Indexed OCR Text

Pages 241-260

٢٤١
يضرب به؛ فإن خرج قِدْح: ((نعم)) عملوا به، وقدْح فيه(( لا))، فإذا أرادوا أمرا"
ضربوا به فى القداح، فإذا خرج ذلك القِدْح لم يفعلوا ذلك الأمر، وقدْح فيه
((منكم))، وقدْح فيه ((مُلْصَق))، وقِدْح فيه ((من غيركم))، وقِدْح فيه
((المياه)) إذا أرادوا أن يحفروا للماء ضربوا بالقداح، وفيها ذلك القِدْح، فحيثما
خرج عملوا به . وكانوا إذا أرادوا أن يختنوا غلامًا، أو يُنكِحوا مَنْكَحًا ،
أو يدفنوا ميّتًا، أوْ شكُّوا فى نسب أحد منهم ذهبوا به إلى هُبَل وبمائة درهم
وجَزور، فأعطوْها صاحب القداح الذى يضربها(١)، ثم قربوا صاحبهم الذى
يريدون به ما يريدون ، ثم قالوا : يا إلهنا ، هذا ابن فلان ، قد أردنا به كذا
وكذا ، فأخرج الحقَّ فيه ؛ ثم يقولون لصاحب القداح: اضرب، فيضرب
فإن خرج عليه ((منكم)) كان وسيطًا (٢) وإن خرج عليه (( من غيركم)) كان
حليفًا، وإن خرج عليه ((ملصق )) كان على منزلته منهم ، لا نسب له ولا
حِلْف، وإن خرج فى شىء سوى هذا مما يعملون به ((نعم)) عملوا به، وإن ١٠٧٦/١
خرج (( لا )) أخبروه عامتهم ذلك حتى بأتوا به مرة أخرى، ينتهون فى أمورهم
إلى ذلك مما خرجت به القداح- فقال عبد المطلب لصاحب القداح: اضرب
على بَنِىّ هؤلاء بقداحهم هذه ، وأخبره بنذره الذى نَذَر ، فأعطى كلّ
رجل منهم قِدْحَه الذى فيه اسمه - وكان عبدُاللّه بن عبد المطلب أصغر
بنى أبيه ، وكان فيما يزعمون أحبّ ولد عبد المطلب إليه، وكان عبد المطلب
يرى أن السهم إذا أخطأه فقد أشْوَى(٣)، وهو أبو رسول الله صلى الله عليه
وسلم - فلمّا أخذ صاحبُ القداح القِداح ليضرب بها، قام عبد المطّلب عند
هُبَّل فى جوف الكعبة يدعو الله، ثم ضرب صاحبُ القداح، فخرج القِدْح
على عبد الله، فأخذ(٤) عبد المطلب بيده، وأخذ الشَّفْرة ، ثم أقبل إلى إساف
ونائلة - وهما وتنا قريش اللذان تنحر عندهما ذبائحها - ليذبحه، فقامت
إليه قريش من أنديتها ، فقالوا : ماذا تريد يا عبد المطلب ؟ قال : أذبحه
(١) سيرة ابن هشام: ((يضرب بها)).
(٢) الوسيط : خالص النسب.
(٣) يقال: ربى فأشوى، إذا رمى ولم يصب المقتل.
(٤) سيرة ابن هشام: ((فأخذه)).

٢٤٢
فقالت له قريش وبنوه : والله لا تذبحه أبداً حتى تُعْذر فيه ؛ لئن فعلتَ
هذا، لا يزال الرجل (١) يأتى بابنه حتى يذبحه، فما بقاءُ الناس على هذا !فقال
له المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم - وكان عبد الله ابن أخت القوم - :
والله لا تذبحه أبداً حتى تعذر فيه؛ فإن كان فداؤه بأموالنا فدیناه. وقالت له قریش
وبنوه : لا تفعل وانطلق به إلى الحجاز، فإنّ به عَرّافة لها تابع، فسلمْها،
١٠٧٧/١ ثم أنت على رأس أمرك؛ إن أمَرَتْك أن تذبحه ذبحته، وإن أمرتْك بأمر
لك وله فيه فرج قَبِلْه .
فانطلقوا حتى قدموا المدينة ، فوجدوها ۔۔ فيما يزعمون ۔۔ بخیبر ، فرکبوا إليها
حتى جاءوها ، فسألوها ، وقَصّ عليها عبد المطّلب خبره وخبر ابنه ، وما أراد
به ، ونذرَه فيه . فقالت لهم: ارجعوا عنّى اليوم حتى يأتيَنى تابعى فأسأله.
فرجعوا عنها ، فلمَّا خرجوا من عندها، قام عبد المطّلب يدعو اللّه . ثم غدوا
عليها ، فقالت: نعم ، قد جاءنى الخبر ، كم الدِّيةُ فيكم ؟ قالوا : عشر من
الإبل - وكانت كذلك - قالت : فارجعوا إلى بلاد كم ، ثم قرّبوا صاحبكم ،
وقربوا عَشْراً من الإبل ، ثم اضربوا عليها وعليه بالقِداح، فإن خرجت على.
صاحبكم فزيدوا فى الإبل(٢) حتى يرضى ربُّكم، وإن خرجت على الإبل
فانحروها ، فقد رضى ربُّكم ، ونجا صاحبكم .
فخرجوا حتى قدموا مكّة ، فلما أجمعوا لذلك من الأمر قام عبد المطلب
يدعو اللّه، ثم قَرّبوا عبد الله وعشراً من الإبل - وعبد المطّلب فى جوف الكعبة
عند هُبَل يدعو الله - فخرج القِدْح(٣) على عبد اللّه، فزادوا عشراً، فكانت
الإبل عشرين ، وقام عبد المطلب فى مكانه ذلك يدعو الله، ثم ضربوا فخرج
السَّهم على عبد الله، فزادوا عشراً من الإبل ، فكانت ثلاثين ، ثم لم يزالوا
يضربون بالقداح ويخرج القِدْح على عبد الله ، فكلّما خرج عليه زادوا من
الإبل عشراً ؛ حتى ضربوا عشر مرات ، وبلغت الإبل مائة ، وعبد المطلب
١
(١) ح: ((لا يزال رجل منا)).
(٢) ر، وسيرة ابن هشام: ((من الإبل)).
(٣) ح، ,، م، وابن الأثير ((فخرجت القداح)).

