Indexed OCR Text

Pages 601-620

٦٠١
فانفتحت له ، فدخل فيها ، وهذا هُدب ردائه ، فعمدوا فقطعوا الشجرة،
وهو فيها بالمناشير ، وليس تجد يهوديًا إلا تلك الهدية فى ردائه ؛ فلما ولد
عيسى لم يبق فى الأرض صنم يعبد من دون الله إلا أصبح ساقطًا لوجهه.
٧٣٥/١
حدثنى المثنّى، قال : حدثنا إسحاق بن الحجاج ، قال : حدثنا إسماعيل
ابن عبد الكريم ، قال: حدثنى عبد الصمد بن معقل ، أنه سمع وهبًا يقول:
إن عيسى بن مريم عليه السلام لما أعلمه الله أنه خارج من الدنيا جزع
من الموت ، وشَقّ عليه ، فدعا الحواريين ، فصنع لهم طعامًا ، فقال :
احضر وفى الليلة، فإن لى إليكم حاجة، فلما اجتمعوا إليه من الليل، عشّاهم وقام
يخدمُهم ، فلما فرغوا من الطعام أخذ يغسل أيديهم ويوضئهم بيده(١)، ويمسحُ
أيديهم بثيابه ، فتعاظموا ذلك وتكارهوه ، فقال: ألا من ردّ علىّ شيئًا الليلة
مما أصنع فليس منّى ولا أنا منه ! فأقرّوه حتى إذا فرغ من ذلك قال : أمّا
ما صنعت بكم الليلة مما خدمتكم على الطعام، وغسلت أيديكم بيدىّ، فليكن لكم
بى أسوة؛ فإنكم تروْن أنى خيركم، ولا يتعظمْ بعضكم على بعض، وليبذُلْ
بعضكم نفسه لبعض؛ كما بذلت نفسى لكم . وأما حاجتى
التى أستعينكم عليها ، فتدعون الله لى ، وتجتهدون فى الدعاء أن يؤخر أجَلِ،
فلمّا نصبوا أنفسهم للدعاء، وأرادوا أن يجتهدوا، أخذهم النوم؛ حتى لم يستطيعوا
دعاء ، فجعل يُوقظهم ، ويقول : سبحان الله! ما تصبرون لى ليلة واحدة
تعينونى فيها! قالوا: والله ما ندرى ما لنا! لقد كنا نسمُر فنكثِرِ السَّمَرَ،
وما نطيق الليلة سَمَرًا، وما نريد دعاءً إلا حيل بيننا وبينه! فقال: يُذْهَب
بالراعى وتتفرق الغنم . وجعل يأتى بكلام نحو هذا ، ينعى به نفسه ، ثم قال :
الحقُّ ليكفرن" بى أحدكم، قبل أن يصيحَ الديكُ ثلاث مرات؛ وليبيعنِّى
أحدكم بدراهم يسيرة ، وليأكلنّ ثمنى . فخرجوا فتفرّقوا ؛ وكانت اليهود تطلبه ،
فأخذوا شمعون، أحد الحواريين ، فقالوا : هذا من أصحابه ، فجحد وقال :
ما أنا بصاحبه ، فتركوه، ثم أخذه آخرَ فجحد كذلك، ثم سمع صوت ديك ،
٧٣٦/١
(١) ت، ح: ((ويوصيهم).

٦٠٢
فبكى ، فلما أصبح أتى أحدُ الحواريين إلى اليهود ، فقال: ما تجعلون لى إن
دللتُكم على المسيح ؟ فجعلوا له ثلاثين درهمًا، فأخذها ودلَّهم عليه- وكان
شُبَّه عليهم قبل ذلك - فأخذوه ، فاستوثقوا منه ، وربطوه بالحبل ، فجعلوا
يقودونه ، ويقولون: أنت كنتَ تحيي الموتى ، وتنتهر الشيطان ، وتبرئ المجنون،
أفلا تفتح نفسك من هذا الحبل ! ويبصقون عليه ، ويُلقُون عليه الشوكَ،
حتى أتوا به الخشبة التى أرادوا أن يصلبوه عليها ، فرفعه الله إليه ، وصلّبوا
ما شُبِّه لهم، فمكث سبعًا . ثم إن أمه والمرأة - التى كان عيسى يداويها فأبرأها
اللّه من الجنون - جاءتا تبكيان عند المصلوب ، فجاءهما عيسى عليه السلام،
فقال: على مَنْ تبكيان ؟ فقالتا : عليك، فقال: إنى قد رفعنى الله
إليه، ولم يُصبِى إلاّ خير، وإنّ هذا شىء شُبِّه لهم، فأمُرا الحواريين أن
يلقونى إلى مكان كذا وكذا ، فلقوه إلى ذلك المكان أحدَ عشر ، وفقد الذى
كان باعه ، ودلّ عليه اليهود ، فسأل عنه أصحابه ، فقالوا : إنه ندم على
ما صنع، فاختنق وقتل نفسه، فقال: لوتاب تاب الله عليه ! ثم سألهم عن غلام
يتبعهم يقال له يحيى، فقال : هو معكم، فانطلقوا فإنه سيصبح كلّ إنسان
منكم يحدّث بلغة قوم(١) فلينذرهم وليد عْه .
٧٣٧/١
حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق ، عمن لا يتّهم،
عن وَهْب بن منبّه اليمانىِّ، قال: توفّى اللّه عيسى بن مريم ثلاثَ ساعات
من النهار ، حتى رفعه الله إليه .
حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق : والنصارى
يزعمون أنه توفّاه الله سبع ساعات من النهار؛ ثم أحياه الله، فقال له: اهبط،
فأنزل على مريم المجدلانية فى جّلها ، فإنه لم يبك عليك أحد بكاءها ، ولم يحزن
عليك أحد حزنها ؛ ثم لتجمعْ(٢) لك الحواريين، فبُثَّهم فى الأرض ◌ُدُعاةً"
إلى الله، فإنك لم تكن فعلت ذلك . فأهبطه اللّه عليها ، فاشتعل الجبل حين
(١) ح: ((قومه)).
(٢) ن: ((ثم ليجتمع لك الحواريون)).

