Indexed OCR Text

Pages 321-340

٣٢١
بأفضل مما قد جئتكم به؛ إنى قد جئتكم بخير الدّنيا والآخرة ، وقد أمرنى الله
تعالى أن أدعوكم إليه ، فأيكم يؤازرنى على هذا الأمر على أن يكون أخى
ووصيّى وخليفتى فيكم ؟ قال: فأحجم القومُ عنها جميعًا ، وقلت ؛ وإنى
لأحدثُهم سنًّا، وأرمصهم (١) عينًا، وأعظمهم بطنًا، وأحمشهم ساقًا(٢)؛ أنا
یا نىّ اللّه، أكون وزيرك عليه. فأخذ برقبتى ، ثم قال : إن هذا أخی ووصىّ
وخليفتى فيكم ، فاسمعوا له وأطيعوا . قال : فقام القوم يضحكون ، ويقولون
لأبى طالب : قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع (٣) ..
١١٧٣/١
حدّثّنى زكرياء بن يحيى الضرير ، قال : حدثنا عفان بن مسلم ، قال :
حدّثنا أبو عوانة ، عن عثمان بن المغيرة ، عن أبى صادق ، عن ربيعة بن
ناجد ، أنّ رجلاً قال لعلىّ عليه السلام: يا أمير المؤمنين ، بمَ ورثت ابنَ
عمّك دون عَمّك؟ فقال علىّ: هاؤم! ثلاث مرات؛ حتى اشرأبَّ الناس،
ونشروا آذانهم . ثم قال: جَمَعَ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم - أو دعا
رسول الله - بنى عبد المطلب منهم رهطه ، كلّهم يأكل الجَذَعة ويشرب
الفِرْقَ (٤)، قال: فصنع لهم مُدًّا من طعام ، فأكلوا حتى شبعوا وبقى الطَّعَام
كما هو؛ كأنه لم يمسّ. قال: ثم دعا بغُمَرَ(٥) فشرِبوا حتى رَؤُوا وبقىّ
الشراب كأنه لم يمسّ ولم يشربوا. قال : ثم قال : يا بنى عبد المطلب ، إنى
بُعِثِتُ إليكم بخاصّة وإلى الناس بعامة ، وقد رأيتم من هذا الأمر ما قد
رأيتم ، فأيّكم يبايعنى على أن يكون أخى وصاحبى ووارثى ؟ فلم يقم إليه
أحدٌ، فقمت إليه - وكنت أصْغَرّ القوم - قال: فقال : اجلس ، قال :
ثم قال ثلاث مرات ، کلّ ذلك أقوم إليه ، فيقول لی : اجلس ، حتى كان
(١) الرمص فى العين كالغمص، وهو قذى تلفظ به، وهو كناية عن صغر سنه.
(٢) حمش الساقين : دقيقها .
(٣) الخبر فى التفسير ١٩: ٧٤، ٧٥ (بولاق)
(٤) الفرق، بكسر الفاء، وبعضهم يقول بالفتح: مكيال كبير لأهلالمدينة يكال به اللبن.
(٥) الغمر: القدح الصغير، وفى ر: ((بعس)).

٣٢٢
فى الثالثة، فضرب بيده على يدى، قال: فبذلك ورثتُ ابنَ عمَّى دون عمَّى .
فحدّثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، حدثنا محمد بن إسحاق،
عن عمرو بن عبيد ، عن الحسن بن أبى الحسن ، قال : لما نزلت هذه الآية
١١٧٤/١ على رسول الله صلّى الله عليه وسلم: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾، قام
رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأبطح، ثم قال: يا بنى عبد المطلب، يابنى
عبد مناف، يا بنى قصىّ- قال: ثم فخَذَ (١) قريشا قبيلة قبيلة، حتى مرّ (٢)
على آخرهم - إنى أدعوكم إلى الله وأنذركم عذابه(٣).
حدّثنا الحارث ، قال : حدّثنا ابن سعد ، قال : أخبرنا محمد بن عمر ،
قال : حدّثنا جارية بن أبى عمران ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه ،
قال : أمِرَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أن يصدّع بما جاءه من عند الله،
وأن يبادِىّ الناس بأمره ، وأن يدعوهم إلى (٤) اللّه، فكان يدعو مِنْ أوّل
ما نزلت عليه النبوّة ثلاث سنين، مستخفيًا ، إلى أن أمر بالظهور للدعاء(٥).
قال ابن إسحاق- فيما حدثنا ابن حميد، قال : حدّثنا سلمة، عنه :
فصدع رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم بأمر الله، وبادَى قومه بالإسلام ،
فلما فعل ذلك لم يبعد منه قومه ، ولم يردّوا عليه بعض الردّ - فيما بلغنى -
حتى (٦) ذكر آلهتهم وعابها ، فلمّا فعل ذلك ناكروه وأجمعوا على خلافه
وعداوته إلاّ مَنْ عصم الله منهم (٧) بالإسلام ؛ وهم قليلمستخفون،وحدب
عليه أبو طالب عَمّه ومنعه ، وقام دونه ، ومضى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم
(١) فخذهم : دعاهم فخذا فخذا ، والفخذ أقل من البطن ، وأولها : الشعب ثم القبيلة،
ثم الفصيلة، ثم العمارة، ثم البطن. وانظر اللسان. وفى ر: ((عد)).
(٢) ح: ((أتى)).
(٣) الخبر فى التفسير ١٩: ٧٥ (بولاق).
(٤) م: ((فأمره أن يدعوهم)).
(٥) طبقات ابن سعد ١: ١٩٩ وهناك: ((إلى أن أمر بظهور الدعاء)).
(٦) م: ((عن)).
(٧) زاد فى ح: ((عن ذلك

