Indexed OCR Text

Pages 441-460

٤٤١
سنة ٢
ثم بُنى لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم عريشٌ، فكان فيه؛ وقد ارتحلت
قريش حين أصبحت، فأقبلتْ، فلمّا رآها رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم
تصوّب (١) من العَقَنْقل - وهو الكثيب الذى منه جاءوا إلى الوادى - قال:
اللهمّ هذه قريش قد أقبلت بخُيَلائها وفخرها تُحادُّكُ وتُكذّب رسوَلَك؛
اللهُمَّ فنصرَك الذِى وعدتَى؛ اللهم فأحْتِهِم (٢) الغداة!
وقد قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم - ورأى عتبة بن ربيعة فى القوم ،
على جمل له أحمر: إن يكنْ عند أحد من القوم خيرٌ؛ فعند صاحب الجمل ١٣١١/١
الأحمر ؛ إن يُطيعوه يَرَشُدُوا. وقد كان خُفاف بن إيماء بن رَحَضَة الغِفارىّ
- أو أبوه إيماء بن رَحَضة - بعث إلى قريش حين مَرّوا به ابنًا له يجزائر (٣)
أهداها لهم ، وقال : إن أحببتم أن أمدّكم بسلاح ورجال فعلنا؛ فأرسلوا إليه
مع ابنه: أنْ وصلتْك الرّحم (٤)! فقد قضيت الذى عليك؛ فلعمرى لئن كنّا
إنما نقاتل الناس؛ ما بنا ضعفٌ عنهم ؛ ولئن كنا نقاتل الله - كما يزعم محمد -
فما لأحد بالله من طاقة .
فلمّا نزل الناس ، أقبل نفر من قريش ؛ حتى وردوا حوضَ رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، فيهم حكيم بن حزام ، على فرس له ، فقال رسول اللّه
صلى الله عليه وسلم: دعوهم؛ فما شرب منهم رجل إلا قُتل يومئذ؛ إلاّ ما كان
من حكيم بن حزام ، فإنّه لم يُقتل(٥) ؛ نجا على فرس له يقال له الوجيه، وأسلم
بعد ذلك، فحسن إسلامه؛ فكان إذا اجتهد فى يمينه قال: لا والذى نجانى ١٣١٢/١
يوم بدر (٦) !
حدّثنا ابنُ حميد، قال: حدثنا سلمة ، قال: قال محمّد بن إسحاق:
(١) التصوب : الانحدار من علو .
(٢) أحنهم : أهلكهم .
(٣) الجزائر : الذبائح ؛ واحدها جزور.
(٤) ابن هشام: ((رحم)).
(٥ -٥) ابن هشام: ((فإنه لم يقتل، ثم أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه)).
(٦) سيرة ابن هشام ٢: ٦٦، والأغانى ٤: ١٨٤، ١٨٥.

٤٤٢
سنة ٢
وحدثنى إسحاق بن يسار وغيره من أهل العلم ، عن أشياخ من الأنصار ،
قالوا: لما اطمأنّ القومُ، بعثوا مُمَّير بن وهب الجُمَحِىّ، فقالوا: احزُرْ(١)
لنا أصحابَ محمد ، قال : فاستجال بفرسه حول العسكر ، ثم رجع إليهم ،
فقال : ثلثمائة رجل، يزيدون قليلا أو ينقصون(٢)؛ ولكن أمْهلونى حتى أنظر؛
أللقوم كمين أم مَدَد ؟ قال : فضرب فى الوادى ؛ حتى أبْعد فلم ير شيئًا،
فرجع إليهم، فقال: ما رأيت شيئًا، ولكنى قدرأيتُيا معشر قريش- الولايا(٣)
تحمل المنايا ، نواضح (٤) يثرب تحمل الموت الناقع؛ قوم ليس لهم(٥) مَنّعة
ولا مَلْجأ إلاّ سيوفُهم؛ والله ما أرى [ أن](٦) يقتل رجل منهم حتى
يُقتل رجل منكم ؛ فإذا أصابوا منكم أعدادهم فما خيرُ العيش بعد ذلك !
فَرَوْا رَأيكم .
فلمّا سمع حكيم بن حزام ذلك ، مشى فى الناس(٧)، فأتى عتبةَ بن
ربيعة، فقال: يا أبا الوليد؛ إنكّ كبيرُ قريش الليلة وسيّدُها، والمطاع فيها ؛
هل لك ألا تزال(٨) تذكر منها (٩) بخير إلى آخر الدهر ! قال : وما ذاك
يا حكيم ؟ قال : ترجع بالناس ، وتحمل دمَ حليفك عمرو بن الحضرمىّ !
قال : قد فعلت، أنتَ علىّ بذلك ؛ إنما هو حليفى فعلىّ عَقْله، وما أصيب
من ماله؛ فأت ابن الحنْظَلية(١٠)؛ فإنّى لا أخشى أن يشجُر(١١) أمر الناس غيرُهـ
١٣١٣/١
(١) الخزر : التخمين .
(٢) كذا فى ابن هشام، وفى ط: ((ينقصونه)).
(٣) الولايا: جمع ولية: وهى البرذعة التى تكون تحت الرحل؛ وفى ابن هشام: ((البلايا)).
(٤) النواضح: الإبل التى يستقى عليها الماء.، ثم استعمل فى كل بعير ولو لم يحمل الماء.
(٥) ح، م، ابن هشام: ((معهم)).
(٦) تكملة من ابن هشام .
(٧) خ: ((القوم)).
(٨) ابن هشام: ((إلى أن)).
(٩) ابن هشام «فيها)).
(١٠) فى ابن هشام: ((والحنظلية أم أبى جهل؛ وهى أسماء بنت مخربة، أحد بنى نهشل
ابن دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم )).
(١١) يشجر؛ من الشجار ؛ وهو المخالفة والمخاصمة.