٦٠٣
هبط نوراً ، فجمعتْ له الحواريّين ، فبثّهم وأمرهم ، أن يبلّغوا الناس عنه
ما أمره الله به، ثم رفعه اللّه إليه، فكساه الريش، وألبسه النور ، وقطع عنه
لذة المطعم والمشرب ، فطار فى الملائكة وهو معهم حول العرش، فكان إنسَّيًا
ملكيا سمائيًا أرضيًّا، وتفرق الحواريون حيث أمرهم ؛ فتلك الليلة التى أهبط
فيها الليلة التى تدخن فيها النصارى .
٧٣٨/١
وكان ممن وجّه من الحواريين والأتباع الذين كانوا فى الأرض بعدهم، فطرس
الحوارىّ ومعه بولس-وكان من الأتباع ، ولم يكن من الحواريين- إلى رومية ،
وأندراييس ومثى (١) إلى الأرض التى يأكل أهلها الناس - وهى فيما نرى
للأساود - وتوماس إلى أرض بابل من أرض المشرق ، وفيلبس إلى القيْرَوان
وقرْطاجنّه ؛ وهى إفريقيّة، ويُحنّس إلى دفسوس (٢)؛ قرية الفتية أصحاب
الكهف، ويعقوبس إلى أورِيَشليم ، وهى إيليا بيت المقدس ، وابن تلما إلى
العرابية ، وهى أرض الحجاز ، وسيمن إلى أرض البربر دون أفريقيَّة، وبهوذا
- ولم يكن من الحواربين - إلى أريوبس(٣)، جُعِل مكان يوذس زكريا يوطا،
حين أحدث ما أحدث .
حدثنا ابنُ حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن عمر
ابن عبد الله بن عروة بن الزبير، عن ابن سُليم الأنصارىّ، ثم الزُّرَقىّ ،
قال : كان على امرأة منَّا نَذْرٌ؛ لتظهرنّ على رأس الجمَّاء - جبل بالعقيق
من ناحية المدينة - قال: فظهرتُ معها، حتى إذا استوينا على رأس الجبل ، إذا
قبرٌ عظيم ، عليه حجران عظيمان ؛ حجر عند رأسه ، وحجر عند رجليه ؛
فيهما كتاب بالمسند ، لا أدرى ما هو ! فاحتملتُ الحجَريْن معى ؛ حتى
إذا كنت ببعض الجبل منهبطًا ثقُلا علىّ، فألقيت أحدهما وهبطت
(١) ت: ((ومتى))، ن: ((ومشى)).
(٢) كذا فى ط ؛ وفى ياقوت: ((أفسوس، بضم الهمزة وسكون الفاء والسينان مهملتان
والواو ساكنة : بلد بشغور طرسوس؛ يقال إنه بلد أصحاب الكهف)).
(٣) ت: ((أرميقس))، ن : ((أربويس)).

٦٠٤
٧٣٩/١
بالآخر ، فعرضتُه على أهل السريانية: هل يعرفون كتابَهُ(١)؟ فلم يعرفوه ،
وعرضتُه على مَنْ يكتب بالزّبور من أهل اليمن ، ومن يكتب بالمسند فلم
يعرفوه. قال: فلما لم أجد أحداً ممَّن يعرفه ألقيتُه تحت تابوت لنا، فمكث
سنين ، ثم دخل علينا ناس من أهل ماه من الفرس يبتغون(٢) الخرو، فقلت
لهم : هل لكم من كتاب ؟ فقالوا: نعم ، فأخرجتُ إليهم الحجر، فإذا هم
يقرءونه، فإذا هو (٣) بكتابهم : هذا قبر رسول الله عيسى بن مريم
عليه السلام إلى أهل هذه البلاد ؛ فإذا هم كانوا أهلها فى ذلك الزمان، مات
عندهم فدفنوه على رأس الجبل .
حدّثنا ابن حميد ، قال: حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : ثم
عدوًا على بقية الحواريِّين يشمسونهم ويعذبونهم ، وطافوا بهم ، فسمع بذلك
ملك الروم - وكانوا تحت يديه ، وكان صاحبَ وثن - فقيل له : إن رجلا
كان فى هؤلاء الناس الذين تحت يديك من بنى إسرائيل عدوًا عليه فقتلوه ، وكان
يخبرهم أنه رسول الله « قد أزاهم العجائب ، وأحيا لهم الموتى ، وأبرأ لهم الأسقام ،
وخَلَق لهم من الطين كهيئة الطير، ونفخ فيه فكان طائراً(٤) بإذن الله،
وأخبرهم بالغيوب . قال: ويحكم! فما منعكم أن تذكروا هذا لى من أمره وأمرهم!
فوالله لو علمت ما خلّيتُ بينهم وبينه . ثم بعث إلى الحواريين ، فانتزعهم
من أيديهم ، وسألهم عن دين عيسى وأمْرِه ، فأخبروه خبره ، فتابعهم على
دينهم ، واستنزل سرجس(٥) فغيبه، وأخذ خشبته التى صلب عليها، فأكرمها
وصانها لما مستَّها منه ، وعدا على بنى إسرائيل ، فقتل منهم قتلى كثيرة ؛ فمن
هنالك كان أصلُ النصرانية فى الروم .
٧٤٠/١
٠ ٠
وذكر بعض أهلِ الأخبار أنّ مولد عيسى عليه السلام كان لمضىّ اثنتين
وأربعين سنة من مُلْك أغوسطوس، وأنّ أغوسطوس عاش بعد ذلك بقيّة ملكه،
(٢) ت: ((يبيعون)).
(١) ن: ((كتابته)».
(٣) ح: ((((فيه)).
(٥) ح: ((سرحين)).
(٤) ح: ((طيرا)).

٦٠٥
وكان جميع ملكه ستا وخمسين سنة - قال بعضهم : وأياما .
قال : ووثبت اليهود بالمسيح، والرياسة ببيت المقدس فى ذلك الوقت لقيصر،
والملك على بيت المقدس من قِبَل قيصير هيردوس الكبير الذى دخلت عليه
رُسُلُ ملك فارس الذين وجَّههم الملك إلى المسيح، فصار إلى هيردوس غلطا،
وأخبروه أن ملك فارس بعث بهم ليقرّبوا إلى المسيح ألطافًا معهم من ذهب ،
ومرّ ولبان، وأنهم نظروا إلى نجمه قد طلع ، فعرفوا ذلك بالحساب ، وقرّبوا
الألطاف إليه ببيت لحم من فلسطين . فلما عرف هيردوس خبرهم كاد المسيح ،
فطابه ليقتله ، فأمر الله الملَك أن يقول ليوسف الذى كان مع مريم فى الكنيسة
ما أراد هيردوس من قتله، وأمره أن يهرب بالغلام وأمّه إلى مصر، فلما مات
هيردوس قال الملك ليوسف وهو بمصر : إن هيردوس قد مات ، وملك مكانه
أركلاوس ابنُه، وذهب مَنْ كان يطلب نفْس الغلام، فانصرف به إلى
ناصرة من فلسطين ليّمّ قول شعيا النبىّ: من مصر دعوتُك. ومات أركلاوس، وملك
مكانه هيردوس الصغير ، الذى صُلِب شبهُ المسيح فى ولايته ، وكانت الرياسة
فى ذلك الوقت لملوك اليونانية والروم، وكان هيردوس وولده من قبلهم ؛ إلاّ
أنهم كانوا يلقبون باسم الملك، وكان الملوك الكبار يلقبون بقيصر، وكان ملك
بيت المقدس فى وقت الصلب لهيردوس الصغير من قبل طيباريوس بن أغوسطوس
دون القضاء ، وكان القضاء لرجل رومىّ يقال له: فيلاطوس من قِبَل قيصر،
وكانت رياسة الجالوت ليونن بن بهبوثن .
٧٤١/١
قال : وذكروا أن الذى شُبّه بعيسى وضُلِب مكانه رجل إسرائيلىّ ،
يقال له : أيشوع بن فنديرا . وكان ملكُ طيباريوس ثلاثا وعشرين سنة وأياما
منها إلى وقت ارتفاع المسيح ثمانى عشرة سنة وأيام ؛ ومنها بعد ذلك خمس
سنين .

