Indexed OCR Text

Pages 601-620

٦٠١
سنة ٦
رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق . ومعه غلام لطلحة بن عبيد الله
- يعنى مع سلمة بن الأكوع - معه فرس له يقوده ، حتى إذا علا على ثنيَّة
الوَدَاع نظر إلى بعضٍ خيولهم ، فأشرف فى ناحية سَلْع ، ثم صرخ:
واصَبَاحاه! ثم خرج يشتدّ فى آثار القوم - وكان مثل السَّبُع ــ حتى لحِقٍ
بالقوم ، فجعل يرُدُّهم بالنّبْل، ويقول إذا رمى: ((خُذُها منى وأنا ابن الأكوع،
واليوم يوم الرضع )).
فإذا وُجّهتُ الخيل نحوه ، انطلق هاربًا، ثم عارضهم؛ فإذا أمكنه
الرمىُ رَمى ، ثم قال :
خُذْها وانا ابنُ الأكوعِ واليومُ يوم الرضّعِ(١)
قال : فيقول قائلهم : أوَيَكعنا(٢) هو أول النهار .
قال: وبلغ رسولَ اللّه صلَّى الله عليه وسلَّم صياحُ ابن الأكوع ؛
فصرخ بالمدينة : الفزع الفزع!؛ فتتامَّتٍ (٣) الخيول إلى رسول الله صلَّى اللّه عليه
وسلَّم ؛ فكان أوّلَ من انتهى إليه من الفرسان المقداد بن عمرو.
ثم كان أول فارس وقف على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بعد المقداد
من الأنصار، عبَّاد بن بشْر بن وَقْش بن زُغْبَة بن زَعُورا، أخو بنى
عبد الأشهل ، وسعد بن زيد ، أحد بنی کعب بن عبد الأشهل ، وأسید بن
ظُهَير أخو بنى حارثة بن الحارث- يُشكّ فيه - وعُكَّاشة بن مِحْصَن،
أخو بنى أسد بن خُزيمة، ومُحْرِزِ بن نَضْلة، أخو بِى أسد بن خزيمة ،
وأبو قتادة الحارث بن رِبْعِىّ، أخو بنى سَكِمة، وأبو عيَّاش؛ وهو
عُبَيَد بن زيد بن صامت ، أخو بنى زُرَيَق .
١٥٠٨/١
فلَّما اجتمعوا إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم أمَّر عليهم سعد بن زيد .
ثم قال : اخرُجْ فى طلب القوم حتى ألحقك فى النَّاس .
وقد قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم - فيما بلغنى عن رجال من بنى
زُرَيَق - لأبى عيَّش: يا أبا عيَّاش، لو أعطيتَ هذا الفرس رجلا هو
أفرسُ منك فلحق بالقوم ! قال أبو عيَّاش : فقلت : يا رسول الله ، أنا
(١) الرضع: جمع راضع، وهو اللتيم. (٢) كذا فى ابن هشام، وفى ط: ((أكيعنا)).
(٣) ابن هشام: ((فترامت)).

٦٠٢
سنة ٦
أفرسٌ الناس ، ثم ضربت الفرس ، فوالله ما جرى خمسين ذراعا حتى طرحنى؛
فعجبت أنَّ رسولَ اللّه صلَّى الله عليه وسلّم يقول: لو أعطيه أفرس منك!
وأقول: أنا أفرس الناس، فزعم رجال من بنى زُريق أنّ رسولَ اللّه صلّى الله
عليه وسلَّم أعطى فرس أبى عَيَّاش مُعاذ بن ماعص - أو عائذ بن ما عص-
ابن قيس بن خَلْدة - وكان(١) ثامنا - وبعض الناس يعدّ سلمة بن عمرو بن
الأكوع أحدَ الثمانية ، ويطرحُ أسيد بن ظُهَيَر أخابى حارثة ، ولم
يكن سلمة يومئذ فارسًا ، وكان أوّل مَنْ لحق بالقوم على رجْليه؛
فخرج الفرسانُ فى طلب القوم ، حتَّى تلاحقوا(٢).
١٥٠٩/١
حدثنا ابنُ حميد ، قال : حدّثنا سلمة ، قال : وحدثنى محمد بن
إسحاق ، عن عاصم بن عمر بن قتادة ، أنَّ أوّل فارسٍ لحِقَ بالقوم
مُحرزِ بن نَضْلة ، أخو بنى أسد بن خزيمة - ويقال لمحرز: الأخْرَم ،
ويقال له : قمير - وأنَّ الفزع لما كان، جالَ فرسٌ لمحمود بن مسلمة فى الحائط
حين سمع صاهِلة الخيل، وكان فرسا صَنِيعًا(٣) جامًا (٤)، فقال نساءٌ من
نساء بنى عبد الأشهل حين رأى الفرس يجول فى الحائط بجذْع من نخل هو
مربوط به : يا قُمَيَر ، هل لك فى أن تركبَ هذا الفرس - فإنَّه كما ترى -
ثمّ تلحق برسول الله صلّى الله عليه وسلّم وبالمسلمين! قال: نعم ، فأعطنيه
إياه، فخرج عليه، فلم يَنْشَبْ أن بَّذّ الخيل بِجَمامه(٥) حتى أدرك
القوم ، فوقف لهم بين أيديهم ، ثم قال: قفوا معشرَ اللكِيعَة حتى
يلحق بكم مَنْ وراءكم من أدباركم من المهاجرين والأنصار.
قال: وحَمَل عليه رجُلٌ منهم فقتله ، وجال الفرس فلم يقدروا عليه ؛
(١) كذا فى ابن هشام، وفى ط: ((كان))، بدون واو .
(٢) سيرة ابن هشام ٢: ٢١٣، ٢١٤
(٣) الفرس الصنيع : الذى يخدمه أهله، ويقومون عليه.
(٤) يقال : جم الفرس؛ إذا تزك ولم يركب .
(٥) الجمام كسحاب : الراحة ، والباء هنا للسببية .

سنة ٦
٦٠٣
حتى وقف على آرِيّهِ (١) فى بنى عبد الأشهل ، فلم يقتل من المسلمين غيره ،
وكان اسم فرس محمود ذا اللمّة (٢).
حدثنا ابنُ حُميد، قال : حَدّثنا سلمة ، قال : حدثنى محمد بن
إسحاق، عمنّ لا يتّهم ، عن عبيد الله بن كعب بن مالك الأنصارى ،
أنَّ محرزا إنَّما كان على فرس لعُكاشة بن محصن يقال له(٣) الجناح، ١ /١٥١٠
فقتل مُحرز، واستُلب الجناح. ولمَّا تلاحقت الخيول قَتَل أبو قَتَادة
الحارث بن رِبْعِىّ أخو بنى سلِمة، حَبيبَ بن عيينة بن حِصْن، وغَشَّاه
ببردته ، ثم لحق بالنَّاس، وأقبل رسولُ اللّه صلَّى اللّه عليه وسلَّم والمسلمون،
فإذا حبيب مسجَّى (٤) ببردة أبى قتادة، فاسترجع (٥) الناس ، وقالوا :
قُتل أبو قتادة، فقال رسول الله صلَّى اللّه عليه وسلَّم: ليس بأبى قَتَادة ،
ولكنَّه قتيلٌ لأبى قتادة ، وضع عليه بردته، لتعرفوا أنه صاحبه . وأدرك عُكَّاشة
ابن مِحْصن أو بارًا وابنه عمرو بن أو بارعلى بعير واحد، فانتظمهما بالرُّمح
فقتلهما جميعًا، واستنقذُوا بعضَ اللّقاح. وسار رسولُ الله صلَّى اللّه عليه وسلَّم
حتى نزل بالجَبَل مِنْ ذِى قَرَد، وتلاحق به الناس، فنزل رسولُ الله صلَّى
الله عليه وسلَّم، وأقام عليه يومًا وليلة. فقال له سلمة بن الأكوع: يا رسول"
اللّه، لو سرّحْتَنِى فى مائة رجل لاستنقذت بقيّة السّرّح، وأخذت بأعناق
القوم. فقال رسولُ اللّه صلى الله عليه وسلَّم - فيما بلغنى: إنَّهم الآن
لَيُغْبَقُونَ (٦) فى غَطَفان.
وقسم (٧) رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم فى أصحابه فى كل مائة جَزُورًا،
(١) الآرى: الحبل الذى تشد به الدابة، وقد يسمى الموضع الذى تقف فيه الدابة آريًّا أيضاً.
(٢) سيرة ابن هشام ٢١٤،٢١٣:٢.
(٣) س: ((لها)).
(٤) مسجى : مغطى .
(٥) استرجع الناس: قالوا: إنا لله وإنا إليه راجعون.
(٦) يغبقون: يشربون اللبن وقت العشى.
(٧) ابن هشام: ((فقسم)).

