Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
ثم سار من موضعه إلى هَمَذان فافتتحها، وإلى الجبل وأُذْرَبيجان
وإرمينية والموصل عَنْوة ، ثم سار من الموصل إلى سُورِسْتَان ؛ وهى السّواد
فاحْتَازها، وبنى على شاطئ دِجْلة قبالةَ مدينة طهسبون(١) - وهى المدينة
التى فى شرقىّ المدائن - مدينة (٢) غربيّة وسماها بِهْ أرْدَشير، وكوّرها
وضمّ إليها بَهُرَسِير، والرُّومَقان، ونهر دَرْقيط، وكُوثَى نهر جَوْبَر،
واستعمل عليها عمّالا، ثم تَوجَّه من السّواد إلى إِصْطَخر ، وسار منها
إلى سجستان، ثم جُرْجان، ثم إلى أَبْر شَهْر، ومَرْو، وبلْخ، وخُوَارِزم؛
إلى تخوم بلاد خُراسان . ثم رجع إلى مَرْو ، وقتل جماعة وبعث رءوسهم إلى
بیت نار أناهیذ ، ثم انصرف من مرْو إلى فارس . ونزل جُور ، فأتته رسل
ملك كُوشان ، وملك طُوران، وملك مُكْران بالطاعة. ثم توجّه أرْدشير من ٨٢٠/١
جُور إلى البَحْرين ، فحاصر سنطرق (٣) ملكها، واضطره الجَهْد إلى أن رمى
بنفسه من سُور الحصن ، فهلك . ثم انصرف إلى المدائن ، فأقام بها وتوّج
سابور ابنه بتاجه فی حیاته .
ويقال: إنّه كانت بقرية يقال لها ألار(٤)، من رُسْتَاق كُوجَران(٥) من
رساتيق سيف أرْدشير خُرّة ملكةٌ تعظّم وتعبد، فاجتمعت لها أموال وكنوز
ومقاتلة . فحارب أردشير سدنتها وقتلها ، وغَنمِ أموالاً وكنوزاً عظامًا كانت
لها : وإنه كان بنى ثمانى مدن ؛ منها بفاس مدينة أردشير خُرَّة ؛ وهى جُور،
ومدينة رام أرْدشير ، ومدينة رِيو أرْدشير، وبالأهواز هُرْمُز أردشير ؛ وهى
سوق الأهواز، وبالسَّواد بِهْ أردشير؛ وهى غربىّ المدائن، وإسْتاباذ أرْدَ شير؛
وهى كَرْخ مَيْسان، وبالبحرين فنياذأردشير(٦)؛ وهى مدينة الخَطّ،
وبالموصل بوذ أردشير ؛ وهى حَزّة.
. . .
(١) ت: ((طهيسون))، س: ((طهيسون)).
(٢) فى الأصول: ((ومدينة)).
(٣) ت: ((سيطرق)).
(٤) ت: ((الاز))، أس، ل: ((ألان)).
(٥) ت: ((جوجران)). (٦) ط: ((فاأردشير))، وما أثبته من التصويبات)).

٤٢
وذكر أن أردشير عند ظهوره كتَب إلى ملوك الطوائف كتبًا بليغة ،
احتجّ عليهم فيها ، ودعاهم إلى طاعته ، فلما كان فى آخر أمره رسم لمن بعده
٨٢١/١ عهده، ولم يزل محموداً مظفّراً منصوراً، لا يفل له جمع، ولا تردّ له راية ؛
وقهر الملوك حول مملكته وأذلّهم ، وأثخن فى الأرض ، وكوّر الكُوَر، ومدّن
المدن ، ورتّب المراتب، واستكثّر من العمارة . وكان ملكه من وقت قتله
أرد وان إلى أن هلك أربع عشرة سنة . وقال بعضهم : كان ملكه أربع عشرة
سنة وعشرة أشهر .
وحدثت عن هشام بن محمد ، قال : قدم أردشیر فی أهل فارس یرید
الغلبة على الملْك بالعراق، فوافق بابا ملكًا [كان](١) على الأرمانيتين، ووافق
أردَ وَان مَلِكًا على الأردوانيتين .
قال هشام : الأرمانيُّون أنباط السّواد ، والأردوانيُّون أنباط الشأم .
قال : وكلّ واحد منهما يقاتل صاحبه على الملك ، فاجتمعا على قتال
أردشير . فقاتلاه متساندين ، يقاتله هذا يوماً، وهذا يومًا ؛ فإذا كان يوم
بابا لم يقم له أردشير ، وإذا كان يوم أردوان لم يقم لأردشير ؛ فلمّا رأى ذلك
أردشير صالح بابا على أن يكفّ عنه ويدعه وأرادون ، ويخلِّىَ أردشير بين
بابا وبين بلاده وما فيها ، وتفرّغَ أردشير لحرب أردَ وان ، فلم يلبث أن قتله
واستولى على ما كان له ، وسمع له، وأطاع بابا(٢)، فضبط أردشير مُلْك العراق
ودانتْ له ملوكُها ، وقهر من كان يناوئه من أهلها ؛ حتى حملهم على ما أراد
ممّا خالفهم ووافقه .
٥
٥
ولما استولى أردشير على الملْك بالعراق كرِه كثير من تَنُوخ أن يقيموا فى
مملكته ، وأن يدينوا له ، فخرجَ مَنْ كان منهم من قبائل قُضاعة الذين كانوا
أقبلوا مع مالك وعمرو ابنى فَهْم ، ومالك بن زهير وغيرهم ، فلحقوا بالشأم
إلى مَنْ هنالك من قُضَاعة .
وكان ناس من العرب يُحْدِثون فى قومهم الأحداث ، أو تضيق بهم
(٢) ت: ((بابا وأطاع)».
٨٢٢/١
(١) تكملة من ت .

٤٣
المعيشة ، فيخرجون إلى ريف العراق ، وينزلون الحيرة على ثلاثة أثلاث :
ثلث تَنوخ، وهو مَنْ كان يسكن المظالّ وبيوتَ الشَّعَر والوبر فى غربىّ
الفرات ، فيما بين الحيرة والأنبار وما فوقها . والثلث الثانى العباد ، وهم الذين
كانوا سكنوا الحيرة وابتنَوْا بها . والثلث الثالث الأحلاف ، وهم الذين لحقوا
بأهل الحيرة، ونزلوا فيهم، ممّن لم يكن من تَنُوخ الوبر؛ ولا من العباد الذين
دانوا لأردشير .
وكانت الحيرة والأنبار بنيتا جميعًا فى زمن بختنصّر ، فخربت
الحيرة لتحوّل أهلها عنها عند هلاك بختنصّر إلى الأنبار ، وعمرت الأنبار
خمسمائة سنة وخمسين سنة ، إلى أن عمرت الحيرة فى زمن عمرو بن عدىّ ،
باتخاذه إياها منزلا، فعمرت الحيرة خمسمائة سنة وبضعاً وثلاثين سنة إلى أن
وُضعت الكوفة، ونزلها الإسلام ؛ فكان جميعُ مُلْكِ عمرو بن عدىّ مائة . .
سنة وثمانى عشرة سنة ، من ذلك فى زمن أرد وان وملوك الطوائف خمس وتسعون
سنة ، وفى زمن ملوك فارس ثلاث وعشرون سنة ؛ من ذلك فى زمن أردشير بن
بابك أربع عشرة سنة وعشرة أشهر ، وفى زمن سابور بن أردشير ثمانى سنين
وشهران .

