Indexed OCR Text
Pages 281-300
سنة ١١ ٢٨١ ذكر بقيّة خبر مسيلمة الكذاب وقومه من أهل اليمامة كتب إلىَّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن سهل بن يوسف ، عن القاسم بن محمد ، قال : كان أبو بكر حين بعث عكرمة بن أبي جهل إلى مُسيْلمة وأتْبعه شُرَحْبِيلَ عجّل عكرمة، فبادر شرحْبِيل ليذهب بصوتها(١) فواقعهم ، فنكبوه ، وأقام شُرحْبيل بالطريق حيث أدركه الخبر ؛ وكتب عكرمة إلى أبى بكر بالذى كان (٢) من أمره ، فكتب إليه أبو بكر : يابن أمّ عكرمة ، لا أرينَّك ولا ترانى على حالها ! لا ترجع فتوهِن الناسَ ؛ امض على وجهك حتى تساند حُذَيْفَةَ وعَرْفجة فقاتلْ معهما أهلَ عُمان ومَهْرة، وإن شغلا فامضٍ أنت، ثم تسير وتسير جندك تستبرئون (٣) مَنْ مررتم به ؛ حتى تلتقوا أنتم والمهاجر بن أبى أميَّة باليمن وحضرموت . ١٩٣٠/١ وكتب إلى شرحبيل يأمره بالمقام حتى يأتيَه أمرُه ، ثم كتب إليه قبل أن يوجه خالدًا بأيام إلى اليمامة: إذا قدم عليك خالدٌ، ثم فرغتم إن شاء الله فالحق بقُضاعة ؛ حتى تكونَ أنت وعمرو بن العاص على مَنْ أبى منهم وخالف. فلمَّا قدم خالدٌ على أبى بكر من البُطاح رضى أبو بكر عن خالد، وسَمِع عذْره وقَبل منه وصدّقه ورضى عنه، ووجَّهه إلى مُسَلمة وأوعب معه الناس. وعلى الأنصار ثابت بن قيس والبراء بن فلان ، وعلى المهاجرين أبو حذيفة وزيد ، وعلى القبائل؛ على كلّ قبيلة رجلٌ. وتعجَّل خالد حتى قدم على أهلِ العسكر بالبُطاح ، وانتظر البعث الذى ضرب بالمدينة؛ فلما قدم عليه نهض حتَّى أتى اليمامة وبنو حنيفة يومئذ كثير . كتب إلىّ السَّرىّ، عن شعيب، عن سيف ، عن أبى عمرو بن العلاء، عن رجال، قالوا : كان عددُ بنى حنيفة يومئذ أربعين ألف مقاتل؛ فى قُراها (١) س: ((بصوبها)). (٣) ب: ((تستثيرون)). (٢) ابن الأثير: (( بالخبر» . ٢٨٢ سنة ١١ وحُجَرها ، فسار خالد حتى إذا أظلّ عليهم أسندَ خيولاً لعقة والهُذيل وزياد ؛ وقد كانوا أقاموا على خَرْج أخرجته لهم مُسيلمة ليلحقوا به سجاح . وكتب إلى القبائل من تميم فيهم؛ فتفروهم حتى أخرجوهم من جزيرة العرب ، ١٩٣١/١ وعجَّل شرحبيل بن حسنة، وفعل فِعْل عِكْرمة، وبادر خالدًا بقتال مُسيْلمة قبل قدوم خالد عليه ؛ فنُكِب، فحاجَزَ(١)؛ فلمَّا قدم عليه خالد لامَهُ؛ وإنَّما أسْنَد خالد تلك الخيول مخافة أن يأتُوه من خَلْفه ؛ وكانوا بأفْنيّةِ اليمامة . کتب إلىّ السرىّ ، عن شعیب ، عن سیف ، عن عبد الله بن سعيد بن ثابت ، عمّن حدّثه ، عن جابر بن فلان، قال: وأمَدّ أبو بكر خالدًا بسليط ؛ ليكون رِدْءًا له مِن أن يأتِيِه أحدٌ من خَلْفه ؛ فخرج ؛ فلمَّا دنا من خالد وجد تلك الخيول الَّتى انتابت تلك البلاد قد فُرّقوا ؛ فهربوا ، وكان منهم قريباً رِدْءًا لهم؛ وكان أبو بكر يقول : لا أستعمل أهل بدر؛ أدَعُهم حتى يلقوا اللّه بأحسنِ أعمالهم؛ فإنّ اللّه يدفع بهم وبالصُّلَحاء من الأمم أكثرَ وأفضلَ ممَّا ينتصر (٢) بهم؛ وكان عمر بن الخطاب يقول: واللّه لأشِرَكنَّهم وليُواسُنَّى. كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن طلحة بن الأعلم ، عن عُبيد بن عمير، عن أثال الحنفىّ - وكان مع ثمامة بن أثال ــ قال: وكان ١٩٣٢/١ مُسَيَلمة يصانع كلّ أحد ويتألَّفه(٣) ولا يبالى أن يطّلع الناس منه على قبيح؛ وكان معه نهار الرَّجَّال بن عُنْفُوَةَ، وكان قد هاجر إلى (٤) النبيّ صلَّى اللّه عليه وسلَّم؛ وقرأ القرآن؛ وُفُقِّه فى الدّين، فبعثه مُعَلّمًا لأهل اليمامة وليشْغَب على مُسيَلمة، ولْيَشْدُدُ(٥) مِنْ أمر المسلمين؛ فكان أعظم فتنةٌ على بنى حَيفةَ مِنْ مُسيلمة؛ شهد له أنَّه سمع محمَّدًاً صلَّى الله عليه وسلَّمَ يقول: إنه قد أشرك معه؛ فصدّقوه واستجابوا له، وأمروه بمكاتبة النبيّ صلَّى اللّه (١) حاجز عدوه محاجزة : منعه. (٣) ب: ((يتابعه)). (٢) ب .: ((ما ينتظر)). (٤) ز: (( مع)). (٥) م: ((وليسدد)). ٢٨٣ سنة ١١ عليه وسلّم ، ووعدُوه إن هو لم يقبل أن يُعِينوه عليه ؛ فكان نهار الرّجَّال بن عَنْفوة لا يقول شيئًا إلاّ تابعه عليه؛ وكان ينتهى إلى أمره، وكان يؤذّن للنبىّ صلَّى اللّه عليه وسلَّم، ويشهد فى الأذان أنَّ محمداً رسول اللّه؛ وكان الَّذِى يؤذّن له عبد الله بن النَّوّاحة، وكان الذى يُقِيم له حُجَيْر بن عُمَير، ويشهد له ، وكان مسيلمة إذا دنا حُجَيْر من الشهادة ، قال : صَرّح حُجَير؛ فيزيد فى صوته ، ويبالغ لتصديق نفسه ، وتصديق نهار وتضليل من كان قد أسلم ؛ فعَظُمَ وَقَارُه فى أنفسهم . قال: وضرب حَرَمًا باليمامة، فنهى عنه؛ وأخذ النَّاس به، فكان مُحَرَّما فوقع فى ذلك الحَرَمَ قُرَى الأحاليف؛ أفخاذ من بنى أسيّد ، كانت دارهم باليمامة ؛ فصار مكان دارهم فى الحرم - والأحاليف: سَيْحان وتُمَارة ونمر والحارث بنو جُرْوة - فإن أخصبوا أغاروا على ثمار أهل اليمامة ، واتّخذوا الحَرَمَ دغَلا (١) ، فإن نذِرُوا بهم فدخلوه أحجموا عنهم؛ وإن لم ینذِرِوا بهم فذلك ما يريدون . فكثر ذلك منهم حتى اسْتَعْدَوْا عليهم ؛ فقال : أنتظر الذى يأتى من السماء فيكم وفيهم. ثم