رضى الله عنه، فاستقرضته من بيت المال أربعة آلاف تتجر فيها وتضمنها ، فأقرضها، فخرجت فيها إلى بلاد كَلْب ، فاشترت وباعت ؛ فبلغها أنّ أبا سفيان وعمروبن أبى سفيان قد أتيا معاوية، فعدلت ٢٧٦٧/١ إليه من بلاد كَلْب، فأتت معاوية، وكان أبو سفيان قد طلّقها ، قال : ما أقدَّمَك أى أمّه ؟ قالت : النّظر إليك أى بنىّ؛ إنه عمر ؛ وإنما يعمل الله، وقد أتاك أبوك فخشيت أن تُخرج إليه من كلّ شيء؛ وأهل ذلك هو ؛ فلا يعلم الناس من أين أعطيتَه فيؤنّبونك ويؤنّبك عمر ، فلا يستقيلها أبداً ، فبعث إلى أبيه وإلى أخيه بمائة دينار، وكساهما وحملهما ؛ فتعظّمها عمرو ؛ فقال أبو سفيان: لا تَعظّمها، فإنّ هذا عطاء لم تِغْب عنه هند، ومشورة قد حضرتها هند ، ورجعوا جميعًا ، فقال أبو سفيان لهند: أربحت ؟ فقالت: الله أعلم، معى تجارة إلى المدينة. فلما أتت المدينة وباعت شكت الوضيعة ، فقال لها عمر : لو كان مالى لتركتُه لك ، ولكنه مال المسلمين ، وهذه مشورة لم يتغيب عنها أبو سفيان، فبعث إليه فحبسه حتى أوفتْه، وقال لأبى سفيان: بكم أجازك معاوية ؟ فقال: بمائة دينار . وحدثنى عمر ، قال : حدثنا علىّ ، عن مسلمة بن محارب ، عن خالد الحذّاء، عن عبد الله بن أبى صعصعة عن الأحنف، قال: أتى عبد الله بن عمير عمر ؛ وهو يفرض للناس - واستشهد أبوه يوم حُنين - فقال: يا أمير المؤمنين، افرض لى؛ فلم يلتفت إليه، فنخسه، فقال عمر: حسّ(١)! وأقبل عليه فقال : من أنت ؟ قال : عبد الله بن عمير ، قال : يا يرفأ ، أعطه ستمائة، فأعطاه خمسمائة ، فلم يقبلها ، وقال: أمرّ لى أمير المؤمنين بستمائة ، ورجع إلى عمر فأخبره، فقال عمر: يا يرفأ، أعطه ستمائة وحُلّة ، فأعطاه فلبس ٢٧٦٨/١ (١) حس، بالبناء على الكسر: كلمة من يفجؤه ما يمضه ويحرقه كالجمرة. ٢٢٢ سنة ٢٣ الحلّة التی کساه عمر ، ورمى بما كان عليه، فقال له عمر: يا بُنىّ ، خذ ثيابك هذه فتكون لمهنة أهلك، وهذه لزينتك . حدّثنى عمر ، قال : حدّثنا على ، قال حدثنا: أبو الوليد المكىّ ، عن رجل من ولد طلحة ، عن ابن عبّاس ، قال : خرجت مع عمر فى بعض أسفاره ، فإنا لنسير ليلة، وقد دنوت منه، إذ ضرب مقدّم رحله بسوطه، وقال: كَذَبْتُمْ وَبَيْتِ اللهِ يُقْتْلُ أَحْمَدٌ وَلَّا نُطاعِنِ دونَهَ ونناضل(١) ونُسلِمُهُ حتى نُصَرَّعَ حوله ونَذْهَلَ عن أبنائِنا والحلائلِ ثم قال ، أستغفر الله ، ثم سارَ فلم يتكلم قليلا ، ثم قال : أَبَرَّ وأوْ فَى ذِمَّةً من مُحَمَّدٍ ومَا حَمَلَتْ مِن ناقة فَوْقَ رَحْلِها وأعْطَى لرأسِ السابقِ المُتَجَرِّدِ وأكْسَى لِبُرْدِ الحالِ قَبْلَ ابْتِذَالِهِ ٢٧٦٩/١ ثم قال : أستغفر اللّه ، يابن عباس ، ما منع عليًّا من الخروج معنا ؟ قلت : لا أدرى ، قال: يابن عباس ، أبوك عمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنت ابن عمه، فما منع قومكم منكم؟ قلت : لا أدرى، قال: لكنى أدرى ؛ يكرهون ولايتكم لهم ! قلت: لم ، ونحن لهم كالخير ؟ قال : اللهمّ غفراً، يكرهون أن تجتمع فيكم النبوّة والخلافة، فيكون بجَحًا بجحً(٢)، لعلكم تقولون : إن أبا بكر فعل ذلك ، لا والله ولكن أبا بكر أتى أحزم ما حضره، ولو جعلها لكم ما نفعكم مع قربكم ، أنشدنى لشاعر الشعراء زهير قوله : إذا ابْتَدَرَتْ قَيْسُ بْنُ عَيْلانَ غايَةً مِنَ المَجْدِ مَنْ يَسْبِقْ إِلَيْهَا يُسَوَّهُ(٣) فأنشدته وطلع الفجر ، فقال: اقرأ( الواقعة))، فقرأتها ، ثم نزل فصلى ، وقرأ بالواقعة . حدّثنى ابنُ حميد، قال : حدّثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق . عن رجل ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال بينما عمر بن الخطاب (١) البيتان من قصيدة لأبى طالب، ديوانه ١١٠ مع اختلاف فى الرواية. (٢) البجح : التعاظم والفخر . (٣) ديوانه ٢٣٤. ٢٢٣ سنة ٢٣ رضى الله عنه وبعض أصحابه يتذاكرون الشعر ، فقال بعضهم : فلان أشعر؛ وقال بعضهم : بل فلان أشعر ، قال : فأقبلت ، فقال عمر : قد جاءكم أعلم الناس بها ، فقال عمر: مَنْ شاعر الشعراء يابن عباس ؟ قال : فقلت: زهير بن أبى سُلمى، فقال عمر: هلمّ مِنْ شعره ما نستدل به على ماذكرت؛ فقلت : امتدح قومًا من بنى عبد الله بن غَطّفان ، فقال : لو كان يَقْعُدُ فَوْقِ الشّمْسِ مِنْ كَرَم قَوْمٌ بِأَوَّلِمْ أو مَجْدِهِمْ قَعَدُوا (١) طابوا وطابَ مِنَ الأولادِ مَا وَلَدُوا ٢٧٧٠/١ قَوْمٌ أَبُوهُمْ سِنَانٌ حين تَنْسُبُهُمْ مُرَزَّ،ونَ بها ليلٌ إذا حشدُوا إنْسٌُ إذا أمِنوا، جِنّْ إذا فزعوا يَنْزِعُ اللهُ مِنْهُمْ مالَه حُسِدوا لا محَسَّدون على ما كانَ من ◌ِنِعَمِ فقال عمر : أحسن ؛ وما أعلم أحداً أولتى بهذا الشعر من هذا الحىّ من بنى هاشم! لفضل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرابتهم منه، فقلت: وفِّقْت يا أميرَ المؤمنين ، ولم تزل موفّقًا ، فقال: يابن عباس، أتدرى ما منع قومكم منهم بعد محمد؟ فكرهتُ أن أجيبه ، فقلت : إن لم أكن أدرى فأمير المؤمنين يُدرينى، فقال عمر: كرهوا أن يجمعوا لكم النبوّة والخلافة، فتبجحوا (٢) على قومكم بَجَحًا بجحًا، فاختارت قريش لأنفسها فأصابت ووُفِّقَتْ . فقلت : يا أميرَ المؤمنين، إن تأذن لى فى الكلام، وتُمِطْ عنى الغضب تكلمتُ. فقال : تكلم يابن عباس ، فقلت : أمّا قولك يا أميرَ المؤمنين : اختارت قريش لأنفسها فأصابت ووفّقت، فلو أنّ قريشًا اختارت لأنفسها حيث اختار اللّه عزّ وجلّ لها لكان الصواب بيدها غير مردود ولا محسود . وأما قولك : إنهم كرهوا أن تكون لنا النبوّة والخلافة، فإنّ اللّه عزّ وجلّ وصف قومًا بالكراهية فقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللّهُ فَأَحْبَطَ أعْمَاَلَهُمْ)(٣). ٢٧٧١/١ فقال عمر : هيهات والله يابن عباس ! قد كانت تبلغنى عنك أشياء كنت أكره أن أفُرّك (٤) عنها، فتزيل(٥) منزلتك منى؛ فقلت: وما هى يا أمير المؤمنين؟ (١) ديوانه ٢٨٢ (٣) سورة محمد ٩ . (٥) ابن الاثير: ((لتزيل)). (٢) بجح بالشى : افتخر به . (٤) فى ابن الأثير: ((أقرك)). ٢٢٤ سنة ٢٣ فإن كانت حقًّا فما ينبغى أن تزيل منزلتى منك ، وإن كانت باطلا فمثلى أماط الباطل عن نفسه ، فقال عمر : بلغنى أنك تقول : إنما صرفوها عنا حسداً وظلمًا !فقلت: أمّا قولك يا أمير المؤمنين: ظلماً؛ فقد تبين للجاهل والحليم ، وأما قولك: حسداً ، فإنّ إبليس حسد آدم ؛ فنحن ولده المحسودون؛ فقال عمر: هيهات ! أبت واللّه قلوبكم يا بنى هاشم إلاّ حسداً ما يحول ، وضِغْنًا وغشًّا ما يزول . فقلت: مهلا يا أمير المؤمنين ؛ لا تصف قلوب قوم أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً بالحسد والغش"، فإنّ قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم من قلوب بنى هاشم. فقال عمر: إليك عنى يابن عباس ، فقلت : أفعل ؛ فلما ذهبت لأقوم استحیا منّی فقال : يابن عباس،مكانك، فوالله إنى لراعٍ لحقّك، محبّ لما سرّك، فقلت: يا أمير المؤمنين، إنّ لى عليك حقًّاً وعلى كلّ مسلم، فمن حفظه فحظّه أصاب ، ومن أضاعه فحظّه أخطأ . ثم قام فمضى . حدثنى أحمد بن عمرو ، قال : حدثنا يعقوب بن إسحاق الحضرمىّ ، قال : حدثنا عِكْرمة بن عمّار ، عن إياس بن سلمة ، عن أبيه ، قال : مرّ عمر بن الخطاب رضى الله عنه فى السوق ومعه الدّرّة ، فخفقى بها خفقة ، ٢٧٧٢/١ فأصاب طرف ثوبى، فقال: أمِطْ عن الطريق ، فلما كان فى العام المقبل لقينى فقال : يا سلمة ، تريد الحجّ ؟ فقلت : نعم ، فأخذ بيدى ، فانطلق بى إلى منزله فأعطانى ستمائة درهم، وقال: استعن بها على حجّك، واعلم أنها بالخفقة التى خفقتك؛ قلت: يا أمير المؤمنين ما ذكرتها ! قال : وأنا ما نسيتها . حدثی عبد الحميد بن بیان ، قال أخبرنا محمد بن يزيد ، عن إسماعيل ابن أبى خالد ، عن سلمة بن كُهيل، قال : قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه: أيّها الرعيّة : إن لنا عليكم حقّاً. النصيحة بالغيب، والمعاونة على الخير؛ إنه ليس من حلم أحبّ إلى اللّه ولا أعمّ نفعًا من حلم إمام ورفقه. أيها الرعيّة؟ إنه ليس من جهل أبغض إلى اللّه ولا أعمّ شرًّا من جهل إمام وخُرْقه. أيها الرعيّة، إنه مَنْ يأخذ بالعافية لمن بين ظهرانَيْه، يؤتى الله العافية من فوقه. ٢٢٥ سنة ٢٣ حدثنى محمد بن إسحاق ، قال : حدثنا يحيى بن معين ، قال : حدّثنا يعقوب بن إبراهيم ، قال : حدّثنا عيسى بن يزيد بن دأب ؛ عن عبدالرحمن ابن أبى زيد ، عن عمران بن سوادة ، قال : صليت الصبح مع عمر ، فقرأ: ((سبحان)) وسورة معها، ثم انصرف وقمت معه، فقال: أحاجة ؟ قلت : حاجة ، قال : فالحقْ، قال: فلحقت ؛ فلما دخل أذن لى ؛ فإذا هو على سرير ليس فوقه شىء ، فقلت : نصيحة ، فقال : مرحبًا بالناصح غدوًّا ٢٧٧٣/١ وعشيًّا؛ قلت: عابت أمتك منك أربعًا ، قال : فوضع رأس درّته فى ذقنه ، ووضع أسفلها على فخذه ، ثم قال : هاتٍ ؛ قلت : ذكروا أنك حرّمت العُمْرة فى أشهر الحجّ، ولم يفعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أبو بكر رضى الله عنه؛ وهى حلال ، قال: هى حلال، لو أنهم اعتمرُوا فى أشهر الحجّ رأوها مجزيةً من حجّهم؛ فكانت قائبةَ قُوبٍ عامها، فَقَرِع حجُهم (١)، وهو بهاء من بهاء الله، وقد أصبتَ. قلت: وذكروا أنك حرّمت مُتْعة النساء وقد كانت رُخصة من اللّه نستمتع بقبضة ونفارق عن ثلاث . قال: إنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أحلّها فى زمان ضرورة، ثم رجع الناس إلى السَّعة ، ثم لم أعلم أحداً من المسلمين عمل بها ولا عاد إليها، فالآن مَنْ شاء نكح بقُبضة وفارق عن ثلاث بطلاق، وقد أصبت . قال : قلت : وأعتقتَ الأَمة أن وضعتْ ذا بطنها بغير عتاقة سيّدها، قال : ألحقتُ حرمة بحرمة، وما أردت إلاّ الخير، وأستغفر الله. قلت: وتشكّوْا منك نتَهْر الرعيّة وعُنْف السياق . قال : فشرع الدّرّة ، ثم مسحها حتى أتى على آخرها (٢)، ثم قال: أنا زميل محمد - وكان زامله فى غزوة قرقرة الكُدْر - فوالله إنّ لأرتع فأشبيع، وأسقى فأروِى، وأنهز اللَّفوت (٣)، وأزجر (٤) العروض، وأذبّ (١) قرع؛ أى خلا من القوام به. قال الزمخشرى: ((القائب: البيضة المفرخة، فاعلة بمعنى مفعولة، من قبتها، إذا فلقتها قوباً. والقوب: الفرخ؛ ومنه المثل: «تبرأت قائبة من قوب، يعنى أن مكة تخلو من الحجيج خلو القائبة )) . (٢) الفائق: ((فوضع عود الدرة، ثم ذقن عليها)). (٣) الفوت من النوق: الضجور التى تلتفت إلى حالبها لتعضه فينهزها؛ أى يدفعها، وفى الفائق: « يرد اللفوت)). (٤) الفائق: ((وأضرب العروض))، قال: هو الذى يأخذ يميناً وشمالا؛ حتى يرده إلى الطريق. ٢٢٦ سنة ٢٣ قدْرِى، وأسوق خَطْوى، وأضمّ العنود (١)، وألحِق القَطوف (٢)، وأكثر الزّجر، وأقِلّ الضرب، وأشهر العصا(٣)؛ وأدفع باليد؛ لولا ذلك لأغدرت (٤). قال : فبلغ ذلك معاوية ، فقال : كان واللّه عالمًا برعيّتهم(٥). حدّثنا يعقوب بن إبراهيم، قال : حدّثنا ابن عُلَيّة ، عن ابن عون ، عن محمد ، قال: نُبِّئْت أن عثمان قال: إنّ عمر كان يمنع أهله وأقرباءه ابتغاء وجه الله، وإنى أعطى أهلى وأقربائى ابتغاء وجه الله، ولن يُلقى مثل عمر ثلاثة . وحدثنى علىّ بن سهل، قال: حدّثنا ضَمْرة بن ربيعة ، عن عبد الله ابن أبى سليمان ، عن أبيه ، قال : قدمت المدينة ، فدخلت داراً من دُورِها، فإذا عمر بن الخطاب رضى الله عنه عليه إزار قِطْرىّ، يدهُن إبلَ الصدقة بالقتطيران. وحد ثنا ابنُ بشار، قال : حدّثنا عبد الرحمن ، قال : حدثنا سفيان ، عن حبيب ، عن أبى وائل ، قال : قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه : لو استقبلتُ من أمرى ما استدبرت ، لأخذت فضولَ أموال الأغنياء ، فقسمتها على فقراء المهاجرين . ٢٧٧٥/١ وحد ثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبدُ الرحمن بن مهدى ، قال : حد ◌ّثنا منصور بن أبى الأسود ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن الأسود بن يزيد ، قال : كان الوفد إذا قدموا على عمر رضى الله عنه سألهم عن أميرهم ، فيقولون خيرًا، فيقول : هل يعود مرضاكم ؟ فيقولون : نعم ؛ فيقول : هل يعود العبد ؟ فيقولون : نعم ، فيقول : كيف صنيعه بالضّعيف ؟ هل يجلس على بابه ؟ فإن قالوا لِخصلة منها : لا ، عزله . (١) العنود: المائل عن السنن. . (٢) القطوف : الدابة البطيئة السير. (٣) يشهر العصا : أى يرفعها مرهبًا بها . (٤) لأغدرت: أى لغادرت الحق والصواب وقصرت فى الإيالة؛ وفى ط: ((لأعذرت))، تصحيف. (٥) الخبر فى الفائق ا: ٤٣٣ ، ٤٣٤، مع اختلاف فى الرواية. ٢٧٧٤/١ ٢٢٧ سنة ٢٣ وحدّثنا ابنُ حُميد ، قال : حدثنا الحكم بن بشير ، قال : حدّثنا عمرو ، قال : كان عمر بن الخطاب يقول : أربع من أمر الإسلام لست مضيِّعهنّ ولا تاركهن" لشىء أبداً: القوّة فى مال الله وجمعه حتى إذا جمعناه وضعناه حيث أمر الله ، وقعدنا آل عمر ليس فى أيدينا ولا عندنا منه شىء . والمهاجرون الذين تحت ظلال السيوف؛ ألاّ يحبَّسوا ولا يجمَّروا، وأن يوفّر فىء الله عليهم وعلى عيالاتهم، وأكون أنا للعيال حتى يقدموا. والأنصار الذين أعطوا اللّه عزّ وجلّ نصيبًا، وقاتلوا الناس كافة ؛ أن يقبل من محسنهم، ويُتْجاوَ زعن مسيئهم؛ وأن يُشاوروا فى الأمر. والأعراب الذين هم أصل العرب ومادة الإسلام ؛ أن تؤخذ منهم صدقتهم على وجهها ، ولا یؤخذ منهم دينار ولا درهم ، وأن يردّ على فقرائهم ومساكينهم . ٢٧٧٦/١ كتب إلىّ السرى، عن شعيب، عن سيف ، عن ابن جُرَيج ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر ، قال: قال عمر: إنّ لأعلم أنّ الناس لا يعدلون بهذين الرّجلين اللذَيْن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكون نجيًّاً بينهما وبين جبريل يتبلَّغ عنه وُيُملّ عليهما . ٠ قصة الشورى حدّثنى عمربن شبّة ، قال : حدّثنا على بن محمد ، عن وكيع ، عن 4 الأعمش، عن إبراهيم ومحمد بن عبد الله الأنصارىّ ، عن ابن أبى عروبة ، عن قتادة ، عن شهر بن حوشب وأبى مخنف ، عن يوسف بن يزيد ، عن عباس بن سهل ومبارك بن فضالة ، عن عبيد الله بن عمر ويونس بن أبى إسحاق ، عن عمرو بن ميمون الأودىّ؛ أنّ عمر بن الخطاب لما طُعِن قيل له : يا أميرَ المؤمنين؛ لو استخلفت! قال: مَنْ أستخلف ؟ لو كان أبو عبيدة بن الجرّاح حيًّا استخلفته ؛ فإن سألنى ربى قلت: سمعت نبيّك يقول: ((إنه أمين هذه الأمّة))، ولو كان سالم مولى أبي حذيفة حيًا استخلفته، ٢٧٧٧/١ فإن سألنى ربىّ قلت : سمعت نبيّك يقول: ((إنّ سالمًا شديد الحبّ لله)). فقال ٢٢٨ سنة ٢٣ له رجل : أدلك عليه ؟ عبد الله بن عمر، فقال: قاتلك الله؛ والله ما أردتَ اللّه بهذا ، ويحك! كيف أستخلف رجلاً عجز عن طلاق امرأته ! لا أرَبَ لنا فى أموركم، ماحمدتُها فأرغبَ فيها لأحد من أهل بيتى ؛ إن كان خيراً فقد أصبنا منه، وإن كان شرًّا فشرعُنا آل عمر؛ بحسب آل عمر أن يحاسَب منهم رجل واحد ؛ ويُسأل عن أمرأمة محمد؛ أما لقد جهدتنفسى ، وحرمت أهلِى؛ وإن نجوتُ كفافا لاوزْر ولا أجر إنى لسعيد؛ وأنظر فإن استخلفتُ فقد استخلف مَن هو خير منّ ، وإن أترك فقد ترك مَنْ هو خير منى، ولن يضيّع اللّه دينه . فخرجوا ثم راحوا ، فقالوا : يا أميرَ المؤمنين ؛ لو عهدتَ عهداً! فقال: قد كنت أجمعت بعد مقالتى لكم أن أنظر فأولَِّ رجلاً أمركم؛ هو أحراكم أن يحملكم على الحقّ - وأشار إلى علىّ- ورهقتْتى غشية ، فرأيت رجلاً دخل جنة قد غرسها ، فجعل يقطف كل غضّة ويانعة فيضمْه إليه ويصيّره تحته ؛ فعلمتُ أنّ اللّه غالب أمره ، ومتوفٌّ عمر ؛ فما أريد أن أتحمّلها حيًّاً وميتًا؛ عليكم هؤلاء الرّهط الذين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنهم من أهل الجنة))؛ سعيد بن زيد بن عمرو بن نُفيل منهم ؛ ولست مدخله ؛ ولكن الستّة: علىّ وعثمان ابنا عبد مناف، وعبدالرحمن وسعد خالا رسول الله صلى الله عليه وسلم، والزَّبير بن العوّام حوارىّ رسول الله صلى اللّه عليه وسلم وابن عمته ، وطلحة الخير بن عبيد اللّه ؛ فلْيختاروا منهم رجلاً؛ فإذا ولّوا واليًا فأحسنوا مؤازرته وأعينوه، إن ائتمن أحداً منكم فليؤدّ إليه أمانته . وخرجوا، فقال العباس لعلىّ: لا تدخل معهم ، قال(١): أكره الخلاف ، قال: إذاً ترى ما تكره ! فلما أصبح عمر دعا عليًّا وعثمان وسعداً وعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوّام ، فقال : إنّى نظرت فوجدتكم رؤساء الناس وقادتهم ؛ ولا يكون هذا الأمر إلاّ فيكم ؛ وقد قبض رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وهو عنكم راضٍ؛ إنّى لا أخاف الناس عليكم إن استقمتم ؛ ولكنّى أخافُ عليكم اختلافكم فيما بينكم ، فيختلف الناس ، فانهضوا إلى حُجْرة عائشة بإذن منها ، فتشاوروا واختاروا رجلا منكم . ثم قال : لا تدخلوا ٢٧٧٨/١ (١) بعدها فى ف: ((فإنى))، وفى ابن الأثير: ((إنى)). ٢٢٩ سنة ٢٣ حجرة عائشة ؛ ولكن كونوا قريباً ، ووضع رأسه وقد نَزّقه الدم . فدخلوا فتناجوا، ثم ارتفعت أصواتهم ، فقال عبد الله بن عمر : سبحان اللّه! إنّ أمير المؤمنين لم يمُتْ بعد؛ فأسمعَه فانتبه فقال : ألا أعرضوا عن هذا أجمعون ؛ فإذا متُّ فتشاوروا ثلاثة أيام، وليصلّ بالناس صهيب ، ولا يأتين اليوم الرابع إلاّ وعليكم أمير منكم؛ ويحضر عبدُ الله بن عمر مشيراً، ولا شىءَ له من الأمر ؛ وطلحة شريككم فى الأمر ؛ فإن قدم فى الأيام الثلاثة فأحضروه أمركم ؛ وإن مَضت الأيَّام الثلاثة قبل قدومه فاقضوا أمركم ؛ ومَنْ لى بطلحة؟ فقال سعد بن أبى وقاص: أنا لك به؛ ولا يخالف إن شاء الله. فقال عمر: أرجو ألا يخالف إن شاء اللّه؛ وما أظنّ أن يلىَ إلاّ أحدُ هذين الرجلين: علىّ أو عثمان؛ فإن ولىَ عثمان فرجل فيه لين، وإن ولى علىّ ففيه دُعابة، وأحْرٍ به أن يحملتهم على طريق الحقّ؛ وإن تولوا سعداً فأهلها هو؛ وإلاّ فليستعن به الوالى ، فإنى لم أعزله عن خيانة ولا ضعف ؛ ونعْ ذو الرأى عبد الرحمن بن عوف! مسدّد رشيد، له من اللّه حافظ، فاسمعوا منه . ٢٧٧٩/١ وقال لأبى طلحة الأنصارىّ: يا أبا طلحة، إنّ اللّه عزّ وجلّ طالما أعزّ الإسلام بكم، فاختر خمسين رجلاً من الأنصار ؛ فاستحثّ هؤلاء الرّهط حتى يختاروا رجلا منهم . وقال للمقداد بن الأسود : إذا وضعتمونى فى حُفرتِی فاجمع هؤلاء الرّهط فى بيت حتى يختاروا رجلاً منهم ، وقال لصُهيب : صلّ بالناس ثلاثة أيام، وأدخل عليًّا وعثمان والزبير وسعداً وعبد الرحمن بن عوف وطلحة إن قدم ؛ وأحضر عبد الله بن عمر ولا شىء له من الأمر ؛ وقم على رءوسهم، فإن اجتمع خمسة ورضُوا رجلا وأبى واحد فاشدَخْ رأسه - أو اضرب رأسہ بالسیف ۔۔ وإن اتفق أربعة فرضوا رجلا منهم وأبىاثنان ، فاضرب رءوسهما، فإن رضىَ ثلاثةً رجلاً منهم وثلاثة رجلاً منهم، فحكّموا عبدَ الله ٢٧٨٠/١ ابن عمر ؛ فأىّ الفريقين حكم له فليختاروا رجلاً منهم ؛ فإن لم يرضوا بحكم عبد الله بن عمر فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف ، واقتلوا الباقين إن رغبوا عمّا اجتمع عليه الناس . فخرجوا ، فقال علىّ لقوم كانوا معه من بنى هاشم: إن أطيع فيكم قومُكم لم تؤمّروا أبداً. وتلقّاه العباس، فقال: عداسَتْ عَنّا! فقال: وما علمك؟ ٢٣٠ سنة ٢٣ قال: قرِن بیعثمان،وقال: كونوا مع الأكثر، فإن رضى رجلان رجلا، ورجلان رجلا فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف ؛ فسعد لا يخالف ابنَ عمّه عبد الرحمن ؛ وعبد الرحمن صهر عثمان؛ لا يختلفون ، فيولّيها عبدُ الرحمن عثمانَ ، أو يوليها عثمانُ عبد الرحمن؛ فلو كان الآخَرَان معى لم ينفعانى ؛ بلْه إنى لا أرجو إلاّ أحدهما. فقال له العباس: لم أرفعْك فى شىء إلاّ رجعت إلىّ مستأخراً بما أكره ؛ أشرتُ عليك عند وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنْ تسألَه فيمن هذا الأمر ؛ فأبيتَ ، وأشرتُ عليك بعد وفاته أن تعاجل الأمر فأبيت ، وأشرتُ عليك حين ستّاك عمر فى الشورى ألاّ تدخل معهم فأبيتَ ؛ احفظ عنّى واحدة ؛ كلّما عرض عليك القوم ، فقل : لا ، إلاّ أن يولُّوك؛ واحذر هؤلاء الرّهط ، فإنهم لا يبرحون يدفعوننا عن هذا الأمر ٢٧٨١/١ حتى يقوم لنا به غيرنا، وإيمُ اللّه لا يناله(١) إلا بشرّ لا ينفع معه خير. فقال علىّ: أما لئن بقى عثمان لأذكِّرنه ما أتى ولئن مات لسيتداولّها بينهم ، ولئن فعلوا ليجدنّى (٢) حيث يكرهون ؛ ثم تمثل : حَلَفْتُ بِرَبِّ الراقِصِاتِ عشيّةً غَدَوْنَ خِفاقاً فَابْتَدَرْنَ المُحَصَّبَا نَجِيعاً بنو الشُّدَّاخِ وِرْداً مُصلَّبَا لَيَخْتَلِيَنْ رَهْطُ ابْنِ يَعْمَرَ مَارِئًا والتفت فرأى أبا طلحة فكره مكانه ، فقال أبو طلحة : لم تُرَعْ أبا الحسن . فلمّا مات عمر وأخرجت جنازته، تصدّى علىّ وعثمان : أيهما يصلى عليه ، فقال عبد الرحمن : كلا كما يحبُّ الإمْرة ، لستما من هذا فى شىء، هذا إلى صهيب ، استخلفه عمر ، يصلّى بالناس ثلاثًا حتى يجتمع الناس على إمام . فصلّى عليه صُهيب، فلما دفن عمر جمع المقداد أهل الشُّورى فى بيت المِسْوَر بن مخرمة - ويقال فى بيت المال ، ويقال فى حجرة عائشة بإذنها - وهم خمسة، معهم ابنُ عمر، وطلحة غائب؛ وأمروا أبا طلحة أن يحجُبتَهم ، وجاء عمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة فجلسا بالباب ، فحصبهما سعد وأقامهما ، وقال : تريدان أن تقولا : حضرنا وكنّا فى أهل الشورى ! فتنافس القوم فى الأمر ؛ وكثر بينهم الكلام ؛ فقال أبو طلحة : أنا كنت ٢٧٨٢/١ (١) ف: ((لا تناله)). (٢) ابن الأثير: ((لتجدنى)). ٢٣١ سنة ٢٣ لأنْ تدفعوها أخوفَ منّى لأن تنافسوها ! لا والذى ذهب بنفس عمر ؛ لا أزيدكم على الأيّام الثلاثة التى أمرتم ، ثم أجلس فى بيتى؛ فأنظر ما تصنعون ! فقال عبد الرحمن: أيُّكم يخرج منهانفسه ويتقلدها على أن يوليها أفضلكم؟ فلم يجبه أحد ، فقال: فأنا أنخلع منها ؛ فقال عثمان: أنا أوّل من رضى ، فإنّ سمعتُ رسولَ اللّه صلى الله عليه وسلم يقول: ((أمين فى الأرض أمين فى السماء))، فقال القوم : قد رضينا - وعلىّ ساكت - فقال: ما تقول يا أبا الحسن ؟ قال : أعطِى موثِقًا لتؤثرن" الحقّ" ولا تتّبع الهوى، ولا تخصّ ذا رحم ، ولا تألوا الأمة ! فقال: أعطونى مواثيقكم على أن تكونوا معى على مَنْ بدّل وغيّر ، وأن ترضوا من اخترت لكم، علىّ ميثاق الله ألا" أخص" ذارٍحِيمٍ لرحمه، ولا آلو المسلمين. فأخذ منهم ميثاقًا وأعطاهم مثله، فقال لعلىّ، إنك تقول: إنى أحقُّ من حضر بالأمر لقرابتك وسابقتك وحسن أثرك فى الدّين ولم تبعد ؛ ولکن أرأيت لو صرف هذا الأمر عنك فلم تحضر ،من كنت ترى من هؤلاء الرّهط أحقّ بالأمر ؟ قال : عثمان . وخلا بعثمان؛ فقال : تقول : شيخ من بنى عبد مناف ؛ وصهر رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن عمه ، لى سابقة وفتَضْل- لم تبعد - فلن يصرف هذا الأمرعنى، ولكن لولم تحضر فأىّ هؤلاء الرهط تراه أحقّ به ؟ قال: علىّ. ثم خلا بالزّبير، فكلمه بمثل ما كلم به عليًّاً وعثمان؛ فقال: عثمان. ثم خلا بسعد، فكلمه، فقال: عثمان . فلتفى على سعداً، فقال: ﴿وَاتَّقُوا الله الَّذِى تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأُرْحَامَ إِنّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ (١)، أسألك برحيم ابى هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبرحيم عمّى حمزة منك ألا تكون مع عبد الرحمن لعثمان ظهيراً علىّ ؛ فإنى أدْلى بما لا يُدْلى به عثمان. ودار عبد الرحمن لياليته يلقى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومَن وافى المدينة من أمراء الأجناد وأشراف الناس ، بشاورهم، ولا يخلُو برجل إلا أمره بعثمان؛ حتى إذا كانت الليلة التى يُستكمَل فى صبيحتها الأجلُ ، أتى منزل المِسْوَر بن مخرمة بعد ابهيرار (٢) من الليل ؛ ٢٧٨٣/١ (١) سورة النساء ! (٢) ابهيرار الليل : طلوع نجومه إذا تتامت واستنارت. ٢٣٢ سنة ٢٣ فأيقظه فقال: ألا أراك نائمًا ولم أذق فى هذه الليلة كثير غُمْض (١)! انطلق قادعُ الزبير وسعداً . فدعاهما فبدأ بالزبير فى مؤخر المسجد فى الصُّفَّة التى تلِى دارَ مروان ، فقال له : خلّ ابىْ عبد مناف وهذا الأمر ، قال : نصيبى لعلى" ، وقال لسعد: أنا وأنت كلآلة، فاجعل نصيبك لى فأختار، قال: إن اخترتَ نفسك فنعم ، وإن اخترتَ عثمان فعلىّ أحبّ إلىّ؛ أيها الرجل بايع لنفسك وأرِحْنا ، وارفع رءوسنا ، قال : يا أبا إسحاق ؛ إنى قد خلعتُ نفسى منها على أن أختار، ولو لم أفعل وجُعل الخيار إلىّ لم أرِدْها، إنى أرِيت كروضة خضراء كثيرة العُشْب، فدخل فحلٌ فلم أر فحلا قطّ أكرمَ منه ، فمرّ كأنه سهم لا يلتفت إلى شىء مما فى الرّوْضة حتى قطعها ، لم يعرّج . ودخل بعير يتلوه فاتّبع أثره حتى خرج من الرّوضة ، ثم دخل فحل عبقرىٌّ يجرّ خطامه ، يلتفت يميناً وشمالا ويمضى قتصد الأولیْن حتى خرج ، ثمّ دخل بعير رابع فرقَعَ فى الرّوْضة ؛ ولا واللّه لا أكون الرابع ؛ ولا يقوم مقام أبى بكر وعمر بعدهما أحدٌ فيرضى الناس عنه. قال سعد : فإنى أخافُ أن يكون الضعف قد أدركك ، فامض لرأيك ؛ فقد عرفت عهد عمر . وانصرف الزبير وسعد؛ وأرسل المسور بن مخرمة إلى علىّ، فناجاه طويلا؛ وهو لا يشكّ أنه صاحب الأمر، ثم نهض؛ وأرسل المسوّر إلى عثمان . فكان ٢٧٨٥/١ فى نجيّهما؛ حتى فرّق بينهما أذان الصبح. فقال عمرو بن ميمون: قال لى عبد الله بن عمر: يا عمرو، مَنْ أخبرك أنه يعلم ما كلّم به عبد الرحمن بن عوف عليًّاً وعثمان فقد قال بغير علم ؛ فوقع قضاء ربّك على عثمان. فلما صلوا الصبح جمع الرهط ، وبعث إلى مَن حضره من المهاجرين وأهل السابقة والفضل من الأنصار ، وإلى أمراء الأجناد ، فاجتمعوا حتى التجّ المسجد بأهله، فقال : أيُّها الناس، إنّ الناس قد أحبّوا أن يلحق أهلُ الأمصار بأمصارهم وقد علموا مَن أميرُهم . فقال سعيد بن زيد : إنّا نراك لها أهلا ، فقال : أشيروا علىّ بغير هذا، فقال عمّار: إن أردت ألاّ يختلف المسلمون فبايع عليًّا . فقال المقداد بن الأسود: صَدق عمّار؛ إن بايعت عليًّا قلنا: سمعنا (١) ف: ((كبير غمض)). ٢٣٣ سنة ٢٣ وأطعنا . قال ابنُ أبى سرح : إن أردت ألاّ تختلف قريش فبايع عثمان. فقال عبد الله بن أبى ربيعة : صَدق ؛ إن بايعتَ عثمان قلنا : سمعنا وأطعنا . فشتم عمّار ابن أبى سَرْح ، وقال : متى كنت تنصح المسلمين ! فتكلم بنو هاشم وبنو أميّة، فقال عمار: أيّها الناس؛ إنّ اللّه عزّ وجل أكرمنا بنبيّه ، وأعزّنا بدينه ، فأنّى تصرفون هذا الأمر عن أهل بيت نبيكم ! فقال رجل من بنى مخزوم : لقد عدوتَ طوّرك يابن سميّة ؛ وما أنت وتأمير قريش لأنفسها ! فقال سعد بن أبى وقاص : يا عبد الرحمن ، افرغ قبل أن يفتتن الناس ، فقال عبد الرحمن: إنى قد نظرت وشاورت ، فلا تجعلُنَّ أيها الرهط على أنفسكم سبيلا . ودعا عليًّاً، فقال: عليك عهد الله وميثاقه لتعْمَكنّ بكتاب الله وسنة رسوله وسيرة الخليفتين من بعده ؟ قال: أرجو أن أفعل وأعمل بمبلغ علمى وطاقتى؛ ودعا عثمان فقال له مثل ما قال لعلىّ ، قال: نعم ، فبايعه ، فقال على": حبوتَه حَبْوَ دهر ؛ ليس هذا أوّل يوم تظاهرتم فيه علينا ؛ فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون ؛ والله ما ولّيتَ عثمان إلا ليردّ الأمر إليك؛ واللّه كلّ يوم هوفى شأن؛ فقال عبد الرحمن: يا علىّ لا تجعل على نفسك سبيلاً ؛ فإنى قد نظرت وشاورتُ الناس ؛ فإذا هم لا يعدلون بعثمان . فخرج على وهويقول: سیبلغ الكتاب أجله. فقال المقداد : یا عبدالرحمن، أما والله لقد تركته من الذین یقضون بالحق وبه يعدلون . فقال : يامقداد ؛ والله لقد اجتهدتُ للمسلمين؛ قال : إن كنتَ أردت بذلك الله فأثابك اللّه ثواب المحسنين . فقال المقداد : ما رأيتُ مثل ما أوتى إلى أهل هذا البيت بعد نبيّهم . إنى لأعجب من قريش أنّهم تركوا رجلاً ما أقول إنّ أحداً أعلم ولا أقضى منه بالعدل ؛ أما والله لو أجد عليه أعوانًا ! فقال عبد الرحمن : يا مقداد ؛ اتّق اللّه؛ فإنى خائف عليك الفتنة ، فقال رجل للمقداد : رحمك اللّه! من أهل هذا البيت ومَن هذا الرجل؟ قال: أهل البيت بنو عبد المطلب ، والرجل علىّ بن أبى طالب. فقال علىّ: إنّ الناس ينظرون إلى قریش، وقریش تنظر إلى بيتها فتقول : إن وُلَّىَ عليكم بنو هاشم لم تخرج منهم أبداً ، وما كانت فى غيرهم من قريش تداولتموها بينكم . وقدم طلحة فى اليوم الذى بويع ٢٧٨٦/١ ٢٧٨٧/١ ٢٣٤ سنة ٢٣ فيه لعثمان ، فقيل له : بايع عثمان ، فقال : أكلّ قريش راض به ؟ قال : نعم، فأتى عمّانَ فقال له عثمان: أنت على رأس أمرك، إن أبيتَ رددتُها، قال: أتردّ ها ؟ قال : نعم ؛ قال : أكلّ الناس بايعوك؟ قال : نعم ، قال : قد رضيتُ ؛ لا أرغب عمّا قد أجمعوا عليه، وبايعه . وقال المغيرة بن شعبة لعبد الرحمن: يا أبا محمد، قد أصبتَ إذ بايعتَ عثمان! وقال لعثمان : لو بايع عبد الرحمن غيرَك ما رضينا ، فقال عبد الرحمن : كذبت يا أعور ؛ لو بايعتُ غيره لبايعتَه ، ولقلتَ هذه المقالة . وقال الفرزدق ؛ على ابنِ عَنَّانَ مُلْكاً غير مقصور صَلَى صُهَيْبٌ ثلاثً ثُمَّ أَرْسَلَها كانوا أخِلاَّ، مَهْدِيّ ومأمورِ خلافةً من أبى بكر لصاحبِهِ وكان المِسْوَرَ بن مخرَمّة يقول : ما رأيت رجلاً بذّ قومًا فيما دخلوا فيه بأشدّ مما بذّهم عبد الرحمن بن عوف . ٠٠٠ قال أبو جعفر: وأما المِسْوَر بن مخرمة ، فإنّ الرواية عندنا عنه ما حدثنى سلم بن جُنادة أبو السائب، قال : حدثنا سُليمان بن عبد العزيز ابن أبى ثابت بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف ، قال : حدّثنا أبى ، عن عبد الله بن جعفر، عن أبيه ، عن المِسْوَر بن مخرمة - وكانت أمه عاتكة ابنة عوف - فى الخبر الذى قد مضى ذكرى أولته فى مقتل عمر بن الخطّاب؛ قال : ونزل فى قبره - يعنى فى قبر عمر - الخمسة ، يعنى أهل الشورى . قال : ثم خرجوا يريدون بيوتهم ؛ فناداهم عبد الرحمن : إلى أين ؟ هلمّوا ! فتبعوه ، وخرج حتى دخل بيت فاطمة ابنة قيس الفهريّة ، أخت الضحّاك بن قيس الفهرىّ - قال بعض أهل العلم : بل كانت زوجتُه؛ وكانت نَجوداً ، يريد ذات رأى - قال : فبدأ عبد الرحمن بالكلام ، فقال: يا هؤلاء؛ إنّ عندى رأيًا؛ وإنّ لكم نظراً؛ فاسمعوا تعلّموا، وأجيبوا ٢٧٨٨/١ ٢٣٥ سنة ٢٣ تفقهوا؛ فإنّ حابيًا خير من زاهق(١)؛ وإن جُرعةً من شَرُوب (٢) بارد أنفع من عذب مُوبٍ (٣)؛ أنتم أئمة يهتدى بكم؛ وعلماء يصدر إليكم؛ ٢٧٨٩/١ فلا تقلّوا المدَى بالاختلاف بينكم ، ولا تُغمدوا السيوف عن أعدائكم ؛ فتُوترِوا ثأركم، وتؤلتوا(٤) أعمالكم؛ لكلّ أجل كتاب ؛ ولكل بيت إمام بأمره يقومون ، وبنهيه يَرِعون. قدّدوا أمركم واحداً منكم تمشوا الهوينى وتلحقوا الطلب ؛ لولا فتنة عمياء ، وضلالة حيراء ؛ يقول أهلها ما يرون ، وتحلّهم الحَبَوْ كترى (٥). ما عدتْ نياتكم معرفتكم ، ولا أعمالكم نیاتكم . احذروا نصيحة الهوى ، ولسان الفُرْقة؛ فإنّ الحيلة فى المنطق أبلغُ من السيوف فى الكلْم ؛ علَّقُوا أمركم رَحْبَ الذراع فيما حلّ ، مأمونَ الغيب فيما نزل ، رضًا منكم وكلكم رضًا، ومقترَعًا منكم وكلّكم منتهى، لا تطيعوا مفسداً ينتصح ؛ ولا تخالفوا مرشداً ينتصر ؛ أقول قولى هذا وأستغفر الله لى ولكم(٦). ٢٧٩٠/١ ثم تكلّم عثمان بن عفان، فقال: الحمدُ لله الذى اتّخذ محمّداً نبيًّاً، وبعثه رسولا ، صدقه وعده، ووهب له نصره علی کلّ مَن بَعُد نسباً، أو قرب رَحِمَا؛ صلى الله عليه وسلم ؛ جعلنا الله له تابعين و بأمره مهتدین ؛ فهو لنا نور ؛ ونحن بأمره نقوم، عند تفرّق الأهواء ؛ ومجادلة الأعداء ؛ جعلنا الله بفضله أئمة وبطاعته أمراء، لا يخرج أمرنا منّا، ولا يدخل علينا غيرنا إلا من سفية الحقّ؛ ونكل عن القصد، وأحْرِبها يابن عوف أن تترك، وأحْذر(٧) بها أن تكون إن خولف أمرك وترك دعاؤك ؛ فأنا أوّل مجيب لك ، وداع إليك، وكفيل بما أقول زعيم؛ وأستغفر الله لى ولكم . ثم تكلّ الزبير بن العوام بعده، فقال: أمّا بعد؛ فإنّ داعىَ اللّه لا يجهل، ومجيبه لا يخذَل، عند تفرّق الأهواء ولى" الأعناق؛ ولن يقصّر عمّا قلت إلاغوىّ، (١) قال الزمخشرى: ((ضربة الحابى؛ وهو السهم الذى يزلج على الأرض، ثم يصيب الهدف. والزاهق هو الذى يجاوزه ؛ من زهق الفرس إذا تقدم الخيل؛ جعله مثلا لوال ضعيف ينال الحق أو بعضه، (٢) الشروب: الماء الملح الذى لا يشرب إلا عند الضرورة. ولآخر يجاوز الحق ويتخطاه )). (٣) العذب الموبى: هوالذى يورث وباء؛ قال الزمخشرى: ((ضربه مثلا