٤٤
ذكر الخبر
عن القائم كان بملك فارس بعد أردشير بن بابك
٨٢٣/١
ولمّا هلك أردشير بن بابك ، قام بملك فارس من بعده ابنه سابور .
وكان أردشير بن بابك لما أفْضَى إليه الملك أسرف فى قتل الأشكانيّة ،
الذين منهم كان ملوك الطوائف ، حتى أفناهم بسبب ألِيّة كان ساسان بن
أردشير بن بهْمَن بن إسْفَنْد یار الأكبر، جدّ أردشير بن بابك ، كان آلاها،
أنه إن ملك يومًا من الدهر لم يستبْق (١) من نسل أشتك بن خرّه أحداً، وأوجب ذلك
على عَقبِهِ ، وأوصاهم بألاً يبقُوا منهم أحداً إن هم ملكوا ، أو ملك منهم
أحد يومًا. فكان أوّل مَنْ ملك من ولد ولده ونسله أردشير بن بابك ، فقتلهم
جميعًا؛ نساءهم ورجالهم ، فلم يستبْق منهم أحداً لعزْمةٍ جدّه ساسان .
فذكر أنه لم يبق منهم أحد ، غير أنّ جارية كان وجدها أردشير (٢) فى
دار المملكة ، فأعجبه جمالُها وحسنها ، فسألها - وكانت ابنة الملك المقتول -
عن نسبها. فذكرت أنها كانت خادمًا لبعض نساء الملك، فسألها: أبِكْرٌ أنتِ
أم ثَيّب؟ فأخبرته أنها بِكْر ؛ فواقعها واتخذها لنفسه، فعلقتْ منه، فلما أمنته
على نفسِها لاستمكانها منه بالحبَل ، أخبرته أنها من نسل أشَك ، فنفر منها(٣)
ودعا هرجبذا أبرسام - وكان شيخًا مُسنًّا - فأخبره أنها أقرّت أنها من نسل
أَشَك، وقال : نحن أوْلى باستمام الوفاء بنذر أبينا ساسان ، وإن كان موقعها
٨٢٤/١ من قلبى على ما قد علمَت، فانطِقْ بها فاقتلْها. فمضى الشيخُ ليقتلَها ، فأخبرته
أنها حُبْلى؛ فأتى بها القوابل، فشهِدْنَ بحبلها، فأودعها سرَبًا فى الأرض ، ثم
قطع مذاكيرَه فوضعها فى حُقّ ، ثم ختم عليه، ورجع إلى الملك ، فقال له
الملك : ما فعلت ؟ قال : قد استودعتها بطنَ الأرض ، ودفع الحقَّ إليه ،
وسأله أن يختم عليه بخاتمه، ويُودِعَه بعضَ خزائنه ففعل ، فأقامت الجارية
عند الشيخ ، حتى وضعتْ غُلامًا، فكرِه الشيخ أن يُسمّىَ ابنَ الملك دونه،
(١) ل: ((لا يستبقى)). س: ((لا يستبق)).
(٢) ل: ((كان أرد شير وجدها)).
(٣) ت: ((فنفر عنها)).

٤٥
وكرِهِ أن يعلمه به صبيًّا حتى يدرك ، ويستكمل الأدب . وقد كان الشيخ
أخذ قياس الصبىّ ساعة وُلد، وأقام له الطالع ، فعلم عند ذلك أن سيملّك،
فسماه اسماً جامعًا يكون صفة واسماً ويكون فيه بالخيار إذا علم به ، فسماه
((شاه بور))، وترجمتها بالعربية: ابن الملك، وهو أوّلُ مَنْ ◌ُسمّى هذا الاسم،
وهو سابور الجنود بالعربية، بن أرْدَ شير. وقال بعضهم: بل سمّاه ((أشَه بور))،
ترجمتها بالعربية : ولد أشَك ، الذى كانت أمّ الغلام من نَسْله .
#
فغبَر (١) أردشير دهراً لا يُولّد له ، فدخل عليه الشيخ الأمين ، الذى عنده
الصبىّ ، فوجده مخزونًا ، فقال : ما يُحْزِنك أيها الملك ؟ فقال له أردشير :
وكيف لا أحزن ، وقد ضربتُ بسيفى ما بين المشرق والمغرب حتى ظفرت
بحاجتى، وصفا لى المُلْك ملك آبائى، ثم أهلك لا يعقبنى فيه عقيب ، ولا
يُكون لى فيه بقيّة! فقال له الشيخُ: سَرّك الله أيها الملك وتعمرك! لك عندى
ولد طَيّب نفيس ، فادع بالحقّ الذى استودعتُك، وختمتَه بخاتمك أُرِكَ
برهان ذلك .
فدعا أردشير بالحقّ، فنظر إلى نقش خاتمه، ثم فَضّه، وفتح الحقّ، ٨٢٥/١
فوجد فيه مذاكير الشيخ ، وكتابًا فيه: إنّا لما اختبرنا ابنة أشَك التى عَلِقت
من ملك الملوك أردشير حين أمِرْنا بقتلها حين حملها، لم نستحلَ إنْوَاء(٢)
زرع الملك الطّيب، فأودعناها بطن الأرض كما أمرنا ملكنا ، وتبرّأنا إليه من
أنفسنا لئلا يجد عاضِهٌ إلى عَضَهِها سبيلاً، وقمنا بتقوية الحقّ المنزوع (٣)
حتى لحق بأهله ، وذلك فى ساعة كذا من عام كذا. فأمره أرْدَ شِير عند ذلك
أن يُهِيِّئُّه فى مائة غلام . وقال بعضهم : فى ألف غلام من أترابه وأشباهه فى
الهيئة والقامة ، ثم يُدْخِلُهم عليه جميعًا لا يفرق بينهم فى زِىّ ولا قامة
ولا أدب ؛ ففعل ذلك الشيخ؛ فلما نظر إليهم أرْدشير قبلت نفسه ابنه من بينهم،
واستحلاه من غير أن يكون أشير له إليه أو لُحِنّ به. ثم أمر بهم جميعاً
(١) ط: ((عبر)).
(٢) إتواء : إهلاك .
(٣) ط: ((المزروع)). ت: ((المزوع)) ...

