Indexed OCR Text

Pages 501-520

٥٠١
سنة ١٤
حتى يُدفيكم ويدفيه(١) فى خندق القادسيَّة، وينكَل به وبكم من بعد ،
ثم أورده بلادكم ، حتى أشغلكم فى أنفسكم بأشدّ ممَّا نالكم من سابور .
ثم قال: مَنْ أشرفُكم؟ فسكت القوم، فقال عاصم بن عمرو - وافتات(٢)
ليأخذ التراب: أنا أشرفُهم، أنا سيِّد هؤلاء فحمّلْنيه، فقال (٣): أكذاك ؟
قالوا : نعم ، فحمّله على عنقه ، فخرج به من الإيوان والدار حتى أتى راحلته
فحمله عليها ؛ ثم انجذب (٤) فى السَّير، فأتوا به سعدًا(٥) وسبقهم عاصم
فمرّ بباب قُدَيَس فطواه، فقال: بشِّروا الأميرَ بالظّفْر، ظفرنا إن شاء الله.
ثم مضى حتَّى جعل التراب فى الحجر ، ثم رجع فدخل على سعد ، فأخبره الخبر
فقال : أبشروا فقد والله أعطانا الله أقاليدَ ملْكِهم .
وجاء أصحابه وجعلوا يزدادون فى كلّ يوم قوّة ، ويزداد عدوهم فى كل
يوم وَهَنَاً، واشتدّ ما صنع المسلمون ، وصنع الملك من قبول التراب على جلساء
الملك، وراح رستم من ساباط إلى الملك يسأله عمَّا كان من أمره وأمرهم، وكيف
رآهم ، فقال الملك : ما كنتُ أرى أنَّ فى العرب مثل رجال رأيتهم دخلُوا علىّ
وما أنتم (٦) بأعقلَ منهم، ولا أحسنَ جوابًا منهم؛ وأخبره بكلام متكلِّمهم ،
وقال: لقد صَّدَقنى القوم، لقد وعِد القوم أمرًا ليُدرَكُنَّه أو ليموتُنّ عليه ،
على أنى قد وجدت أفضلَهم أحمقَهم ، لمَّا ذكروا الجزية أعطيتُه ترابًا
فحملَه على رأسه ، فخرج به ، ولو شاء اتَّقى بغيره ؛ وأنا لا أعلم .
قال: أيَّها الملك، إنه لأعقلُهم، وتطيّر إلى ذلك، وأبصرها دون ٢٢٤٤/١
أصحابه .
وخرج رستم من عنده كئيبا غضبانَ - وكان منجِّما كاهنًا - فبعث فى
أثَر الوفد، وقال لثقته (٧): إن أدركتهم الرّسول (٨) تلافَينا أرضَنا، وإن أعجزوه (٩)
(١) النويرى: ((يدفنكم ويدفنه)). وأدفى الجريح: أجهز عليه.
(٢) ابن حبيش: ((واقتاف)).
(٣) ابن حبيش: ((قال)).
(٤) ابن حبيش: ((انحدر))
(٦) ابن حبيش: ((والله ما أنتم)).
(٧) أبن حبيش: ((لبعثه)).
(٨) ز: ((إنأدركتهم)).
(٩) (: ((أعجزوك)). ابن الأثير: ((أعجزه))، النويرى: ((أعجزوا)).
(٥) ابن حبيش: ((فباتوا بسعد)).

٥٠٢
سنة ١٤
سلبكم الله أرضكم وأبناءكم . فرجع الرّسول من الحيرة بفواتِهم، فقال: ذهب
القوم بأرضكم غير ذى شكّ ، ما كان من شأن ابن الحجَّامة المُلك! ذهب
القوم بمفاتيح أرضنا! فكان ذلك مما زادالله به فارس غيظًا. وأغاروا بعد ما خرج
الوفد إلى يَزْدَ جِرد، إلى أن جاءوا إلى صيّادين قد اصطادوا سمكًا، وسار
سواد بن مالك التمیمیّ إلى النّجاف والفراض إلیجنبها ، فاستاق ثلثمائة دابة من
بين بغل وحمار وثور، فأوقروها سمكًا ، واستاقوها، فصبَّحوا العسكر ، فقسم
السَّمَك بين النَّاس سعد، وقسمَ الدوابّ ، ونفَّل الخمس إلاّ ما رُدَّ على
المجاهدين منه، وأسهم على السَّبْى؛ وهذا يوم الحيتان، وقد كان الآزاذ مرد
ابن الآزاذ به خرج فى الطَّلب، فعَطَف عليه سوادٌ وفوارس معه ، فقاتلهم على
قنطرة السَّيْلَحين ؛ حتى عرفوا أنّ الغنيمة قد نجت ، ثم اتّبعوها فأبلغوها
المسلمين ، وكانوا إنَّما يقرَمون إلى اللحم ؛ فأمَّا الحنطة والشعير والتمر
والحبوب ؛ فكانوا قد اكتسبوا منها ما اكتفوا به لو أقاموا زمانًا؛ فكانت
السَّرَايا إنَّما تسرى للحوم ، ويسمُّون أيامها بها ، ومن أيَّام اللحم يومُ الأباقر
٢٢٤٥/١ ويوم الحيتان. وبُعِث مالك بن ربيعة بن خالد التيمىّ؛ تَيْم الرّباب، ثم الواثلى
ومعه المساور بن النّعمان التيمىّ ثم الرُّبَيَعِىّ فى سريّة أخرى؛ فأغارا على
الفيوم؛ فأصابا إبلاً لبنى تغلب والنَّمِر فشلاّ ها (١) ومَن فيها ، فغدوا بها
على سعد، فُنحِرت الإبل فى النَّاس . وأخصبوا، وأغار على النَّهْرَيْنِ عِمرو
ابن الحارث، فوجدوا على باب ثوراء مواشىَ كثيرة، فسلكوا أرض شَيْلى
- وهى اليوم نهر زياد - حتى أتوا بها العسكر .
وقال عمرو : ليس بها يومئذ إلا نهرانٍ . وكان بين قدوم خالد العراق ونزول
سعد القادسيَّة سنتان وشىء . وكان مُقام سعد بها شهرين وشيئًا حتى ظفر.
قال - والإسناد الأول - : وكان من حديث فارس والعرب بعد البُوَيَب أنّ
الأنوشَجان بن الهِرْبَة خرج من سَواد البصرة يريد أهل غُضَىّ ، فاعترضه
أربعة نفر على أفناء تميم ؛ وهم بإزائهم : المسْتَورِد وهو على الرِّباب،
(١) فشلاها، أى انتزعاها.

