Indexed OCR Text

Pages 561-580

٥٦١
سنة ٤
ألم يُجرح محمد فى نفسه! ألم يقتل أصحابه! قال: فثبَّط الناسين ؛ حتى
بلغ رسولَ اللّه صلَّى اللّه عليه وسلم، فتكلّم، فقال: والَّذى نفسى بيده، ١٤٦٠/١
لو لم يخرج معی أحد خرجت وحدى .
ثم أنهجَ اللّه عزّ وجلّ للمسلمين بصائرهم؛ فخرجوا بتجارات ، فأصابوا
الدّهم درهمين؛ ولم يلقوْا عدُوّا؛ وهى بَدْر الموعد ؛ وكانت موضع سوق لهم
فى الجاهلية ، يجتمعون إليها فى كلّ عام ثمانية أيام .
قال أبو جعفر: واستخلف رسول اللّه صلَّى اللّه عليه وسلَّم على المدينة
عبد الله بن رَوَاحة.
قال الواقدىّ: وفى هذه السنة تزوّج رسولُ اللّه صلَّى اللّه عليه وسلَّم أمّ
سلّمة بنت أبى أميَّة فى شوّال ؛ ودخل بها .
قال: وفيها أمَرَ رسولُ اللّه صلَّى الله عليه وسلَّمَ زيد بن ثابت أن يتعلَّم
کتاب یهود ؛ وقال : إنّ لا آمن أن يبدّلوا كتابى .
وولِىَّ الحجَّ فى هذه السنة المشركون .
(٣٦)

ثم كانت السنة الخامسة من الهجرة
ففى هذه السنة تزوّج رسولُ اللّه صلَّى الله عليه وسلَّم زينبَ بنت جحش .
حُدَّثَت عن محمَّد بن عمر، قال: حدثنى عبد الله بن عامر الأسلمى
عن محمَّد بن يحيى بن حَبَّان، قال: جاء رسولُ اللّه صلَّى اللّه عليه وسلم
بيتَ زيد بن حارثة ، وكان زيد إنَّما يقال له زيد بن محمد ، ربّما فقده
رسولُ الله صلّى الله عليه وسلَّم الساعة ، فيقول : أين زيد ؟ فجاء منزله
يطلبه فلم يجده ، وقامت إليه زينب بنت جحش زوجته فُضُلا(١)؛ فأعرض
١٤٦١/١ عنها رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فقالت: ليس هو هاهنا يا رسولَ الله،
فادخل بأبي أنت وأميّ! فأبى رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم أن يدخل؛ وإنّما
عجِلت زينب أن تلبس إذْ قيل لها: رسولُ اللّه (٢) صلَّى اللّه عليه وسلَّم
على الباب، فوثبت عجلة، فأعجبت رسول اللّه صلَّى الله عليه وسلَّم؛ فولّى
وهو يهمهم بشىء لا يكادُ يفهم ؛ إلاّ أنه أعلن: سبحان الله العظيم!
سبحان الله مُصَرّف القلوب! قال: فجاء زيدٌ إلى منزله ، فأخبرته امرأته أنّ
رسولَ اللّه صلَّى الله عليه وسلَّم أتى منزله، فقال زيد: ألا قلتٍ له: ادخل !
فقالت : قد عرضتُ عليه ذلك فأبى، قال: فسمعتِهِ (٣) يقول شيئًا؟ قالت:
سمعتُهُ (٤) يقول حين ولَّى: سبحان الله العظيم ، سبحان الله مصرف القلوب !
فخرج زيْدٌ حتى أتى (٥) رسولَ اللّه صلَّى الله عليه وسلَّم، فقال: يا رسول الله؛
بلغنى أنك جئت منزلى (٦)؛ فهلاً دخلت بأبى أنت وأمىّ يا رسول اللّه،
لعل زينب أعجبتْك فأفارقها! فقال رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم: أمسِكْ
(١) يقال: امرأة فضل، أى تلبس ثوباً واحداً.
(٣) كذا فى م، وفى ط: ((فسمعتيه)).
(٢) س: ((هذا رسول الله)).
(٤) و: ((قد سمعته)).
(٥) س: ((رأى)).
(٦) س: ((إلى منزلى)).
٥٦٢

سنة ٥
٠
٥٦٣
عليك زوجك، فما استطاع زيد إليها سبيلا بعد ذلك اليوم؛ فكان يأتى رسولَ
اللّه صلَّى الله عليه وسلَّم فيخبره، فيقول له رسولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلَّم:
أمسِكْ عليك زوجَك؛ ففارقها زيد واعتزلها وحلّت .
فبينا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يتحدّث مع عائشة؛ إذ أخذت
رسول الله صلى الله عليه وسلم غَشْيَة، فسُرّىَ عنه وهو يتبسَّمُ ويقول(١):
مَنْ يذهب إلى زينب يبشِّرها، يقول: إنّ اللّه زوّجَنِيها؟ وتلا رسول اللّه ١٤٦٢/١
صلى اللّه عليه وسلم: ﴿وإذْ تَقُولُ لِلَّذِىِ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ
أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَك ... ﴾(٢) القصّة كلّها.
قالت عائشة: فأخذنى ما قَرُبَ وما بَعُدَ لما يبلغنا من جمالها ؛ وأخرى
هى أعظمُ الأمور وأشرفها ، ما صنع الله لها؛ زَوّجَها، فقلت: تَفْخَرُ
علينا بهذا.
قالت عائشة: فخرجت سَلْمَى خادم رسول اللّه صلَّى الله عليه وسلَّم
تخبرها بذلك ، فأعطْتها أوضاحًا عليها (٣).
حدّثنی يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابنُ وهب ، قال : قال
ابنُ زيد: كان النبيّ صلى الله عليه وسلَّمَ قد زوّج زيد بن حارثة زينبَ بنت
جحش ابنة عمَّته ، فخرج رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم يومًا يريده ،
وعلى الباب سِتْرٌ من شعر ؛ فرفعت الريح الستر فانكشف وهى فى حُجْرتها
حاسرة ، فوقع إعجابُها فى قلب النبيّ صلَّى اللّه عليه وسلَّم، فلَّما وقع ذلك
كُرّهَتْ إلى الآخر ، قال : فجاء فقال: يا رسولَ اللّه، إنى أريد أن أفارق
صاحبتى ، فقال : مالك! أرابَكَ منها شىء! فقال: لا والله يا رسولَ اللّه،
ما رابنى منها شىء، ولا رأيت إلا خيرًا. فقال له رسولُ الله صلَّى اللّه عليه
وسلَّمَ: أمسك عليك زوْجَك واتقِ اللّه؛ فذلك قول الله عزّ وجلّ: ﴿وَ إِذْ تَقُولُ
(١) م؛ ((وهو يقول)).
(٢) سورة الأحزاب ٣٧ .
(٣) الأوضاح : جمع وضح ؛ وهو حلى من فضة .

