Indexed OCR Text

Pages 341-360

٣٤١
سنة ١١
عند سعد بن مالك ، فولدت له عمر ، وزُرْعة بنت مِشْرَح عند عبد الله بن
العباس ولدت له عليًّاً .
وكتب أبو بكر إلى المهاجر يخِّيِّره اليمن أو حضرموت؛ فاختار اليَمَن،
فكانت اليمن على أميرين : فيروز والمهاجر ، وكانت حضْرموت على
أميرين ؛ عُبيدة بن سعد على كندة والسَّكاسك، وزياد بن لبيد على
حَضْرموت .
وكتب أبو بكر إلى عمَّال الرّدّة: أمَّا بعدُ، فإنّ أحبّ مَنْ أدخلتم ٢٠١٤/١
فى أموركم إلىّ مَن لم يرتدّ ومَن كان مَّن لم يرتدّ ، فأجْمِعوا على ذلك،
فاتخذوا منها صنائع، واثذنوا لمن شاء فى الانصراف ، ولا تستعينوا بمرتد فى
جهاد عدوّ .
وقال الأشعث بن مثناس (١) السكونىّ يبكى أهل النُّجيْر:
لقد كنتُ بِالقَتْلى لحقُّ ضَنِينٍ
لِعَمْرِى وَمَا عَمْرِى عَلَىَّ بَهَيِّنٍ
وما الدَّهرُ عندى بَعْدَهم بأِمِينِ
فلا غَرْوَ إِلا یومَ اُفْرِعَ بينهمْ
ولم تَمْشِ أنثى بعدهم لِجَنِينٍ
فليتَ جُنُوبَ الناس تحتَ جنوبهم
وكنتُ كذات البَوِّ رِيعَتْ فأقبلتْ على بَوِّها إذا طَرَّبَتْ بحِنِينٍ
كتب إلىّ السرىّ، عن شُعيب، عن سيف ، عن موسى بن عُقْبَة ،
عن الضّحاك بن خليفة ، قال: وقع إلى المهاجر امرأتان مُغَشِّتان ؛ غَنّت
إحداهما بشتْم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فقطع يدها، ونزع ثنيَّتَها(٢)؛
فكتب إليه أبو بكر رحمه الله: بلغنِى الذى سِرْتَّ به فى المرأة التى تغنَّت
وزمرت بشتيمة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم؛ فلو لا ما قد سبقْنى فيها
لأمرتك بقتْلها؛ لأنّ حدّ الأنبياء ليس يشبه الحدود، فمن تعاطى ذلك من ٢٠١٥/١
مسلم فهو مرتدّ ، أو معاهَد فهو محارب غادر .
وكتب إليه أبو بكر فى التى تغنّت (٣) بهجاء المسلمين: أما بعدُ؛ فإنه
(١) الإصابة ١: ١١٥: ((ابن ميناس)).
(٢) ب: ((ثنيتيها)).
(٣) ب: ((تغنى)).

٣٤٢
سنة ١١
بلغنى أنَّك قطعت بدا امرأة فى أن تغَّنت بهجاء المسلمين، ونزعتَ ثنيّتها(١)؛
فإن كانت ممن تدّعى الإسلام فأدبٌّ وتقدمةٌ دون المُثْلة، وإن كانت ذمَّة
فلعمرى لما صفحت عنه من الشّرْكِ أعظم ؛ ولو كنتُ تقدّمتُ إليك فى مثل
هذا لبلغتُ مكروهًا؛ فاقبل الدّعة وإيّاك والمُثلة فى الناس؛ فإنها مأثَم
ومستتفّرة إلاّ فى قصاص .
٠٠٠
وفى هذه السنة - أعنى سنة إحدى عشرة - انصرف معاذ بن جبل من
اليمن .
وستقضى أبوبكر فيها عمر بن الخطاب ، فكان على القضاء أيَّام خلافته
كلّهَا .
وفيها أمَّر أبو بكر رحمه اللّه على الموسم عتَّاب بن أسيد - فيما ذكره
الذين أسند إليهم خبره علىّ بن محمد الذين ذكرت قبل فى كتابى هذا أسماء هم.
وقال على بن محمد : وقال قومٌ: بل حجّ بالناس فى سنة إحدى عشرة
عبد الرحمن بن عوف عن تأمير أبى بكر إيَّاه بذلك (٢).
(١) ب: ((ثنيتيها)).
(٢) س: ((ذلك)).

٢٠١٦/١
ثم كانت سنة اثنتى عشرة من الهجرة
[ مسير خالد إلى العراق وصلح الحيرة ]
قال أبو جعفر ، ولمَّا فرغ خالدٌ من أمر اليمامة ، كتب إليه أبو بكر
الصّدّيق رحمه الله؛ وخالد مقيم باليمامة - فيما حدثنا عُبيد الله بن سعد
الزُّهریّ ، قال : أخبرنا عمی، قال : أخبرنا سيف بن عمر ، عن عمرو بن
محمَّدٍ، عن الشعبيِّ: أنْ سير إلى العراق حتى تدخلنَها، وابدأ بفرْج الهند،
وهى الأبُلَّة، وتألَّف أهلَ فارس ، ومَن كان فى مُلْكِهِم من الأمم.
حّدَّ ثنى عمر بن شَبَّة، قال: حدثنا علىّ بن محمد بالإسناد الَّذى
قد تتقدّم ذكرُه، عن القوم الذين ذكرتهم فيه، أنّ أبا بكر رحمه الله وجَّه
خالد بن الوليد إلى أرضِ الكوفة ، وفيها المثنَّى بن حارثة الشَّيبانىّ ، فسار فى
المحرّم سنة اثنتى عشرة، فجعل طريقه البصرة(١)، وفيها قُطْبة بن قتادة
= ء
السَّدُوسِىّ .
قال أبو جعفر : وأمَّ الواقدىّ، فإنه قال : اختُلف فى أمر خالد بن
الوليد ، فقائل يقول : مضى من وجهه ذلك من اليمامة إلى العراق . وقائل
يقول : رجع من اليمامة ، فقدم المدينة ، ثم سار إلى العراق من المدينة على
طريق الكُوفة ؛ حتى انتهى إلى الحِيرة .
حدّثنا ابن حُميد ، قال : حدَّنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن
صالح بن كيسان؛ أنّ(٢) أبا بكر رحمه اللّه كتَبَ إلى خالد بن الوليد يأمره أن ٢٠١٧/١
يسير إلى العراق، فمضى خالدٌ يريد العراق، حتى نزل بقُرَيّات(٣) من
السّواد، يقال لها: بانِقْيا وبارُوسْما وألَّيْس؛ فصالحه أهلُها، وكان الَّذى
صالحه عليها ابن صَلوبا ، وذلك فى سنة اثنتى عشرة ، فقبل منهم خالد الجزية
(٢) ب: ((زعم أن أبا بكر)).
(١) ب: ((فمر على طريق البصرة)).
(٣) كذا فى ب وابن حبيس .
٣٤٣

