Indexed OCR Text

Pages 441-460

٤٤١
سنة ١٣
وأصحاب هاشم عشرة آلاف إلاّ مَن أصيب منهم، فأتمّوهم بأناس ممّن
لم يكن منهم ؛ ومنهم قيس والأشتر ، وخرج علقمة ومسروق إلى إيلياءَ ،
فنزلا على طريقها، وبقى بدمشق مع يزيد بن أبى سفيان من قوّاد أهل اليمن
عددٌ؛ منهم عمرو بن شِمْربن غزيَّة، وسَهْم بن المسافر بن هَزْمة، ومشافع
ابن عبد الله بن شافع. وبعث يزيد دحية بن خليفة الكلبيّ فى خيل بعد ما فتح
دمشق إلى تَدْمُر، وأبا الزهراء القُشيرىّ إلى البَثَنِيَّة وحَوْران، فصالحوهما ٢١٥٠/١
على صلح دمشق ؛ ووليًا القيام على فَتْح ما بُعثا إليه .
وقال محمد بن إسحاق : كان فتح دمشق فى سنة أربع عشرة فى
رجب .
وقال أيضًا : كانت وقعة فِحْل قبل دمشق ؛ وإنما صار إلى دمشق
رافضة فِحْل، واتَّبعهم المسلمون إليها . وزعم أنّ وقعة فحْل كانت سنة ثلاث
عشرة فى ذى القَعْدة منها ؛ حدّثنا بذلك ابنُ حُميد ، قال : حدّثنا
سلمة ، عنه .
وأمَّا الواقديّ : فإنه زعم أنّ فتح دمشق كان فى سنة أربع عشرة ؛ کما
قال ابنُ إسحاق . وزعم أنّ حصار المسلمين لها كان ستَّة أشهر . وزعم
أنّ وقعة اليرموك كانت فى سنة خمس عشرة. وزعم أنّ هرقل جَلا فى هذه
السنة بعد وقعة اليَرْموك فى شعبان من أنْطَاكِيَة إلى قُسْطِنطِينيَّة، وأنه لم
يكن بعد المَرْموك وقعة .
قال أبو جعفر: وقد مضی ذکری مارُوِی عن سيف، عنمَن روىعنه ؛
أنّ وقعة اليرموك كانتْ فى سنة ثلاث عشرة؛ وأنّ المسلمين وَرَد عليهم البريد
بوفاة أبى بكر باليَرْموك، فى اليوم الذى هُزِّمت الروم فى آخره ، وأنّ عمر
أمرهم بعد فراغهم من اليَرْموك بالمسير إلى دمشق ، وزعم أنّ فِحْلاً كانت
بعد دمشق؛ وأنّ حروبًا بعد ذلك كانت بين المسلمين والرُّوم سوى ذلك،
قبل شخوص هرقل إلى قسطنطينية ؛ سأذكرها إن شاء الله فى مواضعها .
وفى هذه السنة - أعنى سنة ثلاث عشرة - وجَّه عمر بن الخطاب أبا عُبيد
ابن مسعود الثقفىّ نحو العراق . وفيها استُشهد فى قول الواقدىّ .
٢١٥٦/١٠
:

٤٤٢
سنة ١٣
وأمَّاً ابن إسحاق؛ فإنه قال : كان يوم الجِسْر، جِسْرٍ أبى عُبيد بن مسعود
الثَّقَفىّ فى سنة أربع عشرة.
. ذكر أمر فِحْلَ من رواية سيف :
قال أبو جعفر: ونذكر الآن أمر فِحْل (١ إذ كان فى الخبر١) الذى
فيه من الاختلاف ما ذكرتُ من فتوح جُنْد الشأم . ومن الأمور التى تستنكر
وقوعُ مثل الاختلاف الذى ذكرتُه فى وقته ؛ لقرب بعض ذلك من بعض .
فأمّا ما قال ابنُ إسحاق من ذلك وقصّ من قصّته ، فقد تقدم ذ کریه قبل.
وأمَّا السَّرِىّ فإنَّه فيما كتب به إلىّ ، عن شُعيب ، عن سيف ، عن
أبى عثمان يزيد بن أسيد الغسَّانىّ وأبى حارثة العبشمى(٢)، قالا: خلَّ النَّاسُ
بعد فتح دمشق يزيد بن أبى سفيان فى خَيْله فى دمشق، وساروا نحو فِحْل ،
وعلى الناس شُرَّحبيل بن حَسَنة، فبعث خالدًاً على المقدّمة وأبا عبيدة
وعمرا على مجنَّبتيه ، وعلى الخيل ضرار بن الأزور ، وعلى الرَّجْل عياض ،
وكرهوا أن يصمُدوا لهرقل، وخَلْفهم ثمانون ألفًا، وعلموا أنّ مَنْ بإزاء
٢١٥٧/١ فِحْل جُنَّة الرّوم وإليهم ينظرون، وأن الشأم بعدهم سِلْم. فلما انتهوا إلى
أبى الأعور، قدّموه إلى طَبَرِيَّة، فحاصرهم ونزلوا على فِحْل من الأردن،
- وقد كان أهل فِحْل حين نزل بهم أبو الأعور تركوه وأرَزُوا إلى بَيْسان -
فنزل شُرَحبيل بالناس فِحْلاً ، والروم بَيْسان ، وبينهم وبين المسلمين
تلك المياه والأوحال ، وكتبوا إلى عمر بالخبر ، وهم يحدّثون أنفسهم بالمقام ،
ولا يريدون أن يَرِيموا فِحْلاً حتَّى يرجع جواب كتابهم من عند عمر ،
ولا يستطيعون الإقدام على عدوِّهمْ فى مكانهم لما دونهم من الأوحال ؛ وكانت
العرب تسمّى تلك الغزاة فِحْلاً وذاتَ الرَّدَغة وبَيْسان . وأصاب المسلمون
من رِيف الأردنّ أفضلَ ممَّا فيه المشركون؛ مادّتهم متواصلة، وخصِبْهم
رَغْد؛ فاغترّهم القوم، وعلى القوم ستقتَلاّر بن مِخْراق ؛ ورجوا أن يكونوا
(١ - ١) كذا فى ز، وفى ط: ((إذا كان وإن كان فى الخبر)).
(٢) ط: ((العتبى))، وانظر التصويبات.

٤٤٣
سنة ١٣
على غرّه، فأتوهم والمسلمون لا يأمنون مجيئهم ، فهم على حذر. وكان شُرّحبيل
لا يبيت ولا يصبح إلاّ على تعبية. فلمَّا هجموا على المسلمين غافصوهم(١)، فلم
يناظروهم، واقتتلوا بفِحْل كأشدّ قِتال اقتتلوه قط ليلتَهم ويومتَهم (٢) إلى
الليل ، فأظلم الليلُ عليهم وقد حاروا ، فانهزموا وهم حيارى . وقد أصيب
رئيسهِم سَقتلار بن مخراق ؛ والذى يليه فيهم نسطورس ، وظفِر المسلمون
أحسنَ ظفر وأهنأه ، وركبوهم وهم يَرْون أنهم على قتَصْدٍ وجدد ، فوجدوهم
حيارَى لا يعرفون مأخذهم، فأسلمتهم هزيمتُهم وحَيْرتهم إلى الوَحَل ،
فركبوه، ولحق أوائل المسلمين بهم ؛ وقد وحيلوا فركبوهم؛ وما يمنعون يد لامس؛
فوخْزُوهم بالرّماح ، فكانت الهزيمة فى فِحْل ؛ وكان مقتلهم فى الرّداغ ،
فأصيب الثمانون ألفا ، لم يُفْلِت منهم إلاّ الشّريد؛ وكان الله يصنع للمسلمين
وهم كارهون ، كرهوا البُتوق فكانت عونًا لهم على عدوّهم، وأناةً من الله
ليزدادوا بصيرة وجدًّاً، واقتسموا ما أفاء الله عليهم ، وانصرف أبو عبيدة بخالد
من فِحْل إلى حِمْص، وصرفوا سُمَيْر بن كعب معهم ، ومضَوْا بذى
الكتلاع ومَن معه ، وخلّفوا شُرّحبيل ومَن معه .
٢١٥٨/١
ذ کر بَيْسان
ولمّا فرغ شُرَحبيل من وقعة فِحْل فَهَد فى النَّاس ومعه عمرو إلى
أهل بَيْسَان ، فنزلوا عليهم، وأبو الأعور والقوّاد معه على طَبَريَّة، وقد
بلغ أفناءَ أهل الأردن مالقيت دمشق، وما لقى سقلاّروالرّوم بفِحْل وفى الرد غة،
ومسيرُ شرحبيل إليهم ، ومعه عمرو بن العاص والحارث بن هشام وسُهيل بن
عمرو؛ يريد بيسان؛ وتحصّئُوا(٣) بكلّ مكان، فسار شُرَحبيل بالنَّاس
إلى أهلِ بَيْسان، فحصروهم أياماً . ثم إنَّهم خرجُوا عليهم فقاتلوهم،
فأناموا من خرج إليهم ، وصالحوا بقيَّة أهلها ، فقبل ذلك على صلْح دمشق .
*
(١) غافصوهم: فاجئوهم وأخذوهم على غرة .
(٢) ز: ((قبل يومهم وليلتهم)).
(٣) ز: ((فحاصروهم)).
م

