Indexed OCR Text

Pages 561-580

٥٦١
سنة ١٤
٢٣٣٢/١
كتب إلىَّ السرىُّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن عمرو والنّضر بن
السرىّ ، قالا: ونزل ضرار بن الخطَّب القُرَشىّ، وتتابع على التسرّع إليهم
النَّاس كلّهم فيها بين تكبيرات سعد حين (١) استبطئوه. فلمَّا كبَّر الثانية ،
حمل عاصم بن عمرو حتى انضمّ إلى القعقاع، وحملت النَّخَعَ ، وعصى
الناس كلّهم سعدًا، فلم ينتظر (٢) الثالثة إلاّ الرؤساء، فلما كبَّر الثالثة
زحفوا فلحقوا بأصحابهم ، وخالطوا القوم ، فاستقبلوا اللَّيل استقبالا بعد
ما صدّوا العشاء .
كتب إلىَّ السرىُّ ، عن شعيب ، عن سيف، عن الوليد بن عبد الله بن
أبى طيبة ، عن أبيه ، قال : حمل الناس ليلة الهرير عامَّة؛ ولم ينتظروا بالحملة
سعدًا، وكان أوّل مَن حمل القعقاع ، فقال : اللهم اغفرها له وانصره .
وقال: واتميماه سائر الليلة !ثمّ قال: أرى الأمر (٣) ما فيه هذا (٤)، فإذا
كبَّرْتُ ثلاثًا فاحملوا . فكبّر واحدة فلحقتهم (٥) أسد ، فقيل : قد
حملت أسد ، فقال: اللهمّ اغفرها لهم وانصرهم؛ واأسداهْ سائر الليلة!
ثم قيل: حملت النَّخَعَ ، فقال : اللهم اغفرها لهم وانصرهم؛ وانَخعاه
سائر الليلة! ثم قيل : حملت بجيلة ، فقال : اللهمّ اغفرها لهم ، وانصرهم ؛
وايجيلتاه ! ثم حملت الكنود ، فقيل : حملت كندة، فقال: واكندتاه ! ثم
زحف الرؤساء بمن انتظر التكبيرة ، فقامت حربهم على ساق حتى الصَّباح ،
فذلك ليلة (٦) الهرير .
كتب إلىَّ السرىُّ، عن شعيب ، عن سيف ، عن محمد بن نويرة ، عن ٢٣٣٣/١
عمَّه أنس بن الحُليْس ، قال : شهدتُ ليلة الهرير ، فكان صلیل الحديد
فيها كصوت القيون ليلتَهم حتى الصّباح ، أفرِغ عليهم الصبر إفراغًا ،
وبات سعد بليلة لم يتبت بمثلها ، ورأى العرب والعجم أمرًا لم يروا مثله قطّ ،
وانقطعت الأصوات والأخبار عن رستم وسعد ، وأقبل سعد على الدّعاء ، حتى
(١) ز: ((حتى)».
(٢) ط: ((فلم ينتظروا)).
(٣) ابن حبيش: ((إن الأمر)).
(٤) ز: ((ما فى هذا)).
(٥). كذا فى ابن حبيش، وفى ط: ((فلحقهم)).
(٦) ابن حبيش: ((فتلك الليلة)).

٥٦٢
سنة ١٤
إذا كان وجهُ الصُّبْح، انتهى الناس فاستدلّ بذلك على أّهم الأعلوْن، وأنّ
الغلبة لهم .
کتب إلىّ السرئُّ ، عن شعیب ، عن سیف ، عن عمرو بن محمد ، عن
الأعْوَربن بنان (١) المنقرى، قال: أوَّل شىء سمعه سعد ليلتئذ مما يستدل به
على الفتح فى نصف الليل الباقى صوتُ القعقاع بن عمرو وهو يقول :
نحن قتلْنا مَعْشَرًا وزئدا أربعةً وخمسةً وواحِدا
يُخْتَبُ فوق الَِّكَ الأساودا حتَّى إذا ماتوا دعوتُ جاهِدا
• اللهُ رَبِى، واحترزتُ عامِداً .
كتب إلىَّ السرىُّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن عمرو ، عن الأعور
١ / ٢٣٣٤ ومحمد عن عمِّه، والنضر عن ابن الرُّفَيْل، قالوا : اجتلدوا تلك الليلة من
أوَّها حتى الصّباح لا ينطقون، كلامُهم الهرير ، فسُمِّيّت ليلة الهرير .
كتب إلىّ السرىُّ، عن شعيب، عن سيف، عن عمرو بن الرَّيَّان ، عن
مُصْعَب بن سعد ، قال : بعث سعد فى تلك الليلة بجاداً وهو غلام إلى
الصفّ، إذْ لم يجد رسولاً ، فقال : انظُر ما ترى من حالهم ؛ فرجع فقال :
ما رأيت أبىْ بُنِىَّ ؟ قال : رأيتُهم يلعبون ، فقال: أو يَجِدّون !
كتب إلىَّ السرىُّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن محمد بن جرير
العَبْدىّ، عن عابس الجُعفىّ، عن أبيه، قال: كانت بإزاء جُعْفىّ يوم
عماس كتيبةٌ من كتائب العجم، عليهم السلاح التامّ ، فازدلفُوا لهم ،
فجالدوهم بالسيوف ، فرأوْا أنَّ السيوف لا تعمل فى الحديد فارتدعوا ، فقال
حُمَيْضة: مالكم ؟ قالوا: لا يجوز فيهم السلاح ، قال : كما أنتم حتى
أرِيكم ، انظروا. فحمل على رجل منهم ، فدقّ ظهره بالرّمح، ثم التفت
(١) ط: ((بيان))، وانظر ١ : ٣١٦٧ (طبع ليدن).

سنة ١٤
٥٦٣
إلى أصحابه، فقال: ما أراهم إلاّ يموتون دونكم. فحملوا عليهم فأزالوهم إلى
صفّهم .
٢٣٣٥/١
کتب إلىَّ السرئُّ ، عن شعیب ، عن سیف ، عن مجالد ، عن الشعبىّ ،
قال: لا والله ما شهدها من كنْدة خاصّة إلاّ سبعمائة؛ وكان بإزامهم تُرْك
الطَّبَرِىّ، فقال الأشعث : يا قوم ازحفوا لهم ، فزحف لهم فى سبعمائة ،
فأزالهم وقتل تُرْكا ، فقال راجزهم :
نحن تركنا تُركَهم فى المَصْطَرَهُ مُخْتَضِباً من بَهَان الأبْهَرَهُ
٥ ٠
ليلة القادسية
كتب إلىّ السرىُّ ، عن شعيب، عن سيف ، عن محمّد وطلحة وزياد ،
قالوا: وأصبحوا ليلة القادسيَّة؛ وهى صُبْحة ليلة الهرير، وهى تسمىّ ليلة
القادسيَّة، من بين تلك الأيام والناس حَسْرَى ، لم يغمضوا ليلتهم كلّها ،
فسار القعقاع فى النَّاس ، فقال: إن الدّبْرة بعد ساعة لمن بدأ القوم ، فاصبروا
ساعة واحملوا ، فإنّ النّصر مع الصّبر. فآثروا الصّبر على الجزّع ؛ فاجتمع
إليه جماعة من الرؤساء، وصمدوا لرستم، حتى خالطوا الَّذِين دونه مع الصَّبح.
ولما رأت ذلك القبائل قام فيها رجال ، فقام قيس بن عبد يغوث والأشعث
ابن قيس وعمروبن معديكرب وابن ذى السَّهْمَيْن العمىّ وابن ذى البُرْدَیْن
الهلالىّ، فقالوا: لا يكوننّ هؤلاء أجدّ فى أمر الله منكم، ولا يكوننّ
هؤلاء - لأهل فارس (١) - أجرأ على الموت منكم ؛ ولا أسختى أنفسا عن
الدنيا، تنافسوها . فحملوا ممَّا يليهم (٢) حتى خالطوا الَّذِين بإزائهم، وقام ١ / ٢٣٣٦
فى ربيعة رجال ، فقالوا : أنتم أعلم الناس بفارس وأجر ؤهم عليهم فيما مضى ؛
فما يمنعكم اليوم أن تكونوا أجرأ مما كنتم بالجرأة! فكان أوّل مَن زال حين
قام قائم الظهيرة الهُرْمزان والبيرزان، فتأخَّرا وثبتا حيث (٣) انتهيا، وانفرج
(١) ابن الأثير والنويرى: ((يعنى الفرس))
(٢) ابن الأثير: ((فيما يليهم)).
(٣) ز: ((حين)).