٢٤٣
قائم يدعو ، ثم ضربوا فخرج القِدْح على الإبل، فقالت قريش ومَنْ حضر:
قد انتهى رضا ربّك يا عبد المطلب. فزعموا أن عبد المطّلب قال: لا والله حتَّى
أضرب عليها ثلاث مرات، فضربوا على الإبل وعلى عبد الله، وقام عبد المطلب
يدعو فخرج القِدْح على الإبل، ثم عادوا الثانية وعبد المطلب قائم يدعو، ثم ١ /١٠٧٨
عادوا الثالثة فضربوا(١)، فخرج القِدْح على الإبل فنُحِرت ، ثم ترِكِتْ
لايُصدُّ عنها إنسان ولا سَبُع (٢).
ثم انصرف عبدُ المطّلب آخذاً بيد ابنه عبد اللّه، فمرّ- فيما يزعمون - على
امرأة من بنى أسد [بن عبد العزّى بن قصىّ بن كلاب بن مرّة بن كعب
بن لؤىّ بن غالب بن فهر](٣)؛ يقال لها: أمّ قِتَال (٤) بنت نوفل بن أسد بن
عبد العزَّى ، وهى أخت ورقة بن نوفل بن أسد ، وهى عند الكعبة ، فقالت
له حين نظرت إلى وجهه : أين تذهب يا عبد الله ؟ قال : مع أبى ، قالت :
لك عندى مثل الإبل التى نحِرَتْ عنك، وقَعْ علىَّ الآن، قال: إنّ معى أبى
ولا أستطيع خلافه ولا فراقه . فخرج به عبد المطلب حتى أتى به وَهْبَ بن
عبد مناف بن زهرة - ووهب يومئذ سيّد بنى زُهرة سنًّا وشرفًا - فزوجه آمنة
بنت وهب ، وهى يومئذ أفضلُ امرأة فى قريش نسبًا وموضعًا ، وهى لبرّة
بنت عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصىّ ، وبرّة لأم حبيب بنت أسد
ابن عبد العزّى بن قصىّ، وأم حبيب بنت أسد لبرّة بنت عوف بن عبيد بن
عويج بن عدىّ بن كعب بن لؤىّ . فزعموا أنه دخل عليها حين ملكها مكانه
فوقَع عليها ، فحملت بمحمد صلّى الله عليه وسلّم . ثم خرج من عندها، حتى
أتى المرأة التى عرضت عليه ما عَرّضت، فقال لها : مالك لا تعرضين علىّ
اليومَ ما كنتِ عرضتِ علىّ بالأمس ؟ فقالت له : فارقك النور الذى كان
معك بالأمس ، فليس لى بك اليوم حاجة . وقد كانت تسمع من أخيها ورقة
١٠٧٩/١
(١) م، وسيرة ابن هشام: ((ثم ضربوا)).
(٢) سيرة ابن هشام: ((لا يصد عنها إنسان ولا يمنع)).
(٣) من سيرة ابن هشام.
(٤) ح: ((قتال)) بتشديد التاء.

٢٤٤
ابن نوفل ، وكان قد تنصّر واتّبع الكتب، حتى أدرك ، فكان فيما طلب من
ذلك أنه كائن لهذه الأمة نبيّ من بنى إسماعيل (١).
حدثنا ابن حميد ، قال: حدثنا سلمة ، قال : حدثی محمد بن إسحاق،
عن أبيه إسحاق بن يسار؛ أنه حدّث أنّ عبد اللّه إنما دخلَ على امرأة
كانت له مع آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة ، وقد عمل فى طين له ،
وبه آثار من الطين، فدعاها إلى نفسه ، فأبطأتْ عليه لما رأت به من آثار
الطين ، فخرج من عندها(٢) ، فتوضأ وغسل عنه ما كان به من ذلك ، وعمد
إلى آمنة فدخل عليها فأصابها ، فحملت بمحمَّد صلى الله عليه وسلم، ثمّ مرّ
بامرأته تلك ، فقال : هل لك ؟ فقالت : لا ، مررتَ بى وبين عينيك غُرّة ،
فدعوتسَنى فأبيت، ودخلتَ على آمنة فذهبت بها. فزعموا أنّ امرأته تلك كانت
تحدّث أنّه مرّ بها وبين عينيه مثل غُرّة الفرس ، قالت: فدعوته رجاء أن
یکون بى ، فأبى علىّ، ودخل على آمنة بنت وهب فأصابها ؛ فحملت برسول
اللّه صلى اللّه عليه وسلم (٣).
حدثنى على بن حرب الموصلىّ، قال : حدّثنا محمد بن ◌ُمارة القرشىّ،
قال : حدّثنا الزنجىّ بن خالد، عن ابن جريج، عن عطاء ، عن ابن عباس،
قال: لمّا خرج عبد المطلب بعبد الله ليزوِّجه، مرّ به على كاهنة من خَشْهم،
يقال لها فاطمة بنت مُرّ، متهوّدة (٤) من أهل تبالة، قد قرأت الكتب ، فرأت
فى وجهه نوراً، فقالت له : يا فتى ، هل لك أن تقع علىّ الآن وأعطيك مائة
من الإبل ؟ فقال :
١٠٨٠/١
أمّا الحرامُ فالممات دُونَهُ والْحِلّ لا حِلّ فأستبينَهُ
، فكيف بالأمر الذى تبغينَه(٤)
(١) الخبر فى سيرة ابن هشام ١: ١٠٣ - ١٠٥.
(٢) كذا فى ح وسيرة ابن هشام، وفى ط: ((عنها)).
(٣) سيرة ابن هشام ١: ٠٥!
(٤) م: ((متهورة)) ...
(٤) الرجز فى السهيلى ١: ١٠٤، وزاد فيه :
· يَخْنِىِ الكَرِيمُ عِرْضَهُ وَدِينَهْ .

٢٤٥
ثم قال : أنا مع أبى ولا أقدر أن أفارِقه ، فمضى به ، فزوّجه آمنة
بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة، فأقام عندها ثلاثًا ثم انصرف . فمرّ بالخثعميّة
فدعته نفسه إلى ما دعته إليه ، فقال لها : هلْ لك فيما كنتِ أردتٍ ؟ فقالت:
يا فتى، إنى والله ما أنا بصاحبة ريبة، ولكنّ رأيتُ فى وجهك نوراً فأردتُ
أن يكون فىّ ، وأبى الله إلاّ أن يجعله حيث أراد، فما صنعتَ بعدى ؟ قال :
زوّجنى أبى آمنة بنت وهب، فأقمت عندها ثلاثًا؛ فأنشأت فاطمة بنت مُرّ
تقول(١):
إِنِى رأيْتُ مخِيلَةً لَمَعَتْ فِتلأُلأَتْ بَحَنَاتِمِ القَطْرِ(٢).
فَلَمَأْنُها نوراً يُضِىءٍ له ما حَوْلَهُ كإضَاءَةِ الْبَدْرِ(٣)
ماكلُّ قادِح زَندِهِ يُورِى(٤)
فِرَجوتُها فَخْراً أبوه به
ثَوْبَيْكَ مَا اسْتَلَبَتْ وما تَدْرِى!(٥)
لِهِ مَا زُهْرِيَّةٌ سَلَبَتْ
وقالت أيضًا :
أمينةُ إذْ لِباه تَعترِكانٍ ١٠٨١/١
بِی هاشِمٍ قد غَادَرَتْ مِنْ أخیکمُ
كما غَادَرَ المِصْباحُ عند خُموده (٦) فَتَائِلَ قَد مِيْت له بِدِهانٍ(٧)
لَعَزْمِ ولا مَا فاتهُ لِتَوانِ
وما كلُّ مَا يَحْوِى الفَتَّى مِن تِلادِهِ
سَيَكْفِيَكَهُ جَدَّانِ يَعْتَلِجان
فَأَجْمِلْ إِذَا طَالَبْتَ أَمْراً فإنه
(١) الروض الأنف : ١ : ١٠٥.
(٢) الحنائم: جمع حنتم ؛ وهو السحاب .
(٣) لمأنها: أبصرتها؛ والبيت فى اللسان أيضاً ١: ١٤٩، وفى السهيلى: ((يضىء به)).
(٤) السهيلى :
ورأيتُه شرفًا أبوء به
(٥) رواية السهيلى :
لله ما زهريَّة سَلَبَتْ
منك الذى استلبت وما تَدْرِى!
(٦) أنساب الأشراف: ((بعد خبوه)).
(٧) كذا فى أنساب الأشراف، وفى ط: ((ميهت)).

