Indexed OCR Text

Pages 1-20

ذخائر العرب
٣٠
تاريخ الطبري
تاريخ الرسل والملوك
لأبى جَعْفهمحمّد بْن جَرِيرُ الطَّبَرَىّ
٢٢٤ - ٣١٠ ه.
الجزء الثانى
تحقیق
محمد أبو الفضل إبراهيم
الطبعة الثانية
دار المعارف بمصر

الناشر: دار المعارف بمصر - ١١١٩ كورنيش النيل - القاهرة ج. ع. م.

تاريخ الطبري

اِقْهُ الرَّحِ الرَّحَيْمِ
ذكر الخبر عن أصحاب الكهف
وكان أصحابُ الكهف فتية آمنوا بربِّهم ؛ كما وصفهم الله عزّ وجلّ به
من صفتهم فى القرآن المجيد ؛ فقال لنبيِّه محمد صلّى الله عليه وسلّم:
﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهِْ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾.(١) ١٦/١
والرّقيم هو الكتاب الذى كان القوم الذين منهم كان الفتية ، كتبوه فى لوحٍ
بذكر خبرهم وقصصهم ، ثم جعلوه على باب الكهف الذى أووْا إليه، أو نقروه
فى الجبل الذى أووْا إليه ، أو كتبوه(٢) فى لوح وجعلوه فى صندوق خلّفوه (٣)
عندهم، ((إذا أوى الفتيةُ إلى الكهف)).
وكان عددُ الفتية - فيما ذكر ابنُ عباس - سبعةً، وثامنهم كلبهم .
حدّثنا ابن بشّار، قال : حدّثنا عبد الرحمن، قال : حدّثنا إسرائيل ،
عن سِماك، عن عِكْرِمة، عن ابن عباس: ﴿ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ)،(٤)
قال : أنا من القليل ، كانوا سبعة .
حدّثنا بشر، قال : حدّثنا يزيد ، قال : حدّثنا سعيد، عن قتادة ،
قال : ذكر لنا أنّ ابن عباس كان يقول : أنا من أولئك القليل الذين استثنى
اللّه تعالى؛ كانوا سبعةً وثامنهم كلبهم(٥).
(١) سورة الكهف ٩.
(٢) فى الأصول: ((وكتبوه)).
(٣) ت: ((وخلفوه)).
(٤) سورة الكهف ٢٢، والخبر فى التفسير ١٥: ١٥٠ (بولاق).
(٥) الخبر فى التفسير ١٥: ١٥٠ (بولاق).

٦
قال : وكان اسمُ أحدهم - وهو الذى كان يَلِى شِرًا الطعام لهم، الذى
ذكره الله عنهم أنهم قالوا إذ هبُّوا من رقدتهم: ﴿فَأَ بْعَثُوا أَحَدَ كُمْ بِوَرِقِكُمْ
هَذِهِ إِلى الْمَدِينَةِ فَلَيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَامَاً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾.(١)
حدّثنى عبد الله بن محمد الزّهرىّ، قال : حدثنا سفيان، عن مقاتل :
﴿ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هُذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ - اسمه يمنيخ(٢).
وأما ابنُ إسحاق فإنه قال - فیما حد ◌ّثنا به ابن حُميد - قال: حدّثنا
سلّمة ، عنه : اسمه يمليخا .
وكان ابن إسحاق يقول : كان عدد الفتية ثمانية ؛ فعلى قوله کان کلبُهم
٧٧٧/١ تاسعَهم . وكان - فيما حدثنا ابنُ حميد، قال: حدّثنا سلمة ، عن ابن
إسحاق - يسمِّيهم فيقول: كان أحدهم - وهو أكبرهم والذى كلّم الملِك عن
سائرهم - مكسملينا ، والآخر محسملينا ، والثالث يمليخا، والرابع
مرطوس (٣)، والخامس كسوطونس(٤)، والسادس بيرونس (٥)، والسابع
رسمونس(٦)، والثامن بطونس (٧)، والتاسع قالوس(٨). وكانوا أحداثًا.
وقد حدّثنا ابن حميد، قال : حدّثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن
عبد الله بن أبى نَجيح ، عن مجاهد، قال: لقد حُدّثت أنه كان على بعضهم
من حداثة أسنانهم وضح الورق . وكانوا من قوم يعبدون الأوثان من الروم ،
فهداهم الله للإسلام ، وكانت شريعتهم شريعةَ عيسى فى قول جماعة من
سلف علمائنا .
(١) سورة الكهف ١٩، والخبر فى التفسير ١٥: ١٤٨ (بولاق).
(٢) ت، ح: ((تمنيح))، التفسير: ((يمليخ)).
(٣) التفسير: ((مرطونس)).
(٤) التفسير: ((كطونس))، ل: ((كسر طويس)).
(٥) التفسير : ((يبورس).
(٦) التفسير: ((يكروس)).
(٧) التفسير: ((يطبيونس))، ل: ((بطويس)) ح: ((بطوس)).
(٨) التفسير: ((قالوش)).
:

٧
1
٧٧٨/١
حدّثنا ابن حميد، قال : حدّثنا الحكم بن بشير، قال: حدّثنا عمرو -
يعنى ابن قيس الملائىّ - فى قوله: ﴿أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرّقِيمٍ)، كانت
الفتية على دين عيسى بن مريم صلّى الله عليه وسلّم على الإسلام، وكان ملكهم
كافراً. وكان بعضهم يزعم أنّ أمرهم ومصيرهم إلى الكهف كان قبل المسيح،
وأنّ المسيح أخبر قومه خبرهم، فإنّ اللّه عزّ وجلّ" ابتعثهم من رقلتهم بعد
ما رفع المسيح، فى الفترة بينه وبين محمد صلَّى اللّه عليه وسلَّم؛ والله أعلم أيَّ
ذلك كان .
فأمَّا الذى عليه علماء أهل الإسلام فَعَلَى أنْ أمرهم كان بعد المسيح.
فأمّا أنّه كان فى أيام ملوك الطوائف ؛ فإنّ ذلك مما لا يدفعه دافع من أهل
العلم بأخبار الناس القديمة .
وكان لهم فى ذلك الزمان مَلِكٌ يقال له: دقينوس، يعبد الأصنام - فيما
ذكر عنه - فبلغه عن الفتية خلافُهم إياه فیدینه ، فطلبهم فهربوا منه بدینهم،
حتى صاروا إلى جبل لهم يقال له - فيما حدّثنا ابن حُميد ، قال : حدّثنا
سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن عبد الله بن أبی نجیح ، عن مجاهد ، عن ابن
عباس - نيحلوس .
وكان سببُ إيمانهم وخلافهم به قومهم - فيما حدّثنا الحسن بن يحيى ،
قال : حدثنا عبد الرزاق ، قال : حدثنا معمر ، قال : أخبرنى إسماعيل بن
سدوس(١)، - أنه سمع وهب بن منبه یقول: جاء حوارې عيسى بن مريم إلى
مدينة أصحاب الكهف ، فأراد أن يدخلها ، فقيل له : إن على بابها صنمًا
لا يدخلها أحد إلا سجدَ له ، فكره أن يدخلَها ، فأتى حمَّمًا ، وكان فيه
قريبًا من تلك المدينة ، فكان يعمل فيه، يؤاجير(٢) نفسه من صاحب الحمّام .
ورأى صاحب الحمَّام فى حمَّمه البركة، ودرّ (٣) عليه الرزق، فجعل يعرض عليه
[الإسلام](٤) وجعل يسترسل إليه. وعَلِقه فتيةٌ من أهل المدينة وجعل يُخبرهم
٧٧٩/١
(١) ل: ((شروس))، ح: ((سروس))، ت: ((سدوش)).
(٢) ح، ل: ((يأجر)). (٣) فى ط: ((رد)) وما أثبته من التفسير وانظر التصويبات.
(٤) من التفسير.

٨
خبرَ السماء والأرض وخبر الآخرة ، حتى آمنوا به وصدّقوه ، وكانوا على مثلِ
حاله فى حسن الهيئة ، وكان يشرُّط (١) على صاحب الحمّام أنَّ الليل لى ،
لا تحول بينى وبين الصلاة إذا حضرت . فكان على ذلك حتى جاء ابنُ الملك
بامرأة ، فدخل بها الحمَّم ، فعيره الحوارىّ، فقال: أنت ابنُ الملك
وتدخلُ ومعك(٢) هذه الكذا(٣)! فاستحيا ، فذهب . فرجع مرة أخرى ،
فقال له مثل ذلك ، وسبّه وانتهره ، ولم يلتفت حتى دخل، ودخلت معه المرأة
فاتا فى الحمَّام جميعًا، فأتِى الملك فقيل له : قتل صاحبُ الحمَّام ابنك .
فالتُمِسَ، فلم يُقدرْ عليه فهرب . قال من كان يصحبه : فسمّوا الفتية ؛
فالتُمِسوا فخرجوا من المدينة، فمرُّوا بصاحبٍ لهم فى زرع له؛ وهو على مثل أمرهم
٧٨٠/١ فذكروا أنهم التُمسوا، وانطلق معهم ومعه الكلب؛ حتى آواهم الليل إلى
الكهف، فدخلوه فقالوا : نبيت هاهنا الليلة ثم نصبح إن شاء اللّه، فتروْن
رأيكم . فضرِب على آذانهم ، فخرج الملك فى أصحابه يتبعونهم ، حتى
وجدوهم قد دخلوا الكهف ؛ فكلّما أراد رجل أن يدخلَ أُرعِب ، فلم يطق
أحد أن يدخل ، فقال قائل : أليس لو كنت قدرت عليهم قتلتّهم ؟ قال :
بلى ، قال : فابنِ عليهم باب الكهف ، فدعْهم فيه يموتوا عطشاً وجوعاً.
ففعل (٤). فغبروا - بعد ما بنى عليهم باب الكهف - زماناً بعد زمان .
ثم إنّ راعياً أدركه المطر عند الكهف، فقال: لو فتحت هذا الكهف
فأدخلته غنمى من المطر! فلم يزل يعالجه حتى فتح ما أدخِل فيه، وردّ اللّه إليهم
أرواحتهم فى أجسادهم من الغد حين أصبحوا، فبعثوا أحدَهم بورق يشترى
لهم طعامًا ، فكلَّما أتى باب مدينتهم رأى شيئًا ينكرِه، حتى دخل على رجل ،
فقال : بعنى بهذه الدراهم طعامًا ، قال : ومن أين لك هذه الدراهم ! قال:
خرجت وأصحابٌ لى أمس ، فآوانا الليل حتى أصبحوا ، فأرسلونى ، فقال :
(١) ت والتفسير: ((يشترط)).
(٢) ح، ل: ((معك)).
(٣) التفسير: ((النكداء)).
(٤) إلى هنا، الخبر فى التفسير ١٥ : ١٣٦ (بولاق).