٦٠٤
سنة ٦
فأقاموا عليها، ثم رجع رسولُ اللّه صلَّى الله عليه وسلَّم قافلا حتى قدم
المدينة(١).
فأقام بها، بعض جُمَادى الآخرة ورَجبَ . ثم غزا بلْمصْطلق من خزاعة
فى شعبان سنة ستّ .
*
*
١٥١١/١
ذكر غزوة بني المُصْطَلِقِ
حدّثنا ابنُ حُميد، قال: حدّثنا سلمة بن الفَضْل وعلىّ بن
مجاهد ، عن محمد بن إسحاق ، عن عاصم بن عمر بن قتادة ، وعن
عبد اللّه بن أبى بكر. وعن محمد بن يحيى بن حَبَّان، قال: كُلٌّ قد
حدثنى بعض حديث بنى المصطلق، قالوا: بلغ رسولَ اللّه صلَّى اللّه عليه
وسلَّم أنَّ بلْمُصْطلق(٢) يجتمعون له ، وقائدهم الحارث بن أبى ضرار ؛
أبو جُوَيْرية بنت الحارث، زوج النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فلمَّاً سمع
بهم رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم خرج إليهم حتى لقيتهم على ماء (٣) من
مياههم ، يقال له : المُرَيْسِيع، من ناحية قُدَيَد إلى الساحل ، فتزاحف
الناس واقتتلوا قتالا شديدًا، فهزم اللّه بنى المصطلِقِ، وقُتِلِ مَنْ قتل منهم ،
ونَقَّلَ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أبناءهم ونساءهم وأموالهم؛ فأفاء هم الله
عليه .
وقد أصيب رجلٌ من المسلمين من بنى كلْب بن عوف بن عامر بن ليث
ابن بكر، يقال له هشام بن صُبابة، أصابه رجل من الأنصار من رهط عُبادة
ابن الصّامت ، وهو يرى أنه من العدوّ، فقتله خطأ .
(١) سيرة ابن هشام ٢ : ٢١٤
(٢) ابن هشام: ((بنى المصطلق)).
(٣) ابن هشام: ((على ماء لهم)).
(٤) س: ((وأصيب)).

سنة ٦
٦٠٥
فبينا الناس على ذلك الماء وردت واردة الناس ، ومع عمر بن الخطاب
أجيرٌ له من بنى غفار يقال له جَهْجَاه بن سعيد(١) ، يقود له فرسه ، فازدحم
جَهْجَاه وسنان الجهنىّ(٢) حليف بنى عَوْف بن الخزرج على الماء، ١٥١٢/١
فاقتتلا، فصرخ الجُهَنِىُّ: يا معشرَ الأنصار ، وصرخ جَهْجَاه: يا معشر
المهاجرين (٣)، فغضب عبدُ اللّه بن أبيّ بن سلول، وعنده رَهْط من قومه (٤)،
فيهم زيد بن أرقم غلام حديث السنّ ، فقال : أقد(٥) فعلوها ! قد نافرونا
وكاثرونا فى بلادنا، واللّه ما عَدَوْنا(٦) وجلابيب(٧) قريش ما قال القائل:
((سَمّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلْكَ))؛ أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليُخرِجِنّ
الأعزُّ منها الأذلّ! ثم أقبل على مَنْ حضره من قومه ، فقال : هذا ما فعلتم
بأنفسكم! أحللتُموهم بلادكم، وقاسمتموهم أموالكم! أما والله لو أمسكم عنهم
ما بأيديكم لتحوّلوا إلى غير بلادكم .
فسمع ذلك زيد بن أرقم، فمشى به إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم،
وذلك عند فراغ رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم من عدوِّه . فأخبره الخبر
(١) ابن هشام: ((جهجاه بن مسعود)). وفى الإصابة ١: ٢٥٤: ((جهجاه بن سعيد،
وقيل: ابن قيس، وقيل ابن مسعود الغفارى؛ شهد بيعة الرضوان بالحديبية ... )) وذكر خبره فى
غزاة بنى المصطلق .
(٢) فى ابن هشام: ((وسنان بن وبر الجهنى)). وقال السهيلى: ((وقال غيره: هو سنان
أبن تميم - من جهينة - بن سود بن أسلم ، حليف الأنصار)).
(٣) قال السهيلى: ((ولم يذكر ما قال النبى صلى الله عليه وسلم حين سمعهما؛ وفى الصحيح
أنه عليه السلام قال: دعوها فإنها منتنة . يعنى أنها كلمة خبيثة ؛ لأنها من دعوى الجاهلية. وجعل الله
المؤمنين إخوة وحزباً ؛ فإنما ينبغى أن تكون الدعوة للمسلمين ؛ فمن دعا فى بدعوى الجاهلية فيتوجه
للفقهاء فيه ثلاثة أقوال : أحدهما أن يجلد من استجاب له خمسين سوطاً ؛ اقتداء بأبى موسى
الأشعرى فى جلده النابغة الجعدى خمسين سوطاً؛ حين سمع: (( يا لعامر الإسلام !)) فأقبل يشتد بعصبة.
والثانى أن فيها الجلد دون العشر لنهيه عليه السلام أن يجلد أحد قومه العشرة إلا فى حد. والقول الثالث
اجتهاد الإمام فى ذلك على حسب ما يراه من سد الذريعه وإغلاق باب الشر، إما بالوعيد ،
وإما بالسجن ، وإما بالجلد )).
(٤) س: ((قومهم)) .
(٥) ابن هشام: ((أوقد)).
(٦) ابن هشام: ((ما أعدنا)).
(٧) جلا بيب قريش؛ كان المشركون يلقبون من يسلم من قريش بذلك . وأصل الجلابيب
الأزر الغلاظ ؛ وكانوا يلتحفون بها ؛ فلقبوهم بذلك .