قال لهم: ((والليل الأطحم (٢)، والذئب الأدلم (٣). والجَذَع الأزلم (٤)، ما انتهكت أسَيّدٌ من مَحْرَم))؛ فقالوا: أما مَحْرم استحلالُ الحَرَّم وفساد الأموال! ثم عادوا للغارة ، وعادوا للعُدوى (٥). فقال: أنتظر الذى يأتينى، فقال: ((والليل الدّامس، والذئب الهامس (٦) ؛ ما قطعت أسَيِّد من رَطْب ولا يابس))؛ فقالوا: أمَّا النخيل مُرْطبة فقد جَدُّوها (٧)، وأمَّا الجدران يابسة فقد هَدَموها ؛ فقال : اذهبوا وارجعوا فلا حقّ لكم. ١٩٣٣/١ وكان فيما يقرأ لهم فيهم: ((إنّ بنى تميم قوم طهر لقتَاحٌ (٨)، لا مكروه (١) الدغل : ما استترت به. (٣) الأدلم : الأسود الطويل . (٥) العدوى : العدوان . (٧) جدوها : قطعوها . (٢) الطحمة : سواد الليل . (٤) الجذع الأزلم : الدهر. (٦) الذئب الهامس : الشديد. (٨) قوم لقاح: لم يدينوا للملوك ولم يصبهم سباء. ٢٨٤ سنة ١١ عليهم ولا إتاوة ، نجاورهم ما حيينا بإحسان ، نمنعهم من كلّ إنسان؛ فإذا متنا فأمرهم إلى الرحمن )). وكان يقول: (( والشاء وألوانها، وأعجُبها السود وألبانها . والشاة السوداء واللبن الأبيض ، إنه لعجب مَحْض، وقد حرِّم المذق، فما لكم لا تمجّعون!)). ١/ ١٩٣٤ وكان يقول: ((يا ضفدع ابنة ضفدع، نُقِىِ ما تَنْقِّين، أعلاك فى الماء وأسفلك فى الطين، لا الشارب تمنعين ، ولا الماء تكدّرين)). وكان يقول: ((والمبذّرَات زَرْعا، والحاصدات حَصْدًا، والذاريات قمحًاً، والطاحنات طحنًا، والخابزات خُبزًا، والثاردات ثردًا (١)؛ واللاقمات لقمًا، إهالة وسمنًا، لقد فضِّلْتُم على أهل الوَبر، وما سبقكم أهل المَدَر؛ رِيفكم فامنعوه، والمعترَّ (٢) فآووه، والباغى فناوئوه)). قال: وأتتهامرأة من بني حنيفة تكنى بأمّ الهيثم فقالت: إنّ نخلنا لسُحُقُ (٣) وإن آبارنا لجُرُز (٤)؛ فادع الله لمائنا ولنخلنا (٥) كما دعا محمد لأهل هَزْمان)). فقال: يا نهارُ(٦) ما تقول هذه؟ فقال: إنّ أهل هَزْمان أتوْا مَحَمداً صلَّى اللّه عليه وسلَّم فشكَوْا بُعْد مائهم(٧) ؛ - وكانت آبارهم جُرِزًا - ونخلهم أنَّها سُحُق ، فدعا لهم فجاشت آبارهم، وانْحَنَّتْ كلّ نخلة قد انتهت حتى وضعت جِرانها لانتهائها، فحكَّت (٨) به الأرض حتى أنْشَبَتْ عروقًا ثم قُطِعت من دون ذلك، فَعَادت فسيلا (٩) مكمَّمًا ينمى صاعدًا (١٠). قال: وكيف صنع بالآبار ؟ قال: دَعا بَسْجل (١١)، فدعا لهم فيه ، ١٩٣٥/١ (١) ثرد الخبز ثردا: فته ثم بله بمرق. (٢) ز: وابن الأثير: ((والمعي)). (٣) سحق: جمع مسحوق؛ وهى الطويلة من النخل. (٤) ياقوت: ((بحرز))؛ والجرز : الأرض المجدبة. (٥) ب: ((ونخلنا)). (٦) ياقوت: ((فقال لرحال بن عنفوة)). (٧) ياقوت: ((مياههم)). (٨) ياقوت: ((فحكمت)). (٩) الفسيل : صغار النخل ؛ وجمعه فسلان . (١٠) ياقوت: ((صعدا)). (١١) السجل: الدلو العظيمة إذا كان فيها ماء قل أو كثر، ولا يقال لها سجل إذا كانت فارغة ٢٨٥ سنة ١١ ثم تمضمضَ بفمِه (١) منه، ثم مَجَُّ فيه، فانطلقوا به حتى فرّغوه فى تلك الآبار، ثم سَقَوْه نخلهم، ففعل النبيّ(٢) ما حدَّثتك، وبقىَ الآخر إلى انتهائه. فدعا مُسَيَلمة بدلْوِ من ماء فدعا لهم فيه ، ثم تمضمض منه، ثم مج فيه فنقلوه فأفرغوه فى آبارهم . فغارت مياه تلك الآبار ، وخَوَى نخلُهم ؛ وإنما استبان ذلك بعد مهلكه (٣). وقال له نهار: بَرِّك على مولودى بنى حنيفة (٤)، فقال له: وما التبريك ؟ قال : كان أهلُ الحجاز إذا ولد فيهم المولود أتوا به محمدًا صلَّى اللّه عليه وسَلَّمَ فحنّكه ومسح رأسه ؛ فلم يؤتَ مسيلمة بصبىّ فحنّكه ومسح رأسه إلاّ قرع (٥) ولَئِغ (٦) واستبان ذلك بعد مهلكه . وقالوا: تَتَبَّعْ حيطانهم كما كان محمد صلّى الله عليه وسلَّم يصنع فصلّ فيها. فدخل حائطاً(٧) من حوائط اليمامة ، فتوضّاً، فقال نهار لصاحب الحائط : ما يمنعك من وَضُوء (٨) الرحمن فتسقِىَ به حائطَك حتى يَرْوَى ويبتلّ ، كما صنع بنو المهريَّة، أهل بيت من بنى حنيفة - وكان رجل من المهريَّة قدم على النبيّ صلى اللّه عليه وسلم فأخذ وَضُوءَه فنقله معه إلى اليمامة فأفرغه فى بئره، ثم نزع وسقى، وكانت أرضه تَهُوم فَرويتْ وجَزَأتْ فلم تُلْفَ إلا خضْرَاء مُهْتَزّةٌ - ففعل فعادت يَبَابًا لا ينبت مرعاها . وأتاه رجُلٌ فقال: ادْعُ اللّه لأرضى فإنَّها مُسْبخةٌ؛ كما دعا محمد صلَّى الله عليه وسلَّم لِسُلمىّ على أرضه. فقال: ما يقول يا نهار ؟ فقال : (١) كذا فى ياقوت، وفى ط: ((بفم)). (٢) كذا فى ياقوت، وفى ط: ((المنتهى)). (٣) ياقوت ٨ : ٤٦٤. (٤) ابن الأثير: ((أمر يدك على أولاد بنى حنيفة)). (٥) القرع : ذهاب الشعر عن مقدم الرأس ، كالصلح ، أو أشد منه . (٦) اللشغ: تحول اللسان من السين إلى الثاء، أو من الراء إلى الغين. (٧) الحائط هنا : البستان. (٨) الوضوء، بالفتح : الماء يتوضأ به . ١٩٣٢/١ ٢٨٦ سنة ١١ قدم عليه سلمى ، وكانت أرصه سبخة فدعا له ، وأعطاه سَجْلا من ماء ، ومجّ له فيه ، فأفرغه فى بئره، ثم نزع، فطابت وعَدُبَتْ ؛ ففعل مثل ذلك فانطلق الرّجُل، ففعل بالسَّجْل كما فعل سلمى ، فغرقت أرضه ، فما جفّ ثراها ، ولا أدرك ثمرها . وأتته امرأة فاستجلبته إلى نَخْل لها يدعو لها فيها ، فجزّت كبائسها(١) يوم عَقْرَبَاء كلَّها؛ وكانوا قد علموا واستبان لهم؛ ولكن الشَّقاء غلَب عليهم . ١٩٣٧/١ كتب إلىّ السرىّ، قال: حدّثنا شُعيب، عن سيف ، عن خُلَيَد بن ذفرة النَّمَرَىّ ، عن عمير بن طلحة النَّمرِىّ، عن أبيه ، أنَّه جاء اليمامة، فقال: أين مُسيلمة ؟ قالوا : مه رسول اللّه! فقال: لا ، حتَّى أراه؛ فلَّما جاءه ، قال: أنت مسيلمة ؟ قال: نعم، قال: مَنْ يأتيك ؟ قال : رحمن، قال: أفى نور أو فى ظلمة ؟ فقال : فى ظلمة ، فقال : أشهد أنَّك كذاب (٢) وأنّ محمدًا صادق؛ ولكنّ كذّاب ربيعة أحبّ إلينا من صادقٍ مُضَر ، فقتِل معه يوم عقربَاء . كتب إلىّ السرىّ ، عن شُعيب ، عن سيف ، عن الكلبى مثله ؛ إلاّ أنه قال : كذّاب ربيعة أحبّ إلىّ من كذّاب مضر. وكتب إلىّ السرىّ، عن شعيب ، عن سيف ، عن طلحة بن الأعلم ، عن عبيد بن عمير ، عن رجل منهم ، قال : لما بلغ مسيلمة دنوُّ خالد ، ضرب عسكره بعقرباء ، واستنفر الناس ، فجعل النَّاس يخرجون إليه ، وخرج مَجّاعة بن مُرَارة فى سرّية يطلب ثأرًا له فى بنى عامر وبنى تميم قد خاف فواته ، وبادر به الشغل ، فأمَّا ثأره فى بنى عامر فكانت خَوْلة ابنة جعفر فيهم، فمنعوه منها ، فاختلجها ؛ وأما ثأره فى بنى تميم فنعَمٌ أخَذُوا له . واستقبل خالدٌ شُرَحبيل بن حَسَنة، فقدمه وأمر على المقدمة خالد بن فلان المخزومىّ ، وجعل على المجنَّبَتَيْن زيدًا وأبا حُذَيَفة، وجعل مُيَلمة على (١) الكبائس: جمع كباسة؛ وهى العنق التام بشماريخه وبسره . (٢) ابن الأثير: ((الكذاب)). سنة ١١ ٢٨٧ مجنَّبتيه المحكَّم والرّجَّال، فسار خالد ومعه شُرَحبيل، حتى إذا كان من ١ /١٩٣٨ عسكر مسيلمة على ليلة، هجم على جُبِيلة (١) هجوم (٢) المقلِّل يقول: أربعين ، والمكثِّر يقول: ستين - فإذا هو مجَّاعة وأصحابه ، وقد غلبهم الكَرَى ، وكانوا راجعين من بلاد بنى عامر ، قد طوَوْا إليهم ؛ واستخرجوا خَوْلة ابنة جعفر فهى معهم ، فعرّسوا دون أصل الثنَّية؛ ثنيَّة اليمامة، فوجدوهم نيامًا وأرسان خيولهم بأيديهم تحت خدودهم وهم لا يشعرون بقرب الجيش منهم ؛ فأنبهوهم ، وقالوا: من أنتم ؟ قالوا: هذا مَجّاعة وهذه حنيفة ، قالوا : وأنتم فلا حيَّاكم اللّه! فأوثقوهم وأقاموا إلى أن جاءهم خالد بن الوليد ، فأتوه بهم؛ فظنّ خالد أنهم جاءوه ليستقبلوه وليتَّقوه بحاجته، فقال : متى سمعتم بنا ؟ قالوا: ما شَعَرْنا بك ؛ إنَّما خرجنا لثأر لنا فيمن حولنا من بنى عامر وتميم ، ولو فطنوا لقالوا : تلقّيناك حين سمعنا بك . فأمر بهم أن يقتلوا ، فجادوا كلْهُم بأنفسهم دُون مَجّاعة بن مرارة ، وقالوا : إن كنتَ تريد بأهل اليمامة غدًا خيراً أوشرًّاً فاستبق هذا ولا تقتله؛ فقتلهم خالد وحبس مَجَّعة عنده كالرَّهينة . كتب إلىّ السرىّ، قال: حدّثنا شُعيب ، عن سيف ، عن طلحة، عن عِكْرمة ، عن أبى هريرة ، وعبد الله بن سعيد عن أبى سعيد عن أبى هريرة ، قال : قد كان أبو بكر بعثَ إلى الرجَّال فأتاه فأوصاه بوصيَّته ، ثم أرسله إلى أهل اليمامة ؛ وهو يرى أنَّه على الصدق حين أجابه . قالا: قال أبو هريرة: جلستُ مع النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ فى رهط معنا الرّجَّال ابن عُنْفوة، فقال: إنّ فيكم لرجلاً ضِرْسه فى النار أعظم من أحد ، فهلك القوم وبقيت أنا والرّجال، فكنت متخوفًا لها ؛ حتى خرج الرّجَّل مع مُسيلمة ، فشهد له بالنبوّة ؛ فكانت فتنة الرّجَّال أعظم من فتنة مُسَيَلمة، فبعث إليهم أبو بكر خالدًا ، فسار حتى إذا بلغ ثنيّة اليمامة ، استقبل مَجَّاعة ابن مُرارة - وكان سيّد بنى حنيفة- فى جبل"(٣) من قومه، يريد الغارة على ١٩٣٩/١ (١) ب: ((حبيلة)). (٢) كذا فى ب. وفى ط: ((هجوع)). : (٣) جبل من قومه: أى جماعة منهم. ٢٨٨ سنة ١١ بنى عامر ، ويطلبُ دمًا ، وهم ثلاثة وعشرون فارسًا ركبانًا قد عرّسوا. فبيّتهم خالد فى معرَّسهم ، فقال: مَتَّى سمعتم بنا ؟ فقالوا : ما سمعنا بكم ؛ إنَّما خرجنا لنَشَّثِرَ بدم لنا فى بنى عامر . فأمر بهم خالد فضِرَبَتْ أعناقهم، واستخيَا مجَّعة ؛ ثم سار إلى اليمامة؛ فخرج مسيلمة وبنو حنيفة حين سمعوا بخالد ، فنزلوا بعقرباء ، فحلّ بها عليهم - وهى طرف اليمامة دون الأموال - وريف اليمامة وراء ظهورهم . وقال شُرُحبيل بن مسيلمة : يا بنى حنيفة ، اليومَ يومُ الغَيْرة ، اليوم إن هزمتم تستردَفُ النّساءِ سبيَّات ، ويُنْكحْن غير خطيبات (١)؛ فقاتلوا عن أحسابكم، وامنعوا نساءكم. فاقتتلوا بعقرباء ، وكانت رايةُ المهاجرين مع سالم مولى أبي حذيفة ، فقالوا : تخشى علينا من نفسك شيئًا ! فقال : بئس حامل القرآن أنا إذاً ! وكانت راية الأنصار مع ثابت بن قيس بن شمَّاس، وكانت العرب على راياتها ومجَّاعة أسيرٌ مع أمّ تميم فى فُسطاطها. فجال المسلمون جَوْلَةً ، ودخل أناس من بنى حَنِيفة على أمّ تميم ، فأرادوا قتلها ، فمنعها مجَّاعة . قال : أنا لها جارٌ ، فَنِعْمَتِ الحُرَّةِ هى! فدفعهم عنها، وترادّ المسلمون، فكرُّوا عليهم؛ فانهزمت بنو حنيفة ، فقال المحكّم بن الطّفيْل: يا بني حنيفة ، ادخلوا الحديقة ؛ فإنى سأمنع أدباركم ، فقاتلَ دونهم ساعة ثم قتله اللّه ؛ قتله عبد الرحمن بن أبى بكر ، ودخل الكفار الحديقة ، وقتَل وحشِىّ مسيلمة ، وضربه رجلٌ من الأنصار فشاركه فيه . حدّثنا ابنُ حميد ، قال : حدّثنا سلمة عن محمد بن إسحاق، بنحو حديث سيف هذا ؛ غير أنه قال: دعا خالد بمجَّغة ومَنْ أخذ معه حين أصبح ، فقال : يا بني حنيفة ، ما تقولون ؟ قالوا: نقول: منَّا نِىٌّ ومنكم نبيٌّ؛ فعرضَهم على السيف ؛ حتى إذا بقىَ منهم رجلٌ يقال له سارية بن عامر ومجَّاعة بن مُرارة ، قال له سارية : أيّها الرّجل؛ إن كنتَ تريد بهذه ١٩٤١/١ القرية غداً خيراً أو شرًّا، فاستبقِ هذا الرجل - يعنى مجَّاعة - فأمر به خالد فأوثقه فى الحديد؛ ثم دفعه إلى أمّ تميم امرأته ، فقال : استوصى به (١) ط: ((حفظيات))، وانظر تصويبات ط وابن الأثير. ١٩٤٠/١ ٢٨٩ سنة ١١ خيرًا ، ثم مضى حتى نزل اليمامة على كتيب مشرف على اليمامة ، فضرب به عسكره ، وخرج أهل اليمامة مع مسيلمة وقد قدم فى مقدمته الرّحَّال - قال أبو جعفر ، هكذا قال ابن حميد بالحاء - بن عُنْفوة بن نهشل، وكان الرّحّال رجلاً من بنى حنيفة قد كان أسلم ، وقرأ سورة البقرة ، فلمَّا قدم اليمامة شهد لمسيلمة أنّ رسولَ اللّه صلَّى الله عليه وسلّم قد كان أشركه فى الأمر : فكان أعظَمَ على أهل اليمامة فتنةً من مسيلمة ؛ وكان المسلمون يسألون عن الرّحَّال يرجون أنه يَشْلم على أهل اليمامة أمرهم بإسلامه، فلقيتهم فى أوائل النَّاس متکتبًا(١)، وقد قال خالد بن الوليد وهو جالس على سريره ، وعنده أشراف الناس والنَّاس على مصافّهم ؛ وقد رأى بارقة فى بنى حنيفة : أبشِرُوا يا معشر المسلمين ؛ فقد كفاكم الله أمر عدوّكم. واختلف القوم إن شاء الله"؛ فنظر مجَّاعة وهو خلْفَه موثَقًا فى الحديد، فقال: كلاً واللّه، ولكنها الهُنْدُ وانيّة خَشُوا عليها من تحطّمها، فأبرزوها للشمسِ لتّلين لهم ؛ فكان كما قال. فلما التقى المسلمون كان أوّل من لقيتهم الرّحال بن عُنْفُوة، فقتله اللّه . حدّثنا ابنُ حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن شيخ من بني حنيفة، عن أبى هريرة ، أنّ رسولَ اللّهِ صلّى الله عليه وسلَّ قال يومًا - وأبو هريرة ورحَّال بن عُنْفوة فى مجلس عنده: ((لضِرْسُ (٢) أحدكم أيّها المجلس فى النار يوم القيامة أعظم من أحد)). قال أبو هريرة : فمضى القوم لسبيلهم ، وبقيتُ أنا ورحَّال بن عُنفوة ، فما زلت لها متخوّفًا؛ حتى سمعت بمخرج رحال، فأمنت وعرفت أنّ ما قال رسولُ الله صلَّى اللّه عليه وسلَّمَ حقّ". ١٩٤٢/١ ثم التقى الناس ولم يلقهم حَرْبٌ قطّ مثلها من حرب العرب ؛ فاقتتل النَّاس قتالا شديداً؛ حتى انهزمَ المسلمون وخلَص بنو حنيفة إلى مجاعة وإلى خالد ، فزال خالد عن فُسطاطه ودخل أناس الفسطاط وفيه مجَّاعة عند أم تميم، فحمل عليها رجل بالسيف ، فقال مجاعة: مه، (١) س: ((متنكباً)). (٢) ز: ((ضرس)). ٢٩٠ سنة ١١ ١٩٤٣/١ أنا لها جارٌ، فنعْمَت الحُرَّة! عليكم بالرجال، فرَعبَلوا (١) الْفُسْطاط بالسيوف . ثم إنّ المسلمين تتَدَاعَوْا ، فقال ثابت بن قيس : بثْسَما عَوَّدْتم أنفسكم يا معشر المسلمين! اللهمّ إنّى أبرأ إليك ممَّا يَعْبُد هؤلاء - يعنى أهل اليمامة - وأبرأ إليك مما يصنع هؤلاء - يعنى المسلمين - ثم جالد بسيفه حتى قُتِل. وقال زيد بن الخطاب حين انكشف الناس عن رحالهم : لا تحوَّزَ بعد الرّحال، ثم قاتل حتى قتل. ثم قام البَرَاءُ بن مالك أخو أنس (٢) بن مالك - وكان إذا حضر الحرب أخذته العُرواء (٣) حتی یقعد عليه الرجال ؛ ثم ينتفض تحتهم حتى يبول فى سراويله؛ فإذا بال يثورُ كما يثور الأسد - فلمَّا رأى ما صنع الناس أخذه الذى كان يأخذه حتى قعد عليه الرجال ، فلمَّاً بال وثَب ، فقال : أين يا معشر المسلمين! أنا البراءُ بن مالك، هلمّ إلىّ! وفاءَتْ فئة من النَّاس ، فقاتلوا القوم حتى قتلهم اللّه، وخَلَصوا إلى مُحَكّم اليمامة - وهو مُحَكّم بن الطَّفيل - فقا حين بلغه القتال: يا معشَر بنى حنيفة، الآنَ واللّه تُستحْقّب الكرائم غيرَ رضِيَّات ، ويُنكحن غير خطيبات ؛ فما عندكم من حَسَب فأخرجوه . فقاتل قتالا شديدًا؛ ورماه عبد الرحمن بن أبى بكر الصّدّيق بسهم فوضعه فى نحره فقتله . ثم زحف المسلمون حتى ألْجئوهم إلى الحديقة؛ حديقة الموت؛ وفيها عدوّ اللّه مُسيلمة الكذاب، فقال البرَاء: يا معشر المسلمين ، ألقونى عليهم فى الحديقة. فقال الناس: لا تفعل يا بَرَاء، فقال: واللّه لتطرُ حنّى عليهم فيها؛ فاحتمل حتى إذا أشرف على الحديقة من الجدار ؛ اقتحم فقاتلهم عن باب الحديقة ، حتى فتحها للمسلمين ، ودخل المسلمون عليهم فيها ؛ فاقتتلوا حتى قتل اللّه مسيلمة عدوّ اللّه؛ واشترك فى قتله وَحْشىٌّ مولى جُبير بن مطعم ورجل من الأنصار ، كلاهما قد أصابه ؛ أمَّا وحشىٌّ فدفع عليه حربته، وأمَّا الأنصارىُّ فضربه بسيفه ، فكان وحشىّ يقول: ربّك أعلم أيّنا قتله ! (١) رعبلوا الفسطاط، أى مزقوه. (٢) س: ((أخ لأنس)). (٣) العرواء: رعدة تصيب الإنسان؛ وهى