Indexed OCR Text

Pages 301-320

٣٠١
إنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ﴾(١)، فذكر أن لوطًا لما علم أن أضيافه رسل اللّه،
وأنها أرْسلت بهلاك قومه قال لهم : أهلكوهم الساعة .
* ذكر من روى ذلك عنه أنه قاله من أهل العلم :
حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا يعقوب ، عن جعفر، عن سعيد، قال :
مضت الرسل من عند إبراهيم إلى لوط ، فلما أتوا لوطًا وكان من أمرهم ما ذكر
اللّه قال جبرئيل للوط: يا لوط، إنا مهلكو أهل هذه القرية، إنّ أهلها
كانوا ظالمين. فقال لهم لوط : أهلكوهم الساعة، فقال جبرئيل عليه السلام:
﴿ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحِ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾(١) فأنزلت على لوط: (أليسَ
الصُّبْح بقريب﴾(١).
قال : وأمره أن يُسرىَ بأهله بقطع من الليل ولا يلتفت منهم أحدٌ
إلا امرأته، قال: فسار فلما كانت الساعة (٢) التى أهلكوا فيها أدخل ٣٣٦/١
جبرئيل جناحه فى أرضهم فقلعها ورفعها حتى سمع أهلُ السماء صياحَ الديكة ،
ونُبَاح الكلاب ، فجعل عاليها سافلها ، وأمطر عليهم حجارة من سجِيل ،
قال : وسمعت امرأة لوط الهدّة فقالت : وا قوماه ! فأدركها حجر فقتلها .
حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا يعقوب ، عن حفص بن حميد ، عن
شمْر بن عطية ، قال : كان لوط أخذ على امرأته ألاَّ تذيع شيئًا من سرٍّ
أضيافه، قال : فلما دخل عليه جبرئيل ومن معه ورأتهم فى صورة لم تر
مثلها قطّ انطلقتْ تسعى إلى قومها ، فأتت النادىّ فقالت بيدها هكذا ،
فأقبلوا يُهرعون مشيًا بين الهرولة والجمْز ، فلما انتهوا إلى لوط قال لهم لوط ما قال
اللّه تعالى فى كتابه . قال جبرئيل: يا لوط إنا رُسُل ربك لن يصلوا إليك ،
قال: فقال بيده، فطمس أعينهم، قال: فجعلوا يطلبونهم، يلتمسون (٣) الحيطان
وهم لا يبصرون (٤).
(١) سورة هود ٨١ .
(٢) ب: ((الليلة)). ن: (( كان فى الساعة)).
(٣) كذا فى أ، ب؛ وفى ط: ((يطلبون يلتمسون)).
(٤) الخبر فى التفسير ١٢: ٥٤ (بولاق).

٣٠٢
حدثنا بشر بن معاذ ، قال : حدثنا يزيد ، قال : حدثنا سعيد ، عن
قتادة ، عن حُذَيفة ، قال : لما بصرت بهم - يعنى بالرسل - عجوز السوء،
امرأته ، انطلقت فأنذرتهم فقالت: قد تضيّف لوطاً قومٌ ما رأيت قومًا أحسنَ
منهم وجوهًا - قال: ولا أعلمُهُ إلا قالت: وأشدّ بياضًا وأطيب ريحاً منهم -
٣٣٧/١ قال: فأتوْه ﴿يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ)(١)، كما قال الله عز وجل، فأصفق (٢) لوط الباب.
قال : فجعلوا يعالجونه ، قال : فاستأذن جبرئيل ربه عزّ وجلّ فى عقوبتهم ،
فأذن له ، فصفقهم بجناحه ، فتركهم عميانًا يترددون فى أخبث ليلة أتتْ
عليهم قطّ ، فأخبروه إنا رسل ربك، فأسْرِ بأهْلِكَ بَقْطعٍ من الليل، قال:
ولقد ذكر لنا أنه كانت مع لوط حين خرج من القرية امرأته ، ثم سمعت
الصوت فالتفتت ، فأرسل الله تعالى عليها حجراً فأهلكها(٣).
حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا الحكّم بن بشير ، قال : حدثنا عمرو
ابن قيس المُلائىّ ، عن سعيد بن بشير ، عن قتادة، قال : انطلقت امرأتهُ
- يعنى امرأة لوط - حين رأتهم - يعنى حين رأت الرسل - إلى قومها فقالت :
إنه قد ضافه الليلةَ قوم ما رأيت مثلهم قط أحسن وجوهًا، ولا أطيب ريحًا.
فجاءوا يهرعون إليه فبادرهم لوط إلى أن يزحمهم على الباب فقال: ﴿هَؤُلاء
بَنَاتِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينٍ﴾(٤)، فقالوا: ﴿أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينِ)(٥)، فدخَلُوا
على الملائكة فتناولتهم الملائكة ، فطمست أعينهم فقالوا : يا لُوط جئتنا
بقوم سحَرة ؛ سحرونا كما أنت حتى نصبح. قال: فاحتمل جَبْرَئيل
قريات لوط الأربع ، فى كلّ قرية مائة ألف، فرفعهم على جناحه بين السماء
والأرض حتى سمع أهلُ السماء الدنيا أصواتَ ديكتهم ثم قلبهم ، فجعل الله
عاليها سافلها(٦) .
٣٣٨/١
(!) سورة هود ٧٨ .
(٢) أصفق الباب : أغلقه .
(٣) ر: ((فقتلها))، والخبر فى التفسير ١٢: ٥٤ - ٥٥ (بولاق).
( ٤) سورة الحجر ٧١ .
(٥) سورة الحجر ٧٠ .
(٦) الخبر فى التفسير ١٢: ٥٥ (بولاق).