٤٤٤
سنة ١٣
طَبَرِيَّةً
٢١٥٩/١
وبلغ أهلَ طَبْرِيَّة الخبر ، فصالحوا أبا الأعور ، على أن يبلغهم
شُرَحبيل ، ففعل ؛ فصالحوهم وأهل بَيْسان على صلح دمشق ؛ على أن
يشاطروا المسلمين المنازلَ فى المدائن، وما أحاط بها ممّا يصلُها ، فيدَعون لهم
نصفًا، ويجتمعون فى النّصف الآخر ، وعن كلّ رأس دينار كلّ سنة ، وعن
كلّ جريب أرض جَريب بُرّ أو شعير؛ أىّ ذلك حُرِث؛ وأشياء فى
ذلك صالحوهم عليها ، ونزلت القوّاد وخيولُهم فيها، وتمّ صلح الأردن"،
وتفرّقت الأمداد فى مدائن الأردن وقراها، وكُتب إلى عمر بالفتح .
#
ذكر خبر المثنى بن حارثة وأبى عبيد بن مسعود
كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف بن عمر ، عن محمد بن
عبد الله بن سَوَاد وطلحة بن الأعلم وزياد بن سِرْجِسْ الأحْمَرَىّ بإسنادهم ،
قالوا: أوّل ما عمِل به عمر أن ندَب النَّاس مع المثنَّى بن حارثة الشيبانيّ إلى
أهل فارس قَبْل صلاة الفجر، من اللَّيلة التى مات فيها أبو بكر رضى الله عنه، ثم
أصبح فبايع الناس ، وعاد فندَب النَّاس إلى فارس ، وتتابع النَّاس على البَيْعة
ففرغوا فی ثلاث، کل یوم ینلبهم فلا ینتدب أحد إلى فارس؛ و کان وجْه فارس
من أكره الوجوه إليهم وأثقلها عليهم ، لشدة سلطانهم وشوكتهم وعزّهم وقهرهم
٢١٦٠/١ الأمم. قالوا: فلمَّا كان اليوم الرابع ؛ عاد فندب النَّاس الى العراق؛ فكان
أوّلَ منتدب أبو عبيد بن مسعود وسعد بن عبيد الأنصارىّ حليف بنى فزارة ؛
هرب يوم الجسر ، فكانت الوجوه تُعْرَض عليه بعد ذلك، فيأبى إلاّ العراق ،
ويقول: إنّ اللّه جلّ وعزّ اعتدّ علىّ فيها بفَرَّة؛ فلعلّه أن يردّ علىّ فيها
كرّة. وتتابع الناس .
كتب إلىّ السرىّ بن يحيى ، عن شعيب ، عن سيف ، عن سهل بن
يوسف ، عن القاسم بن محمد، قال : وتكلَّ المثنَّى بن حارثة ، فقال :

٤٤٥
سنة ١٣
يأيها الناس ، لا يَعْظُمنّ عليكم هذا الوجه ؛ فإنا قد تبحبحنا ريفَ فارس ،
وغلبناهم على خير شِقَى السَّواد وشاطرناهم ونلنا منهم ؛ واجتراً مَن قِبِلَنا
عليهم ؛ ولها إن شاء اللّه ما بعدها . وقام عمر رحمه اللّه فى الناس ؛ فقال :
إنّ الحجاز ليس لكم بدار إلاَّ على النُّجعة، ولا يقوَى عليه أهلُه إلاّ بذلك؛
أين الطُّرَّاء المهاجرون عن موعود الله! سيرُوا فى الأرض التى وعدكم اللّه فى
الكتاب أن يورثكموها؛ فإنه قال: ﴿ليُظْهِرَهُ عَلَى الدّين كُلِّه)، واللّه
مظهر دينه ، ومعزّ ناصِره ، ومولى أهله مواريثَ الأمم . أين عباد اللّه الصالحون!
فكان أوّلَ منتدب أبو عبيد بن مسعود ، ثم ثنى سعد بن عبيد - أو سَليط
ابن قيس - فلمَّا اجتمعَ ذلك البعث، قيل لعمر: أمِّرْ عليهم رجلا من
السابقين من المهاجرين والأنصار . قال: لا والله لا أفعل؛ إنّ اللّه إنَّما رفعكم
بسبقكم وسرعتكم إلى العدوّ ؛ فإذا جبُنتم وكرهتم اللّقاء ؛ فأولى بالرئاسة منكم
مَن سبق إلى الدفع، وأجاب إلى الدعاء! وأنه لا أؤمّر عليهم إلاّ أوّلَهم انتدابًا.
ثم دعا أبا عُبيد، وسَليطا وسعدًا؛ فقال: أما إنَّكما لو سبقتماه لولَّيتكما
ولأدركتُما بها إلى مالكما من القُدْمة . فأمّر أبا عُبيد على الجيش، وقال
لأبى عبيد: اسْمَعَ من أصحاب النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وأشرِكْهم
فى الأمر، ولا تجتهد(١) مسرعًا حتى تتبيَّن؛ فإنها الحرب، والحرب
لا يصلحها إلاّ الرّجل المكيث (٢) الذى يعرف الفرصة والكفّ.
/
٢١٦١/١
وقال رجل من الأنصار : قال عمر رضى الله عنه لأبى عبيد: إنه لم يمنعني
أن أؤسِّرَ سَلِيطاً إلا" سرعته إلى الحرب، وفى التسرّع إلى الحرب ضَياع إلاّ عن
بيان، والله لولا سرعتُه لأمّرَتُه؛ ولكنّ الحرب لا يصلحها إلاّ الْمَكِيِث.
كتب إلىّ السرىّ بن يحيى ، عن شعيب بن إبراهيم ، عن سَيْف بن
عمر، عن المجالد، عن الشعبىّ، قال: قدم المثنَّى بن حارثة على أبى بكر
سنة ثلاثعشرة ؛ فبعث معه بعثاً قد کان نلبهم ثلاثًا ؛ فلم ینتدب له أحد
حتّى انتدب (٣) له أبو عُبيد ثم سعد بن عبيد، وقال أبو عبيد حين انتدب :
(١) س. ((تجتهر))، ابن حبيش: ((لا تجيبن)).
(٢) المكيث : الرزين لا يعجل .
(٣) انتدب: خف وأسرع .
؟