٦٠٦
سنة ٦
وعنده عمر بن الخطاب، فقال: يا رسول اللّه مُرْ به عَبَّاد بن بِشْر بن
وَقْش فليقتلْهُ، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: فكيف يا عُمَرُ إذا
تحدَّث الناس: أن محمدًا يقتل أصحابه! لا، ولكن أذنْ بالرحيل- وذلك فى
ساعة لم يكن رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم يرتحل فيها - فارتحمل الناس ،
وقد مشى عبد لله بن أبىّ بن سلول إلى رسول الله صلَّى اللّه عليه وسلَّم حين
بلغه أنّ زيد بن أرقم قد بلغه ما سمع منه. فحلف بالله: ما قلت ما قال،
ولا تكلَّمت به - وكان عبدُ الله بن أبىّ فى قومه شَرِيفًا عَظِيمًا - فقال
مَنْ حضر رسولَ اللّه صلَّى الله عليه وسلَّم من أصحابه من الأنصار :
يا رسولَ اللّه، عسى أن يكون الغلام أو هم (١) فى حديثه ولم يحفظ ما قال
الرجل! حَدبًا (٢) على عبد الله بن أبىّ ودفعًا عنه.
فلما استقلّ رسول اللّه صلَّى الله عليه وسلَّم وسار، لقيه أسَيْد بن
حُضَيَر، فحياه تَحيَّة النبوّة، وسلَّم عليه، ثم قال: يا رسولَ اللّه، لقد
رُحْتَ فى ساعة منكَرَة ما كنتَ تروح فيها! فقال له رسولُ اللّه صلَّى اللّه
عليه وسلَّم : أوَ مَا بلغك(٣) ما قال صاحبكم ! قال: وأىُّ صاحب
يا رسول الله! قال: عبد الله بن أبىّ، قال: وما قال؟ قال: زعم أنه إن
رجع إلى المدينة أخرج الأعزُّ منها الأذلّ، قال أسَيْد: فأنت واللّه
يا رسولَ الله تخرجه إن شئت، هو والله الذّليل وأنت العزيز! ثم قال :
يا رسولَ اللّه، ارفُقْ به فوالله لقد جاء الله بك، وإنَّ قومه لينظمون له الخَرّز
ليتوّجوه؛ فإنه لَيَرَى (٤) أنَّك قد استلبته مُلْكًا (٥).
ثم مَتَنَ (٦) رسولُ اللّه صلّى الله عليه وسلَّم بالنّاس يومهم ذلك
حتَّى أمسى، وليلتهم حتى أصبح، وصَدْرَ يومهم ذلك حتى آذتَهْم الشمس.
(١) يقال: وهم فى كذا، إذا أسقط وأخطأ، ومثله ((أوهم)).
(٢) التفسير: ((حذراً)).
(٣) التفسير: ((أما)).
(٤) و : «یری ))
(٥) س: ((سلبته ملكه)).
(٦) و: ((سار)). ابن هشام والتفسير: ((مشى)). ومتن، أى سار بهم حتى أضعف
إبلهم ؛ يقال : متن بالإبل؛ إذا أتعبها حتى الضعف .
١٥١٣/١

٦٠٧
سنة ٦
ثم نزّل بالنَّاس ؛ فلم يكن إلاّ أن وجدوا مسَّ الأرض وقعوا نياما ؛ وإنما
فَعَل ذلك [ رسول الله صلى الله عليه وسلم](١) ليشغل الناس عن الحديث
الذى كان بالأمس من حديث عبد الله بن أبىّ .
ثم راح بالنَّاس، وسلك الحجاز حتى نزلَ على ماء بالحجاز فُوَيْق
النَّقيع (٢)، يقال له نقعاء، فلمَّا راحَ رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم هبّت
على الناس ريحٌ شديدةٌ آنتهم، وتخوّفوها، فقال رسول الله صلَّى اللّه عليه
وسلَّم: لا تخافوا (٣)، فإنما هَبَّت لموت عظيم من عظماء الكفار ، فلمّا
قد موا المدينة وجدوا رِفاعة بن زيد بن التَّابوت، أحد بنى قَيْنُقاع ــ وكان
من عظماء يهود ، وكَهْفًا للمنافقين - قدمات فى ذلك اليوم .
١٥١٤/١
ونزلت السورة التى ذكر اللّه فيها المنافقين فى عبد الله بن أبىّ بن سَلُول
ومَنْ كان [ معه](٤) على مثل أمره، فقال: ﴿ إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ ﴾ ،
فلمَّا نزلت هذه السورة أخذ رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم بأذُن زيد بن
أرقم فقال : هذا الذى أوفى اللّه بأذُنُه .
حدّثنا أبو كريب ، قال : حدّثنا يحيى بن آدم ، قال : حدّثنا إسرائيل،
عن أبى إسحاق، عن زيد بن أرقم ، قال : خرجت مع عمى فى غزاةٍ ،
فسمعت عبد الله بن أبيّ بن سلول يقول لأصحابه: ﴿لَا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ
اللهِ﴾ واللهِ، ﴿لَئِنْ رَ جَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِ جَنَّالأُعَزُّمِنْهَا الأَذَلّ﴾(٥)؛ فذكرت
ذلك لعمىّ، فذكره عمى لرسول الله صلى الله عليه وسلَّم، فأرسل إلىّ
(١) من ابن هشام .
(٢) كذا فى ط والتفسير، بالنون، وفى رواية ابن إسحاق بالباء؛ وهما قولان ذكرهما ياقوت
فى معجم البلدان ٨: ٣٠٩، ٣١٢، ٠٣١٣
(٣) س: ((لا تخافوهما)).
(٤) من التفسير.
(٥) سورة المنافقين ٧ : ٨٠

٦٠٨
سنة ٦
فحدثته ، فأرسل إلى عبداللّه وأصحابه ، فحلفوا ما قالوا؛ قال: فكذّبنى رسول
اللّه صلَّى الله عليه وسلم وصدقه، فأصابنى همّ لم يصْبنى مثله قط، فجلست(١)
فى البيت ، فقال لى عمّى: ما أردتَ إلى (٢) أن كَذَ بَك رسولُ اللّه ومقّتَك!
قال: حتَّى أنزل الله عزَّوجلّ: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾، قال: فبعث إلىّ
رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم فقرأها، ثم قال: إنّ اللّه صدّقك (٣)
يا زيد (٤)
رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق . وبلغ عبد الله بن عبد الله بن أبىّ
١٥١٥/١ الذى كان من أمر أبيه. فحدثنا ابن حميد، قال: حدثناسلمة، قال: حدثنى محمد
ابن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة؛ أنّ عبد الله بن عبد الله بن أبىّ
ابن سلول أتَى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فقال: يا رسولَ الله، إنّه
قد بلغنى أنَّك تريد قتل عبد الله بن أبىّ - فيما بلغك عنه - فإن كنت فاعلا
فمرْنى به ، فأنا أحمِلُ إليك رأسه، فوالله لقد علمت الخزرج ما كان بها رجلٌ
أبرّ بوالده منّى؛ وإنّى أخشى أن تأمرَ به غيرى فيقتله ، فلا تدعْنِى نفسى
أن أنظر إلى قاتل عبد الله بن أبىّ يمشى فى الناس فأقتلَه ؛ فأقتلَ مؤمنًا بكافر
فأدخل النار ، فقال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلّم : بل نرفُق به ، ونحسِنِ
صحبتَه ما بقىَ معنا. وجعل بعدذلك إذا أحْدَثَالحَدَّثَ، كان قومه هم الذين
يعاتبونه ويأخذونه، ويُعنِّفونه ويتوعدَّدُونه، فقال رسولُ الله صلَّى اللّه عليه
وسلّم لعمر بن الخطاب حين بلغه ذلك عنهم من شأنهم : کیف تری یا عمر !
أما والله لو قتلتهُ يومَ أمرْتَنِى بقتله، لأرعِدَت لهآنُفٌ لو أمرتُهَا اليوم
(١) التفسير: ((فدخلت)).
(٢) س: ((إلا)).
(٣) س: ((صدقت يا زيد)).
(٤) الخبر فى التفسير ٢٨: ٧٠، ٧١ (بولاق) .

