Indexed OCR Text

Pages 241-260

٢٤١
قوله: ﴿حَرّقُوه وانْصُرُوا آلهتكم) قال: قالها رجل من أعراب فارس - يعنى
الأكراد .
وحدثنا القاسم ، قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج ، قال : أخبرنى وهب بن سليمان، عن شعيب الجُبّائِىّ ، قال :
إن اسمَ الذى قال حرّقوه ((هينون))، فخسف اللّه به الأرض ، فهو يتجلجل
فيها إلى يوم القيامة
ثم رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق .
قال : فأمر نمرود ، بجمْع الحطب (١)، فجمعوا له صلاب الحطب
من أصناف الخشب ، حتى أن كانت المرأة من قرية إبراهيم - فيما يُذكر-
لتنذر فى بعض ما تطلب مما تحبّ أن تدرك : لئن أصابته لتحطینّ فی نار
إبراهيم التى يحرق بها احتسابًا فى دينها ، حتى إذا أرادوا أن يُلقُوه فيها
قدّموه وأشعلوا فى كل ناحية من الحطب الذى جمعوا له ، حتى إذا اشتعلت
النار، واجتمعوا(٢) لقذفه فيها، صاحت السماء والأرض وما فيها من الخلق إلا
الثَّقَلين- فيما يذكرون- إلى الله عزّ وجل" صيحةً واحدة: أىّ ربنا! إبراهيم
ليس فى أرضك أحدٌ يعبدك غيره، يحرّق بالنار فيك! فَأذَنْ لنا فى نُصرته ،
فيذكرون والله أعلم - أن الله عزّ وجلّحين قالوا ذلك قال: إن استغاث بشىء
منكم أو دعاه فلينصْره ، فقد أذنت له فى ذلك ، فإنْ لم يدعُ غيرى فأنا ولِيُّه ،
فخلُّوا بينى وبينه، فأنا أمنعه ، فلما ألقوْه فيها قال: ﴿ يَا نَارُ كُونِى بَرْدًا
وَلَامَا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾(٢)، فكانت كما قال الله عزّ وجلّ".
٢٦٣/١
وحدثی موسی بن هارون ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا
أسباط، عن السدىّ قال ﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فى الجَحِيمِ (٤)﴾،
(١) ط: ((فجمع له الخطب))، وما أثبته عن ا.
(٢) ط: ((وأجمعوا)).
(٣) سورة الأنبياء ٦٩
( ٤ ) سورة الصافات ٩٧
(٢٦)

٢٤٢
قال: فحبسوه فى بيت، وجمعوا له حطبًا حتى أن° كانت المرأة لتمرض فتقول :
لئن عافانى اللّه لأجمعن" حطبًا لإبراهيم ، فلما جمعوا له وأكثروا من الحطب
حتى أن كان الطير ليمرّ بها فيحترق من شدة وهَجتَها وحرّها، فعمدوا إليه فرفعوه
على رأس البنيان ، فرفع إبراهيم رأسه إلى السماء ، فقالت السماء والأرض
والجبال والملائكة : ربنا ! إبراهم يحرق فيك . فقال: أنا أعلم به ، فإن
دعاكم فأغيثوه . وقال إبراهيم حين رفع رأسه إلى السماء: اللهمّ أنت الواحد
فى السماء وأنا الواحد فى الأرض ، ليس فى الأرض أحد يعُبدك غيرى، حسبى الله
ونعم الوكيل ! فقذفوه فى النار، فناداها فقال: ﴿ يا نارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَامَاً
على إبراهيم). وكان جَبْرئيل هو الذى ناداها . وقال ابن عباس: لو لم يتبع
بردها سلامًا لمات إبراهيم من بردها ، فلم تبق يومئذ نار فى الأرض إلا طَفِئَتْ،
ظنت أنها تُعنى ، فلما طفئت النار نظروا إلى إبراهيم فإذا هو ورجل آخر معه،
وإذا رأس إبراهيم فى حجْره يمسح عن وجهه العرق ، وذكر أن ذلك الرجل
ملك الظلّ، وأنزل اللّه ناراً وانتفع بها بنو آدم ، فأخرجوا إبراهيم، فأدخلوه على
الملك ، ولم یکن قبل ذلك دخل عليه (١)
ثم رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق .
قال: وبعث اللّه عزّ وجلّ ملك الظلّ فى صورة إبراهيم، فقعد فيها إلى
جنبه يؤنسه، فمكث نُمرود أيامًا لايشكّ إلا أن النار قدأ كلت ابراهيم وفرغت منه،
ثم ركب فمرّ بها وهى تحرق ما جمعوا لها من الحطب، فنظر إليها، فرأى إبراهيم
جالسًا فيها إلى جنبه رجلٌ مثله ، فرجع من مركبه ذلك، فقال لقومه : لقد
رأيتُ إبراهيم حيًّا فى النار، ولقد شُبِّه علىّ، ابنُوا لى صَرْحًا يشرِف بى على
النار حتى أستثبت، فبنوا له صَرْحًا، فأشرف عليه فاطّلع منه إلى النار ، فرأى
إبراهيمَ جالسًا فيها ، ورأى الملك قاعداً إلى جنبه فى مثل صورته ، فناداه
نمرودُ: يا إبراهيم، كبيرٌ إلهك الذى بلغْت قدرتُه وعزته أنْ حال بين ما
٢٦٥/١ أرى وبينك، حتى لم تضرّك يا إبراهيم ، هل تستطيع أن تخرج منها ؟
(١) الخبر فى التفسير ١٧ : ٣٣ (بولاق).
٢٦٤/١

