Indexed OCR Text
Pages 41-60
٤١ سنة ٨ ابن أبى طالب؛ فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة ؛ فوثب جعفر فقال : يا رسولَ الله؛ ماكنت أذهبُ أن تستعمل زيداً علىَّ! قال : امض؛ فإنك لا تدری أيّ ذلك خير ! فانطلقوا، فلبثوا ما شاء اللّه. ثم إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم صعيد المنبر ، وأمر فنودى : الصّلاة جامعة! فاجتمع الناس إلى رسول اللّه ، فقال : باب خير ، باب خير ، باب خير ! أخبركم عن جيشكم هذا الغازی ؛ إنّهم انطلقوا فلقُوا العدوّ، فقتل زيد شهيداً - واستغفر له - ثمّ أخذ اللواء جعفر، فشدّ على القوم حتى قتل شهيداً .- فشهد له بالشهادة واستغفر له - ثم أخذ اللواء عبد الله بن رواحة ؛ فأثبت قدميه حتى قتِل شهيداً - فاستغفر له - ثمّ أخذ اللواء خالد بن الوليد - ولم يكن من الأمراء؛ هو أمَّر نفسه - ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم" إنه سيف من سيوفك، فأنت تنصره - فمنذ يومئذ ١٦١٧/١ سمىّ خالد سيف الله - ثم قال رسول الله: أبكروا فأمدُّوا إخوانكم ولا يتخلّفن" منكم أحد. فنفروا مُشاةً ورُكْبَانًا ، وذلك فى حرّ شديد . حدثنا ابن حميد ، قال : حدّثّنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن عبد اللّه ابن أبى بكر ، قال : لما أتى رسولَ اللّه مصابُ جعفر، قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم: قد مرّ(١) جعفر البارحة فى نفر من الملائكة، له جناحان، مختضب القوادم بالدّم ، يريدون بيشة ؛ أرضًا باليمن . قال . وقد كان قُطْبَة بن قتادة العذرىّ الذى كان على ميمنة المسلمين حمل على مالك بن رافلة (٢) قائد المستعربة فقتله . قال : وقد كانت كاهنة من حَدَس (٣) حين سمعت بحيش رسول الله صلى الله عليه وسلم مقبلاً قد قالت لقومها من حَدَس - وقومها بطن يقال لهم بنوغَنْم: أنْذِرُكم قومًا خُزْراً (٤)، ينظرون شَزْرًا (٥)، ويقودون الخيل بُتْرًا (٦)، ويُهريقونْ دَمًا (١) ابن هشام: ((قدم)). (٢) ابن هشام: ((زافلة)). (٣) حدس : قبيلة من لم . (٤) خزراً: جمع أخزر ؛ وهو الذى ينظر بمؤخر عينه. (٥) الشزر : نظر العداوة . (٦) ابن هشام: ((تترى))، أى متتابعة. ٤٢ سنة ٨ عَكْراً (١). فأخذوا بقولها ؛ فاعتزلوا من بين لتَخْ ؛ فلم يزالوا بعدُ أثْرَى(٢) حَدَس. وكان الذين صَلَوُا الحرب يومئذ بنو ثعلبة ؛ بطن من حَدَس ؛ فلم يزالوا قليلاً بعد ؛ ولما انصرف خالد بن الوليد بالناس أقبل بهم قافلاً (٣). حدّثنا ابنُ حميد ، قال : حدّثنا سلَمة ، قال : حدّثّنى محمد ابن إسحاق ، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير ، قال : لما ١٦١٨/١ دَنْوا من دخول المدينة، تلقاهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون، ولقيهم الصبيان يشتدّون ، ورسول الله مقبل مع القوم على دابّة ، فقال : خذوا الصبيان فاحملوهم وأعطونى ابنَ جعفر ؛ فأتِىَ بعبد الله بن جعفر فأخذه، فحمله بين يديه ، قال : وجعل الناس يحثُون على الجيش التراب ، ويقولون : يا فُرّار فى سبيل الله، فيقول رسول الله: ليسوا بالفُرّار؛ ولكنهم الكُرّار؛ إن شاء الله (٤)! حدّثنا ابنُ حميد ، قال : حدّثنا سلمة ، قال : حدثنى محمد بن إسحاق ، عن عبد الله بن أبى بكر ، عن عامر بن عبد الله بن الزّبير ؛ عن بعض آل الحارث بن هشام - وهم أخواله ــ عن أم سلمة زوج النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّ ، قال : قالت أمّ سلمة لامرأة سلمة بن هشام بن المغيرة : مالى لا أرى سلمة يحضر الصلاة مع رسول اللّه ومع المسلمين ! قالت: والله ما يستطيع أن يخرج ، كلّما خرج صاح الناس: أفَرَرَتم فى سبيل الله ! حتى قعد فى بيته فما يخرج (٤) . وفيها غزا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أهل مكة . ٠ ذكر الخبر عن فتح مكة حدثنا ابنُ حُميد ، قال : حدّثنا سلمة ، قال : حدثنى ابن إسحاق، (١) العكر : المتعكر . (٢) أثرى، أى أكثر مالا وعددا ؛ من الثروة؛ وهى الكثرة . (٣) سيرة ابن هشام ٢: ٢٥٩، ٢٦٠. (٤) ابن هشام ٢ : ٢٦٠. ٤٣ سنة ٨ قال: ثمّ أقامَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة بعد بعثه إلى مؤتة ، جمادى الاخرة ورجب . ثم إنّ بنى بكر بن عبد مناة بن كنانة عَدَتْ على خُزاعة ، وهم على ماء لهم بأسفل مكة ؛ يقال له الوتير. وكان الذى هاج ما بين بنى بكر وبنى ١٦١٩/١ خُزاعة رجلٌ من بَلْحضرمىّ، يقال له مالك بن عبّاد - وحلْف الحضرمىّ يومئذ إلى الأسود بن رَزْن - خرج تاجرأ ، فلما توسط أرض خزاعة عدْوا عليه فقتلوه ؛ وأخذوا ماله ؛ فعدتْ بنوبكر على رجل من خُزاعة فقتلوه ، فعَدَتْ خُزاعة قُبيل الإسلام على بنى الأسود بن رَزْن الدّيلىّ؛ وهم مَنْخَرَ(١) بنى بكر وأشرافهم: سلْمى، وكلثوم، وذؤيب؛ فقتلوهم بعرفّة عند أنصاب الحرم (٢). حدّثنا ابنُ حُميد ؛ قال : حدثنا سلّمة ، قال : حدثنى محمد بن إسحاق ، عن رجل من بنى الدِّيل، قال: كان بنو الأسود يُؤَدَّوْنَ فى الجاهليّة دِيَتَيْن ديتين، ونُودَّى ديةً ديّةً لفضلهم [ فينا ](٢). فبينا بنو بكر وخُزاعة على ذلك حَجَز بينهم الإسلام ، وتشاغل الناس به، فلمّا