٥٦٤
٢٣٣٧/١
سنه ١٤
القَلْب حين قام قائم الظهيرة ، وركد عليهم النَّفْع، وهبَّت ريحٌ عاصف ،
فقلعت طيّارة رستم عن سريره، فهوت فى العتيق ؛ وهى دبُور ، ومال الغبار
عليهم ، وانتهى القعقاع ومَن معه إلى السرير فعثروا به ، وقد قام رستم
عنه حين طارت الرّيح بالطيّارة إلى بغال قد قدمت عليه بمال يومئذ فهى واقفة ،
فاستظلّ فى ظلّ بغل وحِمْله، وضرب هلال بن عُلَّقة الحِمْل الذى رستم
تحته ؛ فقطع حباله ، ووقع عليه أحد العِدْلين ، ولا يراه هلال ولا يشعر
به ؛ فأزال من ظهره فقارًا، ويضربه ضربة فنفحت مِسْكًا ، ومضى رستم
نحو العتيق فرمى بنفسه فيه ، واقتحمه هلال عليه ؛ فتناوله وقد عام ؛ وهلال
قائم، فأخذ برجله، ثم خرج بهإلى الجدّ (١)، فضربجبينه بالسيفحتى قتله،
ثم جاء به حتى رمى به بين أرجل البغال ، وصعد السرير ، ثم نادى : قتلتُ
رستم وربّ الكعبة؛ إلىّ؛ فأطافوا به وما يُحسُّون السرير ولا يرونه ؛ وكبّروا
وتنادَوْا، وانبت قلب المشركين عندها وانهزموا(٢)، وقام الجالنوس على الرّدْم،
ونادى أهل فارس إلى العبور ، وانسفر الغبار ؛ فأمَّا المقترنون فإنَّهم جشعوا
فتهافتوا فى العتيق، فوخزهم المسلمون برماحهم فما أفلت منهم مخبّر، وهم ثلاثون ألفًا،
وأخذ ضرار بن الخطاب ((دِرَفْشٍ كابيان))، فعُوّض منها ثلاثين ألفا ،
وكانت قيمتها ألف ألف ومائتى ألف ، وقتلوا فى المعركة عشرة آلاف
سوى مَنْ قتلوا فى الأيَّام قبله .
كتب إلىَّ المرئُّ ، عن شعيب، عن سيف ، عن عَطيَّة ، عن عمرو بن
سكمة ، قال : قتَل هلال بن عُلَّفة رستمَ يوم القادسية .
كتب إِلىَّ السرىُّ، عن شعيب ، عن سيف ، عن ابن مخراق ، عن
أبى كعب الطائىّ ، عن أبيه ، قال : أصيب من الناس قبل ليلة الهرير ألفان
٢٣٣٨/١ وخمسمائة ، وقتل ليلة الهرير ويوم القادسية ستة آلاف من المسلمين ،
فدُفنوا فى الخندق بحيال مُشرِّق .
(١) الجدّ: شاطئ البحر.
(٢) ز: ((منها وانهفتوا)).

٥٦٥
سنة ١٤
كتب إلىَّ السرىُّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن محمد وطلحة وزياد ،
قالوا : لما انكشف أهلُ فارس ؛ فلم يَبْقَ منهم بين الخَنْدق والعتيق أحد ،
وطبَّقت (١) القتلى ما بين قُدَيْس والعتيق أمر سعد زُهرة باتّباعهم ، فنادى
زهرة فى المقدّمات، وأمر القعقاعَ بمَن سفَل، وشُرَحْبيل بمن علا،
وأمر خالد بن عُرْفُطة بسَلْب القتلى وبدَ فْن الشهداء، فدُفن الشهداء، شهداء ليلة
الهرير ويوم القادسيَّة، حول قُديْس ألفان وخمسمائة وراءَ العتيق بحيال
مُشْرِّق ، ودُفن شهداء ما كان قبل ليلة الحرير على مشرِّق، وجُمعت
الأسلاب والأموالُ فجمع منها شىءٌ لم يُجمع قبله ولا بعده مثله ؛ وأرسل
سعد إلى هلال ، فدعا له ، فقال : أين صاحبُك ؟ قال : رميتُ به تحت
أبغُل؛ قال: اذهبْ فجئَّ به ، فذهب فجاء به، فقال: جَرّدْه إلاّ ما شئتَ،
فأخذ سلَبَه فلم يَدَعْ عليه شيئًا ، ولما رجع القعقاع وشُرحبيل قال لهذا :
اغدُ فيما طلب هذا ، وقال لهذا : اغد فيما طلب هذا ؛ فعلا هذا ،
وسفَل هذا ، حتى بلغا مقدار الحرّارة من القادسيَّة، وخرج زُهرة بن الحَوِيَّةِ
فى آثارهم ، وانتهى إلى الرّدْم وقد بثقوه ليمنعوهم به من الطََّب، فقال زهرة :
يا بُكَيْرُ ، أقدِمٍ ، فضرب فرسه ، وكان يقاتل على الإناث ، فقال : ثبِى
أطلالُ، فتجمَّعَت وقالت : وَثْبًا وسورة البَقَرَة! ووثب زهرةُ ــ وكان
عن حصان۔ وسائرُ الخیل فاقتحمته، وتتابع على ذلك ثلثمائة فارس ، ونادى
زُهرة حيث كاعت (٤) الخيل : خذوا أيّها الناس على القنطرة ، وعارضونا،
فمضى ومضى الناس إلى القنطرة يتَّبعونه، فلحق بالقوم والجالنوس فى آخر هم (٥)
يحميهم، فشاوله (٦) زهرة، فاختلفا ضربتين ، فقتله زهرة، وأخذ سلبه ، وقتلوا
٢٣٣٩/١
(١) ابن حبيش: ((وطبق القتلى)).
(٢) ز: ((فاقتحمه)).
(٣) ثبى: انهضى وقومى.
(٤) كاعت الخيل : جبنت .
(٥) ابن حبيش: ((أخراه)).
(٦) فى اللسان عن أبى زيد: ((تشاول القوم تشاولا ؛ إذا تناول بعضهم بعضاً عند القتال
بالرماح ، والمشاولة مثله )).