٣٤٤
سنة ١٢
وكتب لهم كتابًا فيه : بسم الله الرّحمن الرّحيم. من خالد بن الوليد لابن
صلوبا السَّوادىّ- ومنزله بشاطئ الفُرات - إنَّك آمنُّ بأمان اللّه - إذْ حَقن
دمه بإعطاء الجزية - وقد أعطيتَ عن نفسك وعن أهل خَرْجك وجزيرتك
ومَنْ كان فى قريتيك - بانقيا وباروسما-ألف درهم، فقبلتُها منك، ورضى"
مَن معى من المسلمين بها منك، ولك ذمَّة اللّه وذمَّة محمَّد صلَّى اللّه عليه
وسلَّم ، وذمَّة المسلمين على ذلك . وشهد هشام بن الوليد .
ثم أقبل خالد بن الوليد بمن معه حتى نزل الحيرة ، فخرج إليه أشرافُهم
مع قبيصة بن إياس بن حيَّة الطائىّ - وكان أمّره عليها كسرى بعد النعمان
ابن المنذر- فقال له خالد ولأصحابه: أدعوكم إلى الله وإلى الإسلام، فإن أجبتم
إليه فأنتمْ من المسلمين ، لكم مالهم وعليكم ما عليهم ؛ فإن أبيتم فالجزية ،
فإن أبيتم الجِزية فقد أتيتُكم بأقوام هم أحرصُ على الموت منكم على الحياة ؛
جاهدنا كم حتى يحكم الله بيننا وبينكم .
فقال له قبيصة بن إياس : ما لنا بحرْبك من حاجة، بل نقيم على ديننا ،
ونعطيك الجِزْية . فصالحهم على تسعين ألف درهم ، فكانت أوّل جزية وقعت
بالعراق ، هى القُرّيّات الّتى صالح عليها ابن صلوبا.
٢٠١٨/١
قال أبو جعفر: وأمَّا هشام بن الكلبىّ؛ فإنه قال : لمَّا كتب أبو بكر
إلى خالد بن الوليد وهو باليمامة أن يسير إلى الشأم ، أمره أن يبدأ بالعراق
فيمرّ بها ؛ فأقبل خالد منها يسير حتى نزل النِّباج .
قال هشام : قال أبو مخنف: فحدثنى أبو الخطّاب حمزة بن على،
عن رجل من بكر بن وائل، أنّ المثنى بن حارثة الشَّيْبانىّ، سار حتى قدم على
أبى بكر رحمه الله، فقال: أمُّرْنِى على مَنْ قِبَلَى من قومى، أقاتل مَن
يلينى من أهل فارس ، وأكفيك ناحيتى ، ففعل ذلك ؛ فأقبل فجمع قومه
وأخذ يُغير بناحية كَسْكَرَ مرّة ، وفى أسفل الفرات مرّة ، ونزل خالد بن
الوليد النِّباج والمثَنَّى بن حارثة بخفّانَ معسکرٌ" (١)؛ فکتب إلیه خالد بن الوليد
(١) س: (( معسكراً)).

٣٤٥
سنة ١٢
ليأتيه ، وبعث إليه بكتاب من أبى بكر يأمره فيه بطاعته؛ فانقضّ (١) إليه
جواداً حتى لحق به ، وقد زعمت بنو عِجْل أنَّه كان خرج مع المثنَّى بن
حارثة رجلٌ منهم يقال له مذعور بن عدىّ، نازع المثنّى بن حارثة ،
فتكاتبا إلى أبى بكر ؛ فكتب أبو بكر إلى العِجْلىّ يأمره بالمسير مع خالد إلى
الشأم ، وأقرّ المثنَّى على حاله ، فبلغ العجلىُّ مصرَ ، فشرُف بها وعظم
شأنه (٢) ، فدارُه اليوم بها معروفة؛ وأقبل خالد بن الوليد يسير ، فعرض له جابانُ
صاحِب ألّيْس ، فبعث إليه المثنَّى بن حارثة، فقاتله فهزمه، وقتل جُلّ ٢٠١٩/١
أصحابه ، إلى جانب نهرِ ثَمْ يُدعى هردم لتلك الوقعة؛ وصالح أهل ألَّيْس،
وأقبل حتى دنا من الحيرة ، فخرجت إليه خیول آزاذبه صاحب خيل کسری
الَّى. كانت فى مسالح ما بينه وبين العرب، فلقُوهم بمجتمع الأنهار، فتوجَّه
إليهم المثنى بن حارثة ، فهزمهم الله .
ولمّا رأى ذلك أهلُ الحيرة خرجوا يستقبلونه ؛ فيهم عبد المسيح بن
عمرو بن بُقيلة وهانى بن قبيصة ، فقال خالد لعبد المسيح : من أين
أثَرُك ؟ قال : من ظَهْر أبى ، قال : من أينَّ خرجت ؟ قال : من بطن
أمّى، قال: ويحك! على أىّ شىء أنت ؟ قالَ : على الأرضَ، قال:
وبلَك! فى أىّ شىء أنت؟ قال: فى ثيابى، قال: ويحك! تعقل ؟ قال:
نعم وأقيِّد، قال: إنّما أسألك، قال: وأنا أجيبُك، قال: أسِلِمٌ أنت
أم حربٌ ؟ قال: بل سِلْم ، قال : فما هذه الحصون التى أرى (٣) ؟ قال:
بنيناها للسَّفيه نحبسه (٤) حتى يجىء الحليم فينهاه . ثم قال لهم خالد:
إنّى أدعوكم إلى الله وإلى عبادتِه وإلى الإسلام ، فإن قبلتم فلكم مالنا
وعليكم ما علينا، وإن أبيتم فالجزية، وإن أبيتم فقد جئناكم بقوم يحبّون الموت كما
تحبّونَّ أنتم شرب الخمر. فقالوا: لاحاجة لنا فى حَرْبك، فصالحهم على تسعين
ومائة ألف درهم ، ؛ فكانت أوّلَ جزية حملت إلى المدينة من العراق . ثم نزلى
(٢) ز: ((وعظم شأنه وقدره)).
(١) ز: ((فانفض)) ..
(٣) ب: ((التى بيننا))
(٤) ابن حبيش: ((تحبسه)).

