Indexed OCR Text

Pages 461-480

٤٦١
سنة ٢
فإن أمه ذاتُ متاع ، لعلَّها أن تفتديَهُ منك . قال : وكنت فى رهط من
الأنصار حين أقبلوا بى من بدْر؛ فكانوا إذا قدّموا غداءهم وعشاءهم خصَّونى ١٣٣٨/١
بالخبز، وأكلوا التمر لوصيّة رسول الله صلى الله عليه وسلم إياهم بنا، ما تقع فى
يد رجل منهم كسرة من الخبز إلا نفحنى بها . قال : فأستحى ، فأردّها
على أحدهم فيردّها علىّ ما يَمسُّها(١).
حدّثنا ابنُ حميد ، قال : حدّثنا سلمة ، قال : قال محمد بن إسحاق :
وكان أوّل مَنْ قدم مكة بمُصاب قریش الْحَیْسُمان بن عبد الله بن إياس
ابن صُبَيْعة بن مازن بن كعب بن عمرو الخزاعىّ - قال أبو جعفر : وقال
الواقدىّ : الحيسُمان بن حابس الخزاعى - قالوا: ما وراءك ؟ قال : قُتل
عتبة بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة ، وأبو الحكم بن هشام ، وأمية بن
خلف ، وزمعة بن الأسود ، وأبو البخترىّ بن هشام ونُبَيَه ومنبه ابنا الحجاج .
قال : فلمَّا جعل يعدّد أشراف قريش ، قال صَفْوان بن أمية وهو قاعد فى
الحجْر: والله إنْ يعقل هذا فَسلُوه عنى ، قالوا: ما فعل صفوان بن أمية ؟
قال : هو ذاك جالسا فى الحِجْر، وقد واللّه رأيتُ أباه وأخاه حين قتلا(٢).
حدّثنا ابنُ حميد ، قال : حدثنا سلمة ، قال : قال محمد بن إسحاق :
حدثنى حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس، عن عكرمة مولى ابن ١٣٣٩/١
عبَّاس، قال: قال أبو رافع مولى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: كنت
غلامًا للعبَّاس بن عبد المطّلب ، وكان الإسلام قد دخلنًا أهل البيت ،
وأسلمتْ أمّالفضل وأسلمتُ ، وكان العبّاس يهاب قومه، ويكره أن يخالفهم ،
وكان يكتم إسلامه ، وكان ذا مال كثير متفرّق فى قومه ، وكان أبو لهب
عدوّ اللّه قد تخلَّفَ عن بدر ، وبعث مكانه العاص بن هشام بن المغيرة
وكذلك صنعوا، لم يتخلّفّ رجل إلّ بعثَ مكانه رجلا، فلمّا جاء الخبر عن مُصاب
أصحاب بدر من قريش ، كبته اللّه وأخزاه، ووجدنا فى أنفسنا قوّة وعزًّا.
(١) سيرة ابن هشام ٢: ٣٠٠.

٤٦٢
سنة ٢
قال : وكنت رجلاً ضعيفًا ، وكنت أعمل القداح ، أنحتُها فى حَجْرة
زمزم ، فوالله إنى الجالس فيها أنحت القِداح ، وعندى أمّ الفضْل جالسة ،
وقد سرّنا ما جاءنا من الخبر، إذ أقبلَ الفاسق أبو لهب يجرّ رجليْه بشرّ،
حتى جلس على طُنُب الحجرة ، فكان ظهره إلى ظهرى ؛ فبينا هو جالس
إذ قال الناس : هذا أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطَّلب قد قدم . قال :
فقال أبو لهب : هلمّ إلىّ يا بنَ أخِى ؛ فعندك الخبر . قال : فجلس إليه ،
والناس قيام عليه ، فقال : يا بن أخى ، أخبرنى ؛ كيف كان أمر الناس ؟
١٣٤٠/١ قال: لا شىء؛ والله إن كان إلاّ أن لقيناهم، فمنحناهم أكتافنا ، يقتلوننا
ويأسرون كيف شاءوا ؛ وايمُ اللّه مع ذلك ما لُمْتُ الناس ؛ لقينا
رجالاً بِيضًا على خيل بُلْقٍ بين السماء والأرض؛ ما تليق(١) شيئًا ولا يقوم
لها شىء. قال أبو رافع: فرفعت طُنُب(٢) الحجْرة بيدى، ثم قلت: تلك
الملائكة . قال : فرفع أبو لهب يدّه فضرب وجهى ضربة شديدة ، قال :
فثاورتُه (٣)، فاحتملنى، فضرب بى الأرضَ ثم برك علىّ يضربنى - وكنت رجلا
ضعيفًا - فقامت أمّ الفضل إلى عَمُود من عُمُد الحجرة، فأخذته فضربته به
ضربة فشجّت(٤) فى رأسه شجَّة منكرة، وقالت: تستضعفه أنْ غاب عنه سيّده!
فقام مولّيًا ذليلا، فوالله ما عاش إلاّ سبع ليال حتى رماه الله عزّ وجلّ بالعَدَسة(٥)
فقتلته ، فلقد تركه ابناه ليلتين أو ثلاثا ما يدفنانه حتى أنتن فى بيته - وكانت
قريش تتفى العدسة وعَدْوَتَها كما يتّقى الناس الطاعون - حتى قال لهما
رجل من قريش: ويحكما ! ألاَ تستحيان أنّ أبا كما قد أنتن فى بيته
لا تغيِّانه! فقالا: إنا نخشى هذه القَرْحة، قال : فانطلقا فأنا معكما ،
فما غسلوه إلا قذْفًا بالماء عليه من بعيد ، ما يمسُّونه ، ثم احتملوه فدفنوه بأعلى
١٣٤١/١ مكّة إلى جدار، وقذفوا عليه الحجارة حتى واروه(٦) ...
(٢) طنب الحجرة : طرفها.
(١) ما تليق: ما تبقى .
(٣) ثاورته : وثبت إليه.
(٤) كذا فى الأغانى، وفى ط: ((فلقت)).
(٥) العدسة : قرحة قاتلة كالطاعون .
(٦) سيرة ابن هشام ٢: ٧٨، ٧٨، والأغانى ٤: ٢٠٥، ٢٠٦.