ذكر من ملك من الروم أرض الشام بعد رفع
المسيح عليه السلام
إلى عهد النبي صلى الله عليه وسلم فى قول النصارى
قال أبو جعفر : زعموا أن مُلْك الشام من فلسطين وغيرها صار بعد
طيباريوس إلى جايوس بن طيباريوس ، وأن ملكه كان أربع سنين .
ثم ملك بعده ابن له آخر ، يقال له : قلوديوس أربع عشرة سنة .
ثم ملك بعده نيرون، الذى قتل فطرس وبولس، وصلبه منكّسا، أربع
عشرة سنة .
ثم ملك بعده بوطلايوس ، أربعة أشهر .
ثم ملك بعده أسفسيانوس أبو ططوس الذى وجهه إلى بيت المقدس عشر
٧٤٢/١ سنين. ولمضىّ ثلاث سنين من ملكه وتمام أربعين سنة من وقت رفع عيسى
عليه السلام وَجّه أسفسيانوس ابنَه ططوس إلى بيت المقدس، حتى هد مه وقتل
مَنْ قتل من بنى إسرائيل غضبًا للمسيح
ثم ملك بعده ططوس بن أسفسيانوس، سنتين .
ثم من بعده دو مطيانوس، ست عشرة سنة .
ثم من بعده نارواس (١)، ست سنين .
ثم من بعده طرايانوس (٢)، تسع عشرة سنة .
ثم من بعده هدريانوس، إحدى وعشرين سنة .
ثم ملك من بعده ططورس (٣) بن بطيانوس؛ اثنتين وعشرين سنة .
ثم من بعده مرقوس وأولاده، تسع عشرة سنة .
ثم من بعده قوذوموس (٤)، ثلاث عشرة سنة .
(٢) ن: ((طرطانوس)).
(١) ت: ((باذاوس))، س: ((ثادواس)).
(٤) ح: ((قودموس))، س؛ ((قوروموس)).
(٣) س: ((طرطوس)).
٦٠٦

٦٠٧
ثم من بعده فرطناجوس، ستة أشهر.
ثم من بعده سبروس (١)، أربع عشرة سنة.
ثم من بعده أنطنياوس (٢)، سبع سنين.
ثم بعده مرقیانوس ، ستّ سنين .
ثم بعده أنطنيانوس، أربع سنين .
ثم الحسندروس ، ثلاث عشرة سنة .
ثم غسميانوس(٣)، ثلاث سنين.
ثم جوردیانوس ، ست سنين .
ثم بعده فليفوس ، سبع سنين .
ثم داقيوس ، ست سنين .
ثم قالوس ، ست سنين .
٧٤٣/١
ثم بعده والربيانوس وقاليونس (٤)، خمس عشرة سنة .
ثم قلودیوس ، سنة .
ثمّ من بعده قريطاليوس ، شهرين.
ثم أورليانوس ، خمس سنين .
ثم طيقطوس ، ستة أشهر .
ثم فولوريوس ، خمسة وعشرين يومًا .
ثم فرابوس ، ست سنين .
١
ثم قوروس وابناه، سنتين .
ثم دوقلطيانوس ، ست سنين .
ثم محسميانوس ، عشرين سنة .
ثم قسطنطينوس ، ثلاثين سنة .
ثم قسطنطين ، ثلاثين سنة .
ثم قسطنطين عشرين سنة .
(٢) ت، ن: ((أنطيناوس)).
(١) ت: ((شيروس))، ن: ((سريوس)).
(٣) ح: ((عسمانوش))، س: ((عسانوس))، ن: ((عسمانوس)).
(٤) ت: ((فاليوس)).

٦٠٨
ثم اليانوس المنافق ، سنتين .
ثم یویانوس ، سنة .
ثم والمطيانوس وغرطيانوس ، عشرسنين .
ثم خرطانوس ووالنطيانوس الصغير ، سنة .
ثم تياداسيس الأكبر ، سبع عشرة سنة .
ثم أرقديوس وأنوريوس ، عشرين سنة .
ثم تياداسيس الأصغر ووالنطيانوس ست عشرة سنة .
ثم مرقيانوس ، سبع سنين .
ثم لاون ، ست عشرة سنة .
ثم زانون ، ثمانى عشرة سنة . ثم أنسطاس، سبعا وعشرين سنة .
ثم يوسطنيانوس، سبع سنين .
١ / ٧٤٤
ثم يوسطنيانوس الشيخ ، عشرين سنة .
ثم يوسطينس (١) اثنتى عشرة سنة.
ثم طيباريوس، ست سنين .
ثم مريقيس وتاذاسيس ابنه ، عشرين سنة .
ثم فوقا الذى قُتل ، سبع سنين وستة أشهر .
ثم هِرَقْل الذى كتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثلاثين سنة.
فمن لدن عُمِر بيت المقدس بعد تخريبه(٢) بختنصّرُ إلى الهجرة- على قولهم-
ألف سنة ونيف، ومن مُلك الإسكندر إليها تسعمائة سنة ونيّف وعشرون سنة،
من ذلك من وقت ظهوره إلى مولد عيسى ثلثمائة سنة وثلاث سنين . ومن مولده
إلى ارتفاعه اثنتان وثلاثون سنة، ومن وقت ارتفاعه إلى الهجرة خمسمائة وخمس
وثمانون سنة وأشهر .
*
*
٠
وزعم بعض أصحاب الأخبار أن قتل بنى إسرائيل يحيى بن زكرياء كان
فى عهد أردشير بن بابك لثمانىَ سنين خلتْ من ملكه، وأن بختنصّر إنما صار
إلى الشأم لقتال اليهود من قِبل سابور الجنود ابن أردشير بن بابك
(١) ت، ح، ن: ((بوسطسين))، س: ((بوسطيس)).
(٢) ابن الأثير: ((بعد أن أخربه بختنصر)).