٣٠٣
حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : حدثنا محمد بن ثَور. وحدّثنا
الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرَّزَّاق، جميعًا عن مَعْمَر ، عن
قتادة، قال : قال حُذيفة: لما دخلوا عليه ذهبت عجوزُه ، عجوزُ السوء ،
فأتت قومها فقالت: قد تضيّفَ لوطًا [الليلة] (١) قوم ما رأيت قومًا قطّ أحسن
وجوهًا منهم ، قال : فجاءوا يهرعون إليه، فقام مَلَكٌ فلزّ الباب- يقول :
فسدّه - فاستأذن جبرئيل فى عقوبتهم ، فأذن له ، فضربهم(٢) جبرئيل
يجناحه ، فتركهم عميانًا، فباتوا بشرّ ليلة، ثم قالوا: إنا رسُل رَّبَك لن يصلوا
إليك ، فأسر بأهلك بقطْع من الليل ، ولا يلتفتْ منكم أحدٌ إلا امرأتَك،
قال : فبلغنا أنها سمعت صوتًا ، فالتفتت فأصابها حجر وهى شاذّة من القوم
معلوم مكانَها(٣).
حدثی موسی بن هارون ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا
أسباط ، عن السّدىّ فى خبر ذكره ، عن أبى مالك وعن أبى صالح ، عن
ابن عباس - وعن مُرَّة الهمْدانىّ عن ابن مسعود - وعن ناس من أصحاب النبي
صلى الله عليه: لما قال لوط: ﴿لَوْ أَنَّ لِى بَكُمْ قوةً أَو آوَى إلى رُكْنِ شَدِيد﴾،
بسط حينئذ جبرئيل جناحه ففقا أعينهم ، وخرجوا يدوس بعضهم فى آثار
بعض عميانًا ، يقولون : النجاء النجاء ! فإنَّ فى بيت لوط أسحر قوم فى
الأرض؛ فذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ﴾ (٤)
وقالوا للوط: ﴿إِنّا رُسُل رَبِّكَ لن يصلوا إليكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعِ مِنِ الليْلِ
وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ ﴾ ، يقول: سرْ بهم فامضوا حيث تؤمرون، فأخرجهم
اللّه تعالى إلى الشأم. وقال لوط: أهلكوهم الساعة، فقالوا: إنا لم نؤمر إلا بالصبح،
أليس الصبح بقريب! فلما أن كان السَّحتَر خرج لوط وأهله معه إلا امرأته ،
وذلك قوله تعالى: ﴿إِلَّ آلَ لُوطٍ بِجَيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾(٥).
٣٣٩/١
(١) من ا والتفسير.
(٢) ط: ((فصفقهم فضربهم))، وما أثبته من ا، والتفسير.
(٣) الخبر فى التفسير ١٢: ٥٥ (بولاق)
(٤) سورة القمر ٣٧ .
(٥) سورة القمر ٣٤ .

٣٠٤
حدثنا المثنی، قال : أخبرنا إسحاق، قال : حدثنا إسماعيل بن عبدالكريم،
قال : حدثنى عبد الصمد أنه سمع وهب بن مُنَبَّه يقول : كان أهل سدوم
الذين فيهم لوط قومَ سوْء قد استغْنوا عن النساء بالرجال ، فلما رأى اللّه ذلك
منهم بعث الملائكة ليعذّبوهم ، فأتوا إبراهيم ، فكان من أمره وأمرهم ما ذكره
الله تعالى فى كتابه ، فلما بشروا سارة بالولد قاموا ، وقام معهم إبراهيم يمشى ،
فقال : أخبرونى لمَ بعثّم ؟ وما خَطْبكم ؟ قالوا: إنا أرسلنا إلى قوم سَدُوم
لندمّرها فإنهم قومٍ سوء، قد استغنوا بالرجال عن النساء . قال إبراهيم : أرأيتم
إن كان فيهم خمسون رجلاً صالحًا ؟ قالوا: إذاً لا نعذبهم، فلم يزل [ينقص] (١)
حتى قال أهل البيت ، قالوا : فإن كان فيهم بيت صالح، قال: فلوط وأهل
٣٤٠/١ بيته، قالوا: إن امرأته هواها معهم ، فلما يئس إبراهيم انصرف ومضوا إلى أهل
ستدوم فدخلوا على لوط ، فلما رأتهم امرأته أعجبها حسنُهم وجمالُهم،
فأرسلت إلى أهل القرية أنه قد نزل بنا قومٌ لم نر قومًا قطّ أحسنَ منهم ولا
أجمل ؛ فتسامعوا بذلك، فغشُوا دارَ لوط من كل ناحية ، وتسوّروا عليهم
الجدران (٢)، فلقيّهم لوط فقال: يا قوم لا تفضحون فى ضيفى وأنا أزوجكم
بناتى فهن أطهرُ لكم.، فقالوا: لو كنا نريد بناتك لقد عرفنا مكانهنّ ، فقال :
لو أنّ لى بكم قوة أو آوى إلى ركن شديد . فوجّد عليه الرسل فقالوا: إن ركنك
الشديد ، وإنهم آتيهم عذاب غير مردود ، فمسح أحدهم أعينهم يجناحه ،
فطمس أبصارهم ، فقالوا : سحرنا ، انصرفوا بنا حتى نرجع إليه ، فكان من
أمرهم ما قد قَصَّ اللّه تعالى فى القرآن ، فأدخل ميكائيل وهو صاحب العذاب
جناحيه حتى بلغ أسفلَ الأرضين ، فقلبها فنزلت حجارة من السماء ،
فتتبعت من لم يكن منهم فى القرية حيث كانوا فأهلكهم الله، ونجَّى لوطًا
وأهله إلا امرأته . (٣)
حدثنا أبوكريب، قال : حدثنا جابر بن نوح ، قال: حدثنا الأعمش، عن
مجاهد، قال : أخذ جبرئيل قوم لوط من سَرْحهم ودورهم، حملهم بمواشيهم
وأمتعتهم ، حتى سمع أهل السماء نباح كلابهم ثم كفأها .
(١) من ا والتفسير.
(٢) ط، ١: ((الجدارات))، وما أثبته من ا التفسير.
(٣) الخبر فى التفسير ١٢: ٥٥ (بولاق).