سنة ١٤
٥٠٣
وعبد الله بن زيد يسانده ؛ الرّبابُ بينهما، وجَزْء بن معاوية وابن النابغة
يسانده؛ سَعْد بينهما، والحُصين (١) بن نِيَار والأعوربن بشامة يسانده على
عمرو، والحصين بن معبد والشَّبه على حنظلة ، فقتلوه دونهم. وقدم سعد فانضمُّوا
إليه هم وأهل غُضَىّ وجميع تلك الفِرَق.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وعمرو ٢٢٤٧/١
بإسنادهم، قالوا: وعجَّ أهلُ السَّواد إلى يَزْدَ جرد بن شهريار، وأرسلوا.
إليه أنَّ العرب قد نزلوا القادسيَّة بأمر ليس يُشبه إلاّ الحرب، وإنّ فعل العرب
مذ نزلوا القادسيَّة لا يبقى عليه شىء ؛ وقد أخربوا ما بينهم وبين الفرات ؛
وليس فيما (٢) هنالك أنيس إلاّ فى الحصون، وقد ذهب الدواب وكلّ شىء
لم تحتمله الحصون من الأطعمة، ولم يبق إلاّ أن يستنزِلونا(٣)، فإن أبطأ عنّا
الغياث أعطيناهم بأيدينا . وكتب إليه بذلك المُلُوكِ الَّذين لهم الضّاع بالطفّ ،
وأعانوهم عليه، وهيَّجوه على بعثه رستم .
ولما بدا ليزدَ جِرْد أن يرسلَ رستم أرسلَ إليه ، فدخل عليه، فقال له :
إنّى أريد أن أوَجِّهك فى هذا الوجه؛ وإنما يُعَدّ(٤) للأمور على قدرها ،
وأنت رجل أهل فارس اليوم(٥) ، وقد ترى ما جاء أهلَ فارس مِن أمر
لم يأتِهِم مثلُه منذ ولىَ آلُ أردشير . فأراه أن قد قبل منه ، وأثنى عليه .
فقال له الملك : قد أحبُّ أن أنظر فيما لديك لأعرفَ ما عندك ،
فصفْ لِى العرب وفعلَهم منذ نزلوا القادسيَّة، وصف لى العَجَم وما
يلقوْن منهم .
فقال رستم : صفة ذئابٍ صادفت غِرَّةً من رِعاء فأفسدت . فقال :
ليس كذلك؛ إنى إنما سألتك رجاء أن تُعرب صفتهم فأقوّيك لتعمل على
قَدْر ذلك فلم تُصِبْ، فافهم عنِّى؛ إنَّما مَثَلُهم ومثَلُ أهل فارس كمثل ٢٢٤٨/١
عُقَاب أوفى على جبل يأوى إليه الطير بالليل، فتبيت فى سَفْحه فى أوكارها،
(١) كذا فى ابن حبيش، وفى ط: ((الحسن)). (٢) ابن حبيش: ((بها)).
(٣) بعدها فى ابن حبيش: (( يستنزلوا)).
(٥) بعدها فى ابن حبيش: ((وأنت لها)).
(٤) ز: ((يعمد)).

٥٠٤
سنة ١٤
فلمّا أصبحت تجلّت الطير، فأبصرته يرقبها ، فإن شذّ منها شىء اختطفه ،
فلمّا أبصرته الطير لم تنهض من مخافته؛ وجعلت كلَّما شذّ منها طائر اختطفه،
فلو نهضت نهضةً واحدة ردَّه ؛ وأشدُّ شىء يكون فى ذلك أن تنجُوَ كلّها
إلا واحدًا؛ وإن اختلفت لم تنهض فرقة إلاَّ هلكت ؛ فهذا مثلُهم ومثل
الأعاجم ؛ فاعمل على قَدْرِ ذلك. فقال له رستُم: أيّها الملك، دَعْتِى ؛
فإنَّ العرب لا تزالُ تهاب العجم ما لم تُضَرِّهم بى؛ ولعلّ الدولة أن تثبت بى
فيكون اللّه قد كفَى، ونكون قد أصبْنَا المكيدة ورأى الحرب؛ فإنّ الرّأى
فيها والمكيدة أنفع من بعض الظَّفْر . فأبَى عليه ، وقال : أىّ شىء بقى !
فقال رستم: إنَّ الأناة فى الحرْب خيرٌ من العجلة ، والأناة اليومَ موضع ،
وقتال جيش بعد جيش أمثلُ من هزيمة بمرّة وأشدّ على عدوًّنا . فلجَّ وأبَى ،
فخرج حتى ضرب عسكره بساباط ، وجعلت تختلف إلى الملك الرُّسل ليرى
٢٢٤٩/١٠ موضعاً لإعفائه وبعثةٍ غيره، ويجتمع إليه النَّاس. وجاء العيون إلى سعد بذلك
من قبل الحيرة وبنى صلوبا ، وكتب إلى عمر بذلك . ولما كثرت الاستغاثة
على يَزْدَجرد من أهل السَّواد على يدى الآزاذمرد بن الآزاذبه جشعت
نفسه، واتّفى الحرب برستم ، وترك الرّأى- وكان ضيقًا لجوجاً- فاستحثّ
رستم ، فأعاد عليه رستم القول، وقال: أيُّها الملك ؛ لقد اضطرنى تضييع الرأى
إلى إعظام نفسى وتزكيتها ؛ ولو أجدُ من ذلك بدًّا لم أتكلّمْ به ، فأنشدك
اللّه فى نفسك وأهلك ومُلْكك؛ دعنى أقم بعسكرى وأسرّح الجالنوس؛ فإن
تكن لنا فذلك؛ وإلاّ فأنا على رِجْل وأبعث غيره، حتى إذا لم نجد بدًّا ولا حيلةً
صَبَرْنا لهم؛ وقد وهَّنَّاهم وحسَّرناهم ونحن جامُّون . فأبى إلاّ أن يسير .
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب ، عن سيف ، عن النّضْر بن السرىّ
الضّىّ، عن ابن الرُّفيل ، عن أبيه ، قال : لمّا نزل رستم بساباط ، وجمع
آلة الحرب وأدائها بعثَ على مقدمته الجالنوس فى أربعين ألفًا، وقال :
ازحف زحفاً ، ولا تنجذب إلاّ بأمرى؛ واستعملَ على ميمنته الهُرْمزان ،
وعلى ميسرته مِهْان بن بَهْرام الرازىّ ، وعلى ساقته البيرزان ، وقال رستم

سنة ١٤
٥٠۵
ليشجّع الملك: إن فتح الله علينا القوم (١) فهو وجْهنا(٢) إلى ملكهم فى دارهم (١١ ٢٢٥٠/١
حتى نشغلهم فى أصلهم وبلادهم ، إلى أن يقبلوا (٤) المسالمة أو يرضوا بما كانوا
يرضون به . فلمّا قدمت وفود سعد على الملك، ورجعوا من عنده رأى رستم
فيما يرى النائم رؤيا فكرهها ، وأحسّ بالشرّ، وكره لها الخروج ولقاء القوم،
واختلف عليه رأيه واضطرب . وسأل الملك أن يُمضىَ الجالنوس ويُقيم حتَّى
ينظر ما يصنعون ، وقال: إن غناء الجالنوس كغنائى ، وإن كان اسمى أشدّ
عليهم من اسمه ، فإن ظفر فهو الذى نريد ، وإن تكن الأخرى وُجِّهْتُ مثله ،
ودفعنا هؤلاء القوم إلى يوم ما ؛ فإنّى لا أزال مرجوًّا فى أهل فارس، ما لم أهزَم
ينشطون ، ولا أزال مهيبًا فى صدور العرب؛ ولا يزالون يها بون الإقدام مالم أباشرهم؛
فإن باشرتهم اجترءوا آخرَ دهِرِهم، وانكسر أهلُ فارس آخرَ دهرهم . فبعث
مقدّمته أربعين ألفًا؛ وخرج فى ستين ألفًا، وساقته فى عشرين ألفًا .
كتب إلىّ السرىُّ، عن شعيب ، عن سيف ، عن محمدوطلحة وزياد
وعمرو بإسنادهم ؛ قالوا : وخرج رستم فى عشرين ومائة ألف، كلُّهم متبوع،
وكانوا بأتباعهم أكثر من مائتى ألف ، وخرج من المدائن فى ستين ألف
متبوع .
كتب إلىَّ السرىُّ ، عن شُعيب،، عن سَيْف، عن هشام بن عروة ،
عن أبيه ، عن عائشة، أنّ رستم زحف لسعد وهو بالقادسيَّة فى ستين ألفَ
متبوع .
كتب إلىَّ السرىُّ ، عن شعيب عن سيف، عن محمد وطلحة وزياد ٢٢٥١/١
وعمرو بإسنادهم ، قالوا: لمَّا أبى المَلِك إلاّ السيرّ، كتب رستم إلى أخيه
وإلى رءوس أهل بلادهم : منرستم إلى البندوان مرزبان الباب،وسهمأهلفارس،
الَّذى كان لكلّ كون يكون، فيفضّ اللّه به كلّ جند عظيم شديد ، ويفتح به
(١) ابن حبيش: ((هؤلاء القوم)).
(٢) ز: ((فهو خلاصنا ثم وجهنا)).
(٣) ابن حبيش: ((فى داره)).
(٤) ابن حبيش: ((إلا أن يقبلوا)).