نزول قبائل
العرب الحيرة والأنبار أيام ملوك الطوائف
وكان من الأحداث أيامَ ملوك الطوائف إلى قيام أردشير بن بابك بالملك
- فيما ذكر هشام بن محمد - دفوّ مِنْ دنا من قبائل العرب من رِيفٍ
العراق ونزول مَنْ نزل منهم الحيرة والأنبار وما حوالى ذلك.
فحُدَّثْت عن هشام بن محمد، قال: لما مات بختنصّر انضم الذين كان ٧٤٥/١
أسكنّهم الحيرة من العرب حين أمر بقتالهم إلى أهل الأنبار وبقِىَ الحيرُ
خرابا ، فغبَرُوا بذلك زمانًا طويلا، لاتطلع عليهم طالعة من بلاد العرب ،
ولا يقدَمَ عليهم قادم، وبالأنبار أهلها ومن انضمّ إليهم من أهل الحيرة من
قبائل العرب من بنى إسماعيل وبنى معدّ بن عدنان؛ فلما كثر أولاد معدّ
ابن عدنان ومَنْ كان معهم من قبائل العرب، وملئوا بلادهم من تهامة وما یلیھم،
فرقتهم حروب وقعت بينهم، وأحداث حدثت فيهم ، فخرجوا يطلبون المتّسع
والريف فيما يليهم من بلاد اليمن ومشارف الشأم ، وأقبلت منهم قبائل حتى
نزلوا البحرین ، وبها جماعة من الأزْد کانوا نزلوها فى دهر عمران بن عمرو ،
من بقايا بنى عامر، وهو ماء السماء بن حارثة (٢)، وهو الغِطْريف بن ثعلبة بن
امرىء القيس بن مازن بن الأزد(٣) .
وكان الذين أقبلوا من تهامة من العرب مالك وعمر و ابنا فَهْم بن تيم اللّه
ابن أسد بن وبرة بن تَغْلِب بن حُلْوان بن عمران بن الحافِ بن قضاعة ،
ومالك بن زهير بن عمرو بن فَهْم بن تيم اللّه بن أسد بن وبرة، فى جماعة من
(١) ح، وابن الأثير: ((وبقيت مطيرة)) ....
(٢) ت ((حارية)).
(٣) فى معجم البلدان ٣: ٢٧٨: « ومازن هو جماع غسان، وغسان ماء شرب منه بنومازن
فسمواغسان ، ولم تشرب منه خزاعه ولا أسلم ولا بارق ولا أزدعمان ؛ فلا يقال لواحد من هذه القبائل
غسان، وإن كان من أولاد مازن)).
٦٠٩
(٣٠)

٦١٠
قومهم ، والحَيْقار(١) بن الحيق(٢) بن عمير بن قنص بن معدّ بن عدنان،
فى قَنَّص كلّها. ولحق بهم غطفان بن عمرو بن الطَّمئان بن عوذ مناة بن يَقْدُم
٧٤٦/١ ابن أفصَى بن دُعْمِىّ بن إياد بن نزار بن معد بن عدنان، وزُهْرُ (٣) بن
الحارث بن الشلل(٤) بن زهر بن إياد وصُبح، بن صبيح(٥) بن الحارث بن
أفْصى بنُ دُعْمِيّ بن زياد .
فاجتمع بالبحرين جماعة من قبائل العرب، فتحالفوا على التُّنُوخ .. وهو
المقام - وتعاقدوا على التوازر والتناصر، فصاروا بداً على الناس ، وضَمّهم
اسم تَنُوخ ، فكانوا بذلك الاسم ، كأنهم ◌ُمارة من العمائر.
قال : وتَنّخ عليهم بطون من نُمارة بن لحم . قال : ودعا مالك بن زهير
جذيمة الأبرش بن مالك بن فهم بن غانم بن دَوْس الأزدىّ إلى التُّنوخ معه،
وزوّجه أخته لميس ابنة زهير ، فَتَنخّ جَذِ يمة بن مالك وجماعة ممنّ كان بها
٧٤٧/١ من قومهم من الأزد، فصار مالك وعمرو ابنا فهم والأزد حُلَفاء دون سائر
تَنْوُخ ، وكلمة تَنْوُخ كلّها واحدة .
وكان اجتماع من اجتمع من قبائل العرب بالبحرين وتحالفهم وتعاقدهم أزمان
ملوك الطوائف الذین ملکهم الإسكندر، وفرّق البلدان بینهم عند قتلهدارا بن
دارا ملك فارس، إلى أن ظهر أردشير بن بابك ملك فارس على ملوك الطوائف،
وقهرهم ودَان له الناس ، وضبط له الملك .
قال: وإنما سموا ملوك الطوائف ؛لأنّ کلّ ملك منھم کانماکه قليلا من
الأرض ، إنما هى قصور وأبيات ، وحولها خندق وعدوّه قریبمنه، له من
الأرض مثل ذلك ونحوه ، يُغِير أحدُهما على صاحبه ثم يرجع كالخطفة .
قال: فتطلّعتْ أنفسُ مَنْ كان بالبحرين من العرب إلى ريف العراق ،
(١) ابن الأثير ١: ١٩٦ ومعجم البلدان: ((الحيقاد))، وابن خلدون ٢: ٤: ((الخفتار)).
(٢) معجم البلدان: ((الحيوة)).
(٣) ابن خلدون: ((زهير)).
(٤) ح: ((السلل)) وفى ابن خلدون: ((اليل)).
(٥) فى ط من غير نقط ؛ وما أثبته عن ابن خلدون.

٦١١
وطمعوا فى غلبة الأعاجم على ما يلى بلاد العرب منه أو مشاركتهم فيه ، واهتبلوا
ما وقع بين ملوك الطوائف من الاختلاف ، فأجمع رؤساؤهم بالمسير(١) إلى
العراق، ووطّن جماعة ممن كان معهم على ذلك ؛ فكان أول مَنْ طلع منهم
الحيقار بن الحيق فى جماعة قومه وأخلاط من الناس ، فوجدوا الأرمانيين
- وهم الذين بأرض بابل وما يليها إلى ناحية الموصل - يقاتلون الأردوانيين ،
وهم ملوك الطوائف؛ وهم فيما بين نِفّر(٢) - وهى قرية من سواد العراق إلى
الأبلة وأطراف البادية - فلم تَدِنْ لهم، فدفعوهم عن بلادهم .
قال : وكان يقال لعاد إرم ، فلما هلكت قيل لثمود إرم ، ثم سمّا
الأرمانيّين؛ وهم بقايا إرمَ ، وهم نَبَط السواد . ويقال لدمشق: إرم .
٧٤٨/١
قال : فارتفعوا عن سواد العراق وصاروا أشلاء بعدُ فی عرب الأنبار وعرب
الحيرة ، فهم أشلاء قنّص بن معدّ ، وإلیھم ینسب عمرو بن عدى بن نصر
ابن ربيعة بن عمرو بن الحارث بن سعود بن مالك بن عَمَ بن نُمارة بن لحم.
وهذا قول مضر(٣) وحمّاد الرواية ؛ وهو باطل، ولم يأت فى قَنّص
ابن معدّ شىء أثبتُ من قولُ جُبير بن مُطْعِمٍ: إِنّ النعمان كان من ولده .
قال : وإنما سمّيت الأنبار أنبار لأنها كانت تكون فيها أنابير الطعام ،
وكانت تسمَّى الأهراء(٤)، لأنّ كسرى يرزق أصحابه رزقهم منها .
قال : ثم طلع مالك وعمرو، ابنا فَهْم بن تيم اللّه ، ومالك بن زهير بن
فَهْم بن تيم اللّه، وغَطَفان بن عمرو بن الطَّمَثَان، وزهر بن الحارث وصُبْح
ابن صُبيح؛ فيمن تَنّخ عليهم من عشائرهم وحلفائهم على الأنبار ، على ملك
الأرْمانيين ، فطلع نُمارة بن قيس بن نُمارة ، والنجدة - وهم قبيلة من العماليق
يدعون إلى كندة - وعلكان بن كندة، ومالك وعمرو ابنا فَهْم ومَنْ حالفهم،
وتَنّخ معهم على نِفّر على ملك الأردوانيّين ، فأنزلهم الحِيرَ الذى كان بناه
(١) ابن الأثير ١: ١٩٦: ((على المسير)).
(٢) كذا ضبطها ياقوت: ((بكسر أوله وتشديد ثانيه وراء)).
(٣) ابن خلدون: ((عند نسابة مضر)).
(٤) قال ياقوت: ((فلما دخلتها العرب عربتها فقالت الأنبار)).