٥٦٤
سنة ٥
لِلَّذِى أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَأَتَّقِ اللهَ وَتُخْفِى
فِى نَفْسِكُ مَا اللهُ مُبدِيهٍ﴾، تخفى فى نفسك إنْ فارقتها تزوجتها (١).
[ غزوة دومة الجندل ]
قال الواقدىّ: وفيها غزّا دَوْمة الجنْدل فى شهر ربيع الأول ، وكان
١٤٦٣/١ سبيُها أنّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم بلغه أن جمعًا تجمّعوا بها ودنوا
من أطرافه. فغزاهم رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم؛ حتى بلغ دَومة الجندل،
ولم يلقَ كيدًا، وخلّف على المدينة سباع بن عُرْ فَطَة الغفارىّ.
قال أبو جعفر : وفيها وادَعَ رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّمْ عُيَيْنَةَ
ابن حِصْن أن يرعى بتَغْلَمَيْن وما والاها .
قال محمد بن عمر - فيما حدثنى إبراهيم بن جعفر ، عن أبيه - وذلك
أن بلاد عُيَيْنَةَ أجدبت، فوادع رسولُ الله صلى الله عليه وسلَّم أن يرعى
بتغلميْن إلى المَرَاض ؛ وكان ما هنالك قد أخصب بسحابة وقعت ، فوادعه
رسول الله صلَّى اللّه عليه وسلمّ أن يرعى فيما هنالك.
قال الواقدىّ: وفيها تُوفيتْ أم سعد بن عبادة وسعد غائبٌ مع رسولِ
اللّه صلَّى اللّه عليه وسلَّم إلى دومة الجندل.
#
ذكر الخبر عن غزوة الخندق
وفيها: كانت غزوةُ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم الخندق(٢) فى شوّال ؛
حدّثنا بذلك ابنُ حُميد ، قال : حدّثنا سَكَمة ، عن ابن إسحاق :
(١) الخبر فى التفسير ٢٢: ١٠ - ١١ (بولاق).
(٢) أخبار غزوة الخندق فيما نقل عن ابن إسحاق فى سيرة ابن هشام ٢: ١٨٧ - ١٩٣.

٥٦٥
سنة ٥
وكان الذى جَرّ غزوة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم الخندق - فيما قيل -
ما كان من إجلاء رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم بنى النَّضِير عن ديارهم .
فحدّثنا ابنُ حُميد ، قال : حدّثنا سَكمة ، قال : حدثنى محمد بن
إسحاق، عن يزيد بن رُومان ، مولى آل الزُّبير، عن عُرْءةٍ بن الزبير ومَنْ
لا أنَّهم ، عن عبيد الله بن كعب بن مالك، وعن الزُّهرىّ، وعن عاصم بن
عمر بن قتادة ، وعن عبد الله بن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وعن ١٤٦٤/١
محمد بن كَعْب القُرَظىّ وعن غيرهم من علمائنا؛ كلٌّ قد اجتمع حديثه فى
الحديث عن الخندق ، وبعضهم يحدّث ما لا يحدّث بعض؛ أنه كان من
حديث الخندق أنّ نفرًا من اليهود منهم سلام بن أبى الحُقَيَقِ النَّضَرِىّ(١)
وحُيِىّ بن أخْطَب النَّضَرَىّ، وكنانة بن الربيع بن أبِى الحُقيق
النَّضَرِىّ، وهَوْذَة بن قيس الوائلىّ، وأبو عمَّار الوائلىّ؛ فى نفر من بنى
النَّضِير وَنَقْر من بنى وائل؛ هم الذين حزَّبوا الأحزاب على رسولِ اللّه
صلَّى الله عليه وسلّم، خرجوا حتى قدموا على قريش بمكَّة؛ فدَعَوْهم إلى
حرْب رسولِ اللّه صلَّى الله عليه وسلَّمَ، وقالوا: إنَّا سنكونُ معكم عليه حتى
نستأصله، فقالت لهم قريشُ: يا معشر يهود؛ إنَّكم أهلُ الكتاب الأول ،
والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمَّد ، أفدِينُنا خيرٌ أم دينه ؟ قالوا :
بل دينكم خيْرٌ من دينه، وأنتم أولى بالحقِّ منه. قال: فهم الذين أنزل الله
عزّ وجلّ فيهم: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ
بِالْحِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هُؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا
سَبِيلاً﴾ - إلى قوله - ﴿وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً﴾(٢).
فلمّا قالوا ذلك لقريش ، سرّهم ما قالوا ونشطوا لما دعوْهم إليه من حرب
رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم، فأجمعوا لذلك واتَّعدوا له .
(١) قال السهيلى: ((ونسب طائفة من بنى النضير؛ فقيل فيهم: النضرى؛ وهكذا تقيد
فى النسخة العتيقة، وقياسه النضيرىّ؛ إلا أن يكون من باب قولهم: ((ثقفى وقرشى؛ وهو خارج عن
القياس )» .
(٢) سورة النساء ٥١ - ٥٥ .

٥٦٦
سنة ٥
ثم خرج أولئك النَّفر من يهود حتى جاءوا غَطَفان من قيْس عَيْلان
١٤٦٥/١ فدعوهم إلى حَرْب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وأخبر وهم أنهم سيكونون
معهم عليه ؛ وأنّ قريشا تابعوهم على ذلك وأجمعوا فيه ، فأجابوهم .
فخرجت قريش وقائدُها أبو سفيان بن حرب ، وخرجت غَطَفان
وقائدها عُيَيْنة بن حِصْن بن حذيفة بن بدر فى بنى فَزارة ، والحارث بن
عوْف بن أبى حارثة المرّى فى بنى مرّة، ومسعود(١) بن رُخَيْلَة بن نُوَيْرَة
ابن طَريف بن سُحْمةَ بن عبد اللّه بن هلال بن خلاوة بن أشْجَعَ بن
رَيْث بن غَطَفان ؛ فيمن تابعه من قومه من أشجع .
فلمّا سمع بهم رسول الله صلَّى اللّه عليه وسلَّم وبما أجمعوا له من الأمر ،
ضرب الخندق على المدينة . فحدَّثت عن محمد بن عمر ، قال : كان الذى
أشار عَلَى رسول الله صلَّى اللّه عليه وسلم بالخندق سَلْمان، وكان أوّل مشهد
شهِده سلْمان مع رسولِ اللّه صلَّى الله عليه وسلَّم ؛ وهو يومئذ حرّ ، وقال :
يا رسولَ الله؛ إنا كنَّا بفارس إذا(٢) حوصرنا خَنْدَ قْنا علينا .
٥
#
رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق": فعَمِل رسولُ الله صلَّى اللّه عليه
وسلَّ ترغيبًا للمسلمين فى الأجر، وعمل فيه المسلمون: فدأب فيه ودأبوا، وأبطأ عن
١٤٦٦/١ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ وعن المسلمين فى عملهم رجالٌ من المنافقين،
وجعلوا يُوَرُّون بالضَّعْف (٣) من العمل، ويتسلّلون إلى أهاليهم
بغير علْ من رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم ولا إذن. وجعل الرّجُل من
المسلمين إذا نابتْه نائبة من الحاجة التى لا بدّ منها يذكر ذلك لرسول الله
صلَّى الله عليه وسلَّمَ ويستأذنه فى اللحوق بحاجته (٤) ؛ فيأذن له؛
(١) كذا فى ط؛ وهو يوافق ما فى الإصابة ٣: ٣٩٠؛ وفى السيرة: ((مسعر)).
(٢) م: ((إن)).
(٣) ابن هشام: ((بالضعيف)). ويورون: يستترون.
(٤) س: ((بأهله لحاجته)).