كان صلحُ الحديبية بينَ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وبين قريش كان فيما شرطوا على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وشرط لهم - كما حدّثنا ابنُ حُميد ، قال: حدّثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن محمد بن مسلم بن عبد الله بن شهاب الزهرى، عن عُروة بن الزبير ، عن المِسْوَرَ بن مخرمة ومروان بن الحكم وغيره من علمائنا - أنه من أحبّ أن يدخل فى عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وعقْده دخلَ فيه، ومَنْ أحبّ أن يدخلَ فى عهد قُريش وعقدهم دخل فيه ؛ فدخلت بنو بكر فى عقد قریش ، ودخلت خُزاعة فى عَقْد رسول الله صلى الله عليه وسلم. ١٦٢٠/١ فلمّا كانت تلك الهدنة اغتنمتها(٣) بنو الدِّيل، من بنى بكر من خُزاعة (٤) (١) المنخر هنا : المتقدمون ؛ لأن الأنف هو المقدم من الوجه . (٢) سيرة ابن هشام ٢ : ٢٦٣. (٣) س: ((اغتنمها)). (٤) س: ((من بنى خزاعة)). ٤٤ سنة ٨ وأرادوا أن يصيبوا منهم [ثأراً] (١) بأولئك النفر الذين أصابوا منهم ببنى الأسود بن رَزْن ، فخرج نَوْفَل بن معاوية الدّيلى فى بنى الدِّيل - وهو يومئذ قائدهم ؛ ليس كل بنى بكْر تابعه - حتى بَيَّتَ خزاعة ، وهم على الوتير ؛ ماءٍ لهم ، فأصابوا منهم رجلا وتحاوزوا واقتلوا ؛ ورفَدَت قريش بنى بكْر بالسَّلاح ؛ وقاتل معهم من قريش مَنْ قاتل بالليل مستخفيًا ؛ حتى حازوا (٢) خُزاعة إلى الحرم . - قال الواقدىّ : كان ممن أعان من قريش بنى بكر على خزاعة ليلتئذ بأنفسهم متنكّرين صَفْوان بن أمية ، وعكرمة بن أبى جهل ، وسُهَيَل بن عمرو ؛ مع عیرهم وعبيدهم - رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق ، قال : فلما انتهوا إليه قالت بنو بكر : يانوفل ، إنا قد دخلْنا الحرم إلهَك إلهَك ؛ فقال : كلمة عظيمة إنه لا إله له اليوم! يا بنى بكر أصيبوا ثأركم ، فلعمرى إنكم لتسرقُون فى الحرم ؛ أفلا تصيبون ثأركم فيه ! وقد أصابوا منهم ليلة بَيَّتوهم بالوتير رجلا ١٦٢١/١ يقال له منبه، وكان منبّه رجلاً مفئوداً (٣) خرج هو ورجل من قومه، يقال له تميم بن أسد - فقال له منبّه: يا تميم، انجُ بنفسك؛ فأمّا أنا فوالله إنى لميّتٌ قتلونى أو تركونى ؛ لقد انبتَّ(٤) فؤادى. فانطلق تميم فأفلَت، وأدركوا منبها فقتلوه - فلمّا دخلت خُزاعة مكة لجئوا إلى دار بُدَيْل بن ورْقاء الحُزَاعِىّ، ودار مولى لهم يقال له رافع . قال : فلما تظاهرتْ [بنو بكرو](٥) قُريش على خُزاعة، وأصابوا منهم ما أصابوا، ونقضوا ما كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم من العهد والميثاق بما استحلّوا من خُزاعة - وكانوا فى عقده وعهده - خرج عمرو بن سالم الخُزَاعِىُّ ، ثم أحد بنى كعب ؛ حتى قدم على رسولِ اللّه صلّى الله عليه (١) من ابن هشام. (٣) مفئود : ضعيف الفؤاد . (٥) من سير ابن هشام. (٢) حازوهم : ساقوهم . (٤) انبت : انقطع. ! ٤٥ سنة ٨ وسلم المدينةَ ؛ وكان ذلك ممّا هاج فتح مكة ؛ فوقف عليه وهو فى المسجد جالسٌ بين ظهرانَیِ الناس ، فقال : خِلْفَ أَبينا وأبيه الأتْلدَا(١) لامٍ إِّى ناشدٌ ◌ُحمّدا فوالِداً كُنَّا وَكُنْتَ وَلَدَا(٢) فَأُنْصُر رسول الله نَصْراً أَعْتَدَا(٤) فيهم رسول اللهِ قد تَجَّدَا(٦) إِن سِمَ خَنْفاً وَجْهُهُ تَرَبِدَا ثَّتَ أَسَلَمْنًا فَلَم ◌َنْزِعْ يَدَا (٢) وأُدْعُ عِبَادَ اللهِ يأْتُوا مَذَدَا(٥) أَبْيَض مثْل البَدْرِ يَنْفِى صُنْدَاً فِى فَيْلَقَ كالبَحْرِ يجْرِى مُزْبِدَا(٧) ١٦٢٢/١ ونَقَضُوا ميثاقك الْمُؤَ كَّدا وزعموا أن لنتُ أَدْعُو أَحَدا إنّ قريشًاً أَخلفوك الموْعِدَا وجعلوا لى فى كَدَاءِ رَصَدَا وَهُمْ أَذَلُّ وأقَلُّ عَدَدَا هُمْ بَيِّتُونَا بِالوَِيرِ مُجَّدَا * فَقَتَّلونا رُكَّاً وَسُجْدَاً* يقول: قد قتّلونا وقد أسلمنا . فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حين سمع ذلك : قد نُصرْتَ يا عمرو بن سالم ! ثم عرض لرسول الله صلّى الله عليه وسلّمْ عَنَانٌ من السماء، فقال: إنّ هذه السحابة لتستَهِلّ بنصر بنى كعب. ثم خرج بُدَيْل بن ورقاء فى نفر من خزاعة حتى قدِموا على رسولِ الله المدينة ، فأخبروه بما أصيب منهم ، وبمظاهرة قريش بنى بكر عليهم ؛ ثم انصرفوا راجعين إلى مكة . وقد كان رسولُ اللّه صلى الله عليه وسلم قال الناس: كأنّكم بأبى سفيان قد جاء ليشدّد العَقْد ، ويزيد فى المدّة . (١) ناشد: طالب ومذكر، والأتلد: القديم. (٢) ابن هشام: ((قد كنتم ولداً وكنا والدا))؛ قال السهيلى: ((يريد أن بنى عبد مناف، أمهم من خزاعة وكذلك قصى أمه فاطمة بنت سعد الخزاعية)). (٣) أسلمنا ، من السلم . (٤) ابن هشام: ((أعتدا، أى حاضرا، من الشىء العتيد؛ وهو الحاضر)). (٥) المدد : العون. (٦) تجرد: تشمر وتهياً؛ وفى إحدى نسخ ابن هشام: ((تحرد))؛ بالحاء المهملة؛ من الحرد؛ (٧) الفيلق : العسكر الكبير . وهو الغضب . ٤٦ سنة ٨ ومضى بديل بن ورقاء وأصحابه ، فلقُوا أبا سفيان بعُسفان ، قد بعثتْه قريش إلى رسول اللّه ليشدّد العقد ويزيد فى المدّة ؛ وقد رهبوا الذى صنعوا؛ ١٦٢٣/١ فلما لقىَ أبو سفيان بُديلا، قالٍ: مِنْ أين أقبلت يا بديل؟ وظنّ أنه قد أتى رسولَ الله، قال: سِرْت(١) فى خُزاعة فى الساحل وفى بطن هذا الوادى. قال : أوَ ما أتيتَ محمداً ؟ قال: لا. قال: فلما راح بديل إلى مكّة قال أبو سفيان: لئن (٢) كان جاء المدينة لقد عَلَف بها النّوى؛ فعمد إلى مَبْرَك ناقته (٣)، فأخذ من بعرها ففَتّه ؛ فرأى فيه النوى ، فقال : أحلف بالله لقد جاء بُديل محمداً . ثم خرج أبو سفيان حتى قدِمٍ على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم المدينة؛ فدخل على ابنتِهِ أمّ حبيبة بنت أبى سفيان ؛ فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم طوَتْه عنه، فقال: يا بنيّة؛ والله ما أدرِى أرغبتِ بى عن هذا الفراش، أم رغبتِ به عنىّ! قالت : بل هو فراشُ رسول اللّه ، وأنت رجل مشرك نجس ، فلم أحبّ أن تجلس على فراش رسول الله ،. قال : والله لقد أصابك يا بنيّة بعدى شرٌّ. ثم خرج حتى أتى رسولَ اللّه صلى الله عليه وسلّم، فكلّمه فلم يردُدْ عليه شيئًا، ثم ذهب إلى أبى بكر فكلّمه أن يكلِّم له رسول الله، فقال: ما أنا بفاعل . ثم أتى عمر بن الخطاب، فكلّمه فقال : أنا أشفع لكم إلى رسول الله! فوالله لو لم أجدْ إلا الذرَّ لجاهدتُكم. ثم خرج فدخل على علىّ بن أبى طالب رضى الله تعالى عنه ، وعنده فاطمة ابنة رسول الله، وعندها الحسن بن علىّ؛ غلامٌ يَدِبُّ بين يديها ، فقال: يا علىّ؛ ١٦٢٤/١ إنك أمسُّ القوم بى رَحِمًا، وأقربُهم منّى قرابة، وقد جئتُ فى حاجة؛ فلا أرجعَنّ كما جئت خائبًا، اشفع لنا إلى رسول اللّه ! قال : ويحك يا أباسفيان! والله لقد عَزّم رسول الله على أمر ما نستطيع أن نكلّمه فيه، فالتفت إلى فاطمة، فقال : يا ابنةَ محمّد ؛ هل لك أن تأمرى بُنيّك هذا فيجير بين الناس ، فيكون سيِّد العرب إلى آخر الدهر! قالت: والله ما بلغ بُنَيِّى ذلك (١) ابن هشام: ((تسيرت)). (٣) ابن هشام: ((فأتى مبرك راحلته)). (٢) س: ((لمن)). ٤٧ سنة ٨ أن يجير بين الناس، وما يجير على رسول اللّه أحد. قال: يا أبا الحسن ، إنّى أرى الأمور قد اشتدَّتْ على فانصحنى. فقال له : والله ما أعلمُ شيئًا يُغنى عنك شيئًا، ولكنّك سيّد بنى كنانة؛ فقم فأجِرْ بين الناس، ثم الحقْ بأرضك. قال : أوَ تَرَى ذلك مُغْنيًا عنى شيئًا! قال: لا والله ما أظنّ؛ ولكن لا أجدُ لك غير ذلك ؛ فقام أبو سفيان فى المسجد ، فقال: أيّها الناس ؛ إنى قد أجَرْتُ بين الناس ؛ ثم ركب بعيرة فانطلق . فلما قدم على قريش ، قالوا : ما وراءك؟ قال : جئت محمداً فكلّمته ، فوالله ما ردّ علىّ شيئًا، ثم جئت ابنَ أبى قُحافة، فلم أجد عنده خيراً ، ثم جئت ابنَ الخطاب ؛ فوجدته أعْدَى القوم ، ثمّ جئت علىّ بن أبى طالب، فوجدته أليَنَ القوم ؛ وقد أشار علىّ بشىء صنعتُه ؛ فوالله ما أدرى هل يغنينى شيئًا أم لا! قالوا: وبماذا أمَرَك ؟ قال : أمرنى أن أجيرَ بين الناس ففعلت ؛ قالوا : فهل أجاز ذلك محمد ؟ قال : لا ، قالوا : ويلك ! والله إن زاد على أن لَعِبَ بك، فما يُغنى عنّا ما قلت. قال: لا والله، ما وجدتُ غير ذلك ، قال : وأمرَ رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم الناس بالجهاز؛ وأمر أهله أن يجهزوه؛ فدخل أبو بكر على ابنته عائشة وهی تحرّك بعض جهاز رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أىْ بنَيّة، أ أمركم رسول الله بأن تجهزوه ؟ قالت : نعم ، فتجهّزْ ، قال : فأين ترينَه يريد ؟ قالت : والله ما أدرى . ١٦٢٥/١ ثم إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم الناس (١) أنه سائر إلى مكة ؛ وأمرهم بالجدّ والتهيُّؤ(٢)، وقال: اللهمّ خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نَبْغَتها(٣) فى بلادها . فتجهّز الناس، فقال حسان بن ثابت الأنصارى ◌ُحرّضُ الناس ، ويذكر مصابَ رجال خزاعة : (١) و: ((العباس)). (٢) س: ((والانكماش)). (٣) نبغتها ، من البغتة ؛ وهى المفاجأة . ٤٨ سنة ٨ رجالُ بِى كعب تُحَزّ رقابُها(١) وقتَلَى كثيرٌ لم تُجَنّ ثيابُها(٢) سُهَيْلَ بْنَ عمرو حرُّ هاوعقَلْبُها(٣)! فُهِذَا أَوَانُ الْحَرَبِ شُدّ عِصَابُها إِذَا احتُلبتْ صِرْ فًوأعصَلَ نَابُها(٤) أَتَانِ ولم أَشْهَدْ بَبَطْحَاءِ مَكَّةٍ بأيدى رجالٍ لم يَسُلُّوا سيوفهمْ ألا ليت شعرِى هل تنَالنَ نُصْرَتِى وصفْوَان عَوْدًا حُزّمن شُغُرِ اسْتِهِ فلا تأمننَّا بابن أُمِّ مُجَادٍ فلا تَجْزَعوا منْها فإنّ سيوفنا لَهَا وقعة بالمؤْتُ يُفْتَحُ بابُها (٥) وقول حسان : بِأَيْدِى رِجَالٍ لَمْ يَسُلّوا سُيُوفَهِمْ . ٠ يعنى قريشًا . وابن أمّ مجالد ، يعنى عِكْرمة بن أبى جَهل (٦) ١٦٢٦/١ حدّثنا ابنُ حُميد ، قال : حدثنا سلمة ، قال : حدثنى محمد بن إسحاق ، عن محمد بن جعفر بن الزبير ، عن عُرْوة بن الزُّبير وغيره من عُلمائنا، قالوا: لما أجمَعَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم المسير (٧) إلى مكة ، كتب حاطب بن أبى بَكْتَعَة كتابًا إلى قُريش ، يخبرهم بالذى أجمع عليه رسولُ اللّه من الأمر فى السَّيْر إليهم ؛ ثمّ أعطاه امرأة - يزعُم محمد بن جعفر أنها من مُزَيْنة ؛ وزعم غيرُه أنها سارة ، مولاة لبعض بنى عبد