Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
سنة ١٧
وخفّت (١) أعضادُها، وتغيَّرت ألوانها . وحذيفة يومئذ مع سعد.
كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن محمد وطلحة
وأصحابهما ، قالوا : كتب عمر إلى سعد : أنبثنى ما الذى غيّر ألوان العرب
ولحومتهم؟ فكتب إليه: إنّ العرب خدَّدهم(٢) وكفى (٣) ألوانهم وخُومة المدائن
ودجلة ؛ فكتب إليه: إن العرب لا يوافقها إلاّ ما وافق إبلتها من البلدان ،
فابعث سلمان رائداً وحذيفة - وكانا رائدى الجيش - فليرْتادا منزلا برّيًّا
بحريًّا، ليس بينى وبينكم فيه بحر ولا جسر، ولم يكن بقى من أمر الجيش
شىء إلا وقد أسنده إلى رجل ، فبعث سعد حذيفة وسلمان ، فخرج سلمان
حتى يأتىَ الأنبار، فسار فى غربىّ الفرات لا يرضى شيئًا ، حتى أتى الكوفة .
وخرج حذيفة فى شرقىّ الفُرات لا يرضى شيئًا حتى أتى الكوفة ، والكوفة على
حَصْباء - وكلّ رملة حمراء يقال لها سِهِْلة، وكلّ حصباء ورمل هكذا
مختلطين فهو كوفة - فأتيا عليها ، وفيها ديرات ثلاثة : دير جُرقة ، ودير
أم عمرو ، ودير سلسلة، وخصاصٌ خلال ذلك، فأعجبتهما البقعة، ١ /٢٤٨٤
فنزلا فصلَّيا، وقال كلّ واحد منهما: اللهمّ ربّ السماء وما أظلّت، وربّ
الأرض وما أقلتْ، والريح (٤) وما ذَرَتْ، والنجوم وما هوَتْ ، والبحار وما
جَرَتْ، والشياطين وما أضلّت، والخصاص وما أجنّتْ؛ باركْ لنا فى هذه
الكوفة ، واجعله منزل ثبات . وكتب(٥) إلى سعد بالخير.
حدّثنى محمد بن عبد الله بن صفوان ، قال : حدّثنا أميّة بن خالد ،
قال : حدّثنا أبو عوانة ، عن حُصَين بن عبد الرحمن ، قال : لما هزم
الناس يوم جَلُولاء ، رجع سعد بالناس ، فلمّا قدم عمار خرج بالناس إلى
المدائن فاجتووْها ؛ قال عمّار: هل تصلح بها الإبل ؟ قالوا : لا ؛ إنّ بها
البعوض ، قال: قال عمر: إنّ العرب لا تصلح بأرض لا تصلح بها الإبل ..
قال : فخرج عمارٌ بالناس حتى نزل الكوفة .
(١) ابن الأثير: ((وجفت))؛ س: ((ووهنت).
(٢) خددهم ، أى أهزلهم.
(٣) ابن حبيش: ((وغير)).
(٤) ابن كثير: ((ورب الريح)). (٥) ابن الأثير، ابن حبيش: ((فرجعا)).
--

٤٢
سنة ١٧
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب ، عن سيف، عن مخلَد بن قيس ،
عن أبيه ، عن النَّسَيْر (١) بن ثور، قال: ولما اجتوى المسلمون المدائن بعد
ما نزلناها وآذاهم الغبار والذّباب، وكتب إلى سعد فى بعثه رُوََّدًا يرتادون منزلاً"
١/ ٢٤٨٥ بريًّا بحريًّا، فإن العرب لا يصلحها من البلدان إلاّ ما أصلح البعير والشاة؛
سأل من قبله عن هذه الصفة فيما بينهم ، فأشار عليه من رأى العراق من
وجوه العرب باللّسان - وَظهْر الكوفة يقال له اللسان، وهو فيما بين النهرين إلى
العين ، عين بنى الحذاء ، كانت العرب تقول : أدلع البرّ لسانه فى الريف ،
فما كان يلى الفرات منه فهو الملطاط، وما كان يلى الطين منه فهو النِّجاف -
فکتب إلى سعد يأمره به .
كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن محمد وطلحة والمهلب
وعمرو وسعيد، قالوا : ولما قدم سلمان وَحذيفة على سعد، وأخبراه عن الكوفة ،
وقدم كتاب عمر بالذى ذكرا له، كتب سعد إلى القعقاع بن عمرو : أن خلِّف
على الناس بجلولاء قُباذ فيمن تبعكم إلى من كان معه من الحمراء . ففعل وجاء
حتى قدم على سعد فى جنده، وكتب سعد إلى عبد الله بن المعتمّ : أن خلف
على الموصل مسلم بن عبد الله الذى كان أسر أيام القادسيّة فيمن استجاب
لكم من الأساورة، ومَن كان معكم منهم . ففعل، وجاء حتى قدم على سعد
فى جنده ، فارتحل سعد بالناس من المدائن حتى عسكر بالكوفة فى المحرّم
سنة سبع عشرة . وكان بين وقعة المدائن ونزول الكوفة سنة وشهران ، وكان
٢٤٨٦/١ بين قيام عمر واختطاط الكوفة ثلاث سنين وثمانية أشهر ؛ اختطّت سنة أربع
من إمارة عمر فى المحرّم سنة سبع عشرة من التأريخ ، وأعطوا العطايا بالمدائن
فى المحرّم من هذه السنة قبل أن يرتحلوا . وفى بَهُرسير ، فى المحرّم سنة ستّ
عشرة ، واستقرّ بأهل البصرة منزلهم اليوم بعد ثلاث نزلات قبلها ، كلها ارتحلوا
عنها فى المحرم سنة سبع عشرة ، واستقرّ باقى قرارهما اليوم فى شهر واحد.
٠
وقال الواقدىّ : سمعتُ القاسم بن معن يقول : نزل الناس الكوفة فى آخر
سنة سبع عشرة .
(١) ط: ((اليسر))، وانظر التصويبات.

٤٣
سنة ١٧
قال : وحدّثنى ابن أبى الرُّقاد، عن أبيه، قال: نزلوها حين دخلت سنة
ثمانى عشرة ، فى أوّل السنة .
رجْع الحديث إلى حديث سيف . قالوا : وكتب عمر إلى سعد بن مالك
وإلى ◌ُتْبة بن غَزْوان أن يتربّعا بالناس فى كلّ حين ربيع فى أطيب
أرضهم ، وأمر لهم بمعاونهم فى الربيع من كلّ سنة ، وبإعطائهم فى المحرّم
من كلّ سنة ، وبفيئهم عند طلوع الشَّعْرى فى كلّ سنة ؛ وذلك عند إدراك
الغلاَّت ، وأخذوا قبل نزول الكوفة عطاءين .
كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن مخلد بن قيس ،
عن رجل من بني أسد يدعى المغرور (١) ، قال : لما نزل سعد الكوفة، کتب
إلى عمر: إنىّ قد نزلت بكوفة منزلا بين الحيرة والفرات برّيا بحريا، يُنْبت (٢) ١ / ٢٤٨٧
الحلىّ والنِّصِىّ(٣) ، وخيرتُ المسلمين بالمدائن، فمن أعجبه المقام فيها تركته
فيها كالمسلحة . فبقى أقوام (٤) من الأفناء، وأكثرهم بنو عتَبْس.
كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن محمد وطلحة وعمرو
وسعيد والمهلب ، قالوا : ولما نزل أهل الكوفةِ الكوفيَةَ، واستقرّت بأهل البصرة
الدار، عرف القوم أنفسهم، وثاب إليهم ما كانوا فقدوا . ثمّ إنّ أهل الكوفة
استأذنوا فى بنيان القصّب ، واستأذن فيه أهل البصرة ، فقال عمر : العسكر
أجدُّ(٥) لحربكم وأذكى لكم، وما أحبّ أن أخالفكم، وما القصب ؟ قالوا :
العِكْرش (٦) إذا رَوِىَ قصّب فصار قصبًا، قال : فشأنكم ؛ فابتنى أهل
المصريْن بالقصب .
ثم إنّ الحريق وقع بالكوفة وبالبصرة، وكان أشدّهما حريقًا الكوفة،
(١) ط ((: المغرور))، وانظر التصويبات.
(٢) س والنوبرى: ((بيت)).
(٣) النصى : نبت سبط ناعم أبيض من أفضل المرعى.
(٤) س: ((قوم).
(٥) النويرى وابن الأثير: ((أشد)).
(٦) العكرش: نبات شبه الثيل، أشد خشونة منه.

