Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢١
سنة ٢١
ما دهم المسلمين من ذلك ؛ وكان ممن نهض الجرّاح بن سنان الأسدى فى
نفر، فقال عمر: إنّ الدليل على ما عندكم من الشرّ نهوضُكم فى هذا الأمر،
وقد استعدّ لكم من استعدّوا، وإيم اللّه لا يمنعنى ذلك من النظر فيما لديكم
وإن نزلوا بكم . فبعث عمر محمد بن مسلمة ، والناس فى الاستعداد للأعاجم ،
والأعاجم فى الاجتماع .. وكان محمد بن مسلمة هو صاحب العمّال الذى يقتص
آثارمَن ◌ُشكِىَ زمان عمر- فقدم محمد على سعد ليطوفَ به فى أهل الكوفة،
والبعوث تضرّب على أهل الأمصار إلى نهاوند ، فطوّف به على مساجد أهل
الكوفة ، لا يتعرّض للمسألة عنه فى السرّ، وليست المسألة فى السرّ من شأنهم
إذْ ذاك ؛ وكان لا يقف على مسجد فيسألهم عن سعد إلاّ قالوا: لا نعلم إلاّ
خيراً، ولا نشتهى به بدلاً ، ولا نقول فيه، ولا نعين عليه؛ إلاّ مَنْ مالاً
الجرّاح بن سنان وأصحابه؛ فإنهم كانوا يسكتون لا يقولون سوءاً(١) ، ولا يسوغ
لهم ، ويتعمَّدون ترك الثناء ، حتى انتهوا إلى بنى عبس ، فقال محمد : أنشد
باللّه رجلاً يعلم حقًّا إلاّ قال! قال أسامة بن قتادة : اللهمّ إن نشدتنا فإنه
لا يقسم بالسويّة، ولا يعدلُ فى الرعيّة(٢)، ولا يغزو فى السريّة. فقال سعد:
اللهمّ إن كان قالها كاذبًاً(٣) ورثاءً وسمعة فأعمِ بصرَه، وأكثر عياله ،
وعرّضه لمضَلاّت الفتن. فعمِىَ، واجتمع عنده عشر بنات، وكان يسمع ٢٦٠٧/١
بخبر المرأة فيأتيها حتى يحسّها؛ فإذا عُثر (٤) عليه قال: دَعْوةُ سعد الرّجل
المبارك . ثم أقبل على الدّعاء على النَّفر ، فقال: اللهمّ إن كانوا خرجوا أشراً
وبطراً وكذبًا فاجهد بلاءهم؛ فجُهد بلاؤهم، فَقُطَّع الجرّاح بالسيوف يوم
ثاوَرَ الحسنَ بنَ علىّ ليغتالَّه بساباط، وشُدخ قبيصة بالحجارة، وقُتل أربد
بالوَجْء(٥) وبنعال السيوف (٦). وقال سعد: إنىّ لأوّل رجل أهرق دمًا من
المشركين ؛ ولقد جمع لى رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم أبويه، وما جمعهما
الأحد قبلى ، ولقد رأيتُنى خُمس الإسلام ، وبنو أسد تزعم أنّى لا أحسن
(١) ابن حبيش ((شرا)).
(٣) ابن الأثير وابن كثير: ((كذبا)).
(٥) الحجم : الضرب فى أى موضع كان .
(٦) فعل السيف : ما يكون من أسفل غمده .
(٢) ابن الأثير: ((القضية)).
(٤) ابن حبيش وابن كثير: ((غير)).

١٢٢
٢٦٠٨/١
٢٦٠٩/١
سنة ٢١
أن أصلّى، وأن الصيد يُلهينى. وخرج محمد به وبهم إلى عمر حتى قدموا عليه ،
فأخبره الخبر، فقال: يا سعد؛ ويحك، كيف تُصَلَّى! فقال: أطيل الأوليين،
وأحذف الأُخْريين، فقال : هكذا الظنّ بك ! ثم قال: لولا الاحتياط لكان
سبيلُهم بيّناً، ثمّ قال: مَنْ خليفتُك يا سعد على الكوفة؟ قال: عبد الله
ابن عبد الله بن عِشْبان ، فأقرّه واستعمله ؛ فكان سبب نهاوند وبدء مشورها
وبعونها فى زمان سعد ؛ وأما الوقعة ففى زمان عبد الله .
قالوا: وكان من حديثهم أنهم نفروا لكتاب يزدجرد الملك، فتوافَوْا
إلى نهاوند، فتوافى إليها من بين خُراسان إلى حُلوان؛ ومن بين الباب إلى
حلوان، ومن بين سجستان إلى خُلوان؛ فاجتمعت حَكْبة فارس والفَهْلوج أهل
الجبال من بين الباب إلى حُلوان ثلاثون ألف مقاتل ؛ ومن بين خراسان إلى
حُلوان ستون ألف مقاتل ، ومن بين سِجِسْتان إلى فارس وحلوان ستون
ألف مقاتل ؛ واجتمعوا على الفيرُزان ، وإليه كانوا توافَوْا وشاركهم موسى .
عن حمزة بن المغيرة بن شعبة ، عن أبى طعمة الثقفىّ- وكان قد أدرك
ذلك - قال: ثم إنهم قالوا: إنّ محمّداً الذى جاء العربَ بالدين لم يغرّضْ
غرضنا ، ثم ملكهم أبو بَكْر من بعده فلم يغرَض غَرَض فارس؛ إلاّ
فى غارة تعرّض لهم فيها ، وإلاّ فيما يلى بلادهم من السواد . ثم ملك عمر من
بعده ، فطال ملكه وعَرُض ؛ حتى تناولكم وانتقصكم السواد والأهواز ،
وأوطأها، ثم لم يرضَ حتى أتى أهلَ فارس والمملكة فى عُقْرٍ دارهم، وهو آتيكم
إن لم تأتوه؛ فقد أخرب بیتمملکتكم، واقتحم بلاد ملککم، وليس بمنته حتى
تخرجوا من فى بلادكم من جنوده ، وتقلعوا هذين المِصْرين ، ثم تشغلوه فى
بلاده وقراره . وتعاهدوا وتعاقدوا ، وكتبوا بينهم على ذلك كتابًا ، وتمالئوا عليه .
وبلغ الخبرُ سعداً، وقد استخلف عبد الله بن عبد اللّه بن عِشْبان.
ولمّا شَخَص لفى عمرَ بالخبر مشافهة، وقد كان كتب إلى عمر بذلك ، وقال :
إنّ أهل الكوفة يستأذنونك فى الانسياح قبل (١) أن يبادر وهم الشدّة - وقد كان
عمر منعتهم من الانسياح فى الجبل .
(١) ط: ((فى))، وانظر الصفحة التالية س ٢.