سنة ٢
٤٦٣
حدّثنا ابنُ حميد ، قال : حدّثنا سلمة بن الفضل، قال : قال محمد بن
إسحاق: وحدثنى العبّاس بن عبد الله بن معبد، عن بعض أهله ، عن عبدالله
ابن عبّاس ، قال: لمَّا أمسى القوم من يوم بدْر، والأسارى محبوسون فى
الوَثاق، باتَ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ساهرًا أوّل ليلة ، فقال له
أصحابه : يا رسولَ الله، مالك لا تنام! فقال: سمعت تضوّرَ العبَّاس فى
وثاقه ، قال: فقاموا إلى العبَّاس فأطلقوه، فنام رسولُ اللّه صلَّى اللّه عليه
وسلَّم(١) .
حدّثنا ابنُ حميد، قال : حدّثنا سلمة بن الفضل ، عن محمد بن
إسحاق، قال : فحدّثّنى الحسنُ بن عمارة ، عن الحكم بن عتبية بن مِقْسَم،
عن ابن عبّاس ، قال : كان الذى أسر العبَّاس أبو اليَسَر كعب بن عمرو
أخو بنى سلمة ، وكان أبو اليَسَر رجلاً مجموعًا، وكان العبَّاس رجلاً
جسيمًا ، فقال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم لأبى اليَسَرَ: كيف أسرت
العباس يا أبا اليَسَر ؟ فقال: يا رسولَ اللّه؛ لقد أعاننى عليه رجلٌ
ما رأيته قبلَ ذلك ولا بعده ؛ هيئته كذا وكذا ، قال رسولُ اللّه صلَّى اللّه
عليه وسلَّم: لقد أعانك عليه ملك كريم(١).
حدّثنا ابنُ حميد، قال : حدّثنا سلمة بن الفضل ، عن محمد بن ١٣٤٢/١
إسحاق ، قال: وحدثنى يحيى بن عبَّاد، عن أبيه عبَّاد، قال: ناحتْ
قريش على قتلاهم ، ثم قالوا : لا تفعلوا فيبلُغَ ذلك محمدًا وأصحابَه ،
فيشمّت(٢) بكم، ولا تبعثوا فى فداء أسراكم حتى تستأنوا بهم (٣)؛ لا يتأرّب (٤)
عليكم محمد وأصحابُه فى الفداء(٥) .
(١) الأغانى ٤: ٢٠٦ .
(٢) سيرة ابن هشام والأغانى: ((فيشمتوا)).
(٣) حتى تستأنوا بهم: أى تؤخروا فداءهم، وفى الأغانى: ((حتى تيأسوا)).
(٤) يتأرب: يتأبى ويتشدد. وفى السيرة واللسان- مادة أرب: ((لا يأرب)).، وأرب: تشدد.
(٥) سيرة ابن هشام ٧٩، والأغانى ٤: ٢٠٦ .

٤٦٤
سنة ٢
قال : وكان الأسود بن عبد المطّلب(١) قد أصيب له ثلاثة من ولده :
زَمْعة بن الأسود ؛ وعقيل بن الأسود ، والحارث بن الأسود ؛ وكان يحبّ أن
ببكِىَ على بنيه ؛ فبينا هو كذلك ؛ إذ سمع نائحة من الليل ، فقال الغلام له
وقد ذهب بصره : انظر هل أحِلّ النّحبُ ؟ هل بكت قريش على قتلاها ؟
لعلّى أبكى على أبى حكيمة - يعنى زَمْعة - فإنّ جَوْفى قد احترق! قال :
فلما رجع إليه الغلام ، قال: إنما هى امرأة تبكى على بعير لها أضلّتْه. قال :
فذلك حين يقول :
وَيَمْنَعُها مِنْ النَّوْمِ السُّهُورُ (٢)
أَتَبْكى أَنْ يَضِلَّ لها بَعِيرٌ
١٣٤٣/١
على بَدْرٍ تَقَصَرَتِ الجَدُورُ(٣)
فلا تَبْكى على بَكْرٍ ولكنْ
على بَدْرِ سَراةٍ بَنِى هُصَيْصٍ
وَخْزُومِ ورَهْطِ أبِى الوَليدِ (٤)
وبَلِّى إِنْ بَكَيْتٍ عَلَى عَقِيلٍ
وَبَلِّى حارِنَّا أَسَدَ الْأُسُودِ(٥)
وَبَكِّيهِمْ ولا تَسَعِى(٦) جَمِيعاً
فما لأبى حَكِيمَةَ منْ ندِیدِ
ولَوْلا يَوْمُ بِدْرٍ لمَ يَسُودُوا(٧)
ألا قد ساد بَعْدَهُمُ رجالٌ
قال: وكان فى الأسارى أبو وداعة بن ضُبِيْرة السَّهْمىّ، فقال رسولُ اللّه
صلَّى الله عليه وسلَّم : إن له ابناً تاجرًا كيّساً ذا مال؛ وكأنكم به قد جاءكم
فى فداء أبيه! قال : فلَّما قالت قريش: لا تعجلوا فى فداء أسرائكم لا يتأرّب (٨)
عليكم محمد وأصحابه ، قال المطّلب بن أبى وداعة - وهو الذى كان رسول
اللّه صلى الله عليه وسلم عَنَى -: صدقتم، لا تعجلوا بفداء أسُرائكم.
(١) كذا فى السيرة؛ وهو الموافق لما فى حماسة أبى تمام والاشتقاق لابن دريد ٩٤، وفى ط :
(( ابن عبد يغوث )) .
(٢) حماسة أبى تمام- بشرح التبريزى ٢: ٣٤٠، ٣٤١.
(٣) البكر : الفتى من الإبل . تقاصرت الجدود ، أى تواضعت الحظوظ .
(٤) سراة: جمع سرى ؛ وهو السيد الكريم .
(٥) بكّاه بالتضعيف ، كبكاه المخفف .
(٦) لا تسمى مخفف ((لا تسأمى)).
(٧) قال ابن هشام: ((هذا إقواء)).
(٨) سيرة ابن هشام: ((لا يتأرث)).

سنة ٢
٤٦٥
ثم انسلّ من الليل، فقدم المدينة ، فأخذ أباه بأربعة آلاف درهم ، ثم
انطلق به ، ثم بعثت قريش فى فداء الأسارى ، فقدم مكرز بن حفص
ابن الأخْيف فى فداء سُهيل بن عمرو، وكان الذى أسَرَه مالك بن
الدُّخُشم ، أخو بنى سالم بن عوف، وكان سهيل بن عمرو أعْلَمَ(١) من
شَفَتَه السّفْلَى (٢).
حدّثنا ابنٌ حميد، قال: حدّثنا سَلَمة، قال : قال محمد بن إسحاق:
فحدثنى محمد بن عمرو بن عطاء بن عيّاش (٣) بن علقمة، أخوبنى عامربن ١٣٤٤/١
لؤىّ، أنّ عمر بن الخطاب قال لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: يا رسولَ الله
انتزع ثنيّتَىْ سُهَيْل بن عمرو السّفْليَيْن يَدْلَعْ(٤) لسانه، فلا يقوم
عليك خَطَيبا فى موطنٍ أبداً، فقال رسولُ الله صلَّى اللّه عليه وسلم: لا أمثَّلُ
به فيمثِّل الله بى ؛ وإنّ كنت نبيًّا .
قال: وقد بلغنى أنّ رسولَ اللّه صلَّى الله عليه وسلّم قال لعمر فى هذا
الحديث : إنَّه عسى أن يقوم مقامًا لا تذمّه؛ فلمّا قاولهم فيه مِكْرَز، وانتهى
إلى رضاهم، قالوا : هات الذى لنا . قال: اجعلُوا رجِلى مكان رجْله، وخلُّوا
سبيله حتى يبعث إليكم بفدائه. قال : فخلَّوْا سبيل سُهيل، وحبسوا مِكرزًا
مكانته عنده(٥).
حدّثنا ابنُ حميد، قال: حدّثنا سلّمة ، قال: قال محمّد بن إسحاق ،
عن الكلبىّ، عن أبى صالح، عن ابن عباس، أنّ رسولَ اللّه صلَّى اللّه
عليه وسلّم قال للعبّاس بن عبد المطلب حين انتهى به إلى المدينة : يا عبّاس ،
افدِ نفسَك وابنى(٦) أخيك عقيل بن أبى طالب ونوفل بن الحارث ، وحليفك
عُتْبة بن عمرو بن جَحْدم ، أخابنى الحارث بن فهر ؛ فإنك ذو مال .
(١) الأعلم: المشقوق الشفة العليا؛ وأما المشقوق الشفة السفلى ؛ فهو الأفلح .
(٢) الخبر فى سيرة ابن هشام ٢: ٧٩، ٨٠، والأغانى ٤: ٢٠٨، ٢٠٩.
(٣) ط: ((عباس))، والصواب ما أثبته، وانظر كتب التراجم.
(٤) يدلع : يخرج .
(٥) سيرة ابن هشام ٢: ٨٠.
(٦) الأغانى: ((ابن)).
(٣٠)