٤٤
سنة ١٧
فاحترق ثمانون عريشًا ، ولم يبق فيها قَصبة فى شوّال ، فما زال الناس
يذكرون ذلك . فبعث سعد منهم نفراً إلى مُمر يستأذنون فى البناء باللبن ،
فقد موا عليه بالخبر عن الحريق ، وما بلغ منهم- وكانوا لا يدّعون شيئًا
٢٤٨٨/١ ولا يأتونه إلاّ وآمروه (١) فيه - فقال: افعلوا (٢)؛ ولا يزيدَنّ أحدُكم على
ثلاثة أبيات ، ولا تطاولوا(٣) فى البنيان، والزموا السنّة تلزمكم الدولة. فرجع
القوم إلى الكوفة بذلك . وكتب عمر إلى عُتبة وأهل البصرة (٤) بمثل ذلك ؛
وعلى تنزيل أهل الكوفة أبو الهيّاج بن مالك ، وعلى تنزيل أهل البصرة عاصم
ابن الدُّ لَف أبو الجرباء.
قال: وعهد عمر إلى الوفد وتقدّم إلى الناس ألاّ يرفعوا بنيانًا فوق القَدْر.
قالوا: وما القدْر ؟ قال: ما لا يقرّبكم من السَّرّف، ولا يخرجكم من
القصد .
كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن محمد وطلحة والمهلب
وعمرو وسعيد ، قالوا : لما أجمعوا على أن يضعوا بنيان الكوفة ، أرسل سعد إلى
أبى الهيّاج فأخبره بكتاب عمر فى الطّرُق ، أنه أمر بالمناهج أربعين ذراعًا،
وما يليها ثلاثين ذراعًا ، وما بين ذلك عشرين، وبالأزّقة سبع أنرع ، ليس
دون ذلك شىء ، وفى القطائع ستين ذراعًا إلاّ الذى لبنى ضبّة . فاجتمع
أهل الرأى للتقدير ؛ حتى إذا أقاموا على شىء قسّم أبو الهيّاج عليه ؛ فأوّل
شىء خُطّ بالكوفة وبُنى حين عزموا على البناء المسجدُ ، فوُضع فى موضع
/٢٤٨٩ أصحاب الصابون والتمارين من السوق، فاختطوه ، ثم قام رجل فى وسطه، رامٍ
شديد النّزع، فرمى عن يمينه فأمر مَنْ شاء أن يبنىَ وراء موقع ذلك السهم ،
ورمى من بين يديه ومن خلفه ، وأمر من شاء أن يبنىَ وراء موقع السهمين .
فترك المسجد فى مرّبعة غلوة (٤) من كلّ جوانبه، وبنى ظُلّةً فى مقدمه،
ليست لها مجنّبات ولا مواخير ، والمربعة لاجتماع الناس لئلا يزدحموا -
(١) آمروه ، أى شاوروه .
(٢) ابن حبيش: ((افعلوا وابنوا)).
(٣) س: ((ولا يتطاول أحد منكم))، ابن حبيش: ((ولا يتطاول أحد)).
(٤) ط: ((علوه)) تصحيف.

٤٥
سنة ١٧
وكذلك كانت المساجد ما خلا المسجد الحرام ، فكانوا لا يشبهون به المساجد
تعظيمًا لحرمته ، وكانت ظُلّته مائتى ذراع على أساطين رخام كانت للأكاسرة ،
سماؤها كأسمية الكنائس الرّوميّة ، وأعلموا على الصحن بخندق لئلا يقتحمه
أحد ببنيان، وبنوا لسعد داراً بحياله بينهما طريق منقَبُ مائتى ذراع، وجعل
فيها بيوت الأموال ، وهى قصر الكوفة اليوم، بنی ذلك له روزبهمن آجرّ
بنيان الأكاسرة بالحيرة ، ونهَج فى الودَعة من الصحن خمسة مناهج ، وفى
قبلته أربعة مناهج ، وفى شرقيّه ثلاثة مناهج، وفى غربيّه ثلاثة مناهج ،
وعلَّمها ، فأنزل فى وَدَّعة الصحن سليماً وثَقِيفا مما يلى الصحن على طريقين،
وهمدان علی طریق ، وبجیلة على طريق آخر، وتیْ اللاّت علی آخرمے
وتغليب ، وأنزل فى قبلة الصحن بنى أسد على طريق ، وبين بنى أسد والنَّخَع
طريق ، وبين النَّخَعَ وكندة طريق ، وبين كِنْدة والأزْد طريق ، وأنزل
فى شرقىّ الصحن الأنصار ، ومُزينة على طريق ، وتميمًا ومحارباً على طريق ،
وأسداً وعامراً على طريق، وأنزل فى غربىّ الصحن بحالة وبَجْلة على طريق،
وجَدَ يلةً وأخلاطاً على طريق، وجُهينة وأخلاطً على طريق، فكان هؤلاء
الذين يلون الصحن وسائر الناس بين ذلك ومن وراء ذلك . واقتُسمت
على السُّهْمان ؛ فهذه مناهجها العظمى. وبنوا مناهج دونها تحاذى هذه ثم
تلاقيها، وأخَرَ تُتبعها، وهى دونها فى الذَّرْع، والمحال" من ورائها ؛ وفيما
بينها ، وجعل هذه الطرقات من وراء الصحن ، ونزل فيها الأعشار من أهل
الأيَّام والقوادس ، وحمى لأهل الثغور والموصل أماكنَ حتى يُوافوا إليها ؛
فلما ردفتهم الروادف؛ البدء والثّناء، وكثروا عليهم، ضيّق الناس المحالّ
فَن كانت راد فَتُه كثيرة شخص إليهم وترك محلّته ، ومن كانت راد فته
قليلة أنزلوهم منازلَ من شخص إلى رادفته لقلّته إذا كانوا جيرانهم ؛
وإلاّ وسعوا على روادفهم وضيّقوا على أنفسهم؛ فكان الصحن على حاله زمانَ ١/ ٢٤٩١
عمر كله ، لا تطمع فيه القبائل ؛ ليس فيه إلا المسجد والقصر، والأسواق
فى غير بنيان ولا أعلام . وقال عمر: الأسواق على سنَّة المساجد ، مَن سبق
٢٤٩٠/١