٢٤٦
وإِمَّا يدٌ مَبْسُوطَةٌ بِنانِ
سَيَكْفِيَكَهُ إِمَّا يَدٌ مُفْفَعِلَةٌ
ولَّا حَوَتْ مِنْه أمينَةُ مَا حَوَتْ حَوَتْ مِنْهُ فَخْرًا مَا لِذَلِك ثانَ(١)
حدّثنى الحارث بن محمد ، قال : حدّثنا محمّد بن سعد ، قال : حدّثنا
محمّد بن عمر قال : حدّثنا معمر وغيره، عن الزهرىّ، أن عبد الله بن عبد المطلب
كان أجملَ رجال قريش، فذكرلاً منة بنت وهب جمالُه وهيئته ، وقيل لها :
هل لك أنْ تزَوَّجيه! فتزوّجَتْه آمنة بنت وهب، فدخل بها ، وعلقت برسول
الله صلى الله عليه وسلم، وبعثه أبوه إلى المدينة فى ميرة يحمل لهم تمراً ، فمات
بالمدينة ، فبعث عبد المطلب ابنَه الحارث فى طلبه حين أبطأ ، فوجده قدمات .
قال الواقدىّ: هذا غلط، والمجتمع عليه عندنا فى نكاح عبدالله بن عبدالمطلب
ما حدّثنا به عبد الله بن جعفر الزهرى، عن أم بكر بنت المسوّر، أنّ عبد المطلب
جاء بابنه عبد اللّه ، فخطب على نفسه وعلى ابنه ، فتزوجا فی مجلس واحد ،
فتزوّج عبد المطّلب هالةَ بنت أهيب بن عبد مناف بن زهرة ، وتزوّج عبد الله
ابن عبد المطلب آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة .
قال الحارث : قال ابن سعد : قال الواقدىّ: والثَّبت عندنا، ليس بين
أصحابنا فيه اختلاف، أن عبد الله بن عبد المطّلب أقبل من الشأم فى عِير
لقريش ، فنزل بالمدينة وهو مريض، فأقام بها حتى تُوُفِّى، ودفن فى دار
النابغة - وقيل التابعة - فى الدّار الصغرى إذا دخلتَ الدار عن يسارك ،
ليس بين أصحابنا فى هذا اختلاف .
١٠٨٢/١
ابن عبد المطّلب
وعبد المطّلب اسمه شيبة، سُمّ بذلك ؛ لأنه فيما حدّثت عن هشام بن
محمد ، عن أبيه : كان فى رأسه شيبة .
وقيل له عبد المطلب ؛ وذلك أن أباه هاشماً كان شَخَص فى تجارة له
(١) انظر أنساب الأشراف ١: ٨٠ .

٢٤٧
إلى الشأم ، فسلك طريق المدينة إليها ، فلما قدم المدينة نزل - فيما حدثنا
ابنُ حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق . وفيما حدّثت عن هشام
ابن محمّد عن أبيه. وفيما حدثنى الحارث، عن محمد بن سعد، عن محمد بن
عمر ، ودخل حديث بعضهم فى بعض ، وبعضهم يزيد على بعض - على
عمرو بن زيد بن لبيد الخزرجىّ، فرأى ابنته سلْمى بنت عمرو - وأمّا ابن
حميد فقال فىحديثه عن سلمة، عن ابنإسحاق : سلمی بنت زيد بنعمرو-
ابن لبيد بن حرام بن خداش بن جندب بن عدىّ بن النجار فأعجبته ،
فخطبها إلى أبيها عمرو، فأنكحه إياها، وشَرَط عليه ألاّ تلد ولداً إلاّ
فى أهلها ، ثم مضى هاشم لوجهته قَبْل أن يبنىَ بها ، ثم انصرف راجعًا.
من الشأم ، فبنى بها فى أهلها بيثرب ، فحملت منه . ثم ارتحل إلى مكّة
وحملها معه ، فلما أثقلتْ ردّها إلى أهلها ، ومضى إلى الشأم فمات بها
بغزّة ، فولدت له سلمى عبد المطلب ، فمكث بيثرب سبع سنين أو ثمانى
ستين . ثم إن رجلاً من بنى الحارث بن عبد مناة مَرّ بيثرب، فإذا غلمان
ينتضلون، فجعل شيبة إذا خَسَق(١) قال: أنا ابن هاشم ، أنا ابن سيّد
البطحاء ، فقال له الحارثىّ: مَنْ أنت ؟ قال : أنا شيبة بن هاشم بن
عبد مناف. فلما أتى الحارثيّ مكة، قال للمطلب وهو جالس فى الحجر:
يا أبا الحارث، تعلّم أتى وجدت غلمانًا ينتضلون بيثرب، وفيهم غلام إذا خَسَق
قال : أنا ابن هاشم ، أنا ابن سيّد البطحاء. فقال المطّلب: والله لا أرجع
إلى أهلى حتى آتى به، فقال له الحارثيّ: هذه ناقى بالفناء فاركبها، فجلس
المطّلب عليها، فورد يثرب عشاء، حتى أتى بنى عدى بن النجار ، فإذا
غلمان يضربون كثرة بين ظهرى مجلس ، فعرف ابن أخيه فقال للقوم : أهذا
ابن هاشم ؟ قالوا : نعم ، هذا ابن أخيك ، فإن كنتَ تريد أخذه فالساعة
قبل أن تعلّم به أمّه ، فإنها إن علمت لم تدعْه ، وحلْنا بينك وبينه . فدعاه،
فقال : يابن أخى ، أنا عَمّك، وقد أردتُ الذهاب بك إلى قومك - وأناخ
١٠٨٣/١
(١) خسق : أصاب ونفذ.

٫٠
٢٤٨
راحلته - فما كذّب أن جلس على عَجُزُ الناقة، فانطلق به، ولم تعلمْ به أمّهُ
حتى كان الليلُ، فقامت تدعو بحربها على ابنها ، فأخبرت أنعمّه ذهب به،
١٠٨٤/١ وقدم به المطّلب ضحوة، والناس فى مجالسهم، فجعلوا يقولون: من هذا وراءك؟
فيقول : عبد لى ، حتى أدخله منزله على امرأته خديجة بنت سعيد بن سهم ،
فقالت : مَنْ هذا ؟ قال : عبد لى ، ثم خرج المطّلب حتى أتى الحزْوَرَة،
فاشترى حُلة فألبسها شيبة ، ثم خرج به حين كان العَشىّ إلى مجلس بنى
عبد مناف، فجعل بعد ذلك يطوف فى سكتك مكّة فى تلك الحلّة ، فيقال :
هذا عبد المطّلب، لقوله: (هذا عبدى)) حين سأله قومه، فقال المطلب:
عرَفْتُ شَيْبةَ والنَّجَّارُ قد جعلَتْ أبناؤُها حَوْلَهَ بِالنَّبْلِ تَنْتَضِلُ
وقد حدّثنى هذا الحديث علىّ بن حرب الموصلىّ ، قال : حدّثنى أبومعن
عيسى - من ولد كعب بن مالك- عن محمد بن أبى بكر الأنصارىّ، عن
مشايخ الأنصار ، قالوا : تزوّج هاشم بن عبد مناف امرأةً من بنى عدىّ بن
النجّار، ذات شرف، تشرُط على من خطبها المقامَ بدار قومها، فتزوّجت
بها شم، فولدت له شيبة الحمد، فرُبِّىَ فى أخواله مكرّمًا، فبينا هويُناضل فتيان
الأنصار إذا أصاب خَصْله (١) ، فقال: أنا ابن هاشم. وسمعه رجل مجتاز،
فلما قدم مكة ، قال لعمّه المطّلب بن عبد مناف: قد مررت بدار بنى قيْلة ،
فرأيت فتّ من صفته ومن صفته . . . يناضل فتيانهم، فاعتزى إلى أخيك ،
وما ينبغى تركُ مثله فى الغربة. فرحل المطّلب حتَّى ورد المدينة، فأراده على
الرَّحلة، فقال: ذاك إلى الوالدة ، فلم يزل بها حتى أذِنَتْ له ، وأقبل به قد
أَرْدفه، فإذا لَقِيَه اللاقى وقال: مَنْ هذا يا مطلِب؟ قال: عبد لى،
فسمىَ عبد المطلب . فلما قدم مكة وقفه على ملك أبيه، وسلمه إليه، فعرض
١٠٨٥/١ له نوفل بن عبد مناف فى رُكْح(٢) له، فاغتصبه إياه، فمشى عبدالمطلب إلى
رجالات قومه ، فسألهم النّصرة على عمّه ، فقالوا : لمبنا بداخلين بينك وبين
عمك، فلما رأى ذلك کتب إلى أخواله یصف لهم حال نوفل، و کتب فى كتابه :
أبلغْ بَى الَّجَّارِ إِنْ جِئْتَهُمْ أَنَّ مِنْهُمْ وَأُبْنُهُمْ والْخَمِيسْ
(١) أصاب خصله ، أى غلب، من قولهم: أحرز خصله وأصاب خصله ؛ إذا غلب.
(٢) الركح : ناحية البيت.