لرجلين؛ أحدهما أدون (٤) وتؤلتوا أعمالكم، أى تنقصوها، وانظر فى اللسان . وأنفع ، والثانى أرفع وأضر)» . (٦) الخبر فى الفائق ١: ٢٣٢ مع اختلاف فى الرواية. (٥) الحبوكرى : الداهية . (٧) كذا فى النويرى، وفى ط: ((أحدر)). ٢٣٦ سنة ٢٣ ولن يترك ما دعوت إليه إلاّ شقىّ، لولا حدود لله فرضت؛ وفرائض لله حُدّت؛ تراح على أهلها ؛ وتحيا لا تموت ؛ لكان الموت من الإمارة نجاة ، والفرار من الولاية عصمة ؛ ولكن للّه علينا إجابة الدعوة ، وإظهار السنّة ؛ لئلا نموت ميتة عمّيّة؛ ولا نَعْمَى عمى جاهلية؛ فأنا مجيبك إلى ما دعوت، ومعينك على ما أمرت ، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وأستغفر الله لى ولكم. ثم تكلّم سعد بن أبى وقّاص، فقال: الحمد لله بديئًا كان، وآخراً ٢٧٩١/١ يعود، أحمده لما نجّانى من الضلالة، وبصّرفى من الغواية، فبهدى الله فاز من نجا ، وبرحمته أفلح من زكا ، وبمحمد بن عبد اللّه صلّى الله عليه وسلم أنارت الطرق، واستقامت السبل، وظهر كلّ حق، ومات كلّ باطل ؛ إياكم أيها النّفر وقول الزور، وأمنيّة أهل الغرور، فقد سلبت الأمانىُّ قومًا قبلكم ورثوا ما ورثتم ، ونالوا ما نلتم ؛ فاتخذهم الله عدوًّا، ولعنهم لعنّاً كبيراً. قال الله عزّ وجل: ﴿ُلُمِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَبِ إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانٍ دَاوُد وَعِيسَى بْنِ مَرْيَمَ ذْلِكَ بِمَا عَصَوْا وَ كَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَلُوهُ لَبِثْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ)(١). إنّ نكبت قَرَنى(٢) فأخذت سهمى الفالج ، وأخذتُ لطلحة بن عبيد الله ما ارتضيت لنفسى ؛ فأنا به كفيل، وبما أعطيتُ عنه زعيم، والأمر إليك يابن عوف ؛ يجهد النفس ، وقصد النُّصْح، وعلى الله قصد السبيل، وإليه الرّجوع، وأستغفر الله لى ولكم؛ وأعوذ بالله من مخالفتكم. ثم تكلّم علىّ بن أبى طالب رضى الله تعالى عنه؛ فقال: الحمدُ لله الذى بعث محمداً منّا نبيًّا، وبعثه إلينا رسولا ، فنحن بيت النبوة ، ومعدن الحكمة؛ وأمان أهل الأرض، ونجاة لمن طلب، لنا حقّ إن نعطه نأخذه؛ وإن نمنعه نركب أعجاز الإبل ولو طال السُّرَى ؛ لو عهد إلينا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عهداً لأنفذنا عهده ؛ ولو قال لنا قولاً لجادلنا عليه حتى ٢٧٩٢/١ نموت. لن يسرع أحد قبلى إلى دعوة حقّ وصلة رحم، ولا حول ولا قوة إلا بالله (٢) القرن هنا: الجعبة، ونكب قرنه ، أى (١٠) سورة المائدة ٧٨ ، ٧٩ نثر ما فيه من السهام . وانظر اللسان ( نكب ، قرن) . ٢٣٧ سنة ٢٣ اسمعوا كلامى ، وعوا منطقى ؛ عسى أن تروا هذا الأمر من بعد هذا المجمع تُنتضَى فيه السيوف ، وتُخان فيه العهود ؛حتى تكونوا جماعة ، ويكون بعضكم أئمة لأهل الضلالة ، وشيعةً لأهل الجهالة ، ثم أنشأ يقول : بما فعلتْ بنو عبدِ بنِ ضخْمٍ فإِن تكُ جاسمٌ عَلَكَتْ فإنِّی بَصيرٌ بِالنَّوَى من كلِّ نَجْم مُطيعٌ فى الهواچِرِ كلّ ◌َيّ فقال عبد الرحمن : أيّكم يطيب نفسًا أن يخرج نفسه من هذا الأمر ويولّيه غيرَه؟ قال: فأمسكوا عنه، قال: فإنى أخرج نفسى وابنَ عمّى، فقلده القوم الأمر، وأحلفهم عند المنبر؛ فحلفوا ليبايعُنّ مَن بايع، وإن بايع بإحدى يديه الأخرى . فأقام ثلاثًا فى داره التى عند المسجد التى يقال لها اليوم رحبة القضاء - وبذلك سمّيت رَحْبة القضاء - فأقام ثلاثًاً يصلِّى بالناس صهيب . قال: وبعث عبد الرحمن إلى علىّ، فقال له : إن لم أبايعك فأشر علىّ ؛ فقال: عثمان، ثم بعث إلى عثمان، فقال: إن لم أبايعك، فمن تشير علىّ ؟ قال: علىّ ، ثم قال لهما : انصرفا. فدعا الزبير، فقال : إن لم أبايعك ؛ فمن تشير علىّ، قال: عثمان، ثم دعا سعداً، فقال: مَنْ تشير علىّ ؟ فأمّا أنا وأنت فلا نريدها، فمن تشير علىّ؟ قال: عثمان. فلمَّا كانت الليلة الثالثة، قال: يا مِسْوَرَ، قلت: لبّيك، قال: إنك لنائم؛ والله ما اكتحلت ٢٧٩٣/١ بغماض منذ ثلاث(١) .اذهبفادعُ لی علیًا وعمان؛قال: قلت : ياخال، بأيّهما أبدا ؟ قال: بأيّهما شئت ، قال : فخرجت فأتيت علیًا - وكان هواى فيه .. فقلت : أجب خالى ، فقال : بعثك معى إلى غيرى؟ قلت : نعم ؛ قال: إلى من ؟ قلت : إلى عثمان ، قال : فأيّنا أمرك أن تبدأ به ؟ قلت : قد سألته فقال: بأيّهما شئت، فبدأت بك ، وكان هواى فيك . قال : فخرج معى حتى أتينا المقاعد ، فجلس عليها علىّ ، ودخلت على عثمان فوجدته يوتر مع الفجر ، فقلت : أجب خالى ، فقال : بعثك معى إلى غيرى؟ قلت : نعم، إلى علىّ، قال: بأيّنا أمرك أن تبدأ ؟ قلت : سألته فقال: بأيّهما شئت ؛ ١ (١) ف: ((ثلاث ليال)). ٢٣٨ سنة ٢٣ وهذا علىّ على المقاعد ، فخرج معى حتى دخلنا جميعًا على خالى وهو فى القبلة قائم يصلّى، فانصرف لمَّا رآنا، ثم التفت إلى على" وعثمان، فقال: إنّى قد سألت عنكما وعن غير كما ، فلم أجد الناس يعدلون بكما ؛ هل أنت يا علىّ مبايعى على كتاب الله وسنة نبيه وفعل أبى بكر وعمر ؟ فقال: اللهم" لا، ولكن على جهدى من ذلك وطاقتى . فالتفت إلى عثمان ، فقال : هل أنت مبايعى على كتاب الله وسنّة نبيّه وفعل أبى بكر وعمر ؟ قال: اللهمّ نعم، فأشار بيده إلى كتفيه ، وقال: إذا شئما! فنهضنا حتى دخلنا المسجد ، وصاح صائح : الصلاة جامعة - قال عثمان: فتأخّرت واللّه حياء لما رأيت من إسراعه إلى علىّ؛ فكنت فى آخر المسجد - قال : وخرج عبد الرحمن بن عوف وعليه عمامته التى عمَّمه بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، متقدّداً سيفه ؛ حتى ركِب المنبر ، فوقف وقوفًا طويلا ، ثم دعا بما لم يسمعه الناس . ثم تكلّ، فقال : أيّها الناس ؛ إنى قد سألتكم سرًّاً وجهراً عن إمامكم؛ فلم أجدكم تعدلون بأحد هذين الرجلين: إما علىّ وإما عثمان ؛ فقم إلىّ يا علىّ، فقام إليه علىّ، فوقف تحت المنبر ؛ فأخذ عبد الرحمن بيده ، فقال : هل أنتَ مبايعى على كتاب الله وسنة نبيه وفعل أبى بكر وعمر ؟ قال : اللهم لا ؛ ولكن على جهدی من ذلك وطاقتی ؛ قال : فأرسل يده ثم نادى : قم إلىّ يا عثمان؛ فأخذ بيدهـ وهو فى موقف على الذى كان فيه- فقال: هل أنت مبايعِى على كتاب الله وسنّة نبيّه وفعل أبى بكر وعمر ؟ قال : اللهم نعم ؛ قال : فرفع رأسه إلى سقف المسجد ، ويده فى يد عمان ، ثم قال : اللهمَّ اسمع واشهد؛ اللهمّ إنِّ قد جعلت ما فى رقبتى من ذاك فى رقبة عثمان . قال : وازدحم الناس يبايعون عثمان حتى غَشُوه عند المنبر ، فقعد عبد الرحمن مقعد النبى صلى الله عليه وسلم من المنبر ، وأقعد عثمان على الدرجة ٢٧٩٥/١ الثانية، فجعل الناس يبايعونه، وتلكأ علىّ، فقال عبد الرحمن : ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْ فَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾(١)؛ فرجع علىّ بشقّ(٢) الناس؛ حتى بايع وهو يقول: (١) سورة الفتح ١٠. (٢) النويرى: ((فشق)). ٢٧٩٤/١ ٢٣٩ سنة ٢٣ خدعة وأيَّما خَدعة ! قال عبد العزيز: وإنما سبب قول علىّ: ((خدعة))؛ أن عمرو بن العاص كان قد لقى عليًّا فى ليالى الشورى ، فقال: إنّ عبد الرحمن رجل مجتهد ، وإنّه منى أعطيتَه العزيمة كان أزهدَ له فيك ؛ ولكن الجهد والطاقة؛ فإنه أرغبُ له فيك . قال: ثم لقى عثمان، فقال: إنّ عبد الرحمن رجل مجتهد؛ وليس والله يبايعك إلاّ بالعزيمة، فاقبَل؛ فلذلك قال علىّ: ((خَدَعة)). قال: ثم انصرف بعثمان إلى بيت فاطمة ابنة قيس ، فجلس والناس معه ، فقام المغيرة بن شعبة خطيبًا ، فقال: يا أبا محمد ، الحمد لله الذى وفّقك؛ والله ما كان لها غير عثمان - وعلىّ جالس- فقال عبدالرحمن: يابن الدّباغ؛ ما أنت وذاك! والله ما كنت أبايع أحداً إلاّ قلتَ فيه هذه المقالة ! قال : ثم جلس عثمان فى جانب المسجد ؛ ودعا بعبيد الله بن عمر - وكان محبوساً فىدار سعد بن أبى وقاص، وهو الذى نزع السيف من يده بعد قتله جُفينة والهُرمزان وابنة أبى لؤلؤة، وكان يقول: والله لأقتلنّ رجالا ممن شرك فى دم أبى - يعرّض بالمهاجرين والأنصار - فقام إليه سعد ، فنزع السيف من يده ؛ وجذب (١) شعره حتى أضجعه إلى الأرض، وحبسه فى داره حتى أخرجه عثمان إليه ؛ فقال عثمان لجماعة من المهاجرين والأنصار : أشيروا علىّ فى هذا الذى فتَقّ فى الإسلام ما فتَق، فقال علىّ : أرى أن تقتله ، فقال بعض المهاجرين : قتل عمر أمس (٢) ويقتل ابنه اليوم! فقال عمرو بن العاص: يا أمير المؤمنين؛ إنّ اللّه قد أعفاك أن يكون هذا الحدث كان ولك على المسلمين سلطان ؛ إنما كان هذا الحدّث ولا سلطان لك ؛ قال عثمان : أنا وليّهم ، وقد جعلتها ديةً ، واحتملتها فى مالى . ٢٧٩٦/١ قال : وكان رجل من الأنصار يقال له زياد بن لبيد البيّاضىّ إذا رأى عبيد الله بن عمر ، قال : ألا با عبيدَ الله مالك مهربٌ ولا مَلْجَأُ مِنْ اِبْنِ أَرْوَى ولا خَفَرْ (١) فى: ((جبذ)). (٢) ف وابن كثير: ((بالأمس)). ٢٤٠ سنة ٢٣ حراماً وقتلُ الُهُرْمُزانِ له خَطَرْ أصْبْتَ دِمَا والله فى غير حِلّه أَتَتْهِمُونَ الهُرمزَان على عمرْ على غيرِ شىءٍ غيرَ أن قال قائلٌ نَعَم ◌ِنَّهِمْه قد أشار وقد أمر فقال سَفَيْهٌ - والحوادث جَّة يُقَلبها والأمرُ بالأمرِ يُعتَبرْ وکان سلاحُ العبدِ فی جوف بيتهِ قال : فشکا عبيد الله بنعمر إلى عثمان زياد بن لبيد وشعره، فدعا عثمان زياد بن لبيد ، فنهاه . قال : فأنشأ زياد يقول فى عمان: أبا عمروٍ عبيدُ الله رَحْنٌ فلا تَشْكُكْ بَقَتْلِ الْهُمِزّان فإِنِك إنْ غَفَرْتَ الجرْمَ عنه وأسبابُ الخَطا فَرَسَا رِهانٍ فما لك بالذى تَحْكى يدان! أتَعْفُو إذْ عَفَوَتَ بغيرِ حَقّ ٢٧٩٧/١ فدعا عثمان زياد بن لبيد فنهاه وشذّبه . كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب، عن سيف ، عن يحيى بن سعيد ، عن سعيد بن المسيّب ، أن عبد الرحمن بن أبى بكر قال غداة طُعِن عمر : مررت على أبى لؤلؤة عشىّ أمس ؛ ومعه جُفَينة والهرمزان ، وهم نجىّ ، فلما رهِقْتهم (١) ثاروا، وسقط منهم خنجر له رأسان ، نصابُه فى وسطه؛ فانظروا بأىّ شىء قتل ؛ وقد تخلل أهل المسجد ، وخرج فى طلبه رجل من بني تميم ، فرجع إليهم التميمىّ، وقد كان ألظًّ(٢) بأبى لؤلؤة منصرفته عن عمر ، حتى أخذه فقتله ؛ وجاء بالخنجر الذى وصفه عبد الرحمن بن أبى بكر ، فسمع بذلك عُبيد الله بن عمر ؛ فأمسك حتى مات عمر ؛ ثمّ اشتمل على السيف ؛ فأتى الهرمزان فقتله؛ فلما عضّه السيف قال: ((لا إله إلا الله)). ثمّ مضى حتى أتى جُفينة - وكان نصرانيًّا من أهل الحيرة ظهرًا لسعد بن مالك، أقدمه إلى المدينة للصلح الذى بينه وبينهم، وليعلّم بالمدينة الكتابة- فلما علاه بالسيف صلّب بين عينيه . وبلغ ذلك صهيبًا، فبعث إليه عمرو بن العاص، فلم يزل (١) رهقتهم : ضيقت عليهم . (٢) ألظ به : أمسكه .