٤٦
فأخْرِجوا إلى حجرة الإيوان ، فأعْطُوا صوالحة ، فلعبوا بالكرة وهو فى
الإيوان على سريره، فدخلت الكرة فى الإيوان الذى هو فيه (١)، فكاع الغلمان(٢)
جميعاً أن يدخلوا الإيوان، وأقدم سابور من بينهم فدخل فاستدلّ أرْدَ شير
بدخوله عليه ، وإقدامه وجُرْأته مع ما كان من قبول نفسه له أوّل مرّة حين
رآه ، ورقّته عليه دون أصحابه أنه ابنهُ . فقال له أرْ دشير بالفارسية :
ما اسمك ؟فقال الغلام: شاه بور، فقال: أَرْدَشير: شاه بور ! فلما ثبت عنده
أنّه ابنُه شهرَ أمرَه، وعقد له التاج من بعده .
٨٢٦/١
وكان سابور قد ابتلى منه أهلُ فارس - قبل أن يُفْضِىَ إليه المُلْكُ فى
حياة أبيه - عقلاً وفضلا وعلمًا ، مع شدّة بطش ، وبلاغة منطق ، ورأفة
بالرعية ورقّة . فلما عُقد التاج على رأسه ، اجتمع إليه العظماء، فدعوا له
بطول البقاء ، وأطنبوا فى ذكر والده وذكر فضائله ، فأعلمهم أنهم لم يكونوا
يستدعُون إحسانه بشىء يعدل عنده ذكرهم والده ، ووعد هم خيراً .
ثم أمر بما كان فى الخزائن من الأموال ، فوسح بها على الناس ، وقسّمها
فيمن رآه لها موضعًا ؛ من الوجوه والجنود وأهلِ الحاجة ، وكتب إلى عمّاله
بالكُوَرَ والنواحى أن يفعلوا مثلَ ذلك فى الأموال التى فى أيديهم ، فوصلَ
من فضله وإحسانه إلى القريب والبعيد، والشريف والوضيع ، والخاصّ والعامّ
ما عمّهم ورُفِغِتْ(٣) معايشهم. ثم تخيّر لهم العمَّال، وأشرف عليهم وعلى الرعيّة
إشرافًا شديداً، فبان فضلُ سيرته ، وبَعُد صوته ، وفاق جميع الملوك .
وقيل : إنه سار إلى مدينة نَصِيبين ، لإحدى عشرة سنة مضت من مُلْكه،
وفيها جنود من جنود الروم ، فحاصرهم حينًا ، ثم أتاه عن ناحية من خُراسان
ما احتاج إلى مشاهدته ، فشخصَ إليها حتى أحكم أمرها ، ثم رجع إلى
نَصِيبين. وزعموا (٤) أنّسورَ المدينة تصدّع وانفرجت له فُرْجة دخل(٥) منها،
(١) ل: ((فيه الملك)).
(٢) كاع الغلمان: جبنوا. وفى الحديث: ((ما زالت قريش كاعة حتى مات أبو طالب))؛
الكاعة : جمع كائع ؛ وهو الجبان .
(٣) ط: ((رفعت)) تصحيف، والرفع: السعة فى الرزق.
(٤) ت: ((فز عموا)).
(٥) ت: ((فدخل))، ل: ((ودخل)).

٤٧
فقتل المقاتلة وسبتى وأخذ أموالا عظيمة كانت لقيصر هنالك، ثم تجاوزها إلى
الشأم وبلاد الروم ، فافتتح من مدائنها مدنًا كثيرة .
وقيل : إنّ فيما افتتح قالوقيّة وقذوقيّة، وإنّه حاصر مَلِكًا كان بالروم ،
يقال له الريانوس بمدينة أنطاكية ، فأسره وحمله وجماعة كثيرة معه، وأسكنهم ٨٢٧/١
جُنْدَىْ سابور .
وذكر أنه أخذ الريانوس ببناء شاذراون تُسْتَر ، على أن يجعل عَرْضه
ألف ذراع ، فبناه الرومىّ بقوم أشخصهم إليه من الروم ، وحكم سابور فى
فكاكه بعد فراغه من الشاذروان ، فقيل إنه أخذ منه أموالاً عظيمة ، وأطلقه
بعد أن جَدّع أنفه . وقيل إنه قتله .
٠ ٠
وكان بحيال تَكْريت بين دجلة والفرات مدينة يقال لها الحَضْر،
وكان بها رجل من الجرامقة يقال له الساطيرون ، وهو الذى يقول فيه أبو دواد
الأيادىّ :
رٍ عَلَى رَبِّ أَهْلِهِ السَّطِرُونِ(١)
وَأَرَى الْمَوْتَ قَدْ تَدَلَّى مِنَ الحْصُ
والعرب تسميه الضَّيْزن . وقيل : إن الضَّيْزن من أهل بَأَجَرْمَى.
وزعم هشام بن الكلبىّ(٢) أنه من العرب من قضاعة وأنه الضَّيْزن بن معاوية
ابن العَبيد بن الأجرام بن عمرو بن النَّخَع بن سَلِيح بن حُلْوان بن عِمْران
ابن الحافِ بن قُضاعة، وأنّ أمه من تَزِيد بن حلْوان اسمها جَيَهَلَة(٣)،
وأنه إنما كان يعرَف بأمه . وزعم أنه كان مَلَك أرض الجزيرة ، وكان معه
من بنى عبيد بن الأجرام وقبائل قُضاعة ما لا يُحصى ، وأنّ ملكه كان قد
بلغ الشأم، وأنه تطرّف من بعض السواد فى غيبة كان غابها إلى ناحية خراسان ٨٢٨/١
سابور بن أردشير ، فلما قدم من غيبته أخبر بما كان منه ، فقال فى ذلك
من فعل الضَّيْزن، عمرو بن إلى(٤) بن الجُدّى بن الدّهاء بن جُثَمَ بن حُلْوان
(١) كذا فى اللسان ٦: ٢٩، وغرر أخبار ملوك الفرس ٤٠٢، وفى معجم البلدان ٣ :
(٢) الخبر فى الأغانى ٢: ١٤٠ ( طبعة دار الكتب ) بسنده عن
٢٩٠ نسبه إلى عدى بن زيد .
جماعة ، منهم هشام الكلبى .
(٣) فى الأغانى: ((جبهلة)).
(٤) فى الأغانى: ((عمرو بن السليح بن حدىّ بن الدها بن غنم بن حلوان))، وفى معجم البلدان
٣: ٢٩٠: ((الجدى بن الدلهاث))، وفى ت، ل: ((الحدى)).

٤٨
ابن عمران بن الحافِ بن قضاعة :
وَبَالْخَيْلِ الصَّلاَحِمَةِ الذَّكور (١)
لَقِينَاهُمْ بِجَمْعِ مِنْ عِلَافِ
وقَتَلْنَا هَرَائِذَ شَهْرَزُور (٣)
فَلَقَتْ فَارِسٌِ مِنَّا نَكالاً
وَلَفْنَا لِلْأَعَاجِمِ مِنْ بَعِيدٍ بِجَمْعٍ كَالْجَزِيرَةِ فِىِ السَِّيرِ
فلما أخبر سابور بما كان منه شخص إليه حتى أناخ على حصنه ، ونحصن
الضّيْزِن فى الحصن ، فزعمَ ابنُ الكلبىّ أنه أقام سابور على حصنه أربع سنين ،
لا يقدر على هدمه ولا على الوصول إلى الضَّيْزن .
وأمّا الأعشى ميمون بن قيس فإنّه ذكر فى شعره أنه إنما أقام عليه
حولين ، فقال (٣):
أَمَّ تَرَ للحَضْرِ إذْ أهْلُهُ بنُعْمَى وَهَلْ خَالِدٌ مَنْ نَعِمْ!(٤)
: أقامَ به شاهَبُورُ اُلُو دَحَوْلَيْنِ تَضْرِبُ فِيهِ القُدُمْ(٥).
ومِثْلُ مُجَاوِرِهِ مْ يُقِمْ(١)
فما زادَهُ رَبُّهُ قُوَّةً
أَنَاهُ طُرُوفًا فلم يَنْتَقِمْ
فَلَّا رَأَى ربُّهُ فِعْلَهُ
هَلُّوا إِلَى أَمْرِكُمْ قَدْ مُرِمْ
وكانَ دَعَا قَوْمَهُ دَعْوَةٌ
٨٢٩/١
فموتوا كِرَامَاً بِأَشْيَافِكُمْ أَرِى الْمَوْتَ يَخْشَمُهُ مَنْ حَثِمْ
ثم إنّ ابنة للضَّيْزن يقال لها النَّضيرة عَرَكت (٧) فَأُخْرِجت إلى رَبَّض (٨)
(١) هو علاف بن حلوان بن الحاف بن قضاعة؛ وإليه تنسب الخيل العلافية. والخيل
الصلادمة : القوية الشديدة .
(٢) شهر زور: كورة واسعة بين إربل وهذان؛ قال ياقوت: وأهل هذه النواحى كلهم
(٣) ديوانه ٣٥؛ من قصيدته التى أولها :.
أكراد ؛ ولأهلها بطش وشدة .
أمِ الحَبْلُ واهٍ بها مُنْجَذِمْ
أَتَهْجُرُ غانَيَةً أَمْ تُلِمْ:
(٤) الديوان: ((ألم ترى الحضر)).
(٥) الديوان: ((أقام به سابور)). والقدم: جمع قدوم.
(٦) فى ط: ((ومثل محاوره لم يقم)) وما أثبته عن الديوان.
(٧) فى الأغانى: ((عركت، أى حاضت)). (٨) الربض: ما حول المدينة من الخارج.