سنة ٦
٦٠٩
بقتله لقتلتْه. قال : فقال عمر: قد والله علمتُ، "لأمرُ رسولِ الله أعظمُ بركة
من أمری . (١)
قال : وقدم مِقْيَس بن صُبابة من مكة مسلمًا فيما يُظهر، فقال :
يا رسولَ الله، جئتك مسلمًا وجئت أطلب دية أخى قتل خطأ . فأمر له رسول
اللّه صلَّى الله عليه وسلَّم بدية أخيه هشام بن صُبابة، فأقام عند رسول اللّه
صلَّى اللّه عليه وسلَّم غير كثير ، ثم عدا على قاتل أخيه فقتله ، ثم خرج إلى
مكَّة مرتدًا ، فقال فى شعر :
تُضَرِّجُ نُوْبَيْهُ دِماء الأخادِعِ(٢) ١٥١٦/١
شَ النَّفْسَ أَنْ قَدْبَاتَ بالْقَاعِ مُسْتَدًا
تُلِمُّ، فَتَحْمِنى وِطَاءَ المِضَاجِعِ (٣)
وكَانَتْ هُمُومُ النَّفْسِ من قَبْلِ قَتْلِهِ
وكُنْتُ إلى الأوثان أوّل رَاجِعٍ(٤)
سَرَّةَ بِ النَّجَارِ أَرْبابَ فَارِعٍ(٥)
حَلْتُ بهوِ تْرِى، وأَدْرَ كْتُ نُؤْرَتِی
تَأَرْتُ بِه فِهِراً وحَمَّلْت عَقْلَه
وقال مقيمُ بن صُبابة أيضًا:
مِنْ ناقعِ الجَوْفِ يَعْلُوهُ وَيَنْصَرِمُ(٦)
جَّلْتُهُ ضَرْبَةً بَاءَتْ، لها وشَلٌ
لا تأمَنَنَّ بِى بَكْرٍ إِذَا ظُلِمُوا(٧)
فَقُلْتُ والَوْتُ تَغْشَاهُ أَسِرْتُهُ
وأصيب من بنى المصطلِقِ يومئذ ناسٌ كثيرٌ، وقَتّل علىُّ بن أبى طالب
منهم رجليْن: مالكاً وابنه، وأصاب رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم منهم
(١) التفسير ٢٨: ٧٥، ٧٦ (بولاق)، وابن هشام ٢: ٢١٧، ٢١٨.
(٢) القاع: المنخفض من الأرض. وتضرج: تلطخ. والأخادع : عروق القفا؛
وإنما هما أخدعان ؛ فجمعهما مع يليهما .
(٣) تلم: تحل بى. وتحمينى: تمنعنى. ووطاء المضاجع: ليناتها.
(٤) الوتر : طلب الثأر. والثورة: الثأر .
(٥) ط: ((ثأرت به قهراً !! ، وما أثبته من ابن هشام. العقل: الدية. وسراة بنى النجار:
خيارهم . وفارع : حصن لهم .
(٦) جللته ضربة: علوته بها. وباءت: أخذت بالثأر: يقال؛ بؤت بفلان؛ إذ أخذت
بثأره . والوشل : القطر، ويريد بنافع الجوف الدم . ينصرم : ينقطع .
(٧) الأسرة: التكسر الذى يكون فى جلد الوجه والجبهة.
(٣٨)

٦١٠
سنة ٦
سبيًا كثيرًا ، ففشا قَسْمُهُ فى المسلمين ؛ ومنهم جُويْرية بنت الحارث بن
أبى ضرار زوج النبى صلى اللّه عليه وسلم (١).
١٥١٧/١
حدثنا ابنُ حميد ، قال : حدّثنا سلّمة ، قال : حدثنى محمد بن
إسحاق ، عن محمد بن جعفر بن الزبير ، عن عروة ، عن عائشة زوْج النبىّ
صلَّى الله عليه وسلَّم، قالت: لما قَسَمَ رسولُ الله صلَّى اللّه عليه وسلَّم
سبايا بنى المصطلِقِ ، وقعت جُويرية بنت الحارث فى السهم لثابت بن قيس
ابن الشماس - أو لابن عمّ له - فكاتبتْه على نفسها - وكانت امرأة
حُلْوَةٌ مُلاّحة (٢)، لا يراها أحَدٌ إلا أخذت بنفسه ــ فأتتْ رسول الله
صلَّى الله عليه وسلَّم تستعينه على كتابتها ، قالت: فوالله ما هو إلا أن رأيتها
على باب حُجرتى كرِهتها ، وعرفت أنه سيرَى منها مثلَ ما رأيت ، فدخلتْ
عليه ، فقالت : يا رسول الله ، أنا جويرية بنت الحارث بن أبى ضرار سيِّد
قومه ، وقد أصابنى من البلاء ما لم يَخْفَ عليك ؛ فوقعت فى السَّهم لثابت بن
قيس بن الشماس - أو لابن عمّ له - فكاتبتُه على نفسى، فجئتك أستعينك
على كتابتى ، فقال لها : فهل لكٍ فى خير من ذلك ؟ قالت : وما هو يا رسول
اللّه؟ قال : أقضى كتابَتَك وأتزوّجك، قالت: نعم يا رسولَ الله، قال:
قد فعلت ، قالت: وخرج الخبر إلى النَّاس أنَّ رسولَ اللّه صلَّى اللّه عليه
وسلم قد تزوَّج جويرية بنت الحارث ، فقال النَّاس: أصهارُ رسولِ اللّه
صلَّى اللّه عليه وسلّم ، فأرسلوا ما بأيديهم .
قالت : فلقد أعتق بتزويجه إياها مائة أهل بيت من بنى المصطلق ، فما
أعلم امرأةً كانت أعظمَ بركة على قومها منها (٣).
...
حديث الإفك
حدّثنا ابنُ حميد ، قال : حدّثنا سلَمة ، عن محمد بن إسحاق ،
(١) سيرة ابن هشام ٢ : ٢١٨.
(٢) الملاحة : الشديدة الملاحة .
(٣) سيرة ابن هشام ٢: ٢١٨، ٢١٩.