فى الأصل برد الحمى. سنة ١١ ٢٩١ حدثنا ابن حميد ، قال : حدّثنا سلّمة، قال : وحدثنى محمد بن إسحاق ، عن عبد الله بن الفضل بن العباس بن ربيعة ، عن سليمان بن يسار،. عن عبد الله بن ◌ُمَر، قال: سمعتُ رجلاً يومئذ يصرُخ يقول ، قتله العبد الأسود ! ١٩٤٤/١ كتبَ إلىّ السرِىّ ، عن شعيب، عن سيف، عن طلْحة، عن عبيد بن عُمَيْر، قال: كان الرّجالُ بحيال زيد بن الخطاب؛ فلمَّا دنا صَفَّاهما، قال زيد: يا رجَّال، اللّه اللّه! فوالله لقد تركت الدّين، وإن الذى أدعوك إليه لأشرفُ لك، وأكثرُ لدنياك(١). فأبى، فاجتلدا فقُتل الرجّال وأهل البصائر من بنى حنيفة فى أمر مسيلمة ، فتذامروا وحمل كلُّ قوم فى ناحيتهم ؛ فجال المسلمون حتى بلغوا عسكرَهم، ثم أعْرَوْه لهم، فقطعُوا أطناب البيوت ، وهتكُوها، وتشاغلوا بالعسكر ، وعالجوا مجّعة؛ وهَمّوا بأمّ تميم، فأجارها. وقال : نِعْمَ أمُ المَشْوَى! وتذامر زيْدٌ وخالد وأبو حذيفة، وتكلَّمِ النَّاس - و[كان](٢) يوم جنوب له غبار-فقال زيد: لاوالله لا أتكلّم اليوم حتى هز مهم أو ألقى الله فأكلمه بحُجتى! عضُّوا على أضراسكم أيّهَا الناس ، واضربوا فى عدوّكم، وامضوا قدُّمًا. ففعلوا، فَرَدّوهم إلى مصافّهم حتى أعادوهم إلى أبعد من الغاية التى حيزوا إليها من عسكرهم، وقُتل زيد رحمه الله .. وتكلّم. ثابت فقال : يا معشر المسلمين، أنتم حزْبُ اللّه وهم أحزاب الشيطان ، والعزّة لله ولرسوله ولأحزابه، أرُونى كما أرِيكم (٣)، ثم جلد فيهم حتى حازهم(٤). وقال أبو حذيفة : يا أهَل القرآن، زَيِّنوا القرآن بالفعال . وحمل فحازهم حتى أنفذهم، وأصيب رحمه اللّه، وحمل خالد بن الوليد، وقال لحُماته: لا أوتينَّ مِن خلفى . حتى كان بحيال مسيلمة يطلب الفُرْصة ويرْقب مسيلمة . ١٩٤٥/١ كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن مُبَشّر بن الفُضَيْل، عن سالم بن عبد الله، قال: لمّا أعْطِى سالم الراية يومئذ، قال: ما أعلمَنى لأىّ شىء أعطيتمونيها ! قلتم: صاحب قرآن وسيثبت كما ثبت صَاحبها (١) ز(( وأكبرلك)". (٣) ز: ((أراكم)). (٢) من ذ . (٤) س: ((جاوزهم أبعد مما جاوزهم)). ٢٩٢ سنة ١١ قبله حتى مات ! قالوا : أجل . وقالوا : فانظر كيف تكون ؟ فقال : بئس واللّه حامل القرآن أنا إن لم أثبت! وكان صاحبُ الراية قبَله عبدَ الله بن حفص بن غانم . وقال عبد الله بن سعيد بن ثابت وابن إسحاق : فلمَّا قال مجَّاعة لبنِى حنيفة: ولكن عليكم بالرّجَال، إذا فئة من المسلمين قد تذامروا بينهم فتَقَانَوْا وتفانَىَ المسلمون كلّهم، وتكلّم رجالٌ من أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ، وقال زيد بن الخطاب : والله لا أتكلّم أو أظفر أو أقتل ، واصنعوا كما أصنعُ أنا؛ فحمل وحمل أصحابه . وقال ثابت بن قيس: بِئْسَما عَوَّدتم أنفسكم يا معشر المسلمين! هكذا عَنِّى حتى أريكم الجلاد. وقُتِل زيد بن الخطاب رحمه الله . كتب إلىّ السرىّ، قال : حدّثنا شُعيب ، عن سيف، عن مبشر، عن سالم ، قال : قال عمر لعبد الله بن عمر حین رجع: ألا هلکت قبل زید ! هلك زيد وأنت حتى! فقال: قد حَرّصتُ على ذلك أن يكون، ولكنّ نفسى تأخَّرَتْ، فأكرمه الله بالشَّهادة. وقال سهل: قال: ما جاء بك وقد هلك زيد؟ ألاّ واريتَ وجهك عنّى! فقال: سأل الله الشهادة فأعطيها، وجهدتُ أن تُسَاقَ إلىّ فلم أعْطَهَا . كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب ، عن سيف ، عن طلحة بن الأعْلم ، عن عبيد بن عمير: إنّ المهاجرين والأنصار جَبَّنوا أهَل البوادى وجَبّنهم أهلُ البوادى ، فقال بعضهم لبعض: امتازوا كى نُسْتحًْا من الفرار اليوم، ونعرف اليوم من أين نؤتى! ففعلوا . وقال أهلُ القرى : نحن أعلم بقتال أهل القُرى يا معشَر أهل البادية منكم ، فقال لهم أهل البادية: إن أهل القرى لا يحسنون القتال، ولا يدرون ما الحرب! فسترون إذا امتزنا (١) من أين يجىء الخلل! فامتازوا، فما رُئى يوم كان أحدّ ولا أعظم نكايةً مما رُشِىَ يومئذ ؛ ولم يُدْرَ أىّ الفريقين كان أشدّ فيهم نكاية! إلاّ أن المصيبة كانت فى المهاجرين والأنصار أكثر منها فى أهل البادية، وأنّ البقيَّة أبدًا فى الشدّة. ورمى عبدُ الرّحمن بن أبى بكر المحكَّمَّ بسهم فقتله وهو يخطب ، فنحره (١) كذا فى ب، وفى ط: ((امتزتحا)). ١٩٤٦/١ ١٩٤٧/١ ٢٩٣ سنة ١١ وقَتَلَ زيدُ بن الخطاب الرجَّال بن عُنْفوة . كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن الضَّحاك بن يربوع ، عن أبيه ، عن رجل من بنى سُحَيْم قد شهدها مع خالد ، قال : لمَّا اشتدّ القتال- وكانت يومئذ سجالا إنَّما تكون مرة على المسلمين ومرّة على الكافرين- فقال خالد : أيُّها الناس امتازوا (١) لنعلم بلاء كلّ حىّ، ولنعلم من أين نؤتى! فامتاز أهلُ القُرى والبوادى ، وامتازت القبائل من أهل البادية وأهل الحاضر ؛ فوقف بنو كلّ أب على رايتهم ، فقاتلوا جميعاً، فقال أهل البوادى يؤمئذ : الآن يستحرّ القتل فى الأجزع الأضعف ، فاستحرّ القتل فى أهل القرى ، وثبت مسيلمة ، ودارت رحاهم عليه، فعرف خالدٌ أنَّها لا تركُد إلاّ بقتل