٥٦٦
سنة ١٤
ما بين الحرّارة إلى السَّيْلَحين، إلى النَّجَف؛ وأمسوا فرجعوا فباتوا
بالقادسيَّة .
كتب إلىَّ السرىُّ، عن شعيب، عن سيف، عن عبد الله بن شُبْرُمَة،
عن شقيق؛ قال : اقتحمنا القادسيَّة صدرَ النهار، فتراجَعْنا وقد أتى الصلاة؛
وقد أصيب المؤذّن ، فتشاحَّ النَّاس فى الأذان حتى كادوا أن يجتلدوا
بالسيوف ، فأقرع سعد بينهم ؛ فخرج سهم رجل فأذَّن .
٠ ٠
ثم رجع الحديث. وتراجع الطلبُ الَّذين طلبوا مَنْ علاَ على القادسيَّة
ومَن سِفَل عنها، وقد أنَّى الصلاة وقد قتل المؤذن فتشاحّوا على الأذان ،
فأقرع بينهم سعد ، وأقاموا بقيّة يومهم ذلك وليلتَهم حتى رجع زهرة ،
وأصبحوا وهم جميعٌ لا ينتظرون أحدًا من جندهم ؛ وكتب سعد بالفتح
وبعدّة مَنْ قتلوا ومن أصيب من المسلمين، وسمَّى لعُمَرَ مَن يعرف مع
سعد بن عُمَيْلة الفزارى .
كتب إلىَّ السَّرىُّ، عن شعيب ، عن سيف ، عن النَّضْر ، عن ابن
الرُّفَيْل ، عن أبيه ، قال : دعانى سعد ، فأرسلنى أنظر له فى القتلى ، وأسمّى
له رءوسهم ، فأتيته فأعلمته ، ولم أرَ رستم فى مكانه ، فأرسل إلى رجل من التَّيْم
يُدعى هلالاً، فقال: ألم تُبلغنى أنَّكْ قتلت رستم ! قال : بلى ، قال: فما
صنعت به ؟ قال : ألقيته تحت قوائم الأبغُل، قال: فكيف قتلَتَه ؟ فأخبره،
حتَّى قال : ضربت جبينه وأنفه. قال : فجئنا به ، فأعطاه سلَبه ، وكان
قد تخفّف حين وقع إلى الماء ، فباع الَّذى عليه بسبعين ألفًا ، وكانت قيمة
قَلَتْسُوتْه مائة ألف لو ظفر بها . وجاء نفر من العباد حتى دخلوا على
سعد ، فقالوا : أيّها الأمير ؛ رأينا جسد رستم على باب قصرك وعليه رأس
غيره ؛ وكان الضَّرب قد شوَّهه ؛ فضحك .
كتب إلىّ السرىُّ، عن شعيب ، عن سيف ، عن محمد وطلحة وزياد ،
١ / ٢٣٤١ قالوا: وقال الدَّيْلَم ورؤساء أهل المسالح الذين استجابوا للمسلمين، وقاتلوا
معهم على غير الإسلام : إخوانُنا الَّذين دخلوا فى هذا الأمر من أوَّل الشأن
أُصوَبُ منَّا وخير، ولا واللّه لا يُفْلِح أهلُ فارس بعد رستم إلا مَن دخل فى
١ / ٢٣٤٠
:

٥٦٧
سنة ١٤
هذا الأمر منهم ؛ فأسلموا ؛ وخرج صبيان العسكر فى القتلى ، ومعهم
الأداوَى يسقُون مَن به رَمَقٌ من المسلمين، ويقتلون من به رمق من
المشركين ، وانحدروا من العُذَيْب مع العشاء. قال: وخرج زهرة فى طلب
الجالنوس ، وخرج القعقاع وأخوه وشرحبيل فى طلب من ارتفع وسفل ،
فقتلوهم فى كلّ قرية وأجَمة وشاطئ نهر ، ورجعوا فوافوا صلاة الظهر ،
وهنّأ الناس أميرَهم ، وأننى على كلّ حىّ خيرًا، وذكره منهم .
كتب إلىّ السرئُّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن سعيد بن المَرْزبان ،
قال : خرج زهرة حتى أدرك الجالنوس ؛ ملكًا من ملوكهم؛ بين الحرَّارة
والسَّيْلَحين، وعليه يارقَان(١) وقُلْبان(٢) وَقُرْطان على بِرْذَوْن له قد
خَضِدَ ، فحمل عليه، فقتله. قال: والله إنَّ زهرة يومئذ لعلى فرس له
ما عنانها إلا من حَبْل مضفور كالمِقْود، وكذلك حزامها شَعْرٌ منسوج،
فجاء بسلبه إلى سعد ، فعرف الأسارى الذين عند سعد سلبه ، فقالوا : هذا
سلَب الجالنوس، فقال له سعد : هل أعانك عليه أحد؟ قال : نعم ، قال :
مَنْ؟ قال : الله، فنفَّله سلّبه.
٢٣٤٢/١
كتب إلىّ السَّرىُّ ، عن شعيب ، عن سيف، عن عبيدة ، عن إبراهيم ،
قال : كان سعد استكثر له سلبه، فكتب فيه إلى عمر، فكتب إليه عمر: إنّى
قد نفَّت مَنْ قتل رجلا سلبه ؛ فدفعه إليه فباعه بسبعين ألفاً .
وعن سيف ، عن البرمكان ، والمجالد عن الشعبىّ، قال : لحق به زهرة ،
فرفع له الكرة فما يخطئها بنُشَّابة ، فالتقيا فضربه زهرة فجدّله - ولزهرة
يومئذ ذُوابه وقد سُوّد فى الجاهلية ، وحسن بلاؤه فى الإسلام و[له] سابقة ،
وهو يومئذ شابٌ - فتدرّع زهرة ما كان على الجالنوس ، فبلغ بضعة وسبعين
(١) فى اللسان: ((اليارق: ضرب من الأسورة: قال شبرمة بن الطفيل:
لعمرِى لظىٌ عند باب ابن محرزٍ أَغنّ عليه اليارقان مَشُوفُ
أحبّ إلَيكُمْ من بيوتٍ عِيادُها سيوفٌ وَأَزْماحٌ لهنّ حَفِيف
(٢) القلب، بالضم: سوار للمرأة إذا كان مفتولا من طاق .