٣٠٥
وحدثنا أبو كريب مرة أخرى ، عن مجاهد، فقال : أدخل جبرئيل
جناحيه(١) تحت الأرض السفلى من قوم لوط ، ثم أخذهم بالجناح الأيمن ،
وأخذهم من سرحهم ومواشيهم ثم رفعها .
حدثنى المثنى ، قال : حدثنا أبو حذيفة ، قال : حدثنا شبْلٌ ، عن
ابن أبى نَجِيح، عن مجاهد، قال: كان يقول: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُ نَاجَعَلْنَا عَالِيَهَا
سَافِلَهَا)(٢) ، قال: لما أصبحوا غدا جبرئيل على قريتهم ففتقها من أركانها
ثم أدخل جناحيه (١)، ثم حملها على خوافى جناحيه (٣).
٣٤١/١
حدثنى المثنى ، قال : حدثنا أبو حذيفة ، قال : حدثنا شبل ، قال :
وحدثنى هذا ابن أبى نجيح ، عن إبراهيم بن أبى بكر ، قال : ولم يسمعه ابن
أبى نجيح من مجاهد قال: فحملها على خوافى جناحيه (٤) بما فيها، ثم صعد
بها إلى السماء حتى سمع أهلُ السماء نباح كلابهم، ثم قَلبتها، فكان أول ما سقط
منها شرافها، فذلك قوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْ نَاعَلَيْهِمْ حِجَارَةً
من سجِيلٍ ﴾(٥)
***
حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : حدثنا محمد بن ثَوْر ، عن معمر ،
عن قتادة ، قال : بلغنا أن جبرئيل عليه السلام أخذ بعروة القرية الوسطى
ثم ألوى بها إلى السماء، حتى سمع أهلُ السماء ضواغىَ(٦) كلابهم، ثم دمّر بعضها
على بعض ، فجعل عاليها سافلها، ثم أتبعتهم (٧) الحجارة . قال قتادة : وبلغنا
أنهم كانوا أربعة آلاف ألف .
٣٤٢/١
حدثنا بشر بن معاذ ، قال : حدثنا يزيد ، قال : حدثنا سعيد ، عن
(١) ط: ((جناحه))، وما أثبته من أ.
(٣) !: ((ثم حملها فى جناحيه)).
(٥) سورة الحجر ٧٤ .
(٧) أ: ( تبعهم)).
(٢) سورة هود ٨٢ .
(٤) ط: ((جناحه))، وما أثبته من ا
(٦) ضواغى الكلاب : نباحها .
(٢٠)

٣٠٦
قتادة ، قال : وذكر لنا أن جبرئيل أخذ بعروتها الوسطى ، ثم ألوى بها إلى
جُوِّ السماء حتى سمعت الملائكة ضواغى كلابهم ثم دمّر بعضها على بعض ، ثم
أتبع شُدَّان (١) القوم صخراً، قال : وهی ثلاث قرى يقاللها سدوم ،وهى بين
. المدينة والشأم، قال: وذكر لنا أنه كان فيها أربعة آلاف ألف ، قال :
وذكر لنا أن إبراهيم كان يُشرف ثم يقول: سَدُوم يومًاً هالك .
حدثنى موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا.
أسباط ، عن السدىّ بالإسناد الذى قد ذكرناه : لما أصبحوا - يعنى قوم
لوط - نزل جبرئيل عليه السلام واقتلع الأرض من سبع أرضين ، فحملها حتى .
بلغ بها السماء الدنيا، حتى سمع أهلُ السماء نباحَ كلابهم وأصواتَ ديوكهم ، ثم
قلبها فقتلهم ، فذلك حين يقول: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى﴾(٢)؛ المنقلبة حين
أهوى بها جبرئيل عليه السلام الأرض فاقتلعها بجناحيه، فمن لم يمت حين أسقط (٣)
الأرض أمطر الله تعالى عليه وهو تحت الأرض الحجارة، ومن كان منهم شاذًّا
فى الأرض، وهو قول الله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً
مِنْ سِجِيلٍ) ، ثم تتبعهم فى القرى، فكان الرجل يتحدث فيأتيه الحجر فيقتله ؛
فذلك قوله تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةٌ مِنْ سِجِيلٍ﴾(٤).
حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، قال : حدثنى ابن إسحاق ،
٣٤٣/١٠ قال: حدثنى محمد بن كعب القرظىّ، قال: حُدِّثْت أن الله تعالى بعث
جبرئيل إلى المؤتفكة (قرية قوم لوط التى كان لوط فيهم ) ، فاحتملها بجناحيه ثم
أصعد(٥) بها حتى إن أهل السماء(٦) الدنيا ليسمعون(٧) نابحة كلابها وأصوات
دجاجها ، ثم كفأها على وجهها ثم أتبعها الله عز وجل بالحجارة، يقول الله تعالى:
(٢) سورة النجم ٥٣.
(١) شذان القوم : المتفرقون منهم.
(٣) فى الأصول ((سقط)) وما أثبته من التفسير.
(٤) الخبر فى التفسير ١٢ : ٥٩ بولاق
(٥) كذا فى ا، ن، وفى ط: ((صعد)).
(٦) ساقطة من اوفى ن: ((أهل سماء الدنيا)).
١ (٧) ط: ((يسمعون)) وما أثبته من ا والتفسير.
1

a
٣٠٧
﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةٌ مِنْ سِجِّيلِ﴾، فأهلكها الله
1
تعالى وما حولها من المؤتفكات، وكُنَّ خمس قريات: صبعة(١)، وصعرة(٢)،
وعمرةٍ(٣) » ودوما (٤)؛ وسدّوم هى القرية العظمى، ونجّى اللّه تعالى لوطًا ومّنْ
معه من أهله، إلا امرأته كانت فيمن هلك(٥).
٥
٠٠
,٦
.....
٠
(١) ن: ((صيحة))
(٢) ن: صعوة)).
(٣) ب: ((غمرة.)).
(٤) ب: ((ورما).
(٥) الخبر فى التفسير ١٢: ٥٦ (بولاق).
٠ ٫
٠

ذكر وفاة سارة بنت هاران، وهاجر أم إسماعيل وذكر
أزواج إبراهيم عليه السلام وولده
قد ذكرنا فيما مضى قبلْ ما قيل فى مقدار عمر سارة أمّ إسحاق؛ فأما موضع
وفاتها فإنه لا يدفع أهلُ العلم من العرب والعجم أنها كانت بالشأم .
وقيل : إنها ماتت بقرية الجبابرة من أرض كنْعان فى حَبْرون، فدفنت فى
مزرعة اشتراها إبراهيم . وقيل إن هاجر عاشت بعد سارة مدة .
فأما الخبر فبغير ذلك ورد . حدثنى موسى بن هارون ، قال : حدثنا
عمرو بن حماد ، قال : حدثنا أسباط ، عن السدىّ ، بالإسناد الذى قد
ذكرناه قبل .
٣٤٤/١
ثم إن إبراهيم اشتاق إلى إسماعيل ، فقال لسارة : ائذنى لى أنطلق إلى ابنى
فأنظر إليه، فأخذت عليه عهداً ألا ينزل حتى يأتيها ، فركب البُراق، ثم أقبل
وقد ماتت أمّ إسماعيل ، وتزوج إسماعيلُ امرأة من جُرْهُم .
وإن إبراهيم عليه السلام كثر ماله ومواشيه . وكان سبب ذلك فيما
حدثنا به موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال :
حدثنا أسباط ، عن السدىّ بالإسناد الذى قد ذكرناه قبل ، أن إبراهيم
عليه السلام احتاج - وقد كان له صديق يعطيه(١) ويأتيه - فقالت له سارة :
لو أتيت خُلَّتك(٢) فأصبت لنا منه طعامًا! فركب حماراً له ، ثم أتاه ،
فلما أتاه تغيّب منه ، واستحيا إبراهيم أن يرجع إلى أهله خائبًا ، فمرَّ على
بطحاء، فملأ منها خُرْجه ، ثم أرسل الحمار إلى أهله ، فأقبل الحمار وعليه
حنْطة جيدة ، ونام إبراهيم عليه السلام فاستيقظ ، وجاء إلى أهله ، فوجد
سارة قد جعلت له طعامًا ، فقالت : ألا تأكل ؟ فقال : وهل من شىء ؟
فقالت : نعم من الحنطة التى جئت بها من عند خليلك ، فقال : صدقت
(١) ر: ((يقرضه)).
(٢) ط: ((خليلك))؛ وهما سواء.
٣٠٨