٤٤٣
سنة ٢
يعنى أبا جهل بن هشام(١)
حدّثنا الزُّبير بن بكار، قال: حدّثنا عثامة (٢) بن عمرو السهمىّ، قال:
حدّثّنى مُسوَّر بن عبد الملك اليربوعىّ ، عن أبيه ، عن سعيد بن المسيّب ،
قال : بينا نحن عند مروان بن الحكم ؛ إذ دخل حاجبه ، فقال : هذا
أبو خالد حكيم بن حزام ، قال : إئذنْ له ، فلمّا دخل حكيم بن حزام ،
قال : مرحبًا بك يا أبا خالد! ادْنُ ، فحال له مرْوان عن صدْر المجلس ؛
حتى كان بينه وبين الوسادة ، ثمّ استقبله مرْوان، فقال: حَدّثنا حديثَ بدْر،
قال : خرجنا حتى إذا نزلنا الجُحْفَة رجعْت قبيلة من قبائل قريش بأسرها ،
فلم يشهد أحدٌ من مشركيهم بدْراً. ثم خرجنا حتى نزلنا العُدْوة التى ذكرها(٣)
الله عزّ وجلّ، فجئت عُتْبة بن ربيعة ، فقلت : يا أبا الوليد ، هل لك أن
تذهب بشَرَفِ هذا اليوم ما بقيت؟ قال : أفعل ماذا ؟ قلت: إنكم لا تطلبون
من محمّد إلا دَم ابن الحضرمىّ؛ وهو حليفك، فتحمّل دِيَتَه وترجع
بالناس . فقال : أنت وذاك، وأنا أتحمّل بديَتِه ، واذهبْ إلى ابن الحنظلِيّة
- يعنى أبا جهل - فقل له: هل لك أن ترجعَ اليوم بمَنْ معك عن ابن عمك؟
فجئته فإذا هو فى جماعة من بين يديه ومن ورائه ، وإذا ابنُ الحضرمىّ واقف
على رأسه ؛ وهو يقول : قد فَسَخْتُ عقْدى من عبد شمس ، وعقْدى إلى
بني مخزوم . فقلت له : يقول لك عُتْبة بن ربيعة : هل لك أن ترجعَ اليوم
عن ابن عمك بمَنْ معك ؟ قال: أما وجدَ رسولا غيرك! قلت: لا ، ولم أكن
لأكونَ رسولاً لغيره. قال حكيم : فخرجت مبادراً إلى عُتْبة؛ لئلا يَقُوتسنى
من الخبر شىء ، وعتبة مُتَّكى على إيماء بن رَحَضة الغفَارىّ؛ وقد أهْدَى
إلى المشركين عشر جزائر، فطلع أبو جهل والشرّ فى وجهه ، فقال لعتبة: انتفخ
سَحْرُك! فقال له عتبة : ستعلم ! فَسلّ أبو جهل سيفَه، فضرب به متنّ
فرسه، فقال إيماء بن رَحَضة: بئس الفأل (٤) هذا! فعند ذلك قامت الحرب(٥).
١٣١٤/١
١٣١٥/١
(١) سيرة ابن هشام ٢: ٦٦، ٦٧، والأغانى ٤: ١٨٥، ١٨٦
(٢) ط: ((عمامة))، وانظر الفهرس. (٣) كذا فى و، وفى ط: ((قال)).
(٤) الأغانى: ((المقام)).
(٥) الخبر فى الأغانى ٤: ١٨٦، ١٨٧

٤٤٤
سنة ٢
رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق . ثم قام عُتْبة بن ربيعة خطيباً ،
فقال : يا معشر قريش، إنكم والله ما تصنعون بأن تَلْقوا محمداً وأصحابه
شيئًا؛ والله لئن أصبتُموه لا يزال رجلٌ ينظر فى وَجْهِ رجل يكره النَّظَر
إليه ، قتل ابن عمّه أو ابن خاله أو رجلاً من عشيرته ؛ فارجعوا وخدُّوا بين
محمّد وبين سائر العرب ؛ فإن أصابوه فذاك الذى أردتم ، وإن كان غير ذلك
ألفاكم ولم تعرَّضوا(١) منه ماتريدون . قال حكيم: فانطلقتُ أؤمُّ أبا جهل؛
فوجدته قد نَثّل (٢) درْعًا له من جرابها؛ فهو يُهيّئها(٣). فقلت :
يا أبا الحكم؛ إن عُتْبة قد أرسلنى إليك بكذاوكذا - للذى قال - فقال: انتفخ
واللّه سَحْرُه(٤) حين رأى محمداً وأصحابه؛ كلّ والله لا نرجع حتى يحكم الله
١٣١٦/١ بيننا وبين محمّد وأصحابه، وما بعتْبة ما قال؛ ولكنه قد رأى محمداً وأصحابه
أكلَةَ جَزور ؛ وفيهم ابنه فقد تخوّفكم عليه . ثم بعث إلى عامر بن
الحضرمىّ، فقال له : هذا حَلِيفُك ، يريد أن يرجع بالناس ، وقد رأيت
ثأرَك بعينِك ، فقم فانشُدُ خُفْرتك(٥) ومقتَلَ أخيك . فقام عامر بن
الحضرىّ فاكتشف ثم صرخ : واعمراه! واعمراه ! فحميَت الحربُ ،
وحَقِبَ(٦) أمر الناس؛ واستوسقوا(٧) على ما هم عليه من الشرّ، وأفسِدٍ على
الناس الرأى الذى دعاهم إليه عُتْبة بن ربيعة .
فلما بلغ عُتُبَةَ بن ربيعة قولُ أبى جهل: ((انتفخ سَحْرُه))، قال: سيعلم
المُصَفِّرُ اسْتَهُ من انتفخ سَحْره، أنا أم هو! ثم التمس بَيْضَة يُدْخِلها
فى رأسه فما وجد فى الجيش بيضة تَسَعُهُ من عِظم هامته، فلما رأى ذلك
اعتَجَرَ (٨) على رأسه ببُرْد له .
(١) الأغانى: ((ولم تعدموا)).
(٢) نثل : أخرج .
(٣) ابن هشام: ((يهنها))؛ أى يطليها بعكر الزيت.
(٤) انتفخ سحره ؛ أى رئته؛ يقال ذلك الجبان .
(٥) انشد خفرتك ؛ أى اطلب من قريش الوفاء بخفرتهم لك، أى عهدهم ؛ لأنه كان
حليفاً لهم وجاراً .
(٦) حقب أمرهم: اشتد.
(٧) استوسقوا : اجتمع أمرهم .
(٨) الاعتجار : لف العمامة على الرأس.

سنة ٢
٤٤٥
وقد خرج الأسود بن عبد الأسد المخزومىّ - وكان رجلا شرِسًا سيىء
الخلق - فقال: أعاهد اللّه لأشْرَبَنَ من حَوْضِهم ولاهْدِ مِنّه أو لأمُوتنّ
دونه . فلما خرج خرج له حمزة بن عبد المطلب ، فلمّا التقيا ضربه حمزة ،
فأطنّ(١) قدمه بنصف ساقه؛ وهو ◌ُدُونَ الحوض، فوقع على ظهره تَشْخُبُ (٢)
رجله دماً نحو أصحابه ، ثم حباً إلى الحوض حتى اقتحم فيه ، يريد ١٣١٧/١
- زَعَمَ - أن يُبِرَّ يمينه ، واتبعه حمزة فضربه حتى قتله فى الحوض .
ثم خرج بعده عُتْبة بن ربيعة بين أخيه شَيْبة بن ربيعة وابنه الوليد بن عُتْبة؛
حتى إذا فَصَل من الصفّ دَعَا إلى المبارزة ، فخرج إليه فتْية من الأنصار
ثلاثة نفرمنهم: عوف ومُعَوِّذ ابنا الحارث - وأمهما عفراء - ورجل آخر
يقال له عبد الله بن رواحة، فقال: مَنْ أنتم ؟ قالوا : رهط من الأنصار .
فقالوا : ما لنا بكم حاجة ! ثم نادى منادیهم : يا محمد ، أخْرِجْ إلينا أكفاء نا
من قومنا ، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: قم يا حمزة بن عبد المطلب،
قم يا عبيدة بن الحارث ، قم يا علىّ بن أبى طالب ؛ فلما قاموا ودَنَوْا منهم ،
قالوا: مَنْ أنتم ؟ قال عبيدة: عبيدة، وقال حمزة: حمزة ، وقال علىّ :
علىّ، قالوا: نعم أكفاءٌ كِرَام ! فبارز عبيدة بن الحارث- وكان أسنّ القوم -
عُتْبة بن ربيعةٌ ، وبارز حمزة شَيْبةَ بن ربيعة ، وبارز علىّ الوليد بن عتبة؛
فأمّا حمزة فلم يمهل شيبة أن قتله، وأما علىّ فلم يمهل الوليد أن قتله، واختلف
عُبيدة وعتبة بينهما بضربتيْن، كلاهما أثبَت صاحبه (٣)، وكرَّ حمزة وعلىْ ١٣١٨/١
بأسيافهما على عُتْبة، فذففا (٤) عليه فقتلاه ، واحتملا صاحبهما عبيدة
فجاءا به(٥) إلى أصحابه؛ وقد قطعت رجله ، فمُخُّها يسيل ، فلما أتوا بعبيدة
إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: ألستُ شهيداً يا رسول الله! قال:
(١) أطن : اطار .
(٢) تشخب : يسيل منها الدم بصوت.
(٣) أثبت صاحبه : جرحه جراحة لم يقم معها .
(٤) ذففا عليه : أسرعا لقتله .
(٥) ابن هشام: ((فحازاه)).
أ