المطلب (٨). وجعل لها جُعْلاً على أن تُبِّغه قريشًا . فجعلَتْه فى رأسها ، ثم فتلتْ عليه قُرونها ، ثم خرجتْ به . وأنى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم الخبرُ من السماء بما صنع حاطبٌ؛ فبعث علىّ بن أبى طالب والزبير بن العوام، فقال: أدْركا امرأةً (١) ديوانه ٤١، ٤٢، وروايته: ((وغينا فلم نشهد ببطحاء مكة))، وفى ابن هشام: ((عنانى ولم أشهد )). (٣) الديوان وابن هشام: ((وخزها وعقابها)). (٢) لم تجن ثيابها: لم تستر . (٤) الديوان: ((إذا لحقت حرب وأعصل نابها)). (٥) موضع هذا البيت فى الديوان : وَلَوْ شَهِدَ البَطْحَاءَ مِنَّا عِصَابَةٌ لَهَنَ عَلَيْنَا يَوْمَ ذَاكَ ضِرَابُها (٦) سيرة ابن هشام ٢ : ٢٦٣ - ٢٦٦. (٧) س والتفسير وابن هشام: ((السير)). (٨) ((لبنى المطلب)). ٠ ٤٩ سنة ٨ ١٦٢٧/١ قد كتب معها حاطب بكتاب(١) إلى قريش، يحذّرهم ما قد أجمعنا له فى أمرهم ؛ فخرجا(٢) حتى أدركاها بالخليفة، حُليفة(٣) ابن أبى أحمد ؛ فاستنزلاها، فالتمسافى رَحْلها، فلم يجدا شيئًا، فقال لها على بن أبى طالب: إنّى أحلفُ (٤) ما كذب رسول الله ولا كذبنا؛ ولتُخْرِجِنَّ إِلىّ هذا الكتاب أو لنكشفتَّكِ؛ فلما رأتِ الجِدّ منه، قالت: أعرض عنّى، فأعرض عنها، فحلّتْ قرونَ رأسِها، فاستخرجت الكتاب منه (٥) ، فدفعته إليه ، فجاء به إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فدعا رسول اللّه حاطبًاً ؛ فقال : يا حاطب، ما حملك على هذا؟ فقال: يا رسول الله، أما والله إنى لمؤمنٌ بالله ورسوله ، ما غيَّرْتُ ولا بَدَّلْتُ، ولكنّى كنتُ امراً ليس لى فى القوم أصلٌ ولا عشيرة، وكان لى بين أظهرهم أهلٌ وولد ، فصانعتهم علیھم، فقال عمر بن الخطاب: يا رسولَ اللّه، دعنى فلأضرب عنقه، فإنّ الرجل قد نافق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وما يدريك يا عمر، لعلّ الله قد اطلع إلى (٦) أصحاب بدر يوم بدر ؛ فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم! فأنزل الله عزّ وجلَ فى حاطب: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوالاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّى وَعَدُوْكَمْ أَوْلِيَاءَ) إلى قوله: ﴿ وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا ... )(٧) إلى آخر القصة (٨). حدّثنا ابنُ حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق ، عن محمد بن مسلم الزهرىّ، عن عبيد الله بن عبد الّه بن عُتْبة بن مسعود ، عن ابن عباس ، قال: ثم مضى رسولُ الله صلى الله عليه وسلّم لسفره؛ واستخلف (١) و: ((كتابا)). (٢) يعدها فى و: ((مسرعين)). (٣) كذا فى ط؛ على التصغير؛ وفى ابن هشام: ((الخليقة))، وهما موضعان قرب المدينة؛ ذكرهما ياقوت. (٤) ابن هشام والتفسير: ((أحلف باقه)). (٥) ابن هشام: ((منها)). (٦) س: ((على)). (٧) سورة الممتحنة ١، ٤. (٨) الخبر فى التفسير ٢٨: ٣٩ (بولاق)، وسيرة ابن هشام ٢: ٢٦٦، ٢٦٧. ٥٠ سنة ٨ على المدينة أبا رُهْم كُلْثوم بن حُصَين بن خلَف الغِفَارىّ، وخرج لعشر مضيْن من شهر رمضان ، فصام رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ، وصام الناس ١٦٢٨/١ معه؛ حتى إذا كان بالكَدِيد ما بين عُتفان وأمَج، أفطر رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم، ثم مضى حتى نزل مَرَّ الظَّهران فى عشرة آلاف من المسلمين، فسبَّعَتْ سليم؛ وأَلَّفَتْ مُزَيْنة (١) وفى كلّ القبائل عدد وإسلام؛ وأوعَبَ (٢) مع رسول اللّه المهاجرون والأنصار ، فلم يتخلف عنه منهم أحد ، فلما نزل رسولُ الله صلى الله عليه وسلّم مَرّ الظهران، وقد ◌ُمّيّت الأخبار عن قريش فلا يأتيهم خبرٌ عن رسول اللّه ؛ ولا يدرون ما هو فاعلٌّ؛ فخرج فى تلك الليلة أبو سفيان بن حرب وحكيم بن حزام ، وبُدَيل بن ورْقاء ، يتحسسون الأخبار ؛ هل يجدون خیراً أو يسمعون به (٣) ! حد ◌ّثنا ابنُ حميد، قال : حدثنا سلَمة ، قال : وقد كان فما حدثنى محمد بن إسحاق، عن العباس بن عبد الله بن معبد بن العباس بن عبد المطلب؛ عن ابن عباس: وقد كان العباس بن عبد المطلب تلقّى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ببعض الطريق ؛ وقد كان أبو سفيان بن الحارث وعبد الله بن أبى أميّة بن المغيرة قد لقيا رسولَ اللّه صلى الله عليه وسلم بنِيق العُقَاب؛ فيما بين مكة والمدينة، فالتمس الدخولَ على رسول الله، فكلّمته أمُّ سلَمة فيهما ، فقالت: يا رسولَ اللّه، ابن عمك وابن عمّتك وصهرُك، قال: لا حاجةً لى بهما ، أما ابنُ عمَى فهتَك عِرْضى؛ وأما ابنُ عمّتى وصهرى فهو الذى قال بمكة ما قال . فلمّا خرج الخبر إليهما بذلك؛ ومع أبى سفيان بنىٌّ له فقال: والله ليأذَئنّ لِى أو الآَخُذَنَّ بيد بُنىَ (٤) هذا؛ ثم لتذهبنّ فى الأرض؛ حتى نموت عطشاً وجوعًا. فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم رقَّ لهما ؛ ثم أذن لهما، ١٦٢٩/١ (١) سبعت سليم ؛ أى كانت سبعمائة، وألفت مزينة ، أى كانت ألفا . (٢) أوعب القوم : خرجوا كلهم الغزو . (٣) سيرة ابن هشام ٢ : ٢٦٧. (٤) ابن هشام: ((بيدى فى هذا)). ۔۔ ٥١ سنة ٨ فدخلا عليه ؛ فأسلما وأنشده أبو سفيان قوله فى إسلامه واعتذاره مما كان مَضّى منه : لِتَغْلِبَ خَيْلُ اللَّاتِ خَيْلَ محمدٍ لَمْرِىَ إِنِّى يومَ أحملُ رايةً فَهذَا أَ وَانِى حِينَأُهْدَى وَأَمْتَدِى (١) لَكاُ لْمُدْلِجِ الخَيْرَان أظلم لیلُ وَهَادٍ حَدَانِ غَيْرَ ثْسِى وَثَالِ أَصُدُّوَأَنْأَى جَاهِدًا عن محمدٍ(١) معَ اللهِ مَنْ طَرَّدْتُ كَلَّ مُطَرَّدٍ وأُدْعى ولو لم أنتسِبْ من محمّدٍ وَإِنْ كَانَ ذَارَ أْىٍ يُلَمْ وَيُقَنَّدِ(٣) ◌ُ ماهُ مِنْ لم يقل بهوَاهُ معَ القَوم مالم أَهْدَ فِى كُلِّ مَفْعَدَ(٤) أُرِيد لأَرْضِيهمْ ولْتُ بلائِطٍ وَقُل لتَقيفٍ تلك غَيْرِىَ أَوْعِدِى فقل الثَقِيفٍ لَا أُريد قتَالها وما كَانَ عن جَرَى لسانى ولا يدِى(٥) وما كنتُ فِى الجَيْشِ الَّذِي نالَ عامِراً نَزَائعُ جَاءتْ مِنْ سُهَاِ وَسُرْدَدٍ قبائل جَاءتْ مِنْ بِلَادِ بِيدَةٍ قال: فزعموا أنه حين (٦) أنشد رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: ((ونالتى ١٦٣٠/١ مع اللّه من طرّدتُ كلّ مُطَرَّدٍ))؛ ضَرَبَ النبى صلى الله عليه وسلم فى صدره ، ثم قال : أنت طرّدتنى كل مطرّد(٧)! وقال الواقدىّ: خرج رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة، فقائل يقول : يريد قريشًا، وقائل يقول : يريد هوازن، وقائل يقول : يريد ثقيفاً؛ وبعث إلى القبائل فتخلّفت عنه ؛ ولم يعقد الألوية ولم ينشر الرّايات حتى قدم قُدَيْداً ، فلقيتْه بنو سُليم على الخيل والسلاح التامّ ؛ وقد كان عيينة (٢) ط: (( جاهد )، وما أثبته من ابن هشام. (١) المدلج : الذى يسير ليلا . (٣) يفند : يلام ويكذب . (٤) اللائط : الملصق . (٥) عن جرى ؛ من جراء. (٦) س: (( لا ) . . (٧) سيرة ابن هشام ٢ : ٢٦٧، ٢٦٨. ٥٢ سنة ٨ لحقَ رسول الله (١) بالعَرْج فى نفر من أصحابه، ولحقه الأقرع بن حابس بالسُّقْيَا، فقال عيينة: يا رسولَ الله؛ والله ما أرى آلة الحرب ولا تهيئة الإحرام، فأين تتوجّه(٢) يا رسول الله؟ فقال رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم: حيث شاء (٣) اللّه. ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تعمى عليهم الأخبار ؛ فنزل رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم مَرّ الظَّهْران، ولقيه العباس بالسُّقيا ، ولقيه مخرمة بن نوفل بنيق العُقاب. # فلما نزل مَرّ الظهران خرج أبو سفيان بن حرب ومعه حكيم بن حزام. فحدّثنا أبو كريب ، قال : أخبرنا يونس بنُ بكير ، عن محمد بن إسحاق، قال: حدّثّى حُسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس، عن عكرمة عن ابن عباس، قال: لما نزلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم مرّ الظهران، قال العباس بن عبد المطلب ، وقد خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة: يا صباح قريش(٤)! والله لْن بَغَتَها رسولُ الله فى بلادها؛ فدخل مكة ١٦٣١/١ عَنْرة؛ إنه لهلاكُ قريش آخر الدهر! فجلس على بغلةِ رسول الله صلّى الله عليه وسلم البيضاء، وقال: أَخرُج إلى الأراك لعلّى أرى حَطّابًا أو صاحب لبن؛ أو داخلاً يدخل مكة؛فیخبرهم بمكان رسول الله؛ فیأتونه فیستأمنونه. فخرجت؛ فوالله إنى لأطوف فى الأراك ألتمس ما خرجت له؛ إذ سمعت صوت أبى سفيان بن حَرْب وحكيم بن حزام وبُديل بن ورقاء، وقد خرجوا يتحسسون (٥) الخبر عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فسمعتُ أبا سفيان وهو يقول: والله ما رأيت كاليوم قطّ نيرانًا! فقال بديل: هذه واللّه نيرانُ خزاعة، حَمَشَتْها (٦) الحرب! فقال أبو سفيان: خُزاعة ألأم من ذلك وأذلُ ! فعرفت صوته ، فقلت : (١) و: ((برسول الله)). (٢) و: ((يتوجه رسول الله)). (٣) س: ((يشاء)). (٤) يا صباح كذا، ويا صباحاه، مما يستعمل من الألفاظ عند الإنذار بالغارة. (٥) الأغانى: ((يتجسسون)). (٦) حيث فلانا: هيجه . سنة ٨ ٥٣ يا أبا حنظلة! فقال : أبو الفضل! فقلت : نعم ، فقال: لبّيك فداك أبى وأمى ! فما وراءك؟ فقلت: هذا رسول اللّه ورائى قد دَلَفَ (١) إليكم بما لا قِبَلَ لكم به بعشرة آلاف من المسلمين . قال : فما تأمرنى ؟ فقلت : تركب عَجُزْ هذه البغلة، فأستأمن لك رسولَ اللّه ؛ فوالله لئن ظفِرِ بك ليضرِبَنَّ عنقك، فردفى فخرجت به أركُض بغلةَ رسولِ اللّه صلى اللّه عليه وسلم نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكلّما مررت بنارٍ من نيران المسلمين ونظروا إلى"، قالوا: عمّ رسول الله على بَغْلةِ رسول الله؛ حتى مررت بنار عمر بن الخطاب ، فقال أبو سفيان ! الحمد لله الذى أمكن منك بغير عَقْدٍ ولا عهد! ثم اشتدّ نحو النبيّ صلى الله عليه وسلم ، وركضت البغلة، وقد أردفتُ(٢) أبا سفيان؛ حتى اقتحمتُ على باب القُبّة، وسبقت ١٦٣٢/١ عمر بما تسبق به الدابة البطيئة الرجل البطىءَ ؛ فدخل عمر على رسول الله صلى اللّه عليه وسلم، فقال: يا رسولَ اللّه، هذا أبو سفيان عدوّ اللّه؛ قد أمكن اللّه منه بغير عهد ولا عقد؛ فدعْنِى أضرب عنقه؛ فقلت: يا رسولَ اللّه، إنّى قد أجرْتُه! ثم جلست إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذت برأسه، فقلت: والله لا يناجيه اليومَ أحدٌ دونى! فلمّاً أكثر فيه ◌ُمَر، قلت : مهلا يا عمر! فوالله ما تصنع هذا إلاّ لأنه رجل من بنى عبد مناف ؛ ولو كان من بنى عدىّ ابن كعب ما قلت هذا . فقال: مهلاً يا عباس! فوالله لإسلامُك يومَ أسلمت كان أحبّ إلىّ من إسلام الخطاب لو أسلم ! وذلك لأنى أعلمُ أنَ إسلامَك كان أحبَّ إلى رسول اللّه من إسلام الخطاب لو أسلم؛ فقال رسولُ اللّه صلى الله عليه وسلم : اذهب فقد آمناه حتى تغدوَ به علىّ بالغداة . فرجع به إلى منزله ؛ فلمّا أصبح غدا به على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فلما رآه قال: ويحك يا أبا سفيان! ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلا الله! فقال: بأبى أنت وأمّى، ما أوصلك وأحلمك وأكرمك! والله لقد ظننتُ أنْ لو كان مع اللّه غيره لقد أغنى عنّى شيئًا ، فقال : ويحك يا أبا سفيان ! ألم يأن لك أن تعلم أنّى (١) دلف : متى مشياً فوق الدبيب. (٢) س: ((وقد ردفت أبا سفيان حتى اقتحمت)). ٥٤ سنة ٨ رسول اللّه! فقال : بأبى أنت وأمى ما أوصلك وأحلمك وأكرمك! أمّا هذه ففى النفس منها شىء! فقال العباس: فقلت له ويلك! تشهّدْ شهادة الحق قبل واللّه أن تُضرب عنقك؛ قال : فتشهّد . ١٦٣٣/١ قال: فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم للعباس حين تشهّد أبو سفيان: انصرف يا عباس فاحبسه عند خَطْم (١) الجبل بمضيق الوادى ، حتى تمرّ عليه جنود اللّه، فقلت له: يا رسولَ الله، إنّ أبا سفيان رجلٌ يحبّ الفخر ، فاجعل له شيئًا يكون فى قومه . فقال: نَعَمْ؛ مَنْ دخل دارَ أبى سفيان فهو آمِنٌ، ومَنْ دخلَ المسجد فهو آمنٌ، ومَنْ أغلق عليه بابه فهو آمنُ". فخرجت حتى حبستُه عند خَطْم الجبل بمضيق الوادى ؛ فرَّت عليه القبائل ، فيقول: مَنْ هؤلاء يا عباس ؟ فأقول: سليْم، فيقول: مالى ولسليْ! فتمرّ به قبيلة، فيقول: مَنْ هؤلاء؟ فأقول: أسلم، فيقول: مالى ولأسلم ! وتمرّ جُهينة ، فيقول: مالى ولجهينة! حتى مَرّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فى الخضراء ؛ كتيبة رسول الله صلى الله عليه وسلّم من المهاجرين والأنصار فى الحديد؛ لا يُرى منهم إلا الحَدَق، فقال: مَنْ هؤلاء يا أبا الفضل؟ فقلت: .هذا رسول اللّه فى المهاجرين والأنصار ؛ فقال : يا أبا الفضل ، لقد أصبح مُلكُ ابن أخيك عظيمًا . فقلت : ويحك إنها النبوة! فقال : نعم إذاً ، فقلتُ : الحق الآن بقومك فحذّرهم؛ فخرج سريعًا حتى أتى مكة، فصرخ فى المسجد : يا معشر قريش ، هذا محمد قد جاءكم بما لا قِبَلَ لكم به ! قالوا: فمَهْ! فقال: مَنْ دخل دارى فهو آمن ، فقالوا: ويحك! وما تُغنى عَنّا دارك! فقال: ومَنْ دخل المسجد فهو آمن، ومَنْ أغلق عليه بابه فهو آمن (٢) . حدّثنى عيدُ الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث ، قال : حدّثی ١٦٣٤/١ (١) خطم الجبل: أنفه؛ أى مقدمه، وفى س: ((حطم)) بالحاء؛ وهو موضع ضيق تتزاحم فيه الخيل حتى يحطم بعضها بعضا . (٢) سيرة ابن هشام ٢: ٢٦٨، ٢٦٩، والأغانى ٦: ٣٥٢ - ٣٥٤، (طبعة دار الكتب ) . ٥٥ سنة ٨ أبى ، قال : حدثنا ، أبان العطّار قال : حدثنا هشام بن عروة ، عن عُرْوة ، أنه كتب إلى عبد الملك بن مروان: أمّا بعد، فإنك كتبت إلىّ تسألى عن خالد بن الوليد : هل أغار يوم الفتح؟ وبأمر مَنْ أغار؟ وإنه كان من شأن خالد يوم الفتح أنه كان مع النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ، فلما ركب النبيّ بطنَ مَرّ عامِداً إلى مكة ، وقد كانت قريش بعثوا أبا سفيان وحكيم بن حزام يتلقّان رسول الله صلّى الله عليه وسلم؛ وهم حين بعثوهما لا يدرون أين يتوجّه(١) النبيّ صلى الله عليه وسلم! إليهم أو إلى الطائف! وذاك أيام الفتح ؛ واستبع أبو سفيان وحكيم بن حزام بُدَيْلَ بن ورقاء، وأحبًا أن يصحبهما، ولم يكن غير أبى سفيان وحكيم بن حزام وُبُدَيل ؛ وقالوا لهم حين بعثوهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا نؤتینّ من ورائكم، فإنا لا ندری من یرید محمد! إيّانا يريد، أو هوازن يريد، أو ثقيفًا! وكان بين النبيّ صلى الله عليه وسلم وبين قريش صُلْح يوم الحديبية وعَهْد ومدّة ، فكانت بنو بكر فى ذلك الصلح مع قريش ، فاقتلتْ طائفة من بنى كَعَب وطائفة من بنى بكْر ؛ وكان بين رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وبين قريش فى ذلك الصّلح الذى اصطلحوا عليه: ((لا إغلال ولا إسلال))، فأعانت قريش بنى بكر بالسلاح ، فاتّهمت بنو كعب قريشًا، فمنها غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل مكة ؛ وفى غزوته تلك لقى أبا سفيان وحكيمًا وبُدَيْلا بِمَرّ الظَّهْران؛ ولم يشعروا أنّ رسولَ اللّه صلى الله عليه وسلم نزل مَرّ، حتى طلعوا ١٦٣٥/١ عليه، فلما رأوْه بمَرّ ، دخل عليه أبو سفيان وبُدَيل وحكيم بمنزله بمَرّ الظَّهران فبايعوه ، فلمّا بايعوه بعثَهم بين يديه إلى قريش ، يدعوهم إلى الإسلام ، فأخبرتُ أنه قال : مَنْ دخل دار أبي سفيان فهو آمن - وهى بأعلى مكة - ومن دخلَ دارَ حكيم - وهى بأسفل مكة - فهو آمن ، ومن أغلق بابه و کف یده فهو آمن . وإنّه لما خرج أبو سفيان وحكيم من عند النبيّ صلّى