١٢٣
سنة ٢١
وكتب إليه أيضًا عبدُ اللّه وغيره بأنه قد تجمّع منهم خمسون ومائة ألف
مقاتل؛ فإن جاءونا قبل أن نبادرهم الشَّدّة ازدادوا جرأة وقوّة ؛ وإن نحن
عاجلناهم كان لنا ذلكم؛ وكان الرسول بذلك قَريب بن ظَفَر العبدىّ .
ثم خرج سعد بعدَه فوافَى مشورة ◌ُمر ؛ فلما قدم الرسول بالكتاب إلى
عمر بالخبر فرآه قال: ما اسمك ؟ قال : قَريب، قال : ابن مَن ؟ قال :
ابن ظّفَر؛ فتفاءل إلى ذلك، وقال: ظَفَر قريب إن شاء اللّه ، ولا قوّة
إلاّ بالله! ونودى فى الناس: الصلاة جامعة! فاجتمع الناس ، ووافاه سعد ،
فتفاءل إلى سعد بن مالك، وقام على المنبر خطيباً ، فأخبر الناس الخبر ،
واستشارهم، وقال: هذا يوم له ما بعده من الأيام ؛ ألا وإنى قد هممتُ بأمر ٢٦١٠/١
وإنى (١) عارضه عليكم فاسمعوه، ثم أخبرونى وأوجزوا ، ولا تنازعوا فتفشلوا
وتذهب ريحُكم، ولا تكثروا ولا تطيلوا، فتُفْشَغ (٢) بكم الأمور، ويلتوى
عليكم الرأى ؛ أفِنِ الرّأى أن أسيرَ فيمن قبلى ومن قدرتُ عليه ، حتى أنزل
منزلا واسطا بين هذين المصرين ، فأستنفرهم ثم أكونَ لهم رِدْءًا حتى يفتح
اللّه عليهم، ويقضى ما أحبّ؛ فإنّ فَتْحَ اللّه عليهم أن أضرّبهم عليهم
فى بلادهم ؛ وليتنازعوا ملكتهم. فقام عثمان بن عفّان، وطلحة بن عبيد اللّه ،
والزبير بن العوّام ، وعبد الرحمن بن عَوْف ؛ فى رجال من أهل الرّأى من
أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فتكلموا كلامًا ، فقالوا: لا نرى
ذلك؛ ولكن لا يغيبَنِّ" عنهم رأيُك وأثرك، وقالوا: بإزائهم وجوه العرب وفرسانهم
وأعلامهم ، ومَن قد فضّ جموعهم ، وقتل ملوكهم ، وباشر من حروبهم
ما هو أعظمُ من هذه؛ وإنما استأذنوك ولم يستصرخوك، فأذَنْ لهم، واندُب
إليهم، وادعُ لهم. وكان الذى ينتقد له الرأى إذا عُرِض عليه العباس رضى
اللّه عنه .
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب ، عن سيف ، عن حمزة ، عن
أى ◌ُطُعْمة ، قال : فقام علىّ بن أبى طالب عليه السلام فقال : أصاب
القوم يا أميرَ المؤمنين الرّأىَ، وفهموا ما كُتِب به إليك؛ وإنّ هذا ٢٦١١/١
(٢) الفشغ والانفشاغ: اتساع الشىء وانتشاره.
(١) ابن حبيش: (وأنا)).

١٢٤
سنة ٢١
الأمر لم يكن(١) نصره ولا خذلانه لكثرة ولا قلّة (٢)؛ هو دينه الذى
أظهر؛ وجنده الذى أعزّ، وأيّده (٣) بالملائكة؛ حتى بلغ ما بلغ؛ فنحن (٤)
على موعود من الله، والله منجزٌ وعنده ، وناصر جنده ؛ ومكانك منهم مكان
النظام(٥) من الخرز، يجمعه ويمسكه؛ فإن انحلّ تفرّق ما فيه وذهب، ثم
لم يجتمع بحذافيره أبداً . والعرب اليوم وإن كانوا قليلاً فهى (٦) كثير عزيز
بالإسلام ؛ فأقم واكتب إلى أهل الكوفة فهم أعلام العرب ورؤساؤهم؛ ومَن
لم يحفل بمن هو أجمع (٧) وأحدٌّ وأجدُّ من هؤلاء فليأتهم الثلثان وليُقُم الثلث ؛
واكتب إلى أهل البصرة أن يمدُوهم ببعض مَن عندهم .
فسرّ عمر بحسن رأيهم ، وأعجبه ذلك منهم . وقام سعد فقال :
يا أميرَ المؤمنين ؛ خفِّضْ عليك، فإنهم إنما جمِعوا لِنقْمة.
كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن أبى بكر الهذلىّ،
قال: لما أخبرهم ◌ُمر الخبر واستشارهم ، وقال: أوجزوا فى القول، ولا تُطِيلوا
٢٦١٢/١ فتفْشغَ بكم الأمور، واعلموا أنّ هذا يومٌ له ما بعده من الأيّام، تكلّموا،
فقام طلحة بن عبيد الله - وكان من خُطباء أصحاب رسول اللّه صلى اللّه
عليه وسلم - فتشهّد، ثمّ قال: أما بعد يا أميرَ المؤمنين، فقد أحكمتْك
الأمور ، وعجمتْك البلايا(٨)، واحتنكتْك التجارب ، وأنت وشأنك؛ وأنت
ورأيك، لا نتَنْبو فى يديْك، ولا نَكلّ عليك، إليك هذا الأمر، فمرنا نُطِيع،
وادْعُنا نجب ، واحمِلْنا نركب، ووفِّدْ نا نفِد، وقُدْنَا نَنقد؛ فإنّك ولىّ هذا
الأمر ، وقد بلوتَ وجرّبت واختبرتَ؛ فلم ينكشف شىء من عواقب قضاء الله لك
إلاّ عن خيار. ثم جلس. فعاد مُمر فقال: إنّ هذا يومٌ له ما بعده من الأيام،
فتكلّموا. فقام عثمان بن عفّان، فتشهّد، وقال: أرى يا أميرَ المؤمنين أن تكتب
إلى أهل الشأم فيسيروا من شأمهم، وتكتبَ إلى أهل اليمن فيسيروا من يمنهم ،
(١) ابن حبيش: ((لم يبن)).
(٢) ابن حبيش: ((ولقلة)).
(٣) ابن حبيش وابن كثير: ((وأمده)).
(٤) ابن حبيش: ((ونحن)).
(٥) النظام: الخيط الذى ينظم به الخرز وغيره. (٦) ابن كثير: ((وهم)).
(٧) س: ((اجتمع)).
(٨) ابن الأثير: ((البلابل)).

١٢٥
سنة ٢١
ثم تسير أنت بأهل هذين الحرمين إلى المصرين: الكوفة والبصرة، فتلقى جمع
المشركين بجمع المسلمين ؛ فإنك إذا سرتَ بمَن معك وعندك قلَّ فى نفسك
ما قد تكاثر من عدد القوم ، وكنتَ أعزّ عزًّا وأكثر ؛ يا أمير المؤمنين
إنك لا تستبقى من نفسك بعد العرب باقية، ولا تْمتَعَ من الدنيا بعزيز، ولا
تلوذُ منها بحريز؛ إنّ هذا اليوم له ما بعده من الأيام ، فاشهده برأيك وأعوانك ٢٦١٣/١
ولا تغيب عنه . ثم جلس .
فعاد(١) عمر، فقال: إنّ هذا يومٌ(٢) له ما بعده من الأيام، فتكلموا؛
فقام على بن أبى طالب فقال : أمّا بعد يا أمير المؤمنين ؛ فإنك إن أشخصتَّ
أهل الشأم من شأمهم سارت الرّوم إلى ذراريّهم، وإن أشخصتَ أهل اليمن
من يمنهم سارت الحبشة إلى ذراريّهم، وإنك إنْ شخصت من هذه الأرض
انتقضتْ عليك الأرضُ(٣) من أطرافها وأقطارها، حتى يكون ما تدع وراءك
أهمَّ إليك (٤) مما بين يديك من العَوْرات والعيالات؛ أقرر هؤلاء فى أمصارهم،
واكتب إلى أهل البصرة فليتفرّقوا(٥) فيها ثلاث فِرَق، فلتقم فرقة لهم فى
حُرَمهم وذراريتهم، ولتقم فرقة فى أهل عهدهم، لئلاّ ينتقضوا عليهم، ولتسِرْ
فرقة إلى إخوانهم بالكوفة مدداً لهم؛ إنّ الأعاجم إن ينظروا إليك غداً
قالوا: هذا أمير العرب، وأصل العرب؛ فكان ذلك أشدّ لكلبهم، وألّبْتَهم
على نفسك . وأمّا ما ذكرت من مسير القوم فإنّ اللّه هو أكرَه لمسيرهم منك،
وهو أقدرُ على تغيير ما يكره ؛ وأمّا ما ذكرتَ من عددهم ؛ فإنا لم نكن نقاتل
فيما مضى بالكثرة ؛ ولكنّا كنا نقاتل بالنصر.
فقال عمر : أجل واللّه، لئن شخصتُ من البلدة (٦) لتنتقضَنّ علىّ"
الأرض من أطرافها وأكنافها، ولئن نظرتْ إلىّ الأعاجم لا يفارقُنّ" (٧) ١/ ٢٦١٤
العرْصة، وَلَيُمدّهم مَن لم يُمِدّهم، وليقولُنّ: هذا أصل العرب ؛ فإذا
(١) ابن حبيش: ((ثم عاد)).
(٢) ابن حبيش: ((اليوم)).
(٣) س وابن الأثير والنويرى: ((العرب)).
(٤) ابن حبيش: ((عليك)).
(٥) ابن حبيش: ((فليفترقوا))؛ النوبرى: ((أن يتفرقوا)).
(٦) ابن حبيش: ((البلد)).
(٧) ابن حبيش: ((لايفارقون)).