٦١٢
٧٤٩/١ بختنصّر لتجّار العرب الذين وُجدوا(١) بحضرته حين أمر بغزو العرب فى
بلادهم ، وإدخال الجيوش عليهم ، فلم تزل طالعة الأنبار وطالعة نفَّر على
ذلك ، لا يدينون للأعاجم ، ولا تدين لهم الأعاجم ؛ حتى قدمها تُبعّ - وهو
أسعد أبو كَرِب بن ملكيكرب- فى جيوشه، فخلّف بها مَنْ لم تكن به قوة
من الناس ، ومن لم يَقْوَ على المضىّ معه ، ولا الرجوع إلى بلاده، وانضمّوا
إلى هذا الخير ، واختلطوا بهم ؛ وفى ذلك يقول كعب بن جُعَيل بن عُجْرَة بن
قُمير بن ثعلبة بن عوف بن مالك بن بكر بن حُبيَب بن عمرو بن غَنْ بن
تغلب بن وائل :
وَغَزَا تُبَّعُ فِى حِْيَرَ خَّى تَزَلَ الْحِيْرَةَ مِنْ أَهْلٍ عَدَنْ
وخرج تبََّ سائراً ثم رجع إليهم، وأقاموا فأقرّهم على حالهم ، وانصرف
راجعًا إلى اليمن، وفيهم من كلّ القبائل من بنى لِحْيان؛ وهم بقايا جُرْهِمٍ؛
وفيهم جُعَفىّ، وطىء ، وكلب، وتميم؛ وليسوا إلا بالحيرة - يعنى بقاياجرهم.
قال ابن الكلبىّ : ◌ِحِيان بقايا جُرْهم.
ونزل كثير من تَنُوخ الأنبارَ والحيرةَ وما بين الحيرة إلى طفّ الفرات
وغربيّه، إلى ناحية الأنبار وما والاها فى المظال" والأخبية ، لا يسكنون بيوت
المدَر، ولا يجامعون أهلها فيها، واتَّصلت جماعتهم فيما بين الأنبار والحيرة ،
وكانوا يسمَّوْن عرب الضاحية ؛ فكان أول من ملك منهم فى زمان ملوك الطوائف
مالك بن فَهْم ، وكان منزله مما(٢) يلى الأنبار. ثم مات مالك ، فملك من
بعده أخوه عمرو بن فَهْم . ثم هلك عمرو بن فهم ، فملك من بعده جذيمة
الأبرش بن مالك بن فَهْم بن غَتم (٣) بن دَوْس الأزدىّ.
٧٥٠/١
قال ابن الكلبىّ: دَوْس بن عُدْثان بن عبد الله بن نصر بن زَهْران
لبن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد بن
(١) كذا فى ح، وفي ط: ((وجد»
(٢) ت، ح: ((في)).
(٣) فى ط ((غانم))، والصواب يا أثبته من جمهرة الأنساب ٣٥٨.

٦١٣
الغوث بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ .
*
*
قال ابن الكلبىّ : ويقال إن جذيمة الأبرش من العاربة الأولى ، من
بنى وَبَار بن أميم بن لوذ بن سام بن نوح . قال : وكان جذيمة من أفضل
ملوك العرب رأيا ، وأبعدهم مُغاراً ، وأشدّهم نِكاية، وأظهرهم حزماً ، وأوّل
من استجمع له الملك بأرض العراق ؛ وضمّ إليه العرب، وغزا بالجيوش ، وكان
به بَرَص ، فكنّت العرب عنه ، وهابت العرب أن تسمّيّه به وتنسبه إليه
إعظامًا له ، فقيل : جَديمة الوضاح، وجذيمة الأبرش؛ وكانت منازله فيما
بين الحيرة والأنبار وبقَّةَ وهِيتِ وناحيتها، وعين التَّمْر، وأطراف البرّ إلى
الغُوَيْرِ (١) والقُطْقُطانة وخَفِيَّة وما والاها، وتُجْبىَ إليه الأموال، وتَقِد
إليه الوفود ، وكان غزا طسما وجديسا فى منازلهم من جَوّ وما حولهم ؛ وكانت
طسم وجدیس یتکلمون بالعربية، فأصابحسان بن تبع أسعد أبی کرب، قد
أغار على طسْ وجديس باليمامة ، فانكفأ جذيمة راجعاً بمن معه ، وتأتى ١ /٧٥١
خيول تُبَّع على سرِيّة لجذيمة فاجتاحتها، وبلغ جذيمةَ خبرُهم، فقال جذيمة (٢):
تَرْفَعَنْ بُرْدِى شَمَالاتُ(٣)
رُبَّمَا أَوْفَيْتُ فِى عَلَم
فى فُتُوْ أَنَا كَالِئِهَمْ
فى بلايا غَزْوةٍ باتوا (٤)
وَأُنَاسٌ بَعْدَنَا مَاتُوا
نعم=
ثُمٌ أَبْنَا غَانِى
إذْ مَمَرّ الْقَوْمِ خوَّاتُ
نَحْنُ كُنَّا فِى مَرّهِمُ
نحْنُ أَدْلَجِنَا وَهُمْ بَاتوا(٥)
لَيْتَ شِعْرِى مَا أماتَهُمُ
(١) ط: ((الغمير)) وانظر معجم البلدان.
(٢) وردت أبيات من هذه القصيدة فى سيبويه ٢: ١٥٤، وابن سلام ٣٢، ٣٣، والأغانى
١٤، ٧٣، والمؤتلف للآمدى ٣٤. والخزانة ٤ : ٥٦٧؛ مع اختلاف فى الرواية .
(٣) أوفيت: أشرفت، والعلم: المرتفع من الأرض، والشمالات: جمع الشمال؛ من الرياح
والنون فى ((يرفعن))، تأكيد للفعل ضرورة .
(٤) فتو : جمع فى ، وكالئهم : حافظهم .
(٥) الإدلاج : سير الليل كله .