٥٦٧
سنة ٥
فإذا قضى حاجته رجع إلى ما كان فيه من عمله رغبةً فى الخير ، واحتسابًاً
له؛ فأنزل الله عزّ وجلّ: ﴿إِنََّا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَإذَا
كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرِجَامِعٍلَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ إلى قوله: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ
اللهَ إنَّ الله غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾(١). فنزلت هذه الآية فى كلّ من كان من أهل
الحِسْبة من المؤمنين والرغبة فى الخير؛ والطاعة لله ولرسوله صلَّى اللّه عليه
وسلم . ثم قال يعنى المنافقين الذين كانون يتسلّلون من العمل ، ويذهبون بغير
إذْن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: ﴿لَا تَجْعَلُواْ دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ
كَدُعَاءَ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ إلى قوله: ﴿قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾(٢)، أى قد علم
ما أنتم عليه من صدق أو كذب ، وعمل المسلمون فيه حتى أحكموه ؛ وارتجزوا
فيه برَجُل من المسلمين يقال له جُعَيْل، فسمّاه رسول اللّه صلى اللّه عليه
وسلم ((عَمْرًاً)) ، فقالوا :
سَّاهُ مِنْ بعدِ جُعَيْلٍ عَمْرًا وَكَانَ لْبَائِسِ يَوْماً ظَهْرَا(٣)
فإذا مرّوا بعمرو، قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ((عمرا))، ١٤٦٧/١
وإذا قالوا: ((ظهرًا))، قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم:((ظهَرَا))(٤).
فحدّثنا محمد بن بشار ، قال : حدثنا محمد بن خالد بن عَشْمة ،
قال : حدّثنا كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزنىّ، قال : حدثنى أبى ،
عن أبيه ، قال: خطّ رسولُ اللّه صلَّى الله عليه وسلَّمَ الخَنْدق عامَ الأحزاب
(١) سورة النو ٢ ٦.
(٢) سورة النور ٦٣، ٦٤ .
(٣) الظهر: القوة والمعونة؛ والضمير فى ((سماه)) النبى صلى الله عليه وسلم. وقال: أبو ذر الخشنى:
((وقد يجوز فيه وجه ثان ؛ وهو أن يكون الظهر هنا : الإبل ؛ فيكون البيت على وجه آخر تقديره :
وكان المال للبائس يوماً ظهراً؛ فأضمر اسم ((كان))؛ وإن لم يتقدم ما يفسره ؛ لأن مساق الكلام
يدل عليه؛ كما قالوا : إذا كان غداً فأتنى؛ أى إذا كان اليوم غدا)).
(٤) ابن هشام: ((وإذا مروا بظهر)).

٥٦٨
سنة ٥
من أجُم الشَّيْخَيْنِ (١) طرف بنى حارثة؛ حتى بلغ المذاد (٢) ثم قطَّعه
أربعين ذراعًا بين كلّ عشرة، فاحْتقّ(٣) المهاجرون والأنصار فى سلمان
الفارسىّ - وكان رجلاً قويًّا - فقالت الأنصار: سلْمان منَّا، وقالت
المهاجرون : سلْمان منَّا، فقال رسولُ اللّه صلَّى الله عليه وسلَّمَ: سلْمان
منَّا أهلَ البيت . قال عمرو بن عوف: فكنتُ أنا وسلْمان، وحُذَيَفة بن
اليمان ، والنعمان بن مقرّن المزنىّ، وستة من الأنصار فى أربعين ذراعًا ،
فحفرنا تحت ذوباب حتى بلغنا النَّدى (٤)، فأخرج الله عزّ وجلّ من بطن
الخندق صخرةً بيضاء (٥) مَرْوَةً فكسرت حديدنا، وشقّت علينا . فقلنا :
١٤٩٨/١ يا سلْمان، ارقَ إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ فأخبره خبرَ هذه الصخرة،
فإمَّا أن نِعدل عنها فإنّ المعدل قريب، وإمَّا أن يأمرنا فيها (٦) بأمره؛
فإنا لا نحبّ أن نجاوزَ خطَّه .
فَرَّ فِى سلمان حتى أتى رسولَ اللّه صلَّى الله عليه وسلَّم وهو ضاربٌ عليه
قُبَّةَ تُرْكِيَّة؛ فقال: يا رسولَ اللّه، بأبينا أنت وأمِّنا! خرجتْ صخرة
بيضاء من الخندق (٧) مَرْوة، فكسرتْ حديدنا، وشقّت علينا حتى ما نُحِيك(٨)
فيها قليلا ولا كثيرًا ؛ فمُرْنا فيها بأمرك؛ فإنا لا نحبّ أن نجاوزَ خطَّك .
(١) الأجم : واحد آجام المدينة، وهو بمعنى الأطم، وآجام المدينة آطامها وحصونها .
والشيخان : موضع بالمدينة ؛ كان فيه معسكر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ليلة خرج لقتال
المشركين بأحد . انظر ياقوت (أجم - شيخ) .
(٢) المذاد، قال ياقوت: ((موضع بالمدينة حيث حفر الخندق النبى صلى الله عليه
(٣) فى اللسان: ((احتق القوم: قال كل واحد منهم: الحق فى يدى؛ وفى حديث ابن
عباس فى قراء القرآن : متى ما تغلوا فى القرآن تحتقوا ، يعنى المراد فى القرآن ؛ ومعنى تحتقوا تختصموا
فيقول كل واحد منهم: الحق فى يدى)). وفى س، و، والتفسير: ((فاختلف)).
(٤) م: ((الترى))، س: ((الشرى))، التفسير: ((الصربى)).
(٥) المرو: حجارة بيض براقة تكون فيها النار، وتقدح منها ، واحدتها مروة .
(٦) كذا فى التفسير، وفى ط: ((فيه)).
(٧) التفسير: ((من بطن المروة)).
(٨) التفسير: ((حتى ما يجىء منها قليل ولا كثير)).