٣٤٦
سنة ١٢
على بانقْيًا، فصالحه بُصْبُشْرى بن صلوبا على ألف درهم وطيلسان ؛ وکتب
لهم كتابًا، وكان صالح (١) خالد أهل الحيرة على أن يكونوا له عيونًا، ففعلوا .
قال هشام ، عن أبى مخنف ، قال : حدثنى المجالد بن سعيد ، عن
الشَّعْبِىّ ، قال : أقرأنى بنو بُقيلة كتابَ خالد بن الوليد إلى أهل المدائن :
من خالد بن الوليد إلى مرازبة أهل فارس؛ سلام على من اتَّبع الهدى. أمَّا
بعدُ، فالحمدُ لله الذى فَضَّ خدمتكم (٢)، وسلب مُلْككم، ووهَّن
كيد كم. وإنَّه مَن صلَّى صلاتنا؛ واستقبَل قبلتنا، وأكلَ ذبيحتنا ؛
فذلك المسلم الَّذى له مالنا ، وعليه ما علينا . أمَّا بعد، فإذا جاءكم كتابى فابعثوا
إلىَّ بالرُّهُن، واعتقدوا منّى الذّمة، وإلاّ فوالَّذى لا إله غيره لأبعْنّ إليكم
قومًا يحبُّون الموت كما تحبّون الحياة.
فلما قرءوا الكتاب ، أخذوا يتعجَّبُون ، وذلك سنة اثنتى عشرة .
#
- قال أبو جعفر: وأما غيرُ ابن إسحاق وغير هشام ومَن ذكرت قولَه من
قَبْل، فإنّه قال فى أمر خالد ومسيره إلى العراق ما حدّثنا عُبيد الله بن سعد
الزُّهرِىّ ، قال : حدثنى عمِّى ، عن سيف بن عمر ، عن عمرو بن محمد ،
عن الشَّعْبِىّ، قال: لمَّا فرعَ خالد بن الوليد من اليمامة ، كتب إليه
أبو بكر رحمه الله: إنِ اللّه فتحَ عليك فعارِقْ حتَّى تلقى عِياضًا. وكتب إلى
عياض بن غَنْم وهو بين النُّبَاج والحجاز : أن سِرْ حتَّى تأتىَ المُصَيِّخَ
فابدأ بها ، ثم ادخل العراق من أعلاها ، وعارق حتى تلقى خالدًا. وأذَذَا لمن
شاء بالرجوع ، ولا تستفتحا بمتکاره .
ولما قدم الكتاب على خالد وعياض ، وأذنا فى القفل عن أمر أبى بكر
قفل أهلُ المدينة وما حولها وأعروهما(٣)، فاستمدّا أبا بكر، فأمدّ أبو بكر
خالدًا بالقعقاع بن عمرو التميمىّ ، فقيل له : أتمدّ رجلا قد ارفضّ عنه
٢٠٢٠/١
٢٠٢١/١
(١) ب: ((صلح)).
(٢) فى اللسان: ((وفى حديث خالد بن الوليد إلى مرازبة فارس: الحمد لله الذى فضّ خدمتكم.
قال: فض اللّه خدمتهم، أى فرق جماعتهم)).
(٣) يقال : أعرى القوم صاحبهم ، أى تركوه فى مكانه وذهبوا عنه
٠

٣٤٧
ستة ١٢
جنودُه برجل ! فقال: لا يُهْزم جيشٌ فيهم مثل هذا . وأمدّ عِياضاً بعبد بن
عوف الحميرىّ، وكتب إليهما أن استنفرامن قاتل أهل الردّة، ومَنْ ثبت على
الإسلام بعد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، ولا يغزون" معكم أحدٌ ارتد"
حتى أرَى رأبى . فلم يشهد الأيَّام مرتَدّ .
فلمَّا قدم الكتاب على خالد بتأمير العراق ، كتب إلى حَرْمَلَة
وسُلْمَىَ والمثنَّى ومذعور باللّحاق به، وأمرهم أن يواعدوا جنود هم الأبُلَّة،
وذلك أنّ أبا بكر أمر خالدًا فى كتابه : إذا دخلَ العراق أن يبدأ بفرْج أهل
السُّنْد والهِنْد - وهو يومئذ الأبُلَّة - ليوم قد سمَّاه، ثم حشر من بينه
وبين العراق ، فحشر ثمانية آلاف من ربيعة ومُضر إلى ألفيْن كانا معه ،
فقدم فى عشرة آلاف على ثمانية آلاف ممَّن كان مع الأمراء الأربعة.
يعنى بالأمراء الأربعة: المثنَّى، ومذعورًا، وسُلْمى، وحرملة - فلقىّ
هُرْمُزْ فى ثمانية عشر ألفًا .
حدّثنا عُبيد الله، قال: حدثنى عمى، عن سيف، عن المهلّب
الأسدىّ عن عبد الرحمن بن سياه ، وطلحة بن الأعلم ، عن المغيرة بن
عُنَيبة، قالوا: كتب أبو بكر إلى خالد بن الوليد، إذ أمَّرَّه على حرب العراق؛ ٢٠٢٢/١
أن يدخلها من أسفلها . وإلى عياض إذا أمّره على حرب العراق؛ أن يدخلها
من أعلاها ؛ ثم يستبقا إلى الحيرة ، فأيّهما سبق إلى الحيرة فهو أميرٌ على
صاحبه، وقال: إذا اجتمعتُما بالحيرة، وقد فضضتما مسالحَ فارس وأمِنْتُما أن
يؤتى المسلمون من خلْفهم، فليكن أحد كما رِدْءًا للمسلمين ولصاحبه بالحيرة؛"
وليقتحم الآخر على عدوّ اللّه وعد وكم من أهل فارس دارَهم ومستقَرَّ عِزّهم؛
المدائن .
حد ◌ّثنا عبيد الله، قال: حدثنى عمى، عن سيف، عن المجالد، عن الشعبىّ،
قال : كتب خالد إلى هُرمز قبل خروجه مع آزاذبه ــ أبى الزياذبة الَّذِين باليمامة
وهرمز صاحب الشَّغر يومئذ: أمَّا بعدُ، فأسلم تَسْلم، أو اعتقد (١) لنفسك وقومك
(١) اعتقد لنفسك الذمة ؛ أى أقرّ بها.

٣٤٨
سنة ١٢
الذّمة، وأقررْ بالجزية؛ وإلا فلا تلومنّ إلاّ نفسك، فقد جئتُك بقوم يحبّون
الموت كما تحبون الحياة .
قال سيف، عن طلحة بن الأعلم، عن المغيرة بن عتيبة- وكان قاضى أهل
الكوفة - قال : فرّق خالد مُخرَحَه من اليمامة إلى العراق جنده ثلاث
فرَق، ولم يحمِلْهم على طريق واحدة ، فسرَّح المثنَّى قبلَه بيومين ودليله
ظَفَرَ، وسرّح عدىّ بن حاتم وعاصم بن عمرو ودليلاهما مالك بن عبَّاد
٢٠٢٣/١ وسالم بن نصر، أحدهما قبل صاحبه بيوم ؛ وخرج خالد ودليله رافع ؛ فواعدهم
جميعًا الحفير ليجتمعوا به وليصادموا به عدوّهم؛ وكان فرْج الهند أعظم فروج
فارس شأنا ، وأشدَّها شَوْكةً ، وكان صاحبه يحارب العرب فى البرّ والهند فى
البحر .
قال - وشاركه المهلَّب بن عُقْبة وعبد الرحمن بن سياه الأحمرىّ، الذى
تُنْسَب إليه الحمراء ؛ فيقال : حمراء سياه - قال : لمَّا قدم كتاب خالد
على هُرْمز كتب بالخبر إلى شيرى بن كسرى وإلى أردشير بن شیری وجمع
جموعه، ثم تعجّل إلى الكواظم فى سَرَعان أصحابه ليتلقَّى خالدًا، وسبّق حلْتَه
فلم يجدها طريق خالد، وبلغه أنَّهم تواعدوا الحفيرَ، فعاج يبادره (١) إلى الحفير
فنزله، فتعبی به، وجعل على مجنبته(٢) اخوین بُلاقیان أرْد شیر وشیری إلى أردشير
الأكبر ، يقال لهما: قُباذ وأنو شجان، واقترنوا فى السلاسل، فقال من لم ير ذلك
لمن رآه: قيَّدتم أنفسكم لعدوّكم، فلا تفعلوا؛ فإن هذا طائر سَوْء ، فأجابوهم وقالوا:
أمَّا أنتم فحدّثوننا أنَّكم تريدون الهَرَب. فلما أتى الخبر خالدًا بأنّ هرمز
فى الحفير أمالَ النَّاس إلى كاظِمَةَ، وبلغ هرمز ذلك. فبادره إلى كاظمة
فنزلها وهو حسير ؛ وكان من أسْوَأ أمراء ذلك الفِرْج جوارًا للعرب ، فكل
٢٠٢٤/١ العرب عليه متغيظ ؛ وقد كانوا ضربوه مثلا فى الخُبث حتى قالوا : أخبث
من هرمز ، وأكفر من هرمز . وتعبّى هرمز وأصحابه واقترنوا فى السلاسل ، والماء
فى أيديهم . وقدم خالد عليهم فنزل على غير ماء ، فقالوا له فى ذلك ،
(١) س: ((يبادرهم)).
(٢) ابن كثير: ((مجنبتيه)).