٦١٤
وَلَغَا كَانُوا وَنَحْنُ إِذَا قَالَ مِنَّا قَائِلٌ صَاتوا
أَهْلُهَا السُّودَانُ أَشْتَاتُ
وَلَغَا أَلْبِيدُ الْبَعَادُ الَّتِى
كُبَةُ الْأُخْيارِ شَاهِدَةٌ
ذَاكُمُ قَوْمِى وأهلاَتِى(١)
نَاعِمَا فِى غَيْرِ أَصْوَاتٍ
قَدْ شَرِبْتُ الْخَمْرَ وَسْطَهُمُ
فَعَلَى مَا كَانَ مِنْ كَرَمٍ
بُنَّاتِی
فَسَتَبْكِيمِ
غَيْرَ رَبِّى الْكَافِتِ الْفَاتِ
أَنَا رَبُّ النَّاسِ كُلِّهِمُ
يعنى بالكافت الذى يكفت أرواحهم ، والفات الذى يفيتُهم (٢) أنفسهم؛
يعنى الله عزّ وجلّ .
قال ابن الكلبىّ : ثلاثة أبيات منها حقّ ، والبقية باطل .
قال : وفى مغازيه وغاراته على الأمم الخالية من العاربة الأولى يقول الشاعر
فى الجاهلية :
أَضْحَى جَذِيمَةُ فِ يَبْرِينَ مَنْزِلِهِ قَدْ حَازَ مَاجَمَعَتْ فِ دَهْرِهَا عَاهُ
٧٥٢/١
فكان جذيمة قد تنبّأ وتكهن، واتخذ صنمين ؛ يقال لهما : الضيزنان -
قال : ومكان الضيزنين بالحيرة معروف- وكان يستسقى بهما ويستنصر بهما
على العدوّ ، وكانت إياد بعين أباغ ، وأباغ رجل من العماليق ، نزل بتلك
العين ، فكان يغازيهم ؛ فذُكِرٍ لجذيمة غلام من لحم فى أخواله من إياد
يقال له عدىّ بن نصر بن ربيعة بن عمرو بن الحارث بن سعود بن مالك بن
عم بن نُمارة بن لخم ، له جمال وظرف ، فغزاهم جذيمة ، فبعث إياد قومًا
فسقوا سَدَنة الصنميْن الخمر، وسرقوا الصنميين ، فأصبحا فى إياد ، فبعث
إلى جذيمة: إنّ صنميْك أصبحا فينا، زهداً فيك ورغبة فينا ؛ فإن أوثقت لنا
ألا تغزونا رددناهما إليك .
قال: وعدىّ بن نصر تدفعونه إلىّ . فدفعوه إليه مع الصنميْن ، فانصرف
(١) ط: ((ثبوة)). وفى البيت وما بعده إقواء، وانظر حواشى ط.
(٢) ط: ((يفتهم)).
٢

٦١٥
عنهم ، وضمّ عديًّا إلى نفسه ، وولاه شرابه ، فأبصرته رقاش ابنة مالك
أخت جذيمة ، فعشقتْه وراسلته ، وقالت: يا عدىّ ، اخطبنى إلى الملك ،
فإنّ لك حسبًا وموضعًا، فقال: لا أجترئ على كلامه فى ذلك، ولا أطمع
أن يزوِّجَنِيك ، قالت: إذا جلس على شرابه ، وحضره ندماؤه ، فاسقه
صِرْفًا ، واسق القوم مزاجاً ، فإذا أخذتِ الخمرة فيه ، فاخطبنى إليه ، فإنه
لن يردّك، ولن يمتنع منك ؛ فإذا زوّجك فأشهد القوم ؛ ففعل الفتى ما أمرته
به ، فلما أخذت الخمرة مأخذها خطبها إليه ، فأملكه إياها، فانصرف ٧٥٣/١
إليها ، فأعرس بها من ليلته، وأصبح مضرّجاً بالخلوق ، فقال له جذيمة
- وأنكر ما رأى به: ما هذه الآثار يا عدىّ؟ قال: آثار العُرس، قال
أىّ عُرس! قال: عُرس رَقاش! قال: مَنْ زوّجكها ويحك! قال:
زوجَنيها الملك ، فضرب جذيمة بيده على جبهته، وأكبّ على الأرض ندامة
وتلهفاً ، وخرج عدىّ على وجهه هاربًا، فلم يُرّ له أثر ، ولم يُسْمع له
بذكر، وأرسل إليها جذيمة ، فقال :
أَبِحُرِّ زَنَيْتِ أَمْ ◌ِهَجِين!
حَدِّثينى وأَنْتٍ لَا تَكْذِبِينِى
أمْ بُدُونِ فَأَنْتِ أهْلٌ لِدُونِ
أَمْ بِعَبْدِ فَأَنْتِ أَهْلٌ لِعَبْدٍ
فقالت : لا بل أنت زوّجتّنى امرأ عربيًا، معروفاً حسيباً، ولم تستأمِرْنى
فى نفسى ، ولم أكن مالكةً لأمرى؛ فكفّ عنها، وعرف عذرَها .
ورجع عدىّ بن نصر إلى إياد ، فكان فيهم ، فخرج ذات يومٍ مع فتية
متصيّدين ، فرمى به فىّ منهم من لهْب فيما بين جبلين، فتنكّس فمات ،
واشتملت رقاشٍ على حَبَل(١)، فولدت(٢) غلاماً، فسمّته عمرًا ورشّحته (٣)؛
حتى إذا ترعرع عطّرته وألبسته وحلته، وأزارته خاله جذيمة، فلما رآه أعجيب
به ، وألقيتْ عليه منه مقة ومحبة ، فكان يختلف مع ولده ، ويكون معهم .
فخرج جذيمة متبديًا بأهله وولده فى سنة خصبة مُكْلِئة، فضرِ بتْ له أبنية
فى رَوْضة ذات زهرة وغُدُر(٤)، وخرج ولده وعمرو معهم يجتنون الكمأة،
(١) ح: ((حمل)).
(٣) رشحته ، فى ربته .
(٢) كذا فى ابن الأثير، وفى ط: ((فتلد)»
(٤) غدر : جمع غدير .