٤٦
سنة ١٧
إلى مقْعد (١) فهو له ؛ حتى يقوم منه إلى بيته أو يفرغ من بيعه ؛ وقد كانوا
أعدُّوا مُناخًا لكلّ رادف؛ فكان كلّ مَن يجىء سواء فيه - وذلك المناخ
اليومَ دور بنى البكاء - حتى يأتوا بالهيّاج، فيقوم فى أمرهم حتى يقطع لهم
حيث أحبُوا. وقد بنى سعد فى الذين خطُّوا للقصر قصراً بحيال محراب مسجد
الكوفة اليوم، فشيّده، وجعل فيه بيت المال، وسكن ناحيتَه. ثم إنّ بيت
المال نُقب عليه نقبًا ، وأخذ من المال ، وكتب سعد بذلك إلى عمر ،
ووصف له موضع الدّار وبيوت المال من الصّحن مما يلى وَدعة الدار.
فكتب إليه عمر : أن انقل المسجد حتى تضعه إلى جَنْب الدار ، واجعل
الدّار قبلته ؛ فإنّ للمسجد أهلا بالنهار وبالليل ؛ وفيهم حصن لمالهم ، فنقل
المسجد وأراغ بنيانه ، فقال له دهقان من أهل همَذان ؛ يقال له روزبه بن
بُزُرْجُمِهِر : أنا أبنيه لك، وأبنى لك قصراً فأصِلُهما، ويكون بنيانًاً واحداً.
فخط قصر الكوفة على ما خطّ عليه، ثم أنشأه من نِقْضٍ (٢) آجرّ قصر
٢٤٩٢/١ كان للأكاسرة فى ضواحى الحيرة على مساحته اليوم، ولم يسمح به، ووضع
المسجد بحيال بيوت الأموال منه إلى منتهى القصر، يَمْنة على القبلة ، ثم مدّ
به عن يمين ذلك إلى منقطع رَحبَة علىّ بن أبى طالب عليه السلام، والرحبة
قبلته ، ثم مدّ به فكانت قبلة المسجد إلى الرّحَبة وميمنة القصر، وكان
بنيانه على أساطين من رُخام كانت لكسرى بكنائس بغير مجنّبات ؛ فلم يزل
على ذلك حتى بنِىَ أزمانَ معاوية بن أبى سفيان بنيانَه اليوم ؛ على يدىْ زياد .
ولما أراد زياد بنيانه دعا ببنّائين من بنّائِى الجاهليّة، فوصف لهم موضع المسجد
وقدرَه وما يشتهِى من طَوله فى السماء ، وقال : أشتهى من ذلك شيئًا لا أقع
على صفته ؛ فقال له بنّاء قد كان بنّاءً لكسرى: لا يجىء هذا إلا بأساطين
من جبال أهواز ، تُنْقَرَ ثم تُثقَب ، ثم تحشى بالرصاص وبسفافيد (٣)
الحديد ، فترفعه ثلاثين ذراعًا فى السماء ، ثم تسقفه ، وتجعل له مجنّبات
ومواخير ؛ فيكون أثبت له . فقال : هذه الصّفة التى كانت نفسى تنازعنى
(١) س: ((مقعده)).
(٢) النقض: اسم البناء المنقوض إذا هدم .
(٣) السفافيد : جمع سفود ؛ حديدة معقفة ذات شعب .

٤٧
سنة ١٧
إليها ولم تعبرها . وغلق باب القصر ، وكانت الأسواق تكون فى موضعه بین
يديه ، فكانت غوغاؤهم تمنع سعداً الحديث؛ فلمّا بنى ادّعى الناس عليه ٢٤٩٣/١
ما لم يقل ، وقالوا: قال سعد: سَكِّن(١) عنى الصّوَيَت. وبلغ عمر ذلك،
وأنّ الناس يسمُّونه قصر سعد ، فدعا محمد بن مسلمة ، فسرّحه إلى الكوفة ،
وقال : اعمد إلى القصر حتى تحرق بابه ، ثم ارجع عود ك على بدئك ؛ فخرج
حتى قدم الكوفة ، فاشترى حطبًا ، ثم أتى به القصر ، فأحرق الباب ،
وأُتِىَ سعد فأخبر الخبر ، فقال : هذا رسول أرسل لهذا من الشأن ، وبعث
لينظر مَن هو ؟ فإذا هو محمد بن مسلمة ، فأرسل إليه رسولاً بأن ادخل ،
فأبى فخرج إليه سعد ، فأراده على الدخول والنزول ، فأبى، وعرض عليه نفقة
فلم يأخذ ، ودفع كتاب عمر إلى سعد : بلغنى أنث بنيت قصرًا اتّخذته
حصنًا ، ويسمى قَصْر سعد ، وجعلت بينك وبين الناس بابًا ؛ فليس
بقصرك ؛ ولكنه قصر الخَبال ؛ انزل منه منزلاً مما يلى بيوت الأموال وأغلقه ،
ولا تجعل على القصر بابًا تمنع الناس من دخوله وتنفيهم به عن حقوقهم ،
ليوافقوا مجلسك ومخرجك مِنْ دارك إذا خرجت ؛ فحلف له سعد ما قال
الذى قالوا. ورجع محمد بن مسلمة من فوره؛ حتى إذا دنا من المدينة فى زادُه،
فتبلّغ بلحاء من لحاء الشجَر ، فقدم على عمر، وقد سَنِقٍ(٢) فأخبره خبره كله،
فقال : فهلاً قبلت من سعد ! فقال: لو أردت ذلك كتبتَ لى به ، أو أذنت ٢٤٩٤/١
لى فيه ، فقال عمر: إنّ أكملَ الرّجال رأياً من إذا لم يكن عنده عهد من
صَاحب، عمل بالحزم ، أو قال به ، ولم ينكل ؛ وأخبره بيمين سعد وقوله،
فصدّق سعداً وقال : هو أصدق ممن روى عليه ومَن أبلغنى .
وكتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن عطاء أبى محمد ،
مولى إسحاق بن طلحة ، قال : كنت أجلس فى المسجد الأعظم قبل أن يبنيه
زياد؛ وليست له مجنّبات ولا مَواخير، فأرى منه دير هند وباب الجِسْر .
كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن ابن شبرمة ، عن
(١) ابن الأثير: ((سكنوا))، النويرى: ((سكتوا)).
(٢) السنق : البشيم.