٦١١
سنة ٦
قال: وأقبل رسولُ الله صلَّى اللّه عليه وسلَّم من سفره ذلك - كما حدّثنى
أبى إسحاق، عن الزهرىّ، عن عروة، عن عائشة - حتى إذا كان قريبًا
من المدينة - وكانت [ معه](١) عائشة فى سفره ذلك - قال أهل الإفك فيها
ما قالوا (٢).
١٥١٨/١
حدثنا ابنُ حميد قال : حدّثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن
الزّهرىّ، عن علقمة بن وقَّاص الليثىّ وعن سعيد بن المسيَّب(٣)، وعن
عُرْوة بن الزُّبير وعن عبيد الله بن عبد الله بن عُشْبة [ بن مسعود] (٤) قال
الزهرىّ : كُلّ قد حدّثّنى بعضَ هذا الحديث، وبعضُ القومِ كان أوعى له
من بعض . قال : وقد جمعت لك كلّ الذى حدّثّنى القوم.
حدّثنا ابنُ حميد ، قال : حدّثنا سلّمة ، قال : حدثنى محمد بن
إسحاق ، قال : حدثنى يحيى بن عبّاد بن عبد الله بن الزّبير ، عن أبيه ،
عن عائشة، قال : وحدّثنى عبد الله بن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم
الأنصارى"، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة، قال: وكلّ قد
اجتمعَ حديثه فى خبر قصّة عائشة عن نفسها حين قال أهل الإفك فيها
ما قالوا ، فكلٌّ قد دخل فى حديثها عن هؤلاء جميعًا ، ويحدّث
بعضُهم ما لم يحدّث بعضٌ، وكلّ كان عنها ثقة، وكلّ قد حدّث عنها ١٥١٩/١
بما سمع.
١
قالت عائشة: كان رسولُ اللّه صلَّى اللّه عليه وسلَّم إذا أراد سفراً أفْرَعَ
بين نسائه، فأيّتُهُن خرج سهمُها خرج بها معه ؛ فلمَّا كانت غزوة بنى
المصطلق، أقرع بين نسائه كما كان يصنع؛ فخرج سهمِى عليهنّ ، فخرج
بى رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم. قالت: وكان النساء إذ ذاك إنَّما
يأكلن العُلَق (٥) لم يُهبّجهنّ(٦) اللَّحم فيثْقُلْنَ. قالت: وكنت إذا رُحِلَ
بعيرى جلستُ فى هودجِى ، ثمَّ يأتى القوم الذين يرحلون هودجى فى بعيرى ،
(١) من سيرة ابن هشام .
(٣) ابن هشام: ((سعيد بن جبير)).
(٢) سيرة ابن هشام ٢ : ٢٢٠.
(٤) من التفسير .
(٥) العلق: بضم ففتح؛ وهى ما فيه بلغة من الطعام إلى وقت الغداء .
(٦) التهيج ، كالورم فى الجسم ، قد يكون من سمن وقد يكون من آفة .

٦١٢
سنة ٦
ويحملونى فيأخذون بأسفل الهودج ، فيرفعونه فيضعونه على ظهر البعير ،
فيشدّونه بحباله ، ثم يأخذون برأس البعير ، فينطلقون به . قالت : فلما فرغ
رسولُ اللّه صلَّى الله عليه وسلَّم من سفره ذلك، وجَّه قافلا، حتى إذا كان
قريبًا من المدينة نزل منزلا ، فبات فيه بعضَ الليل، ثم أذَّنَ فى النَّاس
بالرحيل ، فلمَّ ارتحل النَّاس خرجتُ لبعض حاجتى وفى عنّى عِقْدٌ لى فيه
جَزْعُ(١) ظَفار، فلمَّا فرغتُ انسلّ من عنفى ولا أدرى ؛ فلمَّا رجعتُ إلى
الرَّحْل ذهبتُ ألتمسه فى عنقى فلم أجده ، وقد أخذ النَّاس فى الرحيل . قالت :
فرَجعْتُ عَوْدى على بدنى إلى المكان الذی ذهبت إليه؛ فالتمسته حتى وجدته،
١٥٢٠/١٠ وجاء خلافى القوم الذين كانوا يرجّلون لى البعير، وقد فرغوا من رحلته ،
فأخذوا الهودج، وهم يظنون أنَّى فيه كما كنت أصنع، فاحتملوه، فشدّوه على
البعير ، ولم يشكُّوا أنّى فيه . ثم أخذوا برأس البعير فانطلقوا به ، ورجعت إلى
العسكر وما فيه داع ولا مجيب ، قد انطلق الناس . قالت : فتلفّت بجلبابى
ثمّ اضطجعت فى مكانى الذى ذهبت إليه ؛ وعرفت أنْ لو قد افتقدونى قد
رجعوا إلىّ. قالت: فوالله إنَّى لمضطجعة، إذ مرّ بى صفوان بن المُعتَطَّل
السُّلَمِىّ(٢)، وقد كان تخلَّف عن العسكر لبعض حاجته، فلم يبتْ مع النَّاس
فی العسکر ؛ فلما رأی سوادی أقبل حتى وقف علىّ فعرفنى - وقد کان یرانی
قبل أن يُضْرَب علينا الحجاب - فلمَّا رآ نى قال: إنَّا لله وإنّا إليه راجعون!
أظعينة رسول اللّه! وأنا متلفّفة فى ثيابى. قال: ما خَلَّفَك رحمك الله؟
قالت : فما كلَّمته ، ثم قرّب البعير فقال: ارْكبى رحمكِ اللّه! واستأخر
عنّى . قالت : فركبتُ وجاءَ فأخذ برأس البعير ، فانطلق بى سريعًا يطلب
الناس ؛ فوالله ما أدركنا الناس ، وما افتُقدت حتى أصبحت ، ونزل النَّاس ،
فلما اطمأنّوا طلع الرجل يقودنى، فقال أهلُ الإفك فِيَّ ما قالوا. فارتجّ (٣)
(١) الجزع: الخرز. وظفار: مدينة باليمن قرب صنعاء ؛ ينسب إليها الجزع الظفارى.
(٢) قال السهيلى: ((يكنى أبا عمرو ؛ وكان يكون على ساقة العسكر، يلتقط مما يسقط
من متاع المسلمين حتى يأتيهم به؛ ولذلك تخلف فى هذا الحديث الذى قال فيه أهل الإفك ما قالوا .
وقد روى فى تخلفه سبب " آخر؛ وهو أنه كان ثقيل النوم لا يستيقظ حتى يرحل الناس)).
(٣) ابن هشام: ((أرتعج العسكر))، أى تحرك واضطرب.

٦١٣
سنة ٦
العسكر، ووالله ما أعلم بشىء من ذلك. ثمّ قدمنا المدينة، فلم أمكُثْ (١)
أن اشتکیت شكوى شديدة ، ولا يبلغنى شىء من ذلك ؛ وقد انتهى الحديث إلى
رسول الله صلَّى اللّه عليه وسلَّم وإلى أبَوَىَّ، ولا يذكرانِ لى من ذلك قليلاً
ولا كثيرًا(٢)، إلاّ أنَّى قد أنكرتُ من رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بعضَ"
لُطْفه بى ؛ كنتُ إذا اشتكيتُ رحمِ ولَطُف بى؛ فلم يفعل ذلك فى ١٦٢١/١
شكْواى (٣) تلك، فأنكرت منه، وكان إذا دخل علىَّ وأمى تُمَرّضُنى،
قال : كيف تيكُم ؟ لا يزيد على ذلك . قالت: حتى وجدتُ فى نفسى ممَّا
رأيت من جَفائه عنّى، فقلت له : يا رسولَ اللّه، لو أذنت لى فانتقلت إلى
أمىّ فمرّضتْنى! قال: لا عَلَيْكِ! قالت: فانتقلت إلى أمىّ ، ولا أعلم
بشىء ممَّا كان ، حتى نقِهْت من وجعى بعد بضع وعشرين ليلة . قالت :
وكنّا قومًا عَرَبًا لا نتَّخذ فى بيوتنا هذه الكُنُف التى تتخذها الأعاجم ،
نعافها ونكرهها؛ إنَّما كنا نخرجُ فى فُسَح المدينة؛ وإنَّما كان النساء
يخرجْنَ كلّ ليلة فى حوائجهنّ؛ فخرجت ليلةً لبعض حاجتى ، ومعى
أمّ مِسْطح بنت أبى رُهْم بن المطَّلب بن عبد مناف، وكانت أمّها بنت صخربن
عامر بن كعب بن سعد بن تيم ، خالة أبى بكر. قالت : فوالله إنَّها لتمشِى
معى ، إذْ عثرت فى مِرْطِها(٤)، فقالت: تَعِس مِسْطِح(٥)! قالت: قلتُ:
بئس لعمر الله ما قلتِ لرجل من المهاجرين قد شهد بدراً! قالت: أوَ ما بلغك
الخبر يا بنت أبى بكر ! قالت : قلت : وما الخبر ؟ فأخبرتنى بالَّذى كان من
قولِ أهل الإفك . قالت : قلت وقد كان هذا ! قالت : نعم والله لقد
كان. قالت: فوالله ما قدرتُ على أن أقْضِىَ حاجتى، ورجعت فما زِلْتُ
أبكى حتى ظننتُ أنّ البكاء سيصدع (٦) كبدى. قالت: وقلت لأميّ:
(١) ابن هشام: ((ألبث)).
(٢) و: ((لا يذكر لى منه قليل ولا كثير)).
(٣) و: ((شكاتى)).
(٤) المرط : الكساء.
(٥) قال ابن هشام: ((ومسطح لقب، واسمه عوف)).
(٦) سيصدع: سيشق.