٦١٦
فكانوا إذا أصابوا كمأة خيَّدة أكلوها، وإذا أصابها عمرو خبأها فى حُجْزَته(١)
١ /٧٥٤
فانصرفوا إلى جذيمة يتعادوْن ، وعمر و يقول :
هَذَا جَنَاىَ وَخِيَارُهُ فِيهِ إِذْ كُلُّ جَانٍ يَدُهُ إِلَى فِيهِ
فضمَّه إليه جذيمة والتزمه، وسُرّ بقوله وفعله، وأمر فجعل له حلىّ
من فضة وطوق ، فكان أولَ عربىّ أليس طوقًا، فكان يُسمّى عمرًا ذا الطوْق،
فبينما هو على أحسن حاله، إذ استطارته الجنّ فاستهوته، فضرب له جذيمة فى
البلدان والآفاق زماناً لا يقدر عليه. قال : وأقبل رجلان أخوان منَ بَلْقيْن-
يقال لهما: مالك وعقيل، ابنا فارج بن مالك بن كعب بن القَيْن بن جَسْر
ابن شيع اللّه بن أسد بن وَبَرة بن تغليب بن حُلوان بن عمران بن الحافِ بن
قُضاعة من الشام يريدان جذيمة، قد أهديا له طُرَفا ومتاعًا، فلما كانا ببعض
الطريق نزلا منزلاً ، ومعهما قيْنة لهما يقال لها : أمّ عمرو، فقدّمت إليهما
طعامًا ، فبينما هما يأكلان إذ أقبل فتىَ عُريان شاحب، قد تلبَّد شَعْره ،
وطالت أظفاره، وساءت حاله، فجاء حتى جلس حَجْرَة (٢) منهما، فمدّ يده
يريد الطعام، فناولْته القينة كُراعا (٣)، فأكلها ثم مدّ يده إليها، فقالت:
((تعطى العبد كُراعا فيطمع فى الذراع))، فذهبت مثلا ، ثم ناولت الرجلين
من شراب كان معها ، وأوكَتْ زِقَّها (٤)، فقال عمرو بن عدى:
وكَانَ الكأسُ مَجْرَاهَا الَمِينَا(٥)
صَدَدْتِ الْكَأْسَ عَنَّا أَمَّ عَمْرٍو
٧٥٥/١
بِصَاحِبِكِ الذِى لَا تَصْحَبِينًا(٩) !
وَمَا شَرُّ الَّلاثةِ أَمَّ عَمْرٍو
فقال مالك وعقيل: من أنت يا فتى؟ فقال: إن تنكرّانى أو تنكرا
نسبى ، فإنى أنا عمرو بن عدىّ، ابن تنوخيّة، اللخمىّ، وغداً ما تريانى فى نمارة
غير معصىّ )).
(٢) الحجرة : الناحية.
(١) الحجزة: معقد الإزار، وفى ت: ((حجرته)).
(٣) الكراع : مستدق الساق من البقر الغنم.
(٤) الزق: السقاء، وأوكى الزق: ربطه وشد عليه.
(٥) البيتان ينسبان إلى عمرو بن كلثوم؛ وهما فى معلقته ص ٢١١ - بشرح التبريزى.
(٦) فى المعلقات: ((لا تصبحينا)).

٦١٧
فنهضا إليه فضّاه وغسلا رأسه، وقلّما أظفاره ، وأخذا من شعره وألبساه
مما كان معهما من الثياب وقالا : ما كنا لنُهدِىَ لجذيمة هدّيّة أنفسّ
عنده ، ولا أحب إليه من ابن أخته ، قد ردّه اللّه عليه بنا . فخرجا به ، حتى
دفعا إلى باب جذيمة بالحيرة ، فبشّراه، فسرّ بذلك سروراً شديداً؛ وأنكره
لحال(١) ١٠ كان فيه، فقالا: أبيت اللعن ! إنّ من كان فى مثل حاله يتغير.
فأرسل به إلى أمه ، فمكث عندها أياماً ثم أعادته إليه، فقال : لقد رأيتُه يوم
ذهب وعليه طْوق ، فما ذهب عن عينى ولا قلبى إلى الساعة ، فأعادوا عليه
الطوْق، فلما نظر إليه قال: ((شبّ عمرو عن الطّوْق))، فأرسلها مثلا ، وقال
لمالك وعقيل : حُكْمكما ، قالا: حُكْمنا منادمتك ما بقينا وبقيت !
فهما نَدْمانا جذيمة اللذان ضُرِبا مثلاً فى أشعار العرب ، وفى ذلك يقول
أبو خيراش الهذلى :
٧٥٦/١
وَإِنَّ ثَوَانِى عِنْدَهَا لَقَلِيلُ(٢)
لَعَمْرُكَ مَا مََّتْ كَبِيشَةُ طَلَعَتِى
نَدِيمَا صَفَاءِ مَالِكٌ وَعَقِيلُ
أَلَمْ تَعْلَمِى أَنْ قَدْ تَفَرَّقَ قَبْلَنَا
وقال مُتُمّمّ بن نويْرة :
وَكُنَّا كَنَدْمَانِىْ جَذِيمَةً حِقْبَةً مِنَ الدَّهَرِ حَتّى قِيلَ لَنْ يَتَصَدَّعَا(٣)
لِطُولِ أَجْتِمَاعٍ لَمْ نَبِتْ لَيْلَةً مَعَا
فَلَّا تَفَرَّقْنَا كَأَنِى وَمَالِكاً
*
وكان ملك العرب بأرض الجزيرة ومشارف بلاد الشام عمرو بن ظرب
ابن حسّان بن أذينة بن السَّمَيْدَع بن هوبر العملقىّ- ويقال العمليقىّ، من
(١) ن: ((بحال)).
(٢) ديوان الهذليين ٢: ١١٦. والثواء: المقام، وبعد البيت الأول وقبل الثانى:
وَذَلَكَ رُزْءٌ لَوْ عِلْتِ جَلِيلُ
تَقُولُ أَرَاهُ بَعْدَ عُرْوَةَ لَاهياً
وَلَا تحسبِى أَنِى تناسيتُ عَهْدهُ
وَلَكنَّ صَبْرِى يا أَمْيَمَ جَميلُ
(٣) من قصيدة مفضلية ص ٢٦٧ .

٦١٨
عاملة العماليق ، فجمع جذيمة جموعًا من العرب ، فسار إليه يريد غزاته ،
وأقبل عمرو بن ظَرب بجموعه من الشام، فالتقوا، فاقتتلوا قتالاشديداً ، فقُتِل
عمرو بن ظَرِب ، وانفضَّت جموعه، وانصرف جذيمة بمن معه سالمين غانمين ،
فقال فى ذلك الأعور بن عمرو بن هُناءة بن مالك بن فهم الأزدى:
كَأَنَّ عْرَو بْنَ ثُرْبِى لَمَّ يَمِشْ مَلِكًاً وَمَ تَكُنْ حَوْلَهُ الرَّايَاتُ مُخْتَفَقُ(١).
فِيهَا حَرَ اشِفُ بِالْغَيْرَانِ تَرْتَشِقُ(٢)
لاقَى حَدِيمَةً فِی جَاوَاء مُشْعِلِةٍ
فملكت من بعد عمرو ابنته الزّباء واسمها نائلة ، وقال فى ذلك القعقاع بن
الدرماء الكلبىّ:
أَتَعْرِفُ مَنْزِلًا بَيْنَ الْمُنَّى وَ بَيْنَ نَجَرِّ نَائِلَةَ الْقَدِيمِ
وكان جنود الزّباء بقايا من العماليق والعاربة الأولى، وتزيد وسَلِيح ابنى حُدْوان
ابن عمران بن الحافِ بن قُضاعة، ومَنْ كان معهم من قبائل قضاعة، وكانت
للزّباء أخت يقال لها زبيبة، فبنت لها قصراً حصينًا على شاطئ الفرات الغربىّ،
وكانت تَشْتُو عند أختها ، وتَرْبع ببطن النجَّار، وتصير إلى تَدمُر . فلما
أن استجمع لها أمرُها ، واستحكم لها مُلْكها، أجمعت لغزو جذيمة الأبرش
تطلب بثأر أبيها ، فقالت لها أختها زبيبة - وكانت ذات رأى ودهاء وإرْب :
يا زبّاء؛ إنّك إن غزوت جذيمة فإنما هويوم له ما بعده ؛ إن ظفرت أصبت
ثأرك، وإن قُتِلْتِ ذهب مُلْكُك، والحرب سِجال، وعثراتها لا تستقال(٣)،
وإِنَّ كَعْبَك لم يزل ساميًا على من ناوأك وساماك، ولم ترىْ بُؤْسًا ولا غِيَرًا ،
٧٥٨/١ ولا تدرين لمن تكون العاقبة، وعلى من تكون الدائرة! فقالت لها الزّباء: قد
أُدّيتِ النصيحة، وأحسنتِ الرويَّة، وإن الرأىّ ما رأيت، والقول ما قلت.
فانصرفتْ عمّا كانت أجمعت عليه من غزو جذيمة ، ورفضت ذلك ، وأتت
( ١) البيتان فى شرح المقامات للشريشى ٢ : ٥
(٢) الجأواء: الكتيبة . والحرشف: الرجالة؛ شبهوا بجماعة الجراد .
(٣). ح: ((تقال)).
٧٥٧/١