١٢٦
سنة ٢١
اقتطعتموه اقتطعتم أصل العرب ، فأشيروا علىّ برجل أولِّه (١) ذلك الثغر غداً.
قالوا : أنتَ أفضلُ رأيًا، وأحسن مقدرة ، قال : أشيروا علىّ به ، واجعلوه
عراقيًّا. قالوا: يا أميرَ المؤمنين، أنت أعلمُ بأهل العراق ، وجندك قد وفدُوا
عليك ورأيتَهم وكلّمتهم، فقال: أما والله لأولّينّ أمرّهم رجلاً ليكونَنّ لأوّل
الأسنّة إذا لقّها غداً ، فقيل : مَن يا أمير المؤمنين ؟ فقال : النعمان بن
مقرِّن المُزْنِىّ . فقالوا: هولها - والنعمان يومئذ بالبصرة معه قوّاد من قوّاد أهل
الكوفة أمدّهم بهم عمر عند انتقاض الهُرْمُزان؛ فافتتحوا رامتَهُرْمُزُ وإيذَج ،
وأعانوهم على تُسْتَرِ وجُنْدَىْ سابور والسُّوس. فكتب إليه عمر مع زِرّ بن
كُليب والمقصّرِب الأسود بن ربيعة بالخبر ؛ وأنّى قد وليتك حربَهم ، فسرْ
من وجهِك ذلك حتى تأتىَ ماه ، فإنى قد كتبتُ إلى أهل الكوفة أن يوافوك
بها ، فإذا اجتمعَ لك جنودُك فسرْ إلى الفَيْرُزان ومَن تجمّع إليه من الأعاجم
من أهل فارس وغيرهم ، واستنصروا اللّه، وأكثروا من قول: لا حول ولا قوّة
إلاّ بالله.
٢٦١٥/١
وروی عن أبى وائل فیسبب توجیه عمتر النعمان بن مقرّن إلی نهاوند ،
ما حدّثنى به محمد بن عبد الله (٢) بن صَفْوان الفَّقَفِىّ، قال: حدّثنا أميّة بن
خالد ، قال : حدّثنا أبو عوانة ، عن حُصين بن عبد الرحمن ، قال :
قال أبو وائل : كان النُّعمان بن مقرّن على كَسْكَرَ ، فكتب إلى عمر :
مَثَلى ومثَل كَسْكر كمثل رجل شابّ وإلى جنبه مُومسة تلوّنُ له وتَعَطّر،
فأنشدك الله لما عزلَتنى عن كَسْكر، وبعثتَى إلى جيش من جيوش المسلمين!
قال : فكتب إليه عمر : أن انت الناس بنهاوند ، فأنت عليهم . قال:
فالتقوا، فكان أوّلَ قتيل، وأخذ الراية أخوه سُويد بن مقرّن، ففتح الله
على المسلمين؛ ولم يكن لهم - يعنى للفرس - جماعة بعد يومئذ ؛ فكان أهل
كلّ مصر يغزُون عدوّهم فى بلادهم .
(١) ابن حيبش: ((أوليه)).
٠
(٢) ط: ((عبيد الله))، والصواب ما أثبته.

١٢٧
سنة ٢١
رجع الحديث إلى حديث سيف. وكتب ــ يعنى عمر - إلى عبد الله بن
عبد الله مع رِبْعىّ بن عامر، أن استنفر من أهل الكُوفة مع النُّعمان كذا وكذا ،
فإنى قد كتبتُ إليه بالتوجُّه من الأهواز إلى ماه، فلْيوافُوه بها ، وليسر بهم إلى
نهاوند ؛ وقد أمرت عليهم حُذيفة بن اليمان ، حتى ينتهى إلى النعمان بن
مقرّن؛ وقد كتبت إلى النعمان: إن حَدَث بك حدَث فعلى الناس حُذيفة بن
اليَمان؛ فإن حَدَث بحُذيفة حدث فعلى الناس نُعيم بن مقرّن، ورُدّ قَريب
ابن ظَفَر وردّ معه السائب بن الأقرع أمينًا. وقال: إن فتح اللّه عليكم
٢٦١٦/١
فاقسم ما أفاء الله عليهم بينهم، ولا تخدعنى ولا ترفع إلىّ باطلا، وإن نُكِب
القوم فلا ترانى ولا أراك . فقدما إلى الكوفة بکتاب عمر بالاستحثاث ؛
وكان أسرع أهل الكوفة إلى ذلك الرّوادف، ليبلُوا فى الدّين ، وليدرِكُوا
حظًا ، وخرج حُذيفة بن اليمان بالناس ومعه نُعيم حتى قدموا على
النّعمان بالطّزْر، وجعلوا بمرْج القلعة خيلاً عليها النُّسَيْر. وقد كتب
عمر إلى سُلْمى بن القيْن وحَرْملة بن مُريطة وزرّ بن كليب والمقترِب
الأسود بن ربيعة ، وقوّاد فارس الذين كانوا بين فارس والأهواز، أن اشغلوا
فارس عن إخوانكم، وحوطوا بذلك أمتكم وأرضكم ، وأقيموا علىحدود مابين
فارس والأهواز حتى يأتيكم أمرى. وبعث مجاشع بن مسعود السُّلَمِىّ إلى
الأهواز، وقال له : انصُلْ'(١) منها على ماه؛ فخرج حتى إذا كان
بغُضَى شجَر، أمره النعمان أن يقيم مكانه ، فأقام بين غُضَى شجر ٢٦١٧/١
وصَرْج القلعة، ونَصَل سُلْمى وحَرْملة وزرّ والمقترب، فكانوا فى تخُوم
إصبتهان وفارس ، فقطعوا بذلك عن أهل نهاوند أمداد فارس .
ولما قدم أهلُ الكوفة على النعمان بالطّزَر جاءه كتاب عمر مع قَريب :
إنّ معك حدَّ العرب ورجالهم فى الجاهليّة، فأدخِلْهم دون مَن هو دونهم
فى العلم بالحرب، واستعنْ بهم، واشرب برأيهم، وسلْ طليحة وَعمْراً وعمرا
ولا تُوَلهُم شيئًا. فبعث من الطَّزَر طليحة وَمراً وعَمْرًا طليعة ليأتوه بالخبر، وتقدّم
(١) انصل، أى أخرج .