٥٠٦
سنة ١٤
كلّ حصن حصين، ومن يليه ؛ فرُمُّوا حصونكم، وأعِدّوا واستعِدُوا ،
فكأنكم بالعرب قد وردُوا بلاد كم ، وقارعوكم عن أرضكم وأبنائكم، وقد
كان من رأيى مدافعتهم ومطاولتهم حتى تعود سعودُ هم نحوسًا ؛ فأبى الملك
كتب إلىّ السرىُّ، عن شعيب ، عن سيف ، عن الصّلْت بن بَهرام ،
عن رجل؛ أنّ يزد جرد لمَّا أمر رستم بالخروج من ساباط، كتب إلى أخيه
بنحو من الكتاب الأوّل، وزاد فيه: فإنّ السمكة قد كدّرت الماء، وإنّ
النعائم قد حسُنت، وحسُنت الزُّهرَة، واعتدل الميزان، وذهب بتَهْرام؛
ولا أرى هؤلاء القوم إلاّ سيظهرون علينا، ويستولُون على مايلينا. وإنَّ أشدّ
ما رأيت أن الملك قال: لتسيرُنَّ إليهم أو لأسيرَنّ إليهم أنا بنفسى. فأنا
سائر إليهم .
كتب إلىَّ السرىُّ، عن شعيب، عن سيف، عن النَّصْر بن السّرِىّ ،
٢٢٥٢/١ عن ابن الرُّفيل،، عن أبيه، قال: كان الذى جرّا يزدجرد على إرسال رستم
غلام جابان منجِّم كسرى ، وكان من أهل فُرات بادَ قلَی، فأرسل إليه
فقال : ما ترى فى مسير رستم وحرب العرب اليوم ؟ فخافه على الصّدق
فكذبه ، وكان رستم يعلَم نحوًا من علمه، فتقُل عليه مسيرُه لعلمه ،
وخفَّ على الملكِ لما غرّه منه ، وقال : إنَّى أحبّ أن تخبرَنِى بشىء
أراه أطمئنّ به إلى قولك ، فقال الغلام لزُرنا الهندىّ: أخبره ، فقال :
سَلْنِى ، فسأله فقال: أيها الملكّ يُقبل طائر فيقع على إيوانِك
فيقع منه شىء فى فيه ها هنا - وخطّ دارةً - فقال العبد : صدق ،
والطائر غراب، والذى فى فيه درهم . وبلغ جابان أنّ الملك طلبه ، فأقبل
حتَّى دخل عليه ، فسأله عمَّا قال غلامُه ، فحسب فقال : صدق
ولم يُصب؛ هو عقعق، والذی فی فیه درهم، فيقع منهعلىهذا المكان،و کذبزرنا.
ينزو الدرهم فيستقرّ هاهنا - ودوّر دارة أخرى -فما قاموا حتَّى وقع على
الشُّرفات عقعق، فسقط منهُ الدرهم فى الخط الأول ، فتزا فاستقرّ فى الخطّ

سنة ١٤
٥٠٧
الآخر. ونافر الهندىُّ جابان حيث خَطَّاه؛ فأتيا ببقرة نَتُوج؛ فقال الهندىُّ:
سَخْلتها غرّاء سَوداء، فقال جابان: كذبْتَ، بل سوداء صبغاء(١)،
فنُحرت البقرة فاستُخرجت سخلتها، فإذا هى ذنَبها بين عينيها، فقال جابان: ٢٢٥٣/١
من هاهنا أتِىَ زرنا، وشجّعاه على إخراج رستم ، فأمضاه، وكتب جابان إلى
جُشْنَسْماه: إنّ أهل فارس قد زالَ أمرهم، وأديلَ عدوُّهم عليهم، وذهب
مُلك المجوسيَّة ، وأقبل مُلك العرب ، وأديل دينهم ؛ فاعتقدْ منهم الذمَّة ،
ولا تخلُبنَّك الأمور ، والعجل العجل قبل أن تُؤْخَذ ! فلمّا وقع الكتاب إليه
خرج جشنسماه إليهم حتى أتى المعنَّى ؛ وهو فى خيل بالعتيق ، وأرسله
إلى سعد ، فاعتقد منه على نفسه وأهل بيته ومن استجاب له وردّه ، وكان
صاحبَ أخبارهم. وأهدى للمعنّىّ فالوذق (٢) ، فقال لامرأته: ما هذا؟ فقالت:
أظنّ البائسة امرأته أراغت العصيدةَ فأخطأتْها، فقال المعنَى: بؤسًا لها !
كتب إلىّ السرىُّ ، عن شُعيب ، عن سيف ، عن محمد وطلحة وزياد
وعمرو بإسنادهم، قالوا: لمَّا فَصَل رستم من ساباط، لقيَه جابان على
القَنْطَرَة ، فشكا إليه ، وقال : ألا ترَى ما أرى؟ فقال له رستم: أمَّا أنا
فأقاد بخِشاش وزمام، ولا أجد بُدًّا من الانقياد . وأمر الجالنوس حتَّى قدم
الحيرة ؛ فمضى واضطرب فُسطاطه بِالنَّجَف، وخرج رستم حتى ينزل
بكُونى، وكتب إلى الجالنوس والآزاذ مرْد : أصيباً لى رجلاً من العرب من
جند سَعْد. فركبا بأنفسهما طليعة، فأصابا رجلا، فبعثا به إليه وهو ٢٢٥٤/١
٠٠
بکوثی فاستخبره ، ثم قتله.
كتب إلىَّ السرىُّ، عن شعيب، عن سيف، عن النَّهْر بن
السرىّ، عن ابن الرُّفيل، عن أبيه، قال: لمَّا فصَل رستم ، وأمر الجالنوس
بالتقدّم إلى الحيرة ، أمره أن يصيب له رجلا من العرب ، فخرج هو والآزاذمرد
(١) ز: ((سفعاء)). وفى اللسان عن أبى عبيدة: ((إذا شابت ناصية الفرس فهو أسعف،
فإذا ابيضت كلها فهو أصبغ )).
(٢) الفالوذق: حلواء تعمل من الدقيق والماء والعسل، معربة عن ((بالودة)). الألفاظ
الفارسية ١٢٠

سنة ١٤
٥٠٨
سريّةً فى مائة ؛ حتى انتهيا إلى القادسيَّة، فأصابا رجلاً دون قنطرة القادسية
فاختطفاه ، فنفر النَّاس فأعجزوهم إلاّ ما أصاب المسلمون فى أخْرَياتهم .
فلمَّا انتهيا إلى النَّجَف سرّحا به إلى رستم، وهو بكُوثَى ، فقال له رستم:
ما جاء بكم ؟ وماذا تطلبون ؟ قال : جئنا تطلب موعود الله، قال : وما هو؟
قال : أرضكم وأبناؤكم ودماؤكم إن أبيتم أن تُسْلِموا. قال رستم : فإن قُتلتم
قبل ذلك ؟ قال : فى موعود اللّه أنَّ مَن قُتِل منَّا قبل ذلك أدخله
الجنة، وأنجز لمن بقى منّا ماقلت لك، فنحن على يقين . فقال رستم : قد .
وُضِعْنًا إذًا فى أيديكم؛ قال: ويحك يا رستم ! إنّ أعمالكم وضعتْكم فأسلمكم
اللّه بها؛ فلا يغرنّك ما ترى حولك، فإنك لست تُحاول (١) الإنس؛ إنما
تحاول القضاءَ والقدر ! فاستشاط غضباً؛ فأمر به فضربت عنقه ، وخرج
رستم من كُوثَى ؛ حتى ينزل ببُرس ، فغصب أصحابُه الناسَ أموالَهم
ووقعوا على النساء، وشربوا الخمور. فضجّ العلُوج إلى رستم، وشكَّوْا إليه
ما يلقوْن فى أموالهم وأبنائهم. فقام فيهم ، فقال: يا معشر أهل فارس، واللّه
٢٢٥٥/١ لقد صدق العربى؛ والله ما أسلمنا إلا أعمالنا، والله للعرب فى هؤلاء وهم لهم
ولنا حربٌ أحسنُ سيرةً منكم. إنّ اللّه كان ينصركم على العدوّ، ويمكّن
لكم فى البلاد بحُسن السيرة وكفّ الظلم والوفاء بالعهود والإحسان؛ فأمَّا إذا
تحوَّلتم عن ذلك إلى هذه الأعمال ، فلا أرى الله إلا مغيّراً ما بكم ، وما أناباً من
أن ينزع الله سلطانه منكم. وبعث الرجال ؛ فلقطوا له بعض من يُشكىَ فأنِىّ
بنفر ، فضرب أعناقهم ، ثم ركب ونادى فى الناس بالرّحيل ، فخرج ونزل
بحيال دير الأعور ، ثم انصب إلى الملطاط ؛ فعسكر ممّا يلى الفرات
بحيال أهل النَّجَف بحيال الخَوَرْنق إلى الغَرِيَّيْن، ودعا بأهل الحيرة،
فأوعدهم وهمّ بهم، فقال له ابن بُقَيْلة: لا تجمع علينا اثنتين: أن تعجز
عن نُصْرتنا ، وتلومنا على الدفع عن أنفسنا وبلادنا . فسكت .
كتب إلىّ السرىَّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن عمرو، عن الشعبىّ ،
والمقدام الحارثى عمّن ذكره ، قالا : دعا رستم أهلَ الحيرة وسُرادقُه إلى
جانب الدَّير ، فقال: يا أعداءَ اللّه، فرحتم بدخول العرب علينا
٢٢٥٦/١ بلادنا، وكنتم عيونًا لهم علينا، وقوَّيتموهم بالأموال! فاتَّقوْه بابن بُقَيلة،
(١) كذا فى ابن حبيش وفى ط: «تجاول)).