٢
٣٢٣
على أمرِ اللّه مظهرًا لأمره، لا يردّه عنه شىء . فلما رأت قريش أنّ رسول"
الله صلى الله عليه وسلم لا يُعتبهم(١) مِنْ شىء [يكرهونه مما](٢) أنكروه عليه
من فراقهم وعَيْب آلهتهم، ورأوا أنّ أبا طالب قد حَدِبَ عليه ، وقام
دونه فلم يُسلِمْه لهم، مشى رجالٌ من أشراف قريش إلى أبى طالب: عُتْبة ١١٧٥/١
ابن ربيعة ، وشيْبة بن ربيعة ، وأبو البَخْتَرِىّبن هشام، والأسود بن المطّلب،
والوليد بن المغيرة ، وأبو جهل بن هشام ، والعاص بن وائل، ونبيه ومنبه ابنا الحجّاج
- أو مَنْ مشى إليه منهم - فقالوا : يا أبا طالب ، إنّ ابن أخيك قد
سَبّآلهتنا، وعاب ديننا، وسَفّه أحلامنا، وضلّل آباءنا ؛ فإمَّا أن تكفَّه
عنَّا، وإما أنْ تُخَلَّىَ بيننا وبينه؛ فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه ،
فنكفيكه . فقال لهم أبو طالب قولاً رفيقًا ، وردّهم ردًّا جميلاً ، فانصرفوا
عنه ، ومضى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على ما هو عليه ؛ يظهر دين الله،
ويدعو إليه . قال : ثم شرِىَ(٣) الأمرُ بينه وبينهم حتى تباعد الرجالُ ،
وتضاغنوا، وأكثرت قريش ذِكْرَ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بينها، وتذامروا
فيه، وحَضّ بعضُهم بعضًا عليه. ثم إنهم مَشَوْا إلى أبى طالب مرَّةً أخرى ،
فقالوا: يا أبا طالب ، إن لك سنًّاً وشرفًا ومنزلة فينا ، وإنَّا قد استنهيناك من
ابن أخيك فلم تَنْهه عَنا ، وإنا والله لا نصبر على هذا من شَتْم آبائنا؛ وتسفيه
أحلامنا ، وعيب آلهتنا حتى تكفَّه عنا أو تنازله وإيّاك فى ذلك ؛ حتى يهلك
أحدُ الفريقين - أو كما قالوا. ثم انصرفوا عنه ، فعظُ على أبى طالب فراقُ
قومه وعدواتهم له ؛ ولم يطبْ نفسًا بإسلام رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم
ولا خذْلانه (٤)
حدثنى محمد بن الحسين ، قال : حدّثنا أحمد بن المفضّل ، قال :
حدّثنا أسباط، عن السدّىّ: أنّ ناسًا من قريش اجتمعوا (٥)، فيهم أبو جهل ١١٧٦/١
(١) م: ((يغنيهم))، ولا يعتبهم، أى لا يرضيهم.
(٢) من ح .
(٣) شرى الأمر : اشتد واستطار .
(٥) م: ((أجمعوا)).
( ٤) سيرة ابن هشام ١ : ١٦٩، ١٧٠

٣٢٤
ابن هشام، والعاص بن وائل، والأسود بن المُطلّب، والأسود بن عبد يغوث؛
فى نفرٍ من مَشْخة قريش ، فقال بعضهم لبعض : انطلقوا بنا إلى
أبى طالب فنكلِّمَه(١) فيه؛ فلْيُنْصِفْنا منه، فيأمره فليكفّ عن شتم آلهتنا،
وندَعه وإلهه الذى يعبد ؛ فإنَّا نخافُ أن يموتَ هذا الشيخ فيكون منا شىء
فتعيّرنا العرب ؛ يقولون : تركوه ؛ حتى إذا مات عَمّه تناولوه .
قال : فبعثوا رجلاً منهم يُدعَى المطّلب، فاستأذن لهم على أبى طالب ،
فقال: هؤلاء مشيخة قومك(٢) وسَرواتهم، يستأذنون عليك، قال: أدخلْهم؛
فلما دخلوا عليه ، قالوا : يا أبا طالب ، أنت كبيرُنا وسيِّدنا ، فأنصفْنا من
ابن أخيك ، فمرْه فلْيكفّ عن شَتْم آلهتنا ، وندَعَه وإلهه .
قال : فبعث إليه أبو طالب، فلمّا دخلَ عليه رسولُ الله صلى الله عليه
وسلم قال: يابنَ أخى؛ هؤلاء مشيخة قومِك وسَرَواتهم، وقد سألوك(٣)
النَّصْف، أن تكفّ عن شَتْ آلهتهم ويدَعُوك وإلهَك. قال: أى عمّ،
أوَلاَ أدعوهم إلى ما هُوّ خير لهم منها ؟ قال : وإلامَ تدعوهم ؟ قال : أدعوهم
إلى أن يتكلّموا بكلمةٍ تدين لهم بها العرب ، ويملكون بها العجم . قال : فقال
أبو جهل من بين القوم : ما هى وأبيك ؟ لنعطينَّكها (٤) وعشرًا (٥)
أمثالها. قال: تقول: لا إله إلا الله، قال: فَنَفروا [وتفرّقوا](٦) وقالوا: سَلْنَا
١١٧٧/١ غير هذه، فقال: لو جئتمونى بالشمس حتى تضعُوها فى يدى ما سألتُكم
غيرها! قال : فغضبوا وقاموا من عنده غَضَابى، وقالوا: واللّه لنشتمنّك وإلهك
الذى يأمُرُك بهذا، ﴿وَأَنْطَلَقَ الْعَلَأُ مِنْهُمْ أنِ أَمْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ
هَذَا لَشَىٌْ يُرَادُ﴾، إلى قوله: ﴿إِلَّا أُخْتِلَاقٌ﴾(٧).
(١) ر والتفسير: ((فلنكلمه)).
(٢) ر: ((قريش))، وسروات القوم: سادتهم.
(٣) م: ((سألوا)).
(٤) ر: ((لنعطيكها))، م: ((نعطيكها)).
(٥) ح: ((وعشرا معها)).
(٦) من ح وابن الأثير .
( ٧) سورة ص : ٦، ٧ .

٣٢٥
وأقبل على عَمِّه فقال له ◌َمّه : يابن أخى، ما شططتَ عليهم، فأقبل
على عمَّه فدعاه، فقال : قل كلمةً أشهدُ لك بها يوم القيامة ، تقول : لا إله
إلا الله، فقال: لولا أن تعيبكم بها العرب، يقولون(١): جزع من الموت
لأعطيتُكها ؛ ولكن على ملَّةِ الأشياخ ، قال : فنزلت هذه الآية :
﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِى مَنْ يَشَاءِ﴾(٢).
حدثنا أبو كُرَيَب وابن وكيع ، قالا : حَدّثنا أبو أسامة ، قال :
حدّثنا الأعمش ، قال : حدّثنا عبّاد ، عن سعيد بن جُبير ؛ عن
ابن عباس، قال: لما مَرِض أبو طالب، دخل عليه رَهْطٌ من قريش، فيهم
أبو جهل ، فقال : إنّ ابنَ أخيك يشتم آلهتنا ، ويفعل ويفعل ؛
ويقول ويقول ، فلو بعثتَ إليه فنهيتَه! فبعث إليه، فجاء النبيّ صلَّى اللّه
عليه وسلّم ، فدخل البيت وبينهم وبين أبى طالب قَدْر مجلِس رجل ، قال :
فخشِىَ أبو جهل إنْ جلس إلى جنب أبى طالب أن يكون أرق٣(٣) له عليه ،
فوثب فجلس فى ذلك المجلس ولم يجد رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم مجلساً
قُرْبَ عَمه ، فجلس عند الباب ، فقال له أبو طالب : أى ابنَ أُخى !
ما بالُ قومِك يشكُونَك ؛ يزعمون أنك تشتمُ آلهتهم وتقول وتقول ! قال :
وأكثروا عليه من القول، وتكلّم رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فقال: ياعمّ، ١١٧٨/١
إنى أريدهم على كلمة واحدة يقولونها ، تدین لهم بها العرب ، وتؤدّی إلیھم بها
العجم الجِزْية . ففزعوا لكلمته ولقوله ؛ فقال القوم كلمةً واحدة : نعم وأبيك
عشرًا. فما هى؟ فقال أبو طالب: وأىّ كلمةٍ هى يابن أخى ؟ قال :
لا إله إلا الله، قال: فقاموا فزِعين ينفضُون ثيابهم، وهم يقولون: ﴿أَجَعَلَ
الْآلِهَةَ إِلَّهَا وَاحِدًا إنَّ هَذَا كَشَىٌْ عُجَابٌ). قال: ونزلت من هذا الموضع
(١) ح: ((تقول))، ابن الأثير: ((وتقول)).
(٢) سورة القصص ٥٦، والخبر فى التفسير ٢٣: ٨١ (بولاق).
(٣) ح: ((أراف)) ..