هذه الدراهم كانت على عهد الملك فلان فأنَّى لك بها ! فرفعه إلى الملك -
وكان ملكاً صالحًا - فقال : من أينَ لك هذه الورِق ؟ قال : خرجت أنا
وأصحاب لى أمس حتى أدركنا الليل فى كهف كذا وكذا ، ثم أمرونى أن
أشترىَ لهم طعامًا . قال : وأين أصحابك ؟ قال : فى الكهف ، قال :
فانطلَقوا معه حتى أتوا بابَ الكهف ، فقال : دعونى أدخل إلى أصحابى
قبلكم ، فلما رأوه ودنا منهم ضُرب على أذنه وآ ذانهم، فجعلوا كلّما دخل
رجل أُرعِب، فلم يقدروا على أن يدخلوا إليهم ، فبنوا عندهم كنيسة، ٧٨١/١
واتَّخذوها مسجداً يصلُّون فيه .
حدّثنا الحسن بن يحيى، قال : حدّثنا عبد الرزّاق، قال : أخبرنا معمر ،
عن قتادة، عن عِكْرمة ، قال : كان أصحابُ الكهف أبناءَ ملوك الروم ،
رزقهم اللّه الإسلام، فتفرّدوا(١) بدينهم ، واعتزلوا قومَهم ، حتى انتهوا إلى
الكهف ، فضرب اللّه على سُمْخَانِهِم . فلبثوا دهراً طويلاً ، حتى هلكت
أُمَّتهم، وجاءتْ أمَّةٌ مسلمة، وكان ملكهم مسلمًا ، واختلفوا فى الروح
والجسد ، فقال قائل : تبعث الروح والجسد جميعًا ، وقال قائل: تُبْعث
الروح، وأما الجسد فتأكله الأرض ، فلا يكون شيئًا . فشقّ على ملكهم
اختلافهم، فانطلق فلبس المُسوح، وجلس على الرّماد، ثم دعا الله عزَّ وجلّ،
فقال : يا ربّ، قد ترى اختلاف هؤلاء ، فابعث لهم ما يبيّن لهم ، فبعث اللّه
أصحابَ الكهف ، فبعثوا أحدَهم يشترى لهم طعامًا ، فدخل السوق ، فجعل
يُنكِرِ الوجوه ويعرف الطرق(٢)، ويرى الإيمان بالمدينة ظاهراً، فانطلق وهو
مستخفٍ ، حتى أتى رجلا يشترى منه طعامًا ، فلما نظر الرجل إلى الورق
أنكرها - قال : حسبت أنه قال : كأنها أخفاف الرُّبَع - يعنى الإبل
الصغار - قال له الفتى : أليس ملككم فلان؟ قال : بل ملكنا فلان ، فلم
يزل ذلك بينهما حتى رفعه إلى الملك ، فسأله فأخبره الفتى خبرَ أصحابه ،
فبعث الملك فى الناس ، فجمعهم فقال : إنَّكم قد اختلفتم فى الروح والجسد ،
(١) ت والتفسير: ((فتعوذوا)).
(٢) ت: ((الطريق)).

١٠
٧٨٢/١ وإنّ اللّهعزّ وجل قد بعث لكم آية ، فهذا رجل من قوم فلان - يعنى ملكهم
الذى مضى - فقال الفتى: انطلقوا بى إلى أصحابى ، فركب الملك ، وركب
معه النَّاس ، حتى انتهى إلى الكهف، فقال الفتى : دعونى أدخل إلى أصحابى ،
فلما أبصرهم ضرب الله على أذنه وعلى آذانهم ، فلمَّا استبطئوه دخل الملك
ودخل الناس معه ، فإذا أجساد لا ينكرون منها شيئاً غير أنها لا أرواحَ فيها .
فقال الملك : هذه آية بعثها الله لكم(١).
قال قتادة : وغزا ابن عباس مع حبيب بن مسلمة ، فمرُّوا بالكهف ؛
فإذا فيه عظام ، فقال رجل : هذه عظام أصحاب الكهف ، فقال ابن عباس :
لقد ذهبتْ عظامهم منذ أكثر من ثلثمائة سنة .
٠
قال أبو جعفر : فكان منهم (٢):
(١) الخبر فى التفسير ١٥: ١٤٣ (بولاق).
(٢) أى ممن كان فى أيام ملوك الطوائف. انظر ابن الأثير ١: ٢٠٨.