٤٦٦
سنة ٢
فقال : يا رسولَ اللّه؛ إنّى كنتُ مُسْلِمًا؛ ولكنّ القوم استكرهونى، فقال:
اللّه أعلم بإسلامك؛ إن يكن ما تذكر حقًّا فالله يجزيك به، فأمَّا ظاهرٌ
أمرك فقد كان علينا، فافْد نفسَك - وكان رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم
قد أخذ منه عشرين أوقيَّة من ذهب - فقال العباس : يا رسولَ اللّه ، احسبها
لى فى فدائى، قال: لا؛ ذاك شىء أعطاناه اللّه عزّ وجل" منك، قال: فإنَّه
١٣٤٥/١ ليس لى مال. قال : فأين المال الذى وضعته بمكة حيث خرجت من عند
أم الفضل بنت الحارث ، ليس معكما أحد . ثم قلتَ لها : إن أصبتُ فى
سفرى هذا فلفضل كذا وكذا ، ولعبد اللّه كذا وكذا ، ولِقُثَم كذا وكذا ،
ولعبيد اللّه كذا وكذا !. قال: والَّذى بعثك بالحقّ ما علِمَ هذا أحد
غيرى وغيرها ؛ وإنى لأعلم أنك رسول الله، فقدَى العبّاس نفسَه وابنى(١)
أخيه وحليفه(٢) .
حدّثنا ابنُ حميد ؛ قال : حدثنا سلّمة بن الفضل ، عن محمد ،
قال : وحدّثنى عبد اللّه بن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، قال : كان
عمرو بن أبى سفيان بن حرب - وكان لابنة عُقْبة بن أبى مُعيْط - أسيرًا فى
يدىْ رسول الله صلَّى اللّه عليه وسلَّم من أسارى بدر، فقيل لأبى سفيان:
افْدِ عَمْرًا، قال : أيجمع علىّ دمى ومالى ! قتلوا حَنْظَلَة وأفدى
عمراً! دَعُوه فى أيديهم يمسكوه ما بدا لهم. قال: فبينا هو كذلك محبوس"
عند رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، خرج سعدُ بن النّعمان بن أكّال،
أخو بنى عمرو بن عوف ، ثم أحد بنى معاوية معتمرًاً، ومعه مُرّيّة(٣) له؛
وكان شيخاً كبيراً مسلما فى غنم له بالنقيع (٤)؛ فخرج من هنالك معتمراً ؛
ولا يخشى الذى صُنع به ؛ لم يظن أنه يُحْبس بمكّة؛ إنما جاء معتمراً ؛
(١) الأغانى: ((وابن أخيه)).
(٢) الأغانى ٤ : ٢٠٧ .
(٣) مرية، تصغير امرأة .
(٤) م: ((البقيع))، والصواب ما فى ط والسيرة؛ والنقيع: موضع قرب المدينة، والبقيع:
موضع داخل المدينة ؛ والأول هو المراد .

سنة ٢
٤٦٧
وقد عَهِد قريشا لا تعترض لأحد حاجًّا أو معتمرًاً إلاّ بخير ؛ فعدًا عليه ١٣٤٦/١
أبو سفيان بن حرب ، فحبسه بمكّة بابنه عمرو بن أبى سفيان ، ثم قال
أبو سفيان :
تعاقد تمُ لأُتُسْلِمُوا السَّيِّدِ الكَهلا(١)
أرَهْطَ ابْنِ أ گَّالِ أجيبوا دُعاء.
لئنْلم يَفُكُّوا عن أسيرِ هِمُ الكَبْلاَ
فإِنَّ بَنِى عَمْرٍ و لئامٌ أذِلَّةٌ
قال : فمشى بنُو عمرو بن عوف إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم؛
فأخبروه خبره ، وسألوه أن يعطيتهم عمرو بن أبى سفيان فيفكُّوا شيخَهم ؛
ففعل رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فبعثوا به إلى أبى سفيان، فخلَّى
سبيل سعد .
قال : وكان فى الأسارى أبو العاص بن الربيع بن عبد العُزّى بن
عبد شمس(٢) ختَّنُ رسول الله صلَّى اللّه عليه وسلم، زوج ابنته زَيْنَب، وكان
أبو العاص من رجال مكنَّة المعدودين مالا وأمانة وتجارةً، وكان لهالَة بنت خُوَيْلد
[ وكانت](٣) خديجة خالته، فسألت خديجة رسولَ اللّه صلَّى الله عليه وسلَّم
أن يزوّجه؛ وكان رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم لا يخالفها؛ وذلك قبل
أن ينزّل عليه، فزوّجه؛ فكانت تعدّه بمنزلة ولدها؛ فلما أكرمَ اللّه عزّ وجل
رسولَه بنُبُوّته آمنت به خديجة وبناته، فصدَّقنهُ وشهِدْنَ (٤) أنّ ما جاء
به هو الحقُّ؛ ودِنّ بدينه ؛ وثبتَ أبو العاص على شِرْكه .
وكان رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم قد زوَّج عتبة بن أبي لهب
إحدى ابنتيْه رُقَيَّة أو أمّ كُلْثُوم؛ فلما بادى قريشًا بأمر الله عزّ وجلّ"
وباعدوه(٥)، قالوا: إنكم قد فرّغتم محمّدًا من همّه؛ فردوا عليه بناته، فاشغَلُوه
بهنّ، فمشوْا إلى أبى العاص بن الربيع، فقالوا له: فارقْ صاحبتك؛ ونحن ١٣٤٧/١
(١) كذا فى السيرة، و، وفى ط: ((تفاقدتم)).
(٢) قال ابن هشام: ((أسره خراش بن الصمة، أحد بنى حرام)).
(٣) من ابن هشام .
(٤) م: ((وشهدت )).
(٥) ابن هشام: ((بالعداوة)).