٥٠٩
سنة ١٤
وقالوا له: كن أنت الذى تكلِّمه، فتقدّم ، فقال: أمَّا أنت وقولك :
((إنا فرحنا بمجيئهم)) (١، فماذا فعلوا؟ وبأىّ ذلك من أمورهم ١) نفرح ! إنَّهم
ليزعمون أنَّا عبيد لهم، وما هم على ديننا ؛ وإنّهم ليشهدون علينا أنَّا من أهل
النار. وأمَّا قولك: ((إنَّا كنا عيونًا لهم))، فما الذى يُخوجهم إلى أن نكون
عيوناً لهم ، وقد هرب أصحابكم منهم ، وخلّوا لهم القرى !فليس يمنعهم أحد
من وجه أرادوه؛ إن شاءوا أخذوا يمينًا أو شمالا. وأمَّا قولك: (إنا قوَّيناهم
بالأموال))؛ فإنا صانعناهم بالأموال عن أنفسنا؛ وإذالم تمنعونا مخافة أن نُسْبَى
وأن نُحرب (٣)، وتُقتل مقاتلتُنا- وقد عجز منهم من" لقيهم منكم-فكنا نحن
أعجز ؛ ولعمرى لأنتم أحبُّ إلينا منهم ؛ وأحسن عندنا بلاءً ، فامنعونا منهم
لكن لكم أعوانًا؛ فإنّما نحن بمنزلةِ عُلُوج السَّواد، عَبيد مَنْ غَلَب.
فقال رستم: صدقكم الرجل .
كتب إلىّ السرىُّ، عن شعيب ، عن سيف ، عن النَّضْر ، عن ابن
الرُّفيل ، عن أبيه ، قال: رأى رستُم بالدّير أنّ ملكًا جاء حتى دخل عسكر
فارس ، فختم السلاح أجمع .
كتب إلىّ السرىُّ، عن شعيب ، عن سيف ، عن محمد وأصحابه ؛
وشاركهم النَّضر بإسناده، قالوا: ولمّا اطمأن رستم أمَر الجالنوس أن يسير
من النَّجف، فسار فى المقدّمات ، فنزل فيما بين النَّجف والسَّيْلَحين ،
وارتحل رستم ، فنزل النَّجَف - وكان بين خروج رستم من المدائن وعسكرته
بساباط وزحفه منها إلى أن لقِىَ سعداً أربعة أشهر، لا يُقدم ولا يقاتِل - ٢٢٥٧/١
رجاء أن يضجروا بمكانهم ، وأن يجهدوا فينصرفوا، وكره قتالتَهم مخافة
أن يلقى ما لقِى مَن قبله (٤)، وطاولَهم لولا ماجعل الملك يستعجله ويُنهضه
ويُقدّمه؛ حتى أقحمه ؛ فلما نزل رستم النَّجَف عادت عليه الرؤيا ، فرأى
ذلك الملك ومعه النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم وعمر، فأخذ الملك سلاح أهل
(١-١) ابن حبيش: ((فوالله ما فرحنا بمجيبهم)).
(٢) ابن حبيش: ((من أمرهم)).
(٣) ز: ((تسبى وأن تحرب)).
(٤) ز: ((من قبلهم)).

٥١٠
سنة ١٤
فارس ، فختمه، ثم دفعه إلى النبيّ صلَّى اللّه عليه وسلَّم، فدفعه النبيّ صلَّى اللّه
عليه وسلَّم إلى عمر. فأصبح رستم، فازداد حُزْنا ، فلمَّا رأى الرُّفيل ذلك رغب
فى الإسلام ؛ فكانت داعيتَه إلى الإسلام، وعرف عمر أنّ القوم سيطا ولونهم،
فعهد إلى سعد وإلى المسلمين أن ينزلُوا حدود أرضِهم ، وأنْ يطاولوهم أبدًاحتى
يُنغضوهم، فنزلوا القادسيَّة، وقد وطَّنوا أنفسهم على الصَّبْر والمطاولة، وأبى اللّه
إلا أن يتمّ نوره، فأقاموا واطمأنوا ، فكانوا يُغِيرون على السَّواد ، فانتسفوا
ما حولتَهُمْ (١) فحوَوَه وأعدّوا للمطاولة؛ وعلى ذلك جاءوا، أو يفتح الله عليهم(٢).
وكان عمر يمدُّهم بالأسواق إلى ما يصيبون؛ فلمَّا رأى ذلك الملك ورستم وعرفوا
حالهم ، وبلغهم عنهم فعلُهم ؛ علم أن القوم غير منتهين ، وأنَّه إن أقام لم
يتركوه ؛ فرأى أن يشخص رستم ، ورأى رستم أن ينزل بين العتيق والنَّجَف،
ثم يطاولهم مع المنازلة، ورأى أنَّ ذلك أمثلُ ما هم فاعلون(٣)، حتى يصيبوا
من الإحجام حاجتهم ، أو تدور لهم سعود .
٢٢٥٨/١
كتب إلىَّ السرىُّ، عن شعيب ، عن سيف ، عن محمد وطلحة وزياد
بإسنادهم، قالوا: وجعلت السَّرايا تطوفُ، ورسُتم بالنَّجف والجالِنوس بين
النَّجف والسَّيْلَحِين وذو الحاجب بين رستم والجالنوس، والهُرْمزان ومِهِْران
على مجِنَّتَيْه ، والبيرزان على ساقته وزاذ بن بُهَيْش صاحب فُرات سِرْيًا على
الرّجالة ؛ وكنارَى على المجرّدة؛ وكان جنده مائة وعشرين ألفا، ستين ألف
متبوع مع الرجل الشاكرىّ ، ومن الستين ألفا خمسة عشر ألف شريف متبوع ،
وقد تسلسلوا وتقارنوا لتدورَ عليهم رحى الحرب .
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف ، عن محمد بن قَیْس ،
عن موسى بن طَريف ، قال : قال النَّاس لسعد : لقد ضاق بنا المكان ؛
فأقدِمْ، فرَبَر مَن كلَّمه بذلك، وقال : إذا كُفيتم الرّأى، فلا تكلَّفوا ؛
فإنا لن نقدم إلاّ على رأى ذوى الرّأى، فاسكتوا ما سكتنا عنكم . وبعث
(١) ابن حبيش: ((يليهم)).
(٢) ز: ((هم)).
(٣) ابن حبيش: ((عاملون)).