٤٩
المدينة ، وكانت من أجمل نساء زمانها - وكذلك كان يُفعل بالنساء إذا هنّ
عَرَ كْن - وكان سابور من أجمل أهل زمانه ـ- فيما قيل - فرأى كلّ واحد
منهما صاحبه ، فعشِقْته وعشيقها ، فأرسلت إليه : ما تجعل لى إن دَلَلْتُكَ
على ما تَهْدِمِ به سورَ هذه المدينة وتقتل أبى ؟ قال: حكمَك (١) وأرفعُك
على نسائى، وأخصّك بنفسى دونهنّ . قالت: عليك بحمامة وَرْقاء مُطَوّقة،
فاكتب فى رجلها بحيْضِ جارية بِكْرٍ زرقاء ، ثم أرْسِلْها، فإنها تقع على
حائط المدينة ؛ فتتداعى (٢) المدينة. وكان ذلكَ طِلَّسْ (٣) المدينة لا يهد مُها
إلاّ هذا، ففعل وتأهّب لهم، وقالت: أنا أسقفى الحرَسَّ الخمر، فإذا صُرِعوا
فاقتلهم ، وادخل المدينة . ففعل وتداعت المدينة ، ففتحها عَنْوة ، وقتِل
الضَّيْزَن يومئذ، وأبِيدَتْ أفناء قُضاعة الذين كانوا مع الضَّيْزَن ، فلم
يبقَ منهم باقٍ يُعرف إلى اليوم، وأصيبت قبائل من بنى حُلْوان؛ فانقرضوا
وَدَرَجوا، فقال عمرو (٤) بن إلّة ــ وكان مع الضَّيْزن:
ألم يَحْزُنْكَ والأنْبَاءُ تَنْمِى(٥) بما لَاقَتْ سَرَاةُ بَنِ عَبِيدِ!
وأَخْلاسِ الكَتَائِ مِنْ تَزِيدِ!(٦)
ومَصْرَعُ ضَيْنٍ وَبِ أَبِهِ
وبالْأَبْطالِ سَابُورُ الْجُنُودِ
أَتَاهُمْ بالغُيُولِ مُجلّاتٍ
كأنَّ ثِقَالَهُ زُبَرُ الْحَدِيدِ
فَهَدَّمَ مِنْ أَواسِ الِحِصْنِ صَخْراً(٧)
وأخْرَب سابور المدينة ، واحتمل النَّضِيرة ابنة الضَّيْزن ، فأعرس بها
بعين التَّمْر، فذكر أنها لم تزل ليلتَها تَضوَّرُ (٨) من خشونة فرشها، وهى من
(١) فى الأغانى: ((أحكّمك)).
(٢) ط: ((فتداعى))، وما أثبته عن الأغانى.
1
(٣) الطلسم : السر المكتوم .
(٤) نسب ياقوت هذه الأبيات ٣: ٢٩١ إلى الجدى بن الدهاث.
(٥) تنمى ، أى تشيع .
(٦) أحلاس الكتائب : الشجعان الملازمون لها .
(٧) الأغانى: ((من أواسى الحضر)). والأواسى: جمع آسية؛ وهو ما أسس من بنيان فأحكم
أصله، من سارية أو غيرها .
(٨) الأغانى: ((تتضور)).
:
.
ج ٢ ( ٤ )

٥٠
٨٣٠/١ حرير محشوّة بالقزّ فالتمس ما كان يُؤذيها، فإذا ورقة آس ملتزقة بُعكْنة
من عُكَنِها قد أثّرت فيها . قال : وكان يُنظّر إلى مُحّها من لين بشرتها -
فقال لها سابور : ويحك بأىّ شىء كان يغذوك أبوك ؟ قالت: بالزُّبْد والمخّ
وشهد الأبكار من النحل وصفْو الخمر . قال : وأبيك لأنا أحدَثُ عهداً بك،
وآثرُ (١)لك من أبيك الذى غذاك بما تذكرين. فأمرَ (٢) رجلاً فركب فرساً
جموحًا ، ثم عصب غدائرها بذنَبِهِ ، ثم استركضها فقطّعها قطعًا ، فذلك
قول الشاعر :
بَاعُ مِنْهَا فَجانبُ الثّرثار (٣)
أقْفَرَ الْحِصْنُ مِنْ نَضِيرَةَ فَالِمِرْ
وقد أكثر الشعراء ذكر ضَيْزن هذا فى أشعارهم، وإياه عنَى عدىّ بن
زيد بقوله :
لمَةُ تُجْبَى إليه والخابور(٤)
وَأَخُو الحَضْرَ إذْ بَنَاهُ وَإذْدِجْ
ساً فلِلَطَّيْرِ فِى ذُرَاهُ وُكُورُ(٥)
شَادَهُ مَرْمَرَاً وَجَلَّهُ كْدْ
لم يَهَهُ رَيْبُ الَنُونِ فَبادَ الـ مُلْكُ عَنْهُ فبابُهُ مَهْجُور
ويقال إنّ سابور بنى بميْسان شاذ سابور، التى تسمى بالنَّبطية ((ريما)).
(٦)
وفى أيتام سابور ظهر مانِى الزنديق، ويقال: إن سابور لمّا سار إلى موضع
جُنْدَىْ سابور ليؤسّسها صادف عندها شيخًا يقال له بيل ، فسأله : هل
يجوز أن يتّخذ فى ذلك الموضع مدينة؟ فقال له بيل : إن أُلْهِمِتُ الكتابة مع
ما قد بلغت من السنّ جاز أن يبنى فى هذا الموضع مدينة . فقال له سابور :
٨٣١/١ بل ليكن الأمران اللذان أنكرت كونهما. فرسم المدينة وأسلَم بيل إلى معلم ،
وفرض عليه تعليمه الكتاب والحساب فى سنة ، فخلا به المعلّم وبدأ بحلْق رأسه
(١) ط: ((وأوثر))، وما أثبته عن الأغانى.
(٢) الأغانى: ((ثم أمر)).
(٣) الثرثار: واد بين سنجار وتكريت؛ كان فى القديم منازل لبكر بن وائل؛ ويمر
بمدينة الحضر ؛ ثم يصب فى دجلة أسفل تكريت .
(٤) الخابور: اسم لنهر كبير بين رأس عين والفرات من أرض الجزيرة .
(٥) الكلس: الصاروج ؛ وهى النورة وأخلاطها التى تصرح بها النزل وغيرها. فارسى معرب.
(٦) ط: ((ديما)).