٤٤٦
سنة ١٣
أنا لَهَا، وقال سعد: أنا لَهَا: لفَعْلة فعلها. وقال سليط: فقيل
لعمر: أمّر عليهم رجلاً له صحبة، فقال عمر: إنَّما فَضَل الصحابة
٢١٦٢/١ بسرعتهم إلى العدوّ وكفايتهم مَنْ أبى (١)؛ فإذا فعل فعلهم قوْم واثّاقلوا (٢)
كان الذين ينفرون خفافًا وثقالا أوْلى بها منهم؛ والله لا أبعث عليهم إلاّ
أوّلَهم انتدابًا . فأمَّر أبا عُبيد ، وأوصاه بجنده .
كتب إلىّ السرىّ بن يحيى، عن شعيب بن إبراهيم ، عن سيف بن عمر،
عن سهل ، عن القاسم ومُبشّرٍ ، عن سالم، قال : كان أوّلَ بعث بعثه
عمر بعثُ أبى عبيد، ثم بعث يَعلَى بن أميّة إلى اليمن وأمره بإجلاء أهل
نجْران، لوصيّة رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم فى مرضه بذلك،
ولوصيّة أبى بكر رحمه الله بذلك فى مرضِه، وقال: اثْتِهِم ولا تفتنْهم عن
دينهم ، ثمّ أجْلهم ؛ مَن أقام منهم على دينه ، وأقرر المسلم ، وامْسح أرض
كلّ مَنْ تُجْلِى منهم، ثمّ خيرّهم البلدان، وأعلمهْم أنَّا نُجلِيهم بأمر الله
ورسوله ؛ ألا يُتْرك بجزيرة العرب دينان؛ فلْخرجوا؛ مَن أقام على دينه
منهم ؛ ثم نعطيهم (٣) أرضًا كأرضهم، إقرارًا لهم بالحقّ على أنفسنا، ووفاء
بذمَّتّهم فيما أمر الله من ذلك ، بدلاً بينهم وبين جيرانهم من أهل اليمن
وغيرهم فيما صار لجيرانهم بالرّيف .
٥
#
خبر التّمارق
كتب إلىّ السرىّ بن يحيى ، عن شعيب ، عن سيف ، عن سهل
ومبشّر بإسنادهما، ومُجالدٍ عن الشعبيّ، قالوا : فخرج أبو عُبيد ومعه
سعد بن عبيد، وسَلِيط بن قيس ؛ أخو بنى عدىّ بن النجار ، والمثنَّى بن
حارثة أخو بنى شيبان ، ثم أحد بنى هند .
كتب إلىّ السرىُّ، عن شعيب ، عن سيف ، عن مجالد ، وعمرو عن
الشعبىّ ، وأبى رَوْق.، قالوا: كانت بُوران بنت كسرى - كلَّما اختلف
النَّاس بالمدائن- عتَدْلاً بين الناس حتى يصطلحوا، فلما قُتِل الفَرُّخزاذ بن
٢١٦٣/١
(١) ز: ((أتى)).
(٣) ز: ((تعطيهم)).
(٢) ف: ((وتنافلوا)).

٤٤٧
سنه ١٣
البِنْدُوان وقدم رستم فقتل آزَرْميدُخت، كانت عَدْلاً إلى أن استخرجوا
يَزْدَ جِرْد ، فقدم أبو عُبيد والعَدْل بُوران ، وصاحب الحرب رستم؛
وقد كانت بُوران أهدتْ للنبىّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فقبِل [ هديّتها](١)،
وكانت ضدًّا على شيرى سنة ، ثم إنَّها ثابعته ، واجتمعا على أن رأَس وجعلها
عدلاً .
كتب إلىّ السرىّ بن يحيى، عن شعيب ، عن سيف ، عن محمد وطلحة
وزياد بإسنادهم ، قالوا: لما قتَل سِيَاوَخْش فرّخْزَاذ بن البِنْدوان،
وملكت آزرميدخت ، اختلف أهلُ فارس ، وتشاغلوا عن المسلمين غَيْبةَ
المثنَّى كلَّها إلى أن رجع من المدينة . فبعثت بُوران إلى رستم بالخبر ، واستحثَّتْه
بالسِّير ؛ وكان على فَرْج خُراسان ، فأقبل فى النَّاس حتى نزل المدائن ؛
لا يلقى جيشًا لآزرميدخت إلاّ هزمه، فاقتتلوا بالمدائن، فهُزْم سِيَاوَخْش
وحُصِر وحُصِرت آزرميدخت ؛ ثم افتتحها فقتل سياوَخش ، وفقا عين
آزرميدخت ، ونصّبَ بوران ودعتْه إلى القيام بأمرٍ أهل فارس، وشكَتْ
إليه تضعضعتهم وإدبار أمرهم ؛ على أن تملكه عَشْر حجَج ؛ ثم يكون
المُلْكُ فى آل كسرى، إن وجدوا من غلمانهم (٢) أحدًا؛ وإلاّ ففى نسائِهم.
فقال رستم : أمّا أنا فسامع مطيع ، غير طالب عِوضًا ولا ثوابًا ، وإن
شرّفتمونى وصنعتم إلىّ شيئًا فأنتم أولياء ما صنعتم ؛ إنما أنا سهتُكم وطوعُ
أيديكم . فقالت بُوران : اغدُ علىّ ، فغدا عليها ودعتْ مرازبةَ فارس ، وكتبت
له بأنَّك على حرب فارس ؛ ليس عليك إلاّ اللّه عزّ وجلّ، عن رضًا منًّا وتسليم
لحكمك ، وحكمُك جائز فيهم ما كان حكمك فى منْع أرضهم وجمعِهم
عن فُرُقتهم . وتوَّجته وأمرت أهلَ فارس أن يسمعوا له ويطيعوا. فدانت له
فارس بعد قدوم أبى عبيد ؛ وكان أوّل شىء أحدثه عمر بعد موتٍ أبى بكر
من اللَّيل ؛ أن نادى : الصلاة جامعة ! ثم ندبهم فتفرّقوا على غير إجابة
من أحد ، ثم نتدبهم فى اليوم الرابع ، فأجاب أبو عبيد فى اليوم الرابع أوّل
الناس ، وتتابع النَّاس ، وانتخب عمر من أهل المدينة ومَن حولها ألف رجل ،
٢١٦٤/١
(١) من ز .
(٢) ز: ((علمائهم)).

٤٤٨
سنة ١٣
أمَّر عليهم أبا عُبيد ، فقيل له: استعمل عليهم من أصحاب النبيّ صلَّى
الله عليه وسلَّم، فقال: لا ها اللّه ذا يا أصحاب النبيّ، لا أندبكم فتنكلون (١)،
وينتدب غيركم فأؤمّركم عليهم! إنكم إنَّما فُضُّلْم بتسرّعكم(٢) إلى مثلها ؛
فإن نكلّم فضّلوكم؛ بل أؤمّر عليكم أوّلكم انتدابًا. وعجّل المثنَّى، وقال:
٢١٦٥/١
النَّجاء حتى يقدم عليك أصحابك! فكان أوّل شىء أحدثه عمر فى خلافته
مع بيعته بعثُه أبا عبيد، ثم بعث أهلَ نجران ، ثم ندب أهل الرّدة ، فأقبلوا
سراعًا من كلّ أوْب ؛ فرمى بهم الشأم والعراق ؛ وكتب إلى أهل اليرموك ؛
بأنّ عليكم (٣) أبا عبيدة بن الجرّاح؛ وكتب إليه: إنَّك على الناس؛
فإن أظفرَك الله فاصرف أهل العراق إلى العراق؛ ومن أحبَّ من أمدادكم إذا هم
قد موا عليكم. فكان أوّل فتح أتاه اليرموك على عشرين ليلة من متوفَّى أبى بكر ؛
وكان فى الأمداد إلى اليرموك فى زمن عمر قيس بن هُبيرة ، ورجع مع أهل العراق
ولم يكن منهم ، وإنما غزا حين أذن عمر لأهل الردّة فى الغزو . وقد كانت
فارس تشاغلتْ بموت شَهْر براز عن المسلمين ؛ فملكت شاه زنان ؛ حتى
اصطلحوا على سابور بن شَهْر براز بن أردشير بن شهريار ، فثارت به
آزرميدُخْت، فقتلته والفَرُّخْزاذ، وملكت - ورستم بن الفُرّخْزاذ بخراسان
على فَرْجها - فأتاه الخبر عن بُوران. وقدم المثنَّى الحيرة من المدينة فى
عَشْرٍ ، ولحقه أبو عبيد بعد شهر ، فأقام المثنَّى بالحيرة خمس عشرة ليلة ؛
وكتب رستم إلى دهاقين السواد أن يثوروا بالمسلمين ، ودسّ فى كلّ رُستاق
رجلاً ليثور بأهله، فبعث جابان إلى البِهْقُباذ الأسفل ؛ وبعث نَرْسِى إلى
كَسْكر، ووعدهم يومًا؛ وبعث جندًا لمصادمة المثنَّى؛ وبلغ المثنَّى
٢١٦٦/١ ذلك؛ فضم إليه مسالحة وحذر، وعجيل جابان، فثار ونزل النَّمارق.
وتوالوا (٤) على الخروج ؛ فخرج نَرْسِى، فنزل زَنْدَ وَرْد، وثار أهلُ
الرساتيق من أعلى الفُرات إلى أسفله ؛ وخرج المثنَّى فى جماعة حتى ينزل
(١) ابن حبيش: ((فتبطئون)).
(٢) ز: ((بتنزعكم))، ابن حبيش: ((بسرعتكم)).
(٣) س: ((عليهم)). (٤) ز: ((ودعاهم)).