٦١٤
سنة ٦
يغفر اللهلك ! تحدّث الناس بما تحدّثوا به وبلغك ما بلغك؛ ولا تذكرين لى من ذلك
١٥٢٢/١ شيئًا! قالت: أى بُنَيَّة خفِّضى الشأن (١)؛ فوالله قلّما كانت امرأة
حسناء عند رجل يحبُّها لها ضرائر إلا كثَّرن وكثَّر الناس عليها .
قالت : وقد قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الناس يخطبهم (٢) ولا أعلم
بذلك. ثم قال : أيّها الناس، ما بالُ رجالٍ يُؤْذُونى فى أهلِى ، ويقولون
عليهنّ غير الحقّ! والله ما علمتُ منهنّ (٣) إلاّ خيرًا، ويقولون ذلك لرجل واللّه
ما علمت منه إلا خيرًا!وما دخل(٤) بيتامن بيوتى إلاّ وهو معى. قالت: وكان
كُبْر(٥) ذلك عند عبد الله بن أبىّ بن سَلُول فى رجال من الخزرج ؛ مع الذى
قال مسطح وحَمْنَة بنت جحش - وذلك أنّ أختها زينب بنت جحش
كانت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، [ ولم تكن من نسائه امرأة تناصبنى فى
المنزلة عنده غيرها، فأما زينب فعصمها اللّه، وأما حمنة بنت جحش](٦)، فأشاعت
من ذلك ما أشاعت، تضارّنى (٧)لأختها زينت بنت جحش ــفشقيتُ بذلك.
فلمَّاً قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلّم تلك المقالة ، قال أسيد بن
حُضَيْر أخو بنى عبدالأشهل: يا رسول الله، إن يكونوا من الأوْس نكفگھُم،
وإن يكونوا من إخواننا من الخزرج فمرْنا بأمرك؛ فوالله إنَّهم لأهلٌ أن
تضرب (٨) أعناقهم. قالت: فقام سعد بن عبادة ـ- وكان قبل ذلك يُرى رجلا
صالحًا - فقال: كذبت لعمر الله لا تضْرَب أعناقهم! أما والله
ما قلتَ هذه المقالة إلاّ أنَّك قد عرفت أنَّهم من الخزرج ، ولو كانوا من
١٥٢٣/١ قومك ما قلت هذا! قال أسيد: كذبت لعمر الله! ولكنك منافق تجادل عن
(١) خفضى الشأن: هوفيه عليك.
(٢) و: ((فخطبهم)).
(٣) س: ((عليهن)).
(٤) و: ((ولا دخل)).
(٥) الكبر ، بالضم والكسر : الإثم ومعظم الشىء.
(٦) من سيرة ابن هشام.
(٧) ابن هشام: ((تضادنى)).
(٨) و: ((نضرب)).
١

سنة ٦
٦١٥
المنافقين ! قالت : وتثاوره(١) النَّاس حتّى كاد أن يكون بين هذين الحيّين من
الأوْس والخزرج شرّ، ونزل رسولُ اللهَ صلَّى الله عليه وسلَّم، فدخل علىّ،
قالت : فدعا علىّ بن أبى طالب وأسامة بن زيد؛ فاستشارهما ، فأمَّا أسامة
فأثنى خيرًا وقاله(٢)، ثم قال: يا رسولَ اللّه، أهلُك، ولا نعلم عليهنّ إلا خيرًا؛
وهذا الكذب والباطل. وأمّا علىّ فإنه قال: يا رسولَ اللّه؛ إنّ النساء لكثيرٌ؛
وإنك لقادرٌ على أن تستخلف؛ وسل الجارية فإنّها تَصدُقُك. فدعا رسول الله
صلى الله عليه وسلم بَريرة يسألها. قالت : فقام إليها علىّ فضربها ضربًا
شديدً((٣)؛ وهو يقول: اصدُقى رسول اللّه؛ قالت: فتقول: والله ما أعلم إلاّ
خيرًا، وما كنت أعيبُ(٤) على عائشة؛ إلاّ أنَّى كنتُ أعجِن عجينى (٥)
فآمرها أن تحفظه(٦) فتنام عنه ، فيأتى الدّاجن فيأكله(٧) .
ثم دخلَ علىَّ رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم وعندى أبَوَاىَ ، وعندى
امرأة من الأنصار ؛ وأنا أبكى وهى تبكى معى ؛ فجلس فحمد الله وأثنى
عليه ، ثم قال: يا عائشة ؛ إنَّه قد كان ما بلغك من قول الناس، فاتَّى اللّه؛
وإن كنتٍ قارفْتِ سوءًاً(٨) ممَّاً يقول النَّاس فتوبى إلى اللّه؛ فإنَّ اللّه
يقبل التّوبة عن عباده؛ قالت: فوالله ما هو إلاّ أن قال ذلك، تقلَّص (٩)
دمعى ؛ حتى ما أحسُّ منه شيئًا، وانتظرتُ أبَوَىَّ أن يجيبا رسول اللّه
صلَّى الله عليه وسلَّم فلم يتكلَّما. قالت: وايْمُ الله لأنا كنتُ أحقَرُ فى ١٥٢٤/١
نفسى وأصغُر شأنًا من أن ينزّل اللّه عزَّ وجلَّ فىّ قرآنًا يقرأ به فى المساجد ،
(١) س: ((وتنافر)). وفى ابن هشام: ((وتساور الناس))، أى قام بعضهم إلى بعض.
(٢) س: ((وقال خيراً)).
(٣) قال السهيلى: ((وأما ضرب على الجارية وهى حرة، ولم تستوجب ضرباً، ولا استأذن
رسول اللّه فى ضربها ؛ فأرى معناه أنه أغلظ لها بالقول ، وتوعدها بالضرب ، واتهمها أن تكون خانت
الله ورسوله، فكتمت من الحديث ما لا يسعها كتمه)).
(٤) س: ((أعتب)).
(٥) و: ((عجنّى)).
(٦) س: ((بحفظه)).
(٧) ابن هشام: ((فتأتى الشاة فتأكله)).
(٨) قارفت سوءاً : دخلت فيه.
(٩) ابن هشام: ((فقلص))، وقلص وتقلص: ارتفع .