٣٠٩
من عند خليلى جئت بها ، فزرعها فنبتت له ، وزكا زرْعه وهلكت زروع
الناس ؛ فكان أصلُ ماله منها ، فكان الناس يأتونه فيسألونه فيقول: مَنْ
قال : لا إله إلا الله فليدخل فليأخذ ؛ فمنهم من قال فأخذ ، ومنهم من أبى
فرجع ، وذلك قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى
بِجَهَنََّ سَعِيرًا)(١). فلما كثر مالُ إبراهيم ومواشيه احتاج إلى السعة فى
المسكن والمرعى، وكان مسكنه ما بين قرية (٢) مدين - فيما قيل-والحجاز ٣٤٥/١
إلى أرض الشأم ، وكان ابن أخيه لوط نازلا معه ، فقاسم (٣) ماله لوطًا، فأعطى
لوطًا شطره فيما قيل، وخيره مسكنًا يسكنه ومنزلا ينزله غير المنزل الذى هو به
نازل، فاختار لوط ناحية الأردن" فصار إليها ، وأقام إبراهيم عليه السلام
بمكانه ، فصار ذلك فيما قيل سببًا لآثاره بمكة وإسكانه إياها إسماعيل ،
وكان ربما دخل أمصار الشأم .
ولما ماتت سارة بنت هاران زوجة إبراهيم تزوج إبراهيم بعدها - فما حدثنا
ابن حميد، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق- قطورا بنت يقطن؛ امرأة
من الكنعانيين ، فولدت له ستة نفر: يقسان (٤) بن إبراهيم، وزمران بن إبراهيم ؛
ومديان بن إبراهيم ، ويسبق بن إبراهيم ، وسوح بن إبراهيم ، وبسر بن إبراهيم ،
فكان جميع بنى إبراهيم ثمانية بإسماعيل وإسحاق ، وكان إسماعيل يكره أكبر
ولده . قال : فنكح يقسان بن إبراهيم رعوة بنت زمر بن يقطن بن لوذان بن
جرهم بن يقطن بن عابر، فولدت له البربر ولفّها. وولد زمران بن إبراهيم المزامير
الذين لا يعقلون(٥) . وولد لمديان أهل مدين قوم شعيب بن ميكائيل النبى ،
فهو وقومه من ولده بعثه الله عزّ وجلّ إليهم نبيًّاً.
٣٤٦/١
حدثنى الحارث بن محمد ، قال : حدثنا محمد بن سعد ، قال : حدثنا
(١) سورة النساء ٥٥
(٢) كذا فى ا، روفى ط: ((برية)).
(٣) ب: ((فاقتسم)). ن: ((وقاسم)).
(٤) !: بقشان))، ن وابن الأثير: «نفسان».
(٥) كذا فى ا، ر، وفى ط: ((يعلمون)).

٣١٠
هشام بن محمد بن السائب، عن أبيه ، قال : كان أبو إبراهيم من أهل حران ، ..
فأصابته سنة من السنين ، فأتى هُرمز جرد بالأهواز ، ومعه امرأته أم إبراهيم ،
واسمها توتا(١) بنت كرينا(٢) بن كولى، من بنى أرفخشد بن سام بن نوح .
١
وحدثی الحارث، قال : حدثنا محمد بن سعد ، قال : حدثنا محمد بن عمر
الأسلمىّ عن غير واحد من أهل العلم قال : اسمها أنموتامن ولد أفراهم بن
أرغوا بن فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح . وكان بعضهم
يقول: اسمها انمتلى بنت يكفور (٣).
حدثنى الحارث ، قال : حدثنا محمد بن سعد ، قال : أخبرنا هشام بن
محمد ، عن أبيه؛ قال: نهر كُوثَى كَرَاه كرينا جدّ إبراهيم من قبل أمه ،
وكان أبوه على أصنام الملك نمرود، فولد إبراهيم بهُر مزجرد، ثم انتقل إلى كُوثَى
من أرض بابل ، فلما بلغ إبراهيم وخالف قومه، دعاهم إلى عبادة الله، وبلغ (٤)
٣٤٧/١ ذلك الملك نمرود فحبسه فى السجن سبع سنين، ثم بنى له الحِير(٥) يحصّ،
وأوقد له الحطب الجزل ، وألقى إبراهيم فيه ، فقال : حسبي الله ونعم الوكيل !
فخرج منها سليمًا لم يكلّم .
حدثنى الحارث، قال : حدثنا محمد بن سعد ، قال : حدثنا هشام بن
محمد ، عن أبيه ، عن أبى صالح، عن ابن عباس ، قال : لما هرب إبراهيم
من كُوثَى، وخرج من النار ولسانه يومئذ سريانيّ ، فلما عبرَ الفرات من حَرّان
غيّر الله لسانه فقيل: عبرانىّ، أى حيث عبر الفرات ، وبعث نمرود فى أثره ،
وقال : لا تَدَعوا أحداً يتكلّم بالسريانية إلا جئتمونى به ، فلقُوا إبراهيم عليه
السلام فتكلم بالعبرانية ، فتركوه ولم يعرفوا لغته .
حدثنى الحارث ، قال : حدثنا ابن سعد ، قال : أخبرنا هشام ، عن
أبيه قال : فهاجر إبراهيم من بابل إلى الشأم فجاءته سارة ، فوهبت له نفسها
(١) كذا فى ن
(٣) ا: ((نكفور)»
(٥) د: ((الحفر)).
(٢) كذا فى ر .
(٤) ط: ((بلغ)).