٤٤٩
سنة ١٣
خَفّان ؛ لئلاّ يؤتى من خلفه بشىء يكرهه، وأقام حتى قدم عليه أبو عبيدة ؛
فكان أبو عبيد على النَّاس، فأقام بَخفَّان أيامًا ليستجم"(١) أصحابه؛ وقد
اجتمع إلى جابان بشرٌ كثير، وخرج أبو عبيد بعد ما جمَّ الناسُ وظَهْرُهم،
وتعبّ ، فجعل المثنَّى على الخيل ، وعلى ميمنته والِقٍ بن جيدارة ، وعلى
ميسرته عمرو بن الهَيْم بن الصّلْت بن حبيب السلمىّ. وعلى مجنّبنى جابان
جُشْنَس ماه وصَرْدانْشاه . فنزلوا على جابان بالنَّمارق، فاقتتلوا قتالاً شديداً.
فهزم اللّه أهلَ فارس، وأسِرَ جابان، أسره مطر بن فضّة التيمىّ، وأسِرّ
مَرْدانشاه، أسره أكْتَل بن شَمَّاخ العُكْلِىّ ، فأمَّا أكْتَل فإنه ضرب عنق
مردانشاه ، وأمَّا مطر بن فضّة فإنّ جابان خدعه، حتى تفلَّت منه بشىء
فخلى عنه؛ فأخذه المسلمون ، فأتوا به أبا عُبيد وأخبروه أنَّه الملك، وأشاروا ٢١٦٧/١
عليه بقتله ، فقال : إنّى أخافُ اللّه أن أقتله؛ وقد آمنه رجل مسلم،
والمسلمون(٢) فى التوادّ والتناصر كالجسد؛ ما لزم بعضهم فقد لزمهم كلّهم.
فقالوا له : إنه الملك ، قال : وإن كان لا أغدر ، فتركه .
كتب إلىّ السرىّ بن يحيى ، عن شعيب ، عن سيف ، عن الصلت بن
بهرام، عن أبى عمران الجُعْفِىّ، قال: ولَّت حربتَها فارس رُستَمّ عشر
سنين ، وملّكوه ، وكان منجما عالماً بالنجوم ، فقال له قائل: ما دعاك إلى
هذا الأمر وأنت ترى ما ترى! قال: الطَّمَع وحبّ الشَّرَف . فكاتب أهل
السَّاد ، ودسّ إليهم الرؤساء ، فثاروا بالمسلمين ؛ وقد كان عهد إلى القوم
أنّ الأمير عليكم أوّل مَنْ ثار، فثار جابان فى فُرات بَادَ قْلَى، وثار
الناس بعده، وأرَز المسلمون إلى المثنَّى بالحيرة ، فصمد لِخَفَّان ، ونزل
خَفَّان حتى قدم عليه أبو عبيد وهو الأمير على المثنى وغيره ، ونزل جابان
النَّمارق، فسار إليه أبو عبيد من خَفَّان، فالتقوا بالنّمارق؛ فهزم اللّه أهل"
فارس، وأصابوا منهم ما شاءوا وبَصُرُ مَطَر بن فضّة - وكان ينسب إلى أمّه -
وأبَىٌّ برجل عليه حَلَىّ؛ فشدًا عليه فأخذاه أسيرًا، فوجداه شيخا كبيرًا
(١) س: ((ليسحمر)).
(٢) كذا فى ز وابن الأثير والنويرى؛ وفى ط بحذف الواو والنون.

٤٥٠
سنة ١٣
فزهد فيه أبىّ ورغب مَطَر فى فدائه، فاصطلحا على أنّ سلّبه لأبىّ ، وأن إساره
لمَطَر، فلما خلّص مطر به ، قال : إنّكم معاشر العرب أهل وفاء ، فهل
٢١٦٨/١ لك أن تؤمّنى وأعطيَك غلامَيْن أمرديْن خفيفين فى عملك وكذا وكذا !
قال : نعم ، قال : فأدخلتنى على ملككم ؛ حتى يكون ذلك بمشهد منه ،
ففعل فأدخله على أبى عبيد ، فتمّ له على ذلك ؛ فأجاز أبو عبيد ، فقام أبىّ
وأنّاس من ربيعة؛ فأما أبىّ فقال : أسرتُه أنا وهو على غير أمان ؛ وأمَّاً
الآخرون فعرفوه ، وقالوا : هذا الملك جابان ؛ وهو الذى لقينا بهذا الجمع ،
فقال : ما ترونى فاعلا معاشر ربيعة؟ أيؤمِنه صاحبكم وأقتله أنا ! معاذ الله
من ذلك! وقسّم أبو عبيد الغنائم، وكان فيها عِطْر كثير ونَفَل ، وبعث
بالأخماس مع القاسم .
٠٠٠
السَّقاطية بكشكر
كتب إلىّ السرىّ بن يحيى، عن شعيب بن إبراهيم، عن سيف بن عمر،
عن محمد وطلحة وزياد ، قالوا : وقال أبو عبيد حين انهزموا وأخذوا نحو
کسکر لیلجئوا إلى نَرْسی۔ و کان نرسی ابن خالة کمری؛ و کانت کسکر
قطيعة له ؛ وكان النِّرْسيان له ، يحميه لا يأكله بشرٌ ، ولا يغرسه غيرهم
أو ملك(١) فارس إلاّ مَنْ أكرموه بشىء منه، وكان ذلك مذكوراً من فِعْلهم
فى النَّاس، وأنّ ثمرهم هذا حِمَّى، فقال له رستم وبوران: اشخص إلى
قطيعتك فاحميها من عدوّك وعدوّنا وكن رجلاً، فلمَّا انهزم الناس يوم
النّمارق ، ووجهت الفالّة نحو نَرْسی ۔ ونَرْسی فی عسکره - نادی أبو عبيد
بالرّحيل ، وقال للمجرّدة: أتبعوهم حتى تُدخِلوهم عسكر نَرْسِى،
٢١٦٩/١ أو تبيدوهم فيما بين النَّمارق إلى بارق إلى دُرْنا. وقال عاصم بن عمرو
فى ذلك :
لَقَدْ صُبِّحَتْ بِالْخِزْى أهلُ النَّارِق
لَعَمْرِى وما عمرى عَلَىَّ بِهَيِّنِ
(١) كذا فى ط، وربما كان اللفظ: ((أى ملوك فارس)).