٤٤٦
سنة ٢
بلى، فقال عبيدة : لوكان أبو طالب حيًّا لعلم أنى أحقّ بما قال منه حيث يقول:
ونُسْلِمُهُ حتى نُصَرَّعَ حَوْلَهَ (١) ونَذْهَلَ عن أبنائناوالخلائِ (٢) ]
حدّثنا ابنُ حميد ، قال : حدّثنا سلمة ، قال : قال محمد بن إسحاق :
وحّد ثنى عاصم بن عمر بن قتادة ؛ أن عتبة بن ربيعة قال للفتية من الأنصار
حين انتسبوا : أكفاءٌ كرامٌ، إنما نريد قومنا، ثم تزاحف الناس؛ ودنا بعضُهم
من بعض ، وقد أمر رسولُ الله صلى اللّه عليه وسلم أصحابَه ألاً يحملوا حتى
يأمرهم؛ وقال: إن اكتنفكُ القوم فانضحوهم (٣) عنكم بالنَّبْل؛ ورسول الله
صلى الله عليه وسلم فى العريش معه أبو بكر .
قال أبو جعفر : وكانت وقعة بدر يوم الجمعة صبيحة سبع عشرة من
شهر رمضان ، كما حدّثنا ابنُ حميد ، قال : حدثنا سَكمة ، قال : قال
محمد بن إسحاق ؛ كما حدثنى أبو جعفر محمد بن على بن الحسين . وحدثنا
١٣١٩/١ ابن حُميد، قال: حدّثنا سلمة، قال: قال محمد بن إسحاق: وحدثنى
حَبّان بن واسع بن حَبّان بن واسع، عن أشياخ من قومه، أنّ رسولَ الله
صلى الله عليه وسلم عدَّل صفوفَ أصحابه يوم بدر، وفى يده قِدْحٌ(٥) يعدّلُ
به القوم ، فمرّ بسَوَاد(٦) بن غَزِيّة، حليف بنى عدىّ بن النجار ، وهو
مُسْتَنِتِل (٧) من الصفّ، فطعَن رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم فى بطنه
بالقِدْح، وقال: اسْتَوٍ يا سوادَ بن غزيَّة؛ قال: يا رسولَ الله أوجعتنى
وقد بعثك اللّه بالحقّ، فأقدْنى (٨). قال: فكشف رسولُ الله صلى الله عليه
وسلم عن بطنه ثم قال: استقِدْ، قال: فاعتنقَه وقبّل بطنه ، فقال: ماحملك
(١) الخبر إلى هنا فى سيرة ابن هشام ٢: ٦٧، ٦٨، وهو أيضاً فى الأغانى ٤: ١٨٧ - ١٩٠
(٢) م: ((دونه)).
(٣) النضح بالنبل: الرمى به .
(٤) سيرة ابن هشام ٢: ٦٨، والأغانى ٤ : ١٩٠
(٥) القدح : السهم .
(٦) كذا فى ط، وقال ابن هشام: يقال ((سواد))، مثقلة، وسواد فى الأنصار غير هذا مخفف.
(٧) مستنتل: متقدم. قال ابن هشام: يقال: ((مستنصل)).
(٨) أقدنى : أى اقتص لى من نفسك .

٤٤٧
سنة ٢
على هذا يا سَوَاد ؟ فقال: يا رسولَ اللّه، حضَر ما ترى فلم آمن القَتْل .
فأردتُ أن يكونَ آخرَ العهد بك أن يمسّ جلدى جلدك . فدعا له رسول الله
صلّى الله عليه وسلم بخير ، وقال له خيراً .
ثم عدّل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الصّفوفَ ، ورجع إلى العريش،
ودخلَه، ومعه فيه أبو بكر ليس معه فيه غيره ، ورسولُ الله صلى الله عليه
وسلم يناشد ربّه ما وعده من النّصر، ويقول فيما يقول: اللهمّ إنك إن تَهْلِكْ
هذه العصابة اليوم - يعنى المسلمين - لا تُعبد بعد اليوم ، وأبو بكر يقول :
يا نبيّ اللّه، بعضَ مناشدتك ربّك!، فإن الله عزّ وجلّ منجزٌ لك ما وعدك(١).
١٣٢٠/١
فحدثنى محمد بن عبيد المحاربىّ، قال : حدّثنا عبدُ الله بن المبارك ،
عن عكرمة بن عَمَّر، قال: حدثنى سماك الحنفىّ، قال: سمعتُ ابنَ عباس
يقول : حدّثنى عمر بن الخطاب ، قال : لما كان يوم بدْرِ ، ونظر رسولُ
اللّه صلى الله عليه وسلم إلى المشركين وعدّتهم، ونظر إلى أصحابه نيفًا على
ثلثمائة ، استقبل القبلة ، فجعل يدعو ، يقول : اللهم" أنجزْ لى ما وعدتنى،
اللهمّ إن تَهْلِك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد فى الأرض ؛ فلم
يزل كذلك حتى سقط رداؤه ، فأخذ أبو بكر فوضع رداءه عليه ، ثمّ التزمه
من ورائه، ثم قال : كفاك يا نبيّ اللّه، بأبى وأنت وأمى ، مناشدتك ربّك؛ فإنه
سينجز لك ما وعدك ! فأنزل الله تبارك وتعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِئُونَ رَبَّكُمْ
فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنّى مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنِ الَلاَئِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾(٢).
حدّثنا ابنُ وكيع ، قال : حدّثنا الثقفىّ - يعنى عبد الوهاب - عن
خالد ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، أنّ النبيّ صلى اللّه عليه وسلم، قال
وهو فى قبّته يومَ بدر : اللهمّ إنى أسألُك عهدك ووعدك؛ اللهمّ إن شئت
لم تُعْيَدْ بَعْدَ اليوم!
(١) سيرة ابن هشام ٦٨، ٦٩، والأغانى ٤: ١٩٠، ١٩١.
(٢) سورة الأنفال ٩، والخبر فى التفسير ١٣: ٤٠٩ والأغانى ٤: ١٩١، ١٩٢.