٢٤٩
رَأَيْتُهُمْ قَوْماً إذا جِئْتُهُمْ هَوُوا لقائِى وَأَحَبُوا حَسِيَسْ
فإِنَّ عَّى نَوْفَلاً قد أتَى إِلَّ التى يُغْضِى عَلَيْهَا الَحِسْ
قال : فخرج أبو أسعد بن عدس (١) النَّجارىّ فى ثمانين راكبًا ، حتى
أتى الأبطَح، وبلغ عبد المطّلب، فخرج يتلقّاه ، فقال: المنزل يا خال!
فقال : أما حتّى ألقى نوفلاً فلا . قال : تركته جالسًا فى الحجر فى مشايخ
قريش ، فأقبل حتى وقف على رأسه ، ثم استلّ سيفَه ، ثم قال : وربّ هذه
البنية؛ لتردّن على ابن أختنا رُكْحه أو لأملأن منك السيف، قال: فإنّ
وربّ هذه البنيّةِ أردُّ رُكحه. فأشهد عليه مَنْ حضر، ثم قال: المنزل يابن
أختى ، فأقام عنده ثلاثًا واعتمر ، وأنشأ عبد المطلب يقول :
ودِينارُ بْنُ تَْ اللَّتِ ضَيْمِى
تأَى مَازِنٌ وبنو عَدٍِ
ونَكَّبَ بَعَدُ نَوْفَلُ عن حَريمى
وسادَةُ مَالِك حتّى تَنَاهَى
وكانوا فى التَّنَسُّبِ دونَ قَوْمِى(٢)
بِهِمْ رَدَّ الإِلهُ عَلَىَّ رُكْحِى
وقال فى ذلك سُرة بن مُمير، أبو عمرو الكنانىّ(٣):
مِنَ أَعْمَامِهِ دِنْيَا أَبَرُّ وأوْصَلُ
لَعَمْرِى لأخْوَالٌ لِشَيْبةَ قَصْرَةً
وَمَّ يَتِهِمْ إِذْ جَاوَزَ الْحَقَّ نَوْفَلْ
أَجَابُوا عَلَى بَعْدٍ تُعَاءَ أَبْنِ أَحْتِهِمْ
١٠٨٦/١
تَوَاصَوْا على بِرٍّ، وذو البِرّأَفْضَلُ
جَزَى اللهُ خَيْرًا عُصبَةً خَزْرَحِيَّةً
قال : فلمّا رأى ذلك نوفل، حالّف بنى عبد شمس كلّها على بنى هاشم.
قال محمّد بن أبى بكر : فحدّثت بهذا الحديث موسى بن عيسى ، فقال :
يابن أبى بكر ، هذا شىء تَرويه الأنصار تقرّبًا إلينا؛ إذ صيَّر اللّه الدولة
فينا ! عبد المطلب كان أعزّ فى قومه من أن يحتاج إلى أن تركب بنو النّجار من
(٢) أنساب الأشراف ١: ٧٠: ((كانوا فى التناصر)).
(١) م: ((عدى)).
(٣) أنساب الأشراف ١: ٧٠، ونسبها إلى شمر بن نمر الزانى، مع اختلاف فى الرواية.

٢٥٠
المدينة إليه . قلت : أصلح الله الأمير! قد احتاج إلى نصرهم مَنْ كان خيراً
من عبد المطّلب. قال: وكان متكئًا فجلس مغضباً ، وقال: مَنْ خير
من عبدالمطلب! قلت: محمّد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، قال: صدقت،
وعاد إلى مكانه ، وقال لبنيه : اكتبوا هذا الحديث من ابن أبى بكر .
وقد حُدَّثت هذا الحديث فى أمرٍ عبد المطلب وَمّه نوفل بن عبد مناف ،
عن هشام بن محمد ، عن أبيه ، قال: حدّثنا زياد بن علاقة التغلَبىّ - وكان
قد أدرك الجاهلية - قال : كان سبب بدء الحِلْف الذى كان بين بنى هاشم
وخُزاعة الذى افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلّم بسببه مكة، وقال: لتنصبّ(١)
هذه السحابة بنصر بنی کعب؛ أنّ نوفل بن عبدمناف وكان آخر من بقی من
بنى عبد مناف- ظلم عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف على أركاح له - وهى
الساحات - وكانت أمّ عبدالمطلب سلمى بنت عمرو النجارية من الخزرج،
قال : فتنصَّفَ عبد المطلب ◌َمته، فلم ينصِفْه ، فكتب إلى أخواله :
١٠٨٧/١ يا طُولَ لَيْلِى لِأُحْزانِى وأَشْغالىِ هَلْ مِن رَسولِ إلى النَّجَّارِ أَخْوَالِى!
يُنْبِ عَدِيًّا ودِينارًا ومَازِنَها
قدكُنْتُ فَيَكُمْ ولا أَخْشَى ظُلامةَ ذِى
حَّ ارْ تَحَلْتُ إلى قَوْمِ وَأَزْعَجَنِى
وَكُنْتُ مَا كَانَ حَيَّ نَاعِمَا جَذِّلاً
فضابَ مُطَلِبٌ فى قَبْرٍ مُظْلِمَةٍ
أَأَنْ رَأَى رَجُلاً غَابَتْ عُمومَتُهُ
أُنْحَى عليه ولمَّ يَفَظْ لِه رَحِماً
فَاسْتَنْفِرُوا وَامْتَعوا ضَيْمَ ابنِ اخْتِكُمُ
ما مِثْلُكُمْ فِى بَنِى قَحْطَانَ قاطِبَةً
ومالِكًا عِصْمَةَ الجِيرَانِ عن حالِ
ظُلْمِ عزيزًا مَنِيماً ناعِمَ الَبَالِ
عن ذَاكَ مُطَّلِبٌ عَمِّى بِتَرْحَالٍ
أَمْشِ العِرُّضُنَةَ سَحَّبًا لأذْيالِ
وقام نَوْقَلُ كَىْ يَعْدُو على مَالِ
وغَابَ أخْوَالُهُ عنه بِلا والٍ
ما أَمْتَعَ المَرْءِ بَيْنَ الَعَمِّ وَاَنَخالٍ (٢٧]
لاَ تَخْذُلُوهُ وَمَا أَنتُمْ مِنَّذَالٍ
حىٌّ لِجَارٍ وَإِنْسَامِ وَإِفْضالٍ
(١) ح: ((لقد تنصلت)).
(٢) ح: ((ما أنم)).