:
٣١١
فتزوجها ، وخرجت معه وهو يومئذ ابن سبع وثلاثين سنة ، فأتى حرّان، فأقام
بها زمانًا، ثم أتى الأردن" فأقام بها زمانا، ثم خرج إلى مصر فأقام بها زمانًا،
ثم رجع إلى الشأم فنزل السبع (أرض" بين إيليا وفلسطين) واحتفر بئراً، وبنى
مسجداً . ثم إن بعض أهل البلد آذاه فتحوّل من عندهم ، فنزل منزلا بين
الرملة وإيليا ، فاحتفر به بئراً أقام (١) به، وكان قد وُسُّعَ عليه فى المال والخدم ،
وهو أوّل من أضاف الضيف، وأوّل من ثرَد الثريد ، وأوّل من رأى الشيب.
قال : وولد لإبراهيم عليه السلام إسماعيل وهو أكبر ولده - وأمه هاجر
وهى قبْطية، وإسحاق، وكان ضرير (٢) البصر، وأمه سارة ابنة بتويل بن ناخوربن
ساروع بن أرغوا بن فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح- ٣٤٨/١
· ومدن ، ومدين ، ويقسان، وزمران، وأسبق ، وسوح ؛ وأمهم قنطورا بنت
مقطور (٣) من العرب العاربة .
فأما يقسان فلحق بنوه بمكة ، وأقام مدن ومدين بأرض مدين ، فسميت
به، ومضى سائرهم فى البلاد وقالوا لإبراهيم : يا أبانا أنزلت إسماعيل وإسحاق
معك، وأمرتنا أن ننزل أرض الغربة والوحشة ! فقال: بذلك أمرت ، قال :
فعلَّمهم اسمًا من أسماء الله تبارك وتعالى، فكانوا يستسقون به ويستنصرون، فمنهم
من نزل خراسان ، فجاءتهم الخزر فقالوا: ينبغى للذى علمكم هذا أن يكون
خير أهل الأرض ، أو ملك الأرض ، قال : فسموا ملوكهم خاقان .
قال أبو جعفر : ويقال فى يسبق : يسباق ، وفى سوح : ساح .
وقال بعضهم : تزوج إبراهيم بعد سارة امرأتين من العرب ، إحداهما
قَنْطورا بنت يقطان ، فولدت له ستة بنين ، وهم الذين ذكرنا ، والأخرى
منهما حجور بنت أرهير ، فولدت له خمسة بنين : كيسان ، وشورخ ،
وأميم ، ولوطان ، ونافس .
(١) ط: ((فأقام))، وما أثبته من ا.
(٢) ط: ((وهو ضرير))، وما أثبته من ا.
(٢) ط: ((مفطور))، وما أثبته من ا.

ذكر وفاة إبراهيم عليه السلام
فلما أراد الله تبارك وتعالى قبض روح إبراهيم صلى الله عليه وسلم، أرسل
٣٤٩/١ إليه(١) ملك الموت فى صورة شيخ هرم.
فِحدثی موسی بن هارون ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا
أسباط ، عن السدىّ بالإسناد الذى ذكرته قبل : كان إبراهيم كثير الطعام
يطعم الناس ، ويضيفهم، فبينا هو يطعم الناس إذا هو بشيخ [ كبير ](٢) يمشى فى
الحرّة(٣)، فبعث إليه بحمار، فركبه حتى إذا أتاه أطعمه ، فجعل الشيخ يأخذ
اللقمة يريد أن يدخلها فاه ، فيدخلها عينه وأذنه ثم يدخلها فاه ، فإذا دخلت
جوفه خرجت من دبره . وكان إبراهيم قد سأل ربه عزّ وجلّ ألاّ يقبض روحه
حتى يكون هو الذى يسأله الموت ، فقال للشيخ حين رأى مِنْ حاله ما رأى :
ما بالك يا شيخ تصنع هذا ؟ قال: يا إبراهيم ، الكِبِتَر، قال : ابن كم أنت ؟
فزاد على عمر إبراهيم سنتين ، فقال إبراهيم : إنما بينى وبينك سنتان ، فإذا
بلغت ذلك صرت مثلك! قال : نعم ، قال إبراهيم : اللهم اقبضنى إليك قبل
ذلك ، فقام الشيخ فقبض روحه ، وكان ملك الموت .
ولما مات إبراهيم عليه السلام - وكان موته وهو ابن مائتى سنة ، وقيل ابن
مائة وخمس وسبعين سنة - دفن عند قبر سارة فى مزرعة حبْرُون .
وكان مما(٤) أنزل الله تعالى على إبراهيم عليه السلام من الصحف فيما قيل
عشر صحائف ، كذلك حدثنى أحمد بن عبد الرحمن بن وهب ، قال :
٣٥٠/١ أخبرنى عمى عبد الله بن وهب، قال: حدثنى الماضى بن محمد ، عن
أبى سليمان، عن القاسم بن محمد، عن أبي إدريس الخولانيّ، عن أبى ذرّ الغفارىّ،
قال : قلت : يا رسول الله، كم كتاب أنزله الله؟ قال: مائة كتاب وأربع
(١) ر: ((أرسل الله تعالى))
(٢) من ا.
(٣) ا: ((الحره)).
(٤) ن: ((فيما)) وفى ١: ((كذلك حدثنى)).
٣١٢
L

٣١٣
كتب : أنزل الله عزَّ وجلَّ على آدم عليه السلام عشر صحائف ، وعلى شيث
خمسين صحيفة ، وأنزل على أخنوخ ثلاثين صحيفة ، وأنزل على إبراهم عشر
صحائف، وأنزل جلّ وعزّ التوراة والإنجيل والزبور والفرقان . قلت: يا رسول
الله، فما كانت صحف إبراهيم ؟ قال : كانت أمثالا كلها .
أيها الملك المسلّط المبتلى المغرور، إنى لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها إلى
بعض، ولكن بعثتك لتردَّ عنى دعوةَ المظلوم ؛ فإنى لا أردُّها (١) وإن كانت
من كافر .
وكانت فيها أمثال : وعلى العاقل ما لم يكن مغلوبًا على عقله أن يكون
له ساعات؛ ساعة يناجى فيها ربِّه، وساعة يفكر فيها فى صنع اللّه عزّ وجلّ،
وساعة يحاسب فيها نفسه فيما قدم وأخر ، وساعة يخلو فيها حاجته من الحلال فى
المطعم (٢) والمشرب. وعلى العاقل ألاّ يكون ظاعنًا إلاَّ فى ثلاث: تزوّد لمعاده، ومرمّة
لمعاشه ، ولذة فى غير محرّم . وعلى العاقل أن يكون بصيراً بزمانه ، مقبلا على
شانه، حافظًا للسانه . ومَنْ حسب كلامه من عمله قل كلامه إلاَّ فيما يعنيه .
٣٥١/١
وكان لإبراهيم - فيما ذكر - أخَوَان يقال لأحدهما هاران - وهو أبولوط،
وقيل إن هاران هو الذى بنى مدينة حرَّان، وإليه نسبت(٣) - والآخر منهماناحورا
وهو أبو بتويل وبتويل (٤) هو أبو لابان(٥) ورفقا ابنة بتويل، ورفقا امرأة إسحاق بن
إبراهيم أم يعقوب ابنة بتويل ، وليّا وراحيل امرأتا يعقوب ابنتا لابان .
(١) فى ط: ((لأردها)) تصويب من مصححه؛ والصواب ما فى الأصول.
(٢) ر: ((من الحلال من المطعم)).
(٣) ط: ((تنسب))، وما أثبته من ا.
(٤) !: ((بويل))، ر: ((نبويل)
(٥) ا، ن: ((لا يان».
،

