Indexed OCR Text

Pages 521-540

٥٢١
سنة ٣
وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَىْ عَقِبَيْهِ فَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِى اللهُ الشَّاكِرِينَ﴾(١).
فأقبل أبو سفيان حتَّى أشرف عليهم ، فلمّا نظروا إليه نسوا ذلك الذى كانوا
عليه، وأهمَّهم أبو سفيان، فقال رسولُ اللّه صلَّى الله عليه وسلّم: ليس لهم
أن يعلُونا؛ اللَّهمّ إنْ تقتَل هذه العصابة لا تُعْبَد! ثم نَدَب أصحابه،
فرَمَوْهم بالحجارة حتى أنزلوهم ؛ فقال أبو سفيان يومئذ: اعلُ هُبَل ، حنظلة
بحنظلة، ويومٌ بيوم(٢) بدر. وقتلوا يومئذ حنظلة بن الراهب، وكان جُنُّبًا
فغسَّته الملائكة ؛ وكان حنظلة بن أبى سفيان قُتِل يوم بدر؛ وقال أبوسفيان:
لنا العزّى ولا عزّى لكم! فقال رسولُ اللّه صلَّى الله عليه وسلَّم لعمر: قل: اللّه
مولانا ولا مولى لكم. فقال أبوسفيان: أفيكم(٣) محمَّد! أما إنَّها (٤) قد كانت
فيكم مُثلة؛ ما أمرت بها ولا نهيت عنها؛ ولا سَرَّتْنى ولا ساءتنى؛ فذكر اللّه
عزّ وجلّ إشراف أبى سفيان عليهم، فقال: ﴿فَأَتَابَكُمْ غَمَّا بِغَمْ لِكَيْلا
تَخْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا مَا أَصَابَّكُمْ﴾، والغمّ الأول ما فاتهم من الغنيمة
والفتح، والفمّ الثانى إشراف العدوّ عليهم، ﴿لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلَى مَافَاتَكُمْ﴾ ١١/١
من الغنيمة ﴿وَلَا مَا أَصَابَكُمْ)(٥) من القتل حين تذكرون. فشغلهم أبو سفيان(٦).
قال أبو جعفر : وأما ابنُ إسحاق ، فإنه قال - فيما حدّثنا ابنُ حُميد
قال : حدّثنا سلمة عنه - بينا رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ فى الشّعب؛
ومعه أولئك النَّفْر من أصحابه إذ علَتْ عالية من قريش الجبل ، فقال رسولُ
الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ: اللَّهمّ إنَّه لا ينبغى لهم أن يعلُونا ؛ فقاتل عمر بن
الخطاب ورهط معه من المهاجرين حتى أهبطوهم عن الجبل ؛ ونهض رسولُ
الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلى صَخْرة من الجبل ليعلوها. وقد كان بدن رسول
(١) سورة آل عمران ١٤٤.
(٢) م: ((ويوم أحد بيوم بدر)).
(٣) م: ((فيكم)).
(٤) م: ((قال: (أما إنها))، وفى التفسير ((قالوا": نعم، قال)).
(٥) سورة آل عمران ١٥٣.
(٦) التفسير ٧ : ٣٠٧ - ٣٠٨

٥٢٢
سنة ٣
اللّه صلَّى الله عليه وسلَّم، وظاهَرَ بين دِرْعَيْن(١)، فلما ذهب لينهض لم
يستطع ؛ فجلس تحته طلحة بن عبيد الله، فنهض حتَّى استوى عليها(٢).
حدّثنا ابن حميد، قال : حدّثنا سلّمة ، قال: قال محمد: قال: قال
رسولُ اللّه صلَّى الله عليه وسلَّم، كما حدّثنا يحيى بن عبّاد بن عبد الله بن
الزبير ، عن أبيه ، عن عبد الله بن الزبير، عن الزُّبير، قال: سمعتُ رسول الله
صلَّى الله عليه وسلَّم يقول يومئذ: أوجب طلحة حين صنع برسول الله
ما صنع.
قال أبو جعفر: وقد كان الناس انهزموا عن رسول الله صلَّى اللّه عليه
وسلَّم ، حتى انتهى بعضُهم إلى المنفى دون الأعوص ، وفرّ عثمان بن عفان
١٤١٢/١ وعقبة بن عثمان وسعد بن عثمان (رجلان من الأنصار ) ؛ حتى بلغوا
الجَلْعَبَ (جَبلا بناحية المدينة مما يلى الأعوص) ، فأقاموا به ثلاثًاً ثم رجعوا
إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم؛ فزعموا أنّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم،
قال لهم: لقد ذهبتم فيها عريضة(٣).
...
قال أبو جعفر : وقد كان حنظلة بن أبى عامر الغسيل ، التقى هو
وأبو سفيان بن حرب، فلمّا استعلاه حنظلة رآه شدّاد بن الأسود- وكان يقال
له. ابن شَعوب-قد علا أبا سفيان، فضر به شدّاد فقتله، فقال رسولُالله صلَّى
الله عليه وسلَّمَ: إن صاحبكم (٤) - يعنى حنظلة - لتغسلهُ الملائكة . فسلوا
أهله : ما شأنه؟ فسئلَتْ" صاحبته، فقالت: خرج وهو جُنُب حين سمع
الهائعة (٥)؛ فقال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم: لذلك غسَّلته الملائكة،
فقال شدّاد ابن الأسود فى قتله حنظلة :
لأَحْمِيَنَّ صاحبى ونْسى بطَعْنَةٍ مِثْل شُعاع الشَّمْسِ
(١) وظاهر بين درعين، أى لبس إحداهما على الأخرى.
(٢) الخبر فى التفسير ٧: ٣٠٨، ٣٠٩.
(٣) عريضة، أى واسعة، وانظر النهاية ٣ : ٨٢.
(٤) و: ((صاحبكما)).
(٥) الهائعة : الصوت الذى تفزع منه وتخافه من العدو .