٥١
ولحيته لئلا يتشاغل بهما ، وجادّه التعليم . ثم أتى به سابور وقد نفذ ومهرَ ،
فقَلّده إحصاء النفقة على المدينة وإثبات حسابها ، وكوّر الناحيةَ وسمّاها
بيهْأزنديوسابور، وتأويل ذلك: ((خير من أنطاكية))، ومدينة سابور -وهى التى
تسمّى جُنْدَى سابور، وأهل الأهواز يسمونها ((بيل)) باسم القَيّم كان على
بنائها . ولما حضر سابور الموت ملّك ابنه هرمز وعهد إليه عهداً أمره
بالعمل به .
واختلف فى سنى ملكه ، فقال : بعضهم كان ذلك ثلاثين سنة وخمسة
عشر يوماً . وقال آخرون : كان ملكه إحدى وثلاثين سنة وستة أشهر وتسعة
عشر يوماً .
#
[ ذكر ملك هرمز بن سابور]
ثم قام بالملك بعد سابور بن أردشير بن بابك ابنُه هرمز . وكان يلقّب
بالجرىء، وكان يُشَبَّه فى جسمه وخلْقه وصورته بأردشير ؛ غير لاحقٍ به فى
رأيه وتدبيره ، إلاّ أنه كان من البطش والجرأة وعِظَم الخلق على أمر عظيم .
وكانت أمّه - فيما قيل - من بنات ميهْرَك ، الملك الذى قتله أردشير
بأردشير خُرّة. وذلك أنّ المنجّمين كانوا أخبروا أرْدشير أنّه يكون من نسله
مَنْ يملك. فتتبّع أردشير نَسْله فقتلهم ، وأفلتت أمّ هرمز . وكانت ذات
عَقْل وجمال وكمال وشدّة خَلْق، فوقعت إلى البادية، وأوت إلى بعض الرّعاء.
وإنّ سابور خرج يومًا متصيّداً، فأمعن فى طلب الصَّيْد، واشتدّ به العطش، ٨٣٢/١
فارتفعت له الأخبية التى كانت أمّ هرمز أوتْ إليها ، فقصدها فوجد
الرّعاء غُيَّبًا، فطلب الماء ، فناولته المرأة ، فعاين منها جمالا فائقًا، وقَوامًاً
عجيبًا ، ووجهاً عتيقًا . ثم لم يلبث أن حضر الرّعاء، فسألهم سابور عنها،
فنسبتها بعضهم إليه، فسأله أن يزوّجها منه، فساعفه ، فصار بها إلى منازله ،
وأمر بها فنظّفت وكُسِيت وحدّيت، وأرادها على نفسها ؛ فكان إذا خلا بها
والتمس منها ما يلتمس الرجل من المرأة امتنعتْ وقهرته عند المجاذبة قهراً ينكره .
وتعجّب من قوّتها ، فلما تطاول ذلك من أمرها أنكره ؛ ففحص عن أمرها

٥٢
فأخبرته أنّها ابنة مِهْرَك ، وأنها إنما فعلت ما فعلت إبقاء عليه من أرْدشير ،
فعاهدها على سَتْرٍ أمرها، ووطئها فولدت هُرْمز، فستر أمره حتى أتت له سنون.
وإنّ أردشير ركب يومًا، ثم انكفأ إلى منزل سابور لشىء أراد ذكره
له ، فدخل منزله مفاجأة، فلما استقرّ به القرار خرج هُرمز ، وقد ترعرع
وبيده صولجان يلعب به وهو يصيح فى أثر الكرة ، فلمّا وقعت عين أرْدَ شِير
عليه أنكره، ووقف على المشابِه التى فيه منهم؛ لأن الكِية التى فى آل أرْد شير
كانت لا تخفى ، ولا يذهب أمرهم على أحد ، لعلامات (١) كانت فيهم ؛
من حُسْنِ الوجوه ، وعَبَالة(٢) الخَلْق، وأمور كانوا بها مخصوصين فى
أجسامهم . فاستدناه أردشير، وسأل سابور عنه، فخرّ مكفّراً على سبيل الإقرار
٨٣٣/١ بالخطأ ممّا كان منه، وأخبر أباه حقيقة الخبر، فُسرَّ به، وأعلمه أنه قد
تحقق الذى ذكر المنجمون فى ولد ميهْرَك، ومَنْ يملك منهم، وأنهم إنما ذهبوا
فيه إلى هُرْمز؛ إذ كان من نَسْل مِهْرك، وأنّ ذلك قد سلّى ما كان فى
نفسه وأذهبه .
فلما هَلَك أردشير وأفضى الأمر إلى سابورَ ولىّ هُرمز خُراسان، وسيَّه
إليها، فاستقلّ بالعمل، وقَمَعَ مَنْ كان يليه من ملوك الأمم، وأظهر تجبُّراً
شديداً ، فوشَى به الوشاة إلى سابور، ووهَّموه أنّه إن دعاه لم يُجِبْ، وأنّه
على أن يبتزّه الملك ؛ ونمت الأخبار بذلك إلى هرمز، فقيل : إنّه خلا بنفسه ،
فقطع يَده وحَسَمها ، وألقى عليها ما يحفظها ، وأدرجها فی نفیسٍ من الثياب،
وصيّرها فى سَفَطَ(٣)، وبعث بها إلى سابور، وكتب إليه بما بلغه، وأنّه إنما
فعل ما فعل؛ إزالة للتهمة عنه؛ ولأنّ فى رسمهم ألاّ يملكوا ذا عاهة . فلما وصل
الكتاب بما معه إلى سابور ، تقطّع أسفًا ، وكتب إليه بما ناله من الغمّ بما فعل،
واعتذر، وأعلمه أنه لو قَطْع بدنه عضواً عضواً، لم يُؤثِر عليه أحداً بالملك .
فتكه .
٠ ٠ ٠
(١) ت، س: ((بعلامات)).
(٢) العبالة هنا: ضخامة الجسم ؛ وأصله فى الذراعين .
(٣) السفط: الجوالق .

٥٣
وقيل : إنه لما وضع التاج على رأسه ، دخل عليه العظماء ، فدعوا له
فأحسن لهم الجواب ، وعَرَفَوا منه صدق الحديث ، وأحسن فيهم السيرة ،
وعدلَ فى رعيته ، وسلك سبيل آبائه ، وكوّر كورة رام هرمز
وكان ملكه سنة وعشرة أيام .
...
[ ذكر ملك بهرام بن هرمز ]
ثم قام بالملك بعده ابنه بهرام . وهو بهرام بن هرمز بن سابور بن أردشير
ابن بابك .
وكان من مُمّال سابور بن أردشير، وهرمز بن سابور، وبهرام بن هرمزبن سابور- ٨٣٤/١
بعد مَهلِك عمرو بن عدىّ بن نصر بن ربيعة على فَرْج(١) العرب من ربيعة
ومُضَر وسائرمَنْ ببادية العراق والحجاز والجزيرة يومئذابنٌ لعمرو بن عدىّ،
يقال له امر ؤ القيس البَدْء(٢)، وهو أوّل من تَنَصّر من ملوك آل نصربن
ربيعة وعمّال ملوك الفرس، وعاش- فیما ذ کرهشام بنمحمد- مملكا فى عمله مائة
سنة وأربع عشرة سنة ؛ من ذلك فى زمن سابور بن أردشير ثلاثاً وعشرين سنة
وشهراً ، وفى زمن (٣) هُرْمز بن سابور سنة وعشرة أيام ، وفى زمن بهرام بن هرمز
ابن سابور ثلاث سنين وثلاثة أشهر وثلاثة أيام ، وفى زمن بهرام بن بهرام بن
هرمز بن سابور بن أردشير ثمانى عشرة سنة .
وكان بهرام بن هرمز- فيما ذُكر - رجلاً ذا حلْم وتُؤَدة، فاستبشَر الناس
بولايته، وأحسن السيرة فيهم، واتَّبَعَ فى ملكه فى سياسة الناس آثار آبائه؛
وكان مانى الزنديق - فيما ذكر - يدعوه إلى دينه ، فاستبرى ما عنده ، فوجده
داعية للشيطان ، فأمر بقتله وسَلْخ جلده وحشوه تبناً وتعليقه على باب من أبواب
مدينة جُندَىْ سابور، يدعى باب المانى، وقتل أصحابه ومَنْ دَخَل فى ملّته.
وكان ملتكه - فيما قيل - ثلاث سنين وثلاثة أشهر وثلاثة أيام.
٠٠
(١) الفرج هنا: موضع المخافة من العدو المجاور.
(٣) ت، س: ((زمان)).
(٢) ت، م: ((البدى)).