٥٦٨
سنة ١٤
ألفًا . فلما رجع إلى سعد نزع سَكَبَه ، وقال: ألا انتظرتَ إذْنى! وتكاتبا،
فكتب عمر إلى سعد : تعمد إلى مثل زهرة - وقد صلیی بمثل ماصَلى به، وقد
بقىَ عليك من حربك ما بقىَ - تكسر قَرْنَه، وتُفسد قلبه! أمْض له
سَكَبَه، وفضّلْه على (١) أصحابه عند العطاء بخمسمائة.
٢٣٤٣/١
وعن سيف، عن عبيد ، عن عصمة ، قال : كتب عمر إلى سعد : أنا
أعلم بزُهرة منك، وإنَّ زهرة لم يكن ليغيّب من سلب سلّبه شيئًا؛ فإن كان
الَّذى سعى به إليك كاذبًا فلقَّاه اللّه مثل زهرة، فى عضدَيْه يا رَقان؛ وإنّ
قد نفَّت كلّ مَنْ قتل رجلا سلّبه ؛ فدفعه إليه فباعه بسبعين ألفا .
وعن سيف، عن عبيدة ، عن إبراهيم وعامر ، أنَّ أهل البلاء يوم
القادسيَّة فُضّلوا عند العطاء بخمسمائة خمسمائة فى أعطياتهم، خمسة
وعشرين رجلا؛ منهم زهرة، وعصْمة الضَّبَىّ، والكلَج. وأمَّا أهل الأيّام، فإنه
فرض لهم على ثلاثة آلاف فُضّلوا على أهل القادسيَّة.
وعن سيف ، عن عبيدة، عن يزيد الضَّخم، قال: فقيل لعمر: لو ألحقتّ
بهم أهل القادسيَّة! فقال: لم أكن لألحقَ بهم من لم يدركهم . وقيل له فى
أهل القادسيّة: لو فضلت مَن بعُدَتْ داره على مَنْ قاتلهم بفنائه! قال:
وكيف أفضّلهم عليهم على بعد دارهم ، وهم شَجن العدّو ، وما سوَّيت
بينهم حتى استطبتهم ؛ فهلاً فعل المهاجرون بالأنصار إذ قاتلوا بفنائهم
مثل هذا !
وعن سيف ، عن المجالد، عن الشعبىّ، وسعيد بن المرزبان عن رجل
من بنى عبْس، قال: ، لمَّا زال رستم عن مكانه ركب بغلاً ، فلمّا دنا منه
هلال نزع له نشَّابة، فأصاب قدمه فشكَّها فى الرِّكاب، وقال: ((بيايه))(٢)،
فأقبل عليه هلال . فنزل، فدخل تحت البغل ، فلمَّا لم يصل إليه قطع عليه
المال ، ثم نزل إليه ففلق هامته .
وعن سيف ، عن عبيدة ، عن شقيق ، قال : حملنا على الأعاجم يوم
القادسيَّةِ حَمْلة رجل واحد، فهزمهم اللّه، فلقد رأيتُنى أشرتُ إلى أسوارٍ منهم
٢٣٤٤/١
(١) ز: ((عن)).
(٢) كلمة فارسية، معناها ((كما انت))، وانظر ص ٥٧٧ س ١ من هذا الجزء.

٥٦٩
سنة ١٤
فجاء إلىَ وعليه السلاح التامّ ، فضربت عنقه ، ثم أخذت ما كان عليه .
وعن سيف ، عن سعيد بن المرزبان ، عن رجل من بنى عَبْس ، قال :
أصاب أهلَ فارس يومئذ بعد ما انهزموا ما أصاب النَّاس قبلهم ؛ قتلوا حتَّى إن
كان الرجل من المسلمين ليدعوُ الرجُلَ منهم فيأتيه حتى يقوم بين يديه ،
فيضرب عنقه ، وحتى إنّه ليأخذ سلاحه فيقتله به ؛ وحتى إنّه ليأمر الرّجليْن
أحدهما بصاحبه؛ وكذلك فى العِدّة .
وعن سيف ، عن يونس بن أبى إسحاق ، عن أبيه ، عمَّن شهدها ،
قال : أبصر سَلْمان بن ربيعة الباهلىّ أناسًا من الأعاجم تحت
راية لهم قد حفروا لها ، وجلسوا تحتها ، وقالوا: لا نبرح حتى نموت ، فحمل
عليهم فقتل من كان تحتها وسلبهم . وكان سلمان فارس الناس يوم
القادسيَّة، وكان أحدالّذين مالوا بعد الهزيمة على مَنْ ثبت، والآخر عبد الرحمن
ابن ربيعة ذو النور، ومال على آخرين قد تكتَّبوا، ونصبوا للمسلمين فطحنهم
بخيله .
وعن سيف ، عن الغصن ، عن القاسم ، عن البَهىّ ، أن الشعبىّ
قال : كان يقال : لَسلْمَان أبصَرُ بالمفاصل من الجازر بمفاصل الجزور .
فكان موضع المَحبَس اليوم دارَ عبد الرحمن بن ربيعة، والتى بينها وبين
دار المختار دار سَلْمان؛ وإنّ الأشعث بن قيس استقطع فناء كان قدّمها،
هو اليوم فى دار المختار، فأقْطعه فقال له : ما جرّأك علىَّ يا أشعث ؟ والله
لئن حُزْتَها لأضربنَّك بالجُنِىّ - يعنى سيفه ـ فانظر ما يبقى منك بعدُ،
فصدف عنها ولم يتعرّض لها .
وعن سيف ، عن المهلّب ومحمد وطلحة وأصحابه ، قالوا : وثبت بعد
الهزيمة بضع وثلاثون كتيبة ، استقتلوا واستحيوا من الفرار ، فأبادهم اللّه ،
فصمد لهم بضعة وثلاثون من رؤساء المسلمين، ولم يُتبعوا فالَّة القوم ، فصمد
سلمان بن ربيعة لكتيبة وعبد الرحمن بن ربيعة ذو النور لأخرى ؛ وصمد
لكلّ كتيبة منها رأس من رؤساء المسلمين . وكان قتال أهل هذه الكتائب،
٢٣٤٥/١

٥٧٠
سنة ١٤
١/ ٢٣٤٦
من أهل فارس على وحهتَيْن ؛ فمنهم من كَذَب فهرب، ومنهم مَنْ ثبت
حتى قتل ؛ فكان ممَّن هرب من أمراء تلك الكتائب الهرْمُزان وكان بإزاء
عُطارِدٍ ، وأهود وكان بإزاء حنْظَلة بن الربيع، وهو كاتب النبيّ صلَّى اللّه
عليه وسلّم ، وزاذُ بن بُھیْش و کان بإزاء عاصم بن عمرو، وقارن و کان بإزاء
القعقاع بن عمرو ؛ وكان ممَّن استقتل شهريار بن كناروكان بإزاء سلمان .
وابن الهرْبِذ وكان بإزاء عبد الرحمن، والفرُّخان الأهْوازى وكان بإزاء بُسر بن
أبى رُهْم الجهنى، وخُسْرَوْشُوم الهمذانىّ وكان بحيال ابن الهذيْل
الکاهلى" .
ثم إن- سعدًا أتْبَعَ بعد ذلك القعقاع وشرحبيل من صوّب فى هزيمته أو
صعّد عن العسكر وأتبع زهرةَ بن الحَويّة الجالنوس .
ذكر حديث ابن سحاق :
٥
١ / ٢٣٤٧
قال أبو جعفر الطبرىّ رحمه الله: رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق.
قال: ومات المثنَّى بن حارثة، وتزوّج سعد بن أبى وقَّاص امرأته
سلْمى ابنة خَصَفة وذلك فى سنة أربع عشرة . وأقام تلك الحجَّة
للنّاس عمر بن الخطاب. ودخل أبو عبيدة بن الجراح تلك السنة دمشق،
فشتا بها ، فلمّا أصافت الرّوم سار هِرَقْل فى الرّوم حتى نزل أنْطاكية
ومعه من المستعربة لتَخمٌ وجذام وبَلْقَيْن وبَلِىّ وعاملة ، وتلك القبائل من
قُضاعة، غَسَّانَ بشر كثير ؛ ومعه من أهل أرْمينية مثل ذلك ، فلمَّا
نزلها أقامَ بها، وبعث الصَّفَلار؛ خَصِيًّا له، فسار بمائة ألف مقاتل، معه من
أهل أرمينية اثنا عشر ألفًا، عليهم جَرّجة، ومعه من المستعربة من غسَّان وتلك
القبائل من قضاعة اثنا عشر ألفًا عليهم جبلة بن الأيهم العسَّانىٌ ، وسائرهم
من الرّوم ؛ وعلى جماعة الناس الصَّفَلار خصىّ هرقل؛ وسار إليهم المسلمون