١٢٨
سنه ٢١
إليهم ألا يَغِلُوا. فخرج طُليحة بن خويلد وَمْرو بن أبى سُلْمَى العَنَزَىّ،
وعمرو بن معد يكرب الزُّبيديّ، فلما ساروا يوماً إلى الليل رجع عمرو بن
أبى سُلمَى ، فقالوا : ما رَجعك؟ قال : كنت فى أرض العجم ؛ وقتلتْ
أرضٌ جاهلها ، وقتل أرضًا عالمُها . ومضى طليحة وعمرو حتى إذا كان من
آخر الليل رجع عمرو، فقالوا : ما رجعك ؟ قال : سرْنا يومًا وليلة، ولم
فَر شيئًا، وخفت أن يؤخذ علينا الطريق . ونفذ طليحة ولم يحفِل بهما . فقال
الناس : ارتد الثانية ، ومضى طُليحة حتى انتهى إلى نهاوند ، وبين الطّزّر
ونهاوند بضعة وعشرون فرسخًا . فعلم علىَ القوم ، واطلع على الأخبار ، ثم
٢٦١٨/١ رجع حتى إذا انتهى إلى الجمهور كبّر الناس، فقال: ما شأنُ الناس؟ فأخبر وه
بالذى خافوا عليه، فقال: والله لولم يكن دينٌ إلا العربية ما كنت لأُجزر (١)
العُجْم الطماطم (٢) هذه العرب العاربة . فأتى النعمان فدخل عليه ، فأخبروه
الخبر (٣)، وأعلمه أنه ليس بينه وبين نهاوند شىء يكرهه، ولا أحد.
فنادى عند ذلك النعمان بالرّحيل، فأمرهم بالتّعبية . وبعث إلى مجاشع بن
مسعود أنْ يسوقَ الناس ، وسار النعمان على تعبيته ، وعلى مقدّمته نُعيم بن
مقرّن ، وعلى مجنِّبتية حُذيفة بن اليمان وسويد بن مقرّن ، وعلى المجرّدة القعقاع
ابن عمرو ، وعلى الساقة مجاشع ؛ وقد توافى إليه أمدادُ المدينة ، فيهم المغيرة
وعبد الله، فانتهوا إلى الإسبيذ هان والقوم وقوف دون واى خُرْد على تعبيتهم
وأميرُهم الفيرُزان، وعلى مجنَبيته الزردُق وبَهْمن جاذَوَيْه الذى جُعِل مكان
ذى الحاجب، وقد توافى إليهم بِنهاوند كلّ منْ غاب عن القادسيَّة والأيام
من أهل الثغور وأمرائها وأعلامٌ من أعلامهم ليسوا بدون مَن شهد الأيام
٢٦١٩/١ والقوادس، وعلى خيولهم أنوشق. فلما رآهم النعمان كبّر وكبّر الناس معه
(١) يقال: أجزر فلانا شاة؛ أى أعطاه إياها ليذبحها؛ يريد: ماكنت أمكن العجم من العرب.
وفى ابن الأثير: ((لأحرز)).
(٢) الطماطم : العجم ؛ قال الأفوه :
سودٌ طماطمُ فى آذانِهَا النَّطَفُ
كالأسودِ الحبشىّ الْخَمْسِ يَتبِعُهُ
(٣) ابن حبيش: ((بالخبر)).

١٢٩
سنة ٢١
فتزلزلت(١) الأعاجم ، فأمر النعمان وهو واقف بحط الأثقال ، وبضرْب
القُسطاط ، فضرِب وهو واقف؛ فابتدره أشرافُ أهل الكوفة [ وأعيانهم ، فسبق
إليه يومئذ عدّة من أشراف أهل الكوفة] (٢) تسابقوا فبنوا له فسطاطًا سابقوا
أكفاءهم فسبقوهم ؛ وهم أربعة عشر، منهم حذيفة بن اليمان ، وعُقْبة بن
عمرو (٣)، والمغيرة بن شعبة، وبشير بن الخصاصيّة، وحنظلة الكاتب بن
الربيع (٤)، وابن الهوْبر، ورِبعىّ بن عامر، وعامر بن مَطَر، وجرير بن
عبد الله الحميرىّ، والأقرع بن عبد الله الحميرىّ، وجرير بن عبد الله البَجَلىّ،
والأشعث بن قيس الكندىّ، وسعيد بن قيس الهمْدَانىّ ، ووائل بن حُجْر ،
فلم يُرَ بُنَّاءُ فسطاط بالعراق كهؤلاء . وأنشب النعمان بعد ما حطّ الأثقال
القتال ؛ فاقتتلوا يومَ الأربعاء ويوم الخميس ، والحرْب بينهم فى ذاك سجال
فى سبع سنين من إمارة ◌ُمر ، فى سنة تسع عشرة، وإنهم انجحروا فى خنادقهم
يومَ الجمعة، وحصرهم المسلمون ، فأقاموا عليهم ما شاء الله والأعاجم بالخيار ؛
لا يخرجون إلاّ إذا أرادوا الخروج، فاشتدّ ذلك على المسلمين، وخافوا أن
يطولَ أمرُهم [وسرّهم أن يناجزهم عدوّهم](٥) ؛ حتى إذا كان ذات يوم فى
جمعة من الجُمع تجمّع (٦) أهل الرأى من المسلمين، فتكلموا، وقالوا : نراهم
علينا بالخيار . وأتوا النعمان فى ذلك فأخبروه، فوافقوه (٧) وهو يُروَّى فى
الذى رَوَّ وْا فيه. فقال: على رِسْلكم، لا تبرحوا! وبعث (٨) إلى مَنْ بقى
من أهل النجدات والرّأى فى الحروب، فتوافوا إليه، فتكلّم النعمان، فقال:
قد تروْن المشركين واعتصامَهم بالخصون من الخنادق والمدائن ؛ وأنهم
لا يخرجون إلاّ إذا شاءوا، ولا يقدر المسلمون على إنغاضهم (٩) وانبعاثهم
قبل مشيئتهم ؛ وقد تَرَوْن الذى فيه المسلمون من التضايق بالذى هم فيه وعليه
من الخيار عليهم فى الخروج ؛ فما الرأى الذى به نُحمِشهم ونستخرجهم إلى
٢٦٢٠/١
(١) ابن حبيش وابن كثير: ((فزلزلت)).
(٣) ابن الأثير: ((عامر)).
(٥) من ابن حبيش .
(٧) ابن الأثير: ((فوافوه)).
(٢) من ابن حبيش .
(٤) ابن حبيش: ((حنظلة بن الربيع الكاتب)).
(٦) م: ((جمع)).
(٨) ابن حبيش: ((ثم بعث)).
(٩) ط: ((انقاضهم))، ابن الأثير والنويرى: ((إخراجهم))، وإنغاضهم، أى تحريكهم.

١٣٠
سنة ٢١
المنابذة ، وترك التطويل ؟
فتكلم عمروبن ثُبِىّ - وكان أكبرَ الناس يومئذ سنًّا، وكانوا إنّما يتكلمون
على الأسنان - فقال: التحصّن عليهم أشدّ من المطاولة عليكم، فدعهم ولا
١ /٢٦٢١ تحرِجْهم(١) وطاولهم، وقاتلْ مَن أتاك منهم؛ فردُّوا عليه جميعًا (٢) رأيه.
وقالوا : إنا على (٣) يقين منْ إنجاز ربّنا موعدَه لنا.
وتكلّم عمروبن معديكرب ، فقال: ناهدْهم وكاثِرْهم (٤) ولا تَخَفْهم.
فردُّوا عليه جميعًا رأيه، وقالوا: إنما تناطح بنا الجُدران، والجُدران لهم أعوان
علينا .
وتكلّم طليحة فقال : قد قالا ولم يصيبا ما أرادا ؛ وأمّا أنا فأرى أن
تبعث خيلاً مؤدية، فيُحدِقوا بهم ، ثم يرموا ليُنشبوا القتال ، ويحمِشوهم ؛
فإذا استحمَشُوا واختلطوا بهم وأرادوا الخروج أرزوا إلينا استطراداً ؛ فإنّا لم
نستطرِدْ لهم فى طول ما قاتلناهم، وإنّا إذا فعلنا ذلك ورأوْا ذلك منَّا طمِعوا فى
هزيمتنا ولم يشكُّوا فيها ، فخرجوا فجادّونا وجاددناهم ؛ حتى يقضىَ الله فيهم
وفينا ما أحبّ .
فأمر النعمان القعقاع بن عمرو - وكان على المجرّدة - ففعل ؛ وأنشب
القتال بعد احتجاز من العجم، فأنغَضَهم فلمّا خرجوا نكتَص ، ثم نكص ،
٢٦٢٢/١ ثم نكص، واغتنمها الأعاجم، ففعلوا كما ظنَّ طُليحة وقالوا: هى هى ؛
فخرجوا فلم يبقَ أحدٌ إلاّ من يقومُ لهم على الأبواب ؛ وجعلوا يركبونهم حتى
أرَز القعقاع إلى الناس ، وانقطع القومُ عن حصنهم بعض الانقطاع ؛ والنعمان
ابن مقرّن والمسلمون على تعبيتهم فى يوم جُمعة فى صدر النهار ، وقد عهد
النّعمان إلى الناس عهدَه ، وأمرهم أن يلزموا الأرض ولا يقاتلوهم حتى يأذن
لهم؛ ففعلوا واستتروا بالحجف من الرّمى، وأقبل المشركون عليهم يرمُونهم
حتى أفشوْا فيهم الجراحات ، وشكا بعضُ الناس ذلك إلى بعض ، ثم قالوا
للنعمان : ألاَ ترى ما نحن فيه ! ألا ترى إلى ما لقىَ الناس، فما تنتظر بهم !
(٢) ابن حبيش: ((جميعاً عليه)).
(١) س: ((لا تخرجهم)).
(٣) ابن حبيش وابن كثير: ((لعلى)).
(٤) س: ((نناهدهم وتكاثرهم)).