٦
سنة ٥
٥٦٩
فهبط رسولُ اللّه صلَّى الله عليه وسلَّمَ مع سلْمان فى الخندق ، ورقِينا نحن
التَّسعةَ على شقّةً(١) الخندق، فأخذ رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ المِعْول
من سلْمان، فضرب الصّخرة ضَرْبةً صدَعها ، وبرقت منها بَرْقة أضاء
ما بين لابتيْها(٢) - يعنى لابِى المدينة - حتَّى لكأنّ مصباحًا فى جوف
بيت مظلم. فكبَّرَ رسولُ اللّه صلَّى اللّه عليه وسلَّم تكبير فتح، وکبَّر
المسلمون. ثم ضربها رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم الثانية، فصدَعها وبرق
منها برقة أضاء منها ما بين لابتيْها ، حتَّى لكأنّ مصباحًا فى جوف بيت
مظلم؛ فكبَّرَ رسولُ الله صلَّى اللّه عليه وسلَّمَ تكبيرَ فتح وكبّر المسلمون .
ثم ضربها رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم الثالثة فكسرها، وبرقَ منها برقة
أضاء ما بين لابتيْها ؛ حتى لكأنّ مصباحًا فى جوف بيت مظلم، فكبَّر
رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم تكبيرَ فتح وكبَّر المسلمون ، ثم أخذ بيد
سلمان فرقِىَ ، فقال سلمان: بأبى أنت وأمىّ يا رسول الله! لقد رأيت شيئًا ١٤٦٩/١
ما رأيته قط! فالتفت رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلّم إلى القوم، فقال: هل
رأيتُم ما يقول سلمان ؟ قالوا : نعم يا رسول اللّه ، بأبينا أنت وأمِّنا قد رأيناك
تضرب فيخرج برق كالموج، فرأيناك تكبِّر فنكبّر، ولا نرى شيئًا غير ذلك .
قال : صدقتم ، ضربت ضربتى الأولى ، فبرق الذى رأيتم ، أضاءت لى منها
قصور الحيرة ومدائن كسرى ، كأنَّها أنياب الكلاب ، فأخبرنى جبريلُ
أنّ أمتى ظاهرة عليها، ثم ضربتُ ضربتى الثانية ، فبرق الَّذى رأيتُم ؛
أضاءت لى منها قصور الحُمْر من أرض الرُّوم ، كأنَّها أنياب الكلاب ،
فأخبرنى جبريل أنّ أمتى ظاهرة عليها ، ثم ضربتُ ضربتى الثالثة ، فبرق منها
الَّذِى رأيتُم ؛ أضاءت لى منها قصور صنعاء كأنَّها أنياب الكلاب ،
فأخبرنى جبريل أنّ أمتى ظاهرة عليها ، فأبشروا يبلغهم النَّصر ، وأبشروا
يبلغهم النصر ، وأبشروا يبلغهم النصر! فاستبشر المسلمون ، وقالوا : الحمدُ
اللّه موعد صادق بار، وعدنا النصر بعد الحصر. فطلعت الأحزاب ، فقال المؤمنون:
﴿هَذَا مَا وَعَدَنا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَمَازَادَهُمْ إِلَّ إِيمَانًاوَتَسْلِيماً﴾(٣)
(١) س والتفسير: ((شفة الخندق)).
(٢) اللابة: الحرة، والمدينة تقع بين لا بتين.
(٣) سورة الاحزاب ٢٢ .

٥٧٠
سنة ٥
وقال المنافقون: ألا تعجبون! يحدثكم ويُمنّيكم ويَعِدُكم الباطل ! يخبر كم
أنه يبصِر من يثرب قصورَ الحيرة ومدائن كسرى ؛ وأنها تُفْتح لكم ؛
١٤٧٠/١ وأنتم تحفرون الخندق ولا تستطيعون أن تبرزوا! وأنزل القرآن:
﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ مَرَضُ مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا
غُرُوراً﴾(١).
حدّثنا ابنُ حميد، قال: حدّثنا سلمة، قال : حدّثنا محمد بن إسحاق
عمّن لايتَّهم ، عن أبى هريرة ، أنه كان يقول حين فتحت هذه الأمصار
فى زمن عمر وعثمان وما بعده : افتتحوا ما بدالكم! فوالَّذى نفس أبى هريرة
بيده ؛ ما افتتحتم من مدينة ولا تفتتحونها إلى يوم القيامة إلاّ وقد أعطِىّ
محمّد مفاتیحها قبل ذلك .
حدّثنا ابنُ حُميد ، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال : كان
أهلُ الخندق ثلاثة آلاف. قال: ولمَّا فرغ رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ
من الخندق ، أقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع الأسيال من رومة بين
الجُرُف والغابة (٢)، فى عشرة آلاف من أحابيشِهِم، ومَنْ تابعهم من كنانة
وأهل تهامة ، وأقبلت غَطفان ومَنْ تابعهم من أهل نجْدٍ ؛ حتى نزلوا
بذ نب نقمی إلى جانب أحد .
وخرج رسولُ الله صلَّى اللّه تعالى وسلَّم عليه والمسلمون ؛ حتى جعلوا ظهورهم
إلى سَلْع، فى ثلاثة آلاف من المسلمين، فضرب هنالك عسكره (٣) ،
١٤٧١/١ وأمر بالذرارىّ والنساء. فرفعوا(٤) فى الآطام(٥). وخرج عَدُوُّ اللّه حُيىُّبن أخطب؛
(١) سورة الأحزاب ١٢، والخبر فى التفسير ٢١: ٨٥، ٨٦ (بولاق).
(٢) كذا فى ط، وفى ابن هشام: ((زغابة)). قال السهيلى: ((زغابة: اسم موضع، بالغين
المنقوطة والزاى المفتوحة)) .
(٣) م: ((عسكرهم)).
(٤) م: ((فدفعوا))، وابن هشام: ((فجعلوا)).
(٥) الآطام : الحصون ، الواحد ألم .

سنة ٥
٥٧١
حتى أتى كعب بن أسدَ القُرظىّ صاحب عَقْد بنى قُرّيّظة وعهدهم ؛
وكان قد وادَع رسولَ اللّه صلَّى الله عليه وسلَّم على قومِهِ، وعاهده على ذلك
وعاقده ؛ فلمَّا سمع كعب بحُبىّ بن أخطب، أغْلَقَ دونه حِصْنه فاستأذن
عليه فأبى أن يفتح له ، فناداه حُيَىٌّ : يا كعب ، افتح لى ، قال : ويحك
يا حيَىّ! إنك امرؤٌ مشئوم ، إنى قد عاهدت محمدًا فلست بناقض ما بينى
وبينه، ولم أر منه إلاّ وفاءً وصدقا. قال: ويحك! افتح لى أكلمك،
قال: ما أنا بفاعل؛ قال: والله إن أغلقتَ دونى إلاّ على جشيشتك(١) أن آكل
معك منها ؛ فأحفظ (٢) الرجل ، ففتح له ، فقال: ويْحك يا كعب!
جئتك بعزّ الدّهر وبَحْرِ طامٍ ، جئتك بقريش على قادتها وسادتها ؛ حتى
أنزلتُهم بمجتمع الأسيال من رومة، وبغطفان على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم
بذَنَب نَقَمَى إلى جانب أحد ؛ قد عاهدونى وعاقدونى ألاّ يبرحوا حتى
يستأصلوا محمدًا ومَنْ معه. فقال له كعب بن أسد: جئتنى واللّه بذلّ الدهر!
بَجَهَام قد هراق ماءَه يرعِد ويُبرق ، ليس فيه شى! ويْحك فدعنى ومحمدًا
وما أنا عليه؛ فلم أرَ من محمدٍ إلا صدقًا ووفاءً ! فلم يزلْ حُيَىّ بكعب
يَفْتِله فى الذّرْوة والغارب ؛ حتى سمح له ، على أن أعطاه عهدًا من ١٤٧٢/١
الله وميثاقا : لئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمدًا أن أدخل معك فى
حِصْنك حتى يصيبنى ما أصابك . فنقض كعب بن أسد عهده ، وبرئ
ممَّا كان عليه فيما بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فلما انتهى إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم الخبر وإلى المسلمين،
بعث رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلّ سعد بن معاذ بن النعمان بن امرئ القيس
أحد بنى عبد الأشهل - وهو يومئذ سيِّد الأوْس - وسعد بن عبادة بن
دُليم ، أحد بنى ساعدة بن كعب بن الخزرج - وهو يومئذ سيِّد الخزرج -
ومعهما عبدُ الله بن رواحة أخو بلْحارث بن الخزرج، وخَوَّات بن جُبير ،
أخو بنى عمرو بن عوف؛ فقال: انْطلِقُوا حتى تنظروا: أحقّ ما بلغنا عن
(١) الجشيشة : طعام يصنع من الحشيش . وهو البر يطحن غليظاً .
(٢) أحفظه : أغضبه .