٦١٩
أمرها من محوه الخَتْل(١) والخَدْع والمكر. فكتبت إلى جذيمة تدعوه إلى نفسها
وملكها ، وأن يصلَ بلاده ببلادها . وكان فيما كتبت به : أنها لم تجد مُلْك
النساء إلاّ إلى قبيح فى السماع ، وضعف فى السلطان ، وقلة ضبط المملكة ،
وإنها لم تجِدْ لملكها موضعًا، ولا لنفسها كفْئًا غيرك، فأقبلْ إلىّ ، فاجمع
مُلْكِى إلى مُلْكك، وصِلْ بلادى ببلادك، وتقلّدْ أمرى مع أمرك .
فلما انتهى كتابُ الزّباء إلى جذيمة ، وقدم عليه رسُلُها استخفّه ما دعتْه
إليه ، ورغب فيما أطمعته فيه، وجمع إليه أهلَ الحِجى والنَّهى ، من ثقات
أصحابه، وهو بالبَقَّة من شاطئ الفرات، فعرض عليهم ما دعتْه إليه الزّباء،
وعرضته عليه ، واستشارهم فى أمره ، فأجمع رأيهُم على أن يسير إليها ،
ويستولى على ملکها . وكان فيهم رجل يقال له قصیر بن سعد بن عمر (٢) بن
جذيمة بن قيس بن ربى (٣) بن 'نمارة بن لَخْم. وكان سعد تزوّج أمّةً لجذيمة ،
فولدت له قصيراً، وكان أُريبًا حازمًا، أثيراً عند جذيمة ، ناصحاً ، فخالفهم ٧٥٩/١
فيما أشاروا به عليه، وقال: ((رأى فاتر، وغدر حاضر))، فذهبت مثلا . فرادّوه
الكلامَ ونازعوه الرأى، فقال: ((إنى لأرى أمراً ليس بالخسا ولا الزكا))(٤)، فذهبت
مثلا . وقال لجذيمة: اكتب إليها، فإن كانت صادقةً فلتقبل إليك، وإلا لم
تمكّنْها من نفسك ، ولم تقع فى حبالها ، وقد وتَرْتَها ، وقتلت أباها . فلم يوافق
جذيمة ما أشار به عليه قصير، فقال قصير :
إِى امْرُؤٍ لَّا يُمِيلُ الْعَجْزُ تَرْوِيَتِي
· إِذَا أَتَتْ دُونَ شَىْءٍ مِرَّةُ الْوَذَمِ
فقال جذيمة: لا ولكنك امر ؤ رأيك فى الكِنّ لا فى الضّحّ، فذهبت مثلا .
فدعا جذيمة ابن أخته عمرو بن عدىّ فاستشاره ، فشجّعه على المسير ،
(١) ح: ((الحيل)).
(٢) فى الأغانى وابن خلدون والشريشى: ((عمرو)).
(٣) كذا فى س وفى ابن خلدون: ((إربى)).
(٤) من قول الغرب الزوج زكا وللفرد خا؛ ومنه: ((ما أدرى كم حدثنى أبى عن
رسول الله صلى الله عليه وسلم: أخا أم زكا)). وانظر اللسان - خا.

٦٢٠
وقال: إنّ(١) ثُمارة قومى مع الزبّاء، ولو قدروا لصاروا معك، فأطاعه وعصى
قصيراً ، فقال قصير: ((لا يطاع لقصير أمرٌ))، وفى ذلك يقول نهشل بن حرّى
ابن ضّمْرة بن جابر التميمىّ :
كَمَالَ يُطَعْ بِالْبَقْتَيْنِ قَصِيرُ(٢)
وَمَوْلَى عَصَانِ وَاسْتَبَدَّ بِرَأْيِهِ
وَوَلَّتْ بِأَعْجَازِ الْأَمُورِ صُدُورُ(٣)
فَلَمَّا رأى ما غِبّ أَمْرِى وَأُمْرِهِ
وَقَدْ حَدَثَتْ بَعْدَ الْأُمُورِ أُمُورُ
تَمَّ ◌َئِشًا أنْ يَكُونَ أَطَاءَِى
٧٦٠/١
وقالت العرب: ((ببقّة أبرم الأمر))، فذهبت مثلا ، واستخلف
جذيمة عمرو بن عدىّ على مُلْكه وسلطانه ، وجعل عمرو بن عبد الجِنّ الجرْمىّ
معه على خيوله ، وسارفى وجوه أصحابه ، فأخذ على الفرات من الجانب الغربىّ.
فلما نزل الفُرْضَة دعا قصيراً، فقال: ما الرأى ؟ قال: ((ببقة تركت الرأى))،
فذهبت مثلا ، واستقبلته رُسُلُ الزّباء بالهدايا والألطاف ، فقال : يا قصير،
كيف ترى؟ قال: ((خَطَرٌ يسيرٌ فِى خَطْب كبير))(٤)، فذهبت مثلا ،
وستلْقَاكَ الخيول ؛ فإن سارتْ أمامك فإن المرأة صادقة ؛ وإن أخذتْ
جنبيْك وأحاطت بك من خَلْفك ؛ فإن القوم غادرون، فاركب العصا -
وكانت فرسًا لجذيمة لا تجارَى- فإنَّى راكبُها ومسايرك عليها . فلقيتْه الخيول
والكتائب، فحالت بينه وبين العصا ، فركبها قصير ، ونظر إليه جذيمة موليا
على مَتْنها، فقال: ((ويل امّه حَزْمًا على ظهر العصا!))، فذهبت مثلا،
فقال: يا ضُلّ ما تجرى به العصا! وجرتْ به إلى غروب الشمس ثم نَفَقت،
وقد قطعت أرضًا بعيدة، فبنى عليها بُرْجًا يقال له برج العصا . وقالت العرب:
((خيرٌ ما جاءت به العصا))، مثل تضربه .
وسار جذيمة ، وقد أحاطت به الخيول ، حتى دخل على الزباء ، فلما
(١) ح: ((إنما))، وكذا فى ابن الأثير.
(٢) الأبيات فى اللسان ٨: ٢٤١، وياقوت ٢ : ٢٥٣.
(٣) فى ط: ((فلما تبين))، وأثبت ما فى ياقوت واللسان.
(٤) فى مجمع الأمثال ن ١: ٢٣٣: ((خطب يسير)).
تـ
٢