٥٢٣
سنة ٣
وقال أبو سفيان بن حرب ؛ وهو يذكر صبره ذلك اليوم ، ومعاونة ابن
شعوب شدّاد بن الأسود إيّاه على حنظلة :
ولو شئْتُ نجَّتْنِى كُمَيَتٌ طِرَّةٌ ولم أحْمل النّعْمَاءَ لابن شَعُوب(١)
لدَى غُدْوَةٍ حتى دَنتْ لِفُرُوب(٢)
فما زال مُهْرِى مَزْجَرَ الكلْب مِنْهُمُ
وأدْفعُهُمُ عَنِّى برُكْن صَليب
أقاتلُهمْ وأَدَّعِى يالَ غالبٍ
فبَكِّى ولا ترْعَىْ مقالة عاذلِ
أباكٍ وإخواناً له قد تتابعوا
وسَلَى الذى قد كان فى النَّفْس أنّنى
ومن هاشمٍ قرْماً نجيباً ومُصْعباً
وَلو أنّنى لم أَشْف منهم فَرُوتِي
فَآَبُوا وَقد أودَى الخلائِبُ مِنْهُمُ
أصابهُمُ من لم يكن لدِمَاهم
فأجابه حسان بن ثابت فقال :
١٤١٣/١
ولا تسْأمى من عَبْرَةٍ وتَحِيبٍ
وحُقَّ لهم من عَبْرَةٍ بنصِيب
قَتَلت من النَّجار كُلَّ نجيب
وكان لدَى الهيْجاء غير حَيُّوب (٣)
لكانت شجَّى فى القلب ذات نُدُوب (٤)
لهم خدَبٌ من مُغْطٍ وكئيب(٥)
كَفِيًّا ولا فى خُطَّةٍ بضرِيب
ولسْتَ لِزُورِ قُلْتَهُ مُصيب(٦)
ذكرْتَ الْقُرُومَ الصِّيدَمن آل هاشمٍ
نجيباً وقدْ سَنَّيْتَ، بَنَجيب(٧)
أَتْجَبُ أنْ أقْصَدْتَ حَمْزَةَ مِنْهُمُ
وشَيْبَةَ وَالحَجَّاجَ وأبْنَ حَبِيبٍ !
أَلَمْ يَقْتُلُوا عَمْرًا وَعُثْبَةَ وَابْنَهُ
(١) الطمرة : الفرس السريعة الوثب.
(٢) مزجر الكلب ؛ أى لم يبعد منهم إلا بمقدار الموضع الذى يزجر الكلب فيه .
(٣) القرم : الفحل الكريم من الإبل ؛ يريد حمزة.
(٤) القرونة: النفس، وفى ابن هشام: ((لم أشف نفسى منهم)).
(٥) الخلائب : الجماعات ، أو أنصار الرجل من بنى عمه ؛ ورواية البيت فى ابن هشام :
قَالُوا وَقَدْ أَوْدَى الجَلابِيبُ مِنْهُمُ بِهِم خدَب مِنْ مُعْطِبٍ وَكَئِيب
(٦) أبيات أبى سفيان وجواب حسان ؛ فى ديوان حسان ٦٤ - ٦٦.
(٧) أقصده: رماه .

٥٢٤
سنة ٣
غَدَاة دعَا العاصى عَليَّا فراعَهُ بِضَرْبَةِ عَضْبٍ بِلّه بخَضيب
وقال شدّاد بن الأسود، يذكر يده عند أبى سفيان بن حرب فيما دفع عنه:
لأَلْفِيتَ يَوْمَ النَّعْفِ غَيْرَ مِيبٍ
وَلوْلا دِفَاعِى يابنَ حَرْبٍ ومَشْهَدِی
ضِبَاعٌ عَلَيْهِ أَوْ ضِرَاء كَلِيبٍ
ولَوْلا مَكرّى الْمُهْرَ بالنَّعْفِ قَرْقَرَتْ
وقال الحارث بن هشام يجيب أبا سفيان فى قوله :
* وما زال مُهْرِى مَزْجَرَ الكلبِ منهمُ *
وظن أنه یعرّض به إذ فرّ يوم بدر :
١٤١٥/١
لأبْتَ بقَلْبٍ مَا بقيتَ نَخِيبٍ (١)
وإنَّكَ لوْ عَاينْتَ ما كان مِنْهُمُ
عليك، ولم تَحْفِلْ مُصَابَ حَبِيبٍ
لَدَى صَحْنِ بِدْرٍ أَولقامَتْ نَوَائِحٌ
عَلى سابِحٍ ذِى مَيْعَةٍ وشَبِيب(٢)
جَزَيْتِهِمُ يَوَمَاً بَبَدْر كمثْلِهِ
قال أبو جعفر : وقد وقفت هند بنت عتبة - فيما حدثنا ابن حميد ؛
قال : حدّثنا سلمة ، قال : حدثنى محمد بن إسحاق ، قال : حدّثنى
صالح بن كيسان - والنّسوة الَّلاتى معها يمثُلْنَ بالقتْلَى من أصحاب رسول اللّه
صلَّى الله عليه وسلَّم، يَجدَعْنَ الآذان والأنوف (٣) ؛ حتى اتّخذَتْ
هند من آذان الرجال وآنُفِهم خَدَمًا(٤) وقلائد، وأعطت خَدَمها وقلائدها
وَقِرَطَتَها وَحْشِيًّا، غلام جُبير بن مُطْعِم، وبقرتْ عن كبد حمزة
(١) النخيب : الجبان الفزع.
(٢) السابح: الفرس الذى كأنه يسبح فى جريه . والميعة: الخفة والنشاط، شبيب،
أى شاب .
(٣) الأغانى: ((الآنف)).
(٤) الخدم : جمع خدمة ، بالتحريك ؛ وهى الخلخال .

سنة ٣
٥٢٥
فلاكتْها فلم تستطع أن تُسِيغها فَلَفَظتها. ثم عَلَتْ على صخرة مشرِفة ،
فصرخت بأعلى صوتها بما قالت من الشعر حين ظفرُوا بما أصابوا من أصحاب
رسولِ اللّه صلَّى الله عليه وسلَّم .
١٤١٦/١
حدّثنا ابنُ حميد ، قال : حدّثنا سلّمة ، قال : حدثنى محمد بن
إسحاق ، قال : حدثنى صالح بن كيسان ، أنَّه حدّث أنّ عمر بن الخطاب
قال لحسان : يا بن الفُرَيْعَة لو سمعتَ ما تقول هند ورأيتَ أشَرها ، قائمة
على صخرة ترتجز بنا، وتذكر ما صنعت بحمزة! فقال له حسَّان: واللّه
إنِّى لأنظر إلى الحربة تهوى وأنا على رأس فارع - يعنى أطُمَه - فقلت :
واللّه إنّ هذه لسلاحٌ ما هى بسلاح العرب؛ وكأنَّها إنَّما تهوى إلى حمزة ؛
ولا أدرى . أسمعنى بعض قولها أكفيكموها؛ قال : فأنشده عُمَرُ بعض
ما قالت ، فقال حسَّان يهجو هندًا : .
أَشِرَتْ لَكَاعٍ وكان عَدَتُها لُوْمًا إِذَا أَشِرَتْ مَعَ الْكُفْرِ(١)
عِنْدَ الْهُنُودِ عَظيمَةَ البَظْرِ
لَعَنَ الإِلهُ وزَوْجَهَا مَعَهَا
أَخْرَجْتِ مُرْقِصَةً إِلَى أُحُدٍ
فى القَوْم مُقْتِبَةً عَلَى بَكْرِ(٣)
بَكْرٍ تَقَالِ لا حَرَاكَ بِهِ لَا عَنْ مُعَاتَبَةٍ ولا زَجْرٍ (٢)
دُقِّى المُجَايَةَ هنْدُ بالغِهْرِ (٤)
وعصَاك إسْتُكِ تَّقِينَ بها
من دَأْيِها نَمَّا على الُثْرِ (٥)
فَرِحَتْ عَجِيِزْتُهَا وَمَشْرَجُهَا
(١) ديوانه ٢٢٩. لكاع: كنى بها عن هند، وامرأة لكاع: لئيمة، ورواية الأغانى :
« من الكفر)).
(٢) الإرقاص: أن يحمل البعير على الخبب، وفى الديوان: ((معنقة على بكر)).
(٣) الثفال : البطىء من الإبل.
(٤) يقال : عصاه استه ، أى ليس معه عصا ؛ فهو يحرك استه على المعلية حتى تسير .
والعجاية : العصب يضرب حتى يلين . والفهر : حجر يملأ الكف .
(٥) النص : ضرب من السير السريع ؛ والقتر ، بالضم: الناحية والجانب .