٣٢٦٠
إلى قوله: ﴿لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾(١). لفظ الحديث لأبى كريب(٢).
رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق . فحدّثنا ابن حميد ، قال :
حدّثنا سلمة ، قال : حدثنى محمد بن إسحاق ، قال : فحدّثنى يعقوب
ابن عُتُبْة بن المغيرة بن الأخنس ، أنه حدّث أنّ قُريشًا حين قالت
لأبى طالب هذه المقالة، بعث إلى رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم، فقال له: يابن
أخى، إنّ قومَك قد جاءونى فقالوا لى كذا وكذا، فأبقٍ علىّ وعلى نفسك
ولا تُحمَّلْتِى من الأمر مالا أطيقٍ! فظنّ رسولُ اللّه صلّى الله عليه وسلّم أنه
قد بدَا لعمه فيه بَدَاءٌ(٣)، وأنه خاذلُهُ ومُسلِمُه، وأنه قد ضعف عن
نُصرته والقيامِ معه، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ياعمّاه، لو وضعوا
الشمسَ فى يمينى والقمر فى يسارى على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله
أو أهلِك فيه ما تركته. (٤) ثم استعَبَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فبكتى
١١٧٩/١ ثم قام ، فلمّا ولى ناداه أبو طالب ، فقال: أقبلْ يابن أخى ، فأقبل عليه
رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: اذهب يابنَ أخى، فقل ما أحببتَ
فوالله لا أسلِمُك لشىء أبداً .
قال : ثم إنّ قريشًا لما عرفتْ أنّ أبا طالب أبىَ خذلانَ رسول الله صلى
اللّه عليه وسلم وإسلامته وإجماعه لفراقهم فى ذلك، وعداوتهم، مشوا إليه
بعمارة بن الوليد بن المغيرة ، فقالوا له - فيما بلغنى : يا أبا طالب، هذا ◌ُمارة
(١) سورة ص ٥ - ٨.
(٢) الخبر فى التفسير ٢٣: ٧٩ (بولاق) .
(٣) البداء: الاسم من ((بدأ))؛ يريد: ظهر له رأى؛ سمى الرأى بداء لأنه شىء يبدو
بعد ما خفى .
(٤) قال السهيلى: ((خص الشمس باليمين؛ لأنها الآية المبصرة، وخص القمر بالشمال لأنها
الآية الممحوة ؛ وقد قال عمر رحمه الله لرجل قال له : إنى رأيت فى المنام كأن الشمس والقمر يقتتلان؛
ومع كل واحد منهما نجوم ! فقال عمر : مع أيهما كنت ؟ فقال : مع القمر ، قال : كنت مع
الآية المحوّة ؛ اذهب فلا تعمل لى عملا . وكان عاملا له فعزله ؛ فقتل الرجل فى صفين مع معاوية».

٣٢٧
ابن الوليد أنْهَدُ(١) فىَ فى قريش وأشعَرُه وأجمله، فخذه فلك عقلُه
ونُصْته، واتَّخَذْه ولداً؛ فهولك، وأسلِمْ لنا ابنَ أخيك - هذا الذى قد
خالف دينك ودينَ آبائك، وفرّق جماعة قومك، وسفّه أحلامهم - فنقتله ؛
فإنما رجلٌ كرجل ؛ فقال: واللّه لبئسَ ما تسومُونى! أتُعطونى ابنكم أغذُوه
لكم، وأعطِيكُم ابنى تقتلُونه! هذا والله مالا يكون أبدا(٢). فقال المُطْعِمِ
ابن عدىّ بن نَوْفل بن عبد مناف: والله يا أبا طالب، لقد أنصفك قومُك،
وجهدوا على التخلّص (٣) ممَّا تكرهه، فما أراك تريد أن تقبل منهم شيئًا،
فقال أبو طالب للمطعيم : والله ما أنصفونِى؛ ولكنَّك قد أجمعتَ خذلانى
ومظاهرةَ القوم علىّ ، فاصنع ما بدا لك! أو كما قال أبو طالب .
قال : فحقِب (٤) الأمر عند ذلك ، وحميت الحرب ، وتنابذ القوم،
وبادَى بعضهم بعضًا .
قال : ثم إنّ قُريشًا تذامروا على مَنْ فى القبائل منهم مِنْ أصحاب
رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الذين أسلمُوا معه. فوثبتْ كلُّ قبيلة علَى
مَنْ فيها من المسلمين يعذّبونهم وَيَفْتِنونهم عن دينهم ، ومنع اللّه رسوله
منهم بعمّه أبى طالب، وقد قام أبو طالب حينَ رأى قريشًا تصنع ما تصنع
فى بنى هاشم وبنى المطلب ، فدعاهم إلى ما هو عليه من منْع رسول الله صلى
الله عليه وسلم، والقيام دونه. فاجتمعوا إليه، وقاموا (٥) معه، وأجابوا إلى
ما دعاهم إليه من الدَّفْع عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، إلاّ ما كان من
١١٨٠/١
(١) أنهد ، أى أقوى وأجلد ؛ ويقال: فرس نهد؛ الذى يتقدم الخيل. قال السهيلى:
((وعمارة بن الوليد هذا هو الذى أرسلته قريش مع عمرو بن العاص إلى أرض الحبشة)).
(٢) وفى رواية أخرى عن السهيلى أن أبا طالب قال لهم حين سألوه أن يأخذ عمارة بدلا من
محمد عليه السلام: ((أرأيتم ناقة تحن إلى غير فصيلها وترأمه! لا أعطيكم ابنى تقتلونه أبداً وآخذ
ابنكم أكفله وأغذوه!))، وهو معنى ما ذكر ابن إسحاق .
(٣) ح: ((أن يتخلصوا)).
(٤) فحقب الأمر عند ذلك، قال السهيلى: ((يريد اشتد ، وهو من قولك : حقب البعير؛
إذا راغ عنه الحقب من شدة الجهد والنصب ... ثم يستعمل فى الأمر إذا عسر)).
(٥) ح: ((وأقاموا)).