٥٤
[ ذكر ملك بهرام بن بهرام بن هرمز]
ثم قام بالملك بعده ابنه بَهْرام بن بتَهْرام بن هرمز بن سابوربن أردشير.
وكان ذا علم- فيما قيل - بالأمور، فلمّا عقد التاج على رأسه دعا له العظماء
٨٣٥/١ بمثل ما كانوا يدعون لآبائه، فردّ عليهم مردًا حسنًا، وأحسن فيهم السيرة،
وقال : إن ساعدنا الدهر نقبل ذلك بالشكر ، وإن يكنْ غيرَ ذلك نرضَ بالقسْ.
واختُلف فى سِنِى ملكه ، فقال بعضهم : كان ملكه ثمانى عشرة سنة .
وقال بعضهم : كان سبع عشرة سنة .
[ ذكر ملك شاهنشاه بن بهرام ]
ثم ملك بتَهْرام الملقّب بشاهنشاه بن بَهْرام بن بهرام بن هرمز بن سابور بن
أردشير ؛ فلما عُقد التاج على رأسه اجتمع إليه العظماء ، فدعوا له ببركة
الولاية وطول العمر، فردَّ عليهم أحسنَ الردّ، وكان قبل أن يُفْضِىَ إليه الملك
مملّكا على سجِسْتان .
وكان ملكه أربع سنين .
[ ذكر ملك نرسى بن بهرام]
ثم قام بالملك بعده نَرْسى بن بَهْرام ، وهو أخو بهرام الثالث ، فلما
عقد التاج على رأسه دخلت عليه الأشراف والعظماء ، فدعوا له فوعدهم
خيراً ، وأمرهم بمكانفته على أمره ، وسار فيهم بأعدلِ السيرة ، وقال يوم ملك:
إنّا لن نُضيّع شكر الله على ما أنعم به علينا .
و کان ملکه تسع سنين .
[ ذكر ملْك هرمز بن نرسى ]
ثم ملك هُرْمز بن نَرْسى بن بهرام بن بهرام بن هرمزين سابوربن أردشير.
وكان النَّاس قد وَحِلوا منه، وأحسّوا بالفظاظة والشدّة ، فأعلمهم أنه قد

٥٥
٨٣٦/١
عليم ما كانوا يخافونه من شدّة ولايته، وأعلمهم أنه قد أبدل ما كان فى خلقه
من الغِلْظة والفظاظة رقّةً ورأفة، وساسهم بأرفق السياسة ، وسار فيهم بأعّدَلِ
السيرة ، وكان حريصاً على انتعاش الضعفاء وعمارة البلاد والعدل على الرعيّة .
ثم هلك ولا ولد له، فشقّ ذلك على الناس، فسألوا بميلهم إليه عن نسائه ! فذكر
لهم أن بعضهنّ حُبلى. وقد قال بعضهم: إنّ هرمز كان أوصى بالملك لذلك الحمثل
فى بطن أمّه، وأنّ تلك المرأة ولدت سابور ذا الأكتاف .
وكان مُلْكُ هرمز فى قول بعضهم ست سنين وخمسة أشهر، وفى قول
آخرين سبع سنين وخمسة أشهر .
[ ذكر ملك سابور ذى الأكتاف ]
ثم ولد سابور ذو الأكتاف بن هرمز بن تَرْسِى بن بهرام بن بهرام بن هرمز بن
سابور بن أردشير، مملّكا بوصية أبيه هرمز له بالملك، فاستبشر الناس بولادته،
وبثُّوا خبرَه فى الآفاق، وكتبوا الكتب، ووجهوا به البُرُد إلى الآفاق والأطراف،
وتقلّد الوزراءُ والكتّاب الأعمال التى كانوا يعملونها فى ملك أبيه ، ولم يزالوا على
ذلك ، حتى فشا خبرُهم، وشاع فى أطراف مملكة الفرس أنّه كان لا ملكَ لهم،
وأنّ أهلها إنما يتلوّمون (١)صبيًّا فى المهد، لاَ يدْرُون ما هو كائن من
أمره ، فطميعت فى مملكتهم الترك والروم .
وكانت بلاد العرب أدْنى البلاد إلى فارس ، وكانوا من أحوج الأمم إلى
تناول شى ءمن معايشهم وبلادهم ، لسوء حالهم وشظف عيشهم ، فسار جمْع
عظيمٌّمنهم فى البحر من ناحية بلاد عبد القيْس والبحْرين وكاظمة، حتى
أناخوا على أبرشهر وسواحل أردشيرخُرّة وأسياف فارس ، وغلبوا أهلها على
مواشيهم وحُروثهم ومعايشهم، وأكثروا الفساد فى تلك البلاد ، فمكثوا على ٨٣٧/١
ذلك من أمرِهِم حينًا؛ لا يغزوهم أحد من الفرس، لعقدهم تاجَ المُلْك على
طفل من الأطفال، وقلّة هيبة الناس له ؛ حتى تحرّك سابور وترعرع ، فلمّا
ترعرع ◌ُذكِرِ أنّ أوّلَ ما عُرف من تدبيره وحسن فهمه ، أنّه استيقظ ذات
(١) التلوم : الانتظار والتلبث.