٥٧٢
سنة ٥
هؤلاء القوم أم لا ؟ فإن كان حقًّاً فالحنوا لى لحْنًا نعرفه، ولا تَقُّوا فى
أعضاد الناس ، وإن كانوا على الوفاء فيما بيننا وبينهم فاجهروا به الناس .
فخرجوا حتى أتوْهم فوجدوهم على أخبث ما بلغهم عنهم ، ونالوا من
رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: لا عقْد بيننا وبين محمّد ولا عهد.
فشاتَمهم سعد بن عبادة وشاتَمُه، وكان رجلا فيه حَدّ(١) ، فقال له سعد
١٤٧٣/١ ابن معاذ: دَعْ عنك مشاتمتهم؛ فما بيننا وبينهم أرْبَى(٢) من المشاتمة.
ثم أقبل سعد وسعد ومَنْ معهما إلى رسول الله صلَّى اللّه عليه وسلم فسلّموا
عليه ، ثم قالوا: عَضَل والقَارة [أى] (٣) كغدر عتَضَل والقارة بأصحاب رسول
اللّه صلى الله عليه وسلَّم أصحاب الرَّجيع؛ خُبَيْب بن عَدِىّ وأصحابه . فقال
رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم: الله أكبر! أبشروا يا معشر المسلمين، وعَظُمَ
عند ذلك البلاء، واشتدّ الخوف، وأتاهم عدوّهم من فوقهم ومن أسفل منهم حتَّى
ظنّ المؤمنونَ كلّ ظنّ، ونَجَم النِّفاق من بعض المنافقين، حتى قال مُعَتِّبُ
ابن قُشَيْر، أخو بنى عمرو بن عوف: كان محمدٌ يعِدُنا أن نأكلَ كنوزَ
كسرى وقيصر؛ وأحدنا لا يقدرُ أن يذهب إلى الغائط ! وحتى قال أوس بن
قيظىّ ، أحد بنى حارثة بن الحارث: يا رسولَ اللّه، إن بيوتنا لعوْرَة من العدوّ-
وذلك عن ملأ من رجال قومه - فأذَنْ لنا فلنرجع إلى دارنا ؛ فإنَّها خارجة
من المدينة .
فأقام رسولُ اللّه صلَّى اللّه عليه وسلّم، وأقام المشركون عليه بضعًا
وعشرين ليلة ، قريبًا من شهر؛ ولم يكن بين القوم حَرْب إلاّ الرّمىّ (٤)
بالنّبْل والحصار .
فلما اشتدّ البلاء على النَّاس بعث رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم -
كما حدّثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، قال : حدثنى محمد بن إسحاق
عن عاصم بن عمر بن قتادة . وعن محمّد بن مسلم بن شهاب الزهرىّ - إلى
(١) ابن هشام: ((حدة))؛ وهما بمعنى الغضب.
(٢) أربى : أعظم .
(٣) من سيرة ابن هشام .
(٤) ابن هشام: ((الرميا)) بكسر الميم والراء المشددتين وتخفيف الباء ؛ وهى المراماة.

سنة ٥
٥٧٣
عُيَينة بن حصن ، وإلى الحارث بن عَوْف بن أبى حارثة المرّىّ - وهما قائدا ١٤٧٤/١
غَطَفان - فأعطاهما ثلْث ثمار المدينة؛ على أن يرجعَا بمَنْ معهما عن
رسول الله صلَّى اللّه عليه وسلَّم وأصحابه ، فجرى بينه وبينهم الصلح ؛ حتى
كتبوا الكتاب ، ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح إلاّ المراوضة فى ذلك ،
فَفَعَلًا، فلما أراد رسول اللّه صلَّى الله عليه وسلّم أن يفعل، بعث إلى
سعد بن مُعاذ وسعد بن عبادة ؛ فذكر ذلك لهما ، واستشارهما فيه فقالا :
يا رسول اللّه؛ أمرٌ تحبُّه فنصنعه، أم شىءٌ أمرك الله عزّ وجلّ به؛ لا بُدَّ لنا
من عمل به ، أم شىءٌ تصنعه لنا؟ قال: لا، بل لكم؛ واللّه ما أصْنَعُ ذلك
إلاّ أنى رأيت العرب قد رَمَتْكم عن قوس واحدة، وكالَبُوكم (١) من كلّ
جانب ، فأردت أن أكسِرَ عنكم شوكتَهم لأمرٍ ما ساعة . فقالَ له سعْد بن
معاذ : يا رسولَ اللّه؛ قد كُنَّا نحنُ وهؤلاء القوم على شِرْك باللّه عزّ وجلّ"
وعبادة اللأوثان ، ولا نعبد اللّه ولا نعرفه؛ وهم لا يطمعون أن يأكلوا منا تمرة
إلاّ قِرَى(٢) أو بيعًا، أفحين أكرمَنَا اللّه بالإسلام، وهدانا له ، وأعزَّنا بك،
نُعْطيهم أموالنا ! ما لنا بهذا من حاجة ؛ واللّه لا نعطيهم إلاّ السيف حتى
يحكُمُ اللّه بيننا وبينهم. فقال رسولُ اللّه صلَّى الله عليه وسلّم: فأنت وذاك!
فتناول سعدٌ الصحيفة ؛ فمحا ما فيها من الكتاب ، ثم قال : لَيجهدوا
علينا .
فأقام رسولُ الله صلَّى اللّه عليه وسلّم والمسلمون وعدوّهم محاصروهم؛ ١٤٧٥/١
لم يكن بينهم قتال إلاّ أنّ فوارس من قريش منهم عمرو بن عبدُودّ بن
أبى قيس ، أخو بنى عامر بن لُؤْىّ، وعِكْرمة بن أبى جهل وهُبَيْرة بن
أبى وهب المخز وميَّان، ونوْفَل بن عبد اللّه، وضرار بن الخطّاب(٣) بن مرداس،
أُخو بنى محارب بن فِهْر ؛ قد تلبّسوا للقتال ، وخرجوا على خيلهم ، ومرّوا
على بنى كِنانة ، فقالوا : تهيئوا يا بنى كنانة للحرب؛ فستعلمون اليوم
(١) كالبوكم : اشتدوا عليكم.
(٢) القرى : ما يصنع للضيف من الطعام.
(٣) زاد ابن هشام بعدها: ((الشاعر)).