٤٨
سنة ١٧
الشعبىّ ، قال : كان الرجل يجلس فى المسجد فيرى منه باب الجسر .
کتب إلى السرئّ ، عن شعیب ، عن سیف ، عن عمر ہں عياش أخی
أبىبكر بن عياش ، عن أبى کثیر ، أن روزبه بن بز رجُمِھْر بن ساسان كان
هَمَّذانيًّا، وكان على فَرْج من فُروج الرّوم ، فأدخل عليهم سلاحًا ،
فأخافه الأكاسرة ، فلحق بالرّوم ، فلم يأمن حتى قدم سعد بن مالك ، فبنى
له القصرّ والمسجد . ثم كتب معه إلى عمر ، وأخبره بحاله، فأسلم، وفرض له
عمر وأعطاه ، وصرفه إلى سعد مع أكريائه .. والأكرياء يومئذ هم العباد -
حتى إذا كان بالمكان الذى يقال له قبر العبادىّ مات ، فحفروا له ، ثم
٢٤٩٥/١ انتظروا به من يمرّ بهم ممن يُشهدونه موته، فمرّ قوم من الأعراب، وقد حفروا
له على الطريق ، فأرَوْهموه ليبرءوا من دمه ، وأشهدوهم ذلك ، فقالوا : قبر
العبادىّ۔۔ وقیل قبر العبادىّ لمکان الأ کریاء - قال أبو کثیر : فهو واللّه أبى،
قال: فقلت : أفلا تخبر الناس بحاله ! قال : لا .
كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن محمد وطلحة والمهلب
وعمرو وسعيد وزياد، قالوا: ورَجح الأعشار بعضهم بعضًا رَجَحانًا كثيراً،
فكتب سعد إلى عمر فى تعديلهم ، فكتب إليه : أن عَدّ لهم ، فأرسل إلى
قوم من نُسّاب العرب وذوى رأيهم وعقلائهم منهم سعيد بن نِمْران ومشعلة
ابن نعم ، فعدّلوهم عن الأسباع ، فجعلوهم أسباعًا ، فصارت كنانة وحلفاؤها
من الأحابيش وغيرهم، وجديلة - وهم بنو عمرو بن قيس عيلانَ - سبعًا،
وصارت قضاعةَ - ومنهم يومئذ غسان بن شيام - وبجميلة وخُثْعٍ وكِنْدة
وحضرموت، والازْدُ سُبعًا، وصارت مذحج وحمير وهمدان وحلفاؤهم سُبْعًا،
وصارت تميم وسائر الرِّباب وهوازن سبعًا، وصارت أسد وغطفان ومحارب والنَّمِر
وضُبيعة وتغلِب سُبْعًا ، وصارت إياد وعك وعبد القيس وأهل هَجَر والحمراء
سبْعًا، فلم يزالوا بذلك زمانَ عمر وعثمان وعلىّ، وعامّة إمارة معاوية (١)،
حتى ربَّعهم زياد(٢).
(١) ابن حبيش: ((إلى عامة)).
(٢) س: ((فولى. زياد فربعهم)).

٤٩
سنة ١٧
٢٤٩٦/١
إعادة تعريف الناس
وعرّفوهم على مائة ألف درهم، فكانت كل عرافة من القادسيّة خاصّة
ثلاثة وأربعين رجلا وثلاثًا وأربعين امرأة وخمسين من العيال ؛ لهم مائة ألف
درهم ، وكلّ عرافة من أهل الأيّام عشرين رجلاً على ثلاثة آلاف وعشرين
امرأةٌ، وكلّ عيّل على مائة، على مائة ألف درهم، وكلّ عرافة من الرّادفة الأولى
ستّين رجلا وستين امرأة وأربعين من العيال ممن كان رجالهم ألحقوا على ألف
وخمسمائة على مائة ألف درهم ، ثم على هذا من الحساب .
وقال عطيّة بن الحارث : قد أدركت مائة عريف، وعلى مثل ذلك كان
أهل البصرة، كان العطاء يُدفع إلى أمراء الأسباع وأصحاب الرّايات، والرّايات
على أيادى العرب ، فيدفعونه إلى العُرفاء والنقباء والأمناء ، فيدفعونه إلى أهله
فى دورهم .
٠
فتوح المدائن قبل الكوفة
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة والمهلّب ٢٤٩٧/١
وعمرو وسعيد، قالوا: فتوح المدائن السّواد وحُلوان وماسَبَذَ ان وقَرْقِيسِها. ،
فكانت الثُّغور ثغور الكوفة أربعةً : حُلْوان عليها القعقاع بن عمرو ،
وماسَبَذَان عليها ضرار بن الخطاب الفهرىّ، وقَرْ قِيسِياء عليها عمر بن
مالك أو عمرو بن عتبة بن نوفل بن عبد مناف ، والموصل عليها عبد الله بن
المعتمّ ، فكانوا بذلك، والناس مقيمون بالمدائن بعد ما تحوّل سعد إلى تمصير
الكوفة ، وانضمام هؤلاء النفر إلى الكوفة واستخلافهم على الثغور من يمسك بها
ويقوم عليها؛ فكان خليفة القعقاع على حُلوان قُباذ بن عبد الله، وخليفة
عبد الله على الموصل مسلم بن عبد اللّه، وخليفة ضرار رافع بن عبد الله،
وخليفة عمر عشنّق بن عبد الله ، وكتب إليهم عمر أن يستعينوا بمن احتاجوا
إليه من الأساورة ، ويرفعوا عنهم الجِزاء ، ففعلوا . فلما اختّطت الكوفة
وأذن للناس بالبناء ، نقل الناس أبوابَهُم من المدائن إلى الكوفة فعلّقوها على

٥٠
سنة ١٧
١ / ٢٤٩٨
ما بنوا وأوطنوا(١) الكوفة. وهذه ثغورهم، وليس فى أيديهم من الرّيف إلا ذلك.
كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن مجالد عن عامر ،
قال : كانت الكوفة وسوادها والفروج: حُلوان، والموصل، وماسبذان
وقَرْقِيسياء . ثم وافقهم فى الحديث عمرو بن الريان ، عن موسى بن عيسى
الهمْدانىّ بمثل حديثهم ، ونهاهم عمّا وراء ذلك، ولم يأذن لهم فى الانسياح .
وقالوا جميعًا: وَلِىَسعد بن مالك على الكوفة بعد ما اختُطَّت ثلاث سنين ونصفًا
سوى ما كان بالمدائن قبلها ، وعمالته ما بين الكوفة وحلوان والموصل وماسَبذان
وقَرْفيسياء إلى البصرة ، ومات عتبة بن غزوان وهو على البصرة فتظيع (٢) بعمله،
وسعد على الكوفة فوَتّى عمر أبا سبْرة مكان عتبة بن غزوان، ثم عزل أبا سَبْرة
عن البصرة ، واستعمل المغيرة ، ثم عزل المغيرة ، واستعمل أبا موسى الأشعرىّ .
٠ ٠
ذ کر خبر حمص
حين قصد من فيها من المسلمين صاحبُ الروم
وفى هذه السنة قصدت الرّوم أبا عبيدة بن الجرّاح ومَن معه من
جند المسلمين بحمْص لحربهم ؛ فكان من أمرهم وأمر المسلمين ما ذكر
أبو عبيدة؛ وهو فيما كتب به إلىّ السرىّ عن شعيب ، عن سيف عن
محمد وطلحة وعمرو وسعيد - قالوا: أوّلُ ما أذن عمر للجند بالانسياج(٣)؛ أن
٢٤٩٩/١ الرّوم خرجوا، وقد تكاتبوا هم وأهلُ الجزيرة يريدون أبا عبيدة والمسلمين
بحمْص، فضَّ أبو عبيدة إليه مسالحه، وعسكروا (٤) بفناء مدينة حِمْص،
وأقبل خالد(٥) من قِنَّسرين حتى انضم إليهم فيمن انضمّ من أمراء المسالح،
فاستشارهم أبو عبيدة فى المناجزة أو التحصّن إلى مجىء الغياث ، فكان(٦)
خالد يأمره أن يناجزهم ، وكان سائرهم يأمرونه بأن يتحصّن ، ويكتب إلى
عمر، فأطاعهم وعصى خالداً ، وكتب إلى عمر [يخبره] (٧) بخروجهم عليه ،
(١) أوطن البلد: اتخذه وطناً. وفى ص: ((ووطنوا)). (٢) س: ((فطن بحمله)).
(٤) ابن الأثير والنوبرى: ((وعسكر)).
(٣) ابن حبيش: ((فى الانسياح)).
(٥) س: ((خالد بن الوليد)).
(٦) أبن حبيش: ((وكان)). (٧) من س .
.