٥٦
ليلة وهو فى قصر المملكة بطْيَسبُون، من ضوضاء الناس بسَحَر ، فسأل
عن ذلك ، فأخبِرِ أنّ ذلك ضجةُ الناس عند ازدحامهم على جِسر دِ جْلة
مقبلين ومدبرين ؛ فأمر باتخاذ جسر آخر ؛ حتى يكون أحدُهما مِعْبَراً
للمقبلين ؛ والآخر مِعْراً للمدبرين ، فلا يزدحم الناس فى المرور عليهما .
فاستبشر الناس بما رأوا من فطنته لما فطن من ذلك على صِغَر سنّه . وتقدّم
فيما أمِر به من ذلك، فذكِرِ أنّ الشمس لم تغرب من يومهم ذلك حتى عُقد
جِسْر بالقرب من الجسْر الذى كان فاستراح الناس من المخاطرة بأنفسهم
فى الجواز على الجسر، وجعل الغلام يتزيّد فى اليوم ما يتزيّده غيره فى الحِين
الطويل .
وجعل الكتاب والوزراء يعتر ضون علیه الأمر بعد الأمر ، فكان فيما عُرِض
عليه أمرُ الجنود التى فى الثُّغور، ومَنْ كان منهم بإزاء الأعداء . وإنّ الأخبار
وردت بأن" أكثرهم قد أخلّ، وعظَّموا عليه الأمر فى ذلك ، فقال لهم سابور :
لا يكبرُنَ هذا عندكم ؛ فإنَّ الحيلة فيه يسيرة، وأمر بالكتاب إلى أولئك
الجنود جميعًا؛ بأنَّه انتهى إليه طولُ مكثهم فى النواحى التى هم بها(١) ،
٨٣٨/١ وعظم غنائهم عن أوليائهم وإخوانهم؛ فمن أحبّ أن ينصرف إلى أهله فلينصرف
مأذونًا له فى ذلك، ومَنْ أحبّ أن يستكمل الفضل بالصَّبْر فى موضعه عُرِف
ذلك له . وتقدّم إلى من اختار الانصراف فى لزوم أهله وبلاده إلى وقت
الحاجة إليه .
فلما سمع الوزراء ذلك من قوله استحسنوه ، وقالوا : لو كان هذا قد
أطال تجربة الأمور، وسياسة الجنود ما زاد رأيه وصحَّة منطقه على ما سمعنا به .
ثم تتابعت أخباره إلى البلدان والثغور ، بما قوّم أصحابه ، وقمع أعداءه .
حتى إذا تمّتْ له ستّ عشرة سنة وأطاق حمل السلاح وركوب الخيل ، واشتدّ
عَظْمِه ، جمع إليه رؤساء أصحابه وأجناده ، ثم قام فيهم خطيبًا ، ثم ذكر
ما أنعم الله به عليه وعليهم بآبائه ، وما أقاموا من أدبهم ونفوا من أعدائهم،
وما اختلّ من أمورهم ، فى الأيام التى مضت من أيام صباه ، وأعلمهم أنه
(١) ت ((فيها)).

٥٧
يبتدئ العمل فى الذَّبّ عن البيضة، وأنه يقدّر الشخوص إلى بعض الأعداء
لمحاربته ، وأنَّ عدّة من يشخص معه من المقاتلة ألف رجل . فنهض إليه
القوم داعين متشكّرين ، وسألوه أن يُقيم بموضعه ، ويوجّه القواد والجنود
ليكْفُوه ما قدّر من الشخوص فيه ، فأبى أن يجيبهم إلى المقام ، فسألوه الازدياد
على العدّة التى ذكرها فأبى . ثم انتخب ألف فارس من صناديد جنده
وأبطالهم ، وتقدّم إليهم فى المضىّ لأمره ، ونهاهم عن الإبقاء على من لقوا من
العرب، والعَرْجة على إصابة مال . ثم سار بهم فأوقع بمن انتجع بلاد فارس
من العرب وهم غارّون ، وقتل منهم أبْرَح القتل، وأسر أعنف الأسْر ، وهرب
بقیتھُم. ثم قطع البحر فى أصحابه، فورد الخطّ، واستقری بلاد البحرین،
يقتُل أهلها ولا يقبل فداء ، ولا يعرّج على غنيمة . ثم مضى على وجهه ، فورد
هَجَر ، وبها ناس من أعراب تميم وبكر بن وائل وعبد القيس ، فأفْشَى فيهم
القتل ، وسفك فيهم من الدماء سَفْكًا سالت كسيل المطر ؛ حتى كان الهارب
منهم يرى أنه لن يُنْجِيَه منه غارٌ فى جبل ، ولا جزيرة فى بحر ؛ ثم عطف
إلى بلاد عبد القَيْس ، فأباد أهلها إلاّ من هرب منهم ، فلحقَ بالرمال ، ثم
أتى اليمامة ، فقتل بها مثل تلك المقتلة ، ولم يمرّ بماء من مياه العرب إلا
عَوّره (١)، ولا جُبّ من جِبابهم إلا طَمَّه. ثم أتى قرب المدينة، فقتل مَنْ وجد
هنالك من العرب وأسر ، ثم عطف نحو بلاد بَكْر وتَغْلِب فيما بين مملكة
فارس ومناظر الروم بأرض الشام، فقتل مَنْ وجد بها من العرب، وسَىَ وطمّ
مياهَهم. وإنّه أسكن مَنْ من بنى تغلب من البحرين دارين -واسمهما هيْج -
والخَطّ، ومَنْ كان من عبد القيْس وطوائف من بني تميمٍ هَجَر، ومَنْ كان من
بكر بن وائل كَرْمان، وهم الذين يُدْعَوْن بكْر أبانْ، ومَنْ كان منهم من
بنى حَنْظلة بالرّملية من بلاد الأهواز. وإنه أمر فبُنّيَتْ بأرض السواد مدينة وسماها،
بُزُرْج سابور - وهى الأنبار - وبأرض الأهواز مدينتان: إحداهما إيران
خرّه سابور، وتأويلها ((سابوروبلاده))، وتسمى بالسريانية الكَرْخ، والأخرى
السوس ؛ وهى مدينة بناها إلى جانب الحصن الذى فى جوفه تابوت فيه جثّة
دانيال النبى عليه السلام. وإنه غزا أرض الروم فسبتى منها سَبْيًا كثيراً ،
٨٣٩/١
٨٤٠/١
(١) عوره، أى طمه وكبسه بالتراب

٥٨
فأسكن مدينة إيران خرّه سابور ، وسمّتْها العرب السوس بعد تخفيفها فى
التسمية . وأمر فبنِيت بباجَرْمَى مدينة سماها خُنِى سابور وكَوّر كُورة ،
وبأرض خُراسان مدينة ، وسمّاها نيسابور وكَوّر كورة .
وإن سابور كان هادن قسطنطين ملك الروم ، وهو الذى بنى مدينة
قُسطْنطينيّة، وكان أوّل مَنْ تنصَّر من ملوك الروم ، وهلك قسطنطين ،
وفَرّق مُلْكه بين ثلاثة بنين ، كانوا له ، فهلك بنوه الثلاثة ، فملَّكت الروم
عليهم رجلاً من أهل بيت قسطنطين يقال له لُلْيانوس، وكان يدين بملَّة الروم
التى كانت قبل النّصرانيّة، ويُسِيرُّ ذلك ويظهر النّصرانية قبل أن يملك ، حتى
إذا ملك أظهر ملّة الروم ، وأعادها كهيئتها ، وأمرهم بإحيائها ، وأمر بهدم
البِيَعَ وقتل الأساقفة وأحبار النصارى . وإنّه جمع جموعًا من الروم والخزر ،
ومن كان فى مملكته من العرب ، ليقاتل بهم سابور وجنود فارس .
٨٤١/١
٠٫٠٫
وانتهزت (١) العرب بذلك السبب الفُرْصة من الانتقام من سابور ، وما
كان من قتْله العرب ، واجتمع فى عسكر لُلْيانوس من العرب مائة ألف وسبعون
ألف مقاتل؛ فوجتههم مع رجل من بطارقة الروم ، بعثه على مقدّمته يسمى
يوسانوس . وإن لليانوس سار حتى وقع ببلاد فارس ، وانتهى إلى سابور
كثرة من معه من جنود الروم والعرب والخزر، فهاله ذلك، ووجّه عيونًا تأتيه
بخبرهم ومبلغ عددهم وحالهم فى شجاعتهم وعَيْثهم(٢) فاختلفت أقاويل أولئك
العيون فيما أتوْه به من الأخبار عن لليانوس وجنده ، فتنكَّر سابور ، وسار
فى أناس من ثقاته ليعایینَ عسکرهم ، فلما اقترب منعسکر یوسانوس صاحب
مقدّمة لليانوس، وجّه رهطًا ممن كان معه إلى عسكر يوسانوس ليتحسسوا
الأخبار ، ويأتوه بها على حقائقها ، فنذرت الرّوم بهم ، فأخذوهم ودفعوهم
إلى يوسانوس، فلم يقِرّ أحدٌ منهم بالأمر الذى توجهوا له إلى عسكره ، ما خلا
رجلاً منهم أخبره بالقصّة على وجهها، وبمكان سابور حيث كان ، وسأله أن
يوجّه معه جنداً ، فيدفع إليهم سابور . فأرسل يوسانوس حيث سمع هذه المقالة
إلى سابور رجلاً مِنْ بطانته ، يعلمه ما لقىَ من أمره ، وينذِرِه ، فارتحل
(١) ت: ((فانهزت)).
(٢) ت: ((وعدتهم)).