١٣١
سنة ٢١
ائذن للناس فى قتالهم ، فقال لهم النعمان : رُوَيَداً رُ وَيَداً! قالوا له ذلك مراراً ،
فأجابهم بمثل ذلك مراراً: رويداً. رويداً، فقال المغيرة: لو أنّ هذا الأمر إلىّ
علمتُ ما أصنع ! فقال: رويداً ترى أمرَك ؛ وقد كنت تلى الأمر فتُحسِن،
فلا يخذلنا اللّه ولا إيّاك؛ ونحن نرجو فى المكْث مثل الذى ترجو فى الحثّ.
وجعل النعمان ينتظر بالقتال إكمالَ ساعاتٍ كانت أحبّ(١) إلى رسول اللّه
صلى الله عليه وسلم فى القتال أن يلقى فيها العدوّ؛ وذلك عند الزّوال وتفيُّؤُ الأَفياء
ومهبّ الرياح(٢). فلما كان قريباً من تلك الساعة تحشْحش (٣) النعمان،
وسار فى الناس على برذون أحوَى قريب من الأرض ، فجعل يقف على كل
راية ، ويحمّد اللّه ويُثنِى عليه، ويقول: قد علمتم ما أعزّكم الله به من
هذا الدين ، وما وعدكم من الظهور ، وقد أنجز لكم هتوادىّ ما وعدكم
وصدورَه ؛ وإنما بقيت أعجازُه وأكارعه؛ واللّه منجزٌ وعدَه، ومتبعٌ آخر
ذلك أوّله، واذكروا ما مضى إذكنتم أذلّة، وما استقبلتم من هذا الأمر وأنتم
أعزّة، فأنتم اليوم عباد الله حقًّا وأولياؤه، وقد علمتم انقطاعكم من إخوانكم
من أهل الكوفة ، والذى لهم فى ظَفَركم وعزّكم ؛ والذى عليهم فى هزيمتكم
وذلكم، وقد تروْن مَنْ أنتم بإزائه من عدوّكم، وما أخطرتم وما أخطروا(٤)
لكم؛ فأمّا ما أخطروا لكم فهذه الرِّة(٥) وما ترون من هذا السواد، وأمّا
ما أخطرتم لهم فدينكم وبَيْضتكم، ولا سواءٌ ما أخطرتم وما أخطروا ؛ فلا
يكونُنّ على دنياهم أحمتى منكم على دينكم؛ واتّقتى اللّه عبدٌ صدق الله، ٢٦٢٤/١
وأبلى نفسه فأحسن البلاء ؛ فإنكم بين خبريْن منتظرَيْن؛ إحدى الحسنييْن ؛
من بین شهید حیّ مرزوق ، أو فتح قریب وظفر یسیر . فکفی کلّ رجل
ما يليه، ولم يكِلْ قِرْنَه إلى أخيه؛ فيجتمع عليه قِرِنه وقِرْن نفسه ، وذلك
من الملأمة ، وقد يقاتل الكلب عن صاحبه ؛ فكلّ رجل منكم مسلط على
ما يليه ؛ فإذا قضيت أمرى فاستعدّوا فإنى مكبر ثلاثاً ، فإذا كبرت التكبيرة
الأولى فليتهيّأُ مَنْ لم يكن تهيّاً؛ فإذا كبّرت الثانية فليشدّ عليه سلاحه ،
٢٦٢٣/١
(١) النويرى: ((أحب الساعات)).
(٣) تحشحش: ((تحرك)).
(٢) ابن حبيش: ((الأرواح)).
(٤) أخطرتم وأخطروا: تراهنتم وتراهنوا وتسابقوا.
(٥) الرثة : المتاع .

١٣٢
سنة ٢١
وليتأهب للنهوض ؛ فإذا كبّت الثالثة ؛ فإنىّ حامل إن شاء اللّه فاحملوا
معًاً. اللهمّ أعزّ دينَك، وانصر عبادك، واجعل النعمانَ أوّل شهيد اليوم
على إعزاز دينك ونصر عبادك !
فلما فرغ النعمان من التقدّم إلى أهل المواقف ، وقضى إليهم أمرَه ،
رجع إلى موقفه، فكبّر الأولى والثانية والثالثة ؛ والناس سامعون مطيعون مستعدّون
للمناهضة ، يُنَحِى بعضُهم بعضاً عن سنّنِهِم ، وحمل النُّعمان وحمل الناس،
٢٦٢٥/١ وراية النعمان تنقضُ نحوهم انقضاض العُقاب، والنعمان معلم ببياض القباء
والقلنسوة(١، فاقتتلوا بالسيوف١) قتالا شديداً لم يسمع السامعون بوقعة يوم قط
كانت أشدّ[قتالا] منها، فقتلوا فيها من أهل فارس فيما بين الزوال والإعتام
ما طبّق أرض المعركة دمًا يزلَقُ الناس والدوابُّ فيه، وأصيب فُرسان من فرسان
المسلمين فى الزَّلق فى الدّماء، فزلق فرس النعمان فى الدّماء فصرعه، وأصيب
النّعمان حين زلق به فرسه ؛ وصُرِع . وتناولَ الرّاية نُعيم بن مقرّن قبل أن
تقع، وسجّى النعمانَ بثوب، وأتى حذيفة بالرّاية فدفعها إليه ، وكان اللواء مع
حُذيفة ، فجعل حُذيفة نُعيمَ بن مقرّن مكانه ، وأتى المكان الذى كان فيه
النعمان فأقام اللواء ، وقال له المغيرة : اكتمُوا مصابَ أميركم حتى ننظر
ما يصنع الله فينا وفيهم ؛ لكيلاَ يهِنَ الناس؛ واقتتلوا حتى إذا أظلَّهم الليل
انكشف المشركون وذهبوا، والمسلمون ملظُّون بهم متلبّسون، فعُمّىَ عليهم
قصدُهم ، فتركوه وأخذوا نحو اللَّهْب الذى كانوا نزلوا دونه بإسبيذهان ،
فوقعوا فيه، وجعلوا لا يهوِى منهم أحد إلا قال: ((وايه خُرْد))، فسمّى بذلك
٢٦٢٦/١
(وایه خُرْد)» إلى اليوم ، فمات فيه منهم مائة ألف أو يزيدون ، سویمن قتل
فى المعركة منهم أعدادهم، لم يفلت إلاّ الشَّريد، ونجا الفيرُزان
بين الصّرعى فى المعركة، فهرب نحو همذان فى ذلك الشَّريد، فأتبعه
نُعيم بن مقرّن ، وقدّم القعقاع قدامهُ فأدركه حين (٢) انتهى إلى ثَنِيَة
هَمَذان، والثنيّة مشحونة من بغال وحمير موقرة عسلا، فحبسه (٣) الدواب
(١-١) ابن حبيش: ((فالتقوا بالسيف فاقتتلوا)).
(٢) ابن حبيش: ((حتى)).
(٣) ابن حبيش: ((فحبسته)).