يونس بن متى
- فكان فيما ذُكِر - من أهل قرية من قرى الموصل يقال لها: نينوى،
وكان قومه يعبدون الأصنام ، فبعث الله إليهم يونس بالنهي عن عبادتها ،
والأمر بالتوبة إلى الله من كفرهم، والأمر بالتوحيد. فكان من أمره وأمر الذين بُعث
اليهم ما قصّه اللّه فى كتابه، فقال عزّ وجلّ: ﴿ فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَّنَتْ
فَنَفَعَهَا إِمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُؤُنَسَ لَمَّا آمَنُوا كَثَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْىِ فِى
الْحَيَاةِ الدُّنْيَاوَ مَتَّعْنَاهُمْ إلَى حِينٍ﴾(١). وقال: ﴿وَذَا الُونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًاً
فَظَنَّ أَن لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَفَادَى فِ الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ ٨٨٣/١
إِى كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ، فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِى
الْمُؤْمِنِين﴾(٢).
* *
*
وقد اختلف السّلف من علماء أمة نبينا محمد صلّى الله عليه وسلَّم فى
ذهابه لربّه مغاضبًا وظنّه أن لن يُقدّر(٣) عليه، وفى(٤) حين ذلك.
فقال بعضهم : كان ذلك منه قبل دعائه القوم الذين أرسل إليهم ، وقبل
إبلاغه إياهم رسالة ربِّه؛ وذلك أنّ القوم الذين أرسل إليهم لما حضرهم عذاب
اللّه أمر بالمصير إليهم؛ ليعلمهم ما قد أظلّهم من ذلك ، لينيبوا مِمَّا هم عليه
مقيمون مما يسخَطه اللّه، فاستنظر ربَّه المصيرَ إليهم، فلم يُنظِرْه، فغضب
لاستعجال الله إياه للنفوذ لأمره وترك إنظاره.
(١) سورة يونس ٩٨ .
(٢) سورة الأنبياء ٨٨،٨٧ .
(٣) كذا فى ت: وفى ط: ((نقدر)) .
(٤) ح، ل: ((فى)) بدون واو.

١٢٠
. ذكر من قال ذلك :
حدَّثنى الحارث، قال : حدّثنا الحسن الأشيب، قال : سمعت أبا هلال
محمد بن سُلَيْم، قال: حدّثنا شهر بن حَوْشب ، قال : أتاه جبريل عليه
السلام - يعنى يونس - وقال: انطلق إلى أهل نينَوَى، فأنذِرْهم أنّ العذاب
قد حضرهم . قال : ألتمسُ دابَّة ، قال : الأمر أعجل من ذلك ، قال :
ألتمسُ حذاء ، قال: الأمر أعجل من ذلك ، قال : فغضب، فانطلق إلى
السفينة فركب ، فلما ركب احتبست السفينة لا تَقدّمُ ولا تأخَّرُ. قال :
فساهموا. قال: فَسُهِم(١)، فجاء الحوت يبصبص بذنبه، فنودى الحوت:
أيا حوت ؛ إنا لم نجعل يونس لك رزقاً ، إنّما جعلناك له حِرْزاً ومسجداً،
٧٨٤/١ فالتقمه الحوت، فانطلق به من ذلك المكان حتى مرّ به على الأيلّة(٢)، ثم انطلق
حَتَّى مرَّ به على دِجِلة ، ثم انطلق به حتى ألقاه فى نينَوَى(٣).
حدَّثبنى الحارث، قال : حدّثنا الحسن ، قال : حدّثنا أبو هلال، قال:
حدّثنا شهر بن حَوْشب، عن ابن عباس، قال: إنّما كانت رسالة يونس بعد
ما نبذه الحوت .
وقال آخرون: كان ذلك منه بعد دعائه مَنْ أرسل إليهم إلى ما أمره الله
بدعائهم إليه، وتبليغه إياهم رسالة ربِّه، ولكنّه وعدهم نزول ما كان حذَّرهم
من بأس اللّه فى وقت وقّتَه لهم، ففارقهم إذ لم يتوبوا ولم يراجعوا طاعة اللّه والإيمان،
فلما أظلّ القومَ عذابٌ الله، فغشيهم - كما وصف الله فى تنزيله - تابوا إلى
اللّه ، فرفع الله عنهم العذاب ، وبلغ يونس سلامتهم وارتفاع العذاب الذى
كان وعد هموه، فغضب من ذلك ، وقال: وعدتهم وعداً، فكذّب وعدِى !
فذهب مغاضبًا ربَّه ، وكره الرجوع إليهم وقد جرَّبوا عليه الكذب .
(١) سهم، بالبناء للمجهول ، أى غلب.
(٢) ط: ((الأبلة))، وما أثبته من ت، والتفسير.
(٣) الخبر فى التفسير ٢٣: ٦٧ (بولاق).