٤٤٨
سنة ٢
قال : فأخذ أبو بكر بيده ، فقال : حسبُك يا نبيّ اللّه ، فقد ألححت
على رّك - وهو فى الدّرع -فخرج وهو يقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُؤَلُّونَ
الدُّبُرَ ، بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَذْهَى وَأَمَرُّ﴾(١).
١٣٢١/١
٠ ٠ ٥
رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق . قال : وقد خَفَق(٢) رسولُ
اللّه صلى الله عليه وسلم خفقةً وهو فى العريش ؛ ثم انتبه ، فقال: يا أبا بكر،
أتاك نصر الله، هذا جبريل آخذ بعنان فرسه يقوده، على ثناياه النَّقْع(٣).
قال : وقد رُمِىَ مِهْجَعٌ مولى عمر بن الخطاب بسهم فقُتل ؛ فكان
أوّلَ قتيل من المسلمين ، ثم رُمِىَ حارثة بن سُراقة ، أحد بنى عدىّ بن
النجار وهو يشرب من الحوْض فقتل . ثم خرج رسول الله صلى الله عليه
وسلم إلى النّاس فحرَّضهم، ونفّل كلّ امرئ منهم ما أصاب ، وقال :
والَّذى نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتَلُ صابراً محتسبًا مُقْبلا
غير مُدْبِر؛ إلا أدخله الله الجنة. فقال عميرُ بن الحمام ، أخو بنى سلمة،
وفى يده تمَرَاتٌ يأكُلهنّ: بَخْ بَخْ(٤)، فما بينى وبين أن أدخل الجنة
إلا أن يقْتلَى هؤلاء! ثم قذف الثَّمرَاتِ من يده ، وأخذ سيفَه ، فقاتل
القوم حتى قُتِل(٥) وهو يقول :
إلاَّ النُّقَى وَعَملِ المَادِ
رَكْضًا إلَى اللهِ بِغَيْ زادٍ
وكلُّ زَادٍ عُرْضَةُ النَّفَادِ
وَالصَّبْ فى اُللهِ على الجهادِ
• غَيْرُ التَّقَى والبِرّ والرَّشَادِ.
حدّثنا ابنُ حميد ، قال : حدّثنا سلمة ، قال : حدثنى محمد بن
إسحاق ، عن عاصم بن عمر بن قتادة ؛ أنّ عوف بن الحارث - وهو ابن
١٣٢٢/١
(١) سورة القمر ٤٥، ٤٦. والخبر فى الأغانى ٤: ١٩٢
(٢) خفق : نام نوماً خفيفاً.
(٣) النقع: التراب.
(٤) بخ، بكسر الخاء وإسكانها ؛ كلمة تقال للإعجاب .
(٥) الخبر إلى هنا فى سيرة ابن هشام ٢: ٦٨، ٦٩، وهو أيضاً فى الأغانى ٤: ١٩٢، ١٩٣

سنة ٢
٤٤٩
عفراء - قال: يا رسول الله، ما يُضْحِكُ(١) الربَّ من عبده؟ قال: غَمْسُهُ
يدَه فى العدوّ حاسِرًاً. فنزع درْعًا كانت عليه ، فقذفها ؛ ثم أخذ سيفه
فقاتل القوم حتى قُتِل(٢).
حدّثنا ابن حُميد ، قال : حدّثنا سلمة، قال : قال محمد بن إسحاق .
وحدّثنى محمد بن مسلم الزهرىّ، عن عبد الله بن ثعلبة بن صُعَيْر العُدْرِىّ،
حليف بنى زُهرة ، قال : لما التقى النّاس، ودنا بعضُهم من بعض ، قال
أبو جهل: اللهمّ أَقْطَعَنَا لِلرَّحم، وَآتانا بما لا يُعرف؛ فأحِنْه(٣) الغداة،
فكان هو المستفتح (٤) على نفسه .
ثم إنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلّم أخذ حفنة من الخصْباء، فاستقبل
بها قريشًا ، ثم قال : شاهت الوجوه ! ثم نَفَحهم بها ، وقال لأصحابه :
شُدُّوا، فكانت الهزيمة ، فقتل اللّه مَنْ قتلَ من صناديد قريش، وأسر
مَنْ أسِرٍ منهم. فلما وضع القوم أيديتهم يأسرون، ورسول الله صلى الله عليه
وسلّم فى العريش ، وسعد بن مُعاذ قائم على باب العريش الذى فيه رسول الله
صلىّ اللّه عليه وسلم، متوشَحًا السيف، فى نفر من الأنصار يحرُسون رسول
اللّه صلى اللّه عليه وسلم، يخافون عليه كَرَّةَ العدوّ، ورأى رسول اللّه صلى اللّه
عليه وسلم - فيما ذكر لى - فى وجه سعد بن معاذ الكراهيةَ لما يصنع الناس ،
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: لكأنّك يا سعد تكره ما يصنع الناس! ١٣٢٣/١
قال: أجلْ والله يا رسولَ الله! كانت أوّل وقعة أوقعها اللّه بالمشركين؛
فكان الإثخَانُ فى القتل أعجَبَ إلىَّ من استبقاء الرجال (٥).
حدّثنا ابنُ حُميد، قال: حدّثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال:
وحدثنى العباس بن عبد الله بن مَعْبَد، عن بعض أهله ، عن ابن عباس،
(١) ما يضحك ربك، أى ما يرضيه غاية الرضا.
(٢) ابن هشام ٢ : ٦٨، ٦٩ .
(٣) أحنه : أهلكه .
(٤) يريد أنه حكم على نفسه بهذا الدعاء، وانظر اللسان ( فتح) .
(٥) سيرة ابن هشام ٢: ٦٠٩، والأغانى ٤: ١٩٣، ١٩٤
( ٢٩)

٤٥٠
سنة ٢
أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال لأصحابه يومئذ: إنّى قد عرفت أنّ
رجالاً من بنى هاشم وغيرهم قد أخرِجُوا كرْهًا ، لا حاجة لهم بقتالنا ، فمَنْ
لقِىَ منكم أحداً من بنى هاشم فلا يقتله، ومَنْ لقِى أبا البخترىّ بن هشام بن
الحارث بن أسد فلا يقتله ، ومَنْ لقِىَ العبّاس بن عبد المطلب عمّ رسول
فلا يقتله ؛ فإنه إنما أخرج مستكرَهًا .
قال: فقال أبو حُذيفة بن عُتْبة بن ربيعة : أنقتلُ آباءنا وأبناءنا وإخواننا
وعشيرتَنا، ونترك العباس! والله لئن لقيتُه لألْحِمِنْه(١) السيف. فبلغتْ
رسولَ اللّه صلى الله عليه وسلم ، فجعل يقول لعمر بن الخطاب : يا أبا حفص ،
أما تسمع إلى قول أبى حُذيفة ، يقول : أضرب وجه عمّ رسول الله بالسيف !
فقال عمر: يارسولَ اللّه، دعْنِى فلأضربن"(٢) عنقه بالسيف؛ فوالله لقد نافَق".
- قال(٣) عمر: والله إنه لأوَّلُ يوم كنّانى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلّم
بأبی حفص -.
١٣٢٤/١
قال: فكان أبو حذيفة يقول: ما أنا بآمِنٍ من تلك الكلمة التى قلتُيومئذ،
ولا أزال منها خائفًا إلاّ أن تكفّرها عنى الشهادة. فقُتِل يوم اليمامة شهيداً.
قال : وإنما نهى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن قتل أبى البخترىّ؛
لأنه كان أكفَّ القوم عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم وهو بمكّة ، كان
لا يؤذيه ولا يبلغه عنه شىء يكرهه ؛ وكان ممّن قام فى نقض الصحيفة التى
كتبت قريش على بنى هاشم وبنى المطّلب، فلقيه المُجَذَّرُ بن زياد البلوىّ،
حليف الأنصار من بنى عدىّ، فقال المجذَّر بن ذياد لأبى البخترىّ: إنّ
رسول الله صلى الله عليه وسلّم قد نهى عن قتلك - ومع أبى البخترىّ زميل" (٤)
له خرج معه من مكة، وهو جُنادة بن مُلَيْحَة بنت زُهَيْربن الحارث بن
أسد ، وجُنادة رجل من بنى لَيْث. واسم أبى البخترىّ العاص بن هشام
(١) لألحمنه، أى لأطعنن لحمه بالسيف ولأخالطنه. وقال ابن هشام: ((ويقال: لألحمنه
بالسيف )»، أى لأضربنه به فى وجهه .
(٢) و: ((فلأضرب))، وكذلك فى ابن هشام.
(٣) كذا فى ابن هشام، وفى ط: ((فقال)).
(٤) الزميل: الذى يركب مع صاحبه على بعير واحد .