٥١
سنة ١٧
وشغلهم أجنادَ أهل الشأم عنه، وقد كان عمر اتّخذ فى كلّ مِصْر (١) على
قدره خيولا من فضول أموال المسلمين عُدّة لكون إن كان ، فكان بالكوفة
من ذلك أربعة آلاف فَرس. فلمّا وقع الخبر لعمر كتب إلى سعد
ابن مالك : أن اندب الناس (٢) مع القعقاع بن عمرو وسرّحهم من يومهم
الذى يأتيك فيه كتابى إلى حِمْص؛ فإنّ أبا عبيدة قد أحيط به، وتقدّمْ (٣)
إليهم فى الجدّ والحثّ .
وكتب أيضًا إليه أن سرّح سُهيل بن عدى إلى الجزيرة فى الجند وليأت
الرَّقة (٤) فإنّ أهل الجزيرة . هم الذين استثاروا الرّوم على أهل حمص؛ وإن
أهل قرقِيسياء لهم (٥) سَكَف. وسرّحْ عبد اللّه بن عبد الله بنِ عِنْبان إلى نَصِيبين،
فإن أهل قَرْقِيسياء لهم سلف، ثم لينفُضا(٦) حرّان والرُّهاء. وسرّحْ الوليد بن ٢٥٠٠/١
عُقْبة على عرب الجزيرة من ربيعة وتَنُوخ وسرِّح عياضًا ؛ فإنْ كان قتال فقد
جعلتَ أمرهم جميعاً إلى عياض بن غَنْ - وكان عياض من أهل العراق
الذين خرجوا مع خالد بن الوليد ممدّين لأهل الشام ، وممّن (٧) انصرف أيام
انصرف أهل العراق ممدّين لأهل القادسية ، وكان يُرافد أبا عبيدة - فمضى
القعقاع فى أربعة آلاف من يومهم الذى أتاهم فيه الكتاب نحو حِمْص؛
وخرج عياض بن غنَنْم وأمراء الجزيرة فأخذوا طريق الجزيرة على الفيراض وغير
الفِراض؛ وتوَجّه كلّ أمير إلى الكُورة التى أمِّر عليها. فأتى الرّقة، وخرج
عمر من المدينة مغيثًاً(٨) لأبى عبيدة يريد حِمْص حتى نزل الجابية. ولما
بلغ أهل الجزيرة الذين أعانوا الرّوم على أهل حمص واستثاروهم(٩) وهم معهم
مقيمون عن حديث مَن بالجزيرة منهم بأنّالجنود (١٠) قد ضربت (١١) من
الكوفة ، ولم (١٢) يدروا: ألجزيرة يريدون أم حمص! فتفرقوا إلى بلدانهم
(١) س: ((على كل مصر)).
(٣) وتقدم إليهم ، أى أمرهم .
(٥) س : ((هم)).
(٢) س: (( أن يندب الناس)).
(٤) بعدها فى س: ((إلى مجىء الغياث)).
(٦) ابن الأثير والنويرى: ((ليقصد)).
(٧) س: ((من))، أبن حبيش: ((فيمن)).
(٩) ابن حبيش: ((واستشاروهم)).
(١١) س: ((قربت)).
(٨) ابن حبيش: ((معيناً)».
(١٠) س: ((الخيول)).
(١٢) س: ((ثم)) .

٥٢
سنة ١٧
وإخوانهم، وخلّوا الرّوم. ورأى أبو عبيدة أمراً لما انفضوا غير الأوّل ، فاستشار
٢٥٠٢/١ خالداً فى الخروج، فأمره بالخروج، ففتح الله عليهم. وقدم القعقاع بن عمرو
فى أهل الكوفة فى ثلاث من يوم الوقعة ، وقدم عمر فنزل الجابية ، فكتبوا
٢٠٠٤/١ إلى عمر بالفتح وبقدوم المدد عليهم فى ثلاث، وبالحُكْم فى ذلك . فكتب
إليهم أن أشركوهم ، وقال : جزى اللّه أهل الكوفة خيراً! يكفون حوزتهم(١)
ويُمِدّون أهل الأمصار .
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب ، عن سيف، عن زكرياء بن سِياه ،
عن الشعبىّ، قال : استمدّ أبو عبيدة عمرَ، وخرجت عليه الرّوم ، وتابعهم
النصارى فحصروه(٢)، فخرج وكتب إلى أهل الكوفة ، فنفر إليهم فى غداة
أربعة آلاف على البغال يجنبون الخيل ، فقد موا على أبى عبيدة فى ثلاث
بعد الوقعة ، فكتب فيهم إلى عمر ، وقد انتهى إلى الجابية ، فكتب إليه :
أنْ أُشرِكْهم (٣)، فإنهم قد نفَروا إليكم، وتفرّق لهم عدوّكم .
كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن طلحة ، عن ماهان ،
قال : كان لعمر أربعة آلاف فَرَس عُدّة لكون إن كان، يُشَتِّيها فى
قبلة قصر الكوفة وميْسرته ؛ ومن أجل ذلك يسمّى ذلك المكان الآرىّ إلى
اليوم ، ويربّعها فيما بين الفرات والأبيات من الكوفة مما يلى العاقول ، فسمّته
الأعاجم (آخُر الشاهجان))، يعنونَ معْلَف الأمراء، وكانَ قيِّمُه عليها سَلْمان
ابن ربيعة الباهلىّ فى نفر من أهل الكوفة، يصنَّع سوابقتها، ويُجْربها فى
كلّ عام ، وبالبصرة نحو منها، وقيّمُهُ عليها جَزْء بن معاوية، وفى
كلّ مصر من الأمصار الثمانية على قدرها ، فإن نابتهم نائبة ركب قوم
٢٠٠٥/١ وتقدّموا إلى أن يستعدّ الناس.
كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن حلاّم ، عن شهر
ابن مالك بنحو منه . فلما فرغوا رجعوا .
(١) ابن كثير: ((يحمون «وزتهم)).
(٣) ابن حبيش: ((أشركوهم)).
(٢) س: ((فحصر وهم)).

سنة ١٧
٥٣
[ ذكر فتح الجزيرة ]
وفى هذه السنة - أعنى سنة سبع عشرة - افتُتحت الجزيرة فى رواية
سيف. وأما ابن إسحاق ، فإنه ذكر أنها افتُتحت فى سنة تسع عشرة من
الهجرة ، وذكر من سبب فتحها ما حدّثنا ابنُ حميد ، قال : حدثنا سلَمة
عنه؛ أن عمر كتب إلى سعد بن أبى وقاص: إنّ اللّه قد فتح على المسلمين
الشام والعراق ، فابعث من عندك جنداً إلى الجزيرة ، وأمُّر عليهم أحد
الثلاثة : خالدَ بن عُرْفطة، أو هاشمَ بن عتبة، أو عياضَ بن غَنْ.
فلما انتهى إلى سعد كتابُ عمر، قال: ما أخّر أمير المؤمنين عياضَ بن
غنَنْم آخر القوم إلاّ أنه له فيه هوّى أن أولِّيَه؛ وأنا موليه . فبعثه وبعث
معه جيشًا ، وبعث أبا موسى الأشعرى ، وابنه عمر بن سعد - وهو غلام
حدث السنّ ليس إليه من الأمر شيء - وعثمانَ بن أبى العاص بن بشْر
الثقفىّ، وذلك فى سنة تسع عشرة . فخرج عياض إلى الجزيرة ، فنزل بجنده
على الرُّهاء فصالحه أهلُها على الجزية ، وصالحت حرّان حین صالحت
الرُّهاء، فصالحه أهلها على الجزية. ثمّ بعث أبا موسى الأشعرىّ إلى نصيبين،
ووجّه عمر بن سعد إلى رأس العين فى خيل ردًا للمسلمين ، وسار بنفسه فى
بقية الناس إلى دارا ، فنزل عليها حتى افتتحها ، فافتتح أبو موسى نصيبين ،
وذلك فى سنة تسع عشرة . ثمّ وجه عثمان بن أبى العاص إلى أرمينية الرابعة
فكان عندها شىء من قتال؛ أصيب فيه صفوان بن المُعطَّل السُّلمىّ شهيداً.
ثمّ صالح أهلها عثمان بن أبى العاص على الجِزية، على كلّ أهل بيت
دينار. ثم كان فتح قيساريّة من فلسطين وهرب هرقل .
٢٥٠٦/١
وأما فى رواية سيف؛ فإن الخبر فى ذلك ، فيما كتب به إلى السرىّ ،
عن شعيب ، عن سيف ، عن محمد والمهلب وطلحة وعمرو وسعيد ؛ قالوا :
خرج عياض بن غنَنْم فى أثر القعقاع ، وخرج القُوّاد - يعنى حين كتب
عمر إلى سعد بتوجيه القعقاع فى أربعة آلاف من جنده مدداً لأبى عبيدة
حين قصدته الروم وهو بحمْص - فسلكوا طريق الجزيرة على الفراض وغيرها ،