٤٥١
سنة ١٣
بأيْدِى رِجالٍ هاجروا نحو ربِّهِمْ يجوسونهم ما بين دُرْتا وبارِقِ
وبين الهَوافِى من طريق البذارِقِ
قتلناهُ ما بين مَرْجٍ مُسَلّح
ومضى أبو عُبَيْد حين ارتحلَ من النَّمارق حتى ينزل على ذَرْسِى
بكَسكر - ونَرْسِى يومئذ بأسفل كَسْكر - والمثنَّى فى تعبيته الَتى قاتل
فيها جابانَ، ونَرْسَى على مجنَّبتيه ابنا خاله ـ وهما ابنا خال كسرى بِندَوَيْه
وتِيرَ وْيُه ابنا بِسْطام . وأهل بارُوسْما ونهر جَوْبَر والزّوابِى معه إلى جنده ،
وقد أتى الخبر بُوران ورستَم بهزيمة جابان؛ فبعثوا إلى الجالِنُوس ، وبلغ ذلك
نَرْسِي وأهل كَسْكَر وبارُوسْما ونهر جَوْبَر والزّاب، فرجوا أن يلحق قبل
الوقعة، وعاجَلَهم أبو عُبيد فالتقوا أسفل من كَسْكر بمكان يدعى السَّقاطية
فاقتتلوا فى صحارَى مُلْس قتالا شديدًا. ثمّ إنّ اللّه هزم فارس، وهرب
ذَرْسِى، وغُلِب على عسكره وأرضه، وأخرب أبو عبيد ما كان حول معسكرهم
من كسكر ، وجمع الغنائم، فرأى من الأطعمة شيئًا عظيمًا، فبعث ٢١٧٠/١
فيمَن يليه من العرب فانتقلوا ما شاءوا ، وأخذت خزائن نَرْسِى ؛
فلم يكونوا بشىء ممَّا خزن أفرح منهم بالذّرسيان؛ لأنَّه كان يحميه ويمالئه
عليه ملوكهم ؛ فاقتسموه فجعلوا يُطعمونه الفلاحين؛ وبعثوا بخُمسه إلى عمر
وكتبوا إليه: إنّ اللّ أطعمنا مطاعم كانت الأكاسرة يحمونها، وأحببنا أن ترْوها؛
ولتذكروا إنعام اللّه وإفضاله .
وأقام أبو عبيد وسرّح المثنَّى إلى بارُوسما، وبعث والقًا إلى الزَّوَابِى وعاصِماً
إلى نهر جَوْبر ؛ فهزموا مَن كان تجمّع وأخربوا وسبوا، وكان ممَّا أُخرب
المثنَّى وسَى أهل زَنْدَوَرْد وبسوسيا (١)، وكان أبو زَعْبل من سَهْى
زَنْدوَرْد؛ وهرب ذلك الجند إلى الجالنوس ؛ فكان ممَّنِ أسر عاصم أهل
بيتيق من نهر جوبر، وثمَّن أسر والق أبو الصَّلْت. وخرج فرُّوخ وفَرْ وَنداذ إلى
المثنّى ، يطلبان الجزاء والذّمة ، دفعًا عن أرضهم ؛ فأبلغهما أبا عبيد :
أحدهما بارُوسْما والآخر نهر جوبر، فأعطياه عن كلّ رأس أربعة، فرّوخ عن
باروسما وفر ونداذ عن نهر جَوْبر، ومثل ذلك الزّوابى وكَسْكر،
وضمّنا لهم الرّجال عن التعجيل، ففعلوا وصاروا صُلْحًا. وجاء فرُّوخ
(١) ط: ((بسريسى))؛ وانظر ص ٤٦١ س ١٥ من هذا الجزء.

٤٥٢
سنة ١٣
٢١٧١/١ وفرونداذ إلى أبى عُبيد بآنية فيها أنواع أطعمة فارس من الألوان والأخبصة
وغيرها ؛ فقالوا : هذه كرامة أكرمناك بها ، وقرّى لك. قال: أأكرمتم الجند
وقر يتمُوهم مثله؟ قالوا: لم يتيسّر ونحن فاعلون ؛ وإنما يتربّصون بهم قدوم
الجالِنُوس وما يصنع ؛ فقال أبو عُبيد : فلا حاجة لنا فيما لا يسع الجند ،
فردّه ، وخرج أبو عُبيد حتى ينزل بيارُوسما فبلغه مسير الجالنوس.
كتب إلىّ السرىّ، عن شُعيب، عن سيف، عن النضر بن السرىّ
الضّبىّ، قال: فأتاه الأنْدَ رْزَ غَر بن الخركبد(١) بمثل ما جاء به فرُّوخ وفرونداذ .
فقال لهم: أأكرمتُم الجند بمثلِه وقر يتموهم ؟ قالوا : لا، فردّه، وقال :
لا حاجة لنا فيه ؛ بئس المرءُ أبو عبيد ؛ إن صحب قومًا من بلادهم أهراقوا
دماء هم دُونه، أو لم يُهريقوا فاستأثر عليهم بشىء يصيبه ! لا والله لا يأكل
عمَّا أفاء الله عليهم إلا مثل ما يأكل أوساطهم .
قال أبو جعفر : وقد حدّثنا ابنُ حُميد ، قال : حدّثنا سلمة ، عن
ابن إسحاق بنحو من حديث سيف هذا، عن رجاله فى توجيه عمر المثنَّى وأبا عبيد
ابن مسعود إلى العراق فى حرب من بها من الكُفَّار وحروبهم ، ومن حاربهم
بها ؛ غير أنه قال : لما هُزِمٍ جالنوس وأصحابه ، ودخل أبو عبيد بازوسما ،
نزل هو وأصحابه قريةً من قراها ؛ فاشتملت عليهم ، فصُنع لأبى عبيد
٢١٧٢/١ طعامٌ فأتِىَبَه؛ فلمَّا رآه قال: ما أنا بالذى آكل هذا دون المسلمين! فقالوا
له : كُلْ فإنَّه ليس من أصحابك أحدٌ إلا وهو يؤتى فى منزله بمثل هذا
أو أفضل ؛ فأكل. فلمَّا رجعوا إليه سألهم عن طعامهم ، فأخبروه بما جاءهم من
الطعام .
كتب إلىّ السرىّ بن يحيى، عن شعيب بن إبراهيم ، عن سيف بن عمر ،
عن محمد وطلحة وزيادة بإسنادهم، قالوا : وقد كان جابان ونَرْسِى استمدّا
بوران ، فأمدتهما بالجالنوس فى جُنْد جابان، وأمر أن يبدأ بنرسى؛ ثم يقاتل
أبا عُبيد بعد ، فبادره أبو عُبيد ، فنهض فى جنده قبل أن يدنوَ ، فلمَّا دنا
(١) ط: ((الخوكبذ)).