٢٥١
أنّمَ لِانٌ لِمَنْ لَانَتْ عَرَكْتُهُ سِلْ لَكُمْ وَسِمامُ الأَبْلَخِ الغَالِ(١)
قال: فقدم عليه منهم ثمانون راكبًا ، فأناخوا بفناء الكعبة ، فلما رآهم ١٠٨٨/١
نوفل بن عبد مناف، قال لهم : أنْعموا صباحًا ! فقالوا له : لا نعيم صباحُك
أيها الرجل! أنصف ابن أختِنا من ظُلامته. قال: أفعلُ بالحبّ لكم والكرامة؛
فردّ عليه الأركاح وأنصفه .
قال : فانصرفوا عنه إلى بلادهم . قال : فدعا ذلك عبد المطّلب إلى
الحلْف ، فدعا عبد المطّلب بسر (٢) بن عمرو وورقاء بن فلان ورجالاً من
رجالات خزاعة ، فدخلوا الكعبة وكتبوا كتابًا .
وكان إلى عبد المطّلب بعد مهلك عمّه المطّلب بن عبد مناف ما كان إلى
مَنْ قبله من بنى عبدمناف من أمر السِّقاية والرِّفادة، وشرُفَ فى قومه، وعَظُمُ
فيهم خطره ، فلم يكن يُعدّل به منهم أحد ، وهو الذى كشف عن زمزم ،
بئر إسماعيل بن إبراهيم ، واستخرج ما كان فيها مدفونًا ؛ وذلك غزالان
من ذهب ، كانت جُرْهم دفنتهما - فيما ذكر- حين أخرجت من مكة ،
وأسيافٌ قلْعية ، وأدراع ، فجعل الأسياف بابًا للكعبة ، وضرب فى الباب
الغزالين صفائح من ذهب، فكان أول ذهب حُلِّيتْه - فيما قيل - الكعبة .
وكانت كُنْية عبد المطلب أبا الحارث، كُنِّى بذلك لأنّ الأكبر من ولده
الذكور كان اسمه الحارث ، وهو شيبة .
ابن هاشم
واسم هاشم عمرو ؛ وإنما قيل له هاشم ، لأنه أوّلُ مَنْ هشم الثريد لقومه
بمكة وأطعمه ، وله يقول مطرود بن كعب الخزاعىّ - وقال ابن الكلى : إنما
قاله ابن الزِّبَعْرَى(٣):
(١) الأبلغ : المتكبر .
(٢) ح: ((بشر)).
(٣) أمالى المرتضى ٢ : ٢٦٩، وذكر بعده:
وَهْوَ الَّذِى سَنَّ الرَّحِيلَ لِقَوْمِهِ رِحَلَ الشََّاءِ وَرِحْلَةَ الأَصْيَافِ

٢٥٢
١٠٨٩/١ عَمْرُو الذِى هَشَمَ التّرِيدَ لِقَوْمِهِ وَرِجَالُ مَكّةَ مُسْنِتُونَ عِجَافُ(١)
ذُكِرِ أنّ قومه من قريش، كانت أصابتهم لَزْبة وقَحْط ، فرحل إلى
فلسطين، فاشترى منها الدقيق، فقدم به مكّة ، فأمر به فخبز له ونحر جَزُوراً،
ثم اتّخذ لقومه مرقة ثريد بذلك الخبز.
وذُكِرِ أنّ هاشمًا هو أوّلُ مَنْ سنَّ الرحلتين لقريش: رحلة الشتاء
والصيف .
وحُد تت عن هشام بن محمد، عن أبيه ، قال : کان هاشم، وعبد شمس
- وهو أكبر ولد عبد مناف، والمطّلب - وكان أصغرهم - أمّهم عاتكة
بنت مرّة السُّلَمِيّة ؛ ونوفل- وأمّه واقدة - بنى عبد مناف ، فسادوا بعد أبيهم
جميعًا ، وكان يقال لهم المجبِّرون ، قال: ولهم يقال :
يأيُّها الرَّجُلُ المحوِّلُ رَحْلَهُ أَلَّا نزلْتَ بَآلِ عَبْدِ مَنافٍ!(٢)
فكانوا أوّل من أخذ لقريش العِصَم(٣)، فانتشروا من الحرم، أخذ لهم
هاشم حبلاً من ملوك الشأم الروم وغسان ، وأخذ لهم عبد شمس حبلا من
النجاشىّ الأكبر ، فاختلفوا بذلك السبب إلى أرض الحبشة ، وأخذ لهم نوفل
حبلاً من الأكاسرة ، فاختلفوا بذلك السبب إلى العراق وأرض فارس ، وأخذ
لهم المطّلب حبلا من ملوك حمير، فاختلفوا بذلك السبب إلى اليمن، فجبَّر اللّه
بهم قريشًا ، فسمُوا المجيّرين .
وقيل : إنّ عبد شمس وهاشمًا توأمان، وإنّ أحدهما ولد قبل صاحبه ،
وإصبع له ملتصقة بجبهة صاحبه، فنحِيّت عنها فسال من ذلك دم ، فتُطيِّر
من ذلك ، فقيل : تكون بينهما دماء . وولِى هاشم بعد أبيه عبد مناف السِّقاية
والرّفادة .
حدّثنى الحارث، قال : حدّثنا محمد بن سعد، قال : أخبرنا هشام ابن
١٠٩٠/١
(١) المسنتون : الذين أصابتهم السنة المجدية الشديدة
(٢) من أبيات فى أمالى المرتضى ٢: ٢٦٨.
(٣) العصم ( بكسر ففتح). الحبال ، ويراد بها العهود.

٢٥٣
محمّد، قال : حدّنى معروف بن الخرَّبوذ المكى، قال : حدّثنى رجل من
آل عدىّ من الخيار بن عدىّ بن نوفل بن عبد مناف عن أبيه ، قال: وقال
وهب بن عبد قُصَىّ فى ذلك - يعنى فى إطعام هاشم قومه التّريد:
وأَعْیَا أنْ یقومَ بهِ ابْنُ بِیضِ
تَحَمَّلَ هَاشِمٌ مَا ضَاقَ عنهُ
مِن أَرْضِ الشَّأُمِ بِالبُرِّ النَّغْيضِ
أَتَاهُمْ بِالَرَائِرِ مُتْأَّقَاتٍ
وشابَ الْخُبْزَ بِاللَّحمِ الغَرِيضِ
فَأَوْسَعَ أَهْلَ مَكَّةَ من ◌َشِيمٍ
فَظَلَّ القَوْمُ بَيْنَ مُكَلََّاتٍ مِنَ الشَّيْزَى وحَائْرُهَا يَفِيضُ
قال : فحسده أميّة بن عبد شمس بن عبد مناف - وكان ذا مال -
فتکلّف أن يصنع صنیع هاشم ، فعجز عنه ، فشمِت به ناس من قریش
فغضب ، ونال من هاشم، ودعاه إلى المنافرة ، فكره هاشم ذلك لِسنّه وقدره ،
ولم تدَعْه قريش وأحفظوه ، قال : فإنى أنافرك على خمسين ناقة سود الحدّق،
تنحرها ببطن مكة ، والجلاء عن مكة عشر سنين . فرضى بذلك أميّة ، وجعلا
بينهما الكاهن الخُزَاعِىّ ، فنفَّرَ هاشمًا عليه ، فأخذ هاشم الإبل فنحرها
وأطعمها مَنْ حضره ، وخرج أميّة إلى الشام ، فأقام بها عشرسنين ، فكانت
هذه أوّل عداوة وقعت بين هاشم وأمية ..
حدثنى الحارث قال : حدثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا هشام ١/ ١٠٩١
ابن محمّد ، قال : أخبرنى رجل من بني كنانة ، يقال له ابن أبى صالح ،
ورجل من أهل الرّقة مولى لبنى أسد ، وكان عالمًا ، قالا : تنافر عبد المطلب
ابن هاشم وحرب بن أميّة إلى النجاشىّ الحبشىّ، فأبى أن ينفّر (١) بينهما، فجعل
بينهما نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد اللّه بن قُرْط بن رزاح بن عدى
ابن كعب ، فقال لحرب : يا أبا عمرو، أتنافر رجلاً هو أطولُ منك قامة ،
وأعظم منك هامة ، وأوسم منك وسامة ، وأقلّ منك لامة ، وأكثر منك ولداً ،
وأجزل منك صفَداً، وأطول منك مذوداً! (٢). فنفّره عليه. فقال حرب: إنّ
(١) ينفربينهما ؛ أى أبى أن يفضل أحدهما على الآخر.
(٢) ر: ((مدداً)).