٣٤٩
سنة ١٢
فأمر مناديه ، فنادى: ألا انزلوا وحُطُّوا أثقالكم، ثم جالدوهم على الماء، فلمَعمرى
ليصيرَنّ الماءُ لأصْبَرِ الفريقين، وأكرم الجنديْن؛ فحُطَّت الأثقال والخيل
وقُوف، وتقدّم الرَّجْل، ثم زحف إليهم حتى لاقاهم؛ فاقتتلوا، وأرسل الله
سحابةٌ فأغْزَرت ما وراء صفّ المسلمين (١)، فقوا هم بها؛ وما ارتفع النهار وفى
الغائط مقترن .
حدّثنا عُبيد الله، قال : حدثنى عمّى، عن سيف، عن عبد الملك بن
عطاء البَكَّائىّ؛ عن المقطّع بن الهيثم البكائىّ بمثله ، وقالوا : وأرسل هُرمز
أصحابه بالغد ليغدروا بخالد ، فواطئوه على ذلك ، ثم خرج هُرْمز ،
فنادى رجلٌ ورجلٌ: أين خالد؟ وقد عهد إلى فرسانه عهدَه ، فلَّما
نزل (٢) خالد نزلَ هرمز، ودعاه إلى النزال (٣) فنزل خالد فمشى إليه، فالتقيا
فاختلفا ضربتيْن، واحتضنه خالدٌ ، وحملت حامية هُرْز وغدرت ،
فاستلحموا (٤) خالدًا، فما شغله ذلك عن قتله . وحمل القَعْقاع بن عمرو
واستلحم حُماةَ هرمز فأناموهم؛ وإذا خالد يُمَاصعهم (٥) ، وانهزم أهل
فارس ، وركب المسلمون أكتافَهم إلى الليل ، وجمع خالد الرّثاث (٦) وفيها
السَّلاسل، فكانت وقْرَ بعيرٍ؛ ألف رطل، فسميت ذات السلاسل، وأفلت ٢٠٢٥/١
قُباذ وأنوشجان .
حدثنا عبيدُ اللّه ، قال: حدثنى عمَّى ، عن سيف ، عن عمرو بن
محمَّد ؛ عن الشعبىّ، قال: كان أهلُ فارس يجعلون قلانسهم على قَدْر
أحسابهم فى عشائرهم ، فَمنْ تمَ شرفُه فقيمة قلنسوته مائه ألف. فكان هرمز
من تَمّ شرفه، فكانت قيمتها مائة ألف؛ فنفّلها أبو بكر خالدًا، وكانت
مفصّصة بالجوهر ، وتمام شرف أحدهم أن يكون من بيوتات (٧)
(١) ابن كثير: ((فأمطرتهم حتى صار لهم غدران من ماء)).
(٢) ابن حبيش: ((برز)).
(٣) س: ((النزول))، ابن حبيش ((البراز))
(٤) استلحموا خالدا : تبعوه .
(٥) يماصعهم : يجالدهم .
(٦) الرثاث : المتاع.
(٧) ز: ((من بيوتاتهم السبع

٣٥٠
سنة ١٢
حدّثنا عُبيد الله ، قال : حدثنى عمَّى، عن سيف ، عن محمَّد بن
نوَيْرة ، عن حنظلة بن زياد بن حنظلة ، قال : لما تراجع الطَّب من
ذلك اليوم ، نادى منادى خالد بالرّحيل، وسار بالنَّاس، واتَّبعته
الأثقال ؛ حتى ينزل ب وضع الجسر الأعظم من البصرة اليوم ، وقد أفلت
قُباذ وأنوشجان ، وبعث خالد بالفتح وما بقىَ من الأخماس وبالفيل ،
وقرأ الفتح على الناس . ولما قدم زِرّ بن كليب بالفيل مع الأخماس ،
فطيف به فى المدينة ليراه النَّاس ، جعل ضعيفات النساء يقلن : أمِن خلْق
الله ما نرى! ورأينَه مصنوعًا، فردّه أبو بكر مع زرّ. قال: ولما نزل خالد
موضع الجسر الأعظم اليوم بالبَصْرة ؛ بعث المثنَّى بن حارثة فى آثار القوم ؛
وأرسل معقل بن مُقَرِّن المُزَنىّ إلى الأبُلَّة ليجمع له مالها والسّبٍ ، فخرج
معقل حتى نزل الأبُلَّة فجمع الأموال (١) والسبايا.
...
قال أبو جعفر : وهذه القصة فى أمر الأبُلّة وفتحها خلاف ما يعرفه أهل
٢٠٢٦/١ السَِّر، وخلاف ما جاءت به الآثار الصّحّاح، وإنما كان فتح الأبلَّة أيام
عُمر رحمه الله، وعلى يد عُتْبة بن غَزْوان فى سنة أربع عشرة من الهجرة ؛
وسنذكر أمرها وقصّة فتحها إذا انتهينا إلى ذلك إن شاء الله .
...
رجع الحديث إلى حديث سيف ، عن محمَّد بن نويرة ، عن حنظلة بن
زياد، قال : وخرج المثنّى حتَّى انتهى إلى نهر المرأة ، فانتهى إلى الحصن
الذى فيه المرأة ، فخلَف المُعَنَّى بن حارثة عليه، فحاصرها فى قَصْرها ،
ومضى المثنَّى إلى الرّجُل فحاصره ثم استنزلهم عَنْوةً ؛ فقتلهم واستفاء(٢)
أموالهم؛ ولمّا بلغ ذلك المرأة صالحت المثنَّى وأسلمتْ، فتزوّجها المعنَّى، ولم
يحرّك خالد وأمراؤه الفلاحين فى شىء من فتوحهم لتقدُّم أبى بكر إليه
فيهم ، وسبَى أولاد المقاتلة الَّذين كانوا يقومون بأمور الأعاجم ، وأقرّ مَن لم
ينهض من الفلاحين؛ وجعل لهم الذّمَّة ؛ وبلغ سهمُ الفارس فى يوم ذات
السلاسل والثِّنْى ألف درهم ، والراجل على الثلث من ذلك .
(١) س: ((المال)).
(٢) ز، س: ((وأستبقى)).