٤٥٣
سنة ١٣
استقبله أبو عبيد، فنزل الجالنُوس بباقُسْياثا من بارُوسما، فنهد إليه أبو عُبيد
فى المسلمين ؛ وهو على تعبيته ؛ فالتقوا على باقُسيائا ، فهزمهم المسلمون
وهرب الجالنوس ، وأقام أبو عُبید ، قد غلب على تلك البلاد .
كتب إلىّ السرىّ بن يحيى ، عن شعيب ، عن سيف، عن النَّضْر بن
السرىّ والمجالد بنحو من وقعة باقُسيائا .
كتب إلىّ السرىّ بن يحيى، عن شعيب ، عن سيف ، عن محمد وطلحة
ومجالد وزياد والنَّضْر بإسنادهم، قالوا: أتاه أولئك الدّهاقين المتربِّصون جميعًا
بما وسع الجند، وهابوا وخافوا على أنفسهم. وأمَّ النَّضْر ومجالد فإنهما قالا:
قال أبو عبيد: ألم أعلمكم، أنى لستُ آكلا إلاّ ما يسع مَن معى ممّن أصبم ٢١٧٣/١
بهم! قالوا: لم يبقَ أحدٌ إلاّ وقد أتى بشبعه من هذا فى رحالهم وأفضل.
فلمَّا راح النَّاسِ عليه سألهم عن قِرى أهلِ الأرض فأخبروه، وإنما كانوا
قصَّروا أوّلا تربُّصًا ومخافة عقوبة أهل فارس . وأمَّاً محمد وطلحة وزياد
فإنهم قالوا : فلمَّا علم قبل منهم، وأكل وأرسل إلى قوم كانوا يأكلون معه أضيافًا
عليه يدعوهم إلى الطعام ، وقد أصابوا من نزل فارس ولم يروا أنّهم أتوا أباعبيد
بشىء فظنّوا أنهم يُدْ عَون إلى مثل ما كانوا يُدعون إليه من غليظ عيش أبىعبيد؛
وكرهوا تَرْك ما أتوا به من ذلك ؛ فقالوا له : قل للأمير؛ إنَّا لا نشتهى شيئًا
مع شىء أتتنابه الدهاقين؛ فأرسل إليهم : إنَّه طعام كثير من أطعمة الأعاجم ؛
لتنظروا أين هو مما أتيتم به ! إنه قَرْو ونجم وجوزل(١) وشواء وخردل ، فقال فى
ذلك عاصم بن عمرو وأضيافه عنده :
فعِنِدَ ابنِ فَرُّوخٍ شواءٍ وخَرْدَلُ
إن تَكُ ذا قرْوٍ ونَجْمٍ وَجَوْزَلٍ
على مُزَعٍ فيها بَقُولٌ وجَوْزَلُ
وقَرْوٌ رقاق كالصَّحَائِفِ طُوِّيَتْ
وقال أيضًا :
صَبُوحاً ليس من خَمرِ السَّوادِ
صبَحْنا بِالْبَقايِسِ رَهْط كِسرَى
وأجْرَدَ سابحٍ من خَيْلِ عادِ ٢١٧٤/١
صَبَحْناهُمْ بَكلٍّ فَى كِيّ
(١) القرو: الإناء الصغير. والجوزل فرخ الحمام.

٤٥٤
سنة ١٣
ثم ارتحل أبو عُبيد، وقدم المثنَّى ، وسار فى تعبيته حتى قدم الحيرة .
وقال النَّضر ومجالد ومحمد وأصحابه: تقدّم عمر إلى أبى عبيد ، فقال: إنَّك
تقدم على أرض المكْر والخديعة والخيانة والجمبريَّة ، تقدم على قوم قد جرءوا
على الشرّ فعلموه ، وتناسوا الخير فجهلوه ، فانظر كيف تكون ! واخزن
لسانك ، ولا تفِشينّ سرّك؛ فإنّ صاحبَ السرّ ما ضبطه، متحصّن لا يؤتى
من وجْه يكرهه ؛ وإذا ضيّعه كان بمضيعة .
٠ ٠
#
وقعة القَرْقس
ويقال لها القُسّ قَسّ النَّطِف، ويقال لها الجسر، ويقال لها المَرْوحة.
قال أبو جعفر الطبرىّ رحمه الله: كتب إلىّ السرىّ بن يحيى، عن شعيب،
عن سيف، عن محمد وطلحة وزياد بإسنادهم ، قالوا: ولمَّا رجع الجالنوس إلى
رستم ومَن أفلت من جنوده، قال رستم : أىُّ العجم أشدّ على العرب فيما ترون؟
قالوا: بَهْمَن جاذويه ؛ فوجَّهه ومعه فيلة(١) ورد" الجالنوس معه، وقال
له : قدّم الجالنوس ، فإن عاد لمثلها فاضرب عنقه ، فأقبل بهمن جاذويه ومعه
٢١٧٥/١ ((درَفْش كابيان)) راية كسرى - وكانت من جلود النَّمِر، عرض ثمانية
أذرع فى طول اثنى عشر ذراعًا - وأقبل أبو عبيد، فنزل المروحة ، موضع
البُرْج والعاقول، فبعث إليه بهمن جاذويه: إمّا أن تعبروا إلينا وند عكم والعبور
وإمّا أن تَدعونا نعبر إليكم! فقال الناس: لا تعبريا أبا عُبيد، ننهاك عن
العبور . وقالوا له : قل لهم: فليعبروا - وكان من أشدّ الناس عليه فى ذلك
سليط - فلجّ أبو عبيد، وتركَ الرّأى، وقال: لا يكونون أجرأ على الموت منَّا؛
بل نعبُر إليهم . فعبروا إليهم وهم فى منزل ضيّق المطّرد والمذهب ، فاقتتلوا
يومًا - وأبو عبيد فيما بين الستّة والعشرة - حتى إذا كان من آخر النهار،
واستبطأ رجلٌ من ثَقِف الفتح، ألّف بين الناس، فتصافحوا بالسيوف وضرب
أبو عبيد الفيل ، وخبط الفيلُ أبا عبيد، وقد أسرعت السيوف فى أهلٍ فارس،
(١) ابن حبيش: ((الفيلة)).

٤٥٥
سنة ١٣
وأصيب منهم ستة آلاف فى المعركة ، ولم يبقَ ولم يُنتظر إلا الهزيمة، فلما خُبِط
أبو عبيد، وقام عليه الفيل جالَ المسلمون جولة ، ثم تمّوا عليها، وركبهم
أهلُ فارس ، فبادر رجل من ثقيف إلى الجمر فقطعه ، فانتهى النَّاس إليه
والسيوف تأخذهم من خَلْفهم ، فتهافتوا فى الفرات، فأصابوا يومئذ من المسلمين
أربعة آلاف؛ من بين غريق وقتيل، وحمى المثنّى الناس وعاصمٌ والكلَج الضّبِىِّ
ومذعور ، حتى عقدوا الجمر وعبّروهم ثم عبروا فى آثارهم، فأقاموا بالمروحة ٢١٧٦/١
والمثنّى جَرَيح ، والكلَّج ومذعور وعادهم - وكانوا حماة الناس- مع المثنَّى،
وهرب من الناس بشرُ كثير على وجوههم ؛ وافتضحوا فى أنفسهم ، واستحيَوْا
ممَّا نزل بهم، [ وبلغ ذلك (١)] عمر عن بعض مَنْ أوى إلى المدينة فقال: عبادَ
اللّه! اللهم" إنّ كلّ مسلم فى حلٍّ منِّى، أنا فئة كلّ مسلم، يرحم الله
أبا عُبيد! لو كان عَبَرَ فاعتصم بالخَيْف ، أو تحيّزَ إلينا ولم يستقتِل لكنّا
له فئة !
وبينا أهلُ فارس يحاولون العبور أتاهم الخبر أنّ النَّاس بالمدائن قد ثاروا
برستَم ، ونقضوا الذى بينهم وبينه فصاروا فرقتين : الفتَهْلوج على رستم ،
وأهل فارس على الفَيْرُزَان ؛ وكان بين وقعة اليَرْموك والجمر أربعون ليلة.
وكان الذى جاء بالخبر عن اليَرْموك جرير بن عبد الله الحميرىّ؛ والذى
جاء بالخبر عن الجسر عبد الله بن زيد الأنصارىّ - وليس بالَّذى رأى الرؤيا ..
فانتهى إلى عمر وعمر على المنبر . فنادى عمر: الخبر يا عبد الله بن زيد! قال:
أتاك الخبر اليقين ؛ ثم صعد إليه المنبر فأسرّ ذلك إليه .
وكانت اليرموك فى أيام من جمادى الآخرة ، والجمر فى شعبان .
كتب إلىّ السرىّ بن يحيى ، عن شعيب ، عن سيف ، عن المجالد وسعید
ابن المَرْزُبان، قالا : واستعمل رستم على حرب أبى عُبيد بهمن جاذويه ؛
وهو ذو الحاجب ، وردّ معه الجالنوس ومعه الفيلة ، فيها فيل أبيض عليه
النَّخل (٢)، وأقبل فى الدَّهْم (٣)، وقد استقبله أبو عُبيد حتى انتهى إلى بابل؛ ٢١٧٧/١
فلمَّا بلغه انحاز حتى جعل الفرات بينه وبينه ؛ فعسكر بالمروحة .
(١) من ز .
(٣) الدهم : العدد من الناس .
(٢) النخل هنا: ضرب من الحلى .