سنة ٢
٤٥١
ابن الحارث بن أسد - قال : وزميلى ؟ فقال : المجذّر: لا والله ما نحن بتاركى
زميلَك؛ ما أمرنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلاّ بك وحدك، قال: لا والله
إذاً، لأَمُوتَنّ أنا وهو جميعًا؛ لا تحدّث عنّى نساء قريش من أهل مكة أنَّى
تركتُ زميلى حِرْصًا على الحياة . فقال أبو البخترىّ حين نازله المجدّر، وأبى
إلاّ القتال، وهو يرتجز :
لَنْ يُسْلِمَ ابنُ حُرَّةٍ أَ كِيلَهْ
فاقتتلا ، فقتله المجذّر بن ذياد .
حتَّى يموتَ أَوْ يرِى سَبِيلَهْ
١٣٢٥/١
قال : ثم أتى المجذّر بن ذياد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال:
والّذى بعثَك بالحقّ، لقد جهدتُ عليه أن يستأسِرَ فَآتيك به ؛ فأبى إلاّ
القتال ، فقاتلته فقتلتُه(١).
حدّثنا ابنُ حميد ، قال: حدّثنا سلمة ، قال : قال محمد بن إسحاق:
حدثنى يحيى بن عبّاد بن عبد الله بن الزّبير، عن أبيه ، قال . وحدثنى أيضًا
عبد الله بن أبى بكر ، وغيرهما ، عن عبد الرّحمن بن عوْف، قال: كان
أميّة بن خلف لى صَدِيقًا بمكّة - وكان اسمى عبد عمْرو، فِسمِيتُ حين
أسلمتُ: ((عبد الرحمن))، ونحن بمكة - قال: فكان يلْقَانِى ونحن بمكّةٍ ،
فيقول : يا عبدَ عمرو، أرغِبْت عن اسم سمَّاكته أبوك؟ فأقول. نعم،
فيقول : فإنّى لا أعرف (الرحمن)) ؛ فاجعل بينى وبينك شيئًا أدعوك به ؛ أما
أنتَ فلا تجيبنى باسمك الأوّل، وأمّا أنا فلا أدعوك بما لا أعرف. قال : فكان
إذا دعانى: ((يا عبد عمرو))، لم أجبه، فقلت: اجعل بينى وبينك يا أبا علىّ
ما شئت، قال: فأنت ((عبد الإله))، فقلت: نعم ، فكنت إذا مررت به
قال : يا عبد الإله ، فأجيبه ، فأتحدّث معه ؛ حتى إذا كان يومُ بدر ،
مررت به وهو واقف مع ابنه علىّ بن أميَّة ، آخذاً بيده ، ومعى أدراعٌ قد
استلبتُها، فأنا أحملها. فلمّا رآنى (٢) قال: يا عبد عمرو! فلم أجبه، ١٣٢٦/١
(١) سيرة ابن هشام ٢: ٦٩، ١٧، والأغانى ٤: ١٩٤، ١٩٥.
(٢) م: ((رأى ذلك)).
٥

٤٥٢
سنة ٢
فقال : يا عبد الإله ، قلت : نعم ، قال : هل لك فىّ ، فأنا خير لك من
هذه الأدراع التى معك؟ قال: قلت: نعمْ، هلُمَّ إذاً(١) . قال: فطرحتُ
الأدراع من يدى وأخذت بيده ويد ابنه علىّ، وهو يقول : ما رأيتُ كاليوم
قطّ! أما لكم حاجة فى اللّبن! (٢) قال: ثم خرجت أمشى بهما(٣).
حدّثنا ابنُ حميد ، قال : حدّثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ،
قال : حدثنى عبد الواحد بن أبى عون ، عن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن
ابن عوف ، عن أبيه ، عن عبد الرحمن بن عوف، قال : قال لى أمية بن
خلف وأنا بينه وبين ابنه ، آخذٌ بأيديهما : يا عبدَ الإله ، مَن الرجل منكم،
المعْليم بريشة نعامة فى صدره ؟ قال : قلت : ذاك حمزة بن عبد المطلب ،
قال : ذاك الذى فَعل بنا الأفاعيل! قال عبد الرحمن : فوالله إنّى لأقودهما
إذْ رآه بلال معى - وكان هو الذى يعذّب بلالا بمكّة على أن يترك الإسلام
فيخرجُهُ إلى رَمْضاء(٤) مكة إذا حميَتْ ، فيضجعه على ظهره ، ثم يأمر
بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره ، ثم يقول: لا تزالُ هكذا حتى تفارقَ دین
١٣٢٧/١ محمد، فيقول بلال: أحدٌّ أحَدٌ - فقال بلال حين رآه: رأس الكفر أميّة
ابن خلَف، لا نجوتُ إن نَجَوْتَ (٥)؛ قال: قلت: أىْ بلال، أسيرَىّ (٦)!
قال : لا نجوتُ إن نجوا . قال : قلت : تسمع (٧) يابن السوداء! قال:
لانجوتُ إن نجَوَا ، ثم صرخ بأعلى صوته : يا أنصارَ اللّه، رأس الكفر أميّة
ابن خلَف ، لانجوتُ إن نجا! قال: فأحاطوا بنا، ثم جعلونا فى مثل المستكة (٨)
(١) ابن هشام: ((ها اللّه ذا))، وها تنبيه، وذا إشارة إلى نفسه.
(٢) قال ابن هشام: ((يريد باللبن، أن من أسرنى افتديت منه بإبل كثيرة اللبن)).
(٣) سيرة ابن هشام ٢: ٧٠، ٧١، والأغانى ١٤ : ١٩٦، ١٩٧
(٤) الرمضاء : الرمل الحار من الشمس .
(٥) فى ابن هشام: ((لا نجوت إن نجا)).
(٦) ابن هشام: ((أبأ سيرى)).
(٧) ابن هشام: ((اتسمع)) والتسميع: التشهير.
(٨) فى مثل المسكة ، أى جعلونا فى حلقة كالسوار وأحدقوا بنا .