٣٥١
سنة ١٢
[ ذكر وقعة المذار ]
قال : وكانت وقعة المذارفى صفر سنة اثنتى عشرة ، ويومئذ قال الناس:
صفر الأصفار، فيه يقتَل كلّ جَبَّار، على مجمع الأنهار. حدثنا عُبيد الله،
قال : حدثنى عمِّى، عن سيف، عن زياد والمهلَّب، عن عبد الرحمن
ابن سياهْ الأحمرِىّ .
وأمَّا فيما كتب به إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ،
فإنَّه عن سيف، عن المهلب بن عُقْبةٍ وزياد بن سَرْجِس الأحمرىّ
وعبد الرحمن بن سياه الأحمرىّ وسفيان الأحمرىّ، قالوا : وقد كان
هُرْمز كتب إلى أردشير وشيرى (١) بالخبر بكتاب خالد إليه بمسيره من اليمامة ٢٠٢٧/١
نحوه ، فأمدّه بقارِن بن قريانس ، فخرج قارن من المدائن مُمِدًّا لهرمز؛
حتى إذا انتهى إلى المذار بلغتْه الهزيمة؛ وانتهت إليه الفُلاّل فتذامَروا ، وقال
فُلاّل الأهواز وفارس لفلاّل السواد والجبل: إن افترقتم لم تجتمعوا بعدها
أبدًا؛ فاجتمعوا على العَوْد مرّة واحدة ، فهذا مدد الملك وهذا قارن ،
لعلّ اللّه يُديلُنَا ويشفينا من عدوّنا ونُدرك بعض ما أصابوا منَّاً. ففعلوا وعسكروا
بالمذار، واستعمل قارن على مجنَّبته قُبَاذ وأنوشجان، وأرَز(٢) المثنَّى والمعنَّى
إلى خالد بالخبر؛ ولمَّا انتهى الخبر إلى خالد عن قارن قسم الفَىْء على متن
أفاءه اللّه عليه، ونقّل من الخمْس ما شاء اللّه، وبعث ببقيَّته وبالفتح إلى أبى
بكر وبالخَبرَ عن القوم وباجتماعهم إلى الثَّنْ المغيثِ والمغاث، مع الوليد
ابن عُقْبة ــ والعرب تسمى كلّ نهر الشَّنْى - وخرج خالدسائراً حتى ينزل
المذار على قارن فى جموعه ، فالتقوْا وخالد على تعبيته ، فاقتتلوا على حشَّقٍ
وحفيظة ، وخرج قارن يدعو للبراز، فبرز له خالد وأبيض الركبان معقل بن
الأعشى بن النَّبَّاش، فابتدراه ، فسبقه إليه معقل ، فقتله وقتل عاصِمٌ
الأنوشجان ، وقتل عدىٌّ قُباذ . وكان شرف قارن قد انتهى؛ ثم لم يقاتل
(١) ابن حبيش: ((وشيرين)).
(٢) أرز هنا : أسرع .

٣٥٢
سنة ١٢
٢٠٢٨/١ المسلمون بعده أحدًا انتهى شرفه فى الأعاجم، وقُتلت فارس مقتلة عظيمة؛
فضمُوا السفُنَ، ومنعت المياه المسلمين مِن طلبهم، وأقام خالد بالمذار، وسلَّم
الأسلاب لمن سلَبها بالغة ما بلغتْ، وقسم الفىء ونفّل من الأخماس أهل
البلاء ، وبعث ببقيَّة الأخماس ، ووفّد وفدًا مع سعيد بن النعمان أخی بنی
عدىّ بن كعب .
حدثنا عُبيد الله، قال : حدثنى عمَّى، عن سيف ، عن محمَّد بن
عبد اللّه، عن أبى عثمان ، قال: قتل ليلة المذار ثلاثون ألفًا سوَى مَن
غرق ، ولولا المياه لأتِىَ على آخرهم ؛ ولم يفلت منهم من أفلت إلا عُراة
وأشباه العراة .
قال سيف، عن عمرو والمجالد، عن الشعبىّ، قال: كان أوّل مَن
لقىَ خالد مَهْبَطَهُ العراق هرمز بالكواظم ، ثم نزل الفرات بشاطئٍ
دِجْلة؛ فلم يلقَ كيدًا، وتبحبح بشاطئ دجلة، ثم الثَّنْ، ولم يلقَ بعد
هرمز أحداً إلا كانت الوقْعة الآخرة أعظم من التى قبلها، حتى أتى دُومَةَ
الجندل ، وزاد سهمُ الفارس فى يوم الثُّنْى على سهمه فى ذات السلاسل .
فأقام خالد بالثُّنْى يسبِى عِيالات المقاتلة ومَن أعانَهم ، وأقرَّ الفلاحين
ومن أجاب إلى الخراج من جميع الناس بعد ما دُعوا، وكلّ ذلك أخذ عنوةً
ولكن دُعوا إلى الجزاء (١)، فأجابوا وتراجعوا، وصاروا ذمَّة، وصارت أرضهم
لهم ؛ كذلك جرى مالم يُقسم ، فإذا اقتُمم فلا .
وكان فى السّبّ حبيب أبو الحسن - يعنى أبا الحسن البصرىّ - وكان
٢٠٢٩/١
نصرانيًّا، ومافنَّة مولى عثمان، وأبو زياد مولى المغيرة بن شعبة .
وأمَّرَ على الجند سعيد بن النُّعمان ، وعلى الجزاء سُوَيَد بن مُقرّن
المزنىّ ، وأمره بنزول الحفير، وأمره ببثَ عُمَّاله ووضع يده فى الجباية ، وأقام
لعدوّه يتحسّس الأخبار.
(١) س: ((الجراج))

سنة ١٢
٣٥٣
[ ذكر وقعة الولَجة ]
ثم كان أمر الولجة فى صفر من سنة اثنتى عشرة؛ والولجة مما يلى كَسكر
من البر .
حدّثنا عُبيد الله، قال : حدثنى عمى ، قال: حدثنى سَيْف ،
عن عمرو والمجالد، عن الشعبىّ قال لما فرغ خالد من الثُّنْىِ وأتى الخبرُ أردشير،
بعث الأنْدَرْ زَغَرَ (١)؛ وكان فارِسيًّا من مولَّدى السّواد.
حدثناعبيدالله، قال : حدثنىعمی ، قال : حدثنی سیف، عنزيادبنسَرْجِس،
عنعبد الرحمن بنسیاہ، قال - وفیما کتب به إلى السرىّ، قال: حدثناشعيب ؛
قال: حدثنا سَيْف، عن المهلَّب بن عُقْبة وزياد بن سرجس وعبد الرحمن بن
سياه قالوا: لمَّا وقع الخبرُ بأرد شير بمصاب قارن وأهل المذ ار، أرسل الأندرْزَغَر؛
- وكان فارسيًا من مؤلّدى السواد وتُنَّائهم(٢)؛ ولم يكن ممّن وُلد فى المدائن
ولا نشأ بها- وأرسل بتهمز جاذَ وَيْه فى أثره فى جيش، وأمره أن يعبر طريق الأندرْزَغَر؛ ٢٠٢٠/١
وكان الأندرْزَغَرَ قبل ذلك على فَرْج خُراسان ؛ فخرج الأندرْ ز غَرَ
سائرًا من المدائن حتى أتى كَسْكَرَ ، ثم جازها إلى الوَلَجة ، وخرج
بَهْمَن جاذويه فى أثره ، وأخذ غير طريقه ، فسلك وسط السَّوَّاد ، وقد
حشر إلى الأندرْزَغَر من بيْن الحيرة وكَسْكَر من عرب الضّاحية والدّهاقين
فعسكروا إلى جَنْب عسكره بالوَلَجة ؛ فلمَّا اجتمع له ما أراد واستثمّ
أعجبه ما هو فيه ، وأجمع السَّيْر إلى خالد ؛ ولما بلغ خالدًا وهو بالثُنْىِ
خبرُ الأندرْزَغَر ونزوله الولجة، نادى بالرّحِيل، وخلَّف سُوَيَد بن
مقرّن ، وأمره بلزوم الحفير ، وتقدّم إلى مَن خلّف فى أسفل دِجْلة ،
وأمرهم بالحَذَرِ وَقِلَّة الغَّفْلَة، وترك الاغترار ، وخرج سائرًا فى الجنود نحو
الوَلَجة، حتى ينزل على الأندَرْزَغَر وجنوده ومَنْ تأشب إليه(٣)، فاقتتلوا قتالاً
شديدًا ؛ هو أعظم من قتال الثُّنْىِ .
(١) كذا ضبط فى ط .
(٣) ز: ((معه )).
(٢) التناء : جمع تانىء، وهو الطارىء الغريب.