٢٤٣
قال : نعم ، قال : هل تخشى إن أقمت فيها أن تضرّك ؟ قال : لا ، قال :
فقم واخرج منها ، فقام إبراهيم يمشى فيها حتى خرج منها ، فلما خرج إليه
قال : يا إبراهيم ، مَن الرجلُ الذى رأيتُ معك فى مثل صورتك قاعداً إلى
جنبك ؟ قال : ذلك ملك الظل، أرسله إلى ربی لیکون معی فيها ليؤنسنى ،
وجعلها علىّ برداً وسلامًا. فقال نمرود - فيما حدثت - : يا إبراهيم ، إنى
مقرّب إلى إلهك قربانًا لما رأيت من عزَّته وقدرته ، ولما صنع بك حين أبيت
إلا عبادته وتوحيده ؛ إنى ذابح له أربعة آلاف بقرة . فقال له إبراهم :
إذاً لا يقبل الله منك ما کنت علی شیء من دینك هذا حتی تفارقه إلی دینی !
فقال : يا إبراهيم ، لا أستطيع تركَ ملكى، ولكنَّى سوف أذبحها له ، فذبحها
نمرود ، ثم كفّ عن إبراهيم، ومنعه اللّه عزّ وجلّ منه.
حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا جرير ، عن مغيرة ، عن الحارث ، عن
أبى زُرْعة، عن أبى هريرة، قال: إن أحسنَ شىء قاله أبو إبراهيم (١) لما رفع
عنه الطبق وهو فى النار وحده يرشحُ جبينه، فقال عند ذلك : نعم الربُّ ربُّك
يا إبراهيم.
حدثنا القاسم ، قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثنا مُعْتّمر بن سليمان
التيمىّ، عن بعض أصحابه قال : جاء جَبْرئيل إلى إبراهيم عليه السلام وهو
يُوثَق ويقمَط ليلقى فى النار، قال: يا إبراهيم، ألك حاجة؟ قال: أمّا ٢٦٦/١
إليك فلا .
حدثنى أحمد بن المقدام ، قال : حدثنى المعتمر ، قال : سمعت أبى
قال : حدثنا قتادة ، عن أبى سليمان ، قال: ما أحرَقَت النار من إبراهيم
إلا وثاقه .
قال أبوجعفر : رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق ، قال : واستجاب
لإبراهيم عليه السلام رجالٌ من قومه حين رأوا ما صنع الله به على خوف من نمرود
(١) كذا فى ا، ن، وفى ط: ((قاله لإبراهيم)).