٢٥٤
من انتكاث الزمان أن جعلناك حكّمًاً! فكان أوّل من مات من ولد عبد مناف
ابنه هاشم، مات بغزّة من أرض الشام، ثم مات عبد شمس بمكة فقُبِر
بأجياد، ثم مات نوفل بسلْمان من طريق العراق، ثم مات المطّلب بردْمان من
أرض اليمن، وكانت الرّفادة والسِّقاية بعد هاشم إلى أخيه المطّلب.
ابن عبد مناف
واسمه المغيرة ، وكان يقال له القمر من جماله وحسنه ، وكان قصىّ يقول
- فيما زعموا -: ولد لى أربعة، فسمّيت اثنين بصنمىّ، وواحداً بدارى، وواحداً
بنفسى ؛ وهم عبد مناف وعبد العُزّى ابنا قصىّ - وعبد العزّى والد أسد -
وعبد الدار بن قصىّ، وعبد قصىّ بن قصىّ - دَرَج ولده - وبرّة بنت قصىّ؛
أمهم جميعًا حُبَّى بنت حبُليل بن حُبْشية بن سلول بن كعب بن عمروبن خُزاعة.
١٠٩٢/١
وحُدّثت عن هشام بن محمد، عن أبيه ، قال : وكان يقال لعبد مناف
القمر، واسمه المغيرة، وكانت أمّه حُبَّى دفعته إلى مناف - وكان أعظم أصنام
مكة ــ تديُّنًا بذلك ، فغلب عليه عبد مناف، وهو كما قيل له :
كَانَتْ قُرَيْشٌ بِيْضَةً فَتَفَلَّقَتْ فَالْمُحُّ خَالِصَةٌ لِعَبْدِ مَنَافٍ (١)
ابن قصیّ
وقصىّ اسمه زيد ؛ وإنما قيل له قصىّ ، لأن أباه كلاب بن مرة كان
تزوج أمَّ قصىّ فاطمة بنت سعد بن سيل - واسم سيَّل خيْر- بن حمالة بن
عوف بن غَنْ بن عامر الجادر، بن عمرو بن جُعْثمة بن يشكر، من أزدشنوءة
حلفاء فى بنى الدّيل ، فولدت لكلاب زهرة وزیداً ، فهلك كلاب وزيد
صغير ، وقد شبّ زهرة وكبر ، فقدم ربيعة بن حرام بن ضِنّة بن عبد بن کبیر
ابن عُذْرة بن سعد بن زيد، أحد قُضاعة، فتزوّج- فيما حدّثنا ابن حميد،
(١) من أبيات مطرود بن كعب الخزاعى، أمالى المرتضى ٢: ٢٦٨؛ وهو فى اللسان (مح)
والسهيلى ١ : ٩٤، وابن أبى الحديد ٣: ٤٥٣، والعينى ٤ : ١٤٠، منسوب إلى ابن الزبعرى.
والمحّ: صفرة البيض .

٢٥٥
قال : حدّثنا سلمة ، عن ابن إسحاق . وحدثت عن هشام بن محمد عن أبيه -
فاطمةَ أمّ زهرة وقصَىّ - وزهرة رجل قد بلغ ، وقصىّ فطيم أو قريب من
ذلك - فاحتملها إلى بلاده من أرض بنى عُدْرة، من أشراف الشأم ، فاحتملتْ
معها قُصَيًّا لصغره، وتخلّف زُهرة فى قومه ، فولدت فاطمة بنت سعد بن
سيل لربيعة بن حرام رزاح بن ربيعة، فكان أخاه لأمّه، وكان لربيعة بن
حرام ثلاثة نفر من امرأة أخرى؛ وهم حُنّ بن ربيعة ، ومحمود بن ربيعة ،
وجُلْهمة بنربيعة. وشبّ زيدفى حِجْر ربيعة، فسمِّ زيد قُصيًّا لبعد داره
عن دار قومه، ولم يبرح زهرة مكّة ، فبينا قصىّ بن كلاب بأرض قضاعة
لا ينتمى - فيما يزعمون - إلاّ إلى ربيعة بن حرام ، إذْ كان بينه وبين رجل
من قُضاعة شىء - وقد بلغ قصىّ، وكان رجلاً شابًا- فأنّبه القضاعى بالغربة
وقال له : ألاَ تلحق بقومك ونسبك فإنك لست منّا! فرجع قصىّ إلى أمه ،
وقد وجد فى نفسه مما قال له القضاعىّ، فسألها عَمّا قال له ذلك الرجل، فقالت
له : أنت والله يا بنىّ أكرم منه نفسًا ووالداً، أنت ابن، كلاب بن مرة بن
كعب بن لؤىّ بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة القرشىّ، وقومُك
بمكّة عند البيت الحرام ، وفيما حوله. فأجمع قصىِّ الخروج إلى قومه واللحوق
بهم ، وكره الغربة بأرض قُضاعة، فقالت له أمّه : يا بنىّ لا تعجل بالخروج
حتى يدخل عليك الشهر الحرام ، فتخرج فى حاجّ العرب ، فإنى أخشى عليك
أن يُصيبك بعضُ البأس ، فأقام قصىّ حتى إذا دخل الشهر الحرام ، خرج
حاجّ قضاعة ، فخرج فيهم حتى قدم مكّة ، فلما فرغ من الحجّ أقام بها،
وكان رجلاً جليدًا نسيبًا، فخطب إلى حُلَيْل بن حُبْشِيّة الخزاعىّ ابنته حُبّى
بنت حُلَيْل، فعرف حُليل النسب ورغب فيه، فزوّجه - وحُليل يومئذ
فيما يزعمون - يلى الكعبة وأمر مكّة .
١٠٩٣/١
فأما ابن إسحاق ، فإنه قال فى خبره : فأقام قصىّ معه - يعنى مع
حُلَيْل - وولدت له ولده عبد الدار، وعبد مناف، وعبد العزى، وعبدا بنى
قصى. فلما انتشر ولدُه، وكثر ماله، وعظم شرفُه هلك حُلَيْل بن حُبْشِية،
فرأى قُصَىّ أنه أوْلى بالكعبة وأمر مكة من خُزاعة وبنى بكر ، وأنّ قريشًا
١٠٩٤/١