٥٤
سنة ١٧
فسلك سُهيل بن عدىّ وجنده (١) طريقَ الفِراض حتى انتهى إلى الرّقة (٢)،
وقد ارفض" أهلُ الجزيرة عن حِمْص إلى كُوَرَهم حين سمعوا بمُقْبَل أهل
الكوفة ، فنزل عليهم ، فأقام محاصرّهم حتى صالحوه ؛ وذلك أنهم قالوا فيما
بينهم : أنتم بين أهل العراق وأهل الشام ؛ فما بقاؤكم على حرب هؤلاء
وهؤلاء ! فبعثوا فى ذلك إلى عياض وهو فى منزل واسط من الجزيرة ؛ فرأى
٢٠٠٧/١ أن يقبل منهم؛ فبايعوه وقبل منهم؛ وكان الذى عقد (٣) لهم سُهيل بن عدىّ
عن أمر عياض، لأنه أمير القتال وأجروا (٤) ما أخذوا عَنْوة، ثم أجابوا
مُجْرَى أهل الذّة ، وخرج عبد الله بن عبد الله بن عتْبان، فسلك على
دِجْلة حتى انتهى إلى الموصل ، فعبر إلى بَلَد حتى أتى نصيبين ، فلقوه
بالصّلح ، وصنعوا كما صنع أهل الرَّقة ، وخافوا مثل الذى خافوا؛ فكتبوا إلى
عياض ، فرأى أن يقبل منهم ، فعقد لهم عبد الله بن عبد الله ، وأجروا
ما أخذوا عَنْوة ، ثم أجابوا ◌ُجرى أهل الذّمّة ، وخرج الوليد بن عُقْبة حتى
قدم على بنى تغلب وعرب الجزيرة ، فنهض معه مسلمهم وكافرهم إلاّ إياد
ابن نزار، فإنهم ارتحلوا بقلِّيَّتِهِمْ"(٥)، فاقتحموا أرض الرّوم، فكتب بذلك
الوليد إلى عمر بن الخطاب . ولما أعطى أهل الرّقة ونَصِيبين الطاعة ضمّ
عياض سهيلا وعبد اللّه إليه فسار بالناس إلى حَرّان ، فأخذ ما دونها . فلما
انتهى إليهم اتقوه بالإجابة إلى الجزية فقبل منهم ، وأجرى من أجاب بعد
غَلْبِهِ مُجْرى أهل الذّمة. ثم إنّ عياضًا سرّح سُهيلاً وعبد الله إلى الرُّهاء،
فاتقوهما بالإجابة إلى الجيزية ، وأجرى من دونهم مجراهم ؛ فكانت الجزيرة
أسهلَ البلدان أمراً ، وأيسره فَتْحًا ، فكانت تلك السهولة مهجنة عليهم
٢٠٠٨/١ وعلى من أقام فيهم من المسلمين، وقال عياض بن غَنْ(٦):
حَوَتِ الجزيرَةَ يوم ذاتٍ زِحامٍ (٧)
مَن مُبْلِغُ الأقوامِ أنَّ جُموعَنَا
عَمِّنْ بِحِمْصَ غَيابَةَ القُدَّامِ
جَمِعُوا الجزيرَةَ والغياثَ فَنَفْسُوا
(١) ابن حبيش: ((فى جنده)).
(٣) ابن حبيش: ((عقده)).
(٥) بقليتهم ، يريد بعددهم القليل .
(٢) ابن حبيش: ((أهل الرقة)).
(٤) س،: ((وأخذوا)).
(٦) ياقوت ٣ : ٩٨.
(٧) ياقوت وابن حبيش: ((رجام)).

٥٥
سنة ١٧
فَضُّوا الجزيرَةَ عن فِراخ الهامِ(١)
مَعْشَرٌ
إِنَّ الأعِزَّةَ والأكارِمَ
غَلَبُوا الْمُلوكَ على الجزيرةِ فاتَهَوْا عن غَزْوِ مَنْ يأْوِى بلادَ الشامِ
ولما نزل عمر الجابية ، وفرغ أهلُ حمص أمدّ عياض بن غَنْم بحبيب
ابن مَسلمة ، فقدم على عياض مدداً(٢)، وكتب أبو عبيدة إلى عمر بعد
انصرافه من الجابية يسأله أن يضمّ إليه عياض بن غَنْ إذ ضمّ خالداً إلى
المدينة ، فصرفه إليه ، وصرف سهيل بن عدىّ وعبد الله بن عبد اللّه إلى الكوفة
ليصرفهما إلى المشرق، واستعمل حبيب بن مَسْلمة على عجم الجزيرة وحربها،
والوليد بن عُقْبة على عرب الجزيرة ، فأقاما (٣) بالجزيرة على أعمالهما.
قالوا : ولما قدم الكتاب من الوليد على عمر كتب عمر إلى ملك الروم :
إنه بلغنى أنّ حيًّاً من أحياء العرب ترك دارنا وأتى دارك؛ فوالله لتُخرجنّه أَو
لنبذن" إلى النصارى؛ ثم لنخرجنّهم إليك. فأخرجهم ملك الرّوم ، فخرجوا
فتمّ منهم على الخروج أربعة آلاف مع أبى عدى بن زياد ، وخنس بقيتهم،
فتفرّقوا فيما يلى الشام والجزيرة من بلاد الروم ؛ فكلّ إيادىّ فى أرض العرب ٢٠٠٩/١
من أولئك الأربعة الآلاف؛ وأبى الوليد بن عقبة أن يقبل من بنى تغلب إلاّ
الإسلام ؛ فقالوا له : أمّا من نُقّب على قومه فى صلح سعد ومَن كان
قَبِله فأنتم وذاك، وأمّا من لم ينقُب عليه أحد ولم يُجْرِ ذلك لمن نقب
فما سبيلك عليه! فكتب فيهم إلى عمر، فأجابه عمر: إنما ذلك الجزيرة (٤) العرب
لا يقبل منهم فيها إلاّ الإسلام، فدعْهم على ألاّ يُنصِّروا وليداً، واقبل منهم إذا
أسلموا ، فقبل منهم على ألا يُنَصّروا وليداً ، ولا يمنعوا أحداً منهم من
الإسلام ، فأعطى بعضهم ذلك فأخذوا به ، وأبى بعضهم إلا الجِزاء ، فرضىَ
منهم بما رضىَ من العِبَاد وتَنُوخ .
كتب إلىّ السرى، عن شعيب ، عن سيف ، عن عطية ، عن
أبى سيف التَّغْلَىّ، قال: كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم قد عاهد وَقْدَهم
(١) ياقوت: ((فراج)).
(٣) ابن حبيش: ((فأقاموا)).
(٢) س وابن حبيش: ((ممدًّا)).
(٤) ابن الأثير: ((بجزيرة)).