٤٦٨
سنة ٢
نزوّجك أىّ امرأة شئت من قريش ، قال : لا ها اللّه إذاً؛ لا أفارق صاحبتى
وما أحبّ أنّ لى بامرأتى امرأة من قريش؛ وكان رسولُ اللّه صلَّى اللّه عليه
وسلَّم يثنى عليه فى صهْرُه خيرًا - فيما بلغنى .
قال : ثم مشوْا إلى الفاسق ابن الفاسق، عُتبة بن أبي لهب، فقالوا له:
طلِّق ابنةَ محمد ونحن نزوجك أىّ امرأة من قريش شئت؛ فقال : إن
زوجتمولى ابنَة أبان بن سعيد بن العاص ، أو ابنة سعيد بن العاص
فارقتُها . فزوجوه ابنة سعيد بن العاص وفارقها ، ولم يكن عد وّ اللّه دخل بها ،
فأخرجها الله من يده كرامة لها ، وهوانًا له ؛ فخلفَ عليها عثمان بن عفَّان
بعده؛ وكان رسولُ الله صلَّى اللّه عليه وسلَّم لا يُحِلّ بمكَّة ولا يحرم
مغلوبًا على أمره، وكان الإسلام قد فرق بين زينب بنت رسول الله صلَّى
اللّه عليه وسلّم حين أسلمت وبين أبى العاص بن الربيع؛ إلاّ أنّ رسولَ الله
صلّى الله عليه وسلّم کان لا يقدر على أن يفرق بينهما؛ فأقامتمعه علىإسلامهم
وهو على شِرْكه ؛ حتى هاجر رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فلمَّا
سارت قريش إلى بدْر سار فيهم أبو العاص بن الرّبيع ؛ فأصيب فى الأسارى
يوم بدر، وكان بالمدينة عند رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم(١).
حدّثنا ابنُ حُميد، قال : حدّثنا سَلَمة، عن محمد بن إسحاق ، قال :
فحدثنى يحيى بن عبّاد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه عبَّاد ، عن عائشة
زوْج النبى صلَّى الله عليه وسلّم، قالت: لما بعث أهل مكة فى فداء
أُسَرَائهم، بعثت زينب بنت رسول الله صلَّى اللّه عليه وسلَّم فى فداء أبي العاص
١٣٤٨/١ ابن الربيع بمال، وبعثت فيه بقلادة لها كانت خديجة أدخلتْها بها على
أبى العاص حين بنَى عليها .
قالت: فلمَّا رآ ها رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم رقّ لها رِقَّةً
شديدةً ، وقال : إن رأيتم أن تُطْلِقُوا لها أسيرَها وتَرُدّوا عليها الذى لها
فافعلوا ! فقالوا : نعم يا رسول اللّه، فأطلَقُوه ورَدُّوا عليها الذى لها .
(١) سيرة ابن هشام ٢: ٨٠، ٨١.

سنة ٢
٤٦٩
وكان رسولُ اللّه صلَّى الله عليه وسلَّم قد أخذَ عليه - أو وَعَدَ رسول الله
صلَّى الله عليه وسلَّم - أن يخلّىَ سبيلَ زينب إليه، أو كان فيما شَرَط عليه
فى إطلاقه؛ ولم يظهر ذلك منه ولا من رسول الله صلَّى اللّه عليه وسلَّم، فيعلم
ما هو ! إلاّ أنَّه لما خرج أبو العاص إلى مكَّة وخُلِّىَ سبيلُه، بعث رسول اللّه
صلَّى الله عليه وسلَّم زيدَ بن حارثة ورجلا من الأنصار مكانه ، فقال :
كونا ببطن يأجج ؛ حتى تمرَّ بكما زينب فتصحباها ، حتى تأتيانى بها ،
فخرجا مكانهما ؛ وذلك بعد بدر بشهر أو شَيْعه(١). فلما قدم أبو العاص
مكَّة أمرها باللحوق بأبيها ؛ فخرجت تجهّز(٢).
فحدّثنا ابنُ حُميد قال: حدّثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق، قال:
حدّثنى عبدُ اللّه بن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، قال: حُدّثت
عن زينب أنَّها قالت: بينا أنا أتجهّزُ بمكَّة للحوق بأبى، لقيتْنِى هنْد بنت
عُتْبة، فقالت: أى ابنة محمد(٣)؛ ألم يَبْلغْنى أنَّك تريدين اللحوق
بأبيك! قالت : فقلت : ما أردتُ ذلك ، قالت : أى ابنةَ عمى ، لا تفعلى ؛
إن كانت لك حاجة بمتاع مما يرفُق بك فى سفرك، أو بمال تبلُغين (٤) به إلى
أبيك ، فإنّ عندى حاجتك فلا تضطنِى(٥) منّى؛ فإنَّه لا يدخل بين
النساء ما يدخل بين الرجال . قالت: ووالله ما أراها قالت ذلك إلاّ لتفعل.
قالت : ولكنى خفْتُها ، فأنكرتُ أن أكون أريد ذلك ، وتجهزت.
١٣٤٩/١
فلمّا فرغت ابنةُ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم من جهازها قدّم لها
حمُوها كنانة بن الربيع أخو زوجها بعيرًا فركبتْه ، وأخذ قوسه وكنانته ،
ثم خرج بها نهارًا يقود بها، وهى فى هودج لها. وتحدث بذلك رجال قریش،
(١) شيعه : قريب منه .
(٢) الخبر فى سيرة ابن هشام ٢ : ٨١.
(٣) سيرة ابن هشام: ((يا بنت محمد)).
(٤) سيرة ابن هشام: ((تتبلغين)).
(٥) لا تضطنى: لا تستحى، وأصله الهمز؛ يقال: اضطأنت المرأة: استحيت ؟
فحذفت الهمزة تخفيفاً .

٤٧٠
سنة ٢
فخرجوا فى طلبها حتى أدركوها بذى طَوَّى، فكان أوّل مَنْ سبق إليها
هَبَّار بن الأسود بن المطّلب بن أسد بن عبد العُزَّى ونافع بن عبد القيس ،
والفهرىّ(١). فروعها هبّار بالرّمح وهى فى هودجها - وكانت المرأة حاملا؛ فيما
يزعمون - فلمّا رجّعَت طرحَتْ ذا بطنها، وبرك حَمُوها، ونثر كنانته ثم
قال: والله لا يدنُو مى رجُلٌّ إلاّ وضعت فيه سهما، فتكركر(٢) النَّاس عنه،
وأتاه أبو سفيان فى جِلَّة قريش، فقال: أيّها الرجل، كفّ عنا نَبْلَك
حتى نكلِّمك، فكفّ. فأقبل أبو سفيان حتَّى وقف عليه ، فقال: إنَّك
لم تُصِبْ ، خرجتَ بالمرأة على رءوس الرّجال علانية، وقد عرفت مصيبتنا
ونكبتَنَا وما دخل علينا من محمّد، فيظنّ الناس إذا خُرج بابنته علانيةً من
بين أظهرنا أنّ ذلك عن ذلّ أصابنا عن مصيبتنا، ونكبتنا التى كانت، وأنّ
ذلك منّا ضعفٌ ووَهَنٌ؛ لَعَمْرِى ما لنا حاجة فى حبسها عن أبيها، ومالنا فى
١٣٥٠/١ ذلك من ثؤْرة(٣)؛ ولكن أرجع المرأة، فإذا هدأ الصوت، وتحدّث النَّاس
أنا قد رددناها، فسُلَّها سرًّا فألحِقْها بأبيها (٤). ففعل حتى إذا هدأ الصوتُ
خرج بها ليلا ؛ حتى أسلمها إلى زيد بن حارثة وصاحبه ، فقد ما بها على
رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم .
قال: فأقام أبو العاص بمكنَّة، وأقامت زينبُ عند رسول الله صلَّى اللّه
عليه وسلَّم بالمدينة ، قد فرّق بينهما الإسلام ، حتى إذا كان قبَيْل الفتح خرج
تاجرًا إلى الشأم - وكان رجلا مأمونا بمال له ، وأموال رجال من قريش أبضعوها
معه - فلما فرغ من تجارته - وأقبل قافلاً ؛ لقِيتْه سرِيّة لرسول اللّه صلى اللّه
عليه وسلم ، فأصابوا ما معه ، وأعجزهم هربًا، فلما قدمت السريّة بما أصابوا
من ماله ، أقبل أبو العاص تحت الليل ؛ حتى دخل على زينب بنت رسول الله
(١) ط: ((الفهرى))؛. وما أثبته من الروض الأنف. قال السهيلى: ((قال: وسبق
إليها هبار بن الأسود ، والفهرى ، ولم يسم ابن إسحاق الفهرى ، وقال ابن هشام : هو نافع بن
عبد قيس، وفى غير السيرة أنه خالد بن عبد قيس )) .
(٢) تكركر الناس عنه : رجعوا وانصرفوا .
(٣) الثورة: طلب الثأر.
(٤) م: ((بأهلها)).