سنة ٢
٤٥٣
وأنا أُذُبُّ عنه (١)؛ قال: فضرب رجلٌ ابنه فوقع. قال: وصاح أميّة صيحة
ما سمعت بمثلها قطّ . قال: قلتُ: انجُ بنفسك، ولا نجاءَ؛ فوالله ما أغنى عنك
شيئاً . قال : فهبرُوهما(٢) بأسيافهم حتى فرغوا منهما.
قال : فكان عبد الرحمن يقول : رحم الله بلالا ! ذهبت أدراعی وفجعنى
بأسيرىَّ(٣).
حدثنا ابنُ حُميد ، قال: حدّثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال :
وحدّثنى عبدُ الله بن أبى بكر ، أنَّه حُدّث عن ابن عبّاس، أن ابن عباس ،
قال : حدّثّنى رجلٌ من بنى غِفار، قال: أقبلتُ أنا وابنُ عمّ لى حتى
أصعدنا فى جبل يُشْرِف بنا على بدْر ، ونحن مشرِكان ، ننتظر الوقْعة على
مَنْ تكون الدَّبْرَة، فتنتهب مع من ينتهب . قال : فبينا نحن فى الجبل ؛
إذ دنت مّنا سحابة ، فسمعنا فيها حَمْحَمة الخيل، فسمعت قائلا : ١٣٢٨/١
يقول: أقدِمْ حَيْزُوم(٤). قال: فأمَّا ابن عمى فانكشف قِناعُ قلبه
فمات مكانه؛ وأمّا أنا فكدتُ أهلِك، ثم تماسكت(٥).
حدّثنا ابنُ حُميد ، قال: حدّثنا سَلمة ، قال: قال محمد بن إسحاق:
وحدثنى أبى إسحاق بن يسار ، عن رجال من بنى مازن بن النَّجار ، عن
أبى داود المازنىّ - وكان شهد بدرا - قال: إنى لأتْبَعُ رجلاً من المشركين
يوم بدر لأضربه ، إذْ وقع رأسه قبل أن يصِلَ إليه سيفى، فعرفت أن قد قتله
غیری .
حدّثنى عبدُ الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم المصرىّ، قال: حدّثنا
يحيى بن بُكير (٦)، قال: حدّثنا محمد بن يحيى الإسكندرانىّ عن العلاء بن
(١) فى ابن هشام بعدها: ((قال: فأخلف رجل السيف))؛ ويقال: أخلف الرجل السيف،
إذا سله من غمده .
(٢) هبروهما: قطعوهما. (٣) سيرة ابن هشام ٢: ٧١، والأغانى ٤: ١٩٧، ١٩٨
(٤) قال أبو ذر الخشنى. ((قال ابن سراج: اقدم ، كلمة تزجر بها الخيل، وحيزوم
اسم فرس جبريل عليه السلام، ويقال فيه: جيرون)).
(٥) ابن هشام ٢: ٧١، والأغانى ٤ : ١٩٨.
(٦) هو يحي بن عبد الله بن بكير .

٤٥٤
سنة ٢
كثير، عن أبى بكر بن عبد الرحمن بن المِسْور بن مخرمة ، عن أبى أمامة
ابن سَهْل بن حُنَيَف، قال : قال لى أبى: يا بُنِىّ ، لقد رأيتُنا يوم بدر؛
وإنّ أحدنا ليشيرُ بسيفه إلى المشرك فيقع رأسُه عن جسده قبل أن يصلّ
إليه السيف (١).
حدّثنا ابنُ حُميد، قال : حدّثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق، قال :
وحدثنى الحسن بن عمارة ، عن الحكم بن عتبية، عن مِقْسم مولى عبدالله بن
الحارث، عن عبد الله بن عباس ، قال: كانت سيماء الملائكة يوم بدر عمائم
١٣٢٩/١ بيضًا قد أرسلوها فى ظهورهم، ويوم حنين عمائم حمراً، ولم تقاتل الملائكة
فى يوم من الأيام سوى يوم بدر . وكانوا يكونون فيما سواه من الأيام عُدَدًا
ومدّدًا لا يضربون(٢).
حدّثنا ابنُ حُميد ، قال : حدّثنا سلّمة، قال: قال محمد : وحد ثنى
ثور بن زيد مولى بنى الدِّيل ، عن عِكْرمة مولى ابنِ عبَّاس ، عن ابن عبّاس
قال : وحدّثنى عبد الله بن أبى بكر، قالا: كان مُعاذ بن عمرو بن الجَمُوح
أخو بنى سَلمة يقول: لما فرغ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم من عدوّه،
أمرَ بأبى جهل أن يلتّمس فى القتلى، وقال : اللهمّ لا يعجزنّك، قال:
فكان أوّل مَنْ لقِىَ أبا جهل معاذ بن عمرو بن الجموح ، قال: سمعت
القوم وأبو جهل فى مثل الحرجة(٣) وهم يقولون: أبو الحكمّ لا يُخْلَص
إليه . فلما سمعتها جعلته من شأنى ، فصَمدْت نحوه ، فلمّا أمكننى حملتُ
١٣٣٠/١ عليه فضربته ضربة أطنَّت (٤) قدمه بنصف ساقه؛ فوالله ما شبَّهتُها حين
طاحت إلا النّواة تطيح(٥) من تحت مِرْضَخةٍ (٦) النّوى حين يُضرب بها.
(١) الأغانى ٤ : ١٩٩ .
(٢) ابن هشام ٢: ٧٠٢٨٦، والأغانى ٤ : ١٩٩.
(٣) قال ابن هشام: (( الحرجة الشجر الملتف ؛ وفى الحديث ، عن عمر بن الخطاب أنه
سأل عن الحرجة فقال : هى شجرة من الأشجار لا يوصل إليها )).
(٤) أطنت قدمه : أطارتها .
(٥) تطيح : تذهب .
(٦) المرضخة: التى يدق بها النوى للعلف.

سنة ٢
٤٥٥
قال : وضربنى ابنُه عِكْرمة على عاتقى ؛ فطرح يدى ، فتعلقت بجلْدة من
جنبى ، وأجهضنى (١) القتال عنه؛ فلقد قاتلت عامّة يومى، وإنى لأسحبها
خلْفِى ؛ فلما آدْتِنِى جعلت عليها رجلى ، ثم تمَطَّيت بها ، حتى
طرحتُها .
قال : ثم عاش مُعاذ بعد ذلك ، حتى كان فى زمن عثمان بن عفان . قال:
ثم مرّ بأبى جهل - وهو عقير (٢) - مُعتَوّذ بن عفراء، فضربه حتى أثبته(٣)؛
فتركه وبه رمق ؛ وقاتل معوّذ حتى قُتل ، فمرّ عبد الله بن مسعود بأنى جهل
حين أمر رسول اللّه صلَّى الله عليه وسلَّم أن يُلتَمس فى القتلى، وقد قال لهمْ
رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم - فيما بلغنى: انظروا إنْ خفِىَ عليكم فى
القتلى إلى أثر جُرْح بركبتِه ؛ فإنى ازدحمت أنا وهو يومًاً على مأَدُ بة لعبد الله
ابن جُدعان؛ ونحن غلامان ؛ وكنت أشفَّ منه بيسير ؛ فدفعته ، فوقع على
ركبتْه، فَجُحِشَ(٤) فى إحداهما جَحْشًا لم يزل أثرُه فيه بعد . قال
عبد الله بن مسعود : فوجدته بآخر رَمَق ، فعرفته ، فوضعت رجلى على عنقه .
قال: وقد كان ضَبَثَ(٥) بى مرّة بمكة، فآذانى ولكَزنى. ثم قلت: هل
أخزاك الله يا عدوّ اللّه! قال: وبما ذا أخزانى! أعْمَدُ من رجل قَتَلتموه(٦)! ١٣٣١/١
أخبرنى لمن الدَّبْرَة؟ [ اليوم](٧) قال: قلت: لله ولرسوله(٨).
حدّثنا ابنُ حُميد ، قال : حدّثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق :
وزعم رجال من بنى مخزوم أنّ ابن مسعود ، كان يقول : قال لى أبو جهل :
لقد ارتقيتَ يا رُوَيْعىَ الغنم مرتقَى صعبًا! ثم احتززتُ رأسه ؛ ثم جئت به
رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فقلت: يا رسولَ الله، هذا رأس عدوّ اللّه
(١) أجهضنى : غلبنى واشتد على .
(٢) العقير : المجروح .
(٣) أثبته : جرحه جراحة لا يتحرك معها .
(٤) جحش : خدش .
(٥) ضبث، قال ابن هشام: (( قبض عليه ولزمه)).
(٦) يقال: أعمد من رجل قتله قومه ، أبى أعجب، قال أبو عبيد: معناههل زاد على سيد قتله قومه!
أى أن هذا ليس بعار. (٧) من الأغانى. (٨) سيرة ابن هشام ٢: ٧١، والأغانى ٤: ٢٠٢،٢٠١.