٣٢٨
أبىَ هَب؛ فلما رأى أبو طالب مِنْ قومه ما سرَّه من جِدّهم معه؛ وحَدَبهم
عليه ، جعل يمدحهُم ، ويذكر فضلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم ؛
ومكانه منهم ليشدّ لهم رأيهم(١).
٠
حدّثنا على بن نصر بن على الجهضمىّ ، وعبد الوارث بن عبد الصمد
ابن عبد الوارث - قال على بن نصر: حدثنا عبدُ الصّمد بن عبد الوارث ،
وقال عبدُ الوارث: حدثنى أبى - قال: حدّثنا أبان العطّار ، قال : حدّثنا
هشام بن عروة ، عن عروة ، أنه كتب إلى عبد الملك بن مروان : أما بعد ،
فإنّه - يعنى رسولَ اللّه صلى الله عليه وسلم - لمّا دعا قومه لما بعثه (٢) اللّه من
الهُدى والنور الذى أنزل عليه ، لم يبعُدُوا منه أوّل ما دعاهم ، وكادوا يسمعون
له ؛ حتى ذكر طواغيتتهم . وقدم ناس من الطائف من قُريش لهم أموال ،
أنكروا ذلك عليه، واشتدُّوا عليه، وكرهوا ما قال [لهم](٣)، وأغرَوْا به مَنْ
أطاعهم ، فانصفق(٤) عنه عامّةُ الناس، فتركوه إلاّ من حفظه الله منهم؛
١١٨١/١ وهم قليل؛ فمكث بذلك ما قدّر الله أن يمكث . ثم ائتمرت رءوسهم بأن
يفتنوا مَنْ تبعه عن دين الله من أبنائهم وإخوانهم وقبائلهم ، فكانت فتنة
شديدة الزلزال على من اتّبع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من أهل الإسلام ؛
فافتتن مَن افتن، وعَصَم اللّه منهم مَنْ شاء؛ فلمّا فعل ذلك بالمسلمين ،
أمرهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن يخرجُوا إلى أرض الحبشة ـ- وكان
بالحبشة مَلِكٌ صالح يقال له النجاشىّ، لا يُظلم أحدٌ بأرضه ، وكان
بنثى (٥) عليه مع ذلك صلاح، وكانت أرض الحبشة متجراً لقريش
بتّجرون فيها ، يجدون فيها رَفاعًا (٦) من الرزق، وأمناً ومتجراً حسنًا -
(١) سيرة ابن هشام ١ : ١٧٠، ١٧١.
(٢) م: ((بما بعثه الله)).
(٣) من ح .
(٤) انصفقوا عنه : انصرفوا .
(٥) ينشى عليه ، أى يشيع عنه.
(٦) كذا فى الطبرى، وفى اللسان: ((ترفع الرجل: توسع، وإنه لفى رفاغة ورفاغية من
العيش)) .

٣٢٩
فأمرهم بها رسولُاللّه صلّى الله عليه وسلّم؛ فذهب إليها عامّتهم لما قهِروا بمكّة،
وخاف علیھم الفتن ، ومکث هو فلم يبرح ، فمكث بذلك سنوات ؛ يشتدّون
على مَنْ أسلم منهم .
ثم إنه فشا الإسلام فيها ، ودخل فيه رجال من أشرافهم .
٠
*
قال أبو جعفر: فاختُلف فى عددٍ مَنْ خَرَج إلى أرض الحبشة ،
وهاجر إليها هذه الهجرة ، وهى الهجْرة الأولى .
فقال بعضهم : كانوا أحدَ عشرَ رجلاً وأَرْبَعَ نسوة .
• ذكر من قال ذلك :
حد ◌ّثنا الحارث ، قال : حد ◌ّثنا ابنُ سعد ، قال : أخبرنا محمد بن عمر ،
قال : حدثنا يونس بن محمد الظَّفْرِىّ ، عن أبيه ، عن رجل من قومه .
قال : وأخبرنا عبيد اللّه بن العباس الهُذلىّ، عن الحارث بن الفُضَيْل؛
قالا : خرج الذين هاجروا الهجرة الأولى متسللين سرًّا، وكانوا أحدَ عشرَ رجلا
وأربعَ نسوة ، حتى انتهوا إلى الشُّعَيْبة؛ منهم الراكب والماشى، ووفّق اللّه ١١٨٢/١
للمسلمين ساعة جاءوا سفينتين للتّجار حملوهم فيهما إلى أرض الحبشة
بنصف دينار، وكان مَخْرَجُهُم فى رجب(١) فى السنة الخامسة ، من
حين نبّىء رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم، وخرجت قريش فى آثارهم حتى
جاءوا البحر ؛ حيث ركبوا فلم يدركوا منهم أحداً .
قالوا : وقدمنا أرضَ الحبشة ، فجاورْنا بها خير جارٍ ؛ أمِنّا على ديننا،
وعبَدْنا اللّه، لا نؤذَى ولا نسمعُ شيئًا نكرهه(٢).
حدّثنى الحارث ، قال : حدّثنا محمد بن سعد ، قال : أخبرنا محمد
ابن عمر ، قال : حدثنى يونس بن محمد ، عن أبيه . قال : وحدّثنى
(١) ابن سعد: ((من رجب)).
(٢) طبقات ابن سعد ١: ٢٠٤

٣٣٠
عبد الحميد(١) ، عن محمد بن يحيى بن حَبَّان؛ قالا: تسمية القوم الرجال
والنساء : عثمان بن عفان معه امرأته رُقَيَّة بنت رسول الله صلى الله عليه
وسلم ، وأبو حذيفة بن عُتْبَة بن ربيعة معه امرأته سَهْلة بنت سُهيل
ابن عمرو ، والزّبير بن العوام بن خُوَيَلد بن أسد، ومُصعب بن مُمير بن
هاشم بن عبد مناف بن عبد الدّار ، وعبد الرّحمن بن عوف بن عبد عْوف
ابن الحارث بن زُهرة ، وأبو سلمة بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر
١١٨٣/١ ابن مخزوم؛ معه امرأته أم سلمة بنت أبى أميّة بن المُغيرة بن عبد الله بن عمر
ابن مخزوم، وعثمان بن مظعون الجُمَحىّ، وعامر بن ربيعة العَنْزِىّ؛
من عَنْز بن وائل - ليس من عنَّزّة - حليف بنى عدىّ بن كعب، معه
امرأته ليلى بنت أبى حَثْمةً ، وأبو سَبْرة بن أبى رُهْم بن عبد العُزّى
العامرىّ ، وحاطب بن عمرو بن عبد شمس ، وسُهَيْل بن بيضاء ، من بنى
الحارث بن فِهْر، وعبد الله بن مسعود حليف بنى زهرة(٢).
قال أبو جعفر : وقال آخرون : كان الذين لحقوا بأرض الحبشة ، وهاجروا
إليها من المسلمين - سوى أبنائهم الذين خرجوا بهم صغاراً وولدوا بها - اثنين
وثمانين رجلا ؛ إن کان عمّار بن ياسر فیهم ؛ وهويشك فيه !
ذكر من قال ذلك :
حدّثنا ابنُ حميد ، قال : حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق ، قال :
لما رأى رسولُ الله صلّى الله عليه وسلم ما يصيبُ أصحابه من البلاء، وما هو (٣)
فيه من العافية بمكانه من اللّه وعمّه (٤) أبى طالب، وأنه لا يقدرُ على أن يمنعتهم ممَّا
هم فيه من البلاء ، قال لهم: لو خرجتم إلى أرض الحبشة ! فإنّ بها ملكًاً
(١) ابن سعد: ((عبد الحميد بن جعفر)) .
(٢) طبقات ابن سعد ١: ٢٠٤
(٣) م: ((وما هم)).
(٤) ابن هشام: ((ومن عمه)).