مسيلمة ؛ ولم تحفل بنو حنيفة بقتل من قتل منهم . ثم برز خالد ، حتى إذا كان أمام الصّفّ دعا إلى البراز وانتمى ، وقال : أنا ابنُ الوليد العود، أنا ابن عامر وزيد ! . ونادى بشعارهم يومئذ، وكان شعارهم يومئذ: يا محمداه ! فجعل لا يبرز له أحدٌ إلا قتله، وهو يرتجز أَنَا ابنُ أَشياخ وَسَيْفِى السَّخْتْ أَعظمُ شىء حين يأتيك النّفْتْ ولا يبرُز له شىء إلا أكله ، ودارت رحا المسلمى وطحنت . ثم نادى خالد حين دنا من مُسَلِمة - وكان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال: إنّ ١٩٤٨/٤ مع مسيلمة شيطانًا لا يعصيه، فإذا اعتراه أزْبَدَ كأنّ شِدْقيه زَبِيتَان لايهمّ بخير أبدًا إلا صرفه عنه، فإذا رأيتم منه عَوْرة؛ فلا تُقيلوه العَشْرة". فلمَّا دنا خالدٌ منه طلب تلك، ورآه ثابتًا ورحاهم تدور عليه ؛ وعرف أنَّها لا تزول إلا بزواله، فدعا مسيلمة طلبًا لعورته ، فأجابه، فعرض عليه أشياءَ ممَّا يشتهى مسيلمة، وقال: إن قبلنا النّصف، فأىَّ الأنصاف تعطينا ؟ فكان إذا همّ بجوابه أعرض بوجهه مستشيرًا(٢)، فينهاه (٣) شيطانه أن (١) امتازوا، أى تفرقوا وانفصلوا. (٢) ب: ((مستغيراً))، ابن الأثير: ((ليستشير شيطانه)). (٣) ز: ((فيها)). ٢٩٤ سنة ١١ يقبلَ ، فأعرض (١) بوجهه مرّة من ذلك؛ وركبه خالدٌ فأرهقه فأدبر، وزالوا فذمَرَ خالد النَّاس، وقال : دونكم لا تقيلوهم ! وركبوهم فكانت هزيمتهم ؛ فقال مسيلمة حين قام ، وقد تطاير النَّاس عنه ، وقال قائلون : فأين ماكنتَ تَعِدُنا ؟ فقال : قاتِلُوا عن أحسابكم ، قال : ونادى المحكَّم: يا بني حنيفة؛ الحديقة الحديقة! ويأتى وحشىٍّ على مسيلمة وهو مُزْبِدٌ مّتساندٌ لا يعقل من الغيظ ، فخرَط عليه حربَته فقتله، واقتحم النَّاس عليهم حديقةَ الموت من حيطانها وأبوابها ، فقُتِل فى المعركة ، وحديقة الموت عشرة آلاف مقاتل . ١٩٤٩/١ كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب ، عن سيف ، عن هارون ، وطلحة، عن عمرو بن شعيب وابن إسحاق أنهم لما امتازوا وصبروا ، وانحازت بنو حنيفة تبعهم المسلمون يقتلونهم؛ حتى بلغوا بهم إلى حديقة الموت، فاختلفوا فى قتل مُسيلمةَ عندها ، فقال قائلون : فيها قُتل ، فدخلوها وأغلقوها عليهم ، وأحاط المسلمون بهم وصرخ البراء بن مالك ، فقال : يا معشر المسلمين ، احملونى على الجدار حتى تطرحونى عليه ؛ ففعلوا حتى إذا وضعوه على الجدار نظر وأرْعِد فنادى: أنزلونى، ثم قال: احملونى ؛ ففعل ذلك مراراً ثم قال: أفّ لهذا خشِعا! ثم قال : احملونى، فلمَّا وضعوه على الحائط اقتحم عليهم ، فقاتلهم على الباب حتَّى فتحه للمسلمين وهم على الباب من خارج فدخلوا ؛ فأغلق الباب عليهم ، ثم رمَى بالمفتاح من وراء الجدار ، فاقتتلوا قتالا شديداً لم يرَوْا مثله، وأبيَر (٢) مَن فى الحديقة منهم ؛ وقد قتل الله مسيلمة ، وقالت له بنو حنيفة : أين ما كنت تعدنا! قال : قاتلوا عن أحسابكم ! كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب، عن سيف ، عن هاوون وطلحة وابن إسحاق ، قالوا : لمَّا صرخ الصارخ أنّ العبد الأسود قتل مسيلمة؛ خرج (١) ب: ((فاعترض)). (٢) أبير : أهلك . ٢٩٥ سنة ١١ خالد بمجَّعة يرسُفُ فى الحديد ليُرِيَه مُسيْلمة، وأعلام جنده، فأتى على الرجَّال فقال : هذا الرجَّال ! حدّثنا ابنُ حميد ، قال : حدثنا سلَمة ، عن ابن إسحاق ، قال : لمَّا فَرَغ المسلمون من مُسيلِمةُ أتِى خالد فأخبر، فخرج بمجَّعة يرسفُ معه فى الحديد ليدلَّه على مُسَيَلِمة ، فجعل يكشف له القتلى حتى مرّ بمِحِكَّم بن الطُّفَيَل ـ وكان رجلا جسيماً وَسِيماً - فلمَّا رآه خالد، قال: هذا صاحبكم .. قال: لا ، هذا والله خيرٌ منه وأكرم، هذا محكّم اليمامة . قال : ثمّ مضى خالد يكشف له القتلى حتى دخل الحديقة، فقلّب له القتلى ؛ فإذا رُوَيْجل أصَيْفر أخَيْنس (١). فقال مجَّاعة: هذا صاحبكم ، قد فَرَغتم منه ، فقال خالد لمجَّاعة: هذا صاحبكم الَّذِى فعل بكم ما فعل ، قال : قد كان ذلك يا خالد، وإنَّه والله ما جاءك إلاّ ١٩٥٠/١ سَرَعان (٢) الناس؛ وإنّ جماهير النَّاس لفى الحصون (٣). فقال: ويلك ما تقول ! قال: هو واللّه الحقّ؛ فهلمّ لأصالحك (٤) على قومى. كتبَ إلىّ السَّرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن الضّحاك ، عن أبيه ، قال : كان رجلٌ من بنى عامر بن حنيفة يُدْعى الأغلب بن عامر بن حنيفة ، وكان أغلظَ أهلِ زمانه عُنُقًا؛ فلمَّا انهزم المشركون يومئذ، وأحاط المسلمون بهم، تَمَاوَتَ، فلمَّا أثبَت المسلمون فى القتلى أتى رجلٌ من الأنصار يكنى أبا بصيرة ومعه نفرٌ عليه، فلمَّا رأوه مُجدَّلا فى القتلى وهم يحسبونه قتيلا ، قالوا : يا أبا بصيرة ، إنَّك تزعم - ولم تزل تزعم - أن سيفك قاطع، فاضرب عنُق هذا الأغلب الميّت، فإنْ قطعته فكل شىء كان يبلغنا حقّ، فاخترطه ثمّ مشى إليه ولا يرونه إلاّ ميتًا، فلما دنا منه ثار ، (١) الأخينس: تصغير الأخنس، والخنس: تأخر الأنف عن الوجه مع ارتفاع قليل فى الأرنبة (٢) سرعان الناس، بالتحريك ويخفف: أوائلهم المستبقون إلى الأمر. (٣) ز: ((فى الحصون)). (٤) ز: ((فلأصالحك)). ٢٩٦ سنة ١١ فحاضره(١)، واتّبعه أبو بصيرة، وجعل يقول: أنا أبو بصيرة الأنصارىّ! وجعل الأغلب يتمطَّر(٢) ولا يزداد منه إلا بُعْدًا؛ فكلّما قال ذلك أبو بصيرة ، قال الأغلب : كيف ترى عّد ◌ْوَ أخيك الكافر ! حتى أفلت . كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن سهل بن يوسف ، عن القاسم بن محمد ، قال: لمَّا فرغ خالد من مُسيئلمة والجند، قال له عبد الله ابن عمر وعبد الرحمن بن أبى بكر: ارتحِلْ بنا وبالنَّاس فانزل على الحصون ، فقال: دعانى أبُثَ الخيولَ فألقط(٣) من ليس فى الحصون ، ثم أرى رأيى. ١٩٥١/١ فبث الخيول فَحَوَوْا ما وجدوا من مال ونساء وصبيان، فضمّوا هذا إلى العسكر، ونادى بالرّحيل لينزل على الحصون، فقال له مجَّعة: إنَّه والله ما جاءك إلاّ سَرَعان الناس، وإنّ الحصون لمملوءة رِجالاً، فهلمّ لك إلى الصُّلح على ما ورائى، فصالحه على كلّ شيء دون النفوس. ثم قال (٤): أنطلقُ إليهم فأشاورهم وننظر فى هذا الأمر ؛ ثمّ أرجع إليك. فدخل مجَّاعة الحصون، وليس فيها إلاّ النساء والصبيان ومشيخة فانية، ورجال ضَعْفى (٥) فظَاهَر الحديد على النساء وأمرهنّ أن ينشرن (٦) شعورهنّ، وأن يُشْرِفْن على رءوس الحصون حتى يرجع إليهنّ؛ ثم رجع فأتى خالدًا فقال: قد أبوا أن يُجيزوا ما صنعتُ ، وقد أشرف لك(٧) بعضهم نقضًا علىَّ وهم منِى بُرَآء . فنظر خالد إلى رءوس الحصون وقد اسودّت ، وقد نتَهَكَت المسلمين الحرب ، وطال اللقاء؛ وأحُبُوا أن يرجعوا على الظَّفَر، ولم يدروا ما كان كائنًا لوكان فيها رجال وقتال (٨)، وقد قتل من المهاجرين والأنصار من أهل قصّبة المدينة يومئذ ثلثمائة وستون. قال سهل : ومن المهاجرين من غير أهل المدينة والتابعين بإحسان ثلثمائة (٠١) حاضره : جالده. (٣) ز: ((فألتقط)). (٥) س: ((ضعفاء)). (٧) ن: ((لكم)). (٢) تمطر: أسرع فى عدوه؛ وأصله فى الخيل. (٤) النويرى: ((ثم قال مجاعة)). (٦) النويرى: ((بنشر)). (٨) ب، س: (( أو قتال)» سنة ١١ ٢٩٧ من هؤلاء وثلثمائة من هؤلاء ؛ ستمائة أو یزیدون . وقتل ثابت بن قیس یومئذ ؛ ٨٠ قتله رجل من المشركين قُطعت رجلُه، فرمى بها قاتله فقتله ، وقتل من بنى حنيفة فى الفضاء بعَقْرَباء سبعة آلاف ، وفى حديقة الموت سبعة آلاف؛ ١٩٥٢/١ وفى الطلب نحْوٌ منها(١). وقال ضِرَارُ بن الأزْوَرفى يوم اليمامة : ولوسُئِلتْ عِنَّا جَنُوبُ لأخْبَرَتْ عِشِيَّةً سَالَتْ عَقْرَ بَاءٍ وَمَلَهَمُ(٢) (٣) حجارتُهُ فيها من القوم بالدَّمِ وسأل بفَرْع الوادِ حتى تَرَفْرَقَتْ ولا النّبْلُ إِلَّ المَشْرَ فِىُّالْمُصَمِّمُ عِشِيَةٌ لا تُغنى الرِّمَاحُ مكانَها جَنُوب ، فإِّ تابعُ الدين مُسْلِمُ فإن تَبْتَغِى الكفَّارَ غير مُلِيَةٍ ولَلُهُ بالمَرْء المجاهدِ أعلمُ أجاهد إذ كان الجهادُ غنيمةٌ حدثنا ابنُ حميد ، قال : حدّثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : قال مجَّاعة لخالد ما قال إذ قال له: فهلمّ لأصالحك عن قومى الرجل قد نهكتْه الحرب ، وأصيب معه من أشرافِ الناس مَنْ أصيب؛ فقد رقّ وأحبّ الدَّعَةَ والصُّلْح. فقال: هلمّ لأصالحك (٥)، فصالحه على الصّفْراء والبَيْضاء والحَلْقة ونصف السَّبْى . ثم قال : إنّى آتِى القوم فأعرض عليهم ما قد صنعت. قال: فانطلق إليهم (٦)، فقال للنساء: الْبَسْنَ الحديد ثم أشْرِفِنَّ على الحصون ، ففعلن . ثم رجع إلى خالد ، وقد رأى خالدٌّ الرِّجال فيما يرى على الحُصُون عليهم الحديد . فلمَّا انتهى إلى خَالد، قال: أبوْا ما صالحتُك ١٩٥٣/١ (١) س: ((مثلها)). (٢) معجم البلدان ٦ : ١٩٤. (٣) فى البيت إقواء . (٤) المصمم من السيوف : الذى يمر فى العظام. (٥) ز: ((أصالحك)). (٦) ز: ((قال الفوم)). ٢٩٨ سنة ١١ عليه ، ولكنْ إن شئتَ صنعت [ لك ](١) شيئًا، فعزمتُ على القوم . قال : ما هو ؟ قال: تأخذُ منّى رُبْعَ السَّبْ وتَدَعُ ربعًا . قال خالد : قد فعلت ، قال : قد صالحتُك ، فلمَّا فرغا فتحت الحصون ، فإذا ليس فيها إلاّ النّساء والصّبْيان ، فقال خالد لمجَّاعة: ويحك خدعتنى! قال : قومى ، ولم أستطع إلاّ ما صنعت . كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن سهل بن يوسف ، قال : قال مجَّاعة يومئذ ثانية: إن شئت أن تقبل منى نِصْفَ السَّبِى والصَّفْراء والبيضاء والحلْقة والكُراع عزمت وكتبت الصُّلْحَ بينى وبينك. ففعل خالد ذلك ، فصالحه على الصَّفْراء والبَيْضاء والحلْقة والكُراعِ وعلى نصف السبْى وحائط من كلّ قرية يختاره خالد ، ومزرعة يختارها خالد . فتقاضَوْا على ذلك، ثم سرّحه، وقال: أنتم بالخيار ثلاثًا؛ والله لئن تُتْمُّوا وتقبلوا لأنهدَنّ إليكم، ثم لا أقبل منكم خَصْلة أبدًا إلاّ القتل. فأتاهم مجَّعة فقال: أمَّا الآن فاقبلوا، فقال سلمة بن عمير الحنفىّ: لا والله لا نقبل؛ نبعث إلى أهل القرى والعبيد فنقاتل ولا نقاضى خالدًا، فإنّ الحصون حصينة والطعام كثير ، والشتاء قد حَضَر . فقال مجَّاعة : إنَّك امرؤٌ مشئوم ، وغرّك أنّى خدعت القوم حتى أجابونى إلى الصلح ، وهل بقىَ منكم (٢) أحد فيه خيرٌ، أو به دَفْع !