٥٧١
سنة ١٤
وهم أربعة وعشرون ألفًا عليهم أبو عبيدة بن الجراح ، فالتقوا باليَرْموك فى
رجب سنة خمس عشرة ؛ فاقتتل الناس قتالا شديداً حتى دُخِل عسكر
المسلمين ، وقاتل نساء من نساء قريش بالسيوف حين دخل العسكر - منهن
أم حكيم بنت الحارث بن هشام - حتى سابقن (١) الرجال، وقد كان انضم إلى
المسلمين حين ساروا إلى الرّوم ناس من لَخْم وجُدام؛ فلمَّا رأوا جِدّ القتال
فرّوا ونجوا إلى ما كان قُرْبهم من القُرى ، وخذلوا المسلمين .
٢٣٤٨/١
حدّثنا ابن حُمْد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق ، عن
محي بن عروة بن الزُّبير، عن أبيه ، قال : قال قائل من المسلمين حين
رأی من خم وجذام ما رأی :
القومُ لَمٌ وَجُذَامٌ فى الهرَبْ ونحنُ والرَّوْمُ بَرْجٍ نَضْطرِبْ
، فإن يعودوا بَعْدَها لا نَصْطَحِبْ.
حدثنا ابنُ حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق ، عن وهب
ابن كيسان ، عن عبد الله بن الزَّبير، قال : كنت مع أبى الزبير عام اليرموك؛
فلمَّا تعبَّى المسلمون للقتال، لبس الزُّبير لأمته، ثم جلس على فرسه، ثم قال
لموليين له: احبسا عبدَ الله بن الزُّبير معكما فى الرَّحْل؛ فإنه غلام صغير.
قال : ثم توجَّه فدخل فى الناس؛ فلمّا اقتتل النَّاس والرّوم نظرت إلى ناس
وقوف على تلّ لا يقاتلون مع الناس. قال : فأخذت فرسًا للزبير كان خلَّقه
فى الرّحل فركبته ، ثم ذهبت إلى أولئك الناس فوقفت معهم ؛ فقلت : أنظر
ما يصنع الناس ؛ فإذا أبو سفيان بن حرب فى مَشْيّخة من قريش من
مُهاجِرة الفتح وقوفًا لا يقاتلون ؛ فلمَّا رأوْنى رأوْا غلامًا حَدَثًا، فلم يتَّقونى .
قال : فجعلوا واللّه إذا مال المسلمون وركبَتْهم الحرب، للروم يقولون: إيه
إيه بَلَأصْفَر! فإذا مالت الرّوم وركبهم المسلمون، قالوا: يا وبح بَلأصْفَر!
فجعلتُ أعجب من قولهم ، فلمَّ هزم اللّه الرّوم ورجع الزُّبير، جعلت أحدُّه
٢٣٤٩/١
(١) ذ: ((سايفن)).

٥٧٢
سنة ١٤
خبرهم . قال: فجعل يضحك ويقول: قاتلهم الله، أبوا إلاّ ضِغنًا! وماذا لهم
إِن يَظْهَرْ علينا الرّوم! لنحن خير لهم منهم .
ثم إنّ الله تبارك وتعالى أنزل نصره، فهزمت الرّوم وجموع هرقل التى
جمع، فأصيب من الرُّوم أهل إرمينيّة والمستعربة سبعون ألفًا، وقتل اللّه
الصّقلار وباهانَ ؛ وقد كان هرقل قدّمه مع الصّقَلار حين لحق به، فلماهزمت
الروم بعث أبو عبيدة عياض بن غَنْم فى طلبهم ، فسلك الأعماق حتى بلغ
مَكَطْية ، فصالحه أهلها على الجزية ، ثم انصرف ، ولما سمع هرقل بذلك
بعث إلى مقاتلتها ومَن فيها، فساقهم إليه، وأمر بمَلَطْية فحُرِقت. وقُتل
من المسلمين يوم اليرموك من قريش من بنى أميَّة بن عبد شمس عمرُو بن
سعيد بن العاص وأبان بن سعيد بن العاص ؛ ومن بنى مخزوم عبدالله بن
سفيان بن عبد الأسد ، ومن بنى سهم سعيد بن الحارث بن قيس .
قال : وفى آخر سنة خمس عشرة ، قتل اللّه رستم بالعراق ؛ وشهد أهل
اليرموك حين فرغوا منه يوم القادسيّة مع سعد بن أبى وقَّاص، وذلك أنّ سعدًا
حين حسر عنه الشتاء، سار من شراف يريد القادسيَّة ، فسمع به رستم ،
٢٣٥٠/١ فخرج إليه بنفسه؛ فلماسمع بذلك سعد وقف، وكتب إلى عمر يستمدّه؛ فبعث
إليه عمر المغيرة بن شعبة الثقفىّ فى أربعمائة رجل مددًا من المدينة، وأمدَّه بقيس
ابن مكشوح المرادىّ فى سبعمائة ، فقدموا عليه من اليرموك . وکتب إلى أبى
عبيدة : أن أمدّ سعد بن أبى وقَّاص أميرَ العراق (١) بألف رجل من عندك ؛
ففعل أبو عبيدة، وأمَّر عليهم عياض بن غَنْم الفِهْرىّ ؛ وأقام تلك الحِجَّة
للناس عمر بن الخطاب سنة خمس عشرة.
وقد كان لكسرى مُرابطة فى قصر بنى مقاتل، عليها الثُّعْمان بن قبيصة؛
وهو ابن حيّة الطائىّ ابن عمّ قبيصة بن إياس بن حيَّة الطائىّ صاحب الحيرة؛
فكان فى منظَرة له، فلمّا سمع بسعد بن أبى وقاص سأل عنه عبد اللّه بن سنان
ابن جرير الأسدىّ؛ ثم الصَّيْداوِىّ، فقيل له : رجل من قريش ، فقال :
(١) ابن حبيش: ((سعدا بالعراق)).