٥١١
سنة ١٤
طليحة وعمرًا فى غير خيل كالطليعة ، وخرج سواد وحُمْيضة فى مائة مائة؛
فأغاروا على النَّهرين ؛ وقد كان سعد نهاهما أن يُمعنا ، وبلغ رستم ، فأرسل
إليهم خيلا ، وبلغ سعدًا أنَّ خيله قد وغلت ؛ فدعا عاصم بن عمرو وجابرا
الأسدىّ، فأرسلهما فى آثارهم يقتصّانها، وسلكا طريقتهما ، وقال لعاصم:
إن جمعتكم قتال فأنت عليهم ، فلقيهم بين النهرين وإصْطِيمِيا، وخيل
أهل فارس محتوشتُهم ، يريدون تخلُّص ما بين أيديهم؛ وقد قال سواد لُحميضة:
اختَرْ؛ إمَّا أن تقيم لهم وأستاق الغَنِيمة، أو أقيم لهم وتستاق الغنيمة . قال :
أقِمْ لهم ونَهْنِهْهُم عنّى، وأنا أبلِّغ لك الغنيمة ؛ فأقام لهم سواد، وانجذب
حُميضة، فلقيه عاصم بن عمرو ، فظنّ حُميضة أنَّها خيل للأعاجم أخرى ،
فصدّ عنها منحرفًا ؛ فلمّا تعارفوا ساقتها ؛ ومضى عاصم إلی سواد - وقد كان
أهل فارس تنقَّذوا بعضها- فلمَّا رأت الأعاجم عاصِمًا هربوا، وتنقَّذ سوادُ
ما كانوا ارتجعوا ؛ فأتوا سعدًا بالفتح والغنائم والسلامة؛ وقد خرج طُلَيحة
وعمرو؛ فأمَّا طُلَيحة فأمره بعسكر رستم، وأما عمرو فأمره بعسكر الجالنوس؛
فخرج طليحة وحْدَه ، وخرج عمرو فى عدّة ، فبعث قيس بن هبيرة فى
آثارهما؛ فقال : إن لقيتَ قتالا فأنت عليهم - وأراد إذلال طليحة لمعصيته ،
وأمَّا عمرو فقد أطاعه - فخرج حتى تلقَّى عمرًا، فسأله عن طليحة ، فقال :
لا علْمَ لى به ، فلَّما انتهينا إلى النَّجَف من قبل الجَوْف، قال له قيس:
ما تريد ؟ قال : أريد أن أغير على أدنى عسكرهم ؛ قال : فى هؤلاء! قال :
نعم، قال: لا أدعك واللّه وذاك! أتُعرّض المسلمين (١) لِما لا يطيقون!
قال: وما أنت وذاك! قال: إنى أمِّرت عليك؛ ولو لم أكن أميرًا لم أدعك
وذاك. وشهد له الأسود بن يزيد فى نفر أنّ سعدًا قد استعمله عليك ، وعلى
طليحة إذا اجتمعتم، فقال عمرو: والله يا قيس؛ إنَّ زمانًا تكون علىّ فيه
أميرًا لزمانُ سوء! لأن أرجعَ عن دينكم هذا إلى دينى الَّذى كنت عليه وأقاتل
عليه حتى أموت أحبُّ إلىّ مِنْ أن تتأمَّر علىّ ثانية. وقال: لئن عاد صاحبك
الَّذى بعثَك لمثلها لنفارقنَّه؛ قال: ذاك إليك بعد مرّتك هذه ، فردّه؛ فرجعا
(١) أبن حبيش: ((أيعرض المسلمون؟)).
٢٢٥٩/١
٢٢٦٠/١

٥١٢
سنة ١٤
إلى سعد بالخبَرَ. وبأعلاج وأفراس، وشكا كلُّ واحدٍ منهما صاحبه ؛ أمّا
قیسُ فشکاعصیان عمرو ، وأمَّا عمرو ، فشکا غلظةقیس ، فقالسعد: يا عمرو،
الخبر والسلامة أحبّ إلىّ من مُصاب مائة بقتل ألف، أتعمد إلى حَلْبة
فارس فتصاد مهم بمائة! إن كنت لأراك أعلَم بالحرب ممَّا أرى. فقال: إنَّ
الأمر لكّما قلت؛ وخرج طُلَيحة حتى دخل عسكرهم فى ليلة مقمرة ، فتوسم
فيه ، فهتك أطنابَ بيت رجل عليه، واقتاد فرسه، ثم خرج حتى مرّ بعسكر
ذى الحاجب ، فهتَك على رَجُلٍ آخر بيته، وحلّ فرسه، ثم دخل على
الجالنوس عسكرَه فهتك على آخر بيته، وحلّ فرسه ، ثم خرج حتى أتى
الخرّارة؛ وخرج الَّذى كان بالنَّجف، والَّذى كان فى عسكر ذى الحاجب
فاتَّبعه الذى كان فى عسكر الجالنوس، فكان أوَّلهم لحاقًا به الجالنوس ؛ ثم
الحاجبِىّ، ثم النَّجَفى؛ فأصاب الأوّليْن، وأسَرَ الآخِر. وأتى به سعدًا
٢٢٦١/١ فأخبره، وأسلم؛ فسمَّاه سعد مسلمًا؛ ولزم طليحة؛ فكان معه فى تلك المغازى
كلّها .
كتب إلىّ السرىُّ، عن شعيب ، عن سيف، عن أبى عمرو ، عن
أبى عثمان النَّهْدىّ، قال: كان عمر قد عهد إلى سعد حين بعثه إلى فارس ؛
ألاّ يمرّ بماء من المياه بذى قوّة ونجدة ورياسة إلاّ أشخصه؛ فإن أبى انتخبه،
فأمَّرَه عمر، فقدم القادسيَّة فى اثنى عشر ألفًا من أهل الأيَّام، وأناس من
الحمراء استجابوا للمسلمين، فأعانوهم؛ أسلم بعضهم قبل القتال ، وأسلم بعضهم
غبّ القتال ، فأشركوا فى الغنيمة ، وفُرضت لهم فرائض أهل القادسيّة :
ألفين ألفين ؛ وسألوا عن أمنع قبائل العرب ، فعادُ واتميمًا ؛ فلمَّاً دنا
رستم ، ونزل النَّجَف بعث سعد الطلائع ؛ وأمرهم أن يصيبوا رجلا ليسأله عن
أهل فارس ؛ فخرجت الطلائع بعد اختلاف ؛ فلما أجمع مَلأ الناس أنَّ
الطليعة" من الواحد إلى العشرة سمحوا، فأخرج سعد طُلَيحة فى خمسة ،
وعمرو بن مَعْدِ يكرب فى خمسة ؛ وذلك صبيحةَ قدّم رستم الجالنوس
وذا الحاجب؛ ولا يشعرون بفُصولهم من النَّجف؛ فلم يسيروا إلاّ فرسخا وبعض