١٣٣
سنة ٢١
على أجَلِه، فقتله على الشَّنيّة بعد ما امتنع، وقال المسلمون: إنّ لله جنوداً
من عسل ، واستاقوا العسلَ وما خالطه من سائر الأحمال، فأقبل بها، وسميت
الثنيّة بذلك ثَنِيّة العَسل؛ وإنّ الفيرُزان لمّا غشيه القعقاع نزل فتوقّل فى الجبل
إذ لم يجد مَساغاً ، وتوقّل القعقاع فى أثره حتى أخذه ، ومضى الفُلاّل حتى
انتهوا إلى مدينة هذان والخيل فى آثارهم ، فدخلوها، فنزل المسلمون عليهم،
وحوَوْا ما حولها ، فلما رأى ذلك خُسْرَوْشُنُوم استأمنهم، وقبِل منهم على أن
يضمن لهم هَمَذَان وَدْستَبى، وألاّ يؤتى المسلمون منهم ؛ فأجابوهم إلى
ذلك وآمنوهم ؛ وأمِن الناس ، وأقبل كلّ مَن كان هرب ، ودخل المسلمون
بعد هزيمة المشركين يوم نهاوند مدينة نهاوند واحتَووا ما فيها وما حولها ، ٢٦٢٧/١
وجمعوا الأسلاب والرَّثاث إلى صاحب الأقباض السائب بن الأقرع .
فبيناهم كذلك (١) على حالهم وفى عسكرهم يتوقعون ما يأتيهم من إخوانهم
بهمذان، أقبل الهِرْبذ صاحب بيت النار على أمان ؛ فأبلغ حذيفة، فقال:
أتؤّمنى على أن أخبرك بما أعلم ؟ قال : نعم، قال: إنّ النخَيْرَ جان وضع
عندى ذخيرة لكسرى، فأنا أخرجها لك على أمانِى وأمان مَنْ شئت ، فأعطاه
ذلك ، فأخرج له ذخيرة كسرى ؛ جوهراً كان أعدّه لنوائب الزّمان ، فنظروا
فى ذلك ، فأجمع رأى المسلمين على رفعه إلى عمر ، فجعلوه له ؛ فأخروُه حتى
فرغوا فبعثوا به مع ما يرفع من الأخماس ، وقسم حذيفة بن اليمان بين الناس
غنائمهم ، فكان سهم الفارس يوم نهاوند ستة آلاف ، وسهم الراجل ألفيْن ،
وقد نفل حذيفة من الأخماس من شاء من أهلالبلاء يوم نهاوند ، ورفع ما بقى
من الأخماس إلى السائب بن الأقرع ، فقبض السائب الأخماس ، فخرج
بها إلى عمر وبذخيرة كسرى . وأقام حذيفة بعد الكتاب بفتح نهاوند بنهاوند
ينتظر جواب عمر وأمره ؛ وكان رسولتَه بالفتح طريفُ بن سهم، أخو بنى ربيعة
ابن مالك .
فلما بلغ الخبرُ أهلَ الماهيْن بأنّ هَمَذان قد أخذت ، ونزلها نُعيم
ابن مقرّن والقعقاع بن عمرو اقتدوا بخُسْرَوْشُنُوم، فراسلوا حُذَيفة، ٢٦٢٨/١
(١) ابن حبيش: ((فى ذلك)).

١٣٤
سنة ٢١
فأجابهم إلى ما طلبوا ، فأجمعوا على القبول ، وعزموا على إتيان حُذيفة ،
فخدعهم دينار -وهو دون أولئك الملوك، وكان ملكًا، إلاّ أن غيره منهم كان
أرفع منه؛ وكان أشرفتهم قارن - وقال: لا تلقوْهم فى جمالكم ولكن تَفتَهلوا (١)
لهم ؛ ففعلوا، وخالفهم فأتاهم فى الديباج والحلى"، وأعطاهم حاجتهم واحتمل
للمسلمين ما أرادوا، فعاقدوه عليهم ؛ ولم يجد الآخرون بدًّا من متابعته والدخول
فى أمره ، فقيل ((ماه دينار)) لذلك . فذهب حُذيفة بماه دينار؛ وقد كان النعمان
عاقد بَهْراذان على مثل ذلك ، فنُسِبت إلى بَهْراذان، ووكل النُّسير بن
تَوْر بقلعة قد كان لجأ إليها قوم فجاهدهم ؛ فافتتحها فنُسبت إلى النُّسير ،
وقسم حُذيفة لمن خلِّفوا بمرْج القلعة ولمن أقام بغُضَى شَجَر ولأهل
المسالح جميعًا فى فىء نهاوند مثل الذى قسم لأهل المعركة ، لأنهم كانوا
ردءاً للمسلمين لئلا يؤتَوْا من وجه من الوجوه . وتململ عمر تلك الليلة التى
٢٦٢٩/١ كان قدّر للقائهم(٢)، وجعل يخرج ويلتمس الخبر؛ فبينا(٣) رجل من
المسلمين قد خرج فى بعض حوائجه، فرجع إلى المدينة ليلا ، فمرّ به راكب فى
الليلة الثالثة من يوم نهاوند يريد المدينة . فقال: يا عبد اللّه، من أين أقبلتَ؟
قال : من نها وند ، قال: ما الخبر؟ قال : الخبر خير؛ فتح الله على النعمان ؛
واستُشهد ، واقتسم المسلمون فىء نهاوند ، فأصاب الفارس ستة آلاف .
وطواه الرّاكب حتى انغمس فى المدينة ، فدخل الرجل ، فبات فأصبح
فتحدّث بحديثه ، ونمىَ الخبرُ حتى بلغ عمَرَ ؛ وهو فيما هو فيه ، فأرسل
إليه ، فسأله فأخبره ، فقال : صدق وصدقت ؛ هذا عُثيم بريد الجنّ ،
وقد رأى بريد الإنس، فقدم عليه طَريف بالفتح بعد ذلك، فقال : الخبر !
فقال : ما عندى أكثر من الفَتْح ، خرجتُ والمسلمون فى الطلب وهم على
رِجْل؛ وكتمه إلاّ ما سرّه .
ثم خرج وخرج معه أصحابه ، فأمعن ؛ فرُفع له راكب، فقال: قولوا،
فقال عثمان بن عفّان: السائب ، فقال: السائب، فلما دنا منه قال: ما وراءك؟
(١) يقال: قهل فلان وتقهّل؛ أى لم يتعهد جسمه بالماء ولم ينظفه.
(٢) ابن حبيش: ((لملاقاتهم)).
(٣) س وابن الأثير: ((فبينما)).

١٣٥
سنة ٢١
قال : البُشرى والفتح، قال : ما فعل النعمان ؟ قال : زلق فرسه فى دماء
القوم ، فصرِع فاستُشهد ، فانطلق راجعًا والسائب يسايره ، وسأل عن
عدد من قتل من المسلمين؛ فأخبره بعدد قليل؛ وأنّ النعمان أوّل من استُشهد
يوم فتح الفتوح - وكذلك كان يسمِّه أهل الكوفة والمسلمون - فلما دخل
المسجد حطّت الأحمال فوضعت فى المسجد، وأمر نفراً من أصحابه - منهم ٢٦٣٠/١
عبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن أرقم - بالمبيت فيه ، ودخل منزله، وأتبعه
السائب بن الأقرع بذينك السَّفَطَيْن، وأخبره خبرهما وخبر الناس؛ فقال:
يابنَ مُلَيَكة؛ والله ما درَوْا هذا، ولا أنت معهم! فالنّجاء النّجاء، عودَك
على بدئِك حتى تأتىَ حُذيفة فيقسمهما على مَنْ أفاءهما اللّه عليه ؛ فأقبل
راجعًا بقبَلٍ حتّى انتهى إلى حُذيفة بماه ؛ فأقامهما فباعهما ، فأصاب
أربعة آلاف ألف .
كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن محمد بن قيس
الأسدىّ؛ أنّ رجلاً يقال له جعفر بن راشد ، قال لطليحة وهم مقيمون على
نهاوند : لقد أخذتْنا خَلّة؛ فهل بقىَ من أعاجيبك شىء تنفعنا به ؟ فقال:
كما أنتم حتى أنظر ، فأخذ كساء فتقنّع به غير كثير ، ثم قال : البيان البيان ،
غَنَم الدّهقان، فى بستان، مكان أرْوَنتَان. فدخلوا البستان فوجدوا الغنم مسمّنة. ٢٦٣١/١
كتب إلىّ السرىّ عن شعيب، عن سيف ، عن أبى معبد العبسىّ وعروة
ابن الوليد ، عمّن حدٹهم من قومهم ، قال : بينما نحن محاصرو أهل نهاوند
خرجوا علينا ذات يوم، فقاتلونا فلم نُلْبِئهم أن هزمهم اللّه، فتبع سماك بن
عُبيد العبسىّ- رجلاً منهم - معه نفر ثمانية على أفراس لهم فبارزهم؛ فلم يبرز)*
له أحد إلاّ قتله ، حتى أتى عليهم . ثم حمل على الذى كانوا معه ، فأسره
وأخذ سلاحه ، ودعا له رجلا اسمه عبد ، فوكَّله به ، فقال : اذهبوا بى إلى
أميركم حتى أصالحه على هذه الأرض ؛ وأؤدّىَ إليه الجزية ، وسلْنى أنت
عن إسارك ما شئت ، وقد مننتَ علىّ إذ لم تقتلنى ؛ وإنما أنا عبدك الآن ؛
وإن أدخلتنى على الملك ، وأصلحتَ مابينى وبينه وجدتَ لى شكراً ، وكنت