٣٥٤
سنة ١٢
حدّثنا عبيد الله ، قال : حدّثنِى عمّى ، عن سيف، عن محمَّد بن
أبى عثمان ، قال: نزل خالدٌ على الأندرْ زَغَرَ بالولجة فى صَفَر ، فاقتتلوا بها
قتالا شديداً، حتى ظنَّ الفريقان أنّ الصبر قد فرغ، واستبطأ خالد كمينه؛
وكان قد وضع لهم كمينًا فى ناحيتيْن ، عليهم بُسْربن أبى رُهْم وسعيد بن
مُرّة العِجلىّ ، فخرج الكمين فى وجْهين ، فانهزمت صفوف الأعاجم
وولّوا، فأخذهم خالد من بين أيديهم والكمين من خلْفهم ، فلم يرَ رجلٌ
٢٠٣١/١ منهم مقتلَ صاحبه؛ ومضى الأندرْزَغَر فى هزيمته، فمات عطشًا. وقام
خالد فى الناس خطيبًا يرغِّبهم فى بلاد العَجَم، ويزهّدهم فى بلاد العرب ،
وقال: ألا ترون إلى الطَّعام كرفْغ(١) التراب وباللّه لو لم يلزمنا (٢) الجهادُ
فى اللّه والدعاء إلى الله عزّ وجلّ" ولم يكن إلاّ المعاش، لكان الرأى أن نقارع
على هذا الرّيف حتّى نكونَ أولى به، ونولّى الجوعَ والإقلال مَن تولاه
ممّن النَّاقل عمّا أنتم عليه. وسار خالد فى الفلاحين بسيرته فلم يقتلهم، وسبى
ذرارىّ المقاتلة ومن أعانهم، ودعا أهل الأرض إلى الجزاء (٣) والذمَّة،
فتراجعوا .
كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف - وحدّثنا عبيد الله،
قال: حدثنى عمّى ، عن سيف - عن عمرو، عن الشَّعْبِىّ، قال: بارز
خالد يوم الوَلَجة رجلاً من أهل فارس يُعدَل بألف رجل فقتله، فلمّاً
فرغ اتَّكأ عليه ، ودعا بغدائه . وأصاب فى أناس من بكر بن وائل ابنًاً
لجابر بن بُجير وابناً لعبد الأسود .
(٢) ز: ((لو لم يكن منا)) ابن كثير ((يكن بنا)).
(١) الرفع: مجتمع التراب.
(٣) س: ((الجزية)).

سنة ١٢
٣٥٥
خبر أليس ، وهى على صُلْب الفرات
قال أبو جعفر ، حدثنا عُبيد الله، قال: حدّثنى عمّى ، قال : حدّثنا
سيف ، عن محمد بن طلحة ، عن أبى عثمان وطلحة بن الأعلم عن المغيرة بن
عتيبة . وأمَّا السَّرِىّ فإنَّه قال فيما كتب إلىّ: حد ◌ّثنا شُعيب، عن سيف ،
عن محمَّد بن عبد اللّه عن أبى عثمان، وطلحة بن الأعلم عن المغيرة بن
عُنَيَبة ، قالا : ولمَّا أصاب خالد يوم الوَلَجة من أصاب من بكر بن
وائل مِن نصاراهم الَّذِين أعانوا أهلَ فارس غضب لهم نصارى قومِهِم ؛
فكاتبوا الأعاجم وكاتبتهم الأعاجم ؛ فاجتمعوا إلى ألَّيس ، وعليهم عبد الأسود
العِجْلىّ ، وكان أشدّ الناس على أولئك النَّصارى مسلموبنى عِجْل:
عُتيبة بن النَّهاس وسعيد بن مُرّة وفرات بن حَيّان والمثنَّى بن لاحق ومذعور
ابن عدىّ. وكتب أردشير إلى بهمن جاذَوَيْه، وهو بقُسْيَانا - وكان
رافدَ فارس فى يوم من أيام شَهْرهم وبنوْا شهورَهم كلَّ شهر على ثلاثين
يومًا ؛ وكان لأهل فارس فى كلّ يوم رافد قد نُصِب لذلك يرفدُهم عند
الملك ؛ فكان رافدهم بتَهْمَن روز - أن سرحتى تقدَم أليس بجيشك
إلى من اجتمع بها من فارس ونصارى العرب . فقدم بھْمن جاذویه جابان
وأمره بالحثّ ، وقال : كفكِفْ نفسَك وجندَك من قتال القوم حتى ألحق
بك إلاّ أنْ يُعجِلوك. فسار جابان نحو أليس؛ وانطلق بَهْمَن جاذويه
إلى أردشير ليُحْدِث به عهدًا، وليستأمره فيما يريد أن يشير به ، فوجده
مريضًا ؛ فعرَّج عليه ، وأخلَى جابان بذلك الوجه ، ومضى حتى أتى ألَّيْس،
فنزل بها فى صفر ، واجتمعت إليه المسالح التى كانت بإزاء العرب(١)؛
وعبد الأسود فى نصارى العرب من بنى عِجْل (٢) وتيمْ الَّلات وضُبَيعة وعرب
الضاحية من أهل الحيرة ؛ وكان جابر بن بجير نصرانيا ، فساند عبد الأسود ؛
وقد كان خالد بلغه تجمّع عبدالأسود وجابر وزُهير فيمنْ تأشَّب إليهم، فنتهدلهم
ولا يشعر بدنوّ جابان، وليست لخالد همة إلاّ من تجمّع له من عَرَب الضّاحية
(١) ز: ((الفرات)).
(٢) ز : ((بكر)).
٢٠٣٢/١
٢٠٣٣/١