٥٧٤
سنة ٥
مَنْ الفرسان! ثم (١) أقبلوا نحو الجندق؛ حتّى وقفوا عليه١)، فلما رأوه
قالوا: واللّه إنّ هذه المكيدةٌ ما كانت العرب تكيدها؛ ثم تيمّموا مكانًا من
الخندق ضيِّقًا، فضربوا خيولَهم ، فاقتحمت منه ؛ فجالت بهم فى السََّخة
بين الخنْدق وَسَلْع، وخرج علىّ بن أبى طالب فى نفر من المسلمين ؛
حتى أخذ عليهم الثُّغْرَةَ التى أَقْحَمُوا منها خيلَهم ، وأقبلت الفرسان
تُعْنِقُ(٣) نحوهم. وقد كان عمرو بن عبدوُدٌ قاتل يوم بدر ؛ حتى أثبتتْه
الجراحة، قلم يشهد أحدًا، فلما كان يوم الخندق خرج مُعْلِمًا(٢) لِيُرَى
مكانُه؛ فلَّما وقف هو وخيله ، قال له علىّ: يا عمرو؛ إنك كنتَ تعاهد
الله ألاّ يَدْعُوَك رجلٌ من قريش إلى خلَّتَيْن إلا أخذت منه إحداهما!
قال : أجَلْ! قال له علىُّ بن أبى طالب: فإنى أدعوك إلى اللّه عزّ وجلّ
١٤٧٦/١ وإلى رسوله وإلى الإسلام، قال: لا حاجة لى بذلك؛ قال: فإنى أدعوك إلى
النّزال، قال: ولِمَ يا بن أخى؛ فوالله ما أحبّ أن أقتلك! قال: علىّ:
ولكنى والله أحبُّ أن أقتلك . قال : فحمِىَ عَمْرو عند ذلك ، فاقتحم عن
فَرَسَه فَعَقَرَه - أو ضَرَبَ وجْهَه - ثم أقبل على علىّ، فتنازلا وتجاولا ،
فقتله علىّ عليه السلام وخرجت خيلُه منهزمة ؛ حتى اقتحمت من الخَنْدق
هاربة ، وقتل مع عمرو رجلان: مُنَبّه بن عثمان بن عُبِيْد بن السَّبَّاق بن
عبد الدار ، أصابه سهم فمات منه بمكّة ؛ ومن بني مخزوم نوفل بن عبد الله بن
المغيرة ؛ وكان اقتحم الخندق فتورّط فيه ، فرموْه بالحجارة ، فقال :
يا معشرَ العرب، قَتْلَة أحسن من هذه ! فنزل إليه علىّ فقتله ، فغلب
المسلمون على جسده ، فسألوا رسولَ اللّه صلَّى الله عليه وسلم أن يبيعهم جسده،
فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم: لا حاجة لنا بجسده ولا ثمنه ؛ فشأنكم
به . فخلی بينهم وبينه .
حدّثنا ابن حُميد ، قال : حدثنا سلمة ، قال : حدثنى محمد بن إسحاق
(١ -١) سيرة ابن هشام: ((ثم أقبلوا تعنق بهم خيلهم؛ حتى وقفوا على الخندق)).
(٢) المعلم : الذى جعل له علامة يعرف بها .
(٣) تعنق : تسرع .

٥٧٥
سنة ٥
عن أبى ليلى عبد الله بن سهل بن عبد الرحمن بن سهل الأنصارى" ، ثم أحد بنى
حارثة ، أنّ عائشة أمّ المؤمنين كانت فى حِصْن بنى حارثة يوم الخندق ،
وكان من أحرز حصون المدينة ؛ وكانت أمّ سَعْد بن مُعاذ معها فى
الحصن .
قالت عائشة : وذلك قبل أن يضرَب علينا الحجاب . قالت: فمرَّ سعدٌ
وعليه درْعٌ مقلّصة (١) ، قد خرجت منها ذراعه كلُّها ؛ وفى يده حربته
يَرْقَدُ (٢) بها ويقول :
١٤٧٧/١
كَبّثْ قليلا يَشْهَدِ الهَيْجَا حَمَلْ لا بَأْسَ بِالمَوْتِ إِذَاحَانَ الأجَلْ(٣)
قالت له أمه: الحق يا بُنَىَّ، فقد والله أخَّرْتَ.
قالت عائشة: فقلتُ لها : يا أمّ سعد؛ والله لوَدَدْتُ أنّ دِرْعَ سعد
كانت أسبغَ (٤) مما هى! قالت: وخفت عليه حيث أصاب السهم منه .
قالت : فَرُسِىَ سعد بن معاذ بسهْم، فقطع منه الأكْحل(٥)،
رماه - فيما حدّثنا ابن حميد ، قال : حدّثنا سلمة ، قال : حدّثنا محمد
ابن إسحاق ، عن عاصم بن عمر بن قتادة - حِبَانُ بن قيس بن العرِقة أحدٌ
بنى عامر بن لؤىّ؛ فلمّا أصابه قال: خذْها وأنا ابن العَرِقة؛ فقال سعدٌ :
عَرَّقَ الله وجهك فى النَّار! اللَّهمّ إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئًاً
فأبقنى لها ، فإنَّه لا قومَ أحبّ إلىّ أن أجاهدهم من قوم آذوا رسولَك ،
وكذّبوه وأخرجوه. اللهمّ وإن كنت قد وضعتَ الحرب بيننا وبينهم فاجعله لى
شهادة ولا تُمِتْنى حتى تقرّ عينى من بنى قُرَيظة ..
حدّثنا سُفيان بن وكيع ، قال : حدّثنا محمد بن بشر ، قال : حدّثنا
محمد بن عمرو ، قال : حدثنى أبى ، عن علقمة ، عن عائشة ، قالت :
(١) مقلصة: قصيرة قد ارتفعت؛ يقال: تقلص الشىء؛ إذا ارتفع وانقبض، وفى و :
( مفاضة » .
(٢) يرقد : يسرع .
ابن عليم بن جناب الكلبى)).
(٣) قال السهيلى: ((هو بيت تمثل به، يعنى به حمل بن سعدانة بن حارثة بن معقل بن كعب
(٤) أسبغ : أكمل .
(٥) الأكحل : عرق فى الذراع.
....

٥٧٦
سنة .
خرجتُ يوم الخندق أقفو آثار الناس ؛ فوالله إنی لأمشی إذْ سمعت وثید(١)
الأرض خلْفى- تعنِى حِسَّ الأرض - فالتفتُّ فإذا أنا بسعد؛ فجلست إلى
الأرض ، ومعه ابن أخيه الحارث بن أوْس - شهد بدراً مع رسول الله صلى الله
عليه وسلم ، حدثنا بذلك محمد بن عمرو- يحمل مِجَنَّه، وعلَى سعد
دِرْع من حديد قد خرجت أطرافه منها .
قالت : وكان من أعظم الناس وأطولهم .
قالت : فأنا أتخوّفُ على أطراف سعد ، فمرّ بى يرتجز ، ويقول :
لَبَثْ قليلا يُدْرِكِ الْهَيْجَا حَمَلْ مَا أَحْسَنَ المَوْتَ إذا حان الأجَلْ !
قالت : فلمّا جاوزنى قمتُ فاقتحمت حديقة فيها نَفَرَ من المسلمين ،
فيهم عمر بن الخطاب وفيهم رجل عليه تَسْبِغَة له - قال محمد: والتَّسبغة
المِغْفَرَ - لا تُرى إلا عيناه، فقال عمر: إنكِ لَجَرِيئة؛ ما جاء بكِ؟
ما يدرِيكِ لعلَّه يكون تحوُّز أو بلاء ! فوالله ما زال يلومنى حتى وددت أن
الأرض تنشقّ لى فأدخل فيها ، فكشف الرجل التَّسبغة عن وجهه ، فإذا هو
طلحة ؛ فقال: إنك قد أكثرت ، أين الفرار، وأين التحوّز إلاّ إلى الله
عزّ وجلّ !
١٤٧٩/١
قالت : فَرُمِىَ سعد يومئذ بسهم، رماه رجلٌ يقال له ابن العَرِقّة؛
فقال: خذها وأنا ابنُ العَرِقَة؛ فقال : سعْد: عرّق الله وجهك فى النار!
فأصاب الأكحل منه فقطعه . قال محمد بن عمرو : زعموا أنَّه لم ينقطع
من أحدٍ قطّ إلاّ لم يزل يبضّ دماً حتى يموت. فقال سعد: اللَّهمّ لاتمِنْنى
حتى تقرّ عينى فى بنى قُريظة! وكانوا حلفاءه ومواليه فى الجاهلية .
حدّثنا ابنُ حميد ، قال : حدّثنا سلمة ، قال : حدثنى محمد بن
إسحاق ، عمن لايتّهم ، عن عُبيد الله بن كعب بن مالك ، أنَّه كان
(١) قال فى اللسان: ((وفى حديث عائشة: خرجت أقفوآثار الناس يوم الخندق ؛ فسمعت
وئيد الأرض خلفى. الوثيد: شدة الوطء على الأرض يسمع كالدوى من بعد)).