٢٤٤
وملئهم ، فآمن له لوط - وكان ابن أخيه - وهو لوط بن هاران بن تارخ ،
وهاران هو أخو إبراهيم، و کان لهما أخ ثالث يقال له ناحور بنتارخ ، فهاران
أبو لوط ، وناحور أبو بتويل ، وبتويل أبو لابان ، وربقا ابنة بتويل امرأة
إسحاق بن إبراهيم أم يعقوب ، وليا وراحيل زوجتا يعقوب ابنتا لابان . وآمنت
به سارَة وهى ابنة عمه، وهى سارة بنت هاران الأكبر عمّ إبراهيم، وكانت
لها أخت يقال لها ملكا امرأة ناحور .
:٠ ٠
وقد قيل : إن سارَة كانت ابنة ملك حرّان .
* ذكر من قال ذلك :
حدثی موسی بن هارون ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا
أسباط ، عن السدىّ، قال : انطلق إبراهيم ولوط قِبَل الشأم، فلقى إبراهيم
سارة ، وهى ابنة ملك حَرَّان ، وقد طعنت على قومها فى دينهم ، فتزوجها
٢٦٧/١ على ألاَ يغيّرها، ودعا إبراهيم أباه آزر إلى دينه، فقال له: يا أبت لم تعبد
ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغنى عنك شيئًا! فأبى أبوه الإجابة إلى ما دعاه إليه .
ثم إن إبراهيم ومَنْ كان معه من أصحابه الذين اتبعوا أمره أجمعوا لفراق
قومهم، فقالوا: ﴿ إنا بُرَآهُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ كَفَرْنَا بِكُمْ﴾،
أيها المعبودون من دون الله ﴿وَبَدَا بَيْنْنَا وبينَكُمُ العَدَاوَة والبغضاء أبدًا﴾
أيها العابدون ﴿ حتَّى تُؤْمِنُوا بالله وَحْدَه)(١). ثم خرج إبراهيم مهاجراً إلى
ربّه وخرج معه لوطٌ مهاجراً، وتزوج سارة ابنة عمه، فخرج بها معه يلتمس
الفرار بدينه، والأمان على عبادة ربه(٢) حتى نزل حرّان، فمكث بها ما شاء الله
أن يمكث ، ثم خرج منها مهاجراً حتى قدم مصر ، وبها فرعون من الفراعنة
الأولى . وكانت سارة من أحسن الناس فيما يقال ، وكانت(٣) لا تعصى إبراهيم
(١) سورة الممتحنة ٤
(٢) ! (( على عبادته)).
(٣) ط: ((فكانت))؛ وما أثبته عن ا.

٢٤٥
شيئا ، وبذلك أکرمها الله عزّ وجلّ، فلما وصفت لفرعون ووصف له حسنها
وجمالها أرسل إلى إبراهيم ، فقال : ما هذه المرأة التى معك ؟ قال : هى أختى،
وتخوّف إبراهيم إن قال هى امرأتى أن يقتلّه عنها . فقال لإبراهيم : زيّنها ،
ثم أرسلْها إلىّ حتى أنظر إليها ، فرجع إبراهيم إلى سارة وأمرها فتهيأت ، ثم
أرسلها إليه ، فأقبلت حتى دخلت عليه ، فلما قعدت إليه تناولها بيده ، فيبست
إلى صدره، فلما رأى ذلك فرعون أعظمَ أمرها ، وقال : ادعى اللّه أن يطلق
عنى، فوالله لا أريبك ولأحسِنَنّ إليك، فقالت: اللهمّ إن كان صادقًا
فأطلق يده ، فأطلق اللّه يده، فردّها إلى إبراهيم، ووهب لها هاجر، جارية ٢٦٨/١
كانت له قبطية .
حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا أبو أسامة ، قال : حدثنى هشام ،
عن محمد ، عن أبى هريرة ، أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: قال:
(لم يكذب إبراهيم عليه السلام غير ثلاث: ثنتين فى ذات الله، قوله: ﴿إنّى
سَقِيمٌ﴾، وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هُذَا﴾. وبينا هويسير فى أرض جَبّار من
الجبابرة ، إذ نزل منزلاً ، فأتى الجبّارَ رجلٌ فقال: إن فى أرضك - أو قال:
ها هنا - رجلاً معه امرأة من أحسن الناس، فأرسلَ إليه ، فجاء فقال: ما هذه
المرأة منك ؟ قال : هى أختى، قال: اذهب فأرسلْ بها إلىّ ، فانطلق إلى
سارة ، فقال : إن هذا الجبار قد سألنى عنك فأخبرته أنك اختی فلا تكذّبینی
عنده ، فإنك اختى فى كتاب الله، فإنه(١) ليس فى الأرض مسلم غيرى
وغيرُك ، قال : فانطلق بها وقام إبراهيم عليه السلام يصلّى قال : فلما دخلت
عليه فرآها أهوى إليها [وذهب](٢) يتناولها، فأخذَ أخذاً شديداً، فقال:
ادعى اللّه ولا أضرّك، فدعت له فأرسل فأهوى إليها [فذهب](٢) يتناولها،
فأخذَ أخذ شديداً ، فقال : ادعِى اللّه ولا أضرّك ، فدعت له فأرسل ، ثم
(١) : ((وإنه)).
(٢) تكملة من ا.