٦١٦
سنة ٦
ويصلَّى به ، ولكنّى قد كنت أرجو أن يرَى رسول الله فى نومه شيئًا يكذّب
الله به عنّى، لما يعلم من براءتى، أو يخبر خبرا؛ فأما قرآنٌ ينزل فىّ، فوالله
لنفسِ كانتْ أحْقَر عندى من ذلك. قالت: فلمّا لم أرَ أبوىّ يتكلمان .
قالت : قلت ألا تجيبانِ رسولَ اللّه! قالت: فقالا لى: والله ما ندری بماذا
نجيبه! قالت : وإيمُ اللّه ما أعلمُ أهلَ بيت دخلَ عليهم ما دخلَ على آل
أبى بكر(١) فى تلك الأيام! قالت : فلما استعجَما علىّ استعبرتُ فَبكيت
ثم قلت : والله لا أتوب إلى الله مما ذكرت أبدًا؛ والله لئن أقررت بما يقول
الناس - والله يعلم أنى منه بريئة - لتصدّقنى؛ لأقولنّ ما لم يكن ؛ ولئن أنا
أنكرت ما تقولون لا تصدّقونى. قالت: ثم التمست اسمَ يعقوب فما أذكره ؛
ولكنّى أقول كما قال أبو يوسف: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى
مَا تَصِفُونَ﴾.
قالت: فوالله ما بَرِحَ رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم مجلسَه حتى تغشَّاه
من اللّه ما كان يتغشَّه، فَسُجِّىَ بثوبه، ووضعت وسادة من أدَم تحترأسه؛
فأمَّا أنا حين رأيت من ذلك ما رأيت ؛ فوالله ما فزعت كثيرًا ولا باليت ؛
قد عرفت أنّى بَريئة، وأنّ اللّه غير ظالِمِى، وأمَّا أبواىَ؛ فوالَّذِى نفس
عائشة بيده ، ما سُرّىَ عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم حتى ظننت
١٥٢٥/١ لتخرجَن أنفسُهما فَرَقًا أن يأتىَ من الله تحقيق ما قال الناس. قالت: ثم
سُرّىَ عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ، فجلس وإنَّه ليتحدّر منه مثل
الجُمان فى يوم شاتٍ ، فجعل يمسح العرق عن جبينه ، ويقول : أبشرى
يا عائشة؛ فقد أنزل الله براءتك، قالت: فقلت: بحمد الله وذمتكم. ثمّ
خرج إلى الناس فخطبهم ، وتلا عليهم ما أنزل الله عزَّ وجلَّ من القرآن فِىّ .
ثم أمر بمسطح بن أثاثة وحسان بن ثابت وحَمْنة بنت جحش - وكانوا ممَّن
أفصح بالفاحشة - فضِرِبُوا (٢) حَدَّهم. (٣) }
(١) س: ((أهل بيت)).
(٢) س: ((فجلدوا))
(٣) سيرة ابن هشام ٢: ٢٢٠ - ٢٢٢، التفسير ١٨: ٧١ - ٧٤ (بولاق)، مع
اختلاف فى آخر الخبر .

سنة ٦
٦١٧
حدّثنا ابنُ حميد ، قال : حدّثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق .
عن أبيه ، عن بعض رجال بنى النَّجار ، أنَّ أبا أيوب خالد بن زيد ، قالت
له امرأته أمّ أيوب : يا أبا أيوب، أما تسمع ما يقول الناس فى عائشة؟ قال:
بَلَى؛ وذلك الكذب؛ أكنتٍ يا أمّ أيوب فاعلةً ذلك! قالت : لا والله
ما كنت لأفعلته (١)، قال: فعائشة واللّه خيرٌ منك. قال: فلمَّا نزل القرآن
ذكر اللّه من قال من الفاحشةما قال من أهل الإفك: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ جَاءوا
بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ .. ﴾ (٢) الآية؛ وذلك حسان بن ثابت فى أصحابه
الذين قالوا ما قالوا (٣).
ثم قال اللّه عزَّ وجلَّ: ﴿لَوْلاَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّالمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ
بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا. ﴾(٢) الآية، أى كما قال أبو أيوب وصاحبته. ثم قال:
﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ ... ) (٤) الآية. فلَّما نزل هذا فى عائشة وفيمنْ قال لها
ما قال قال أبو بكر - وكان ينفق على مِسْطَحِ لقرابته منه وحاجته :
والله لا أنفِقِ على مِسْطح شيئًا أبدا، ولا أنفعه بنفع أبدا بعد الذى قال ١٥٢٦/١
لعائشة، وأدخل علينا ما أدخل ! قالت: فأنزل الله عزَّ وجلَّ فى ذلك:
﴿وَلاَ يَأْتَلٍ أُولُو الفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّمَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُوِى القُرْبَى ... ﴾(٥) الآية.
(١) س: ((فاعلة ولا أفعله)).
(٢) سورة النور ١١، ١٢
(٣) سيرة ابن هشام ٢: ٢٢٢.
(٤) سورة النور ١٥.
(٥) سورة النور ٢٢. قال ابن هشام: ولا يأتل أولو الفضل منكم ؛ منه قول امرئ القيس
ابن حجر الكندى :
ألاربّ خصم فِيكَ ألْوَى رَدَدْتُهُ نَصِيحِ عَلَى تَعْذَاله غير مؤتَل
وفى كتاب الله تعالى: ﴿اللَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ وهو من الآلية ، والألية:
اليمين ، قال حسان بن ثابت :
آَلَيْتُ ما فى جَمِيعِ النَّاسِ مُجْتَهِدًا مِّ أَلَيَّةَ بَرّ غير إِفْنَادٍ
فعنى ((أن يؤتوا)) فى هذا المذهب: ((ألا يؤتوا)).