١٣
ذكر بعض من قال ذلك :
#
حد ◌ّثنا ابن حُمید، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن یزید بن
زياد ، عن عبد الله بن أبى سلمة، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عبّاس ،
قال : بعثه الله تعالى - يعنى يونس - إلى أهل قريته، فردُّوا عليه ما جاءهم
به ، وامتنعوا منه، فلما فعلوا ذلك أوْحَى اللّه إليه: إنَّ مرسل عليهم العذاب
فى يوم كذا وكذا ، فاخرُجْ من بين أظهرهم. فأعلَمَ قومَه الذى وعدهم الله من
عذابه إياهم ، فقالوا : ارمُقوه ، فإن هو خرج من بين أظهركم فهو والله كائن
ما وعدكم . فلما كانت الليلة التى وُعدوا العذاب فى صبيحتها أدلج وراءه
القوم ، فحذروا. فخرجوا من القرية إلى بتراز(١) من أرضهم ، وفرّقوا بين كلّ
دابَّة وولدها ، ثم عجوا إلى اللّه واستقالوه فأقالهم. وتنظّر يونس الخبر عن
القرية وأهلها حتى مرّ به مارّ ، فقال : ما فعل أهل القرية ؟ فقال : فعلوا
أنّ نبيَّهم لمّا خرج من بين أظهرهم عرفوا أنه صدقهم ما وعدهم من العذاب ،
فخرجوا من قريتهم إلى براز من الأرض، وفرقوا(٢) بین کل ذات ولد وولدها،
ثم عجّوا إلى الله وتابوا إليه، فقبل منهم، وأخّر عنهم العذاب. قال: فقال
يونس عند ذلك وغضب: والله لا أرجع إليهم كذَّابًا أبداً، وعدتُهم العذاب
فى يوم ، ثم رُدّ عنهم! ومضى على وجهه مغاضبًا لربّه فاستزله الشيطان(٣).
٧٨٥/١
حدثنى المثنى بن إبراهيم ، قال : حدثنا إسحاق بن الحجاج ، قال :
حدّثنا عبد الله بن أبى جعفر، عن أبيه، عن الربيع [ بن أنس ](٤)، قال:
حدّثنا رجل قدقرأ القرآن فى صدره فى إمارة عمر بن الخطاب، فحدّث عن قوم يونس
حيث أنذر قومَه فكذّبوه ، فأخبرهم أنه مصيبهم العذاب وفارقهم ،
فلما رأوا ذلك وغشيتهم العذاب ؛ لكنّهم (٥) خرجوا من مساكنهم ، وصعدوا
(١) البراز: الفضاء الواسع الخالى من الشجر.
(٢) ت: ((ثم فرقوا)).
(٣) الخبر فى التفسير ١٧: ٦١ (بولاق)
(٤) من التفسير .
(٥) كذا ورد الاستدراك هنا بلفظ ((لكنهم))، وورد بعد بلفظ ((لكنه))، فى التاريخ
والتفسير ؛ وهو غير واضح .

١٤
فى مكان رفيع، وأنهم جأروا إلى ربّهم ، ودعوه مخلصين له الدين أن يكشف
عنهم العذاب ، وأن يرجع إليهم رسولهم ، قال : ففى ذلك أنزل الله تعالى :
﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمانُهَا إِلَّ قَوْمَ يوُنَسَ لَمَّا آمَنُوا
كَثَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْىِ فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينِ﴾(١).
٧٨٦/١
فلم يكن قرية غشيتها العذابُ ثم أمسك عنها إلاّ قوم يونس خاصّة، فلما رأى
ذلك يونس ، لكنّه ذهب عاتبًا على ربه، وانطلق مغاضبًا، وظنّ أنْ لن
يُقْدَر عليه، حتى ركب سفينة، فأصاب أهلها عاصف من الريح(٣). فقالوا:
هذه بخطيئة أحدكم . وقال يونس - وقد عرف أنه هو صاحب الذنب : هذه
بخطيئى ، فألقُونى فى البحر . وإنّهم أبوْا عليه حتى أفاضوا بسهامهم ،
﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾(٢)، فقال لهم: قد أخبرتكم أنّ هذا
الأمرَ بذنبى. وإنّهم أبوًا عليه أن يُلقوه فى البحر، حتى أفاضوا بسهامهم الثانية؛
﴿فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾. فقال لهم: قد أخبرتكم أنّ هذا الأمر بذنبى ،
وإنّهم أبوًا عليه أن يُلقوه فى البحر حتى أفاضوا بسهامهم الثالثة ،
﴿فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾. فلما رأى ذلك ألقى نفسه فى البحر ، وذلك
تحت الليل، فابتلعه الحوت ﴿فَنَادَى فِى الظُّلُمَاتِ ﴾(٣) -وعرف الخطيئة .-
﴿أَنْ لَا إِلَّهَ إِلَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِّى كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ)(٣) . وكان قد سبق
له من العمل الصالح، فأنزل الله فيه فقال: ﴿ فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ
الْمُسبِّحِينَ، لَلَبِثَ فِى بَطْنِهِ إِلَى يَوْمٍ يُبْعَثُونَ)؛ وذلك أنّ العمل الصالح يرفع
صاحبه إذا عثَر؛ ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ﴾(٤). وألقى على ساحل البحر،
وأنبت اللّه عليه شجرة من يَقْطين - وهى فيما ذكر - شجرة القرع يتقطّر عليه
(١) سورة يونس ٩٨.
(٢) الخبر إلى هنا فى التفسير ١٥: ٢٠٨، ٢٠٩
(٣) سورة الصافات ١٤١؛ وفى التفسير: ((فساهم: فقارع. ومن المسهومين: من
المغلوبين، يقال منه: أدحض اللّه حجة فلان فدحضت، أى أبطلها فبطلت)).
(٤) سورة الصافات ١٤٣ - ١٤٥ .
(٣) سورة الأنبياء ٨٧ .