١٣٦
سنة ٢١
لى أخًا . فخلّى سبيله وآمنه ؛ وقال: من أنت ؟ قال: أنا دينار - والبيت
منهم يومئذ فى آل قارن - فأتى به حذيفة ، فحدّثه دينار عن نجدة سماك
وما قتل ونظرِه للمسلمين، فصالحه على الخراج، فنسبت إليه ماه (١)، وكان
يواصل سماكاً وُيهدى له، ويوافِى الكوفة كلما كان عملُه إلى عامل الكوفة ،
فقدم الكوفة فى إمارة معاوية ، فقام فى الناس بالكوفة ، فقال : يا معشرَ أهل
الكوفة ؛ أنتم أوّلَ ما مررتم بنا كنتم (٢) خيار الناس، فعمر تم بذلك زمان عمر
وعثمان، ثم تغیر تم وفشت فیکم خصال أربع: بُخل، وخِبّ، وغدر ، وضيق؛
ولم يكن فيكم واحدة منهنّ، فرمقتُكم، فإذا ذلك فى مولّديكم (٣)، فعلمتُ
من أين أتيتم ، فإذا الخبّ من قبَل النَّبَط، والبخل من قِبَل فارس ، والغدر
مِن قبَل خراسان ، والضيق من قبَل الأهواز.
٢٦٣٢/١
كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن عمرو بن محمد ،
عن الشَّعْبِىّ، قال: لما قُدِمِ بسْبى نهاوند إلى المدينة ؛ جعل أبو لؤلؤة فيروز
غلام المغيرة بن شعبة لا يلقى منهم صغيراً إلاّ مسح رأسَه وبكى وقال :
أكلَ عمر كبدى - وكان نيها ونديًّاً، فأسرته الرّوم أيام فارس، وأسره المسلمون
بعد ، فنُسِب إلى حيث سُّبِىّ .
كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن عمرو بن محمد ،
عن الشعبىّ ، قال: قُتِل فى اللِّهْب ممن هوى فيه ثمانون ألفًا ، وفى المعركة
ثلاثون ألفًا مقترين (٤)، سوى مَنْ قُتِل فى الطلب؛ وكان المسلمون ثلاثين
ألفًا ، وافتُتحت مدينة نهاوند فى أوّل سنة تسع عشرة ، لسبع سنين من
إمارة عمر ، لتمام سنة ثمان عشرة .
كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن محمد والمهلب وطلحة
فى كتاب النُّعمان بن مقرّن وحُذيفة لأهل الماهتَيْن :
بسم الله الرحمن الرحيم؛ هذا ما أعطى النعمان بن مقرّن أهلَ ماه بَهْراذان؛
٢٦٣٣/١
:
(١) س: ((ماه دينار)).
(٣) ابن الأثير: ((مولدتكم)).
(٢) س وابن حبيش وابن كثير: ((إنكم)).

١٣٧
سنة ٢١
أعطاهم الأمانَ على أنفسهم وأموالهم وأراضيهم (١)؛ لا يُغيّرون على ملّة،
ولا يحال بينهم وبين شرائعهم ، ولهم المنْعَة ما أدّوا الجزية فى كلّ سنة إلى
مَنْ وليتَهم ؛ على كلّ حالم فى ماله ونفسه على قدر طاقته ؛ وما أرشدوا ابنَ
السبيل، وأصلحوا الطرق، وقرَوْا جنودَ المسلمين ممّن مرّ بهم فأوى إليهم يومًا
وليلة ، ووفوْا ونصحوا، فإن غشُّوا وبدّلوا؛ فذّمتُنا منهم بريئة . شهد عبدالله
ابن ذى السهمْين ، والقعقاع بن عمرو ، وجرير بن عبد الله .
وكُتِب فى المحرّم سنة تسع عشرة :
بسم الله الرحمن الرحيم . هذا ما أعطى حُذيفة بن اليمان أهل ماه دينار؛
أعطاهم الأمان على أنفسهم وأموالهم وأرَاضِيهم، لا يغيّرون عن ملّة، ولا يحال
بينهم وبين شرائعهم؛ ولهم المنْعَة ما أدّوا الجزية فى كلّ سنة إلى من وليهم
من المسلمين ؛ على كلّ حالم فى ماله ونفسه على قَدْرِ طاقته ، وما أرشدوا
ابن السبيل، وأصلحوا الطرق ، وقَرْوا جنود المسلمين، مَن مرّ بهم ؛ فأوى
إليهم يومًا وليلة ، ونصحوا ، فإن غَشُّوا وبدّلوا فذمّتنا منهم بريئة . شهد
القعقاع بن عمرو ، ونعيم بن مقرّن، وسُويد بن مقرّن . وكتب فى المحرم .
قالوا: وألحق ◌ُمر مَنْ شهد نهاوند فأبلى من الرّوادف بلاءً فاضلا
فى ألفين ألفين ، ألحقهم بأهل القادسية .
٠ ٠
وفى هذه السنة أمر عمر جيوش العراق بطلب جيوش فارس حيث ٢٦٣٤/١
كانت ؛ وأمر بعض من كان بالبَصْرة من جنود المسلمين وحواليها بالمسير
إلى أرض فارس وكرْمان وإصبهان، وبعض مَنْ كان منهم بناحية الكوفة
وما هاتها إلى أصبهان وأذْرَبيجان والرّىّ ، وكان بعضهم يقول: إنما كان ذلك
من فعل عمر فى سنة ثمان عشرة . وهو قول سيف بن عمر .
٠ ٠
* ذكر الخبر عمّا كان فى هذه السنة - أعنى سنة إحدى وعشرين - من
أمر الجنديْن اللَّذين ذكرتُ أن عمر أمرهما بما ذكر أنه أمرهما به :
كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن محمد وطلحة والمهلب
(١) س: ((وأرضهم)).