٦١٨
سنة ٦
قالت: فقال أبو بكر: واللّه لأحبُّ أن يغفر الله لى. فرجع إلى مِسْطح
نفقته التى كان ينفق عليه ، وقال : والله لا أنزعها منه أبدا .
ثم إنّ صفوان بن المعطّل اعترض حسان بن ثابت بالسيف حين بلغه
ما يقول فيه ؛ وقد كان حسّان قال شعرًا مع ذلك يعرّض بابن المعطّل فيه
وبمن أسْلَم من العرب من مُضَر ، فقال :
أمْسَى اَلَجلَابِيبُ قد عزُّ واوقد كثروا وابْنُ الْفُرِيْعَةِ أمْسَى بَيْضَةَ الْبَلَدِ(١)
أو كان منْتَشِباً فى بُثُنِ الأَسَدِ (٣)
قد فَكِلَتْ أُمُّهُ من كنتَ صَاحَبَهُ
مِن دِيَةٍ فِيه يُعْطَاها ولا قَوَدٍ (٣)
ما لقتيلى الذى أغدُو فَآَخُذُه
فَيَغْطِئِلُّ ويَرْمِى الْعِبْرَ بِالزَّبَدِ (٤)
ما البَحْرُ حين تَهَبُّ الرِّيحُ شامِيَةً
مِلْغَيْظِ أَفْرِى كَفَرْىِ العارضِ البَرِّدِ(٥)
يَوْماً بأغْلَبَ منِّ حين تُْصِرِنِ
١٥٢٧/١
فاعترضه صفوان بن المعطّل بالسيف فضربه ثم قال - كما حدّثنا ابن
حميد ، قال : حدثنا سلّمة ، عن محمد بن إسحاق :
تَلقَّ ذُبَابَ السَّيْفِ عَنِّ فإنى غُلَامٌ إذا هُو حِيتُ لَسْت بشاعِرٍ (٦)
حدثنا ابنُ حميد ، قال : حدثنا سلّمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن
محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمىّ ، أنّ ثابت بن قيس بن الشَّماس أخا
(١) ديوانه ١٠٤. قال السهيلى: ((يعنى بالجلابيب الغرباء. وبيضة البلد، يعنى منفرداً؛
وهى كلمة يتكلم بها فى المدح تارة ، وفى معنى القل أخرى ، يقال : فلان بيضة البلد ؛ أى أنه واحد
فى قومه عظيم فيهم . وفلان بيضة البلد ؛ يريد أنه ذليل ليس معه أحد )).
(٢) ثكلته أمه : فقدته . والبرثن: الكف مع الأصابع.
(٣) القود : قتل النفس.
(٤) يغطئل: يجول ويتحرك. والعبر: جانب البحر.
(٥) ملغيظ، أى من الغيظ. أفرى: أقطع. والعارض: السحاب. والبرد، بكسر الراء :
الذى فيه برد . وبعده فى سيرة ابن هشام :
حَتَّى يثيبُوا مَن الغَيَّاتِ للرَّشْدِ
أمَّا قريشُ فإنى لن أسَالِمِهِمْ
وَيَتْكُوا اللَّتَ والْعُزَّى بِمْعْزِلَةٍ
وَيَشْهَدُوا أَنَّ مَاقَالَ الرَّسُولُلَهُمْ
وَيَسْجُدُوا كُلُّهم للواحِدِ الصَّمَدِ
حقٌّ، وَيُوفُوا بَعَهْدِ اللهِ وَالوُكُدِ
(٦) سيرة ابن هشام ٢: ٢٢٣،٢٢٢

سنة ٦
٦١٩
بلْحارث بن الخزرج، وَتَب على صفوان بن المعطّل فى ضربه حسان ،
فجمع يَدَيْه إلى عُنُقُه ، فانطلق به إلى دار بنى الحارث بن الخزرج ،
فلقيه عبد الله بن رواحة ، فقال: ما هذا ؟ قال: ألاَ أعجّبك(١) ضرب
حَسَّان بن ثابت بالسَّيف! والله ما أراه إلاّ قد قتله. قال: فقال له عبدُ اللّه
ابن رَواحة: هل عَلِمَ رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم بشىء مما صنعت ؟
قال : لا والله، قال: لقد اجترأت! أطلق الرجل، فأطلقه. ثم أتوْا رسولَ اللّه
صلَّى الله عليه وسلّم ، فذكروا له ذلك ؛ فدعا حَسَّان وصفوان بن المعطَّل،
فقال ابنُ المعطَّل: يا رسولَ اللّه، آذانى وهجانى ، فاحتملنى الغضب
فضربته. فقال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم لحسان: يا حسان أتشوّهت(٢)
على قومى أن هداهم الله للإسلام! ثم قال: أحسن يا حَسَّان فى الذى قد ١٥٢٨/١
أصابك ، قال : هى لك يا رسول الله(٣).
وحدّثنا ابنُ حميد، قال : حدثناسلمة ، عن محمّد بن إسحاق، عن محمد
ابن إبراهيم بن الحارث ، أنّ رسولَ اللّه صلَّى الله عليه وسلَّم أعطاه عِوَضًا
منها بَيْرَحًا - وهى قصر بنى حُدَيلة اليوم بالمدينة؛ كانت مالاً لأبى طلحة بن
سهل ، تصدّق بها إلى رسول الله صلَّى اللّه عليه وسلَّم، فأعطاها حسَّان فى
ضربته - وأعطاه سيرين؛ أمَةٌ قِبْطيةً، فولدت له عبد الرَّحمن بن حسان.
قال : وكانت عائشة تقول : لقد سئِل عن صفوان بن المعطّلِ فوجدوه رجلا
حَصُورًا ما يأتى النساء. ثم قتل بعد ذلك شهيدًا(٣).
حدثنا ابنُ حميد، قال: حدّثنا سلمة، عن ابن إسحاق ، عن عبد الواحد
ابن حمزة ، أنّ حديث عائشة كان فى عُمْرة القضاء .
قال أبو جعفر: ثم أقامَ رسولُ اللّه صلَّى الله عليه وسلَّم بالمدينة شهر
رمضان وشَوّالا ، وخرج فى ذى القعدة من سنة ست معتمرًا .
(١): س ((ألا أعجل)).
(٢) أتشوهت على قومى، أى أقبحت ذلك من فعلهم حين سميتهم الجلابيب من أجل هجرتهم إلى
الله ورسوله !
(٣) سيرة ابن هشام ٢ : ٢٢٣، ٢٢٤.

٦٢٠
سنة ٦
تتے
ذكر الخبر عن عُمرة النبيّ صلى الله عليه وسلم
التى صدَّه المشركون فيها عن البيت ، وهى قصّة الحُديبية
حدّثنا ابنُ حميد ، قال : حدّثنا الحكم بن بشير ، قال : حدّثنا عمر
ابن ذرّ الهمْدانىّ، عن مجاهد، أن النبىّ صلَّى اللّه عليه وسلم اعتمر ثلاث
عُمَرٍ ، كلّها فى ذى القعدة ؛ يرجع فى كلّها إلى المدينة .
١ / ١٥٢٩
حدّثنا ابنُ حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق (١)، قال: خرج
النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم معتمرًا فى ذى القَعدة لا يريد حرباً ، وقد
استنفَرَ (٢) العرب ومَنْ حوله من أهل البوادى من الأعراب أن يخرجوا معه، وهو
يخشى من قُريش الذى صنعوا به أن يعرضوا له بحرْب ، أو يصدّوه عن
البيت، فأبطأ عليه كثيرٌ من الأعْرَاب، وخرج رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم
ومَنْ معه من المهاجرين والأنصار، ومَنْ لحِقٍ به من العرب ، وساق معه
الهدْىَ، وأحرم بالعمرة ، ليأمن النَّاسُ من حربه ، وليعلم النَّاس أنَّه إنَّما
جاء زائرًا لهذا البيت ، مُعظِّمًا له .
حدّثنا ابن حميد ، قال : حدّثنا سلمة ، قال : حدثنى محمد بن
إسحاق ، عن محمد بن مسلم الزهرىّ ، عن عروة بن الزَّبير ، عن
المِسْور بن مخرمة ومروان بن الحكم؛ أنَّهما حدثاه قالا: خرج رسولُ
اللّه صلَّى الله عليه وسلَّم عامَ الحديبية، يريد زيارة البيت، لا يريد قتالاً،
وساق معه سبعين بدنة ، وكان النَّاس سبعمائة رجل؛ كانت كلّ بَدَنة
عن عشرة نفر.
وأمَّا حديث ابن عبد الأعلى ؛ فحدّثنا عن محمد بن ثَوْر، عن مَعْمَرَ،
عن الزهرىّ ، عن عروة بن الزُّبير، عن المِسْوَرَ بن مَخْرَمَة .
(١) أخبار قصة الحديبية عن ابن إسحاق فى سيرة ابن هشام ٢ : ٢٢٦ - ٢٣٣.
(٢) س: ((استنصر)).