٢٥٦
فَرْعة(١) إسماعيل بن إبراهيم، وصريح ولده، فكلّم رجالا من قريش وبنى كنانة،
ودعاهم إلى إخراج خزاعة وبنى بكر من مكة ، فلما قبلوا منه ما دعاهم إليه
وبايعوه عليه ، كتب إلى أخيه من أمّه رزاح بن ربيعة بن حرام - وهو
ببلاد قومه - يدعوه إلى نُصرته، والقيام معه، فقام رزاح بن ربيعة فى قُضاعة،
فدعاهم إلى نصر أخيه والخروج معه إليه، فأجابوه إلى ما دعاهم من ذلك(٢).
وقال هشام فى خبره : قَدِمِ قصىّ على أخيه زُهرة وقومه، فلم يلبث أن
ساد ، وكانت خزاعة بمكّة أكثر من بنى النضر، فاستنجد قصىّ أخاه رِزاحًا،
وله ثلاثة إخوة من أبيه ، من امرأة أخرى ، فأقبل بهم وبمن أجابه من أحياء
قُضاعة، ومع قصىُّ قومه بنو النَّضر، فنفوا خزاعة، فتزوّج قصىّ حُبّى بنت
حُليل بن حبشيّة من خزاعة، فولدت له أولاده الأربعة، وكان حُليل آخرّ
مَنْ وَلِىَ البيت، فلما ثتَقُل جعل ولايةَ البيت إلى ابنته حُبَّى، فقالت :
قد علمت أنّى لا أقدر على فتح الباب وإغلاقه ، قال: فإنَّى أجعل الفتح
والإغلاق إلى رجل يقوم لك به، فجعله إلى أبى غُبْشان - وهو سليم بن عمرو بن
بوىّ بن ملكان بن أفصى فاشترى قصىّ ولاية البيت منه بزِق خمر وبعود(٣).
فلمّا رأت ذلك خُزاعة كثُروا على قصىّ، فاستنصر أخاه ، فقاتل خُزاعة ،
فبلغنا - والله أعلم - أن خزاعة أخذتها العدسة، حتى كادت تُفْنيهم، فلما
رأت ذلك جلَّتْ عن مكّة، فمنهم من وهب مسكنه، ومنهم من باع، ومنهم
١٠٩٥/١ من أسكن ، فولىَ قصىّ البيت وأمر مكة والحكم بها ، وجمع قبائل قريش،
فأنزلهم أبطح مكة . وكان بعضهم فى الشِّعاب ورءوس جبال مكة ، فقسّم
منازلهم بينهم، فسمى مُجمِّعًا، وله يقول مطرود - وقيل: إنّ قائله حُذافة
ابن غانم:
أبُوَكُمْ قُصَىٌّ كَانَ يُدْعَى مُجَمَّاً بِهِ جَمَعَ اللهُ القَبَائِلَ مِنْ غِيْرٍ
(١) فرعة الجبل: أعلاه؛ يريد أن قريشاً فى الذروة من ولد إسماعيل ، وفى ابن هشام
(٢) سيرة ابن هشام ١: ٨٤، مع اختلاف
((قرعة))، والقرعة: نخبة الشىء وخياره .
(٣) العود: المسن من الإبل، وفى اليعقوبى: ((وقعود)).
فى الرواية .

٢٥٧
وملّكه قومه عليهم .
وأمّا ابن إسحاق، فإنه ذكر أن رزاحًا أجاب قصيًا إلى ما دعاه إليه من
نُصرته، وخرج إلى مكّة مع إخوته الثلاثة، ومَنْ تبعه لذلك من قُضاعة فى
حاجٌ العرب ، وهم مجمعون لنصر قصىّ ، والقيام معه ، قال : وخزاعة تزعم
أن حُلَيل بن حُبْشية أوصى بذلك قُصيًّا، وأمره به حين انتشر له من ابنته
من الأولاد ما انتشر ، وقال : أنتَ أَوْلَى بالكعبة والقيام عليها، وبأمر مكة
من خُزاعة ، فعند ذلك طلب قصىّ ما طلب (١).
فلمّا اجتمع الناس بمكّة وخرجوا إلى الموقف ، وفرغوا من الحج ونزلوا
منّى ، وقصىّ مُجمّع لما أجمع له ، ومن تبعه من قومه من قريش وبنى
كنانة ومَنْ معه من قُضاعة، ولم يبق إلاّ أن ينفروا للصدّر ، وكانت
صوفة تدفع بالناس من عرفة؛ وتجيزُهم إذا نَفَروا من منَّى؛ إذا كان يوم
النّفْر أتوا لرمی الجمار- ورجل من صوفة یرمیللناس ؛ لا يرمون حتى يرمى-
فكان ذوو الحاجات المُعجّلون يأتونه ، فيقولون له: قم فارم حتى نرمىَ ١ /١٠٩٦
معك ، فيقول : لا والله حتى تميل الشمس ، فيظلّ ذوو الحاجات الذين
يحبُّون التعجيل ، يرمونه بالحجارة ويستعجلونه بذلك ؛ ويقولون : ويلك تم
فارم ! فيأبىَ عليهم، حسَّى إذا مالت الشمس قام فرمَى ورمَى الناسُ معه .
حدثنا ابن حُميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، هذا الحديث ، عن
يحيى بن عبّاد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه عبّاد(٢).
فإذا فرغوا من رَمْى الجمار، وأرادوا النَّفْر منِ منّى ، أخذت صوفة بناحيتى
العقبة، فحبسوا الناس، وقالوا: أجيزى صوفة، فلم يُجْز أحد من الناس حتى ينفذوا،
فإذا نَفَرَت صوفة ومضت خُلِىَ سبيل الناس، فانطلقوا بعدهم ، فلمّا كان
ذلك العام ، فعلت ذلك صوفة كما كانت تفعل ، قد عرفت ذلك لها العرب ،
وهو دَيْن فى أنفسهم فى عهد جُرْهم وخزاعة وولايتهم ، أتاهم قصىّ بن
(١) الخبر إلى هنا فى سيرة ابن هشام ١: ٨٤.
(٢) الخبر إلى هنا فى سيرة ابن هشام ١: ٨٥ مع اختلاف فى الرواية.
(١٧ )

٢٥٨
كلاب بمن معه من قومه من قريش وكنانة وقضاعة عند العقبة، فقالوا: نحن أوْلى
بهذا منكم ، فناكروه فناكرهم ، فقاتلوه فاقتتل الناس قتالا شديداً ، ثم انهزمت
صوفة ، وغَلَبهم قصىّ على ما كان بأيديهم من ذلك ، وحال بينهم وبينه .
قال : وانحازت عند ذلك خزاعة وبنو بكر عن قصىّ بن كلاب ،
وعرفوا أنه سيمنعهم كما منع صوفة ، وأنه سيحُول بينهم وبين الكعبة وأمْر
مكة ، فلما انحازوا عنه باداهم(١) وأجمع لحربهم، وثبت معه أخوه رِزاح بن
ربيعة بمَنْ معه من قومه من قُضاعة، وخرجت لهم خزاعة وبنو بكر وتهيئوا
لحربهم ، والتقوْا فاقتتلوا قتالا شديداً ؛ حتى كثُرت القتلى من الفريقين جميعًا،
وفشت فيهم الجِراحة. ثم إنهم تداعوا إلى الصلح، إلى أن يُحَكِّموا بينهم
رجلا من العرب فيما اختلفوا فيه ، ليقضىَ بينهم ، فحكّموا يعمر بن عوف
١٠٩٧/١ ابن كعب بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، فقضى بينَهم بأنّ قُصَيًّا
أُوْلَى بالكعبة وأمر مكّة من خُزاعة ، وأن كلَّ دم أصابه قصىّ من خُزاعة
وبنى بكر موضوع يشدَخه(٢) تحت قدميه، وأنّ ما أصابت خزاعة وبنوبكر
من قريش وبنى كنانة وقضاعة ففيه الدّية مؤَدّاة، وأن يُخَلَّى بين قصىّ
ابن كلاب وبين الكعبة ومكة؛ فسمّ يعمر بن عوف يومئذ الشَّدّاخ؛ لما شَدَخ
من الدماء ووضع منها . فوّلِى قصىّ البيت وأمرّ مكة وجمع قومه من منازلهم
إلى مكة ، وتملك على قومه وأهل مكة فتكوه ، فکان قصىّ أول ولد کعب
ابن لؤى أصاب ملكًا أطاع له به قومه ، فكانت إليه الحجابة والسِّقاية والرِّفادة
والنِّدْوة واللواء، فحاز شرف مكة كلّه، وقطع مكة أرباعًا بين قومه، فأنزل
كلَّ قوم من قريش منازلهم من مكتّة التى أصبحوا عليها(٣).
حدّثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال :
ويزعُم الناس أن قريشًا هابت قَطْع شجر الحرَم فى منازلهم ، فقطعها قصىّ
بيده ، وأعانوه، فسمّته العرب مُجَمِّعًا لما جمع من أمرها، وتيمنت بأمره،
فما تُنكح امرأة ولا رجل من قريش إلاّ فى دار قصىّ بن كلاب ، وما يتشاورون
(١) د: ((ناداه)).
(٢) يريد أنه أبطل تلك الدماء.
(٣) سيرة ابن هشام ١ : ٨٧.