٣٣١
٠١٠٠.
لا يظلم أحدٌ عنده، وهى أرضٍ صدق؛ حتى يجعل الله لكم فرجًا مما أنتم
فيه ! فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم
إلى أرض الحبشة مخافة الفِتْنة؛ وفراراً إلى الله عزّ وجلّ بدينهم؛ فكانت
أوّل هجرة كانت فى الإسلام ؛ فكان أوّلَ مَنْ خرج من المسلمين من ١١٨٤/١
بنى أميّة بن عبد شمس بن عبد مناف عثمان بن عفان بن أبى العاص
ابن أمية ؛ ومعه امرأته رقيّة ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ ومن بنى
عَبْد شمس أبو حُذيفة بن عُتْبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف،
ومعه امرأته سَهْلة بنت سهيل بن عمرو ؛ أحد بنى عامر بن لؤىّ ؛ ومن
بنى أسد بن عبد العُزَّى بن قُصّى الزبير بن العوام.
فعدّ النفر الذين ذكرهم الواقدىّ؛ غير أنه قال : من بنى عامر بن لؤى
ابن غالب بن فهر أبو سَبْرة بن أبى رُهْم بن عبد العزىّ بن أبى قيس بن
عبد وُدّ بن نصر بن مالك بن حِسْل بن عامر بن لؤى؛ ويقال: بل
أبو حاطب بن عمرو بن عبد شمس بن عبد وُدّ بن نصربن مالك بن حِسْل
ابن عامر بن لؤىّ. قال: ويقال: هو أوّلُ مَنْ قدمها؛ فجعلهم ابن إسحاق
عشرة ؛ وقال : كان هؤلاء العشرة أوّل مَنْ خرج من المسلمين إلى أرض
الحبشة - فيما بلغنى.
قال : ثم خرج جعفر بن أبى طالب ، وتتابع المسلمون حتى اجتمعوا
بأرض الحبشة ؛ فكانوا بها، منهم مَنْ خرج بأهله معه، ومنهم مَنْ خرج
بنفسه لا أهلَ معه ؛ ثم عدّ بعد ذلك تمام اثنين وثمانين رجلا ؛ بالعشرة الذين
ذكرت بأسمائهم؛ ومَنْ كان منهم معه أهله وولده، ومَنْ ولد له بأرض الحبشة،
ومَنْ كان منهم لا أهلَ معه(١) .
قال أبو جعفر: ولما خرج مَنْ خرجَ من أصحاب رسول الله صلى الله ١١٨٥/١
عليه وسلم إلى أرضِ الحبشة مهاجراً إليها، ورسولُ اللّه صلّى الله عليه وسلّم
(١) سيرة ابن هشام ١ : ٢٠٤.

٣٣٢
مقيمٌ بمكة، يدعُو إلى اللّه سرًّا وجهراً، قد منَعه الله بعمه أبى طالب وبمتن
. استجاب لنُصرته من عشيرته ، ورأت قريش أنّهم لا سبيلَ لهم إليه ، رموه
بالسحر والكهانة والجنون؛ وأنه شاعر ، وجعلوا يصدّون عنه مَنْ خافوا
منه أن يسمع قوله فيتَّبعه ؛ فكان أشدّ مابلغوا منه حينئذ - فيما ذكر- ما
حدّثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، قال : حدثنى محمد بن إسحاق ،
عن يحيى بن عروة بن الزبير، عن أبيه عُرْوة ، عن عبد الله بن عمرو بن
العاص ، قال: قلتُ له: ما أكثر (١) ما رأيتَ قريشًا أصابت من رسول الله
صلّى الله عليه وسلّم فيما كانت تُظْهِر من عداوته ! قال: قد حضرتُهم وقد
اجتمع أشرافُهم يومًا فى الحِجْر، فذكروا رسولَ اللّه صلّى الله عليه وسلّم
فقالوا : ما رأينا مثلَ ما صبرنا عليه من هذا الرجل قَطّ! سَفّه أحلامنا ،
وشتم آباءنا ، وعاب ديننا ، وفرَّق جماعتنا، وسبّ آلهتنا ! لقد صبرنا منه
على أمر عظيم - أو كما قالوا .
فبينا هُمْ كذلك إذْ طلَعَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فأقبل يمشى حتى
استلم الركن، ثم مرّ بهم طائفًا بالبيت، فلما مرّ بهم غمزُوهُ (٢) ببعض القولِ.
قال: فعرفتُ ذلك فى وجه رسولِ اللّه صلى اللّه عليه وسلم، ثمّ مضى، فلمًا
مرّ بهم الثانية غمزُوُه مثلها؛ فعرفت ذلك فى وجهه، ثم مضى، ثم مرّ بهم
الثالثة ، فغمزوه بمثلها ، فوقف فقال : أتسمعون يا معشر قريش! أما والذى
١١٨٦/١ نفسُ محمدٍ بيده، لقد جئتكم بالذَّبح(٣)! قال: فأخذت القومَ كلمته ؛
حتى ما منهم رجلٌ إلا كأنما على رأسه طائر واقع ؛ وحتى إنَّ أشدّهم فيه
وصاةً(٤) قبل ذلك ليرفؤه(٥) بأحسن ما يجد من القول ؛ حتى إنه ليقول :
انصرف يا أبا القاسم راشداً، فوالله ما كنتَ جهُولاً (٦) !
(١) م: ((ما أكبر)).
(٢) غمزوه : طعنوا فيه .
(٣) بالذبح ، أراد تهديدهم بالهلاك.
(٤) الوصاة : الوصية.
(٥) يرفؤه: يهدئه ويرفق به، وفى ر: ((ليلقاه)).
(٦) ر: ((ما كنت جهولا قط)).

٣٣٣
قال : فانصرف رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وآ له وسلم ؛ حتى إذا كان الغد ،
اجتمعوا فى الحِجْر ، وأنا معهم ، فقال بعضهم لبعض : ذكرتم ما بتلغ منكم،
وما بلغّكم عنه ؛ حتى إذا باداكم بما تكرهون تركتموه ! فبيناهم كذلك إذ
طلع رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ، فوثبوا إليه وثْبة رجل واحد؛ وأحاطوا به
يقولون له : أنت الذى تقول كذا وكذا ! لما يبلغهم من عيب آلهتهم ودينهم ؛
فيقول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: نعم أنا الذى أقول ذلك؛ قال : فلقد
رأيتُ رجلاً منهم آخذاً بجُمْع ردائه . قال : وقام أبو بكر الصديق دونه ،
يقول وهو يبكى : ويلكم! أتقتلون رجلا أن يقول ربّى اللّه ! ثم انصرفوا عنه.
فإنّ ذلك أشدّ ما رأيتُ قريشًا بلغت منه قطّ (١).
حدّثنا يونس بن عبد الأعلى ، قال : حدّثنا بشر بن بكر ، قال :
حدّثنا الأوزاعىّ ، قال : حدثنا يحيى بن أبى كَثِير ، عن أبى سلمة بن
عبد الرحمن ، قال : قلتُ لعبد الله بن عمرو : حدثنى بأشدّ شىء رأيت
المشركين صَنّعُوا برسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: أقبل عُقْبة بن
أبى مُعَيْط ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم عند الكعبة ، فلوى ثوبه فى
عنُقُه، وخَنَقَه خنقًاً شديداً ، فقام أبو بكر مِنْ خَلْفه ، فوضع يده
على مَنْكِبه ، فدفعه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم قال أبو بكر:
يا قوم: ﴿أَ تَقْتُلُونَ رَجُلاً أنْ يَقُولَ رَبِّىَ اللهُ) إلى قوله: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِى
مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّبٌ)(٢)
١١٨٧/١
قال ابن إسحاق : وحدّنى رجل من أسلم كان واعيةً ، أنّ أبا جهل
ابن هشام مرّ برسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو جالس عند الصَّفَا، فآذاه
وشَتّمه ، ونال منه بعض ما يَكْره من العَيْب لدينه والتضعيف له ، فلم
يُكاتمْه رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم، ومولاةٌ لعبد الله بن جُدْعان التّيمىّ
فى مسكن لها فوق الصَّفا تسمع ذلك، ثم انصرف عنه، فعمد إلى نادى(٣)
(١) سيرة ابن هشام ١: ١٨٣، ١٨٤.
(٢) سورة غافر ٢٨.
(٣) ابن هشام: ((إلى ناد من قريش))، والنادى: مجلس القوم.