سنة ٣
٥٢٦
بالماء تَنْضَحُهُ وبِالسِّدْرِ
ظَلّتْ تُدَاوِيها زَمِيلَتُهَا
١٤١٧/١
أَخْرَجْتِ ثائِرَةً مَبَادِرَةً
وبَعَمِّكِ المَسْتُوهِ فِى رَدَعٍ
بأَبِيكِ وابْنِكِ يومَ ذی بَدْرِ
وأخيكِ منعِفرَيْنِ فى الجَفْرِ (١)
يا مِنْدُ، وَيْحَكِ سُبَّةَ الدَّهْرِ!(٢)
ونسِيتِ فاحشةً أتَيْتِ بها
مِنّا ظَفَرْتِ بها ولا نَصْرِ
فَرَجَعْتِ صاغِرَةً بلا تِرَةٍ
وَلَدًا صَغِيرًا كان من عَهْرٍ
زَعَمَ الوَلَائِدُ أَنها وَلدَتْ
قال أبو جعفر: ثم إن أبا سفيان بن حرب أشرف على القوم - فيما حدّثنا
هارون بن إسحاق قال : حدّثنا مصعب بن المقدام ، قال : حدثنا إسرائيل .
وحدّثنا ابن وكيع ، قال : حدثنى أبى ، عن إسرائيل ، قال : حد ◌ّثنا
أبو إسحاق، عن البَرّاء، قال: ثمّ إن أبا سفيان أشرف علينا، فقال :
أفى القوم محمد؟ فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم: لا تجيبوه؛ مرتين ،
ثمّ قال: أفى القوم ابن أبى قُحافة؟ ثلاثًا، فقال رسولُ الله صلَّى اللّه عليه
وسلم : لا تجيبوه ، ثم قال : أفِى القوم ابن الخطاب ؟ ثلاثًا ، فقال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: لا تجيبوه، ثم التفت إلى أصحابه ، فقال: أمَّا
هؤلاء فقد قُتلوا، لو كانوا فى الأحياء لأجابوا، فلم يملك عمرُ بنُ الخُطَّاب
نفسه أن قال: كذبتَ يا عدوّ اللّه، قد أبقى الله لك ما يخزيك! فقال:
١٤١٨/١ اعْلُ هُبَل! اعلُ هُبَل! فقال رسولُ اللّه صلَّى الله عليه وسلَّم: أجيبوه،
قالوا: ما نقول؟ قال: قولوا: اللّه أعْلَى وأجَلُّ! قال أبو سفيان: ألا
لنا العُزّى ولا عُزَّى لكم! فقال رسولُ اللّه صلى الله عليه وسلَّم: أجيبوه،
قالوا : ما نقول ؟ قولوا : اللّه مولانا ولا مولى لكم! قال أبو سفيان: يومٌ
(١) المستوه: المضروب فى استه. والردع: الدم. الديوان: ((المسلوب بزته)) وفى ط :
((ودع))، وما أثبته من الأغانى .
(٢) الأغانى: ((سيئة الدهر)).

٥٢٧
سنة ٣
بيوم بدر، والحرب سِجَال؛ أمَّا إنكم ستجدون فى القوم مُثَلاً لم آمُرْ بها
ولم تسۇنى .
حدّثنا ابنُ حميد ، قال : حدّثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال فى
حديثه : لمَّا أجاب عمرُ أبا سفيان قال له أبوسفيان: هلمَّ يا عمر، فقال له رسولُ
اللّه صلَّى الله عليه وسلَّم: إِيتِهِ فانظُرْ ما شأنه؟ فجاءه فقال له أبو سفيان :
أنشدُك اللّهَ يا عمر، أقتلنا محمدًا ؟ فقال عمر : اللهمّ لا ؛ وإنه ليسمع
كلامَك الآن، فقال: أنت أصْدَق عندى من ابن قَميئَة(١) وأبرّ؛ لقول
ابن قميئة لهم: إنّى قتلت محمدًا. ثمّ نادى أبو سفيان، فقال: إنَّه قد
كان فى قتلاكم مُثَلٌ(٢) والله ما رضيت ولا سخطت، ولا نهيت ولا أمرْت(٣).
وقد كان الحُلَيْس بن زَبّان أخو بنى الحارث بن عبد مناة؛ وهو يومئذ
سيّد الأحابيش ، قد مرّ بأبى سفيان بن حرب ، وهو يضرب فى شِدْق حمزة
بُرُجّ الرّمح؛ وهو يقول: ذُقْ عُقَقُ!(٤) فقال الحُلَيْس: يا بني كنانة ،
هذا سيّد قريش يصنع بابن عمِّه كما ترون لحما(٥)! فقال: اكتمها ، فإنَّها
كانت زَلَّة؛ فلمَّا انصرف أبوسفيان ومَنْ معه نادى: إنّ موعدَ كم بدر ١٤١٩/١
للعام المقبل، فقال رسولُ الله صلَّى اللّه عليه وسلَّم لرجل من أصحابه: قل
نعمْ هی بيننا وبينك موعد .
ثم بعث رسولُ الله صلّى الله عليه وسلم علىّ بن أبى طالب عليه السلام،
فقال : اخرُجْ فى آثار القوم فانظر ماذا يصنعون ، وماذا يريدون ! فإن كانوا
قد اجتنبوا الخيل ، وامتطوا الإبل ؛ فإنَّهم يريدون مكَّة ؛ وإن ركبوا الخيل ،
وساقوا الإبل ؛ فهم يريدون المدينةَ ؛ فوالَّذِى نفسى بيده؛ لئن أرادوها
الأسيرنٌ إليهم فيها ثم لأناجزَنَّهم. قال علىّ: فخرجت فى آثارهم أنظر ماذا
(٢) الأغانى: ((إنه قد كان مثل)). والمثل: جمع مثلة.
(١) الأغانى: ((قمنة)).
(٣) التفسير ٧: ٣٠٩، ٣١٠.
(٤) ذق عقق، أى ذق جزاء فعلك يا عاق ؛ وعقق: معدول عن عاق للمبالغة ، كغدر
من غادر .
(٥) لحما ، أراد وهو قتيل.