٥١٣
سنة ١٤
آخر ؛ حتى رأوا مسالحتهم وسَرْحَهم على الطُّفوف قد ملئوها ، فقال
بعضهم : ارجعوا إلى أميركم فإنه سرّحكم؛ وهو يرى أنَّ القوم بالنَّجَف ؛
فأخبروه الخبر، وقال بعضهم: ارجعوا لا يَنْذرْ بكم (١) عدوّكم! فقال عمرو
لأصحابه: صدقتم، وقال طليحة لأصحابه : كذبتم ؛ ما بُعثّم لتُخبروا عن
السَّرْح، وما بُعثّم إلا للخُبْر(٢) قالوا: فما تريد؟ قال: أريد أن أخاطر القوم ٢٢٦٢/١
أو أهلك ، فقالوا: أنت رجل فى نفسِك غَدْر ؛ ولن تفلح بعد قتل عُكّاشة
ابن مِحْصَن؛ فارجع بنا، فأبى . وأتى سعدًا الخبرُ برحيلهم ؛ فبعث قيس بن
هُبيرة الأسدىّ، وأمَّره على مائة ، وعليهم إن هو لقيتَهم . فانتهى إليهم
وقد افترقوا ، فلمَّا رآه عمرو قال : تجلّدوا له ، أرَوْه أنَّهم يريدون الغارة ؛
فردّهم، ووجد طليحةَ قد فارقهم فرجع بهم. فأتوا سعدًا، فأخبروه بقُرب
القوم ، ومضى طُليحة، وعارض المياهَ على الطُّفُوف؛ حتى دخلَ عسكر
رستم، وبات فيه يجُوسه وينظر ويتوسم؛ فلمَّا أدبر الليل، خرج وقد أتى
أفضل مَن توسّ فى ناحية العسكر ؛ فإذا فرس له لم يُرَ فى خيل القوم مثلُه،
وفسطاط أبيض لم يُرّ مثله ؛ فانتضى سيفه ، فقَطع مِقْودَ الفرس ، ثم ضمَّه
إلى مقْوَد فرسه ، ثم حرّك فرسه ، فخرج يعدُو به ، ونذر به الناس
والرَّجْل، فتنادوْا وركبوا الصّعْبة والذّول ، وعجِل بعضهم أن يسرج ،
فخرجوا فى طلبه ، فأصبح وقد لحقه فارسٌ من الجُند ، فلمَّا غشِيَهَ وَبَوّا له
الرّمح ليطعنه عدل طليحة فرسه ، فندر الفارسيّ بين يديه ، فكرّ عليه
طُلَيحة ، فقصَم ظهره بالرّمح ، ثم لحِقٍ به آخر، ففعل به مثلَ ذلك، ثم
لحق به آخر ؛ وقد رأى مصرع صاحبيه - وهما أبناعمِّه - فازداد حنقا،
فلمّا لحق بطُليحة، وبوَّا له الرمح ، عدل طليحة فرستَه، فندر الفارسىّ ٢٢٦٣/١
أمامه ، وكرَّ عليه طليحة؛ ودعاه إلى الإسار ، فعرف الفارسىّ أنه قاتله
فاستأسرَ ، وأمره طُليحة أن يركُض بين يديه ؛ ففعل . ولحِقٍ الناس فرأوا
فارسَ الجند قد قتِلا وقد أسر الثالث ، وقد شارف طُليحة عسكرهم ،
(١) ابن حبيش: ((لا يبدرنكم)).
(٢) ابن حبيش: ((للخير)).

٥١٤
سنة ١٤
فأحجموا عنه ، ونكسوا ، وأقبل طُليحة حتى غشىَ العسكر، وهم على تعبية ،
فأفزِعِ النَّاس ، وجوّزوه إلى سعد ؛ فلمَّا انتهى إليه، قال: ويحك ما وراءك!
قال: دخلت عساكرهم (١) وجُستها منذ الليلة، وقد أخذت أفضلتهم توسّمًا،
وما أدرى أصبت أم أخطأت! وها هو ذا فاستخبره. فأقيم التّرجمان بين
سعد وبين الفارسىّ ، فقال له الفارسىّ: أتؤمِّنْى على دمى إن صدقتُك ؟
قال : نعم ، الصّدق فى الحرب أحبّ إلينا من الكذب ، قال :
أخبركم عن صاحبكم هذا قبل أن أخبركم عمّن قِبَلَى؛ باشرتُ الحروب
وغشِيتُها، وسمعت بالأبطال ولقيتُها؛ منذ أنا غلام إلى أن بلغت ما تَرَى ،
ولم أرَ ولم أسمع بمثل هذا ؛ أن رجلا قطع عسكرين لا يجترئ عليهما الأبطال
إلى عسكر فيه سبعون ألفًا، يخدم الرجل منهم الخمسةُ والعشرة إلى ما هو دون؛
فلم يرضَ أن يخرج كما دخل حتَّى سلّب فارس الجند ؛ وَهَتَك أطناب
بيته فأنذرَه ، فأنذرنا به ، فطلبناه ، فأدركه الأوَّل وهو فارس الناس ،
يعدل ألفَ فارس فقتله ، فأدركه الثانى وهو نظيره فقتله ، ثم أدركتُه،
ولا أَظْنُّ أننى خلَّفت بعدى مَنْ يعد لى وأنا الثائر بالقتيلين، وهما ابنا عمى،
٢٣٦٤/١ فرأيتُ الموت فاستأسرت . ثم أخبره عن أهل فارس ؛ بأن الجند عشرون ومائة
ألف، وأن الأتباع مثلهم خُدَّام لهم. وأسلم الرّجل وسمَّه سعد مسلماً، وعاد
إلى طليحة ، وقال: لا والله، لا تُهزمون ما دمتم على ما أرى من الوفاء
والصدق والإصلاح والمؤاساة؛ لا حاجة لى فى صُحبة فارس ؛ فكان من أهل
البلاء يومئذ .
كتب إلىّ السرىُّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن محمد بن قيس ،
عن موسى بن طريف ، قال : قال سعد لقيس بن هُبيرة الأسدىّ : اخرج
يا عاقلُ ، فإنَّه ليس وراءك من الدُّنيا شىء تحنُو عليه حتى تأتِيسَى بعلم
القوم. فخرج وسرّح عمرو بن معديكرب وطليحة؛ فلمَّا حاذَى القنطرة
لم يسِرْ إلاَ يسيرًا حتى لحِقٍ ، فانتهى إلى خيلٍ عظيمة منهم بحيالها تردّ عن
عسكرهم، فإذا رستُم قد ارتحلَ من النَّجَف ، فنزل منزل ذى الحاجب ،
(١) ز: ((عسكرهم)).

٥١٥
سنة ١٤
فارتحل الجالنوس ، فنزل ذو الحاجب منزله ، والجالنوس يريد طَيْزناباذ ؛
فنزل بها ، وقدّم تلك الخيل . وإنَّ ما حمل سعدًا على إرسال عمرو وطليحة معه
لمقالةٌ بلغتْه عن عمرو، وكلمة قالها لقيس بن هُبيرة قبل هذه المرّة ، فقال :
قاتِلوا عدوًّكم يا معشرَ المسلمين . فأنشِب القتال، وطاردهم ساعة . ثم إنّ
قيسًا حَمَل عليهم ، فكانت هزيمتهم، فأصاب منهم اثنى عشر رجلا ،
وثلاثة أسراء ، وأصاب أسلابًا، فأتوا بالغنيمة سعدًا وأخبروه الخبر؛ فقال :
هذه بشرى إن شاء اللّه ؛ إذا لقيتم جمعهم الأعظم وحدَّهم؛ فلهم أمثالُها،
ودعا عمراً وطُليحة، فقال: كيف رأيتما قيسا ؟ فقال طليحة: رأيناه أكمانا(١)،
وقال عمرو: الأمير أعلم بالرّجال منَّا. قال سعد: إنَّ اللّه تعالى أحيانا بالإسلام
وأحيا به قلوبًا كانت ميّة، وأمات به قلوبًا كانت حيّة ، وإنى أحذّرٍ كما
أن تؤثِراً أمر الجاهليَّة على الإسلام؛ فتموت قلوبكما وأنتما حيَّان؛ الزَما
السمع والطاعة والاعتراف بالحقوق ؛ فما رأى النَّاس كأقوام أعزَّهم اللّه
بالإسلام .
٢٢٦٥/١
كتب إلىّ السرىُّ، عن شعيب ، عن سيف ، عن محمد وطلحة وعمرو
وزياد ؛ وشاركهم المجالِد وسعيد بن المَرْزُبان ، قالوا: فلمَّا أصبح رستم
من الغد من يوم نزل السَّيْلِحين قدّم الجالنوس وذا الحاجب ، فارتحل
الجالنوس، فنزل من دون القنطرة بحيال زُهرة، ونزل إلى صاحب المقدّمة،
ونزل ذو الحاجب منزله بطيزناباذ ، ونزل رستم منزلَ ذى الحاجب بالخرَّارة ،
ثم قدّم ذا الحاجب ؛ فلمَّا انتهى إلى العتيق تياسر حتى إذا كان بحيال
قُدَ يَس خندق خند قاً، وارتحل الجالنوس فنزل عليه وعلى مقدّمته - أعنى سعدًا -
زُهرة بن الحَويَّة، وعلى مجنَّبتيه عبد اللّه بن المُعْتَمّ، وشُرحبيل بن السّمط
الكندىّ، وعلى مجرّدته عاصم بن عمرو، وعلى المُرامية فلان، وعلى الرجْل
فلان ، وعلى الطلائع سَواد بن مالك ، وعلى مقدّمة رستم الجالنوس ، وعلى
مجنَّبتيه الهُرمزان ومِهران وعلى مجرّدته ذو الحاجب ، وعلى الطلائع البيرزان ،
وعلى الرّجالة زاذ بن بُهَيَش. فلَّما انتهى رستم إلى العتيق ، وقف عليه
٢٢٦٦/١
(١) ابن حبيش: ((أكى منا)).