٤٧١
سنة ٢
صلّى الله عليه وسلم، فاستجار بها ، فأجارته فى طلب ماله ، فلمّا خرج
رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الصبْح - فحدّثنا ابنُ حميد، قال :
حدّثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، قال : كما حدثنى يزيد بن رومان -
فكبّر وكبَّر الناس معه، صرخت زينب من صُفَّة(١) النساء : أيها الناس ،
إنى قد أجرت أبا العاص بن الربيع. فلما سلَّم رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلّم
من الصلاة ، أقبل على النّاس، فقال: أيّها النّاس، هل سمعتم ما سمعت!
قالوا : نعم، قال : أما والّذى نفس محمد بيده ، ما علمت بشىء كان حتى
سمعت منه ما سمعتم ؛ إنه يجير على المسلمين أدناهم . ثم انصرف رسولُ الله
صلَّى الله عليه وسلّم، فدخل على ابنته ، فقال: أى بنيّة أكرمى مثواه
ولا يخلُصْ إليك، فإنك لا تَحِلِّين له (٢).
١٣٥١/١
حدّثنا ابنُ حُميد، قال : حدّثنا سَلّمة، عن محمد بن إسحاق ،
قال: وحدّثنى عبدُ اللّه بن أبى بكر، أنّ رسولَ اللّه صلَّى الله عليه وسلَّم
بعث إلى السريّة الذين أصابوا مال أبى العاص، فقال لهم: إنّ هذا الرّجل منَّاً
حيث قد علمتم ، وقد أصَبْتم له مالاً ، فإن تُحسنوا تردّوا عليه الذى له ؛
فإنا نحبّ ذلك ؛ وإن أبيتم فهو فَىْء اللّه الذى أفاءه عليكم؛ فأنتم أحقّ به .
قالوا : يا رسول الله ، بل نردّه عليه!
قال: فردّوا عليه مالَه حتى إن الرجل ليأتى بالحبْل (٣)، ويأتى الرجل بالشّنة(٤)
والإدَاوة(٥) ؛ حتى إنّ أحدهم ليأتى بالشُّظاظ (٦)؛ حتى رَدُّ واعليه ماله بأسره؛
لا يفقد منه شيئًا . ثم احتمل إلى مكنَّة، فأدّى إلى كلّ ذى مال من قريش
(١) الصفة : السقيفة.
(٢) الخبر فى سيرة ابن هشام ٢: ٨٢، ٨٣
(٣) ابن هشام: ((الدلو)).
(٤) الشئة : السقاء البالى .
(٥) الإدارة : إناء صغير من جلد .
(٦) الشظاظ: خشبة عقفاء تدخل فى عروة الجوالق، والجمع أشظة .

٤٧٢
سنة ٢
م.
ماله ممن كان أبْضَع معه، ثم قال : يا معشر قريش؛ هل بَقِى لأحدٍ منكم
عندى مال لم يأخذه؟ قالوا : لا فجزاك الله خيرًا؛ فقد وجدناك وفيًّاً كريماً،
قال: فإنى أشهدُ أن لا إله إلا الله وأنّ محمدًا عبده ورسوله، والله ما منعنى من
الإسلام عنده إلاّ تخوّفُ أن تظنوا أنّى إنما أردت أكلَ أموالكم؛ فلما أدّاها
الله إليكم، وفرغت منها أسلمت . ثم خرج حتى قدم على رسول الله صلَّى اللّه
عليه وسلّم (١).
حدّثنا ابنُ حُميد ، قال : حدّثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ،
قال : فحدّثّنى داود بن الحصين ، عن عِكْرِمة مولى ابن عباس ، عن
عبد الله بن عباس، قال: ردّ عليه رسولُ الله صلَّى اللّه عليه وسلَّم زينب
بالنِّكاح الأول ، ولم يُحْدِثْ شيئًا بعد ستّ سنين(١).
١٣٥٢/١
حدثنا ابن حُميد، قال حدّثنا سلمة بن الفضل، قال : قالمحمّدبن إسحاق،
حدثنى محمد بن جعفر بن الزبير ، عن عروة بن الزبير ، قال : جلس
عُمَير بن وهب الجُمحىّ مع صفوان بن أميَّة بعد مصاب أهل بدْر من
قريش بيسير فى الحِجْر - وكان عُمير بن وهب شيطانًا من شياطين .
قريش، وكان ممن يؤذى رسولَ اللّه صلَّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه ،
ويلْقَوْن منه عناء وهم بمكنَّة، وكان ابنُه وهب بن عمير فى أسارَى بَدْر -
فذكر أصحاب القليب ومصابهم ، فقال صفوان: واللّه إنْ فى العيش خير
بعدهم، فقال ◌ُمَيْر: صدقت والله! أما والله لولا ديْن علىّ ليس له
عندى قضاء وعيالٌ أخْشى عليهم الضَّيْعة بعدى ، لركبت إلى محمَّد حتى
أقتله ، فإنّ لى قِبَلهم علَّةً ، ابنى أسيرٌ فى أيديهم .
فاغتنمها صفوان بن أمية ، فقال : علىّ دينُك أنا أقضيه عنك ، وعيالك
مع عيالى أواسِيهم ما بقُوا، لا يَسعُنى شىء ويعجز عنهم ، قال عمير :
فاكتُم علىّ شأنى وشأنك : قال : أفعل .
(١) سيرة ابن هشام ٢: ٨٣.
۔