٥٢٨
سنة ٣
يصنعون ؛ فلما اجتنبوا الخيل وامتطوا الإبل توجّهوا إلى مكّة ؛ وقد كان رسولُ
اللّه صلَّى الله عليه وسلَّم قال: أىّ ذلك كان فأخْفِهِ(١) حتى تأتينى. قال علىّ
عليه السلام: فلما رأيتُهم قد توجهوا(٢) إلى مكَّة أقبلت أصيح؛ ما أستطيع أن
أكتم الذى أمرنى به رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم لما بى من الفَرّح؛ إذ
رأيتهم انصرفوا إلى مكَّة عن المدينة .
وفرغ الناس لقتلاهم، فقال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم - كما
حدّثنا ابنُ حميد ، قال: حدّثنا سلمة ، قال: حدثنى محمد بن إسحاق،
عن محمّد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبى صعصعة المازنىّ أخى بنى النَّجار،
أنّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، قال: مَن رجلٌ ينظر لى ما فعل
سعد بن الربيع؟ - وسعد أخو بنى الحارث بن الخزرج - أفى الأحياء هو
١٤٢٠/١ أم فى الأموات؟ فقال رجل من الأنصار: أنا أنظرلك يا رسولَ الله ما فعل ؛
فنظر فوجده جريحًا فى القتلى به رمق، قال: فقلت له : إنّ رسولَ اللّه
صلّى الله عليه وسلم أمرنى أن أنظر له : أفى الأحياء أنت أم فى الأموات ؟
قال: فأنّا فى الأموات، أبلغْ رسولَ اللّه عنّى السَّلام، وقل له: إنّ سعدَ
ابن الربيع يقول لك: جزاك الله خير ما جُزِى نبىّ عن أمته؛ وأبلغْ عنِّى
قومَك السَّلام ، وقل لهم : إن سعد بن الربيع يقول لكم: إنه لا عُدْر
لكم عند الله إن خُلِصَ إلى نبيِّكم صلَّى الله عليه وسلَّم وفيكم عيْنٌ
تطرف . ثم لم أبرح حتَّى مات؛ فجئت رسولَ اللّه صلَّى اللّه عليه وسلّم
فأخبرتهُ خبره . وخرج رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم - فيما بلغنى - يلتمس
حمزة بن عبد المطّلب، فوجده ببطن الوادى قد بُقِرَ بَطْنُه عن كبده ،
ومثَلَ به ، فجُدِعَ أنفه وأذناه .
حدّثنا ابنُ حميد، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال :
فحدّثنى محمد بن جعفر بن الزبير، أنّ رسولَ اللّه صلَّى الله عليه وسلَّم حين
رأى بحمزة ما رأى ، قال : لولا أن تحزن صفيَّة أو تكون سنَّة من بعدى
لتركته حتى يكونَ فى أجواف السباع وحواصل الطّير؛ ولئن أنا أظهرَنى اللّه
على قريش فى موطن من المواطن لأمثُلنَّ بثلاثين رجلا منهم ؛ فلمَّا رأى
(١) و: ((فأخف)).
(٢) م: ((وجهوا)).

سنة ٣
٥٢٩٠
المسلمون حزْنَ رسول الله صلَّى اللّه عليه وسلَّم وغيظه على ما فُعِل بعمُّهُ،
قالوا: والله لئن ظهرْنا عليهم يومًا من الدهر لنَمثُلَنّ بهم مُثْلَةً لم يمثلها ١ /١٤٢١
أحد من العرب بأحد قطّ ! .
حدّثنا ابنُ حميد، قال : حدّثنا سلَمة ، قال : حدثنا محمد بن
إسحاق ، قال : أخبرنى بُرَيدة بن سفيان بن فروة الأسلميّ ، عن محمد بن
كعب القُرْظىّ ، عن ابن عباس. قال ابن حميد، قال سلَمة : وحدّثنى
محمد بن إسحاق ، قال : وحدّثنى الحسن بن عمارة ، عن الحكم بن عتيبة ،
عن مِقسّمَ ، عن ابن عباس ، قال: إن اللّه عزّ وجلّ أنزل فى ذلك من قول
رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم وقول أصحابه: ﴿وَإنْ عَقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ
مَا ◌ُوقِبْتُْ بِهِ وَلَئِنْ صَرُمْ لَهُوَ خَيْرٌ للصَّابِرِين﴾(١)، إلى آخر السورة،
فعفا رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم وصبر ونهى عن المُثْلَة.
قال ابن إسحاق: وأقبلَتْ - فيما بلغنى - صفيَّةُ بنتُ عبد المطَّلب
لتنظر إلى حمزة - وكان أخاها لأبيها وأمها - فقال رسولُ الله صلَّى اللّه عليه
وسلَّم لابنها الزّبير بن العوّام : القَها فارجعها ، لا ترى ما بأخيها . فلقيها
الزبير فقال لها: يا أمّهْ؛ إنّ رسولَ اللّه صلَّى الله عليه وسلّم يأمرك أن ترجعی،
فقالت : ولم ، وقد بلغنى أنه مُثِلَ بأخى وذلك فى اللّه قليل ! فما أرضانا بما كان
من ذلك! لاحتسبنّ ولأصبرنّ إن شاء الله . فلمّا جاء الزبير رسول الله صلى
الله عليه وسلم فأخبره بذلك، قال: خَلّ سبيلها، فأتَتْهُ فنظرتْ إليه وصَلّتْ
عليه ؛ واسترجعَتْ واستغفرت له ؛ ثم أمرَ رسول الله صلى الله عليه وسلّم به
فَدُفِنِ .
حدّثنا ابنُ حميد، قال : حدّثنا سلمة، قال: فحدّثنى محمّد بن ١/ ١٤٢٢
إسحاق، قال: فزعم بعض آل عبد الله بن جحش - وكان لأمَيْمَة بنت
عبد المطّلب خاله حمزة ؛ وكان قد مُثِل به كما مُثِل بحمزة ؛ إلاّ أنه
(١) سورة النحل ١٢٦ .

٥٣٠
سنة ٣
لم يُبْقَرْ عن كبده - أنّ رسولَ اللّه صلَّى الله عليه وسلم دَفَنه مع حمزة فى
قبره ؛ ولم أسمع ذلك إلاّ عن أهله .
حدّثنا ابنُ حميد، قال : حدّثنا سلمة، قال : حدثنى محمد بن
إسحاق ، قال : حدثنى عاصم بن قتادة ، عن محمود بن لبيد، قال : لمَّا
خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أحد وقع (١) حُسَيْل بن جابر- وهو
اليمان أبو حذيفة بن اليمان - وثابت بن وقْش بن زَعوراء فى الآطام مع النساء
والصبيان ، فقال أحدُهما لصاحبه ؛ وهما شيخان كبيران : لا أبالك! ما تنتظر؟
فوالله إنْ بقى لواحد منّامن عمره إلاّ ظِمْ، حِمَار(٢)؛ إنَّما نحن هامة اليوم(٣)
أو غَد؛ أفلا نأخذ أسيافنا، ثم نلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم، لعلّ اللّه
عزّ وجلّ يرزقنا شهادة مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم! فأخذا أسيافهما ،
ثم خرجا حتى دخلا فى النَّاس ، ولم يُعلَم بهما ؛ فأمَّا ثابت بن وقْش
فقتله المشركون ، وأما حُسَيْلِ بُن جابر، اليَمَان، فاختلف عليه أسياف
المسلمين فقتلوه؛ ولا يعرفونه. فقال حُذيفة: أبى! قالوا: والله إنْ عرفناه.
وصدقوا ، قال حُذيفة: يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين! فأراد رسول الله
١٤٢٣/١ صلَّى اللّه عليه وسلم أن يَديَهُ(٤) فتصدّق حُذيفة بديته على المسلمين،
فزادته عند رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم خيرًا .
حدّثنا ابنُ حميد ، قال : حدّثنا سلَمة، قال: قال محمد بن إسحاق:
حدّثنى عاصم بن عمر بن قتادة ، أنّ رجلاً منهم كان يُدْعى حاطب بن
أميّة بن رافع ، وكان له ابن يقال له يزيد بن حاطب ، أصابته جراحة يوم
أحُد : فأتِىَ به إلى دار قومه وهو يموت ؛ فاجتمع إليه أهلُ الدّار ؛
فجعل المسلمون يقولون من الرجال والنساء : أَبْشِرْ يا بنّ حاطب بالجنَّة ،
(١) كذا فى م، وفى الأغانى: ((رجع)).
(٢) ظم. الحمار: ما بين الشربتين له ؛ وليس شىء من الدواب أقصر ظمئاً من الحمار،
يرد الماء كل يوم فى الصيف مرتين .
(٣) هامة اليوم ، أى سنموت اليوم أو غدا .
(٤) وداه ، أى أدى ديته .