١٣٨
سنة ٢١
وعمرو وسعيد، قالوا : لما رأى عمر أنّ يزد جرد يبعث عليه فى كلّ عام
حَرْبًا، وقيل له : لا يزال هذا الدّأب حتى يخرج من مَمْلكتِه ؛ أذن
للناس فى الانسياح فى أرض العجم؛ حتى يغلبوا يزدَ جِرْد على ما كان فى
يدىْ كسرى، فوجه الأمراء من أهل البصرة بعد فَتْح نهاوند، ووجّه الأمراء
من أهل الكوفة بعد فتح نهاوند؛ وكان بين عمل سعد بن أبى وقّاص وبين
عمل عمّار بن ياسر أميران: أحدُهما عبد اللّه بن عبد الله بن عِتْبان -
وفى زمانه كانت وقعة نهاوند - وزياد بن حنظلة حليف بنى عبد بن
٢٦٣٥/١ قصىّ - وفى زمانه أمر بالانسياح- وعُزل عبد اللّه بن عبد الله، وبُعث فى
وجه آخر من الوجوه ، ووُلى زياد بن حنظلة - وكان من المهاجرين - فعمل
قليلاً، وألحّ فى الاستعفاء، فأعفى، وولى عمّار بن ياسر بعد زياد ؛ فكان
مكانه، وأمدّ أهل البصرة بعبد الله بن عبدالله، وأمدّ أهل الكوفة بأبى موسى ،
وجعل عمر بن سُراقة مكانه ، وقد مت الألوية من عند عمر إلى نفر بالكوفة
زمان زياد بن حنظلة ، فقدم لواء منها على نُعيم بن مقرّن ، وقد كان أهل
هَمَذان كفروا بعد الصلح، فأمره بالسَّيْر نحو هَمَذان ؛ وقال : فإن فتح
الله على يديك فإلى ما وراء ذلك، فى وجهك ذلك إلى خُراسان. وبعث عتبة
ابن فَرقد وبُكير بن عبد اللّه وعقد لهما على أذْرَبيجان ، وفرّقها بينهما،
وأمر أحدهما أن يأخذ إليها من حُلْوان إلى ميمنتها ، وأمر الآخر أن يأخذ
إليها من الموصل إلى ميسرتها ، فتيامن هذا عن صاحبه ، وتياسر هذا عن
صاحبه . وبعث إلى عبد الله بن عبداللّه بلواء ؛ وأمره أن يسير إلى إصبَهان ،
٢٦٣٦/١ وكان شجاعًا بطلا من أشراف الصحابة ومن وجوه الأنصار؛ حليفًا لبنى
الحبْلى من بنى أسد؛ وأمدّه بأبى موسى من البصرة، وأمّر عمر بن سراقة على
البصرة .
وكان من حديث عبدالله بن عبد اللّه أنّ عمر حين أتاه فتح نهاوند بدًا لَهُ(١
أن يأذن فى الانسياح فكتب إليه : أن سير من الكوفة حتى تنزل المدائن ؛
فاندبهم ولا تنتخبهم ، واكتب إلىَّ بذلك؛ وعمر يريد توجيهه إلى إصبهان .
فانتدب له فيمن انتدب عبد الله بن ورقاء الرياحىّ ، وعبد الله بن الحارث
(١) ابن حبيش: ((وبدا)).

١٣٩
سنة ٢١
ابن ورقاء الأسدىّ. والذين لا يعلمون يرون أنّ أحدهما عبد الله بن بديل
ابن ورقاء الخُزَاعِىّ، لذكر ورقاء، وظنوا أنه نُسِب إلى جدّه، وكان عبد الله
ابن بُديل بن ورقاء يوم قُتل بصفّين ابن أربع وعشرين سنة ، وهو أيام
عمر صبىّ.
ولما أتى عمرَ انبعاثُ عبد اللّه، بعثَ زياد بن حنظلة، فلما أتاه انبعاث
الجنود وانسياحهم أمّر عمّاراً بعدُ، وقرأ قول الله عزّ وجلّ: ﴿وَنرِيدُ أَنْ نَمُنَّ
عَلَى الَّذِينِ اسْتُضِْفُوا فِي الأرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَنَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الوارِئِينَ﴾(١). وقد
كان زياد صُرِف فى وَسَط من إمارة سعد إلى قضاء الكوفة بعد إعفاء سلمان ٢٦٣٧/١
وعبد الرحمن ابنى ربيعة، ليقضى إلى أن يقدم عبد الله بن مسعود من حِمْص،
وقد كان عميلَ لعمر على ما سقى الفُرات ودِ جْلة النعمانُ وسُويد ابنا مقرّن،
فاستعفيا ، وقالا : أعفِنا من عمل يتتغوّل (٢) ويتزيّن لنا بزينة المومسة.
فأعفاهما ، وجعل مكانهما حُذيفة بن أسيد الغفارىّ وجابر بن عمرو المُزنىّ،
ثم استعفيا فأعفاهما ، وجعل مكانهما حُذيفة بن اليمان وعثمان بن حُنَيف؛
حذيفة على ما سقت دِجْلة وما وراءها ، وعثمانَ على ما سَقى الفرات من
السوادين جميعًا ، وكتب إلى أهل الكوفة : إنى بعثتُ إليكم عمّار بن ياسر
أميراً ، وجعلت عبد الله بن مسعود معلمًا ووزيراً ، وولّيت حذيفة بن اليمان
ما سَقَتْ دجلة وما وراءها، ووليت عُثْمان بن حُنّيف الفرات وما سَقتى.
٠
ذکر الخبر عن إصبهان
قالوا: ولما قدم ◌َمّار إلى الكوفة أميراً، وقدم كتاب عمر إلى عبد الله: ٢٦٣٨/١
أن سرْ إلى إصبهان وزياد على الكوفة، وعلى مقدّمتك عبد الله بن وَرْقاء
الرياحىّ، وعلى مجنّبتيك عبد الله بن ورقاء الأسدىّ وعصمة بن عبد الله -
وهو عصمة بن عبدالله بن عبيدة بن سيف بن عبد الحارث - فسار عبد الله
فى الناس حتى قدم على حُذيفة ، ورجع حذيفة إلى عمله ، وخرج عبد الله
فيمن كان معه ومن انصرف معه من جُنْد النعمان من نهاوند نحو جند
(١) سورة القصص ٥ .
(٢) يتغول: ((يتلون)) ..

١٤٠
سنة ٢١
قد اجتمع له من أهل إصبَهان عليهم الأُسْتَنْدار؛ وكان على مقدّمته
شَهْر براز جاذَوْيه ، شيخ كبير فى جمع عظيم ؛ فالتقى المسلمون ومقدّمة
المشركين برُشْتاق من رساتيق إصبهان ؛ فاقتتلوا قتالاً شديداً ، ودعا الشيخ
إلى البراز، فبرز له عبد اللّه بن وَرْقاء ؛ فقتله وانهزم أهل إصبتهان، وسمّى
المسلمون ذلك الرستاق رُسْتاقَ الشيخ ، فهو اسمه إلى اليوم . ودعا عبد الله
ابن عبد اللّه مَنْ يليه، فسأل(١) الأسَتْنَدار الصّلحَ، فصالحهم؛ فهذا أوّل
رُسْتاق أخذ من إصبهان . ثم سار عبد الله من رستاق الشيخ نحو جَىّ حتى
٢٦٣٩/١ انتهى إلى جَىّ والملك بإصبهان يومئذ الفاذوسفان، ونزل بالناس على جىّ؛
فحاصرهم، فخرجوا إليه بعد ماشاء اللّه من زحف؛ فلما التقوا قال الفاذوسفان
لعبد الله: لا تقتل أصحابى ؛ ولا أقتل أصحابتَك ؛ ولكن ابرُزُ لى؛ فإن
قتلتُك رجع أصحابك وإن قتلتنى سالمتَك أصحابى ؛ وإن كان أصحابى
لا يقع لهم نُشّابة. فبرز له عبد اللّه وقال: إمّا أن تحمِل علىّ، وإما أن
أحمل عليك ؛ فقال : أحمل عليك، فوقف له عبد اللّه ، وحمل عليه
الفاذوسفان، فطعنه، فأصاب قَرَبُوس سَرْجِه فكسره، وقطع اللَّب والحِزام،
وزال اللّبْد والسَّرْج، وعبد الله على الفرس؛ فوقع عبد اللّه قائمًا، ثم
استوى على الفرس عُرْيا ؛ وقال له : اثبت، فحاجزه ، وقال : ما أحبّ
أن أقاتلك؛ فإنى قد رأيتك رجلاً كاملاً ولكن أرجعُ معك إلى عسكرك
٢٦٤٠/١ فأصالحك (٢)؛ وأدفع المدينة إليك؛ على أنّ من شاء أقام ودفع الجزية
وأقام على ماله ؛ وعلى أن تُجرى من أخذتم أرضه عنوةً مجراهم، ويتراجعون،
ومَن أبى أن يدخل فيما دخلنا فيه ذهب حيث شاء ؛ ولكم أرضه . قال :
لكم ذلك .
وقدم عليه أبو موسى الأشعرىّ من ناحية الأهواز، وقد صالح الفاذوسفان
عبد اللّه فخرج القوم من جَىّ، ودخلوا فى الذّمة إلاّ ثلاثين رجلا من أهل
إصْبَهان خالفوا قومتهم وتجمعوا فلحقوا بكرمان فى حاشيتهم ؛ لجمع كان
بها ؛ ودخل عبد الله وأبو موسى جىّ - وجىّ مدينة إصبهان - وكتب بذلك
(١) ابن حبيش: ((فسارع)).
(٢) س: ((وأصالحك)).