٣٣٤
قُريش عند الكعبة ، فجلس معهم فلم يلبثْ حمزة بن عبد المطلب أن أقبل
متوشّحًا قوسه، راجعًا من قنَص (١) له - وكان صاحبَ قَنّص يرميه
ويخرج له ، وكان إذا رجع من قَنَصه لم يصل إلى أهله حتى يطوفَ بالكعبة ،
وكان إذا فعل ذلك لم يمرّ على ناد من قريش إلاّ وقف وسلم وتحدّث معهم ،
وكان أعزّ قريش وأشدَّها شكيمة -فلمّا مرّ بالمولاة وقد قام رسول اللّه صلى اللّه
عليه وسلم ورجع إلى بيته ، قالت : يا أبا ◌ُمارة ، لو رأيتَ ما لقىَ ابنُ أخيك
محمد آنفًا قبل أن تأتى من أبى الحكم بن هشام! وجدَه ها هنا جالسًاً
فسَبّهَ وآذاه ، وبلغ منه ما يكره ، ثم انصرف عنه ولم یکلّمه محمد .
قال: فاحتمل حمزةَ الغضبُ لِمَا أراد الله به من كرامته، فخرج سريعاً -
لا يقفعلى أحد كما كان يصنع - يريد الطواف بالكعبة ، مُعدًّا لأبى جهل
إذا لقِيَه أن يقع به ، فلمّا دخل المسجد نظر إليه جالسًا فى القوم ، فأقبلَ
نحوه ؛ حتى إذا قام على رأسه ، رفع القوس فضربه بها ضربة فشجّه بها شجّةً
منكرة، وقال: أتشْتِمُهُ وأنا على دينه أقول ما يقول! فرُدّ ذلك علىَّ إن
١١٨٨/١ استطعت! وقامت رجال بنى مخزوم إلى حمزة لينصُروا أبا جهل منه ، فقال
أبو جهل: دعوا أبا ◌ُمارة، فإنى والله لقد سببتُ ابنَ أخيه سبًا قبيحًا. وتمّ
حمزة على إسلامه، فلمّا أسلم حمزة عرفت قريش أنّ رسولَ اللّه صلى اللّه
عليه وسلم قد عَزّ ، وأن حمزة سيمنعه ، فكفُّوا عن رسول اللّه صلى اللّه عليه
وسلم بعضَ ما كانوا ينالون منه(٢).
حدّثنا ابنُ حميد، قال : حدّثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق ، قال:
حدثنى يحيى بن عروة بن الزبير ، عن أبيه ، قال : كان أوّل من جَهَرَ
بالقرآن بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكّة عبد الله بن مسعود، قال:
اجتمع يومًا أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: والله ما سمعت
قريشٌ بهذا القرآن يجهرُ لها به قطّ، فمَنْ رجل يُسمعهموه؟ فقال عبد الله.
(١) القنص : الصيد .
(٢) سيرة ابن هشام ١: ١٨٥

٣٣٥
ابن مسعود : أنا ، قالوا : إنّا نخشاهم عليك، إنما نريد رجلاً له عشيرة يمنعونه
من القوم إن أرادوه ، فقال: دعونى، فإنّ اللّه سيمنعنى، قال : فغدا ابن
مسعود حتى أتى المقام فى الضّحى ، وقريش فى أنديتها، حتى قام عند المقام
ثم قال: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾- رافعًا بها صوته - ﴿الرَّحْمَنُ, عَلّمَ
الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ ، عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾، قال: ثم استقبلها يقرأ فيها، قال:
وتأمّلوا وجعلوا يقولون: ما يقول ابن أمّ عبْد! ثم قالوا : إنه ليتلُوبعضَ ما جاء
به محمد . فقاموا إليه ، فجعلوا يضربون فى وجهه ، وجعل يقرأ حتى بلغ منها
ما شاء الله أن يبلُغ . ثم انصرف إلى أصحابه، وقد أثّروا بوجهه ، فقالوا :
هذا الذى خَشيناً عليك! قال: ما كان أعداء اللّه أهْوَن علىّ منهم الآن (١) !.
لئن شئتم لأغادينهم غداً بمثلها، قالوا: لا، حسبك، فقد أسمعتَهم مايكرهون(٢) ١١٨٩/١
قال أبو جعفر : ولما استقرّ بالذين هاجروا إلى أرض الحبشة القرارُ بأرض
النّجاشىّ واطمأنّوا، تآمرت قريشٌ فيما بينها فى الكَيْد بمن ضَوَى إليها من
المسلمين ، فوجّهوا عمرو بن العاص، وعبد الله بن أبى ربيعة بن المغيرة المخزومىّ
إلى النّجاشىّ ، مع هدايا كثيرة أهدوْها إليه وإلى بطارقته ، وأمروهما أن يسألا
النجاشىّ تسليم من قبله وبأرضه من المسلمين إليهم. فشخَص عمرو وعبد الله
إليه فى ذلك ، فنفذا لما أرسلهما إليه قومُهما ، فلم يصلا إلى ما أمَّل قومهما
من النجاشىّ، فرجعا مقبوحَيْن، وأسلم عمر بن الخطاب رحمه اللّه ، فلمّا
أسلم - وكان رجلا جَدْداً جليداً منيعًاً، وكان قد أسلم قبل ذلك حمزةُ
ابن عبد المطلب، ووجد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فى أنفسهم
قوّةً، وجعل الإسلام يفشُو (٣) فى القبائل، وحَمَى النجاشىّ مَنْ ضَوَى(٤)
إلى بلده منهم - اجتمعت قريش ، فائتمرت بينها : أن يكتبوا بينهم كتابًا
(١) ح: ((اليوم)).
(٢) سيرة ابن هشام ١ : ٢٠١
(٣) ح: ((يقوى ويفشو)).
(٤) ضوى إلى بلده: لجأ إليه .