١٥
من اللبن ؛ حتى رجعت إليه قُوَّته. ثم رجع ذاتَ يوم إلى الشجرة ١ /٧٨٧
فوجدها قد يبست، فحزِن وبكى عليها ، فعوتب فقيل له : أحزِنْتَ على
شجرة ، وبكيت عليها ولم تحزن على مائة ألف أو زيادة أردت هلاكهم
جمیعًا !
ثم إنّ اللّه اجتباه من الضّلالة، فجعله من الصالحين، ثم أمر أن يأتى
قَوَمَه ويُخبِرَهم أنَّ اللّه قد تاب عليهم. فعمَد إليهم ، حتى لقىَ راعيًا ،
فسأله عن قوم يونس وعن حالهم ، وكيف هم ؟ فأخبره أنهم بخير ، وأنهمْ
على رجاء أن يرجع إليهم رسوُلُهم، فقال له: فأخبِرْهم أنّى قد لقيت يونس.
فقال : لا أستطيع إلا بشاهد ، فسمى له عنزاً من غنمه ، فقال : هذه تشهد
لك أنّك قد لقيت يونس ، قال : وماذا ؟ قال : وهذه البقعة التى أنت فيها
تشهد لك أنّك قد لقيت يونس . قال : وماذا ؟ قال : وهذه الشجرة تشهد
لك أنّك قد لقيت يونس . وإنه رجع الراعى إلى قومه فأخبرهم أنه لقى يونس
فكذّبوه وهَمُّوا به شرًّا، فقال : لا تعجلوا علىّ حتى أصبح، فلما أصبح
غَدًا بهم إلى البقعة التى لقىّ فيها يونس فاستنطقها، فأخبرته أنه لقى يونس ،
وسأل العنز ، فأخبرتهم أنه لقىَ يونس ، واستنطقوا الشجرة ، فأخبرتهم
أنّه قد لفىَ يونس . ثم إن يونس أتاهم بعد ذلك . قال:
﴿ وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةٍ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ، فَآمَنُوا فَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾(١).
حدّثّنى الحسين بن عمرو بن محمد العَنْقزىّ(٢)، قال: حدّثنا أبى، عن
إسرائيل، عن أبى إسحاق ، عن عمرو بن ميمون الأودىّ، قال: حدثنا !/٨٨
ابن مسعود فى بيت المال ، قال : إنّ يونس كان وعد قومه العذاب ؛ وأخبرهم
أنه يأتيهم إلى ثلاثة أيام ، ففرّقوا بين كلّ والدة وولدها ، ثم خرجوا فجأروا
إلى اللّه، واستغفروه ، فكفّ اللّه عنهم العذاب ، وغدا يونس ينتظر
العذاب ، فلم ير شيئًا، وكان مَنْ كذب ولم يكن (٣) له بينة قتل
(١) سورة الصافات ١٤٧، ١٤٨.
(٢) ط: ((العبقرى))، والصواب ما فى الباب لابن الأثير وانظر التصويبات.
(٣) ت: ((تكن)).