٥٩
سابور من الموضع الذی کان فیه إلى عسكره . وإنّ من کان فی عسکر للیانوس
من العرب سألوه أن يأذن لهم فى محاربة سابور ، فأجابهم إلى ما سألوه ، فزحفوا ١ /٨٤٢
إلى سابور ، فقاتلوه ففضُّوا جمعَه، وقتلوا منهم مقتلةً عظيمة ، وهرب سابور
فيمنْ بقىَ من جنده، واحتوى لليانوس على مدينة طيسبون محلّة سابور، وظّفِر
ببيوت أموال سابور وخزائنه فيها ، فكتب سابور إلى مَنْ فى الآفاق من جنوده
يُعلمهم الذى لتىَ من لليانوس ومَنْ معه من العرب، ويأمرمَنْ كان فيهم من
القوّاد أن يقدموا عليه فيمن قِبلهم من جنوده، فلم يلبث أن اجتمعت إليه
الجيوش من كلّ أفق ، فانصرف فحارب لليانوس واستنقذ منه مدينة طیسبون،
ونزل لُدْيانوس مدينة بهأرْدَ شير وماوالاها بعسكره، وكانت الرُّسلُّ تختلف فيما
بينه وبين سابور . وإنّ لليانوس كان جالسًا ذات يوم فى حُجْرته ، فأصابه
سهم غربٌ (١) فی فؤاده فقتله، فأسقط فی رُوع جنده، وهالهم الذى نزل به،
ويئسوا من التفصى من بلاد فارس ، وصاروا شورى لا ملك عليهم ولا سائس
لهم، فطلبوا إلى يوسانوس أن يتولّى المُلْك لهم فيملكوه عليهم، فأبى ذلك،
وألحُّوا عليه فيه، فأعلمهم أنه على مِلّة النّصرانيّة، وأنه لا يلى ناسًا له مخالفين
فى المِلّة. فأخبرتْه الروم أنّهم على مِلّتِهِ، وأنّهم إنما كانوا يكتمونها مخافة
لليانوس ، فأجابهم إلى ما طلبوا ، وملكوه عليهم ، وأظهروا النَّصرانية.
وإنّ سابور علم بهلاك لليانوس ، فأرسل إلى قوّاد جنود الروم، يقول: إنّ
الله قد أمكننا منكم، وأدالنا عليكم، بظلمكم إبّانا، وتخطَّيكم إلى بلادنا،
وإنا نرجو أن تَهلِكوا بها جوعًا من غير أن نهيئ لقتالكم سيفًا، ونشرَعَ له
رمحًا؛ فسرّحوا إلينا رئيسًا إن كنتم رقّستموه عليكم . فعزم يوسانوس على إتيان
سابور ، فلم يتابعه على رأيه أحدٌ من قوّاد جنده، فاستبدّ برأيه، وجاء إلى
سابور فى ثمانين رجلاً من أشراف مَنْ كان فى عسكره وجنده ، وعليه تاجه ،
فبلغ سابور مجيئه إليه، فتلقاه وتساجدا، فعانقه سابور شكراً لما كان منه فى أمره،
وطعيم عنده يومئذ ونعم .
٨٤٣/١
وإنّ سابور أرسل إلى قوّاد جند الروم وذوى الرياسة منهم(٢) يُعلمهم أنّهم
(٢) س، ل: ((فيهم)).
(١) سهم غرب : لا يدرى راميه .

٦٠
لو متكوا غير يوسانوس الجرى هلاكُهم فى بلاد فارس ، وأنّ تمليكهم إياه
يُنْجِيهم من سطوته . وقوِىَ أمر يوسانوس بجهده ، ثم قال : إنّ الروم قد
شنُّوا الغارة على بلادنا ، وقتلُوا بشراً كثيراً ، وقطعوا ما كان بأرض السَّوَاد
من نخل وشجر ، وخَرّبوا(١) عمارتها؛ فإمّا أن يدفعوا إلينا قيمة ما أفسدوا
وخرّبوا ، وإما أن يعوّضونا من ذلك نَصِيبين وَحيّزها ، عوضًا منه، وكانت
من بلاد فارس ، فغلبت عليها الرّوم .
فأجاب يوسانوس وأشراف جنده سابورَ إلى ما سأل من العِوَض ، ودفعوا
إليه نصيبين ، فبلغ ذلك أهلَها، فجلَّوْا منها إلى مدن فى مملكة الروم ، مخافة
على أنفسهم من ملك الملك المخالف ملَّتهم ، فبلغ ذلك سابور ، فنقل اثنى
عشر ألف أهل بيت من أهل إصْطخر وإصبتهان وكُور أُخَر من بلاده
وحَيّزه إلى نصيبين، وأسكنهم إياها ، وانصرف يوسانوس ومَنْ معه من الجنود
إلى الرُّوم ، وملكها زمنًا(٢) يسيراً ثم هلك .
وإنّ سابور ضَرِىَ بقتل العرب ، ونزع أكتاف رؤسائهم إلى أن هلك.
وكان ذلك سبب تسميتهم إيّاه ذا الأكتاف
١ /٨٤٤
وذكر بعضُ أهل (٣) الأخبار أنّ سابور بعد أن أثخن فى العرب وأجلاهم
عن النواحى التى كانوا صاروا إليها ممّا قرب من نواحى فارس والبحرين واليمامة،
ثم هبط إلى الشأم، وسار إلى حدّ الروم، أعلم أصحابه أنّه على دخول الروم
حتى يبحث عن أسرارهم ، ويعرف أخبار مدنهم وعدد جنودهم ، فدخل إلى
الروم ، فجال فيها حينًا، وبلغه أنّ قيصر أوْلم ، وأمر بجمع الناس ليحضروا
طعامه ، فانطلَق سابور بهيئة السؤال حتى شهِد (٤) ذلك الجمع، لينظر إلى
قيصر، ويعرِف هيئته وحاله فى طعامه ، فقُطِن له فأخِذ ، وأمر به قيصر
فأدرج فى جلد ثور ، ثم سار بجنُوده إلى أرض فارس ، ومعه سابور على تلك
(١) ت: ((وأخربوا)).
(٢) ل: ((زماناً)).
(٣) ت: ((بعضهم)).
(٤) ت: ((يشهد)).