٥٦
سنة ١٧
على ألاّ يُنصِّروا وليداً ، فكان ذلك الشرط على الوفد وعلى من وفّدهم، ولم
يكن على غيرهم ، فلما كان زمان عمر (١) قال مسلموهم: لا تنفّروهم بالخراج
فيذهبوا ، ولكن أضعفوا عليهم الصدقة التى تأخذونها من أموالهم فيكون جزاء؛
فإنهم يغضبون من ذكْر الجزاء على ألا ينصّروا مولوداً (٢) إذا أسلم آباؤهم.
فخرج وفدُهم فى ذلك إلى عمر؛ فلما بعث الوليد إليه برءوس النصارى وبديّانيهم،
قال لهم عمر: أدُّوا الجزية، فقالوا لعمر: أبلغنا مأمننا، واللّه (٣) لئن وضعت
علينا الجِزاء لندخلنّ أرض الرّوم، واللّه لتفضحنا من بين العرب ، فقال
لهم : أنتم فضحتم أنفسكم ، وخالفتم أمّتكم فيمن خالف وافتضح من عرب
الضاحية، وتالله لتؤدُّنْه وأنتم صَغَرَة قَمَأة (٤)، ولْن هر بتم إلى الرّوم لأكتبنّ
فيكم، ثمّ لأسبينكم. قالوا: فخذ منا شيئًا ولا تسمّه جزاء، فقال: أمّا نحن
فنسمّيّه جزاء، وسمُّوه أنتم ما شئتم. فقال له علىّ بن أبى طالب :
يا أميرَ المؤمنين ، ألم يُضْعِف عليهم سعد بن مالك الصدقة ؟ قال : بلى ،
وأصغی إلیه ، فرضى به منهم جزاء ، فرجعوا على ذلك ، و کان فی بنی تغلب
عزّ وامتناع ، ولا يزالون ينازعون الوليد ، فهمّ بهم الوليد ، وقال فى ذلك:
فَفَيَّك مِى تَغْلِبَ ابنةَ وائل(٥)
٢٥١١/١ إذا ما عَصَبْتُ الرأسَ مِى بِشْوَذٍ
وبلغت عنه عمر ، فخاف أن يحرجوه (٦) وأن يضعف صبره فيسطوَ
عليهم ، فعزله وأمَّر عليهم فُرات بن حيّان وهند بن عمرو الجَمَلِيَّ، وخرج
الوليد واستودع إبلاً له حُريثَ بن النعمان، أحدَ بنى كنانة بن تَيْم من
بنىَ تْغلب ، وكانت مائة من الإبل فاختانها بعد ما خرج الوليد .
وكان فتح الجزيرة فى سنة سبع عشرة فى ذى الحجة .
٠٠
٠
[ خروج عمر بن الخطاب إلى الشام ]
وفى هذه السنة - أعنى سنة سبع عشرة - خرج عمر من المدينة يريد
(١) س: ((عثمان)).
(٢) ابن حبيش: ((وليداً)).
(٤) القمىء: الحقير.
(٣) ابن كثير وابن حبيش: ((فوالله)).
(٥) المشوذ: العمامة؛ والبيت فى اللسان وتاج العروس - شوذ، وفيهما: ((يريد
نغيا لك ما أطوله منى !» .
(٦) س: ((يخرجوه)).
٢٥١٠/١

،
٥٧
سنة ١٧
الشام حتى بلغ سَرْغ ، فى قول ابن إسحاق ، حدثنا بذلك ابن حميد عن
سلمة عنه ، وفى قول الواقدى .
* ذکرالخبر عن خر وجه إليها :
حدّثنا ابن حميد، قال : حدّثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، قال :
خرج ◌ُمر إلى الشأم غازيًا فى سنة سبع عشرة ؛ حتى إذا كان بسرْغ لقيَه
أمراء الأجناد، فأخبروه أنّ الأرض سقيمة ، فرجع بالناس إلى المدينة .
وقد كان عمر - كما حدّثنا ابن حميد، قال : حدّثنا سلمة ، عن محمد
ابن إسحاق، عن ابن شهاب الزّهرىّ، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن ٢٥١٢/١
زيد بن الخطاب ، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل ، عن عبد الله
ابن عباس - خرج غازيًا ، وخرج معه المهاجرون والأنصار . وأوعب
الناسُ معه، حتى إذا نزل بسرْغ، لقيه أمراء الأجناد : أبو عبيدة
ابن الجرّاح، ويزيد بن أبى سفيان، وشُرحبيل بن حَسَنة ؛ فأخبروه أنّ
الأرض سقيمة(١)، فقال عمر: اجمع إلىّ المهاجرين الأولين، قال:
فجمعتُهم له ، فاستشارهم ، فاختلفوا عليه ، فمنهم القائل: خرجتَ لوجه
تريد فيه الله وما عنده ، ولا نرى أن يصدّك عنه بلاء عرض لك. ومنهم
القائل : إنه لبلاء وفناء ما نرى أن تقدم عليه ؛ فلما اختلفوا عليه قال :
قوموا عنى ، ثم قال : اجمعْ لى مهاجِرة الأنصار ، فجمعتُهم له ، فاستشارهم
فسلكوا طريق المهاجرين ، فكأنما سمعوا ما قالوا فقالوا مثله . فلما اختلفوا
عليه قال : قوموا عنى ، ثم قال : اجمعْ لِى مهاجرة الفَتْح من قريش،
فجمعتُهم له ، فاستشارهم فلم يختلف عليه منهم اثنان ، وقالوا : ارجع بالناس،
فإنه بلاء وفناء . قال : فقال لى عمر: يابنَ عباس، اصرُغْ فى الناس
فقل: إنّ أمير المؤمنين يقول لكم إنى مُصبيح على ظَهْر، فأصبِحُوا عليه
قال : فأصبح عمر على ظَهْر ، وأصبح الناس عليه ، فلما اجتمعوا عليه
قال : أيّها الناس ؛ إنى راجع فارجعوا، فقال له أبو عبيدة بن الجراح : أفراراً
من قدر الله! قال: نعم فراراً من قَدَرَ اللّه إلى قَدَر اللّه؛ أرأيت لو أن ٢٥١٣/١
(١) بعدها فى س: ((قال)) .