٣٥٦
سنة ١٢
ونصاراهم ؛ فأقبل فلمَّا طلع على جابان بألَّيْس ، قالت الأعاجم الجابان :
أنعاجلهم أم نغدى الناس ولانريهم أنا نحفل بهم، ثم نقاتلهم بعد الفراغ ؟
فقال جابان: إن تركوكم والتَّهاون بكم (١) فتهاونوا، ولكن ظنّى بهم أن سيعجلونكم
ويعجّلونكم عن الطعام. فعصوه وبسطوا البُسُط ووضعوا الأطعمة، وتداعوْاً
إليها ، وتوافوا عليها . فلمَّا انتهى خالد إليهم، وقف وأمر بحط الأثقال ، فلمَّا
وُضِعت توجَّه إليهم، ووكَّل خالد بنفسه حوامىَ يحمُون ظهره ، ثم بَدَرَ
أمام الصفّ ، فنادى : أين أبجر ؟ أين عبد الأسود ؟ أين مالك بن قيس ؟
رجلٌ من جَذْرة؛ فنكَلُوا عنه جميعًا إلاّ مالكا، فبرز له ، فقال له خالد :
يا بنَ الخبيثة، ما جرَّأك علىَّ من بينهم ، وليس فيك وفاء! فضربه فقتله ،
وأجهض (٢) الأعاجمَ عن طعامهم قبل أن يأكلوا؛ فقال جابان: ألم أقل لكم
يا قومُ! أما والله ما دخلَتْنى من رئيس وحشة قطُّ حتى كان اليوم ؛ فقالوا
حيث لم يقدروا على الأكل تجدّدًا: نَدعُها حتى نفرغ منهم؛ ونعود إليها .
فقال جابان : وأيضًا أظنّكم واللّه لهم وضعتموها وأنتم (٣) لا تشعرون؛ فالآن
فأطيعونى ؛ سُمّوها ؛ فإن كانت لكم فأهْونُ هالكٍ ، وإن كانت عليكم
كنتم قد صنعتم شيئًا؛ وأبلَيْتم عذرًا. فقالوا: لا، اقتدارًا عليهم . فجعل
جابان على مجنَّبتَيْه عبد الأسود وأبجر؛ وخالد على تعبئته فى الأيام التى قبلها ،
فاقتتلوا قتالا شديدًا، والمشركون يزيدهم كلباً وشدَّةً ما يتوقَّعون من قدوم
بَهْمَن جاذويه ، فصابروا المسلمين للَّذى كان فى علم الله أن يصيِّرهم إليه،
وحَرِبَ المسلمون عليهم ، وقال خالد: اللهمّ إنَّ لك علىّ إن منحتنا
أكتافَهم ألاّ أستبقِىَ منهم أحدًا قدرْنا عليه حتى أجرِىَ نهرَهم بدمائهم !
ثم إنّ الله عزَّ وجلّ كشفهم للمسلمين، ومنحهم أكتافهم ، فأمر خالد
مناديه ، فنادى فى الناس: الأسرّ الأسرَ! لا تقتلوا إلاّ من امتنع ؛ فأقبلت
الخيول بهم أفواحًا مستأسرين يساقون سَوْقاً، وقد وكَّل بهم رجالاً يضربون
أعناقهم فى النهر ، ففعل ذلك بهم يوماً وليلة ، وطلبوهم (٤) الغد وبعد الغد ؛
٢٠٣٤/١
(١) ط: ((بهم))، وأثبت ما فى س.
(٣) ز: ((وأنكم))
(٢) أجهضهم : نحاهم .
(٤) ز: ((وطلبوا إثرهم من الغد)).

٣٥٧
ستة ١٢
حتى انتهوْا إلى النّهربن، ومقدارِ ذلك من كلّ جوانب ألّيْس. فضرب أعناقهم،
وقال له القعقاع وأشباهٌ له: لو أنَّك قتلتَ أهلَ الأرض لم تجرِ دماؤهم ؛
إنّ الدّماء لا تزيد على أن تَرَقرَق منذ نُهيتْ عن السَّيَّلان، ونُهيت الأرض
عن نَشْف الدماء ؛ فأرسل عليها الماء تَبَرّ يمينك. وقد كان صدّ الماءَ عن
النّهر فأعاده، فجرى دمًا عبيطًا (١) فسمَّى نهر الدم لذلك الشأن
إلى اليوم .
٢٠٣٥/١
وقال آخرون منهم بشير بن الخصاصية ، قال: وبلغنا أن الأرض لما
نشِفِتْ(٢) دمَ ابن آدم نُهِيَتْ عن نَشْف الدماء، ونُهِىَ الدّم عن السَّيَلان
إلا مقدارَ بَرْدهِ .
ولما هُزِمِ القوم وأجْلُوا عن عسكرهم، ورجع المسلمون مِن طلبهم ودخلوه؛
وقف خالد على الطعام ، فقال : قد نقّلْتُکموه فهو لكم. وقال : كان رسول
الله صلى الله عليه وسلم إذا أتى على طعام مصنوع نفَّله. فقعد عليه المسلمون
لعشائِهم بالليل، وجعل مَنْ لم يرَ الأرياف ولا يعرف الرّفاق يقول: ما هذه
الرّقاق البيض! وجعل مَنْ قد عرفها يجيبهم، ويقول لهم مازحًا: هل سمعتم
برقيق العيش ؟ فيقولون : نعم ، فيقول: هو هذا ؛ فسمى الرّقاق ، وكانت
العرب تسميّه القرى
حدّثنا عبيد الله، قال: حدثنى عمى، قال : حدثنا سيف، عن
عمرو بن محمّد، عن الشَّعِىّ، عمَّن حدّث، عن خالد، أنَّ رسولَ اللّه
صلَّى الله عليه وسلَّم نقّل الناس يوم خَيْبَر الخبز والطَّبيخ والشُّواء، وما أكلوا
غير ذلك فى بطونهم غير متأثِّلِيهِ .
كتب إلىّ السرىّ، عن شُعيب، عن سيف ، عن طلحة ، عن المغيرة ،
قال : كانت على النّهر أرحاء ، فطحنتْ بالماء وهو أحمر قوت العسكر ؛
ثمانية عشر ألفًا أو يزيدون ثلاثة أيام . وبعث خالد بالخبر مع رجل يدعى
(١) دماً عبيطا، أى طرياً
(٢) نشفت الأرض الدم : شربته.

٢٠٣٦/١
٣٥٨
سنة ١٢
جَنْدلا من بنى عجْل ، وكان دليلاً صارماً ، فقدم على أبى بكر بالخبر ،
وبفتح ألَّيْس، وبقدْر الفىء وبعدّة السَّبْى، وبما حصل من الأخماس ؛
وبأهل البلاء من الناس ؛ فلمّا قدم على أبى بكر ، فرأى صرامته وثباتَ خبره ،
قال : ما اسمك ؟ قال: جَنْدَل ، قال: ويْهَا جندل!
نَفَسُ عِصامٍ سَوَّدَتْ عِصامَا وَعَوَّدَتْهُ الكَرَّ وَالإِقْداما
وأمر له بجارية من ذلك السَّبْى ، فولدت له .
قال: وبلغت قتلاهم من ألَّيْس سبعين ألفًا جلهم من أمْغيشِيا .
قال أبو جعفر: قال لنا عبيد الله بن سعد: قال عمى : سألت عن
أمْغيشيًا بالحيرة فقيل لى: مَنِشِياً، فقلت لسيف، فقال: هذان اسمان(١).
...
حديث أمغيشيا
فى صفر، وأفاءَ ها اللّه عزّ وجلَّ بغير خيل .
حدثنا عبيد الله، قال : حدثی عمی، عن سیف ، عن محمد ، عن
أبى عثمان وطلحة ، عن المغيرة ، قال : لمَّا فَرَغ خالد من وقعة ألَّيْس،
نهض فأتى أمْغِيشَيَا، وقد أعجلهم عَمَّاً فيها، وقد جلا أهلُها؛ وتفرّقوا فى
السَّوَاد، ومن يومئذ صارت السَّكرات (٢) فى السَّوَاد؛ فأمر خالد بهدم أمْغِيشِيا
وكلّ شيء كان فى حَيِّزها، وكانت مِصْرًا كالحيرة ؛ وكان فرات بادَ قْلَى
ينتهى إليها، وكانت ألَّيْس من مسالحها، فأصابوا فيها ما لم يصيبوا مثله
قط".
٢٠٣٧/١
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف ، عن بَحْر بن الفُرات
العجلىّ، عن أبيهِ ، قال: لم يصِب المسلمون فيما بين ذات السَّلاسل وأمغيشيا
مثل شىء أصابوه فى أمغيشِياً ، بلغ سهمُ الفارس ألفًا وخمسمائة ، سوى
النَّفَل الذى نُفِّلَه أهلُ البلاء. وقالوا جميعًا: قال أبو بكر رحمه اللّه حين
(١) س: ((هكذا سمعت)). (٢) ياقوت ٤: ٣٢٧: ((السكرة: الفعلة)).