٥٣١
سنة ٣
قال : وكان حاطب شيخًا قد عسا (١) فى الجاهليّة، فَنَجَم يومئذ نفاقه،
فقال: بأىّ شىء تبشّرونه، أبجنّة من حرمل(٢)! غررتُم واللّه هذا الغلامَ من
نفسه ، وفجعتمونی به !
حدّثنا ابنُ حُميد، قال : حدّثنا سَلَمة قال : حدثنى محمد بن
إسحاق ، عن عاصم بن عمر بن قتادة، قال : كان فينا رجلٌ أتىٍّ (٣)
لا يُدْرَى من أين هو، يقال له قُزْمَان، فكان رسول اللّه صلَّى اللّه عليه
وسلَّم يقول إذا ذُكِر له: إنّه لَمِنْ أهل النار؛ فلمَّا كان يوم أحد ، قاتل
قتالا شديداً، فقتّل هو وحده ثمانيةً من المشركين أو تسعة ؛ وكان شهمًا
شجاعًا ذا بأس؛ فأثبتته الجراحة ، فاحتمل إلى دار بنى ظَفَر . قال :
فجعل رجالٌ من المسلمين يقولون: والله لقد أبليت اليوم يا قُزمان؛ فأبشر!
قال : بم أبشر! فوالله إن قاتلتُ إلاّ على أحساب قومى ؛ ولولا ذلك ما قاتلت ؛
فلمّا اشتدّت عليه جراحته ، أخذ سهماً من كنانته فقطع رواهِشَه فتزفه ١٤٢٤/١
الدم فمات؛ فأخبر بذلك رسول الله صلَّى اللّه عليه وسلّم ، فقال: أشهد
أنّى رسولُ اللّه حقًّا!
وكان ممَّن قُتِل يوم أَحُد مُخيْريق اليهودىُّ، وكان أحدَ بنى ثعلبة
ابن الفِطْيَون ، لمَّا كان ذلك اليوم قال: يا معشر يهود؛ والله لقد علمتم أن"
نصر محمد عليكم لَحَقّ. قالوا: إنّ اليوم يوم السَّبت، فقال: لا سبْتّ،
فأخذ سيفه وعدّته ، وقال : إن أصِبْتُ فمالى لمحمّد يصنع فيه ما شاء . ثم
غداً إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فقاتل معه حتى قُتِل؛ فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما بلغنى: مُخْرِيق خيرُ يهود .
حدثنا ابنُ حميد ، قال : حدّثنا سلمة ، قال : حدثنى محمد بن
(١) عسا، أى كبر وأسن .
(٢) قال السهيلى: (( يريد الأرض التى دفن فيها؛ وكانت تنبت الحرمل : أى ليس له جنة
إلا ذاك)) .
(٣) الأتى : الغريب ليس من القوم .

٥٣٢
سنة ٣
إسحاق ، قال : وقد احتمل ناسٌ من المسلمين قَتْلاهم إلى المدينة. فدفنوهم بها،
ثم نهى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عن ذلك، وقال: ادفنوهم حيث
صُرِعُوا.
حدّثنا ابنُ حميد ، قال: حدّثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، قال:
حدثنى أبى إسحاق بن يسار ، عن أشياخ من بنى سلِمة، أنّ رسولَ الله
صلَّى الله عليه وسلَّم قال يومئذ حين أمَر بدفن القتْلى: انظروا عمرو بن
الجموح وعبد الله بن عمرو بن حرام . فإنهما كانا متصافيَيْنٍ فى الدنيا ،
فاجعلوهما فى قبر واحد. قال: فلمّا احتفر معاوية القناة أخْرِجا وهما ينثنيان(١)
كأنما دفنا بالأمس .
قال: ثم انصرف رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم راجعًا إلى المدينة،
١٤٢٥/١ فلقيتْه حَمْنَةُ بنت جحش - كما ذكر لى - فُنْعِىَ لها(٢) أخوها عبد الله بن
جحش، فاسترجَعَتْ واستغفرتْ له، ثم نعِىَ لها خالها حمزة بن عبد المطلب،
فاسترجَعَت واستغفرت له ، ثم نُعِىَ لها زوجها مصعب بن عمير ، فصاحت
وولولت، فقال رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم: إنّ زَوْجَ(٣) المرأة منها لبمكان؛
لما رأى من تثبّتها عند أخيها وخالها ، وصياحها على زوجها .
قال : ومرّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بدار من دور الأنصار من بنى
عبد الأشهل وظَفَر ، فسمع البكاء والنوائح على قتلاهم ؛ فَذرَفتْ
عينًا رسول اللّه صلَّى الله عليه وسلّم فبكى ثم قال: لكنّ حمزة لا بواكى له!
فلمّا رجع سعد بن معاذ وأسَيْد بن حُضيْر إلى دار بنى عبد الأشهل أمَرَ
نساءهم أن يتحرَّمْنَ ثم يذهبن فيبكين على عم رسول الله صلَّى اللّه عليه وسلم.
حدّثنا ابنُ حميد ، قال: حدّثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق، قال:
حدّثنى عبد الواحد بن أبى عَوْن، عن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبى وقاص؛
(١) م: ((يتثنيان)).
(٢) م: ((إليها)).
(٣) م: ((لزوج)).