٥٧٣
سنة ١٤
أُمَّا إذا كان قُرَشِيًّا فليس بشىء ؛ والله لأجاهدنَّه القتال؛ إنما قريش عبيد
مَن غَلَب؛ والله ما يمنعون خفيرًا، ولا يخرجون من بلادهم إلا بخفير (١)؛
فغضب حين قال ذلك عبدُ الله بن سنان الأسدىّ، فأمهله حتى إذا دخل
عليه وهو نائم ، فوضع الرمح بين كتِفَيْه فقتله ، ثم لحق بسعد فأسلم . وقال فى
قتله النُّعمان بن قبيصة :
بقصر العِبِادِى ذَا الفَعَالِ مُجَدّلا
لقد غادَرَ الأقوامُ ليلَةَ أَدْلَجَوا
فأصبح منها فى النّجيعِ مُرَمَّلا(٢)
دَلَفْتُ له تحت العَجَاجِ بِطَعْنَةٍ
أبا عامِرٍ عنك اليمينُ تَحَلَّلا
أقولُ له والرمح فى نُفْضٍ كِتْفِهِ (٣)
١ / ٢٣٥١
وعاطْتُه بالرُّمح سمَّا مُتَمَّلا(٤)
سَقَيْتُ بها النّعْمَانَ كأساً رَوِيّةً
وقد كان عنها لابن حيَّةَ مَعْزلا
تركتُ سباعَ اَلجوِّ يعْرِفِن حوله
وهَدَّمتُ لُّعمان ◌ِزًّا مُؤْثَّلا
كفيتُ قريشاً إذا تَغَيَّبَ جَمْعُها
ولمّا لحق سعد بن أبى وقاص المغيرة بن شعبة وقيس بن مكشوح فيمن
معهما، سار إلى رستم حين سمع به حتى نزل قادٍ سَ - قرية إلى جانب العُذَيَب-
فنزل الناس بها، ونزل سعد فى قصر العُذيب ، وأقبل رستم فى جموع فارس
ستين ألفًا ممّا أحْصِيَ لنا فى ديوانه، سوى التّباع والرقيق ، حتى نزل القادسيَّة
وبينه وبين الناس جسرُ (٥) القادسيَّة، وسعد فى منزله وَجِعٌ، قد خرج
به قَرْح شديد ، ومعه أبو مِحْجَن بن حبيب الثقفىّ محبوس فى القصر ، حبسه
فى شرب الخمر ، فلمَّا أن نزل بهم رستم بعث إليهم أن ابعثوا إلىَّ رجلا منكم
جليدًا أكلمْه ، فبعثوا إليه المغيرة بن شعبة ، فجاءه وفد فرق رأسه أربع
فِرَق : فرقة من بين يديه إلى قفاه ، وفرقة إلى أذنيه ، ثم عقص شعره، ولبس
بُردًا له، ثم أقبل حتى انتهى إلى رستم، ورستم من وراء الجسر العتيق ممَّا يلى
(٢) مرملا ، أى ملطخاً .
١/ ٢٣٥٢
(١) ابن الأثير: ((بخفين)).
(٣) نغض الكتف : أعلى منقطع الغضروف.
(٤) المثمل : السم الناقع .
(٥) ط: ((العتيق جسر القادسية))، وكلمة ((العتيق)) مقحمة، فيما يبدو، الشرح.

٥٧٤
سنة ١٤
العراق ، والمسلمون من ناحيته الأخرى ممَّا يلى الحجاز فيما بين القادسيّة
والعُذَيب، فكلّمه رستم ، فقال : إنّكم معشر العرب كنتم أهل شقاء
وجهد ، وكنتم تأتوننا من بين تاجر وأجير ووافد ، فأكلتم من طعامنا ، وشريتم
من شرابنا ، واستظلم من ظلالنا ؛ فذهبتم فدعوتم أصحابكم ، ثم أتيتمونا
بهم ، وإنما مثَّلُكم مثل رجل كان له حائط من عِنَب ، فرأى فيه ثعلبًا
واحدًا ، فقال : ما ثعلب واحد! فانطلق الثعلب ، فدعا الثعالب إلى الحائط ؛
فلمّا اجتمعن فيه جاء الرجل فسدّ الجُحْر الذى دخلْن منه، ثم قتلهنّ جميعًا.
وقد أعلم أن الذى حملكم على هذا معشر العرب الجَهدُ الذى قد أصابكم ؛
فارجعوا عنَّا عامكم هذا ، فإنَّكم قد شغلتمونا عن عمارة بلادنا ، وعن عدوّنا ،
ونحن نُوقِر لكم ركائبكم قمحًا وتمرًا ، ونأمر لكم بكُسوة، فارجعوا عنّا
عافا كم الله !
فقال المغيرة بن شعبة: لا تذكُر لنا جهدًا إلاّ وقد كنا فى مثله أو أشدّ
منه ؛ أفضلُنا فى أنفسنا عيشاً الذى يقتل ابن عمه ، ويأخذ ماله فيأكله ،
نأكل الميتة والدم والعظام، فلم أزل كذلك حتَّى بعث اللّه فينا نبيًا، وأنزل
عليه الكتاب ، فدعانا إلى الله وإلى ما بعثه به ، فصدّقه منّا مصدّق، وكذّبه
منّا آخر ، فقاتل من صدّقه من كذبه، حتى دخلنا فى دينه ؛ من بين
مُنُوقِن به ، وبين مقهور؛ حتَّى استبان لنا أنه صادق ، وأنه رسول من عند الله .
فأمرنا أن نقاتل من خالفنا ، وأخبرنا أن من قُتل منّا على دينه فله الجنَّة،
ومَنْ عاش ملك وظهر على من خالفه؛ فنحن ندعوك إلى أن تؤمن بالله ورسوله،
وتدخل فى ديننا ، فإن فعلت كانت لك بلادك ، لا يدخل عليك فيها إلاّ من
أحببتَ ، وعليك الزكاة والخُمس، وإن أبيتَ ذلك فالجزية ؛ وإن أبيتَ
ذلك قاتلناك حتى يحكم الله بيننا وبينك.
قال له رستم : ما كنت أظن أنى أعيش حتى أسمع منكم هذا معشر العرب.
لا أمسى غدًا حتى أفرغ منكم وأقتلكم كلكم. ثم أمر بالعتيق أن يُسكّر،
فبات ليلته يسكر بالبراذع (١) والتراب والقَصَب حتى أصبح، وقد تركه طريقًا
مَهْعًا، وتعبَى له المسلمون ، فجعل سعد على جماعة الناس خالد بن
(١) ط: ((بالزرع))، والصواب ما أثبته، وانظر ص ٥٢٩ س ١٥ من هذا الجزء.
٢٣٥٣/١

سنة ١٤
٥٧٥
عُرْفُطة حليف بنى أميّة بن عبد شمس ، وجعل على ميمنة الناس جرير
ابن عبد الله البَجَلىّ، وجعل على ميسرتهم قيس بن المكشوح المُرادىّ.
٢٣٥٤/١
ثم زحف إليهم رستم ، وزحف إليه المسلمون ، وما عامَّةُ جُننِهِم ــ فيما
حدثنا ابن حميد ، قال : حدّثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن عبد الله
"بن أبى بكر - غير براذع الرّحال، قد عرضوا فيها الجريد ، يترِّسون بها
عن أنفسهم، وما عامَّة ما وضعوه على رءوسهم إلا أنساع الرّحَال، يطوى الرجل
نِسْعْ رحْله على رأسه يتَّقى به ، والفُرْس فيما بينهم من الحديد واليلامق ؛
فاقتتلوا قتالا شديدًا، وسعد فى القصر ينظر، معه سلمتى بنت خَصَفة؛ وكانت
قبله عند المثنى بن حارثة، فجالت الخيل، فرغبت سلمى حين رأت الخيل جالت،
فقالت: وامثنَّياه ولا مُثنَّى لى اليوم ! فغار سعد فلطم وجهها ، فقالت :
أُغَيْرةً وجُبْناً! فلمَّا رأى أبو محْجن ما تصنع الخيل حين جالت ، وهو
ينظر من قصر العُذيب وكان مع سعد فيه ، قال :
كَفَى حَزَنَا أَن تَرْدِىَ الخيل بالقنا وأَثْرَكَ مشدودًا عَلىّ وثاقيا (١)
مَصارِيعُ دونى لا تُجِيبُ المنادیا
إِذا قمْتُ عَنْانى الحديدُ وَأَغْلِقَتْ
فقَدْ تَركونى واحِدًا لا أخاليا
وقدْ كُنْتُ ذَا مالِ كثيرٍ وإخوة
٢٣٥٥/١
فكلَّمْ زَبْراءَ أُمَّ ولد سعد - وكان عندها محبوسًا، وسعد فى رأس الحصن
ينظر إلى الناس - فقال: يا زَبْراءُ ، أطلقينى ولك علىَّ عهد الله وميثاقه،
لئن لم أقتللأرجعن إليكحتى تجعلى الحديد فىرجلى"، فأطلقته وحملته على فرس
لسعد بلْقَاءَ وخلَّت سبيله ، فجعل يشدّ على العدوّ وسعد ينظر . فجعل سعد
يعرف فرسَه ويُنكرها ، فلمَّا أنْ فرغوا من القتال ؛ وهزم اللّه جموع فارس،
رجع أبو محجن إلى زبراء ، فأدخل رجله فی قیده ، فلما نزل سعد من رأس
الحصن رأى فرسه تعرق، فعرف أنها قد رُكِبَتْ، فسأل عن ذلك زَبْراء ،
فأخبرته خبر أبى مِحْجن فخلى سبيله ..
(١) ردى الفرس يردى؛ إذا عدا رجم الأرض رجما.