١٦
فانطلق مغاضبا ﴿فَنَادَىِ فِىِ الظَّلُمَاتِ)، قال: ظلْمة بطن الحوت، وظلمة الليل،
وظلْمة البحر .
حدّثنا ابنُ حميد، قال: حدّثنا سلمة، عن ابن إسحاق ، عمّن حد ◌ّثه
عن عبد الله بن رافع، مولى أم سلمة زوج (١) النبى صلّى الله عليه وسلَّم،
قال نسمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: لما أراد الله
حبس يونس فى بطن الحوتِ أوحى الله إلى الحوت أنْ خُذْه ولا تخدش
له لحمًا ، ولا تكسر عظمًا، فأخذه ، ثم هَوَى به إلى مسكنه من البحر.
فلما انتهى به إلى أسفل البحر ، سمع يونس حسًا ، فقال فى نفسه : ما هذا ؟
فأوحى الله إليه وهو فى بطن الحوت: إنّ هذا تسبيح دوابٌ البحر . قال :
فسبّح وهو فى بطن الحوت، قال : فسمعت الملائكة تسبيحه، فقالوا : يا ربنا،
إنا لنسمع صوتًا ضعيفًا بأرض غريبة . قال : ذلك عبدى يونس ، عصانى
فحبسته فى بطن الحوت فى البحر ، قالوا : العبد الصالح الذى كان
يصعد إليك منه فى كلّ يوم وليلة عمل صالح ! قال : نعم ، قال : فشفعوا له
عند ذلك. فأمِرَ الحوت، فقذفه فى الساحل كما قال الله: ﴿ وَهُوَ سَقِيمٌ﴾،
وكان سقمه الذى وصفه الله به، أنّه ألقاه الحوت على الساحل كالصبىّ المنفوس (٢)،
قد بُشِير(٣) اللحم والعظم(٤)
٧٨٩/١
حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق ، عن يزيد
ابن زياد، عن عبد الله بن أبي سللة ٤ عن سعيد بن جُبير ، عن ابن عباس،
قال: خرج به لل شيفى الحوت ، حتى لفظه فى ساحل البحر، فطرحه مثل
الاستئ المنفوس، لم ينقص من خلقه شىء
حدّثنى يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : حدّثنى أبو صخر ،
(١) كذا فى ت، وفى ط: ((زوجة)).
(٢) المنفوس : حديث العهد بالولادة.
(٤) الخبر فى التفسير ٢٣: ٦٧ (بولاق).
(٣) ت: ((نشز))، والتفسير ((نشر)).
وفى ط: ((تنشر)).

١٧
قال : أخبرنى ابن قُسيط أنه سمع أبا هريرة يقول: طُرح بالعراء، فأنبت الله
عليه يقْطينةً، فقلنا : يا أبا هريرة ، وما اليقطينة ؟ قال : شجرة الدُّباء ،
هيَّأ الله له أروبّة(١) وحشية، تأكل من حَشَاش(٢) الأرض - أو هشاش
الأرض - فتفشَح (٣) عليه، فتُرْويه من لبنها كلَّ عشيّة وبُكْرة ،
حتى نبت (٤) .
#
ومما كان أيضاً فى أيام ملوك الطوائف :
(١) الأدوية، بالضم والكسر: أنثى الوعول.
(٢) حشاش الأرض وهشاشها : يابس النبات.
(٣) يقال : فشحت الدابة، إذا فرجت ما بين رجليها .
(٤) الخبر فى التفسير ٢٣: ٦٦ (بولاق).
ج ٢ (٢)

١٨
إرسال الله رسله الثلاثة
الذين ذكرهم فى تنزيله ، فقال: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاَ أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ
٧٩٠/١ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ. إذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّوْنَا بِثَالِثٍ
.... )،(١) الآيات التى ذكر تعالى ذكره فىخبرهم.
فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُون.
واختلف السلف فى أمرهم ، فقال بعضهم : كان هؤلاء الثلاثة - الذين
ذكرهم الله فى هذه الآيات، وقصَّ فيها خبرهم - أنبياء ورسلا أرسلهم إلى بعض
ملوك الرّوم ، وهو أنطيخس ، والقرية التى كان فيها هذا الملك الذى أرسل
اللّه إليه فيها هؤلاء الرسل أنطاكية .
• ذكر من قال ذلك :
حدّثنا ابن حُصَيد، قال : حدثنا سلمة، قال : كان من حديث صاحب
(س)) - فيما حدثنا محمدبن إسحاق - قال: ممّا بلغه عن كعب الأحبار، وعن
وهب بن منبه اليمانىّ، أنه كان رجلاً من أهل أنطاكية ، وكان اسمه حبيبًا
وكان يعمل الحرير ، وكان رجلا سقيماً قد أسرع فيه الجُذام ، وكان منزله
عند باب من أبواب المدينة قاصيًا ، وكان مؤمنًا ذا صدقة ، يجمع كسبه إذا
أمسى - فيما يذكرون - فيَقسمه نصفين، فيُطْعِمِ نصفًا عياله، ويتصدّق
بنصف، فلم يهمَّ سُقْمه ولا عمله ولا ضعفه حين طَهّر قلبه ، واستقامت
فطرته ، وكان بالمدينة التى هو بها ؛ مدينة أنطاكيةً ، فرعون من الفراعنة يقال
له أنطيخس بن أنطيخس بن أنطيخس (٢)، يعبد الأصنام، صاحبُ شِرْك
(١) سورة يس ١٣ وما بعدها .
(٢) التفسير: ((أبطيحس)).