٥١٦
سنة ١٤
بحيال عسكر سعد؛ ونزَّل الناس ؛ فما زالوا يتلاَ حَقُون ويُنْزِلهِم فينزلون؛
حتى أعتموا من كَثْرتهم ؛ فبات بها تلك الليلة والمسلمون مُمْسكون
عنهم .
قال سعيد بن المرزبان : فلمّا أصبحوا من ليلتهم بشاطئ العتيق غدا
منتَجُم رستم على رستم برؤيا أرِيتَها من اللَّيل ، قال: رأيت الدّلو فى السماء؛
دلوًا أفرغ ماؤه، ورأيت السمكة؛ سمكة فى ضَحْضاح من الماء تضطرب ،
ورأيت النّعائم والزُّهرة تزدهر، قال: ويحك ! هل أخبرت بها أحدًا؟ قال :
لا ، قال : فاكتمها ..
كتب إلىَّ السرىُّ، عن شعيب ، عن سيف ، عن مجالد ، عن الشعبىّ ،
قال : كان رستم منجِّمًا ، فكان يبكى ممَّاً يرى ويقدم عليه ، فلمَّا كان
بظهر الكوفة رأى أنّ عمر دخل عسكر فارس، ومعه ملك، فختم على سلاحهم،
ثم حزمه ودفعه إلى عمر .
کتب إلى السرئّ، عنشعیب، عن سیف، عن إسماعيل بن أبى خالد،
عن قيس بن أبى حازم - وكان قد شهد القادسيَّة - قال: كان مع رستم ثمانية
عشر فيلاً ، ومع الجالنوس خمسة عشر فيلا .
كتب إلىّ السرىُّ، عن شعيب، عن سيف، عن المجالد ، عن الشعبىّ؛
٢٢٦٧/١ قال : كان مع رستم يوم القادسية ثلاثون فيلا .
كتب إلىَّ السرىُّ ، عن شعيب ، عن سيْف ، عن سعيد بن المرزبان ،
عن رجل ، قال : كانَ مع رستم ثلاثة وثلاثون فيلا؛ منها(١) فيل سابور
الأبيض ؛ وكانت الفيلة تألفه ، وكان أعظمها وأقدمها .
كتب إلىّ السرىُّ، عن شعيب ، عن سيف ، عن النَّضْر ، عن ابن
الرُّفيل ، عن أبيه ، قال : كان معه ثلاثة وثلاثون فيلا ، معه فى القَلْب ثمانية
عشر فيلاً ، ومعه فى المجنّبتين خمسة عشر فيلا .
كتب إلىَّ السرىُّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن المجالد وسعيد وطلحة
(١) ابن حبيش: ((فيها)).

٥١٧
سنة ١٤
وعمرو وزياد ، قالوا: فلمَّا أصبح رسم من ليلته الّتى باتها بالعتيق ، أصبح
راكبًا فى خَيْلِه ، فنظر إلى المسلمين ، ثم صعد نحو القنطرة ، وقد حزر
الناس ، فوقف بحيالهم دون القنطرة؛ وأرسل إليهم رَجُلاً ؛ إِنَّ رستم يقول
لكم: أرسلوا إلينا رجلاً نكلِّمه ويكلّمنا ، وانصرف فأرسل زهرة إلى سعد
بذلك؛ فأرسل إليه المغيرة بن شُعبة ، فأخرجه زهرة إلى الجالنوس ؛ فأبلغه
الجالنوس رستم .
كتب إلىّ السرىُّ، عن شعيب ، عن سيف ، عن النَّضْر، عن ابن
الرُّفيل، عن أبيه ، قال: لمَّا نزل رستم على العتيق وبات به ، أصبح غاديًا
على التّصفّح والحزْر (١)، فسايَرَ العتيق نحو خَفَّان؛ حتى أتى على مُنْقطَعَ
عسكر المسلمين ، ثم صعد حتى انتهى إلى القنطرة؛ فتأمّل القوم ؛ حتى أتى
على شىء يُشرف منه عليهم ؛ فلما وقف على القنطرة راسل زُهرة ، فخرج
إليه حتى واقفه، فأراده أن يصالحهم ، ويجعل له جُعْلاً على أن ينصرفوا
عنه ، وجعل يقول فيما يقول: أنتم (٢) جيراننا وقد كانت طائفة منكم فى سلطاننا؛
فكنّا نُحسن جِوارهم ، ونكفّ الأذى عنهم ، ونوليهم المرافق الكثيرة ،
نحفظهم فى أهل باديتهم (٣)؛ فنُرعيهم مرَاعينَا ، ونميرهم من بلادنا ،
ولا نمنعهم من التجارة فى شىء من أرضنا؛ وقد كان لهم فى ذلك معاشٌ - يعرّض
لهم بالصّلح ؛ وإنما يخبره بصنيعهم، والصلح يريد ولا يصرّح - فقال له زهرة:
صدقتَ ، قد كان ما تذكر؛ وليس أمرُنا أمرَ أولئك ولا طَلِبتنا. إنَّا لم نأتِكم
لطلَب الدُّنيا؛ إنما طلبتنا وهمَّتنا الآخرة؛ كنّا كما ذكرت، یدین لكم من
ورد عليكم منًّا، ويضرع إليكم يطلب ما فى أيديكم . ثم بعث الله تبارك وتعالى
إلينا رسولاً ، فدعانا إلى ربِّه، فأجبناه، فقال لنبيّه صلى اللّه عليه وسلم: إنى قد
سلّطت هذه الطائفة على من لم يَدِنْ بدينى، فأنا منتقم بهم منهم ؛ وأجعل
لهم الغلبة ما داموا مقرّين به، وهو دين الحقّ، لا يرغب عنه أحد إلا ذلّ،
ولا يعتصم به أحد إلاّ عزّ. فقال له رستم: وما هو؟ قال: أمَّا عموده الَّذِى
٢٢٦٨/١
(١) التصفح: التأمل، والحزر : التخمين .
(٢) ابن الأثير: ((كنتم))، وابن حبيش: ((إنكم)) ..
(٣) ز: ((ناديهم)).