٥٧٦
سنة ١٤
حدّثنا ابنُ حميد، قال : حدثنا سلمة ، قال : حدّثنا محمد بن
إسحاق ، قال : وقد كان عمر وبن مَعْديكرب شهِد القادسيَّة مع
المسلمين .
وحدثنا ابنُ حميد، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن
عبد الرحمن بن الأسْوَد النّخَعَىّ ، عن أبيه ، قال : شهدت القادسيَّة؛
فلقد رأيت غلامًا منّا من النَّخَعَ يسوق ستين أو ثمانين رجلامن أبناء الأحرار .
فقلت : لقد أذلّ اللّه أبناءَ الأحرار!
حدّثنا ابنُ حُميد، قال : حدّثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن
إسماعيل بن أبى خالد، مولى بَجِيلة، عن قيس بن أبى حازم البَجَلىّ -
وكان ممَّن شهد القادسيّة مع المسلمين - قال : كان معنا يوم القادسيَّة
٢٣٥٦/١ رجل من ثقيف، فلحق بالفُرْس مرتدًا، فأخبرهم أنَّ بأس الناس فى الجانب
الذى به بجيلة. قال: وكُنَّا رُبع النَّاس؛ فوجَّهوا إلينا ستة عشر فيلا
وإلى سائر الناس فيلَيْن ، وجعلوا يُلقون تحت أرجُل خيولنا حسك الحديد ،
ويرشقوننا بالنُّشَّاب، فكأنَّه المطر علينا ، وقرنوا خيلهم بعضها إلى بعض
لئلا يفرُّوا. قال : وكان عمرو بن معديكرب يمرّ بنا فيقول: يا معشر
المهاجرين، كونوا أسودًا، فإنّما الأسد من أغنى شأنه؛ فإنّما الفارسىّ تيس
إذا ألقى نيْزكه.
قال : وكان أسوار منهم لا يكاد تسقط له نُشَّابة، فقلنا له : يا أبا ثور،
اتَّقِ ذلك الفارسىّ فإنه لا تقع له نُشَّابة؛ فتوجَّه إليه ورماه الفارسىّ
بنشَّابة فأصاب قوسه، وحمل عليه عمرو فاعتنقه فذبحه، واستلبه سوارَيْن من
ذهب ومنطقة من ذهب ويَكْمقًا (١) من ديباج، وقتل اللّه رستم، وأفاء على
المسلمين عسكره وما فيه ، وإنما المسلمون ستة آلاف أو سبعة آلاف ، وكان
الذى قتل رستم هلال بن علَّفة التَّيْمىّ رآه فتوجَّه إليه ، فرماه رستم بنشَّابة
فأصاب قدمه وهو يُتبعه، فشكَّها إلى ركاب سَرْجه، ورستم يقول بالفارسية:
(١) اليلمق: القباء المحشو

سنة ١٤
٥٧٧
((بيايه))، أى (( كما أنت))؛ وحمل عليه هلال بن عُلَّفة فضربه فقتله، ثم احتزَّ
رأسه فعلَّقه، وولَّت الفُرْس فأتبعهم المسلمون(١) يقتلونهم(٢)؛ فلما بلغت ١ /٢٣٥٧
الفرس الخرّارة نزلوا فشربوا من الخمر ، وطعموا من الطعام ، ثم خرجوا
يتعجَّبون من رميهم ، وأنّه لم يعمل فى العرب . وخرج جالنوس فرفعوا له
كُرّةً فهو يرميها ويشكّها بالنّشاب، ولحق بهم فرسان من المسلمين وهم
هنالك، فشدّ على جالنوس زُهرة بن حَوِ يَّة التميمىّ فقتله، وانهزمت الفرس،
فلحقوا بدير قُرّةَ وما وراءه ، ونهض سعد بالمسلمين حتى نزل بدير قُرّة
على من هنالك من الفرس ؛ وقد قدم عليهم وهم بدير، قرّة عياض بن غَنْم فى
مدده من أهل الشأم ، وهم ألف رجل ، فأسْهَمّ له سعد ولأصحابه مع
المسلمين فيما أصابوا بالقادسيَّة، وسعد وَجِعٌ من قَرْحته تلك ، وقال جرير
ابن عبد الله :
أنا جريرٌ كُنْيتِ أبو عَيِرْو قد نَصَرَ اللهُ وسَعْدٌ فى الفَصِرْ
وقال رجل من المسلمين أيضًا :
وسَعْدٌ بياب القادسيةُ مُعْعمُ
نُقاتِلُ حتى أُنْزَلَ اللهُ نَصْرَهُ
فأُبْنَا، وقد آمَت نِسَاء كثيرةٌ ونِسْوَةُ سَعْدٍ ليسَ فِيهِنَّ أَيُّ
قال : ولما بلغ ذلك من قولهما سعدًا ، خرج إلى الناس فاعتذر إليهم ،
وأراهم ما به من القَرْح فى فَخِذَيْه وأليَتَيْه، فعذره الناس، ولم يكن سعد ٢٣٥٨/١
لَعَمْرِى يُجَبَّن؛ فقال سعد يجيب جريرًا فيما قال :
وما أَرْجُو يَجِيلَةَ غَيْرَ أَنِّى أوْمِّلُ أَجْرَهِ يومَ الحِسَابِ
وقَدْ وَقَعَ الفَوارِسُ فی ضراب
فقد لَقِيَتْ خُولُهُمُ خیولاً
وقد دلَفَتْ بَعَرْصتهم فيولٌ كأنّ زُماءها إبلٌ جِرابُ(٣)
(١) ز :. ((واتبعوهم)).
(٢) ابن حبيش: ((فقتلوهم)).
(٣) فى البيت إقواء