١٩
فبعث الله المرسلين، وهم ثلاثة: صادق وصدوق وشلوم(١)، فقدّم الله إليه ٧٩١/١
وإلى أهل مدينته(٢) منهم اثنين، فكذ بوهما، ثم عزّز الله بثالث.
وقال آخرون : بل كانوا من حواريّى عيسى بن مريم، ولم يكونوا رسلاً
اللّه، وإنما كانوا رسل عيسى بن مريم، ولكن إرسال عيسى بن مريم إياهم ،
لمّا كان عن أمر الله تعالى ذكره إياه بذلك، أضيف إرساله إياهم إلى الله، فقيل:
﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إلَيْهِمُ أْغَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾.
* ذكر من قال ذلك :
؟
حدّثْنا بِشْر بن معاذ، قال: حدّثنا يزيد بن زُريع، قال : حدثنا سعيد،
عن قتادة، قوله: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا
الْمُرْسَلُونَ، إِذْ أَرْسَلْنَا إلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزِّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا
إِنَّا إلَيْكُمْ مُرْسَلُون). قال: ذكر لنا أنّ عيسى بن مريم بعث رجلين
من الحواريّين إلى أنطاكيةَ، مدينة بالروم ، فكذّ بوهما، فأعزّهما بثالث،
﴿فَقَالُوا إِنَّا إلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ ... )، الآية.
رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق ، فلما دعتْه الرسل ، ونادته بأمر
الله ، وصد عت بالذى أمرت به ، وعابت دينهم وما هم عليه، قال{ أصحاب
القرية] (٣) لهم: ﴿إِنَّا تَطَّرْنَا بِكُمْ لَيْنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَتَرْجُمَّنَّكُمْ وَلَيَمَّنَّكُمْ مِنَّا
عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾(٤). قالت لهم الرسل: ﴿طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾، أى أعمالكم،
﴿أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾. فلما أجمع هو وقومه على قتل
الرسل بلغ ذلك حبيبًا(٥)، وهو على باب المدينة الأقصى، فجاء يسعى إليهم ٧٩٢/١
(١) التفسير: ((سلوم)).
(٢) ح، ل: ((المدينة)).
(٣) زيادة يقتضيها السياق.
(٤) الخبر إلى هنا فى التفسير ٢٢: ١٠١ (بولاق)
(٥) قال فى التفسير: ((اسمه - فيما ذكر - حبيب بن مرى)).

٢٠
يذكرهم اللّه، ويدعوهم إلى اتّباع المرسلين، فقال: ﴿يَا قَوْمِ أَتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ.
أَتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَ لُكُمْ أَجْراً وهُمْ مُهْتَدُون﴾. أى لا يسألونكم أموالكم على
ما جاءوکم به من الهدى، وهم لكم ناصحون فاتبعوهم تهتدوا بهداهم .
حدّثنا بشر بن معاذ ، قال: حدثنا يزيد : قال : حدّثنا سعيد ، عن
قتادة ، قال : لما انتهى - يعنى حبيبًا - إلى الرسل، قال: هل تسألون على هذا
من أجر ؟ قالوا: لا، فقال عند ذلك: ﴿يَا قَوْمِ أُتْبِعُوا الْمُرْسَلِينَ.
أَتَّبِعُوا مَنْ لَا يَنْأَ لُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُون﴾.
رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق : ثم ناداهم بخلاف ما هم عليه
من عبادة الأصنام ، وأظهر لهم دينه وعبادة ربه ، وأخبرهم أنه لا يملك نفعه
ولا ضرّه غيره، فقال: ﴿وَمَالِىَ لَا أَعْبُدُ الَّذِى فَطَرَفِى وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ.
أَتَخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً) إلى قوله: ﴿إِنِّى آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَأَسْمَعُونِ﴾.
أى آمنت بربكم ، الذى كفرتم به، فاسمعوا قولى . فلما قال لهم ذلك وثبوا عليه
وثبة رجل واحد فقتلوه ، واستضعفوه لضعفه وسقمه ، ولم يكن أحد يدفع عنه .
حدّثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلّمة، قال: حدّثنى ابن إسحاق، عن
بعض أصحابه ، أنّ عبد الله بن مسعود كان يقول: وطئوه بأرجلهم ، حتى
خرج قُصْبُه من دبُره (١) .
وقال الله له : ادْخلِ الجنّة ، فدخلها حيًا يرزق فيها ، قد
أذهب الله عنه ستقتم الدنيا وحزنها ونَصبها، فلما أفضى إلى رحمة اللّه وجنَّتَه
وكرامته ، قال: ﴿يَا لَيْتَ قَوْمِى يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِ رَبِّ وَجَعَلَمِى مِنَ
الْمُكْرَ مِينَ﴾. وغضب اللّله لاستضعافهم إياه غضبةً لم يُبْقِ [معها] من القوم
شيئًا فعجَّل لهم النقمة بما استحلُّوامنه وقال: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ
مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ﴾، يقول : ما كابدناهم بالجموع ،
٢٩٣/١
(١) القصب: المعى. والخبر فى التفسير ٢٢: ١٠٤ (بولاق)