٤٧٣
سنة ٢
١٣٥٣/١
قال: ثمّ إنّ عميرًا أمر بسيفه فشُحِذ له وسُمّ، ثم انطلق حتى قدم
المدينة ، فبينا عمر بن الخطاب فى نفر من المسلمين فى المسجد يتحدّثون عن
يوم بدر ، ويذكرون ما أكرمهم اللّه عزّ وجلّ به ، وما أراهم فى عَدُوْهِم؛
إذا نظر عمر إلى عمير بن وهب حين أناخ بعيره على باب المسجد ، متوشّحًا
السيف ، فقال: هذا الكلب عدُوّ اللّه عمير بن وهب، ما جاء إلا لشَرّ !
وهو الذى حرّش(١) بيننا، وَحَزَرَنا (٢) للقوم يوم بدر. ثمَّ دخل عمر على
رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فقال: يا نبيّ اللّه، هذا عدوّ اللّه عُمير بن
وهب قد جاء متوشّحًا سيفه، قال: فأدْخِله علىّ .
قال : فأقبل عُمَر حتى أخذ بحمالة سيفه فى عنقه ، فلبّبه بها ، وقال
لرجال ممَّن كان معه من الأنصار: ادخُلُوا على رسول الله صلَّى الله عليه
وسلم فاجلسوا عنده ، واحذروا هذا الخبيث عليه ، فإنه غير مأمون . ثم دخل
به على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم .
فلمّا رآه رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم وعمر آخذ بحمالة سيفه ، قال :
أرسلْه يا عمر، ادْنُ يا عمير، فدنا ثم قال: أنعِمُوا صباحًا - وكانت
تحيّة أهل الجاهليّة بينهم - فقال رسولُ الله صلَّى اللّه عليه وسلّم: قد أكرمنا
اللّه بتحيَّة خير من تحيّتك يا عمير ؛ بالسَّلام تحيّة أهلِ الجنّة، قال : أما
والله يا محمد إن كنْت لحديث عَهد بها . قال : ما جاء بك يا عُمير ؟ قال :
جئت لهذا الأسير الذى فى أيديكم ، فأحسنوا فيه . قال : فما بالُ السَّيْف فى
عنقك! قال : قَبحها اللّه من سيوف! وهل أغنت شيئاً! قال : اصدُقْنى
بالذى جئتَ له ، قال: ما جئت إلاّ لذلك ، فقال : بلى، قعدتَ أنت
وصفوان بن أمية فى الحِجْر ، فذكرتما أصحاب القَطِيب من قريش ، ثم
قلت: لولا دَيْن علىّ وعيالى لخرجتُ حتى أقتُلَ محمداً، فتحمَّل لك
صفوان بدينك وعيالك، على أن تقتلنى له. والله عزّ وجلّ حائلٌ بینی وبینك ..
فقال عمير : أشهدُ أنك رسول الله؛ قد كنَّا يا رسولَ اللّه نكذّبك بما كنت
(١) حرش : أفسد .
(٢) الجزر: تقدير العدد تحمينه.
١٣٥٤/١

٤٧٤
سنة ٢
تأتينا به من خبر السماء ، وما ينزل عليك من الوحى ؛ وهذا أمرٌ لم يحضره إلاّ
أنا وصفوان؛ فوالله إنى لأعلم ما أتاك به إلا اللّه؛ فالحمد لله الَّذّى هدانى
للإسلام ، وساقنى هذا المساق . ثم تشهّدَ شهادة الحقّ؛ فقال رسول اللّه
صلَّى الله عليه وسلَّم؛ فَقَّهُوا أخاكم فى دينه، وأقرئوه وعَلِّموه القرآن ،
وأطلقوا له أسيره .
قال: فَفَعَلُوا، ثم قال: يا رسول الله: إنى كنت جَاهِدًا فى إطفاء
نور الله، شديد الأذى لمن كان على دين الله ؛ وإنّى أحبّ أن تأذن لى
فأقدَم مكَّة فأدعُوهم إلى الله وإلى الإسلام ؛ لعلّ اللّه أن يهديَهم! وإلا
آذيتُهم فى دينهم كما كنتُ أوذى أصحابك فى دينهم .
قال: فأذن له رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فلحق بمكَّة، وكان
صفوان حين خرج عمير بن وهب يقول لقريش: أبشروا بوقْعَة تأتيكم الآن
فى أيام تنْسيكم وقعة بدر ، وكان صفوان يسأل عنه الركبان ؛ حتى قدم
راكبٌ فأخبره بإسلامه ، فحلف ألا يكلّمه أبدًا ولا ينفعه بنفعٍ أبدًا. فلما
قدم عُمير مكَّة أقام بها يدعو إلى الإسلام، ويؤذى مَنْ خالفه أذّى شديدًا
فأسلم على يديه أناس كثير(١) .
فلما انقضى أمرُ بدر ، أنزل اللّه عزّ وجلّ فيه من القرآن الأنفال
بأسْرِها . حدثنا أحمدُبن منصور ، قال : حدّثنا عاصم بن علىّ ، قال :
حدّثنا عِكْرمة بن عمار ، قال: حدثنا أبو زُمَيْل ، قال : حدثنى
عبد الله بن عباس ؛ حدثنى عُمر بن الخطاب، قال : لمَّا كان يوم بدر
التقوْا ، فهزم اللّه المشركين، فقتل منهم سبعون رجلا ، وأسيِرَ سبعون رجلا ،
فلمَّا كان يومئذ شاوَرَ رسولُ اللّه صلَّى الله عليه وسلَّم أبا بكر وعليًّا وعمر،
فقال أبو بكر: يا نَبِىَّ اللّه، هؤلاء بنو العمّ والعشيرة والإخوان ؛ فإنى أرى أن
تأخذ منهم الفِدْيّة؛ فيكون ما أخذنا منهم قوّة ، وعسى الله أن يهديّهم ،
١٣٥٥/١
(١) سيرة ابن هشام ٢: ٨٤.