وإنَّما أنا بادرتكم (٣) قبل أن يصيبكم ما قال شرحبيل بن مسيلمة ، فخرج مجَّاعة سابع سبعة حتى أتى خالدا، فقال: بعد شدّ(٤) مارضوا ؛ اكتب كتابك ، فكتب : ١٩٥٤/١ هذا(٥) ما قاضى عليه خالد بن الوليد بن مجاعة بن مرارة وسلمة بن عمير وفلانا وفلانا ؛ قاضاهم على الصَّفْراء والبَيْضاء ونصف السَّبْى والحلْقة والكُراع وحائط من كلّ قرية؛ ومزرعة؛ على أن يُسْلموا(٦). ثمّ أنتم آمنون بأمان اللّهِ؛ ولكم ذمَّة خالد بن الوليد وذمَّة أبى بكر خليفة رسولِ الله (١) من ز . (٢) ب: ((فيكم)). (٣) س: ((أبادر بكم)) (٤) ط: ((شر)»، وانظر التصويبات (٥) قبلها فى النويرى: ((بسم الله الرحمن الرحيم)). (٦) س: ((تسلموا)). ٢٩٩ سنة ١١ صلَّى الله عليه وسلَّم، وذمّة(١) المسلمين على الوفاء. كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف ، عن طلحة ، عن عكرمة، عن أبى هريرة ، قال: لمَّا صالح خالد مجَّاعة؛ صالحته على الصَّفْراء والبيضاء والحلْقة وكلّ حائط رِضَانًا فى كلّ ناحية ونصف المملوكين . فأبوا ذلك ، فقال خالد : أنتَ بالخيار ثلاثةَ أيام ، فقال سلمة بن عُمَيَر: يا بنىِ حَنِيفة ، قاتِلُوا عن أحْسَابكم ، ولا تصالحوا على شىء ، فإنّ الحصْنَ حصين، والطعام كثير وقد حَضَر الشِّنَّاء . فقال مجَّعة: يا بني حنيفة، أطيعونى واعصُوا سلمة، فإنَّه رجلٌّ مشئوم ، قبل أن يصيبكم ما قال شُرَحبيل بن مسيلمة ((قَبْل أن تُسْتَرْدف النساء غَير رضِيَّات، وينكَحْن غير خطيبات)). فأطاعوه وعَصَوْا سَلِمة ، وقبلوا قضيَّته. وقد بعث أبو بكر رضى الله عنه بكتاب إلى خالد مع سلمة بن سلامة بن وقْش، يأمره إن ظفَّره الله عزّ وجلّ أن يقتل مَنْ جرت عليه المواسي من بنى حنيفة ، فقدم فوجده قد صالحهم ، فوفَى لهم ، وتمّ على ما كان منه، وحُشرت بنو حنيفة إلى البَيْعة والبراءة ممَّا كانوا عليه إلى خالد ، وخالد فى عسكره ؛ فلمَّا اجتمعوا قال سلمة بن عمير لمجَّعة: استأذن لى على خالد أكلمْه فى حاجة له عندى ونصيحة - وقد أجمع أن يفتك به - فكلّمه فأذن له، فأقبل سلمة بن عُمَيَر ، مشتملاً على السيف يريد ما يريد ، فقال: من هذا المقبل؟ قال مَجَّاعة: هذا الَّذى كلَّمتك فيه ، وقد أذنت له ، قال : أخِرِجُوه عنّى؛ فأخرجوه عنه ، ففتشوه فوجدوا معه السيف ، فلعنوه وشتموَهَ وأوثقوه، وقالوا : لقد أردت أن تهلك قومك، وإيم اللّه ما أردت إلا أن تُسْتَأصَلّ بنو حنيفة، وتسبى الذريّة والنساء ؛ وايم الله لو أن خالداً علم أنك حملت السلاح لقتلك، وما نأمنه إن بلغه [ ذلك أن يقتلك و](٢) أن يقتُل الرجال ويسبى النّساء بما فعلت؛ ويحسب أنّ ذلك عن مَالإ منًّا. فأوثقوه وجعلوه فى الحِصْن ؛ وتتابع بنو حنيفة على البَرَاء ممنًا كانوا عليه، وعلى الإسلام، وعاهدهم سكمة على ألاّ يُحدث حدثًا ويعفوه، فأبوا ولم يثِقُوا بحُمْقه أن يقبلوا منه عهدًاً، فأفلت ١٩٥٥/١ ١٩٥٦/١ (١) كذا فى ز، وفى ط: ((ذمم)). (٢) من ز . ۔۔ ٣٠٠ سنة ١١ ليلاً ؛ فعمَد إلى عسكر خالد ، فصاح به الحرَس (١)، وفزعتْ بنو حنيفة ، فاتبعوه فأدركوه فى بعض الحوائط ، فشدّ عليهم بالسيف ؛ فاكتنفوه بالحجارة، وأجال السيف على حلْقه فقطع أوداجه ، فسقط فى بئر فمات . كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف، عن الضحّاك بن يربوع ، عن أبيه، قال: صالح خالدٌ بنى حنيفة جميعاً إلاّ ما كان بالعرْضِ والقريّة فإنهم سُبُوا عند انبثاث الغارة ، فبعث إلى أبى بكر ممَّن جَرَى عليه القسمُ بالعِرْض والقُرَيَّة من بنى حنيفة أو قيس بن ثعلبة أو يشكُر، خمسمائة رأس . حدّثنا ابنُ حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمّد بن إسحاق، قال: ثمّ إن خالدًا قال لمجَّاعة: زَوّجْنِى ابنتك، فقال له مجَّاعة: مهلاً، إنّك قاطع ظهرى وظهرك معى عند صاحبك . قال : أيها الرّجل ، زَوّجْنِى؛ فزوّجه؛ فبلغ ذلك أبا بكر ، فكتب إليه كتابًا يقطر الدم : لَعمرى يا بن أمّ خالد، إنك لفارغ تنكح النّساء وبفناء بيتك دَمُ ألف ومائتى رجل من المسلمين لم يجْففْ بعد! قال : فلَّما نظر خالد فى الكتاب جعل يقول : هذا عمل الأعيسر - يعنى عمر بن الخطاب - وقد بعث خالد بن الوليد وفدًا من بنى حنيفة إلى أبى بكر ، فقدِمُوا عليه، فقال لهم أبو بكر !: وَيْحكم! ما هذا الذى استزل منكم ما استزّل! قالوا: يا خليفةَ رسول الله؛ قد كان الَّذِى بلغك ممَّا أصابنا كان أمرًا لم يبارك الله عزّ وجلّ له ولا لعشيرته فيه ، قال: على ذلك (٢)، ما الَّذِى دعاكم به ! قالوا: كان يقول: ((يا ضِفْدَع نقى نِقِىّ، لا الشارب تمنعين، ولا الماء تكدّرين ؛ لنا نصف الأرض، ولقريش (٣) نصف الأرض؛ ولكنّ قريشًا قوم يَعْتدون)). ١٩٥٧/١ قال أبو بكر: سبحان الله! ويحكم! إنّ هذا لكلامٌ"(٤) ما خرج من إلّ (٥) ولا برّ ، فأين يُذهب بكم! فلمَّا فرغ خالد بن الوليد من اليمامة - وكان منزله الذى به التقى الناس أباض ؛ واد من (١) ز: ((الحراس)). (٣) ز: ((ولكم))." (٥) الإل: العهد والقرابة . (٢) ز: ((ذاك)). (٤) ز: ((كلام))، النويري((: الكلام)).