سنة ١٣
٣٥٩
بلغه ذلك : يا معشر قريش - يخبرهم بالذى أتاه : عدا أسدُكم على الأسد
فغلبه على خراذيله (١) ؛ أعجزت النساء أن ينسلن (١) مثل خالد !
حديث يوم المَقْر وفم فُرات بادَقْلَى
قال أبو جعفر: كتب إلىّ السَّرىّ، عن شعيب ، عن سيف ، عنمحمد، عن
أبى عثمان وطلحة ، عن المغيرة : أن الآزاذبه كان مرزبان الحيرة أزمان كسرى
إلى ذلك اليوم ؛ فكانوا لا يمدُّ بعضُهم بعضا إلاّ بإذن الملك ، وكان قد بلغ
نصف الشّرّف ، وكان قيمة قَلَنْسُوته خمسين ألفا ؛ فلما أخرب خالد
أمغيشيا ، وعاد أهلها سَكَرَات لدهاقين القرى علم الآزاذبه أنَّه غيرُ
متروك ، فأخذ فى أمره وتهيّاً لحرب خالد ، وقدّم ابنه ثم خرج فى أثرِه حتى
عسكر خارجاً من الحيرة؛ وأمر ابنه بسدّ الفرات ، ولما استقلّ خالد من
أمغيشيا وحمل الرّجْل(٣) فى السفن مع الأنفال والأثقال، لم يفجّأ خالدٌ إلاّ
والسفنُ جوانح (٤)، فارتاعوالذلك، فقال الملاّحون: إن أهل فارس فجّروا الأنهار؛
فسلك الماء غير طريقه؛ فلا يأتينا الماء إلاّ بسبدّ الأنهار ، فتعجّل خالد فى
خيلٍ نحوابن الآزاذبه ، فتلقَّاه على فمِ العتيق خيلٌ من خيله ؛ فجأهم
وهم آمنون لغارة خالد فى تلك الساعة ، فأنامهم بالمقْر ، ثم سارهن فَوْرِه
وسبق الأخبارَ إلى ابن الآزاذبة حتَّى يلقاه وجندَه على فم فرات بادُ قْلَى ؛
فاقتتلوا فأنامهم؛ وفجَّّر الفُرات وسدّ الأنهار وسلك الماءُ سبيلته.
٢٠٣٨/١
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب ، عن سيف، عن محمّد، عن أبى عثمان
وطلحة عن المغيرة ، وبحر عن أبيه ، قالوا. وحدّثنا عبيدُ اللّه، قال :
حدّثنى عمّى، قال: حدثنا سيفٌ، عن محمَّد عن أبى عثمان ، وطلحة
عن المغيرة، قالا: لمّا أصابَ خالد ابن الآزاذبه على فم فرات بادَ قْلَى ، قصد
(١) الحراذيل: قطع اللحم، واحدة خرذولة ..
(٢) كذا فى ز، وفى ط: ((أن ينشئوا))، وفى التصويبات: ((ينشئّن)).
(٣) س: ((الرجال)).
(٤) جنحت السفينة جنوحاً: انتهت إلى الماء القليل، فلزقت بالأرض فلم تمض .

٣٦٠
سنة ١٢
٢٠٣٩/١
للحيرة ، واستلحق أصحابه، وسار حتى ينزل بين الخوَرْنَق والنَّجَف،
فقدِم خالد الخورفق، وقد قطع الآزاذبه الفُرات هاربًا من غير قتال ؛ وإنَّما
حداه على الهَرَب أنّ الخبر وقع إليه بموت أردشير ومصاب ابنه ، وكان
عسكره بين الغَريَّيْن والقصر الأبيض ، ولمَّا تتامّ أصحابُ خالد إليه
بالخورنق خرج من العسكر حتى يعسكر بموضع عسكر الآزاذبه بين الغريّيْن
والقصر الأبيض ، وأهلُ الحيرة متحصّئون، فأدخل خالد الحيرة الخيل" من
عسكره، وأمر بكلّ قصر رجلا من قوّاده يحاصر أهلَه ويقاتلهم ، فكان
ضرار بن الأزور محاصرًا القصر الأبيض ، وفيه إياس بن قبيصة الطائىّ ،
وكان ضرار بن الخطاب محاصراً قصر العدّسيّين وفيه عدى بن عدىّ
المقتول، وكان ضرار بن مقرّن المزنىّ عاشر عشرة إخوة له محاصراً قصر بنى
مازن ، وفيه ابن أكَّال؛ وكان المثنَّى محاصِرًا قصر ابن بُقيلة وفيه عمرو
ابن عبد المسيح ؛ فدعوهم جميعاً، وأجَّلُوهم يومًا، فأبى أهل الحيرة ولجُّوا،
فناوشهم المسلمون .
حدّثنى عبيدُ اللّه بن سعد، قال : حدثنى عمّى ، عن سيف، عن
الغُصْن بن القاسم ، رجل من بنى كنانة - قال أبو جعفر : هكذا
قال عُبيد الله. وقال السَّرِىّ فيما كتب به إلىّ : حدثنا شُعيب،
عن سيف ، عن الغصن بن القاسم ، عن رجل من بنى كنانة - قال : عهد
خالد إلى أمرائه أن يبدءوا بالدّعاء ، فإن قَبلُوا قبلوا منهم وإن أبْوا أن
يؤجلوهم يومًا، وقال: لا تمكُّنوا عدوّ كم من آذانكم، فيتربّصوا بكم الدوائر؛
ولكن ناجزُوهم ولا تُرَدّدُوا (١) المسلمين عن قتال عدوّهم. فكان أوّل القُوّاد
أنشب القتال بعد يوم أجلوهم فيه ضرار بن الأزور ، وكان على قتال أهل
القَصْر الأبيض، فأصبحوا وهم مشرفُون؛ فدعاهم إلى إحدى ثلاث: الإسلام،
أو الجزاء ، أو المنابذة، فاختاروا المنابذة وتنادوا : عليكم الخزازيف، فقال
ضرار: تنحَّوْا لا ينالكم الرّمى؛ حتى ننظر فى الذى هتفوا به. فلم يلبث أن امتلأ رأسُ
٢٠٤٠/١
(١) ز: ((ولا تردوا)).