ذكر خبر ولد إسماعيل بن إبراهيم
خليل الرحمن عليه السلام
قد مضى (١) ذكْرُنا سبب مصير إبراهيم بابنه إسماعيل، وأمه هاجر إلى مكة
وإسكانه إياهما بها . ولما كبر إسماعيل تزوج امرأة من جُرْهم ، فكان من
أمرها ما قد تقدم ذكره ، ثم طلقها بأمر أبيه إبراهيم بذلك ، ثم تزوج أخرى
يقال لها السيدة بنت مُضاض بن عمرو الجُرْهمىّ، وهى التى قال لها إبراهيم إذ قدم
مكة، وهى زوجة إسماعيل: قولى لزوجك إذا جاء: قد رضيتُ لك عتبة بابك .
فحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة،عن ابن إسحاق، قال: ولد لإسماعيل
ابن إبراهيم اثنا عشر رجلا ، وأمهم السيدة بنت مضاض بن عمرو الجرهمىّ :
نابت بن إسماعيل، وقيدر بن إسماعيل، وأدبيل بن إسماعيل، ومبشا بن إسماعيل،
ومسمع بن إسماعيل، ودما بن إسماعيل، وماس بن إسماعيل ، وأدد بن إسماعيل ،
٣٥٢/١ ووطور بن إسماعيل، ونفيس بن إسماعيل، وطما بن إسماعيل، وقيدمان بن إسماعيل.
قال : وكان عمر إسماعيل فيما يزعمون ثلاثين ومائة سنة ، ومن نابت وقيدر
نشر الله العرب، ونبّأْ اللّه عزّ وجلّ" إسماعيل، فبعثه إلى العماليق - فيما قيل- وقبائل
اليمن .
وقد يُنطق أسماء أولاد إسماعيل بغير الألفاظ التى ذكرت عن ابن إسحاق ،
فيقول بعضهم فى قيدر : ، قيدار ، وفى أدبيل : أدبال ، وفى مبشا : مبشام،
وفى دما : ذوما ومسا ، وحداد ، وتيم ، ويطور ، ونافس، وقادمن (٢) .
وقيل : إن إسماعيل لما حضرته الوفاة أوصى إلى أخيه إسحاق وزوج ابنته
من العيص بن إسحاق ، وعاش إسماعيل فيما ذكر مائة وسبعا وثلاثين سنة ،
ودفن فى الحِجْر عند قبر أمه هاجر .
(١) أ، ن: ((ذكرنا قبل)).
(٢) وأسماؤهم فى سفر التكوين ٢٥ : ١٣: ينابوت، وقيدار، وأثبيل، ومبسام،
ومشماع ، ودومة ، ومسا ، وحدار ، وتيما ، وبطور ، ونافيس ، وقدمة .
٣١٤

٣١٥
حدثنى عبدة بن عبد الله الصفار ، قال : حدثنا خالد بن عبد الرحمن
المخزومىّ، عن مبارك بن حَسَّان صاحب الأنماط ، عن عمر بن عبد العزيز،
قال : شكا إسماعيل إلى ربه تبارك وتعالى حَرَّ مكة فأوحى الله تعالى إليه: إنى
فاتح لك بابًا من الجنة يجرى عليك روحها إلى يوم القيامة، وفى ذلك المكان تدفن.
ونرجع الآن إلى :

ذكر إسحاق بن إبراهيم عليهما السلام وذكر نسائه وأولاده
٣٥٣/١
إذا كان التأريخ غير متصل على سياق معروف لأمة بعد الفرس
غيرهم ؛ وذلك أن الفرس كان مُلْكهم متصلاً دائمًا من عهد جيومرت الذى
قد وصفت شأنه وخبره ، إلى أن زال عنهم بخير أمة أخرجت للناس، أمة نبينا
محمد صلى الله عليه وسلم . وكانت النبوة والملك متصليْن بالشأم ونواحيها لولد
إسرائيل بن إسحاق إلى أن زال ذلك عنهم بالفرس والروم بعد يحيى بن زكرياء.
وبعد عيسى بن مريم عليهما السلام. وسنذكر إذا نحن انتهينا إلى الخبر عن
يحيى وعيسى عليهما السلام سبب زوال ذلك عنهم إن شاء الله.
فأما سائر الأمم غير الفرس ، فإنه غير ممکن الوصول إلى علم التاريخ بهم ؛
إذ لم يكن لهم ملك متَّصل فى قديم الأيام وحديثه إلا مالا يمكن معه سياق
التأريخ عليه وعلى أعمار ملوكهم، إلا ما ذكرنا من ولد يعقوب إلى الوقت الذى
ذكرت(١)، فإن ذلك وإن كانت مدته انقطعت بزواله عنهم ؛ فإن قدر مدة
زواله عنهم إلى غايتنا هذه معاوم مبلغه . وقد كان لليمن ملوك لهم ملْك ، غير
أنه كان غير متصل ، وإنما كان يكون منهم الواحد بعد الواحد ، وبين الأول
والآخر فترات طويلة ، لا يقف على مبلغها العلماء ، لقلة عنايتهم كانت
٣٥٤/١ بها، ومبلغ عمر الأول منهم والآخر، إذا لم يكن من الأمر الدائم، فإن
دام منه شىء فإنما يدوم لمن دام له منهم بأنه عاملٌ لغيره فى الموضع الذى هو
به لا يملكه(٢) بنفسه، وذلك كدوامه لآل نصر بن ربيعة بن الحارث بن مالك
ابن عمرو بن نمارة بن لحم ؛ فإنهم كانوا على فرْج ثغر العرب للفرس من الحيرة
إلى حدّ اليمن طولا وإلى حدود(٣) الشأم وما اتصل بذلك(٤) عرضًا، فلم يزل ذلك
دائمًا لهم من عهد أردشير بابكان إلى أن قتل كسرى أبرويز بن هرمز بن
أنوشروان النعمان بن المنذر ، فنقل عنهم ما كان إليهم من العمل على ثغر
العرب إلى إياس بن قبيصة الطائىّ .
(١) !: ((وصفت)).
(٢) ط: ((لا يملك)) وما أثبته من ا.
(٤) ط: ((به))، ما أثبته من ا.
(٣) ط: ((حد))، وما أثبته من ا.
٣١٦