سنة ٥
٥٧٧
يقول : ما أصاب سعدًا يومئذ بالسّهم إلا أبو أسامة الجُشَمىّ حليف بنى
مخزوم ؛ فالله أعلم أىّ ذلك كان !
حدثنا ابنُ حُمید ، قال : حدثنا سلمة، قال: حدثنى محمد بنإسحاق،
عن يحيى بن عبَّاد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه عَبَّاد، قال: كانت
صفِيَّةٌ بنت عبد المطّلب فى فارع (حِصْنِ حسَّانَ بن ثابت) . قالت :
وكان حسَّانِ مَعَنا فيه مع النِّساء والصبيان. قالت صفيّة: فمرّ بنا رجلٌ
من يهود، فجعل يُطِيف بالحصن، وقد حاربَتْ بنو قريظة وقطعت ما بينها
وبين رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، ليس بيننا وبينهم أحدٌ يدفع عنّاً،
ورسولُ اللّه صلَّى الله عليه وسلَّمَ والمسلمون فى نحورِ عدوّهم لا يستطيعون أن
ينصرفوا إلينا عنهم إن(١) أتانا آت. قالت: فقلت: ياحسَّان، إنّ هذا
اليهودىّ كما ترى، يُطِيف بالحصن، وإنى والله ما آمنُه أن يدلّ على ١٤٨٠/١
عوراتنا مَنْ وراءنا من يهود، وقد شغل عنّاً رسول الله صلّى الله عليه وسلَّمَ
وأصحابه ، فانزلْ إليه فاقتلْه. فقال: يغفر الله لك يا بنت عبد المطَّب!
والله لقد عرفتِ ما أنا بصاحب هذا! قالت: فلمَّا قال ذلك لى، ولَمْ أَرَ
عنده شيئا احتجزت (٢)؛ ثم أخذت عمودًا، ثم نزلت من الحِصْنِ إليه
فضربته بالعمود حتى قتلته ، فلمَّا فرغت منه رجعت إلى الحِصْن ، فقلت :
يا حسّان، انزل إليه فاسلبه؛ فإنَّه لم يمنعنى من سلبه إلاّ أنه رجلٌ ؛ قال :
مالى بسلَبه من حاجة يا بنت عبد المطلب (٣).
قال ابنُ إسحاق: وأقامَ رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم وأصحابُه ؛
(١) و: ((إذا)).
(٢) احتجزت: شددت وسطى، قال أبو ذر الخشنى: ((ومن رواه: اعتجرت، فمعناه شددت
معجرى )) .
(٣) قال السهيلى: (( ويحمل هذا الحديث عند الناس على أن حسان كان جباناً شديد الجبن؛
وقد رفع هذا بعض العلماء وأنكره ؛ وذلك أنه حديث منقطع الإسناد ؛ وقال : لو صح هذا لهجى به
حسان ؛ فإنه كان يهاجی الشعراء ، کضرار و ابن الز بعرى وغيرهما ، و کانوا یناقضونه ویردون عليه،
فما عيره أحد منهم بجبن ، ولا وسمه به ؛ فدل هذا على ضعف حديث ابن إسحاق ، وإن صح فلعله
كان معتلا فى ذلك اليوم بعلة منعته من شهود القتال )).
(٣٧ )

٥٧٨
سنة ٥
فيما وصف الله عزّ وجلّ من الخوف والشدّة ؛ لتظاهر عدوّهم عليهم ،
وإتيانهم من فَوْقهم ومن أسفل منهم .
ثم إنّ نُعَيْمَ بن مسعود بن عامر بن أنَيْف بن ثعلبة بن قُنْفذ بن هلال
ابن خلاوة بن أشجع بن رَيْث بن غَطَفان أتى رسول الله صلّى الله عليه
وسلَّم ، فقال : يا رسولَ اللّه، إنّى قد أسلمت ، وإنّ قومِى لم يعلموا
بإسلامى؛ فُمْرِنى بما شئتَ . فقال له رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلّم: إنَّما
أنت فينا رجلٌ واحد؛ فَخَذّلْ عنّا إن استطعت؛ فإنّ الحربَ خُدعة .
فخرج نُعيم بن مسعود حتى أتى بنى قُرَيظة - وكان لهم نديمًا فى الجاهليّة -
فقال لهم: يا بنىِ قُرَيظة، قد عرفتم وُدّى إِيَّكم، وخاصّة ما بينى وبينكم،
١٤٨١/١ قالوا: صدقت، لستَ عندنا بمتَّهم؛ فقال لهم: إنّ قريشًا وغطفان قد
جاءوا لحرب محمَّد، وقد ظاهرتموهم عليه، وإنّ قريشًا وغطفان ليسوا
كهيئتكم (١)؛ البلد بلدكم، به أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم؛ لا تقدرون على أن تحوَّلوا
منه إلى غيره ، وإنّ قريشا وغَطَفان أموالهم وأبناؤهم ونساؤهم وبلدهم بغيره ؛
فليسوا كهيئتكم، إن رأوا نُهْزَةً وغنيمة أصابوها، وإن كان غير ذلك لحقُوا
ببلادهم ، وخلّوْا بينكم وبين الرجل ببلدكم ؛ ولاطاقةَ لكم به إن خلا بكم ؛
فلا تقاتلُوا مع القوم حتى تأخذوا منهم رُهُنًا من أشرافهم يكونون بأيديكم ؛
ثقة لكم على أن يقاتلوا معكم محمدًا ؛ حتى تناجزوه ، فقالوا : لقد أشرت
برأىٍ ونصحٍ . ثم خرج حتى أتى قريشًا، فقال لأبى سُفيان بن حرب ومَنْ
معه من رجال قريش: يا معشَرٍ قريش ، قد عرفتم ودّى إياكم ، وفراقى
محمدًا؛ وقد بلغنى أمْرٌ رأيتُ حقًّا علىّ أن أبلغكموه نصحًا لكم، فاكتموا
علىّ . قالوا : نفعل ، قال : فاعلموا أنّ معشر يهود قد ندموا على ما صنعوا
فيما بينهم وبين محمد ، وقد أرسلوا إليه أن قد ندِمْنا على ما فعلنا ، فهل
يرضيك عنا أن نأخذ من القبيلتين من قريش وغطفان رجالا من أشرافهم؛
فنعطيكهم ، فتضرب أعناقهم ؛ ثمّ نكون معك على مَنْ بقى منهم ؟ فأرسل
إليهم أن نعم؛ فإن بعثتْ إليكم يهودُ يلتمسون منكم رُهُنًا من رجالكم؛
فلا تدفعوا إليهم منكم رجلا واحداً . ثم خرجَ حتى أتى غَطَفان ، فقال :
١٤٨٢/١
(١) ابن هشام: ((كأنّم)).