٤٥٦
سنة ١٣
ثم إن أبا عبيد ندم حين نزلوا به وقالوا: إمَّا أن تعبروا إلينا وإمَّا أن
نعبر ، فحلف ليقطعنّ الفرات إليهم، وليمحّصنّ ما صنع، فناشده سليط بن
قيس ووجوه النَّاس، وقالوا : إنّ العرب لم تلق مثل جنود فارس مذ كانوا ،
وإنهم قد حفلوا لنا واستقبلونا من الزُّهاء والعُدّة بما لم يلقَنَا به أحد منهم ؛
وقد نزلتَ منزلا لنا فيه مجال وملجأ ومرجع ؛ من فَرّة إلى كَرّة . فقال :
لا أفعل ؛ جبُنت واللّه! وكان الرَّسول فيما بين ذى الحاجب وأبى عبيد
مردانْشاه الخصىّ؛ فأخبرهم أنّ أهل فارس قد عيَّروهم ؛ فازداد أبو عبيد
مَحَكا(١)، وردّ على أصحابه الرأى، وجبّن سَلِيطا ، فقال: سليط :
أنا والله أجرأ منك نفساً ؛ وقد أشرنا عليك الرأىّ فستعلم !
كتب إلىّ السرىّ بن يحيى، عن شعيب، عن سيف، عن النَّضْرِ بن
السرىّ، عن الأغرّ العجلىّ، قال : أقبل ذو الحاجب حتى وقف على شاطئ
الفُرات بقُصّ النَّاطف، وأبو عبيد معسكرٌ على شاطئ الفرات بالمَرْوحة
فقال : إما أن تعبُروا إلينا وإما أن نعبُر إليكم . فقال أبو عبيد: بل نعبُر
إليكم . فعقد ابن صلوبا الجسر للفريقين جميعًا ؛ وقبل ذلك ما قد رأت
٢١٧٨/١ دَوْمَة امرأة أبى عبيد رُؤيا وهى بالمَرْوحة؛ أنّ رجلا نزل من السماء بإناء
فيه شراب ، فشرب أبوعُبيد وجَبْر فى أناس من أهله ؛ فأخبرت بها أبا عبيد ،
فقال : هذه الشهادة ؛ وعهد أبو عبيد إلى الناس ، فقال: إن قتلتُ فعلى
الناس جَبْر ، فإن قتل فعليكم فلان، حتى أمَّر الذين شربوا من الإناء على
الولاء من كلامه . ثم قال: إن قتل أبو القاسم فعليكم المثنَّى، ثم نَهَد بالناس
فعبَر وعبروا إليهم ، وعضَّلَت(٢) الأرض بأهلها، وألحم الناس الحرب.
فلمَّا نظرت الخيول إلى الفيلة عليها النخل؛ والخيل عليها التَّجَافيف (٣)
والفرسان عليهم الشُّعُر(٤) رأت شيئا منكرًا لم تكن ترى مثله، فجعل المسلمون إذا
حملوا عليهم لم تقدم خيولهم، وإذا حملوا على المسلمين بالفيلة والجلاجل فرّقت
بين كراديسهم ؛ لا تقوم لها الخيلُ إلاّ على نِفار. وخَزّقهم (٥) الفُرْس
(١) محكا ، أى لجاجا .
(٢) عضلت الأرض بأهلها : ضاقت بهم لكثرتهم .
(٣) التجفاف ؛ من آلات الحرب ، يوضع على الفرس يتقى بها كالدرع للإنسان.
(٤) الشعر: جمع شعار، وهو جل الفرس. (٥) خزقوهم بالنشاب: طعنوهم.

٤٥٧
سنة ١٣
بالنّشّاب، وعضّ المسلمين الألم؛ وجعلوا لا يصلون إليهم ؛ فترجَّل أبو عبيد
وترجَّل الناس ، ثم مشوا إليهم فصافحوهم بالسيوف ؛ فجعلت الفيلة لا تحمل
على جماعة إلاّ دفعتهم ؛ فنادى أبو عبيد: احتوِشوا (١) الفيلة؛ وقطّعوا بُطُّنَها(٢)
واقلبوا عنها أهلها ؛ وواثب هو الفيل الأبيض ، فتعلَّق ببطانه فقطعه ؛
ووقع الذين عليه، وفعل القوم مثل ذلك؛ فما تركوا فيلا إلا حطّوا رحله؛ وقتلوا
أصحابه ، وأهوى الفيل لأبى عُبيد، فنفح مِشْفَرَه بالسيف ، فاتَّقَاه الفيل
بيده؛ وأبو عبيد يتجرمه (٣) ؛ فأصابه بيده فوقع فخبطه الفيل ، وقام عليه؛
فلما بصُر الناس بأبى عبيد تحت الفيل ، خشعت أنفس بعضهم، وأخذ اللواء
٢١٧٩/١
الذى كان أمَّره بعده ، فقاتل الفيل حتى تنحَّى عن أبى عبيد، فاجترّه إلى
المسلمين ، وأحرزوا شلوه (٤)؛ وتجرثم الفيلَ فاتّقاه الفيل بيده، دأبَ (٥)
أبى عبيد وخبطه الفيل . وقام عليه وتتابع سبعة من ثقيف ؛ كلُّهم يأخذ
اللواء فيقاتل حتى يموت . ثم أخذ اللواء المثنَّى ، وهرب النَّاس ، فلما رأى
عبد الله بن مَرَثَد الثقفىّ ما لقىَ أبو عبيد وخلفاؤه وما يصنع الناس، بادرهم إلى
الجسر فقطعه ، وقال : يأيَّها الناس ، موتوا على ما مات عليه أمراؤكم
أو تظفروا . وحاز المشركون المسلمين إلى الجسر؛ وخشع ناس فتواثبوا فى
الفُرات ؛ فغرق من لم يصبر وأسرعوا فيمن صَبَرَ، وحَمَّ المثنّى وفرسانٌ
من المسلمين الناس ، ونادى: يأيُّها الناس، إنَّا دونكم فاعبُرُوا على هينتكم (٦)
ولا تدهَشوا ؛ فإنا لن نزايل حتى نراكم من ذلك الجانب، ولا تغرّقوا أنفسكم .
فوجدوا الجسر وعبد الله بن مرثَد قائم عليه يمنع الناس من العبور، فأخذوه
فأتوا به المثنَّى ، فضربه وقال : ما حملك على الذى صنعت ؟ قال : ليقاتلوا،
ونادى مَن عبر فجاءوا بعلوج ، فضموا إلى السفينة التى قُطِعتْ سفائتها،
وعبر الناس، وكان آخر من قُتِل عند الجسر سَلِيط بن قيس، وعَبَرَ المثنَّى
وحمى جانبه ؛ فاضطرب عسكره ، ورامهم ذو الحاجب فلم يقدر عليهم؛ ٢١٨٠/١
(١) فى اللسان: ((يقال: احتوش القوم الصيد؛ إذا نفره بعضهم على بعض)).
(٢) البطن : جمع بطان؛ وهو حزام القتب.
(٣) يتجرثمه: يمسك بمعظمه (٤) شلوه: جسده.
(٥) ز: ((ذات)).
(٦) هينتكم؛ أى متمهلين، وفى ابن حبيش: ((هيئتكم)).