٥٣٣
سنة ٣
قال : مرّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بامرأة من بنى دينار؛ وقد أصيب
زوجها وأخوها وأبوها مع رسول اللّه صلَّى الله عليه وسلَّم بأحُد؛ فلما نعُوا
لها قالت: فما فعل رسول الله صلَّى اللّه عليه وسلَّم؟ قالوا: خيرًا يا أمّ فلان؛
هو بحمد اللّه كما تحبِّين؛ قالت : أرنيه حتى أنظر إليه ، فأشير لها إليه
حتى إذا رأته قالت: كلُ مصيبة بعدك جَلَلٌ (١)!
قال أبو جعفر: فلَّما انتهى رسول الله صلَّى اللّه عليه وسلَّم الى أهله ناول ١٤٢٦/١
سيفَه ابنته فاطمة، فقال: اغسلى عن هذا دمَهُ يا بنيَّة؛ وناولها علىّ عليه
السلام سيفه، وقال : وهذا فاغسلى عنه ؛ فوالله لقد صدقنى اليوم . فقال
رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم: لئن كنتَ صدقت القتال لقد صدق
معك سهل بن حُنَيْف ، وأبو دُجَانة سماك بن خَرَشَةَ . وزعموا أن علىّ بن
أبى طالب حين أعطى فاطمة عليهما السلام سيفَه قال :
فَلَسْتُ بِرِعْدِيدٍ ولا بُلِيمِ
أفاطِمَ هَاكِ السَّيْفَ غَيْرَ ذَمِم
وطاعةِ ربٍ بالعِبادِ رحيم
لَعَمْرِى لقد قاتَلْتُ فى حُبِّ أَحْمَدِ
أَجُذّ به من عاتِقٍ وصَيمِ
وسَيْفِى بَكَفِّى كالشِّهَابِ أهُزُّهُ
وحتى شَفَيْنَا نَفْسَ كلَ حليمِ
فما زِلْتُ حتی فَضَّ رَبِی جُمُوعَهمْ
وقال أبو دُجانة حين أخذ السيف من يد رسول اللّه صلَّى الله عليه وسلَّم
فقاتل به قتالا شديداً - وكان يقول : رأيت إنسانًا يخمش الناس خمشًاً
شديداً فصَمدْت له ، فلما حملتُ عليه بالسيف وَلْوَلَتْ؛ فإذا امرأة ؟
فأكرمت سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أضرب به امرأة - وقال
أبو دُجَانة :
ونحْنُ بالسَّفْحِ لَدَى النَّخِيلِ
أَنَا الَّى عَاهَدَنِى خَلِيلِ
أُضْرِبْ بِسَيْفِ اللهِ وَالرَّسول(٣)
أَلّ أَقُومَ الدَّهْرَ فِى الکَیُولِ
(١) جلل، أى صغيرة، وهو من الأضداد. (٢) الكيول: آخر الصفوف فى الحرب.
١٤٢٧/١

٥٣٤
سنة ٣
[ غزوة حمراء الأسد ]
وكان رجوع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بوم السبت؛ وذلك
يوم الوقعة بأحُد ؛ فحدّثنا ابن حُميد، قال : حدّثنا سلمة ، عن محمد بن
إسحاق، قال : حدثنى حسين بن عبد اللّه، عن عِكْرمة ، قال : كان
يوم أحد يومَ السَّبت ؛ للنّصف من شوال ؛ فلمَّا كان الغدُ من يوم
أُحُد - وذلك يوم الأحد لستّ عشرة ليلة خلتْ من شوّال - أنَّنَ مُؤذّنُ
رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فى الناس بطلب العدوّ؛ وأذّن مؤذنه: ألاّ
يخرجنّ معنا أحد إلاّ مَنْ حضر يومنا بالأمس. فكلَّمه جابر بن عبدالله بن
عمرو بن حرام ، فقال: يا رسول الله، إنّ أبى كان خلَّفنى على أخواتٍ لى
سبعٍ ، وقال لى : يا بُنىّ ؛ إنه لا ينبغى لى ولا لك أن نترك هؤلاء النسوة
لا رُجلَ فيهنّ، ولستَ بالذى أُوثرك بالجهاد مع رسولِ اللّه صلَّى اللّه عليه
وسلَّم على نفسى؛ فتخلَّف على أخواتك. فتخلَّت عليهنّ . فأذن له
رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلم، فخرج معه؛ وإنَّما خرج رسولُ الله صلَّى
اللّه عليه وسلَّم مُرْهِبًا للعدوّ؛ وليبلغهم أنه خرج فى طلبهم ؛ ليظنُّوا به قوّة،
١٤٢٨/١ وأنّ الذى أصابهم لم يوهنهم عن عدوّهم.
حدّثنا ابنُ حُميد ، قال : حدّثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ،
قال : فحدثنى عبد الله بن خارجة بن زيد بن ثابت ، عن أبى السائب مولى
عائشة بنت عثمان، أنّ رجلاً من أصحاب رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم
من بنى عبد الأشهل كان شهد أحدًا، قال : شهدتُ مع رسولِ اللّه صلَّى
اللّه عليه وسلَّم أنا وأخ لى، فرجعنا جَرِيحَيْنِ؛ فلمَّا أذن مؤذّنُ رسولِ
اللّه صلَّى الله عليه وسلَّم بالخروج فى طلب العدوّ، قلت لأخى وقال لى :
أنفُوتنا غزوة مع رسول اللّه صلَّى اللّه عليه وسلَّم! والله ما لنا من دابة نركبها،
وما منَّا إلا جريح ثقيل؛ فخرجنا مع رسول الله صلَّى اللّه عليه وسلَّم - وكنت
أيسر جُرْحاً منه - فكنت إذا غُلِبَ حملتُه عُقْبة(١) ومشى عُقْبة؛ حتى
(١) العقبة ، بالضم : النوبة .

سنة ٣
٥٣٥
انتهينا إلى ما انتهى إليه المسلمون، فخرج رسولُ اللّه صلَّى الله عليه وسلّم،
حتى انتهى إلى حَمْراء الأسد ؛ وهى من المدينة على ثمانية أميال، فأقام بها
ثلاثاً : الاثنين ، والثلاثاء ، والأربعاء ، ثم رجع إلى المدينة .
وقد مرّ به - فيما حدّثنا ابنُ حُميد ، قال : حدّثنا سلّمة ، عن ابن
إسحاق ، عن عبد اللّه بن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم - معبَدٌ
الخُزاعىّ، وكانت خُزاعة مسلمهم ومشركهم عَيْبَة (١) رسول اللّه صلى اللّه
عليه وسلم بتهامة، صفْقتُهم (٢) معه، لا يخفون عليه شيئًا كان بها - ومعبد
يومئذ مشرك - فقال: يا محمَّد؛ أما والله لقد عزّ علينا ما أصابك فى أصحابك؛
ولوّدَ دْنا أن اللّه كان أعفاك فيهم! ثم خرج من عند رسول الله صلى الله عليه ١٤٢٩/١
وسلم بحمراء الأسد ؛ حتى لقَ أبا سفيان بن حَرْب ومن معه بالرّوحاء ،
وقد أجمعوا الرّجعة إلى رسول الله صلَّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه ، وقالوا :
أصبنا حَدّ أصحابه وقادتهم وأشرافهم؛ ثم رجعنا قبل أن نستأصلهم ؛ لنكرّن
على بقيَّتهم ؛ فلنَفْرُغَنّ منهم. فلمّا رأى أبو سفيان مَعْبَدا، قال :
ما وراءك يا معبد؟ قال : محمّد قد خرج فى أصحابه يطلبكم فى جمعٍ لم
أر مثله قطّ؛ يتحرّقون عليكم تحرّقًا؛ قد اجتمع معه مَنْ كان تخلّف
عنه فى يومكم ، وندموا على ما صنعوا ، فيهم من الحَنِقِ عليكم شىء لم أر
مثلَه قطّ . قال: ويلك ما تقول! قال: والله ما أراك ترتحل حتى ترى نواصى"
الخيل . قال: فوالله لقد أجمعنا الكرّة عليهم لنستأصل(٣) بقيَّتّهم، قال:
فإنّى أنهاك عن ذلك ، فوالله لقد حملنى ما رأيت على أن قلت فيه أبياتًا من
شعر ، قال : وماذا قلت ؟ قال : قلت:
إذسالَتِ الْأَرْضُ بالجُرْد الأبابيل(٤)
كَادَتُ تُهَدُّ مِنَ الْأَصْوَاتِ رَاحِلَتِى
(١) عيبة الرجل: موضع سره.
(٢) ساقطة من رواية الأغانى .
(٣) فى الأغانى: ((لنستأصل شافتهم)).
(٤) تهد: يبلغ منها الجهد وتكسر. والجرد: جمع أجرد ؛ وهو الفرس القصير الشعر.
والأبابيل : الجماعات .