٥٧٩
سنة ٥
يا معشرَ غطفان؛ أنتم أصلى وعشيرتى ، وأحبّ الناس إلىّ، ولا أراكم تتَّهموننِى!
قالوا: صدقتَ، قال: فاكتموا علىّ ، قالوا : نفعل، ثم قال لهم مثل ما قال
لقريش ، وحذّرهم ما حذّرهم؛ فلمَّا كانت ليلة السَّبت فى شوّال سنة خمس؛
وكان ممَّا صنع اللّهعزّ وجل لرسوله [أن](١) أرسل أبو سفيان ورءوس غَطَفان
إلى بنى قريظة عِكْرمة بن أبي جهل ، فى نفرٍ من قريش وغَطفان ، فقالوا لهم:
إنَّا لِسْنا بدار مقام؛ قد هلك الخفّ والحافر ، فاغدوا للقتال حتى نناجز
محمدًا ونفرُغ ممَّا بيننا وبينه ؛ فأرسلوا إليهم أنّ اليوم السَّبت ؛ وهو يوم
لا نعمل فيه شيئًا؛ وقد كان أحدث فيه بعضنا حدثًا فأصابه ما لم يُخْفّ
عليكم ، ولسنا مع ذلك بالذين نقاتل معكم حتى تعطُونا رُهُنَّا من رجالكم ،
يكونون بأيدينا ثقة لنا؛ حتى نناجز محمدًا؛ فإنَّا نخشى إن ضرّستْكم
الحرب ، واشتدّ عليكم القتال، أن تشمِّرُوا إلى بلادكم وتركونا والرّجل فى
بلدنا ، ولا طاقة لنا بذلك من محمدٍ . فلَّما رجعت إليهم الرَّسل بالذى قالت
بنو قريظة، قالت قريش وغطفان: تعلمون والله أنّ الذى حدثكم نُعُيّم بن
مسعود لحقّ. فأرسلوا إلى بنى قريظة: إنَّا والله لا ندفع إليكم رجلاً واحدًا
من رجالنا ، فإن كنتم تريدون القتال فاخرجوا فقاتلوا ، فقالت بنو قريظة
حين انتهت الرُّسل إليهم بهذا: إنّ الذى ذكر لكم نعيم بن مسعود لحق"؛
ما يريد القوم إلاّ أن يقاتلوا؛ فإن وجدوا فرصة انتهزوها ؛ وإن كان غير ذلك ١٤٨٣/١
تشمَّروا(٢) إلى بلادهم، وخلّوْا بينكم وبين الرجل فى بلادكم . فأرسلوا إلى
قريش وغطفان: إنَّا والله لا نقاتل معكم حتى تعطونا رُهّنًا، فأبوْا عليهم ،
وخذَّل الله بينهم ؛ وبعث الله عزَّ وجلّ عليهم الريح فى ليالٍ شاتية شديدة
البرد ، فجعلت تكفأ قدورَهم، وتَطْرح أبنيتهم. فلمّا انتهى إلى رسول الله
صلَّى الله عليه وسلّم ما اختلف من أمرهم، وما فرّق الله من جماعتهم ، دعا
حُذيفة بن اليمان ، فبعثه إليهم لينظر ما فعل القوم ليلا .
حدّثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال : حدثنى محمد بن إسحاق ،
قال : حدّثنا يزيد بن زياد ، عن محمد بن كعب القُرظىّ ؛ قال : قال فتى
(٢) ابن هشام: «انشمروا إلى بلادهم)).
(١) من ابن هشام .

٥٨٠
سنة ٥
من أهل الكوفة لحذيفة بن اليمان : يا أبا عبد اللّه، رأيتم رسول الله وصحبتموه!
قال: نعم يابن أخى ، قال : فكيف كنتم تصنعون ؟ قال : والله لقد
كنّا نجهد ، فقال الفتى: والله لو أدركناه ما تركناه يمشى على الأرض،
ولحملناه على أعناقنا . فقال حذيفة: يابن أخى؛ والله لقد رأيتُنا مع رسول الله
صلَّى اللّه عليه وسلّم بالخندق، وصلَّى هَوِيًّا(١) من الليل، ثم التفت إلينا،
فقال: مَنْ رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم [ ثم يترجع] (٢) - يشرُط له رسولُ الله
أنه يرجع (٣) - أدخله الله الجنَّة؟ فما قام رجل. ثم صلّى رسول الله صلَّى اللّه عليه
وسلَّم هَويًّا من الليل، ثم التفت إلينا فقال مثله، فما قام منَّا رجل، ثم صلَّى
رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّمْ هَوِيًّا من الليل ، ثم التفت إلينا ، فقال :
مَنْ رجُل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم ثم يرجع يشرُط له رسول الله الرجعة -
١٤٨٤/١ أسأل الله أن يكون رفيقى فى الجنة؟ فما قام رجُلٌ من القوم من شدّة الخوف
وشدّة الجوع وشدّة البرد. فلما لم يقم أحدٌ دعانى رسولُ اللّه صلَّى اللّه عليه
وسلَّم فلم يكن لى بدّ من القيام حين دعانى. فقال : يا حذيفة؛ اذهبفادخل
فى القوم فانظر ما يفعلون، ولا تحدثنّ شيئًا حتى تأتينا؛ قال : فذهبت
فدخلتُ فى القوم والريحُ وجنود الله تفعل بهم ما تفعل؛ لا تقرُّ لهم قِدْرًا ولا نارًا
ولا بناء . فقام أبو سفيان بن حرب ، فقال : يا معشر قريش ، لينظر امرؤٌ
جليسه ، قال: فأخذتُ بيد الرجل الذى كان إلى جنبى، فقلت: مَنْ
أنت ؟ قال : أنا فلان بن فلان . ثم قال أبو سفيان : يا معشر قريش، إنّكم
والله ما أصبحتم بدار مُقام، لقدهلك الكُرَاع والخُفّ، وأخلَفتْنا (٤) بنو قريظة
"وبلغنا عنهم الَّذِى نكره؛ ولقينا مِنْ هذه الريح ما ترْون؛ والله ما تطمئنّ
لنا قِدْرٌ، ولا تقوم لنا نار، ولا يستمسك لنا بناءٌ ؛ فارتحلوا فإنى مرتحل.
ثم قام إلى جمله وهو معقول ، فجلس عليه ، ثم ضربه فوثب به على
ثلاث ؛ فما أطلق عِقَاله إلاّ وهو قائم؛ ولولا عهدُ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم
إلىّ ألاّ أحْدِث (٥) شيئًا حتى آتّه، ثم شئت لقتلتُه بسهم . قال حذيفة:
(١) الهوى: الهزيع من الليل. (٢) من ابن هشام (٣) ابن هشام: ((الرجعة)).
(٤) التفسير: ((واختلفت)).
(٥) ابن هشام: ((ألا تحدث)).
١