٣١٧
فحدثنا ابن حُميد، قال: حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق، قال: نكح إسحاق
بن إبراهيم رفقا بنت بتويل بن إلياس، فولدت له عيص بن إسحاق ، ويعقوب
ابن إسحاق، يزعمون أنهما كانا تَوْمَيْن وأن عيصا كان أكبرهما. ثم نكح
عيص بن إسحاق ابنة عمه بسمة ابنة إسماعيل بن إبراهيم، فولدت له الروم بن
عيص ، فكلُ بنى الأصفر من ولده. قال : وبعض الناس يزعم أن الأشبان
من ولده ، ولا أدرى أمن ابنة إسماعيل أم لا
ونكح يعقوب بن إسحاق - وهو إسرائيل - ابنة خاله ليّا ابنة لبان بن
بتويل بن إلياس، فولدت له روبيل بن يعقوب ، وكان أكبرولده ، وشمعون ٣٥٥/١
ابن يعقوب ، ولاوى بن يعقوب ، ويهوذا بن يعقوب ، وزبالون(١) بن يعقوب ،
ويسحر بن يعقوب، ودينة ابنة يعقوب. وقد قيل فى يسحر إن اسمه ((يشحر)). ثم
توفيت ليا بنت لبان فخلف يعقوب على أختها راحيل بنت لبان بن بتويل بن
إلياس ، فولدت له يوسف بن يعقوب ، وبنيامين بن يعقوب - وهو بالعربية
شداد - وولد له من سُريّتيْن؛ اسم إحداهما زلفة، واسم الأخرى بلهة، أربعة
نفر : دان بن يعقوب، ونفثالى(٢) بن يعقوب، وجاد (٣) بن يعقوب، وأشر(٤) بن
يعقوب ، فكان بنو يعقوب اثنى عشر رجلا .
وقد قال بعض أهل التوراة إن رفقا زوجة إسحاق هى ابنة ناهر بن آزر
عمّ إسحاق ، وإنها ولدت له ابنيه عيصا ويعقوب فى بطن واحد، وإن إسحاق
أمر ابنه يعقوب ألاّ ينكح امرأةً من الكنعانيين ، وأمره أن ينكح امرأة من
بنات خاله لبان بن ناهر ، وأن يعقوب لما أراد النكاح مضى إلى خاله لبان
ابن ناهر خاطبًا، فأدركه الليل فى بعض الطريق ، فبات متوسّداً حجراً ، فرأى
فيما يرى النائم أن سلمًا منصوبًا إلى باب من أبواب السماء عند رأسه ، والملائكة
تنزل وتعرج فيه ، وأن يعقوب صار إلى خاله فخطب إليه ابنته راحيل ، وكانت ٣٥٦/١
له ابنتان : ليا وهى الكبرى، وراحيل وهى الصغرى ، فقال له : هل من مال
أزوجك عليه ؟ فقال يعقوب: لا، إلا أنى أخدُمك أجيراً حتى تستوفى صداق
(١) ا، ب، ن: ((ربالون)).
(٣) بـ: ((وحادر)).
(٢) ن: ((يفتالى)).
(٤) ن: ((وأسر)».
2.

٣١٨
ابنتك ، قال : فإنّ صداقها أن تخدمى سبع حجج. قال يعقوب: فزوجنى
راحيل وهى شرطى ، ولها أخدُمك، فقال له خاله : ذلك بينى وبينك ، فرعى
له يعقوب سبع سنين، فلما وفّى له (١) شرطه دفع إليه ابنته الكبرى ليا ، وأدخلها
علیه ليلا ، فلما أصبح وجد غير ما شرط ، فجاءه يعقوب وهو فى نادى قومه
فقال له : غررتَنى وخدعتنى واستحللت(٢) عملى سبع سنين، ودلّست علىّ غير
امرأتى ، فقال له خاله : يا بن أختى ، أردت أن تُدخِل على خالك العار
والسُّبَّة، وهو خالُك ووالدك، ومتى رأيت الناسَ يزوّجون الصغرى قبل الكبرى!
فھلمّ فاخدُمنی سبع حجج أخرى ، فأزوجك أختها ۔ وکان الناس يومئذ
يجمعون بين الأختين إلى أن بعث موسی علیه السلام وأنزل عليه التوراة - فرعی
له سبعًا ، فدفع إليه راحيل، فولدت له ليا أربعة أسباط : روبيل ، ويهوذا ،
وشمعان، ولاوى. وولدت له راحيل يوسف وأخاه بنيامين وأخوات لهما ،
وكان لابان دفع إلى ابنتيه حين جهزهما إلى يعقوب أمَتَيْن فوهبتا الأمتين
ليعقوب ، فولدت كلّ واحدة منهما له ثلاثة رهط من الأسباط ، وفارق يعقوب
خاله ، وعاد حتى نازل أخاه عيصا .
٣٥٧/١
وقال بعضهم : ولد ليعقوب دان ونفثالى من زلفة جارية راحيل ؛ وذلك
أنها وهبتها له وسألته أن يطلب منها الولد حين تأخر الولد عنها ، وأن ليا وهبت
جاريتها بلهة ليعقوب منافسة لراحيل فى جاريتها ، وسألته أن يطلب منها الولد ،
فولدت له جاد ، وأشير، ثم ولد له من راحيل بعد اليأس يوسف وبنيامين ،
فانصرف يعقوب بولده هؤلاء وامرأتيه المذكورتين إلى منزل أبيه من فلسطين
على خوف شديد من أخيه العيص ، فلم يرمنه إلا خيراً، وكان العيص فيما ذكر
لحق بعمه إسماعيل ، فتزوج إليه ابنته بسمة وحملها إلى الشام، فولدت له عدة
أولاد فكثروا حتى غلبوا الكنعانيين بالشأم، وصاروا إلى البحر وناحية الإسكندرية
ثم إلى الروم. وكان العيص فيما ذكر يسمَّى آدم لأدْمته . قال: ولذلك سمى ولده
(١) !: ((فلما وفاه))، وفى ر: ((فلما تم)).
(٢) ر: ((واشترطت على».