سنة ٢
٤٧٥
فيكونوا لنا عَضُدًا. فقال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم: ما ترى يا بن
الخطاب ؟ قال : قلتُ: لا والله، ما أرى الذى رأى أبو بكر، ولكنى أرى أن
تمكِّنّنى من فلان فأضربَ عنقه ، وتمكّن حمزة من أخ له فيضرب عنقه ،
وتمكّن عليًّا من عَقِيل فيضرب عنقه ، حتى يعلم الله أن ليس فى قلوبنا
هَوَادَة للكفَّار؛ هؤلاء صناديدهم وقادتهم وأئمّتهم .
قال: فهوى رسولُ اللّه صلَّى الله عليه وسلَّم ما قال أبو بكر ، ولم يهوَ
ما قلت أنا ، فأخذ منهم الفداء ، فلمَّا كان الغدُ قال عمر : غدوتُ إلى
النبيّ صلَّى اللّه عليه وسلَّم وهو قاعِدٌ وأبو بكر، وإذا هما يبكيان ، قال :
قلت : يا رسول اللّه أَخْبِرْنى ماذا يبكيك أنت وصاحبك؟ فإن وجدتُ بكاءً
بكيتُ، وإن لم أجِدْ تباكيتُ لبُكائكما. فقال رسولُ الله صلَّى اللّه عليه
وسلَّم: للَّذِى عرض علىّ أصحابُك من الفداء. لقد عُرِض علىّ عذابُكم
أدْنى من هذه الشجرة - لشجرة قريبة - وأنزل اللّه عزّ وجلّ: ﴿مَا كَانَ لِنَبِىّ
أَنْ يَكونَ لَهُ أسْرَى خَتَّى يُثْخِنَ فى الْأَرْضِ} إلى قوله: ﴿فِيَا أَخَذْتُمْ
عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾(١)؛ ثم أحلّ لهم الغنائم.
فلمَّا كان من العام القابل فى أحد عُوقِبُوا بما صنعوا، قُتِل من أصحاب
رسول الله صلى اللّه عليه وسلم سبعون، وأسر سبعون، وكسرت رباعِيَتَهُ
وهُشِمَتِ البَيْضة على رأسه ، وسال الدم على وجهه ، وفرَّ أصحابُ النبىّ
صلَّى اللّه عليه وسلَّم، وصعدوا الجبل، فأنزل اللّه عزّ وجلّ هذه الآية:
﴿أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا) إلى قوله :
(إن اللهَ عَلَى كلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢)، ونزلت هذه الآية الأخرى:
﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِى أُخْرَاكُمْ﴾
إلى قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ الْفَمِّ أَمَنَةً﴾(٣).
١٣٥٦/١
(١) سورة الأنفال ٦٧
(٢) سورة آل عمران ١٦٥
(٣) سورة آل عمران ١٥٣، ١٥٤

٤٧٦
سنة ٢
حدّثَّنى سلم بن جُنادة ، قال : حدثنا أبو معاوية ، قال : حدّثنا
الأعمش، عن عمرو بن مُرَّة، عن أبى عبيدة، عن عبد الله، قال: لمَّا
كان يوم بدْر، وجىء بالأسرى، قال رسولُ الله صلَّى اللّه عليه وسلَّم:
ما تقولون فى هؤلاء الأسرى ؟ فقال أبو بكر : يا رسولَ اللّه، قومُك وأهلُك،
استَبْقِهم واستأنِهِم؛ لعلّ اللّه أن يتوبَ عليهم. وقال عُمَرَ: يا رسولَ اللّه
كذّبُوك وأخرجوك، قَدِّمهم فضرِّبْ أعناقهم. وقال عبدُ الله بن رواحة:
يا رسول اللّه، انظر وَادِيًا كثير الحطب فأدْخِلْهم فيه، ثم أضْرِمه عليهم
فاراً. قال : فقال له العبَّاس: قطعتْك رحِمك! قال: فسكت رسولُ الله
صلَّى اللّه عليه وسلَّم فلم يُجِبِهُم ، ثم دخل ، فقال ناس: يأخذ بقول
أبی بکر ، وقال ناس : يأخذ بقول عمر ، وقال ناس : يأخذ بقول عبد الله بن
رواحة، ثم خرج عليهم رسول اللّه، فقال: إنّاللّه عزّ وجلّ ليلِينُ قلوبَ رجال
فيه حتى تكون ألْيَنَ من الَّلبن(١)؛ وإنّ اللّه ليشدّد قلوب رجال فيه حتى
تكون أشَدَّ من الحجارة؛ وإنّ مثلك يا أبا بكر مثلُ إبراهيم ، قال :
﴿فَمَنْ تَبِعَنِى فَإِنَّهُ مِّ وَمَنْ عَصَانِىِ فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٍ﴾(٢)، ومثلك يا أبا بكر،
مثل عيسى ، قال: ﴿إِنْ تُمَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فإِنَّكَ أَنْتَ
الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾(٣) ومثلك يا عمر مثل نوح، قال: ﴿رَبِّلاَ تَذَرْ عَلى
الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾(٤)، ومثلك كمثل موسى، قال: ﴿رَبَّنَا
الْيِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وأَشْدُوْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ
الْأَلِيمِ﴾(٥). ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنتم اليوم عَالَةٌ فلا يفلتن"
منهم أحدٌ إلا بفداء أو ضرب عُنق؛ قال عبد الله بن مسعود: إلا سُهَيْل
ابن بَيْضاء؛ فإنى سمعته يذكر الإسلام. فسكتَ رسول الله صلّى اللهعليه وسلّم،
١٣٥٧/١
(١) م: ((اللين)).
(٢) سورة إبراهيم ٣٦
(٣) سورة المائدة ١١٨
(٤) سورة نوح ٢٦
(٥) سورة يونس ٨٨

سنة ٢
٤٧٧
فما رأيتُنى فى يوم أخوف أن تقع علىَّ الحجارة من السماء منّى فى ذلك
اليوم ؛ حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إلاّ سهيل بن بيضاء))
قال: فأنزل الله عزّ وجلّ: ﴿مَا كَانَ لَنَبِىّ أنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يَثْخِنَ
فى الْأَرْض ... ) إلى آخر الآيات الثلاث .
حدّثنا ابنُ حُميد ، قال: حدّثنا سلمة ، قال: قال محمد بن اسحاق :
لما نزلت - يعنى هذه الآية: ﴿مَا كَانَ لَىّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾، قال رسولُ
اللّه صلَّى الله عليه وسلَّم: لو نزل عَذَابٌ من السَّمَاء لم يَنْجُ منه إلاّ سعد بن
معاذ، لقوله: يا نبيَّ اللّه، كان الإثْخَانُ فى القتل أحبَّ إلىَّ من استبقاء
الرجال .
*
قال أبو جعفر : وكان جميعُ مَنْ شهد بدرًا من المهاجرين ، ومن
ضَرَب له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهمه وأجْرِه ثلاثةً وثمانين رجلاً
فى قول ابن إسحاق .
حدّثنا ابنُ حُميد، قال: حدّثنا سلمة، عنه: وجميع من شهد من
الأوْس معه ومن ضَرَب له بسهمه واحدٌ وستون رجلا . وجميع مَنْ شهِد
معه من الخزرج مائة وسبعون رجلا فى قول ابن إسحاق ، وجميعُ مَن استشهد ١٣٥٨/١
من المسلمين يومئذ أربعة عشر رجلا، ستّة من المهاجرين وثمانية من الأنصار.
وكان المشركون - فيما زعم الواقدى - تسعمائة وخمسين مقاتلا ؛
و کانت خیلھم مائة فرس .
ورَدَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يومئذ جماعة استصغرهم - فيما
زعم الواقدى - فمنهم فيما زعم عبدُ الله بن عمر، ورافع بن خديج، والبَرَاءُ
ابن عازب، وزيد بن ثابت، وأسَيْد بن ظُهَيْر، وَعُمَيَر بن أبى وقاص
ثم أجاز عميرًا بعد أن رَدّه فقتل يومئذ .