٣٣٦
يتعاقدون فيه؛ على ألاّ يُنكّحوا إلى بنى هاشم وبنى المطلب، ولا يُنكحوهم
ولا يبيعوهم شيئًا ، ولا يبتاعوا منهم ، فكتبوا بذلك صحيفة ، وتعاهدوا وتواثقوا
على ذلك ، ثم علّقوا الصحيفة فى جوف الكعبة، توكيداً بذلك الأمر على أنفسهم،
١١٩٠/١ فلمّا فعلت ذلك قريش، انحازت بنو هاشم وبنو المطّلب إلى أبى طالب،
فدخلوا معه فى شِعْبِهِ (١)، واجتمعوا إليه ، وخرج من بنى هاشم
أبو لهب عبد العَزّى بن عبد المطلب إلى قريش، وظاهرهم عليه(٢)، فأقاموا
على ذلك من أمرهم سنتيْن أو ثلاثاً ؛ حتى جهِدُوا ألاّ يصل إلى أحد منهم
شىء إلا سرًّا، مستخفيًا به من(٣) أراد صلتهم من قريش. وذكر أن أبا جهل
لقىَ حكيم بنَ حزام بن خويلد بن أسد ، معه غلام يحمل قمحًا يريد به
عَمَّتِّه خديجة بنت خويلد ، وهى عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وضعه
فى الشّعب، فتعلّق به، وقال: أتذهب بالطّعام إلى بنى هاشم! والله لا تبرحُ
أنت وطعامك حتى أفضحك (٤) بمكّة! فجاء أبو البخترىّ بن هشام بن الحارث
ابن أسد ، فقال : مالك وله ! قال : يحمل الطعام إلى بنى هاشم ، فقال له
أبو البخترىّ: طعامٌ لعمَّتّه عنده بَعَتْ إليه فيه، أفتمنعه أن يأتيها بطعامها !
خلِّ سبيلَ الرّجل . فأبى أبو جهل حتى نال أحدُهما من صاحبه ، فأخذ
أبو البَخْترىّ ◌َحْىَ بغير (٥)، فضربه فشجه، ووطئه وطئًا شديداً، وحمزة
ابن عبد المطلب قريبٌ يرى ذلك، وهم يكرهون أن يبلُغ ذلك رسولَ اللّه صلى
اللّه عليه وسلم وأصحابه، فيشمتوا بهم"، ورسول الله صلى الله عليه وسلم فى
كلّ ذلك، يدعو قومَه سرًّاً وجهراً، آناء الليل وآناء النهار ؛ والوحى عليه
من الله منتابِعٌ بأمره ونهيه، ووعيد(٦) مَنْ ناصبه العداوة، والحجج لرسول الله
١١٩١/١ صلى اللّه عليه وسلم عَلَى مَنْ خالفه(٧).
(١) الشعب : الطريق فى الجبل.
(٢) ح: ((عليهم)).
(٣) ط: ((من))، وما أثبته من ابن هشام.
(٤) ح، ر: ((نفضحك)).
(٥) ر: ((فقام أبو البخترى إلى لحى جمل)).
(٦) ح: ((ووعيده)).
(٧) سيرة ابن هشام ١ : ٢١٩، ٢٢٠.

٣٣٧
فذ کر أنّ أشراف قومِہ اجتمعوا لہ یومًا - فیا حدثنى محمد بن موسى
الحرّشىّ، قال : حدثنا أبو خلف عبد الله بن عيسى، قال: حدّثنا
داود، عن عِكْرمة ، عن ابن عباس؛ أنّ قريشًا وعدُوا رسول اللّه صلى اللّه
عليه وسلم أن يُعطوه مالاً فيكون أغنى رجل بمكّة ، ويزّوجوه ما أراد من النساء ،
ويطئوا عقبه ، فقالوا : هذا لك عندنا يا محمّد ، وكُفّ عن شتم آلهتنا فلا
تذكرها بسوء؛ فإن لم تفعلَ فإنا نَعْرِضُ عليك خَصْلة واحدةً فهى لك
ولنا فيها صلاح . قال: ما هى ؟ قالوا : تعبُد آلهتنا سنةً؛ اللات والعُزّى،
ونعبد إلهك سنة ، قال : حتى أنظر ما يأتى من عند ربى ! فجاء الوحى من
اللوح المحفوظ: ﴿قُلْ يَأَيُّهَا الْكَافِرُونَ . لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ السورة ،
وأنزل الله عز وجل: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرُونِى أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾
إلى قوله: ﴿بَلِ اللهَ فَأَعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ)(١).
حدّثّنى يعقوبُ بن إبراهيم، قال : حدثنا ابن عُلَيَّةَ ، عن محمد بن
إسحاق ، قال : حدثنى سعيد بن ميناء ، مولى أبي البخترىّ، قال: لَقِىّ
الوليدُ بن المغيرة والعاص بن وائل والأسود بن المطلب وأمية بن خلف
رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا محمد، هلمّ فلْنعبد ما تعبد ، وتعبد
ما نعبد ، ونشرّكك فى أمرنا كلّه ؛ فإن كان الذى جئت به خيراً مما فى
أيدينا ، كنّا قد شَرّ كناك فيه ، وأخذنا بحظّنا منه ؛ وإن كان الذی بأيدينا
خيراً مما فى يدك ، كنت قد شركتنا فى أمرنا ، وأخذت بحظّك منه . فأنزل
اللّه عزّ وجلّ: ﴿قُلْ يَأَيُّهَا الْكَافِرُونَ)؛ حتى انقضت السورة(٢).
١١٩٢/١
فكان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم حريصًا على صلاح قومه، محبًّاً
مقاربتَهم بما وجد إليه السبيل، قدٍ ذُكِرٍ أنه تمنّى السبيل إلى مقاربتهم ،
فكان من أمره فى ذلك ما حدّثنا ابن حميد ، قال : حدّثنا سلمة ، قال :
(١) سورة الزمر ٦٤ - ٦٦، والخبر فى التفسير ٢٠: ٢١٤ (بولاق).
(٢) الخبر فى التفسير ٣٠ : ٢١٤ (بولاق) .
(٢٢)