٣١٩
ولد الأصفر، وكانت (١) ولادة رفقا بنت بتويل لإسحاق بن إبراهيم ابنيه العيص
*
ويعقوب - بعد أن خلا من عمر إسحاق ستون سنة ــ توءمين فى بطن واحد،
والعيص المتقدم منهما خروجا من بطن أمه ، فكان إسحاق فيما ذكر يختص
العيص، وكانت(١) رفقا أمهما تميل إلى يعقوب، فزعموا أن يعقوب ختل العيص
فى قربان قرّباه بأمر أبيهما إسحاق بعد ما كبرت سنُّ إسحاق ، وضعف
بصره، فصار أكثر دعاء إسحاق ليعقوب ، وتوجهت البركة نحوه بدعاء أبيه
إسحاق له ، فغاظ ذلك العيص وتوعّده بالقتل ، فخرج يعقوب هاربًا منه
إلی خاله لابان یبابل، فوصله لابان وزوّجه ابنتيه ليا وراحيل ، وانصرف بهما
وتجاريتيهما وأولاده الأسباط الاثنى عشر وأختهم دينا إلى الشأم إلى منزل آبائه،
وتألف أخاه العيص حتى نزل(٢) له البلاد وتنقل فى الشأم، حتى صار إلى
السواحل. ثم عبر(٣) إلى الروم فأوطنها (٤)، وصار الملوك من ولده وهم اليونانية -
فيما زعم هذا القائل .
٣٥٨/١
م٣
خدثنا الحسين بن عمرو بن محمد العنقزىّ (٥) ، قال: حدثنا أبى،
قال : أخبرنا أسباط ، عن السدىّ ، قال : تزوج إسحاق امرأة فحملت
بغلامين فى بطن ، فلما أرادت أن تضعهما اقتتل الغلامان فى بطنها ، فأراد
. يعقوب أن يخرج قبل عيص ، فقال عيص: والله لئن خرجتَ قبلى لأعترضنّ
فى بطن أمى ولأقتلنّها ، فتأخّر يعقوب، وخرج عيص قبله ، وأخذ يعقوب
بعقب عيص ، فخرج فسمى عيصًا لأنه عصى ، فخرج قبل يعقوب ، وسمى
يعقوب لأنه خرج آخذاً بعقب عيص ، وكان يعقوب أكبرهما فى البطن ،
ولكنَّ عيصًا خرج قبله ، وكبر الغلامان ، فكان عيص أحبَّهما إلى أبيه ،
وكان يعقوب أحبهما إلى أمه ، وكان عيص صاحب صيد ، فلما كبر إسحاق
(١) ط: ((فكانت)) وما أثبته من ا ..
(٢) كذا فى ا، روفى ط: ((حتى ترك)).
(٣) ن: ((حتى عبر)).
(٤) يقال: أوطن بمكان كذا ؛ إذا اتخذه وطناً .
(٥) فى الأصول: ((العبقرى))، تصحيف؛ منسوب إلى بيع المنقر، ذكره ابن الأثير
فى الباب ، ٢ : ١٥٦

٣٢٠
وعمى، قال لعيص : يا بنىّ أطْعمنى لحم صيد واقترب منى أدع لك بدعاء دعا
لى به أبى، وكان عيص رجلاً أشعر، وكان يعقوب رجلاً أجْرَد، فخرج
عيص يطلب الصيد ، وسمعت أمه الكلام فقالت ليعقوب: يا بنىّ، اذهب إلى
٣٥٩/١ الغنم فاذبح منها شاة ثم اشوه، والبس جلده وقدّمه إلى أبيك ، وقل له : أنا
ابنك عيص، ففعل ذلك يعقوب، فلما جاء قال: يا أبتاه كُلْ ، قال :
مَنْ أنت ؟ قال: أنا ابنك عيص، قال: فمسَّه، فقال: المسُّ مسِّ عيص،
والریحُ ریح يعقوب، قالت أمه: هو ابنك عیص فادع له، قال: قدّم طعامك،
فقدّمه فأكل منه ، ثم قال : ادن منى ، فدنا منه ، فدعا له أن يجعل فى ذريته
الأنبياء والملوك ، وقام يعقوب ، وجاء عيص فقال : قد جئتك بالصيد الذى
أمرتّنى به (١)، فقال : يا بنى قد سبقك أخوك يعقوب ، فغضب عيص وقال:
واللّه لأقتلنّه، قال: يا بنى قد بقيت لك دعوة، فهلمّ أدع (٢) لك بها ، فدعا له
فقال: تكونَ ذريتُك عدداً كثيراً كالتراب ولا يملكهم أحدٌ غيرهم ،
وقالت أم يعقوب ليعقوب : الحق بخالك فكن عنده خشية أن يقتلك عيص ،
فانطلق إلى خاله، فكان يسرى بالليل ويكمن بالنهار، ولذلك سمى إسرائيل ،
وهو سرىّ اللّه، فأتى خالَه وقال عيص: أما إذْ غلبتنى على الدعوى فلا تغلبنى
على القبر، أن أدفَن عند آبائى: إبراهيم وإسحاق ، فقال : لئن فعلتَ
لتُدفنّ معه .
ثم إن يعقوب عليه السلام هوى ابنة خاله - وكانت له ابنتان - فخطب
إلى أبيهما الصغرى منهما، فأنكحها إياه على أن يرعى غنّمه إلى أجل مسمى،
فلما انقضى الأجل زفّ إليه أختها ليا ، قال يعقوب : إنما أردت راحيل ،
فقال له خاله : إنا لا ينكح فينا الصغير قبل الكبير ، ولكن ارعَ لنا أيضًا
وانكحها (٣)، ففعل. فلما انقضى الأجل زوّجه راحيل أيضًا، فجمع يعقوب
بينهما، فذلك قول الله: ﴿وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأَخْتَيْنِ إِلَّمَا قَدْ سَلَفَََ)(٤).
٣٦٠/١
يقول : جمع يعقوب بين ليا وراحيل ، فحملت ليا فولدت يهوذا ،
(٢): ((أدعو)) وكلاهما جائز.
(١) ر: ((أردت)).
(٣) ر: وانكحهما جميعاً)).
(٤ ) سورة النساء ٢٣.