الله عليه وسلّم عامديْن إلى مكة، بعث فى أثرهما الزُبير وأعطاه رايته، وأمَّرَه على خيل المهاجرين والأنصار (١) س: ((توجه). ٥٦ سنة ٨ وأمره أن يغرز رايته بأعلى مكة بالحجُون ؛ وقال للزُّبير: لا تبرح حيث أمرتُك أن تغرِز رابتى حتى آتِيّك؛ ومن ثمّ دخل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، وأمر خالد بن الوليد - فيمن كان أسلم من قُضاعة وبنى سليم وأناس، إنما أسلموا قُبَيْل ذلك - أن يدخل من أسفل مكة، وبها بنوبكر قد استنفرتهم قريش، وبنو الحارث بن عبد مناة ومَنْ كان من الأحابيش أمرتهم قريش أن يكونوا بأسفل مكة ، فدخل عليهم خالد بن الوليد من أسفل مكة . وحُدتت أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال لخالد والزبير حين بعثهما: لا تقاتلا إلاَّ مَنْ قاتلكما؛ فلمّا قدم خالد على بنى بكْر والأحابيشُ بأسفل مكة، قاتلهم فهزمهم الله عزّ وجلّ، ولم يكن بمكّة قتال غير ذلك؛ غير أنّ كُرْز بن جابر أحد بنى محارب بن فِهْر وابن الأشعر ... رجلامن بنى كعب- ١٦٣٦/١ كانا فى خيل الزبير فلكًا كَدَاء، ولم يسلُكا طريق الزّبير الذى سلك، الذى أمر به (١) . فقدما على كتيبة من قريش مهبط كَداء فقُتلا؛ ولم يكن بأعلى مكة من قِبَلِ الزبير قتال ؛ ومن ثمّ قدم النبيّ صلى الله عليه وسلم، وقام الناس إليه يبايعونه؛ فأسلم أهلُ مكّة ، وأقام النبيّ صلى الله عليه وسلم عندهم نصف شهر ، لم يزد على ذلك ، حتى جاءت هوازن وثقيف فنزلوا ◌ُجُنَيْن . وحدثنا ابنُ حميد، قال: حدثنا سلَمة، قال : حدثنى محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبى نَجيح، أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم حين فرّق جيشه مِنْ ذى طُوَّى، أمر الزبير أن يدخل فى بعض الناس من كُدّى؛ وكان الزبير على المُجنِّبَة اليسرى ، فأمر سعد بن عبادة أن يدخل فى بعض الناس من كداء. فزعم بعض أهل العلم أن سعدًا قال حين وجه داخلاً: ((اليوم يوم المَلحمه، اليوم تُستَحَلُّ الْخُرْمَه)). فسمعها رجلٌ من المهاجرين، فقال : يا رسولَ اللّه، اسمع ما قال سعد بن عبادة ، وما نأمن أن تكون له فى قريش صَوْلَةٌ! فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لعلىّ بن أبى طالب: أدركْه فخُذْ الراية ، فكن أنتَ الذى تدخُل بها(٢). (١) : ٠ أمه» . (٢) سيرة ابن هشام ٢: ٢٧٠، ٢٧١. ٥٧ سنة ٨ حدّثنا ابنُ حُميد ، قال : حدثنا سلّمة ، عن ابن إسحاق ، عن عبد الله بن أبى نَجِيح فى حديثه، أنّ رسولَ اللّه صلى الله عليه وسلم أمر خالد بن الوليد ، فدخل من اللَّيط أسفلَ مكة ، فى بعض الناس ؛ وكان خالد ١٦٣٧/١ على المجنِّبَة اليمنى ، وفيها أسلم وغِفَار ومُزَيْنة وجهينة وقبائل من قبائل العرب؛ وأقبل أبو عبيدة بن الجراح بالصَّفّ من المسلمين ينصبُ لمکة بین یدی رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، ودخل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم من أذَاخِر؛ حتى نزل بأعلى مكة، وضُرِبَتْ هنالك قبَّتُه(١). حدثنا ابنُ حميد ، قال : حدثنا سلَمة ، عن ابن إسحاق ، عن عبد الله بن أبى نَجِيح وعبد الله بن أبى بكر، أنّ صفوان بن أمَيّة، وعِكْرمة ابن أبى جَهْل ، وسُهيل بن عمرو، وكانوا قد جمعوا أناسًا بالخدمة ليقاتلوا ؛ وقد كان حِمَاسُ بن قيس بن خالد أخو بنى بكر يُعِدُّ سلاحًا قبل أن يدخل رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم مكة ويُصلح منها، فقالت له امرأته : لمَاذا تعدّ ما أرى؟ قال: لمحمد وأصحابه ، فقالت: والله ما أ.اه يقوم لمحمد وأصحابه شىء، قال: والله إنى لأرجو أن أُخْدِمَك بعضَهم، فقـ، : إِنْ تُقبلوا اليومَ فالى عِلّهْ هُذَا سَلَاحٌ كامل وأَلّْ(٢) • وذُو غِرارَ يْنِ سرِيحُ السَّهُ(٣). ثم شهد الخَنْدمة مع صفوان وسهيل بن عمرو وعكرمة ، فلمّا لقيهم المسلمون من أصحاب خالد بن الوليد نَاوَشُوهم شيئًا من قتال، فقُتِل كُرْزُ ابن جابر بن حِسْل بن الأجَبّ بن حبيب بن عمرو بن شيبان بن محارب بن ١٦٣٨/١ فهر ، وحُبَيْش بن خالد، وهو الأشعر بن ربيعة بن أصرم بن ضَبِيس (١) ابن هشام: ((ثم قال)). (٣) ذو غرارين : ذو حدين . (٢) الألة : الحربة لها سنان طويل. ٥٨ سنة ٨ ابن حرّام بن حَبَشِيّة بن كعب بن عمرو؛ حليف بنى منقذ - وكانا فى خيل خالدبن الوليد ، فشذًّا عنه ، وسلكا طريقًا غير طريقه، فقتلا جميعًا - قُتل خُنيس قبل كُرْز بن جابر ؛ فجعله كرز بين رجليه ؛ ثم قاتل حتى قُتِل وهو يرتجز ، ويقول : فَقَيَّةُ الوَجْهِ فَقِيَّةُ الصَّدِرْ قد علمتْ صفراء من بنى فِهِرْ(١) * لِأَضْربنَّ اليومَ عن أبىِ صَخِرْ . وكان خُنيس يكنى بأبى صَخْر؛ وأصيب من جُهينةَ سلمة بن الميْلاء من خيل خالد بن الوليد ، وأصيب من المشركين أناسٌ قريب من اثنى عشر أو ثلاثة عشر . ثم انهزموا، فخرج حماس منهزمًا؛ حتى دخل بيته ، ثم قال لامرأته : أغلقى علىَّ بابى، قالت : فأين ما كنت تقول ؟ فقال : ١٦٣٩/١ إنك لو شهدتٍ يوم الَنْدَمَهْ إذْ فِرَّ صفوان وفرَّ عِكْرِمَهْ وأُستَقْبَلَتْهُم بالسيوفِ الْمُعَامَهُ وابو يزيدَ قائمٌ كالمؤتِيه(٢) ضَرْبًا فَلاَ تُشَعُ إلَّ غَمَْ(٣) يَقْطَعَنْ كلَّ ساعِدٍ وَجُمْجُمَهْ لهِمِ نِهِيتُ خَلْقَنَا وَهَمْهَهْ (٤) لم تَنْطِى فى اللَّوْمَ أَدْنَى كَلِمَهُ (٥) حدّثنا ابنُ حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : وكانَ رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم قد عهد إلى أمرائه من المسلمين حين أمرهم أن يدخلوا مكة ؛ ألاّ يقتلوا أحداً إلاّ من قاتلهم ؛ إلا أنه قد عهد فى نفر سماهم ؛ أمر بقتلهم وإن وُجدوا تحت أستار الكعبة ؛ منهم عبد الله بن سعد (١) قال السهيلى: ((أشار بقوله: ((صفراء))، إلى صفرة الخلوق)). (٢) قوله: ((وابو يزيد))، بقلب الهمزة من ((أبو)) ألفا ساكنة؛ وهو سهيل بن عمرو خطيب قريش. المؤتمة: المرأة التى لها أيتام؛ والأعرف فيها مؤتم مثل مطفل. وفى ط: ((كالمأتمة))، والصواب ما أثبته من ابن هشام . وانظر الروض الأنف . (٣) الغمغمة : أصوات غير مفهومة لاختلاطها . (٤) النهيت : صوت فى الصدر، والهمهمة مثله . (٥) الخبر والرجز فى ابن هشام ٢ : ٢٧٢. ٥٩ سنة ٨ ابن أبى سَرْح بن حُبَيْب بن جذيمة بن نصر بن مالك بن حِسْل بن عامر ابن لؤىّ - وإنما أمر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بقتله، لأنه كان قد أسلم فارتدَ مشركًا، ففرّ إلى عُمَّانَ، وكان أخاه من الرضاعة ، فغيبه حتى أتى به رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعد أن اطمأن" أهل مكة،فاستأمن له رسول اللّه، فذُكِر أن رسولَ اللّه صلى الله عليه وسلم صَمَتَ طويلاً، ثم قال: نعم؛ ١٦٤٠/١ فلمّاً انصرف به عمّان ، قال رسول اللّه لمن حوله من أصحابه: أما والله لقد صمتٌ ليقومَ إليه بعضُكم فيضرب عنقه! فقال رجلٌ من الأنصار : فهلاً أومأتَ إلى يا رسول الله! قال: إن النبيّ لا يقتُل بالإشارة - وعبد الله بن خَطَل، رجلٌ من بنى تيم بن غالب- وإنما أمر بقتله لأنه كان مسلماً ، فبعثه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم مصدّقًا (١)، وبعث معه رجلاً من الأنصار؛ وكان معه مولّّ له يخدُمُّه، وكان مسلمًا ، فنزل منزلا ، وأمر المولى أن يذبح له تيْسًاً ، ويصنع له طعامًا ، ونام فاستيقظ ولم يصنع له شيئًا ، فعدًا عليه فقتله ، ثم ارتدَّ مشركًا ؛ وكانت له فينتان : فرتنى وأخرى(٢) معها، وكانتا تغنّيان بهجاء رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فأمر بقتلهما معه - والحويرث بن نُقَيْذ بن وهب بن عبد بن قصىّ، وكان ممن يؤذيه بمكة، ومقيس بن صُبابة - ٠ وإنما أمر بقتله لقتله الأنصارىَّ الذى كان قتل أخاه خطأ ، ورجوعه إلى قريش مرتدًا - وعكرمة بن أبي جهل، وسارة مولاة كانت لبعض بنى عبدالمطلب؛ و کانت ممن يؤذيه بمكة . فأما عكرمة بن أبي جهل فهرب إلى اليمن ؛ وأسلمت امرأته أمّ حكيم بنت الحارث بن هشام، فاستأمنت له رسول الله فأمّه؟ فخرجت فى طلبه حتى أتتْ به رسول الله صلى الله عليه وسلّم، فكان عِكْرمة يحدّث - فيما يذكرون - أنّ الّذى ردّه إلى الإسلام بعد خروجه إلى اليمن أنه كان يقول: أردت ركوب البحر لألحقَ بالحبشة، فلما أتيتُ السفينة لأركبها ١٦٤١/١ قال صاحبها: يا عبد اللّه، لا تركب سفينتى حتى تُوَحّدَ اللّهَ، وتخلع ما دونه من الأنداد ، فإنى أخشى إن لم تفعل أن نهلك فيها ، فقلت: وما يركبه أحدٌ (١) مصدقا: جامعا الصدقات . (٢) ابن هشام: (( وصاحبتها)). ٦٠ سنة ٨ حتى يوحّد الله ويخلع ما دونه! قال: نعم ؛ لا يركبه أحدٌ إلاّ أخلص. قال: فقلت: فهم أفارق محمداً! فهذا الذى جاءنا به، فوالله إنّ إلهنا فى البحر لإلهُنا فى البرّ؛ فعرفت الإسلام عند ذلك، ودخل فى قلبى. وأما عبد الله ابن خَطّل، فقتله سعيد بن حريث المخزوميّ وأبو برزة الأسلميّ، اشتركا فى دمه، وأما مقيَس بن صُبابة فقتله ثمَيْلَةُ بن عبد اللّه؛ رجل من قومه، فقالت أخت مقيس : وفَجَّحَ أضيافَ النَّتَاءِ بِقْيَسٍ لَعَمْرِى أَقَدْ أَخْزِى مُمَيْلةُ رضطه إِذَا النَّغَاء أصبَحَتْ لم تُغَرَّسِ(١)! فْ عَيْنَا مَن رأى مثلَ مِفْيَسٍ وأما قيتا ابن خَطَل فقتلت إحداهما، وهربت الأخرى حتى استؤمن لها رسولُ الّه صلى اللّه عليه وسلم بعد، فأمّتها. وأما سارَة، فاستؤمِنَ لها فأمتها ، ثم بقيت حتى أوطأها رجلٌ من الناس فرسًا له فى زمن عمر بن الخطاب بالأبطح، فقتلها. وأما الحويرث بن نُقَيْد، فقطه على بن أبى طالب رضى الله عنه(٢) . ١٦٤٣/١ وقال الواقدىّ: أمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقتل سنة نفر وأربع قسوة، فذكر من الرجال مَنْ سماه ابن إسحاق، ومن النساء هند بنت عُنْبة ابن ربيعة، فأسلمت وبايعت، وسارة مولاة عمرو بن هاشم بن عبد المطلب ابن عبد مناف، قتلت يومئذ، وقُريبة؛ قتلت يومئذ، وفرقتَى عاشت إلى خلافة عمّان . حدّثًا ابنُ حُميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عمر بن موسى ابن الوجيه، عن قتادة السَّدوسىّ؛، أن رسولَ اللّه صلّى الله عليه وسلّم قام قائمًا حين وقف على باب الكعبة ، ثم قال : لا إله إلا الله وحدَه، لا شريك له، (١) لم تخرس: لم يصتح لها طعام عند ولادتها، واسم ذلك الطعام: خرس وخرسة، يضم الماء؛ وإنما أرادت به زمن الشدة. (٢) سيرة ابن هشام ٢: ٢٧٣.