٣٣٨
حدّثّنى محمد بن إسحاق، عن يزيد بن زياد المدنىّ(١) ، عن محمد بن كعب
القُرْظىّ، قال: لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم تَوَلَِّ قومِه عنه، وشقّ
عليه ما يرَى من مباعدتهم ما جاءهم به من اللّه ، تمنّى فى نفسه أن يأتيه من
اللّه ما يقاربُ(٢) بينه وبين قومه، وكان يسرُّه مع حبِّه قومه ، وحرصِه عليهم
أن يلين له بعض ما قد غلظ عليه من أمرهم ؛ حتى حدّث بذلك نفسه ،
وتمنّاه وأحبّه، فأنزل الله عزّ وجلّ: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى مَاضَلَّ صَاحِبُكُمْ
وَمَا غَوَى، وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى)، فلما انتهى إلى قوله: ﴿أَفَرَأَ يْتُمُ
اللََّتَ وَالْعُزَّى» وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾(٣)، ألقى الشيطان على لسانه ،
لما كان يحدّث به نفسه، ويتمنى أن يأتى به قومه: «تلك الغرانيق العلا ، وإن
شفاعتهن لتُرْتَجى))؛ فلما سمعتْ ذلك قريش فرِحوا ، وسرّهم وأعجبهم
ما ذكر به آلهتهم ، فأصاخوا له - والمؤمنون مصدّقون نبيَّهم فيما جاءهم
به عن ربهم ، ولا يتهمونه على خطإ ولاوهم ولا زلل - فلما انتهى إلى السجدة
منها وختم السورة سجدَ فيها ، فسجد المسلمون بسجود نَبِيّهم ، تصديقًا
لما جاء به، واتّباعًا لأمره، وسجد مَنْ فى المسجد من المشركين من قريش
وغيرهم ، لما سمعوا من ذكر آلهتهم ، فلم يبق فى المسجد مؤمن ولا كافر إلا
سجد ، إلاّ الوليد بن المغيرة ، فإنه كان شيخًا كبيراً ، فلم يستطع السجود ،
فأخذ بيده حفنة من البطحاء فسجد عليها ، ثم تفرّق الناس من المسجد ،
وخرجت قريش ، وقد سرّهم ما سمعوا من ذكر آلهتهم ، يقولون : قد ذكر
محمد آلهتنا بأحسن (٤) الذكر، قد زعم فيما يتلُو: ((أنها الغرانيقُ العُلا، وأنّ
شَفَاعَتَهُنّ تُرتضى)) وبلغت السجدة من بأرض الحبشة من أصحاب رسول
الله صلى الله عليه وسلم؛ وقيل: أسلمت قريش ، فنهض منهم رجال ، وتخلف
آخرون ، وأتى جبريلُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال : يا محمد ، ماذا
١١٩٣/١
(١) ر: ((المرى)).
(٢) ر: ((يقرب)).
(٣) سورة النجم ١ - ٢٠
(٤) ر: ((فأحسن)).

٣٣٩
صنعتَ! لقد تلوتَ على الناس ما لم آتِكَ به عن اللّه عزّ وجلّ، وقلت مالم يقل
لك! فحزن رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك حُزْنًا شديداً، وخاف
من اللّه خوفًا كثيراً(١)، فأنزل الله عزّ وجلّ- وكان به رحيماً - يعَزّيه
ويخفِّض عليه الأمر، ويخبره أنه لم يكُ قبله نبيّ ولا رسول تمنّى كما تمنّى ،
ولا أحبّ كما أحبّ إلاّ والشيطان قد ألقى فى أمْنيّته، كما ألقى على لسانه صلى
الله عليه وسلم، فنسخ(٢) اللّه ما ألقى الشيطان وأحكم آياته؛ أى فإنما أنت
كبعض الأنبياء والرّسل، فأنزل الله عَزّ وجَلّ: ﴿وَمَا أَرْ سَلْنَامِنْ قَبْلِكَ مِنْ
رَسُولٍ وَلَا فَهِيْ إِلَّا إذَا تَعَّى الْقَى الشَّيْطَانُ فِى أُمْنِّيْتِهِ فَيَفْسَخُ اللهُ
مَا يُلْقِ الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ أَنْهُ آيَاتِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾(٣)،
فأذهب اللّه عزّ وجلّ عن نبيّه الحزن ، وآمنه من الذى كان يحاف ، ونسخ
ما ألقى الشيطان على لسانه من ذكر آلهتهم: ((أنها الغرانيقُ العلا وأنَّ شفاعتهن ١١٩٤/١
ترتضى))، بقول الله عزّ وجلّ حين ذكر اللاّت والعزّى ومناة الثالثة الأخرى:
﴿أَلَكُمُ اْلَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى، تِلْكَ إِذَا قِسْمَةُ ضِيزَى﴾ أى عَوْجاء،
﴿إِنْ هِىَ إِلَّ أَسْمَاءِ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُ كُمْ﴾ - إلى قوله - ﴿لِمِنْ يَشَاء
وَيَرْضَى ﴾(٤)، أى فكيف تنفع شفاعة آلهتكم عندَه !
فلمَّا جاء من الله ما نسخ(٥ ما كان الشيطان ألقى على لسان نبيه٥)،
قالت قريش : ندم محمد على ما ذكر من منزلة آلهتكم عند الله ، فغير
ذلك وجاء بغيره ؛ وكان ذانِكَ الحرْفَان اللَّذان ألقى الشيطان على لسان رسول
الله صلى الله عليه وسلم قد وقعا فى فم كلِّ مشرك، فازدادوا شرًّا إلى ما كانوا
عليه(٦)، وشدّةً على مَنْ أسلم واتبع رسولَ اللّه صلى اللّه عليه وسلم منهم،
(١) ح والتفسير: ((كبيراً)).
(٢) م: ((فينسخ)).
(٣) سورة الحج ٥٢ .
(٤) سورة النجم ٢١ - ٢٦
(٥ - ٥) ح: ((ما كان الشيطان ألقى على نبيه)).
(٦) الخبر إلى هنا فى التفسير ١٧: ١٣١، ١٣٢ (بولاق).

٣٤٠
وأقبل أولئك النّفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين خرجوا(١)
من أرض الحبشة لِمَا بلغهم من إسلام أهل مكّة حين سجدُوا مع رسول
الله صلى الله عليه وسلم؛ حتى إذا دنوا من مكة، بلغهم أنّ الذى كانوا
تحدّثوا به من إسلام أهل مكة كان باطلا ، فلم يدخل منهم أحد إلا بجوار ،
أو مستخفياً ، فكان ممّنْ قَدِيم مكة منهم فأقام بها حتى هاجر إلى المدينة ،
فشهد معه بدرًا من بنى عبد شمس بن عبد مناف بن قصى ، عثمان بن عفان
ابن أبى العاص بن أمية ، معه امرأته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم،
وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس معه امرأته سهلة بنت سهيل ،
١١٩٥/١ وجماعة أخر معهم، عددهم ثلاثة وثلاثون رجلا .
حدّثّنى القاسم بن الحسن ، قال: حدّثنا الحسين بن داود، قال : حدّثنی
حَجّاج ، عن أبى معشر ، عن محمد بن كعب القرظيِىّ ومحمد بن قيس ،
قالا: جلَس رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فى ناد من أندية قريش، كثير
أهله، فتمنّى يومئذ ألا" يأتيَه من اللّه شىء فينفِرُ واعنه، فأنزل الله عزّ وجلّ:
﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى)، فقرأها رسول الله
صلى الله عليه وسلم حتى إذا بلغ: ﴿ أَفَرَ أَيْتُمُ اللََّتَ وَالْعُزَّى، وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ
الْأَخْرَى﴾ ألقى الشيطان عليه كلمتين: ((تلك الغرانيق (٢) العلاء وإن شفاعتهن
لترجى (٣)))، فتكلّ بهما ، ثم مضى فقرأ السورة كلَّها، فسجد فى آخر
السّورة ، وسجد القوم معه جميعًا ، ورفع الوليدُ بن المغيرة ترابًا إلى جبهته ،
فسجد عليه - وكان شيخًا كبيرًا لا يقدر على السُّجود - فرضُوا بما تكلّم به،
وقالوا : قد عرفنا أنَّ اللّه يحيى ويميت؛ وهو الذى يخلُق ويرزق ؛ ولكن آلهتنا
هذه تشفع لنا عنده ؛ فإذا جعلت لها نصيبًا فنحن معك . قالا : فلما أمْسَى
(١) م: ((خرجوا إليه)).
(٢) ح: ((الغرافقة)).
(٣) ر: ((ترتضى)).