٥٨
سنة ١٧
رجلاً هبط وادياً له عُدْوتان: إحداهما خصبة والأخرى جَدْبة ، أليس
يرعى مَنْ رعَى الجدْبة بقدر الله، ويرعى مَن رَعى الخصبة بقدر الله!
ثم قال : لو غيرك يقول (١) هذا يا أبا عبيدة ! ثم خلا به بناحية دون الناس؛
فبينا الناس على ذلك إذْ أتى عبدُ الرحمن بن عوف - وكان متخلّفًا عن الناس
لم يشهدهم بالأمس - فقال : ما شأن الناس ؟ فأخبر الخبر ، فقال : عندى
من هذا علم ، فقال عمر : فأنت عندنا الأمين المصدّق ، فماذا عندك ؟
قال: سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إذا سمعتم بهذا الوباء بيلد(٢)
فلا تقدموا عليه، وإذا وقع وأنتم به فلا تخرجوا فراراً منه))؛ ولا يخرجنَّكم إلاّ
ذلك ، فقال عمر : فلله الحمد ! انصرفوا أيها الناس ، فانصرف بهم .
حدثنا ابن حُميد ، قال : حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق ، عن
ابن شهاب الزهرىّ ، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة وسالم بن عبد الله بن
عمر ؛ أنهما حدثاه أنّ عمر إنما رجع بالناس عن حديث عبد الرحمن بن
عوف ؛ فلما رجع عمر رجع عمّال الأجناد إلى أعمالهم .
٠٠
٠
وأما سيف ، فإنه روى فى ذلك ما كتّب به إلىّ السرىّ ، عن شعيب ،
عن سيف ، عن أبى حارثة وأبى عثمان والربيع ، قالوا : وقع الطاعون بالشام
٢٥١٤/١ ومصر والعراق، واستقرّ بالشام، ومات فيه الناس الذين هم فى كلّ الأمصار.
فى المحرّم وصفر ، وارتفع عن الناس وكتبوا بذلك إلى عمر ما خلا الشام ،
فخرج حتى إذا كان منها قريبًا بلغه أنه أشدّ ما كان ، فقال وقال الصحابة :
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا كان بأرض وباء فلا تدخلوها ، وإذا
وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها ))، فرجع حتى ارتفع عنها ؛ وكتبوا بذلك
إليه وبما فى أيديهم من المواريث ، فجمع الناس فى جمادى الأولى سنة
سبع عشرة ، فاستشارهم فى البُلدان ، فقال: إنى قد بدا(٣) لى أنْ أطوف
على المسلمين (٤) فى بلدانهم لأنظر فى آثارهم ، فأشيروا علىّ - وكعب الأحبار
(١) ابن كثير: ((يقولها)).
(٢) س: ((ببلاد)). ابن كثير: ((بأرض قوم)).
(٣) س: ((إنى أريد)».
(٤) س: ((الناس)).

٥٩
سنة ١٧
فى القوم ، وفى تلك السنة من إمارة عمر أستكم - فقال كعب: بأيّها تريد
أن تبدأ يا أمير المؤمنين ؟ قال : بالعراق ، قال : فلا تفعل ؛ فإن الشرّ
عشرة أجزاء والخير عشرة أجزاء، فجزء من الخير بالمشرق وتسعة بالمغرب، وإنّ
جزءاً من الشرّ بالمغرب وتسعة بالمشرق، وبها قرن الشيطان ، وكلّداء عضال.
كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن سعيد ، عن الأصبغ ،
عن علىّ، قال: قام إليه علىّ، فقال: يا أميرَ المؤمنين، واللّه إنّ الكوفة
للهجرة بعد الهجرة ، وإنها لقبّة الإسلام، وليأتينّ عليها يوم لا يبقى مؤمن إلاّ
أتاها وحنّ إليها؛ واللّه ليُنصرَن" بأهلها كما انتصر بالحجارة من قوم لوط. ٢٠١٥/١
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب ، عن سيف ، عن المطرّح ، عن
القاسم ، عن أبى أمامة ، قال : وقال عثمان: يا أميرَ المؤمنين؛ إنّ المغرب
أرض الشرّ، وإن الشرّ قسم مائة جزء؛ فجزء فى الناس وسائر الأجزاء بها .
کتب إلى السرئ، عن شعیب ، عن سیف ، عن أبيحیی (١) التميمىّ ،
عن أبى ماجد ، قال : قال عمر: الكوفة رمح اللّه، وقبّة الإسلام، وجمجمة
العرب ، يكفُون ثغورَهم ، ويمدّون الأمصار ، فقد ضاعت مواريث أهل
عَمَوَاس ، فأبدأ بها .
كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن أبى عثمان وأبى حارثة
والربيع بن النعمان ، قالوا : قال عمر : ضاعت مواريث الناس بالشأم ؛ أبدأ
بها فأقسم المواريث ، وأقيم لهم ما فى نفسى، ثمّ أرجع فأتقلّب فى البلاد ،
وأنبِذ إليهم أمرى . فأتى عمر الشام أربعَ مرّات ، مرّتين فى سنة ست عشرة ،
ومرّتين فى سنة سبع عشرة ، لم يدخلها فى الأولى من الآخرتين .
كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن بكر بن وائل ،
عن محمد بن مسلم، قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((قُسّم الحفظ
عشرة أجزاء ، فتسعة فى التُّرك وجزء فى سائر الناس ، وقُتّم البخل عشرة ٢٥١٦/١
أجزاء ، فتسعة فى فارس ، وجزء فى سائر الناس ؛ وقسُمُ السخاء عشرة أجزاء ،
(١) ط: ((يحيى))، واسمه إسماعيل بن يحيى؛ وانظر ميزان الاعتدال.

٦٠
سنة ١٧
فتسعة فى السودان ، وجزء فى سائر الناس ، وقُسُّمِ الشَّبق عشرة أجزاء ،
فتسعة فى الهند ، وجزء فى سائر الناس ؛ وقسُّم الحياء عشرة أجزاء ، فتسعة فى
النساء ، وجزء فى سائر الناس ، وقسّم الحسد عشرة أجزاء ، فتسعة فى العرب
وجزء فى سائر الناس ، وقُسم الكِبْر عشرة أجزاء ، فتسعة فى الرّوم وجزء
فى سائر الناس .
٠
واختُلف فى خبر طاعون ◌َمتَواس (١) وفى أىّ سنة كان ، فقال ابن إسحاق
ما حدّثنا ابن حميد ، قال : حدّثنا سلمة ، عنه ، قال : ثم دخلت سنة
ثمانى عشرة ؛ ففيها كان طاعون عَمَوَاس ، فتفانى فيها الناس ، فتوفى أبو عبيدة
ابن الجراح ؛ وهو أمير الناس، ومعاذ بن جبل، ويزيد بن أبى سفيان، والحارث
ابن هشام ، وسُهيل بن عمرو، وَعُتْبة بن سهيل، وأشرافُ الناس .
وحدثنى أحمد بن ثابت الرازىّ ، قال : حُدّثنا عن إسحاق بن عيسى ،
عن أبى متَعْشر ، قال : كان طاعون ◌َمتواس والجابية فى سنة ثمانى عشرة .
حدّثنا ابنُ حميد ، قال : حدّثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ،
عن شعبة بن الحجاج، عن المخارق بن عبد الله البَجتَلىّ ، عن طارق بن
شهاب البَجَلَىّ، قال: أتينا أبا موسى وهو فى داره بالكوفة لنتحدّث عنده ،
فلما جلسنا قال : لاعليكم أن تخفُّوا ، فقد أصيب فى الدار إنسان بهذا السقم ،
ولا عليكم أن تَنَزَّهوا عن هذه القرية، فتخرجوا فى فسيح بلادكم ونَزِهها
حتى يُرفع هذا الوباء؛ سأخبركم بما يكرّه مما يتَّقى، من ذلك أن يظن مَنْ خرج
أنه لو أقام مات ، ويظنّ مَنْ أقام فأصابه ذلك لو أنه لوخرج لم يصبه، فإذا
لم يظنّ هذا المرء المسلم فلا عليه أن يخرج ، وأن يتنزّه عنه ؛ إنى كنت مع
أبى عبيدة بن الجرّاح بالشأم عام طاعون ◌َمَواس ، فلما اشتعل الوجع ، وبلغ
٢٥١٧/١
(١) عمواس، ضبطه ياقوت بفتحات، وقال: ((رواه الزمخشرى بكسر أوله وسكون الثانى
ورواه غيره بفتح أوله وثانيه وآخره سين مهملة )) .
٠