٥١٨
سنة ١٤
٢٢٦٩/١
لا يصلح منه شىء إلاّ به ، فشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول اللّه،
والإقرار بما جاء من عند الله تعالى. قال: ما أحسن هذا! وأىّ شىء أيضًا ؟
قال: وإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله تعالى. قال: حسن"،
وأىّ شىء أيضًا؟ قال: والنَّس بنو آدم وحَوَّاء، إخوة لأب وأمّ، قال:
ما أحسن هذا! ثمّ قال له رستم: أرأيت لو أنّى رضيت بهذا الأمر وأجبتكم
إليه ؛ ومعِى قومى كيف يكون أمركم ! أترجعون؟ قال: إى واللّه، ثم لا نقرب
بلادكم أبدًا إلاّ فى تجارة أو حاجة. قال: صدقتَنى واللّه، أمَا إنّ أهل
فارس منذ ولى أردشير لم يدَعُوا أحدًا يخرج من عمله من السِّفلة ، كانوا
يقولون إذا خرجوا من أعمالهم: تعدَّوا طَوْرهم، وعادَوْا أشرافهم . فقال
له زُهرة : نحن خيرُ النَّاس للنَّاس ، فلا نستطيع أن نكون كما تقولون ؛
نطيع الله فى السّفلة، ولا يضّرنا مَنْ عصى الله فينا . فانصرف عنه ، ودعا
رجال فارس فذا كرهم هذا ، فَحمُوا (١) من ذلك، وأنفوا، فقال: أبعد كم
اللّه وأسحقكم! أخزى الله أخْرَعنا وأجبنَنا (٢)! فلما انصرف رستم ملتُ
إلى زُهرة، فكان إسلامى ؛ وكنت له عديدًا. وفرض لى فرائض أهل
القادسيّة .
كتب إلىَّ السرئُّ ، عن شعيب ، عن سَيْف ، عن محمد وطلحة وعمرو
وزياد بإسنادهم مثله . قالوا : وأرسل سعد إلى المغيرة بن شُعبة وبُسْر بن
أبى رُهْم وعَرَفَجة بن هَرَكمة وحُذيفة بن مِحصَن ورِبْعِىّ بن عامر
وقِرِفة بن زاهر التيمىّ ثم الواثلىّ ومذعُور بن عَدِىّ العجلىّ، والمضارب
ابن يزيد العيجلىّ ومَعْبَد بن مُرَّة العجلىّ - وكان من دُهاة العرب -
فقال : إنى مُرسلُكم إلى هؤلاء القوم ؛ فما عندكم ؟ قالوا جميعًا: نتّبع
ما تأمرنا به ، وننتهى إليه ؛ فإذا جاء أمر لم يكن منك فيه شىء نظرنا أمثل
ما ينبغى وأنفَعَه للنَّاس ؛ فكلّمناهم به. فقال سعد: هذا فِعل الحَزّمة،
اذهبوا فتهيّئُوا، فقال رِبِعِىّ بن عامر: إنّ الأعاجم لهم آراء وآداب ، ومتى
٢٢٧٠/١
(١) ز: ((فخملوا)).
(٢) ز: ((أجتنا وأجزعنا)).

٥١٩
سنة ١٤
نأتهم جميعًا يروا أنَّا قد احتفلنا بهم !فلا تَزِدهم على رجل؛ فمالئوه جميعًا
على ذلك ، فقال: فسرّحونى، فسرّحه، فخرج ربعىٌّ ليدخُل على رستم عسكره ،
فاحتبسه الَّذين على القنطرة ، وأرسل إلى رستم لمجيئه، فاستشار عظماءَ أهل
فارس ، فقال : ما ترون ؟ أنُباهى أم نتهاوَن! فأجمع ملؤُهم على التهاون ،
فأظهروا الزّبْرِج، وبسطوا البُسُطِ والنَّمارق، ولم يتركوا شيئًا، ووضع لرستم
سرير الذَّهب ، وألبس زينته من الأنماط والوسائد المنسوجة بالذهب . وأقبل
ربعىّ يسير على فرس له زبّاء (١) قصيرة، معه سيف له مَشُوف (٢)، وغمده لفافة
توب خَلَق، ورمحُه معلوب (٣) بقِدّ، معه حجقة(٤) من جلود البقر؛
على وجهها أديم أحمر مثل الرغيف ، ومعه قوسه ونَبْله. فلمّا غشى الملكَ ،
وانتهى إليه وإلى أدنى البُسط ، قيل له : انزل ، فحملها على البساط،
فلمَّا استوت عليه ، نَزَل عنها وربطها بوسادتين فشقَّهما ، ثم أدخل الحبل
فيهما ، فلم يستطيعوا أن ينهَوَه؛ وإنما أروه الشَّهاون وعرف ما أرادوا ،
فأراد استحراجتَهم (٥)، وعليه درع له كأنها أضاة(٦) ويَكْمَقُه(٧) عباءة
بعيره، قد جابها (٨) وتدرّعها، وشدّها على وسطه بسَكَب(٩) وقد شدّ رأسه
بمعجرته؛ وكان أكثر العرب شعرةً، ومعجرته نسعة بعيره ؛ ولرأسه
أربع ضفائر ؛ قد قمن قيامًا، كأنهنّ قرون الوعلة . فقالوا: ضَعْ
سلاحك ، فقال : إنِّى لم آتِكم فأضع سلاحى بأمركم ، أنتم دعوتمونى ، فإن
أبيتم أن آتيكم كما أريد رجعت . فأخبروا رستم ؛ فقال : ائذنوا
له؛ هل هو إلاَّ رجل واحد! فأقبل يتوكأ على رمحه، وزُجّه نصلٌ يقارب
٢٢٧١/١
(١) زباء : طويلة الشعر كثيرته.
(٢) المشوف : المجلو .
(٣) يقال: علب الرمح ، فهو معلوب، أى حزم مقبضه بعلباء البعير ، وهو عنقه.
(٤) الحجفة : الترس .
(٥) ز: ((استخراجهم)).
(٦) الأضاة : الغدير .
(٧) اليلمق : القباء .
(٨) فى اللسان: ((جبت القميص. قورت جيبه)).
(٥) السلب : ليف المقل.

٥٢٠
سنة ١٤
الخطو، ويزجّ النَّمارق والبُسط؛ فَمَا ترك لهم نُمرقة ولا بساطًا إلاَّ
أفسده وتركه منهتكا مخرَّقًا (١) ؛ فلمَّا دنا من رستم تعلَّق به الحرس ، وجلس
على الأرض ، وركز رمحتَه بالبُسط ، فقالوا : ما حملك على هذا ؟ قال :
إنَّا لا نستحبّ(٢) القعود على زينتكم هذه. فكلّمه، فقال : ما جاء بكم ؟
قال: اللّه ابتعثنا، واللّه جاء بنا لنُخرجَ مَن شاء من عبادة العباد إلى عبادة اللّه،
ومن ضِيق الدُّنيا إلى سَعَتها ، ومن جَوْر الأديان إلى عدل الإسلام ، فأرسلنا
بدينه إلى خَلْقُه لندعوهم إليه، فَمَن قَبِل منَّاذلك قبلنا ذلك منه ورجعناعنه،
وتركناه وأرضه يليها دُوننا، ومن أبى قاتلناه أبدًا؛ حتى نُفضِىَ إلى موعود الله.
قال: وما موعود الله؟ قال: الجنَّة لمن مات على قتالِ مَن أبى، والظّفَر لمن
بقى. فقال رستم: قد سمعت مقالتكم؛ فهل لكم أن تؤخّروا هذا الأمر
٢٢٧٢/١ حتى ننظر فيه وتَنْظُرُوا! قال: نعم ، كم أحبّ إليكم ؟ أيوماً أو يومين؟
قال : لا بل حتَّى نكاتب أهل رأينا ورؤساء قومنا . وأراد مقاربته
ومدافعتَه، فقال: إنّ مما سنّ لنا رسولُ اللّه صلَّى اللّه عليه وسلَّم
وعمل به أتمّتنا ، ألا نمكّن الأعداء من آذاننا ، ولا نؤجلهم عند اللقاء
أكثرَ من ثلاث، فنحن متردّدون عنكم ثلاثًا ، فانظر فى أمرك وأمرهم،
واختَر واحدةً من ثلاث بعد الأجل ، اختر الإسلام ونَدَعك وأرضك ،
أوالجزاء، فنقبل ونكفّ عنك؛ وإن كنت عن نصرنا غنيًا تركناك منه،
وإن كنت إليه محتاجًا منعناك؛ أو المنابذة فى اليوم الرابع؛ ولسنا نبدؤك فيما
بيننا وبين اليوم الرابع إلا أن تبدأنا ؛؛ أنا كفيل لك بذلك على أصحابى وعلى
جميع مَن ترى . قال : أسيّدُهم أنت ؟ قال : لا ؛ ولكنّ المسلمين
كالجسد بعضهم من بعض ؛ يجير أدناهم على أعلاهم . فخلص رستم
برؤساء أهل فارس، فقال: ما ترون ؟ هل رأيتم كلامًا قطّ أوضحَ ولا أعزّ
من كلام هذا الرجل ؟ قالوا : معاذ الله لك أن تميل إلى شىء من
هذا وتدَع دينك لهذا الكلْب ! أما ترى إلى ثيابه ! فقال: وَيْحكم
(١) ابن حبيش: ((وتركها متهتكة منخرقة)).
(٢) النويرى: ((نستحل)).