٤٥٨
سنة ١٣
فلمَّاً عبر المثنَّى [وحمى جانبه](١) ارفض" عنه أهلُ المدينة حتى لحقوا بالمدينة
وتركها بعضهم ونزلوا البوادى وبقى المثنَّى فى قلّة .
كتب إلىّ السرىّ عن شعيب ، عن سيف، عن رجل، عن أبى عثمان
النّهدىّ ، قال : هلك يومئذ أربعة آلاف بين قتيل وغريق ؛ وهرب ألفان ،
وبقىَ ثلاثة آلاف، وأتى ذا الحاجب الخبرُ باختلاف فارس ؛ فرجع بجنده ؛
وكان ذلك سببًا لارفضاضهم عنه، وجرح المثنَّى، وأثبِتَ فيه حَلَق من
درعه هَتكهنّ الرمح .
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب ، عن سيف ، عن مجالد وعطية نحوًا
منه .
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب عن سيف ، عن مجالد وعطية والنّضر،
أنّ أهل المدينة لما لحقوا بالمدينة وأخبروا عمّن سار فى البلاد استحياءً من
الهزيمة، اشتدّ على عمر ذلك ورحمهم ، قال الشعبىّ: قال عمر: اللهمّ كلّ
مسلم فى حلّ مِنّى، أنا فئة كل مسلم ، مَن لقى العدوّ ففظِع بشىء من
أمره فأنا له فئة ؛ يرحم الله أبا عُبيد لوكان انحاز إلىّ لكنت له فئة! وبعث
المثنَّى بالخبر إلى عمر مع عبد الله بن زيد، وكان أوّل من قدم على عمر .
وحدثنا ابنُ حميد؛ قال : حدّثنا سَلَمة ، عن محمد بن إسحاق بنحو
خير سيف هذا فى أمر أبى عُبيد وذى الحاجب، وقصّة حربهما، إلاّ أنه قال:
٢١٨١/١ وقد كانت رأت دَوْمة أمّ المختار بن أبى عبيد، أن رجلا نزل من السماء معه
إناء فيه شراب من الجنَّة فيما يرى النائم ، فشرب منه أبو عُبيد وجبر بن
أبى عبيد وأناس من أهله . وقال أيضًا : فلما رأى أبو عُبيد ما يصنع الفيل ،
قال : هل لهذه الدابّة من مقتل؟ قالوا : نعم ؛ إذا قطع مشفرها ماتت ،
فشدّ على الفيل فضرب مِشفره فقطعه، وبرك عليه الفيل فقتله . وقال
أيضًا : فرجعت الفُرْس ونزل المثنَّى بن حارثة ألَّيس ، وتفرّق الناس ،
فلحقوا بالمدينة ، فكان أوَّل مَن قدم المدينة بخبر الناس عبدُ اللّه بن زيد بن
الخُصين الخَطْمِىّ ، فأخبر الناس .
(١) من ز .

٤٥٩
سنة ١٣
حدثنا ابن حميد ، قال : حدّثنا سلّمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن
عبد الله بن أبى بكر ، عن عَمْرة ابنة عبد الرحمن ، عن عائشة زوج النبيّ
صلّى الله عليه وسلَّم ، قالت : سمعتُ عمربن الخطاب حين قدم عبد اللّه بن
زيد، فنادى : الخبر يا عبد الله بن زيد! وهو داخل المسجد ، وهو يمرّ على
باب حُجرتى، فقال : ما عندك يا عبد الله بن زيد ؟ قال : أتاك الخبرُ
يا أمير المؤمنين ؛ فلما انتهى إليه أخبره خبرَ الناس ، فما سمعت برجل حضر
أمرًا فحدّث عنه كان أثبتَ خبرًا منه. فلما قدم فلّ الناس ، ورأى عمر
جَزَّع المسلمين من المهاجرين والأنصار من الفرار ، قال : لا تجزعوا يا معشر
المسلمين ، أنا فتتكم ، إنما انحزيم إلىّ.
٢١٨٢/١
حدثنا ابن حُميد ، قال : حدثنا سَلَمة ؛ عن ابن إسحاق ، عن محمد
ابن عبد الرحمن بن الحصين وغيره ؛ أنّ مُعاذًا القارئ أخا بنى النَّجار؛ كان
ممنّ شهدها ففرّ يومئذ، فكان إذا قرأ هذه الآية: ﴿وَمَنْ يُوَلَّهِمْ يَوْمَئِذٍ
دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفَاً لِقِتَالِ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ
وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الَمَصِيرُ﴾(١)، بكى، فيقول له عمر: لا تبك يا معاذ، أنا
فئتُك، وإنما انحزْتَ إلىّ.
خبر ألّيس الصُّغْرَى.
قال أبو جعفر: كتب إلىّ السرىّ بن يحيى، عن شعيب بن إبراهيم ، عن
سيف بن عمر ، عن محمد بن نُويرة وطلحة وزياد وعطيّة ، قالوا : وخرج
جَابان وصَرْ دانْشاه حتى أخذا بالطريق ، وهم يرون أنهم سيرفضّون ولا يشعرون
بما جاء ذا الحاجب من فُرقة أهل فارس (٢)، فلما ارفضّ أهلُ فارس، وخرج
ذو الحاجب فى آثارهم، وبلغ المثنى فَعْلة جابان ومَرْ دانشاه ؛ استخلف على
النَّاس عاصم بن عمرو، وخرج فى جريدة خيل يريدهما، فظَّنا أنه هارب،
(١) سورة الأنفال ١٦ .
(٢) ز: ((من الخبر عن فرقة أهل فارس)).

٤٦٠
سنة ١٣
فاعترضاه فأخذهما أسيريْن ، وخرج أهل ألَّيس على أصحابهما ، فأتوْه بهم
أسراء ؛ وعقد لهم بها ذمَّة وقدمهما ، وقال : أنتما غررتما أميرَ نا ، وكذبتماه
٢١٨٣/١ واستفززتماه. فضرب أعناقهما، وضرب أعناق الأسراء؛ ثمّ رجع إلى عسكره
وهرب أبو مِحْجن من ألَّيس؛ ولم يرجع مع المثنَّى ؛ وكان جرير بن عبد الله
وحنظلة بن الربيع ونفر استأذنوا خالدًا من سُوَى ، فأذن لهم ، فقدموا على
أبى بكر، فذكر له جريرٌ حاجته، فقال: أعلى حالِنا! وأخَّرَه بها (١)، فلما ولِّ
عمر دعاه بالبيِّنّة ؛ فأقامها ، فكتب له عمر إلى عُمَّاله السعاة فى العرب
كلّهم : مَن كان فيه أحدٌ يُنسب إلى بجيلة فى الجاهليّة ، وثبت عليه فى
الإسلام يُعْرف ذلك فأخرجوه إلى جرير. ووعدهم(٢) جرير مكانًا بين
العراق والمدينة . ولما أعطِىّ جرير حاجته فى استخراج بجيلة من الناس فجمعهم
فأخرجوا له ، وأمرهم بالموعد ما بين مكة والمدينة والعراق، فتتامّوا، قال الحرير :
اخرج حتى تلحق بالمثنَّى ، فقال: بل الشأم ، قال : بل العراق ، فإن أهل
الشأم قد قَوُوا على عدوّهم، فأبى حتى أكرهه؛ فلمَّا خرجوا له وأمرهم بالموعد
عوّضه لإكراهه واستصلاحًا له، فجعل له ربع خُمس ما أفاء الله عليهم فى
غَزاتهم هذه له ولمن اجتمع إليه، ولمن أخرج له إليه من القبائل ، وقال :
اتّخذونا طريقًا ، فقدموا المدينة ، ثم فصلوا منها إلى العراق ممدّين للمثنَّى،
وبعث عصمة بن عبد اللّه من بنى عبد بن الحارث الضَّبِّىّ فيمن تبعه من
بنى ضبَّة ؛ وقد كان كتب إلى أهل الرّدة، فلم يوافٍ شعبانَ أحدٌ إلا ربى
به المثنّى .
٥
البُوَیْب
كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن محمد وطلحة وزياد
٢١٨٤/١
بإسنادهم ، قالوا : وبعث المثنَّى بعد الجسر فيمن يليه من الممدّين،
(٢) ابن حبيش: ((وواعدهم)).
(١) ز: ((فيها)).