٥٧٨
سنة ١٤
٢٣٥٩/١
ثم إنّ الفرس هربت من دير قُرّة إلى المدائن يريدون نِهاوَنْد ، واحتملوا
معهم الذهب والفضة والديباج والفرِنْد والحرير والسلاح وثيابكسری وبناته،
وخلّوا ما سوى ذلك، وأتبعهم سعد الطلبَ من المسلمين، فبعث خالد بن عُرْفُطة
حليف بنى أمية، ووجّه معه عياض بن غَنْم فى أصحابه، وجعل على مقدّمة
النَّاس هاشم بن عُتْبة بن أبى وقَّاص ، وعلى ميمنتهم جرير بن عبد اللّه
البَجَلى، وعلى ميسرتهم (١) زُهرة بن حَوِيَّة التميمى؛ وتخلّف سعد لما به
من الوَجَعَ ؛ فَّما أفاق سعد من وجعه ذلك اتَّبع الناسَ بمن بِقِىَ معه من
المسلمين؛ حتى أدركهم دون دجلة على بَهُرَسِير ، فلمَّا وضعوا على دِجْلة
العسكر والأثقال طلبوا المخاضة ، فلم يهتدوا لها ؛ حتى أتى سعدًا عِلْج من أهل
المدائن ، فقال: أدُلُكم على طريق تُدركونهم قبل أن يُمْعِنوا فى السير !
فخرج بهم على مخاضة بقَطْرَ بُّلَ ، فكان أول مَن خاض المخاضة هاشم
ابن عُتبة فى رَجْله، فلمَّا جاز اتَّبِعته خيله، ثم أجاز خالد بن عُرْفُطة
بخيله ، ثم أجاز عياض بن غَنْم بخيله ، ثم تتابع الناس فخاضوا حتى
أجازوا؛ فزعموا أنه لم يُهْتَدَ لتلك المخاضة بعد. ثم ساروا حتى انتهَوْا إلى
مُظْلِمٍ سَاباط، فأشفق النَّاس أن يكون به كمين للعدّو ، فتردّد الناس ،
وجبنوا عنه ؛ فكان أوّل منْ دخله بجيشه هاشم بن عتبة، فلمّا أجاز ألاح
للناس بسيفه، فعرَّف الناس أن ليس به شىء يخافونه(٢)، فأجاز بهم خالد بن
عُرْفُطة ، ثم لحق سعد بالناس ؛ حتى انتهوا إلى جلولاء وبها جماعة من
الفرس ، فكانت وقعة جلولاء بها ، فهزم اللّه الفرس ، وأصاب المسلمون بها من
الفيء أفضلَ مما أصابوا بالقادسيَّة ، وأصيبت ابنة لكسرى ، يقال لها منجانة ؛
ويقال: بل ابنة ابنه . وقال شاعر من المسلمين :
يَحْمِلُ أثقالَ الغُلامِ الْمُسْلِمْ
يارُبَّ مُثْرِ حَسنٍ مُطَهِمْ
يومَ جَلولاء ويوم رُسْتَمْ
يَنْجُو إلى الرّحمن من جهْمْ
ويوم لاقَى ضَيْقَة مُهَزَّمْ
ويومَ زحفِ الكوفة المُقدَّمْ
#
« وخرَّ دينُ الكافِرِين للغَمْ
(١) ز: ((ميسرته)).
(٢) كذا فى ز وفى ط: ((تخافونه)).

سنة ١٤
٥٧٩
٢٣٦٠/١
ثم كتب سعد إلى عمر بما فتح اللّه على المسلمين (١)؛ فكتب إليه عمر :أن
قِفْ ولا تطلبوا غير ذلك. فكتب إليه سعد أيضًا: إنما هى سُرْبة (٢)
أدركناها والأرض بين أيدينا ، فكتب إليه عمر : أن تف مكانك ولا تُتبعهم ،
واتَّخذْ للمسلمين دار هجرة ومنزل جهاد، ولا تجعل بينى وبين المسلمين
بحرًاً . فنزل سعد بالناس الأنبار ، فاجتوَوْها وأصابتهم بها الحُمَّى، فلم
توافقهم ، فكتب سعد إلى عمر يخبره بذلك ، فكتب إلى سعد أنه لا تصلح
العرب إلا حيث يصلح البعير والشاة فى منابت العُشب؛ فانظر فلاةً فى
جنب البحر فارتَدْ للمسلمين بها منزلاً .
قال : فسار سعد حتى نزل كُوَيْفة عمروبن سعد ، فلم توافق النَّاس مع
الذّباب والحمى . فبعث سعد رجلا من الأنصار يقال له الحارث بن سلمة
- ويقال: بل عثمانَ بن حُنَيْف، أخابنى عمرو بن عوف - فارتاد لهم موضع
الكوفة اليوم، فنزلها سعد بالنَّاس، وخطّ مسجدها، وخط فيها الخطط
للنَّاس .
وقد كان عمر بن الخطاب خرج فى تلك السنة إلى الشأم فنزل الجابية ،
وفتحت عليه إيلياء ؛ مدينة بيت المقدس، وبعث فيها أبو عبيدة بن الجراح
حنظلة بن الطُّغيل السُّلَمِىّ إلى حِمْص، ففتحها اللّه على يديه، واستعمل
سعد بن أبى وقاص على المدائن رجلا من كِنْدة، يقال له شُرَحْبيل بن السَمط؛ ٢٣٦١/١
وهو الذى يقول فيه الشاعر :
ألا لَيَتَى وَالمَرْءَ سعدَ بن مالكِ وَرَبْراءَ وابن السّمْطِ فِى لُجَّةِ البَحْرِ
ذكر أحوال أهل السَّواد
كتب إلىَّ السرىُّ، عن شعيب ، عن سيف، عن عبد الملك بن عُمَیْر،
عن قبيصة بن جابر ، قال : قال رجل منًّا يوم القادسيَّة مع الفتح :
(١) ابن حبيش: ((للمسلمين)).
(٢) السربة: جماعة يتسللون من العسكر فيغيرون ويرجعون.

٥٨٠
سنة ١٤
نقاتل حتى أنزلَ الله نصرَهُ وسعدٌ ببابِ القادسّة معصِمُ
ونسوة سعدٍ ليسَ فيهنّ أْمُ
فَأُبْنا وقد آمَّتْ نساء كثيرةٌ
فبعث بها فى الناس ، فبلغت سعدًا ، فقال : اللهمّ إن كان كاذبًا،
أو قال الذى قال رياءً وسُمْعة وكذبًا ، فاقطع عنّى لسانه ويده .
وقال قبيصة: فوالله إنَّه لواقف بين الصفَّين يومئذ؛ إذ أقبلت نُشَّابة
لدعوة سعد ، حتى وقعت فى لسانه فيبس شِقُّه؛ فما تكلّم بكلمة حتى لحق
بالله .
كتب إلىّ السرىُّ، عن شعيب ، عن سيف ، عن المقدام بن شُرَيْح
الحارثِيّ ، عن أبيه ، قال : قال جرير يومئذ :
أنا جريرٌ كنيتِ أبو عِرْو قدْ نصر الله وسعد فى الْقَصِرْ
٢٣٦٢/١
فأشرف عليه سعد ، فقال :
أَوْمَلُ أَجْرَها يومَ الحِسَابِ
وما أرْجو يَجِيلةً غيرَ أنِى
وقَدْ وقع الفَوَارِسُ فى الضُّرَابِ
وقد لَفِيَتْ خُيُولُهُمُ خُيُولاً
وحمّالٍ لِلَّجُّوا فى الكِذِابِ
عَمْرِو
فلولا جَمْعُ قَعقاع بن
وضَرْبٍ مِثْلٍ تَشْقِيقِ الإهاب
بطَّعْنِ
هُمُ منعوا جُمُوعَكُمْ
تُشَلُّ جموعُكم مثل الذُّباب(١)
رَعَاعاً
ولولا ذاك ألْفِیتُمْ
كتب إلىَّ المرئُّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن القاسم بن سُليم بن
عبد الرحمن السعدىّ ، عن عثمان بن رجاء السعدىّ ، قال : كان سعد بن
مالك أجرَ أ النَّاس وأشجعتَهمْ؛ إنه(٢) نزل قصرًا غير حصين بين الصّفَّين،
فأشرف منه على النَّاس، ولو أعراه الصّفّ فُواقَ ناقة أخِذ برُمّته؛ فوالله
ما أكرثه هول تلك الأيام ولا أقلقه .
(١) ز: ((الذئاب))
(٢) ز: ((وإنه)).
؟