٥٣٦
سنة ٣
تَرَدِى بِأسْدٍ كِرَام لا تَنَابِلَةٍ
١٤٣٠/١ فظَلتُ عَدْوًا أظنُّ الأرْضَ مَائلةً
فقلتُ وَيْلَ ابْنِ حَرْبٍ مِن لِقَائِكُمْ
إِنِّى تَذِيرٌ لأهلِ البَئِلِ ضاحِيةً
عند اللَّاءِ ولا خُرْقِ مَعَازِيلِ
لمّا سَمَوْا بِرَئيسٍ غيرِ مخذولِ
إذا تَنَطْمَطَتِ الْبَطْحَاءِ بالجِيلِ(١)!
لكلِّ ذى إرْبَةٍ منهم ومَعْقُول(٢)
وليسَ يُوصَفُ مَا أَنْذَرْتُ بالقِيلِ(٣)
من جَيْشِ أَحْمَدَ لا وَخْشٍ قَنَا بِلُه
قال : فثنى ذلك أبا سفيان ومَنْ معه. ومَرّ به ركبٌ من عبد القيس،
فقال : أين تريدون ؟ قالوا : نريد المدينة ، قال : ولم ؟ قالوا : نريد الميرة ،
قال: فهل أنتم مبلِّغون عنى محمَّدًا رسالة أرسلكم بها إليه، وأحمُّل لكم
إبلكم هذه غدًا زبيبًا بعُكَاظ إذا وافيتموها ؟ قالوا : نعم ؛ قال : فإذا جئتموه
فأخبروه أنا قد أجمعنا المسيرَ إليه وإلى أصحابه ؛ لنستأصل بقيَّتهم. فمرّ الركبُ
برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بحمراء الأسد ، فأخبروه بالذى قال
أبو سفيان، فقال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم وأصحابه: حسبنا الله
ونعم الوكيل !
قال أبو جعفر : ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بعد
الثالثة؛ فزعم بعضُ أهل الأخبار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ظفر فى
وجهه إلى حمراء الأسد بمعاوية بن المغيرة بن أبى العاص، وأبى عَّة الجُمَحِىّ؛
١٤٣١/١ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم خلَّف على المدينة حين خرج إلى حمراء
الأسد ابنَ أمّ مكتوم .
(١) تغطمطت: اضطربت. والجيل: الأمة وكل صنف من الناس.
(٢) فى الأغانى: ((لأهل السيل))؛ والسيل: من أسماء مكة. ضاحية: علانية. المعقول
العقل .
(٣) الوخش: رذالة الناس وصغارهم. والقنابل: جمع قنبلة؛ وهى الطائفة من الناس . وفى
الأغانى: ((تنابلة)) .

سنة ٣
٥٣٧
وفى هذه السنة - أعنى سنة ثلاث من الهجرة - وُلِدَ الحَسَنُ بن
على بن أبى طالب فى النصف من شهر رمضان .
وفيها عَلَقَتْ فاطمة بالحسين صلوات اللّه عليهما. وقيل : لم يكن بين
ولادتها الحسن وحملها بالحسين إلاّ خمسون ليلة .
وفيها حملت - فيما قيل - جَميلة بنت عبد الله بن أبىّ بعبد الله بن
حنظلة بن أبى عامر فى شوّال .

سنة ٤
ذكر الأحداث التى كانت فى سنة أربع من الهجرة
[ غزوة الرَّجيع ]
ثم دخلت السنة الرابعة من الهجرة ، فكان فيها غزوة الرّجيع فى صفر.
وکان من أمرها ما حدثنى به ابن حُميد، قال: حد تناسلمة، قال: حدّثنی
محمَّد بن إسحاق ، عن عاصم بن عمر بن قتادة ؛ قال : قدم على رسول
اللّه صلَّى الله عليه وسلَّم بعد أحد رهْط من عَضَل والقارة (١) فقالوا له:
يا رسولَ اللّه؛ إن فينا إسلاماً وخيراً ؛ فابعث معنا نفرًا من أصحابك
يُفَقِّهوننا(٢) فى الدين، ويقرءوننا (٢) القرآن، ويعلموننا (٢) شرائع الإسلام.
فبعث رسولُ الله صلَّى اللّه عليه وسلَّم معهم نفرًا سنَّة من أصحابه: مَرْتّد بن
١ / ١٤٣٢ أبى مرتد الغَنَوىّ حليف حمزة بن عبد المطَّب، وخالد بن البُكَيْر حليف
بنى عدىّ بن كعب، وعاصم بن ثابت بن أبى الأقلح أخا بنى عمرو بن
عوف ، وخُبَيْبَ بن عدىّ أخا بنى جَحْجَبَى بن كُلْفَة بن عمرو بن
عوف ، وزيدَ بن الدّثِنة أخا بنى بياضة بن عامر ، وعبدَ اللّه بن طارق
حليفًا لبنى ظَفَرَ من بَلِىّ .
وأمَّرَ رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم على القوم مرثَد بن أبى مرتَد ،
فخرجوا مع القوم ، حتى إذا كانوا على الرّجيع (ماء لهذيل بناحية من الحجاز
من صدور الهَدْأة) غدرُوا بهم، فاستصرخوا (٣) عليهم هُذَيْلاً، فلم
يُرَّع القومُ وهم فى رحالهم إلاّ بالرجال فى أيديهم السيوف ، قد غَشُوهم .
فأخذوا أسيافهم ليقاتلوا(٤) القوم، فقالوا لهم: إنَّا والله ما نريد قتلكم؛ ولكنَّا
(١) قال ابن هشام: ((عضل والقارة: من الهون بن خزيمة بن مدركة)).
(٢) فى رواية الأغانى، بحذف النون على الجزم فى جواب الطلب؛ وإثباتها على أن تكون
الجملة صفة لنفر .
(٣) استصرخوا : استنصروا.
(٤) ابن هشام: ((ليقاتلوهم)).
٥٣٨