٤٥٦
سنة ٢
أبى جهل ، قال: فقال رسولُ اللّه صلَّى الله عليه وسلّم: آللّه الذى لا إله
غيره (١) ! - وكانت يمينَ رسول الله صلى الله عليه وسلَّم - قال: قلتُ: نعم؛
والله الذى لا إله غيره ، ثم ألقيتُ رأسه بين يدىْ رسول الله صلى الله عليه وسلّم .
قال : فحمد الله(٢).
حدّثنا ابنُ حُميد ، قال : حدّثنا سلمة ، عن محمّد بن إسحاق ،
قال : وحدثنى يزيد بن رُومان ، عن عروة بن الزبير ، عن عائشة ،
قالت : لما أمرَ رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم بالقتلى أن يُطرَحوا فى
القَلِيب (٣) طُرحوا فيه؛ إلا ما كان من أميّة بن خلَف؛ فإنه انتفخ فى دِرْعه
حتى ملأها، فذهبوا ليحرّكوه، فتزايل (٤) فأقرّوه، وألقوا عليه ما غيَّبِه من
التراب والحجارة، فلما ألقاهم فى القَلِيب، وقف رسولُ الله صلَّى اللّه عليه
وسلَّم عليهم ، فقال : يا أهلَ القليب ، هل وجدتم ما وعَدَ كم ربكم حقًّا!
١٣٣٢/١ فإنى وجدتُ ما وعدنى ربى حقًا. فقال له أصحابه: يا رسول الله، أتكلّم
قوماً موتى! قال: لقد علموا أن ما وعدتُهم حقّ، قالت عائشة: والناس يقولون:
((لقد سمعوا ما قلت لهم))، وإنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لقد علموا))(٥).
حدّثنا ابنُ حُميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق .
قال : وحد ثنى حُميد الطويل ، عن أنس بن مالك ، قال : سمع أصحابُ
رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم رسولَ اللّه صلَّى الله عليه وسلَّم ، وهو يقول
من جوف الليل : يا أهلَ القلِيِب ، يا عُتْبة بن ربيعة ، يا شيبة بن ربيعة ،
يا أميّة بن خلَف، يا أبا جهل بن هشام - فعدَّدَ مَنْ كان معهم فى
القَلِيب: هل وجدتم ما وعدكُمْ ربّكم حقًّا؛ فإنى قد وجدتُ ما وعدنى
(١) قال السهيلى: ((اللّه الذى لا إله إلا هو))، هو بالخفض عند سيبويه وغيره ؛ لأن
الاستفهام عوض عن الخافض عنده)).
(٢) سيرة ابن هشام ٢: ٧٢، والأغانى ٤: ٢٠١.
(٣) القليب : البئر .
(٤) تزايل : تفرق.
(٥) ابن هشام ٢: ٧٤، والأغانى ٤: ٢٠١، ٢٠٢

٤٥٧
سنة ٢
ربِّى حقًّا! قال: المسلمون: يارسولَ الله؛ أتنادى قومًا قد جَيَّفوا(١)! فقال:
ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ؛ ولكنَّهم لا يستطيعون أن يجيبونى (٢).
حدّثنا ابنُ حُميد ، قال : حدّثنا سلمة ، قال: قال محمد بن إسحاق :
وحدثنى بعضُ أهلِ العلم، أنّ رسولَ اللّه صلَّى الله عليه وسلَّم يوم قال
هذه المقالة: قال: يا أهلَ القَلِيب، بئس عشيرة النبىّ كنتم لنبيكم ! كذ بتمونى
وصدّقنى الناس، وأخرجتمونى وآوانى النَّاس ، وقاتلتمونى ونصرنى الناس.
ثم قال : هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقًّا؟ للمقالة التى قال . قال: ولما أمر
بهم رسولُ الله صلّى الله عليه وسلَّم أنْ يُلْقَوْا فى القَلِيب، أخذ عتبة بنربيعة
فسحِب إلى القَلِيب، فنظر رسولُ اللّه صلَّى الله عليه وسلّم- فيما بلغنى -
فى وجه أبى حُذيفة بن عتبة ؛ فإذا هو كئيب قد تغيّر ، فقال: يا أبا حذيفة ؛
لعلَّك دخلك مِنْ شأن أبيك شىء !- أو كما قال صلَّى الله عليه وسلَّم -.
فقال : لا والله يا نبيّ اللّه، ما شككتُ فى أبى ولا فى مصرعه؛ ولكنِّى كنتُ
أعرِف من أبى رأيًا وحِلْمًا وفضلاً؛ فكنت أرجو أن يهديه ذلك إلى الإسلام؛
فلما رأيتُ ما أصابه ، وذكرت ما مات عليه من الكفر بعد الذى كنتُ أرجو
له، حَزَنَنى ذلك، قال: فدعا رسولُ اللّه صلَّى الله عليه وسلَّم له بخير ،
وقال له خيراً .
١٣٣٣/١
. ثم إنّ رسولَ اللّه صلَّى اللّه عليه وسلم أمر بما فى العسكر ممَّا جَمَعَ
الناس فجُمع؛ فاختلف المسلمون فيه، فقال مَنْ جمعه: هو لنا ؛ قد كان
رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم نفّل كلّ امرئ ما أصاب، فقال الذين كانوا
يقاتلون العَدُوّ ويطلبونهم : لولا نحن ما أصبتموه ، لنحن شغلْنا القوم
عنكم حتى أصبتم ما أصبتم. فقال الذين يَحْرسون رسولَ اللّه صلَّى اللّه عليه
وسلَّم مخافة أن يخالِفِ إليه العدوّ: والله ما أنتم بأحَقّ به منَّاً؛ لقد رأينا
أن نقتلَ العدوّ إذْ ولانا الله، ومنحنا أكتافهم ؛ ولقد رأينا أن نأخذ المتاع
(١) جيفوا : أى صاروا جيفاً.
(٢) ابن هشام ٢: ٧٤، والأغانى ٤: ٢٠٢.