٢٥٩
فى أمر ينزل بهم إلاّ فى داره، ولا يعقدون لواء لحرب قوم من غيرهم إلاّ فى
داره، يعقدها لهم بعضُ ولده، وما تدّرع (١) جارية إذا بلغت أن تدّرع من
قريش إلاّ فى داره؛ يشقّ عليها فيها درعها ثم تدّرعه، ثم يُنطلق بها إلى أهلها؛
فكان أمرُه فى قومه من قريش فى حياته وبعد موته كالدِّين المتّبع، لا يعمل ١٠٩٨/١
بغيره تيمُّنًا بأمره ومعرفةً بفضله وشرفه، واتخذ قصىّ لنفسه دار النَّدْوة،
وجعل بابها إلى مسجد الكعبة ، ففيها كانت قريش تقضى أمورها(٢).
حدّثنا ابن حميد، قال: حدّثنا سلمة ، قال: حدثنى محمد بن إسحاق ،
عن عبد الملك بن راشد ، عن أبيه ، قال : سمعت السائب بن خبّاب صاحب
المقصورة يحدّث أنه سمع رجلا يحدّث عمر بن الخطاب - وهو خليفة - حديث
قُصىّ بن كلاب هذا وما جمع من أمر قومه، وإخراجه خزاعة وبنى بكر
من مكّة، وولايته البيت وأمر مكّة ؛ فلم يردّد ذلك عليه ولم ينكره .
قال: فأقام قصىّ بمكة على شرفه ومنزلته فى قومه لا ينازع فى شىء من
أمر مكة؛ إلا أنه قد أقرّ للعرب فى شأن حَجتهم ما كانوا عليه ؛ وذلك لأنه
كان يراه دَيْنًا فى نفسه ، لا ينبغى له تغييرُه، وكانت صوفة على ما كانت
عليه ، حتى انقرضت صوفة ، فصار ذلك من أمرهم إلى آل صفوان بن الحارث
ابن شِجْنة وراثةً ، وكانت عَدْوان على ما كانت عليه ، وكانت النَّسأة من
بنى مالك بن كنانة على ما كانوا عليه، ومرّة بن عوف على ما كانوا عليه ،
فلم يزالوا على ذلك حتى قام الإسلام ، فهدَم اللّه به ذلك كلَّه . وابتنى قصى
داراً بمكة ، وهى دار النَّدوة ، وفيها كانت قريش تقضى أمورَها ، فلما
كبير قصى ورق [عظمه](٣) - وكانعبدالدار بكرههو، كان أكبر ولده،و کان
- فيما يزعمون - ضعيفًا ، وكان عبد مناف قد شَرُف فى زمان أبيه،وذهب
كلّ مذهب وعبد العزى بن قصى وعبد بن قصى ، فقال قصىّ لعبد الدار
فيما يزعمون: أما والله لألحقنّك بالقوم، وإن كانوا قد شَرَفُوا عليك؛ لا يدخل ١ /١٠٩٩
رجل منهم الكعبة حتى تكون أنت تفتحها ، ولا يعقد لقريش لواء لحربهم إلاّ
أنت بيدك ، ولا يشرب رجل بمكّة ماء إلاّ من سقايتك، ولا يأكل أحد من
(١) أدرعت الجارية : لبست الدرع ، ودرع المرأة : قميصها.
(٢) سيرة ابن هشام ١: ٨٧، ٨٨. (٣) من سيرة ابن هشام.

٢٦٠
أهل الموسم طعامًا إلاّ من طعامك، ولا تقطع قريش أمورها إلاّ فى دارك .
فأعطاه داره، دار النّدوة التى لا تقضى قريش أمراً إلاّ فيها ، وأعطاه الحجابة
واللواء والنَّدْوة والسقاية والرِّفادة - وكانت الزَّفادة خَرْجا تخرجه قريش فى كلِّ
موسم من أموالها إلى قصىّ بن كلاب ، فيصنع به طعامًا للحاجّ يأكله مَنْ
لم تكن له سعة ولا زاد ممّن يحضر الموسم ؛ وذلك أن قصيًا فرضه على قريش ،
فقال لهم حين أمرهم به: يا معشر قريش، إنكم جيرانُ اللّه وأهلُ بيته الحرام، وإن
الحاجّ ضيف الله وزوّار بيته، وهم أحقّ الضيف بالكرامة ، فاجعلوا لهم شرابًا
وطعامًا أيام هذا الحج، حتى يَصْدُرُوا عنكم. ففعلوا فكانوا يُخْرِجون لذلك
كلَّ عام من أموالهم فيدفعونه إليه، فيصنعه طعامًا للناس أيام منّى ، فجرى ذلك
من أمره على قومه فى الجاهلية، حتى قام الإسلام، ثم جرى فى الإسلام إلى يومك
هذا؛ فهو الطعام الذى يصنعه السلطان كلّ عام بمنَى حتى ينقضىَ الحجّ(١).
حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، قال : حدّثّنى من أمر قصىّ
ابن كلاب وما قال لعبد الدار فيما دفع إليه ابنُ إسحاق بن يسار، عن أبيه،
عن الحسن بن محمد بن علىّ بن أبى طالب ، قال : سمعته يقول ذلك الرجل
من بنى عبد الدار ، يقال له نُبَيْه بن وهب بن عامر بن عكرمة بن هاشم
ابن عبد مناف بن عبد الدار. قال الحسن بن محمد: فجعل إليه قصىّ ما كان
١١٠٠/١ بيده من أمر قومه كلِّه، وكان قصىّ لا يخالف ولا يُرَدّ عليه شىء صَنَعه.
ثم إن قصيًا هلك ، فأقام أمره فى قومه من بعده بنوه .
ابن کلاب
وأمّ كلاب- فيما ذُكر - هند بنت سرير بن ثعلبة بن الحارث بن فهربن
مالك بن النَّضربن كنانة. وله أخوان من أبيه من غير أمّه ، وهما تَيْم ويقظَّة،
أمّهما - فيما قال هشام بن الكلبى - أسماء بنت عدىّ بن حارثة ابن عمرو بن
عامر بن بارق .
وأما ابن إسحاق فإنه قال : أمّهما هند بنت حارثة البارقيّة. قال: ويقال:
بل يقظة لهند بنت سرير، أمّ كلاب .
(١) سيرة ابن هشام ١ : ٨٩.