سنة ٤
٥٣٩
نريد أن نصيب بكم شيئًا من أهل مكَّة، ولكم عهد الله وميثاقه ألاّ نقتلكم.
فأمَّا مرتَد وخالد بن البُكَيْر وعاصم بن ثابت بن أبى الأقلح ، فقالوا: والله
لا نقبل من مشرك عهدًا ولا عقْدًا أبدًا؛ فقاتلوهم حتى قتلوهم جميعاً .
وأمَّا زيد بن الدّتِنة وحُبَيْب بن عَدِىّ وعبد اللّه بن طارق فلانُوا ورقُوا
ورغبوا فى الحياة، فأعطوا بأيديهم(١)، فأسروهم، ثمّ خرجوا بهم إلى مكة
ليبيعوهم بها حتى إذا كانوا بالظَّهْران ، انتزع عبدُ الله بن طارق يدَه
من القِران (٢)، ثمّ أخذ سيفه واستأخر عنه القوم، فرموه بالحجارة حتى
قتلوه ، فقْبْرُه بالظَّهْران .
١٤٣٣/١
وأما خُبَيْبُ بن عدى وزيد بن الدّئنة ، فقِدُمُوا بهما مكَّة ، فباعوهما
فابتاع خبيبا حُجَيْرُ بن أبى إهاب التميمىّ حليف بنى نوفل لعُقْبة بن
الحارث بن عامر بن نوفل - وكان حُجير أخا الحارث بن عامر لأمّه - ليقتله
بأبيه ، وأمَّا زيد بن الدَّتِنَة، فابتاعه صَفْوان بن أمية ليقتله بأبيه أميّة بن
خلف ، وقد كانت هُذيل حين قُتل عاصم بن ثابت قد أرادوا رأسه ليبيعوه
من سُلاَفة بنت سعد بن شُهَيْد ، وكانت قد نذرتْ حين أصاب ابنها يوم
أحُد : لئن قدرَتْ على رأس عاصم لتشرَبَنّ فى قِحْفه الخمر ، فمنعته
الدَّبْر (٣) . فلما حالت بينهم وبينه ، قالوا : دعوه حتى يُمْسى فتذهب عنه ،
فتأخذه ، فبعث اللّه الوادى . فاحتمل عاصما فذهب به ، وكان عاصم قد
أعطَى اللّه عهدًا ألاّ يمسه مشركٌ أبدًا ولا يمسَّ مشركًا أبدًا، تنجُّسًا(٤)
منه . فكان عمر بن الخطاب يقول حين بلغه ، أن الدّبْرَ منعته : عجبا ،
لحفظ الله العبد المؤمن! كان عاصم نذر ألاّ يمسَّه مشرك، ولا يمس مشركًا
أبدًا فى حياته ، فمنعه الله بعد وفاته كما امتنع منه فى حياته (٥) .
(١) أعطوا بأيديهم : انقادوا .
(٢) القران : الحبل يربط به الأسير .
(٣) الدبر: الزنابير والنحل .
(٤) يقال : فلان يتنجس ؛ إذا فعل فعلا يخرج به عن النجاسة ، كما يقال : يتأثم ويتحرج
ويتحنث؛ إذا فعل فعلا يخرج به عن الإثم والحرج والحنث .
(٥) سيرة ابن هشام ٢: ١٦٧، ١٦٨، الأغانى
( طبعة دار الكتب ) .
٢٢٥ - ٢٢٧
:
٤

٥٤٠
سنة ٤
قال أبو جعفر : وأما غيرُ ابنِ إسحاق ، فإنَّه قصّ من خبر هذه
السريّة غير الذى قصّه ، والذى قصّه غيره من ذلك ما حدّثنا أبو كُرّيب ،
قال : حدّثنا جعفر بن عون العمرىّ، قال : حدثنا إبراهيم بن إسماعيل،
عن عمرو - أوعمر - بن أَسيد، عن أبى هريرة، أنّ رسولَ اللّه صلَّى اللّه
عليه وسلَّم بعث عشرة رهط ، وأمَّر عليهم عاصم بن ثابت، فخرجوا حتى
إذا كانوا با لهَدْأة ذُكِيُرُوا لحىّ من هُذَيل ، يقال لهم : بنو لِحْيان ،
فبعثوا إليهم مائة رجل راميًا؛ فوجدوا مأكلهم حيث أكلوا التَّمر ، فقالوا :
هذه نَوَى يثرب، ثمّ اتَّبِعوا آثارهم؛ حتى إذا أحسّ بهم عاصمٌ وأصحابه
التجئوا إلى جبل ، فأحاط بهم الآخرون ، فاستنزلوهم ، وأعطَوْهم العهدَ ؛
فقال عاصم: والله لا أنزل على عهد كافِرٍ ، اللَّهمّ أخبر نبيَّك عنّا. ونزل
إليهم ابن الدِّينَة البَيَاضِىّ، وحُبيب، ورجل آخر ، فأطلق القوم أوتار
قِسيُّّهم، ثمّ أوْثقوهم، فجرحوا رجلاً من الثلاثة، فقال: هذا واللّه أوّل
١٤٣٥/١ الغَّدْر؛ واللّه لا أتَّبعكم. فضربوه فقتلوه، وانطلقوا بخُبيب وابن الدَِّنَة إلى
مكنَّة ، فدفعوا خُبِيبًا إلى بنى الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف ، وكان
خُبَيَب هو الذى قَتَل الحارث بأحُد ؛ فبينما خُبَيَب عند بنات الحارث ؛
إذ استعار من إحدى بنات الحارث موسَى يستحدّ(١) بها للقتل، فما راع المرأة -
ولها صبيّ يدْرُجُ - إلاّ بخُبيب قد أجلَس الصبىَّ على فَخِذِه، والموسَى فى
يده، فصاحت المرأة، فقال خُبَيَب: أتخْشَيْن أنّى أقتُله! إنّ الغدر
ليس من شأننا . قال: فقالت المرأة بعد: ما رأيتُ أسيرًا قطّ خيرًا من خُبيب؛
لقد رأيته وما بمكّة من ثمرة؛ وإن فى يده لقِطْفًا من عنب يأكله ؛ إن كان
إلاّ رِزْقًا رزقه اللّهُ خبيبا.
وبعث حىّ من قريش إلى عاصم ليُؤْتَوْا من لحمه بشىء ، وقد كان
لعاصم فيهم آثار (٢) بأحد؛ فبعث اللّه عليه دَبْرًا، فحمَتْ لَحمه، فلم
(١) يستحد: يحلق شعر عانته، وفى اللسان - حدد: ((وفى حديث خبيب أنه استعار
موسى استحد بها ؛ لأنه كان أسيراً عندهم وأرادوا قتله لئلا يظهر شعر عانته عند قتله )) .
(٢) آثار: جمع ثأر على القلب.