٤٥٨
سنة ٢
حين لم يكن دونه مَنْ يمنعه؛ ولكن خِفْنا على رسول الله صلَّى اللّه عليه
وسلَّم كرّة العدوّ، فقمنا دونه؛ فما أنتم بأحقَّ به منَّا (١).
حدثنا ابنُ حميد ، قال : حدّثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، قال :
١٣٣٤/١ وحدثنى عبد الرحمن بن الحارث وغيره من أصحابنا ، عن سليمان بن موسى
الأشدق، عن مكحول ، عَنْ أبى أمامة الباهلىّ، قال: سألت عبادة بن
الصّامت عن الأنفال ، فقال : فينا معشَر أصحاب بدر نزلت ؛ حين اختلفنا
فى النََّل، وساءت فيه أخلاقنا ، فنزعه الله من أيدينا ، فجعله إلى رسوله،
فقسَّمه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بين المسلمين عن بَوَاء - يقول على
السَّوَاء - فكان فى ذلك تقوى الله، وطاعة رسوله ، وصلاح ذات البين .
قال: ثمّ بعث رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم عند الفتح عبدَ الله بن
رواحة بشيرًا إلى أهل العالية بما فتح الله على رسوله صلَّى اللّه عليه وسلَّم وعلى
المسلمين ، وبعث زيد بن حارثة إلى أهل السافلة .
قال أسامة بن زيد : فأتانا الخبر حين سوّينا التّراب على رقيّة بنت رسول
الله صلَّى الله عليه وسلَّم التى كانت عند عثمان بن عفان، كان رسول الله صلَّى
الله عليه وسلَّم خلفنى عليها مع عثمان.
قال : ثم قدم زيد بن حارثة فجئته وهو واقف بالمصلّى قَد غَشيهُ
الناس وهو يقول : قُتِل عتبة بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة ، وأبو جهل بن
هشام، وزَمعة بن الأسود، وأبو البخترىّ بن هشام، وأميّة بن خَلف ونبيه
ومنبّه ابنا الحجاج. قال: قلت: يا أبهْ أحقٌّ هذا! قال: نعم والله با بُنىَّ.
ثم أقبل رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم قافلاً إلى المدينة؛ فاحتمل معه النَّفَل
الذى أصيب من المشركين ، وجعل على النَّفَلِ عبد الله بن كعب بن زيد
١٣٣٥/١ ابن عوف بن مبذول بن عمرو بن مازن بن النَّجار. ثم أقبلَ رسول الله صلى الله
عليه وسلَّم حتى إذا خرج من مضِيق الصَّفْراء ، نزل على كَثِيب بين
المضيق وبين النازية - يقال له سَيَر - إلى سَرْحة به، فقسَّم هنالك النَّقَل
(١) ابن هشام ٢: ٧٤ - ٧٦، والأغانى ٤: ٢٠٢، ٢٠٣.

٤٥٩
سنة ٢
الَّذى أفاء الله على المسلمين من المشركين على السَّواء ، واستقى له من ماء به
يقال له الأرواق .
ثم ارتحل رسول ◌ُالله صلّى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالرَّوْحاء، لقَيَهُ
المسلمون يُهنّئونه بما فتح اللّه عليه ومَنْ معه من المسلمين ، فقال سلمة بن
سلامة بن وقْش - كما حدثنا ابن حميد ، فقال: حدّثنا سلمة ، قال :
قال محمد بن إسحاق ، كما حدّثنى عاصم بن عمر بن قتادة ، ويزيد بن
رومان: وما الذى تُهنّئون به! فوالله إن لقينا إلا عجائز صُلعًا كالبُدْنَ
المعقّلَة، فنحرناها. فتبسََّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: يا بنّ
أخى، أولئك الملأ(١). قال: ومع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم الأسارى من
المشركين وكانوا أربعة وأربعين أسيراً، وكان من القتلى مثل ذلك - وفى الأسارى
عُقْبة بن أبى مُعَيط، والنَّضْر بن الحارث بن كَلَدَة - حتى إذا كان
رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم بالصّفْراء ، قتِلِ النَّصْر بن الحارث ، قتله
علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه (٢).
حدّثنا ابنُ حُميد، قال: حدّثنا سلمة قال: قال محمد بن إسحاق :
كما حدّثَنى بعضُ أهل العلْم من أهل مكة ؛ قال : ثم خرج رسولُ اللّه
صلَّى الله عليه وسلَّم؛ حتى إذا كان بعرْق الظّبْية، قتل عُقْبة بن
أبى مُعيط، فقال حين أمر به رسول اللّه صلَّى الله عليه وسلَّم أن يُقتل: فمنْ
للصبية يا محمد ! قال : النار ، قال: فقتله عاصم بن ثابت بن أبى الأقلح
الأنصارىّ ، ثم أحد بنى عمرو بن عوف .
١٣٣٦/١
قال : كما حدثنى أبو عبيدة بن محمد بن عمَّار بن ياسر ، قال : ولما
انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عِرْق الظبية حين قتل عُقبة لقيه
أبو هند مولى فَرْوة بن عمرو البَيَاضىّ بحَمِيت مملوء حَيْساً(٣)، وكان قد
تخلَّف عن بدر ، ثم شهد المشاهد كلّها مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ،
(١) الملأ: الأشراف .
(٢) سيرة ابن هشام ٢: ٧٧، والأغانى ٤ : ٢٠٣.
(٣) قال ابن هشام: الحميت: ((الزق. والحيس: السمن يخلط بالتمر والأقط)).

٤٦٠
سنة ٢
وكان حجَّام رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فقال رسولُ الله صلَّى اللّه
عليه وسلّم : إنما أبو هند امرؤٌ من الأنصار، فأنكحوه وأنكحوا إليه، ففعلوا.
ثم مضى رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم حتى قدم المدينة قبل الأسارى
بيوم(١) .
حدّثنا ابن حميد ، قال : حدّثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن
عبد الله بن أبى بكر ، عن يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سعد بن
١٣٣٧/١ زُرَارة، قال: قُدم بالأسارى حين قُدم بهم وسَوْدَة بنت زَمْعة زوج النبى
صلَّى اللّه عليه وسلَّم عند آل عَفْرَاء فى مَنّاحتهم على عَوْف ومُعوّذ
ابنى عفراء - قال: وذلك قبل أن يُضْرَب عليهنّ الحجاب - قال: تقول
سَوْدة: والله إنى لَعندهم إذا أتِينا، فقيل: هؤلاء الأسارى قد أُنِىّ بهم،
قالت : فُرِحْت إلى بيتِى ورسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم فيه؛ وإذا
أبو يزيد سهيل بن عمرو فى ناحية الحُجْرة ، مجموعة يداه إلى عنقه بحبْل ،
قالت : فوالله ما ملكتُ نفسى حين رأيتُ أبا يزيد كذلك أن قلت : يا أبا يزيد،
أعطيْتم بأيديكم، ألاَ متّم كراما! فوالله ما أنْبهنى إلاّ قولُ رسول الله صلَّى اللّه
عليه وسلّم من البيت: يا سودة، أعلى اللّه وعلى رسوله! قالت: قلت: يارسول اللّه؛
والَّذى بعثك بالحقِّ ما ملكتُ نفسى حين رأيت أبا يزيدَ مجموعةً يداه إلى
عنقه بحبل أن قلت ما قلت(٢).
حدّثنا ابنُ حميد ، قال : حدّثنا سلمة بن الفضل ، عن محمد بن
إسحاق، قال: حدثنى نُبَيْه بن وهب، أخو بنى عبد الدَّار، أنّ رسولَ الله
صلَّى الله عليه وسلَّم حين أقبل بالأسارَى فرّقهم فى أصحابه ، وقال :
استوصُوا بالأسارى خيرًا - قال: وكان أبو عزيز بن عمير بن هاشم، أخو
مصعب بن عمير لأبيه وأمّه فى الأسارى- قال: فقال أبو عزيز: مَرّ بى أخى
مصعب بن عمير ، ورجل من الأنصار يأسرنى ، فقال : شُدَّ يديك به ؛
(١) سيرة ابن هشام ٢ : ٧٧ .
(٢) سيرة ابن هشام ٢: ٧٧، ٧٨، والأغانى ٤: ٢٠٤.