٤٧٨
سنة ٢
وكان رسولُ الله صلَّى اللّه عليه وسلَّم قد بعث قبل أن يخرج من المدينة
طَلْحة بن عبيد الله، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، إلى طريق الشأم
يتحسَّان الأخبار عن العير ، ثم رجعا إلى المدينة ، فَقَدِماها يوم وقْعَة
بدر، فاستقبلا رسولَ اللّه صلَّى الله عليه وسلَّم بشُرْبَان؛ وهو منحدرٌ من
بدر يريد المدينة .
قال الواقدىّ: كان خروج رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم من المدينة فى
ثلثمائة رجل وخمسة ، وكان المهاجرون أربعةً وسبعين رجلا ، وسائرهم من
الأنصار ، وضرب لثمانية بأجورهم وسُهمانهم : ثلاثة من المهاجرين ؛ أحدهم
عثمان بن عفان كان تخلّف على ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ماتت،
وطَلْحة بن عبيد اللّه وسعيد بن زيد، كان بعثهما يتحسَّسان الخبر عن
العبير ، وخمسة من الأنصار : أبو لُبابة بشير بن عبد المنذر ؛ خلّفه على
المدينة ، وعاصم بن عدىّ بن العجلان ؛ خلّفه على العالية ، والحارث بن
حاطب؛ ردّه من الرَّوْحاء إلى بنى عمرو بن عوف لشىء بلغه عنهم، والحارث
ابن الصِّمة ؛كُسِرَ بالرّوْحاء، وهو من بنى مالك بن النجار، وخَوَّاتُ بن جُبَيْر،
كسر من بنى عمرو بن عوف. قال: وكانت الإبل سبعين بعيرًا، والخيل فرسيْن:
فرس للمقْداد بن عمرو ، وفرس لمرتَد بن أبى مَرْتَد.
١٣٥٩/١
قال أبو جعفر : وروى عن ابن سعد، عن محمّد بن عمر ، عن محمد بن
هلال ، عن أبيه، عن أبى هريرة ، قال : ورئِىَ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم
فى أثر المشركين يوم بدر مُصْلِتًا السَّيْفَ ، يتلو هذه الآية :
﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ وَيُؤَلُّونَ الدُّبُرَ)(١).
قال: وفى غزوة بدر انتفتل رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفَه ذا الفَقَار،
(١) سورة القمر ٤٥.

7
٤٧٩
سنة ٢
وكان لمُنَبّه بن الحجّاج .
قال: وفيها غنم جَمَلَ أبى جَهْل؛ وكان مَهْرِيًّا يغزو عليه ويضرب
فى لِقاحه .
قال أبو جعفر: ثم أقام رسولُ اللّه صلَّى اللّه عليه وسلَّم بالمدينة،
مُنْصَرَفه من بدر ، وكان قد وادع حين قدم المدينة يهودَها ؛ على أن
لا يُعِينوا عليه أحدًا؛ وأنَّهِ إن دَهمَه بها عَدُوٌّ نصروه. فلمَّا قَتَل
رسولُ اللّه صلَّى الله عليه وسلَّم مَنْ قتل ببدر من مشركى قريش ،
أظهروا له الحسدَ والبغى، وقالوا: لم يلق محمدٌ من يُحْسِنُ القتال؛ ولو
لقيَنَا لاقى عندنا قتالاً لا يشبهه قتال أحد؛ وأظْهَرُوا نقْضَ العهد .
*
غزوة بنى قينقاع
فحدّثنا ابنُ حميد ، قال : حدّثنا سلمة ، عن محمَّد بن إسحاق ،
قال: كان من أمربنى قينُقاع، أنّ رسولَ اللّه صلَّى الله عليه وسلَّم جمعهم ١٣٦٠/١
بسوق بنى قَيْنُقَاعِ، ثم قال: يا معشر اليهود، احْذَرُوا من اللّه عزّ وجلّ مثل
ما نزل بقريش من النِّقْمة، وأسلموا ؛ فإنَّكم قد عرفتم أنى نبىٌّ مُرْسَلٌ
تجدون ذلك فى كتابكم ؛ وفى عهد الله إليكم . قالوا: يا محمَّد ؛ إنَّك ترى
أنا كقومك! لا يغرّنَّك أنك لقيت قومًا لا علم لهم بالحرب، فأصبت منهم
فرصة؛ إنا والله لئن حاربتنا لتعلمَنّ أنَّا نحن الناس(١).
حدّثنا ابنُ حميد، قال : حدّثنا سلمة، عن محمّد بن إسحاق ،
عن عاصم بن عمر بن قتادة ، أن بنى قينُقاع كانوا أوّل يهود نقضوا ما بينهم
وبين رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، وحاربوا فيما بين بدر وأحد .
فحدّثنى الحارث، قال : حدثنا ابن سعد ، قال : حدثنا محمد بن عمر:
(١) سيرة ابن هشام ١: ١٢٠.

٤٨٠
سنة ٢
عن محمد بن عبد الله، عن الزهرىّ، أنّ غزوة رسول الله صلَّى اللّه عليه
وسليم بنى القينُقاع كانت فى شوّال من السنة الثانية من الهجرة .
قال الزهرىّ عن عروة: نزلَ جبريلُ على رسول الله صلى الله عليهما
وسلم بهذه الآية: ﴿ وَإِمَّا تَخَافنَّ مِنْ قَوْمِ خِيانَةً فَانْبِذْ إليْهِمْ عَلى سَوَاءِ﴾(١)،
فلما فرغ جبريل عليه السلام من هذه الآية، قال رسولُ اللّه صلَّى الله عليه وسلَّم؛
إنى أخاف من بنى قينُقاع، قال عروة: فسار إليهم رسول الله صلَّى اللّه عليه
وسلَّم بهذه الآية .
قال الواقدىّ : وحدثنى محمَّد بن صالح ، عن عاصم بن عمر بن قتادة ،
قال: حاصرهم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم خمسَ عشرةَ ليلة لا يطلُح
منهم أحد. ثم نزلوا على حكْم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فكُتِفوا وهو
يريد قتلهم ، فكلّمه فيهم عبد اللّه بن أبىّ .
١٣٦٠/١
٠٠
رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة ،
قال : فحاصرهم رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم حتى نزلوا على حكمه،
فقام إليه عبد الله بن أبىّ بن سَلُول حين أمكنه الله منهم ، فقال: يا محمَّد ،
أحْسن فى موالىَّ - وكانوا حلفاء الخزرج - فأبطأ عليه النبيّ صلى الله عليه وسلّم
فقال: يا محمَّد، أحسِنْ فى موالىّ، فأعرض عنه النبيّ صلى الله عليه وسلّم .
قال: فأدخل يده فى جَيْب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فقال رسول اللّه
صلَّى اللّه عليه وسلم: أرسلنى، وغضب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم
حتى رأوا فى وجهه ظلالاً (٢) - يعنى تلوّنا - ثم قال: ويحك أرسلنى! قال:
لا والله لا أرسلك حتى تحسن إلى موالىّ. أربعمائة حاسرو ثلثمائة دارع قد
متعونى من الأسود والأحمر ؛ تحصدهم فى غداة واحدة! وإنى واللّه لا آمنُ
وأخشى الدوائر. فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: هُمْ لك(٣).
(١) سورة الأنفال ٥٨ .
(٢) ابن هشام ((ظللا))، وهما جمع ظلة، وهى السحابة، استعارها لتغير الوجه عند الغضب.
(٣) سيرة ابن هشام ٢: ١٢٠، ١٢١ .