٢٤٦
فعل ذلك الثالثة، فأخذ ، فذكر مثل المرتين فأرسل . [قال]: (١) فدعا أدنى
حُجّابه فقال: إنكَ لم تأتِنى بإنسان ، ولكنك أتيتنى بشيطان ، أخرجها
وأعْطِها هاجر، فاخرجت وأعطيت هاجر ، فأقبلتْ بها ، فلما أحسّ إبراهيم
٢٦٩/١ بمجيئها انفتل من صلاته ، فقال: مهيم! فقالت: كفى اللّه كيد الفاجر
الكافر ! وأخدم ماجی.
قال محمد بن سيرين : فكان أبو هريرة إذا حدث هذا الحديث يقول :
فتلك أمكم يا بنى ماء السماء.
حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، قال : حدثنا محمد بن إسحاق ،
عن عبد الرحمن بن أبى الزناد ، عن أبيه ، عن عبد الرحمن الأعرج ، عن
أبى هريرة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((لم يقل إبراهيم شيئًا
قطّ ((لم يكن)) إلا ثلاثا: قوله ﴿إِنِّ سَقِيمٌ﴾ لم يكن به سقم ، وقوله :
﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَ لُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونِ)، وقوله لفرعون
حين سأله عن سارة فقال: مَنْ هذه المرأة معك؟ قال : أختى، قال: فما قال
إبراهيم عليه السلام شيئًا قطّ ((لم يكن)) إلا ذلك)).
حدثنى سعيد بن يحيى الأموى ، قال : حدثنى أبى ، قال : حدثنا محمد
ابن إسحاق ، قال : حدثنا أبو الزناد ، عن عبد الرحمن الأعرج ، عن
أبى هريرة ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لم يكذب إبراهيم فى
شىء قط إلا فى ثلاث ... ))، ثم ذكر نحوه .
حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا أبو أسامة ، قال : حدثنى هشام ،
عن محمد، عن أبى هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لم يكذب
إبراهيم غير ثلاث: ثنتین فی ذات الله، قوله: ﴿ إِنِی سَقِيمٌ)، وقوله : ﴿ بَلْ
فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هُذَا)، وقوله فى سارة: هى أختى)).
(١) تكملة من ا.
(٢) ط: ((وأخدم هاجر))، وما أثبته من ا.

٢٤٧
حدثنى ابن حميد ، قال : حدثنا جرير، عن مغيرة ، عن المسيّب بن ٢٧٠/١
رافع ، عن أبى هريرة قال : ما كذب إبراهيم عليه السلام غير ثلاث كذبات :
قوله: ﴿إِنَّى سَقِيمٌ)، وقوله: ﴿بَلْ فَلَهُ كَبِيرُهُمْ هُدَا﴾، وإنما قاله موعظة،
وقوله حين سأله الملك فقال : أختى - لسارة - وكانت امرأته.
حدثنى يعقوب ، قال : حدثنى ابن عُليَّة ، عن أيوب ، عن محمد ،
قال : إن إبراهيم لم يكذب إلا ثلاث كذبات : ثنتان فى الله، وواحدة فى ذات
نفسه، وأما الثنتان فقوله: ﴿إِنِّى سَقِيمٌ﴾، وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هُذَا﴾
وقصته فى سارة . وذكر قصتها وقصة الملك
قال أبو جعفر : رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق .
قال : وكانت هاجر جارية ذات هيئة ، فوهبتها سارة لإبراهيم ، وقالت :
إنى أراها امرأة وضيئة فخذها ، لعلَّ الله يرزقك منها ولدًا، وكانت سارّة قد
مُنِعت الولد فلا تلد لإبراهيم حتى أسنّت ، وكان إبراهيم قد دعا الله أن يَهبَ
له من الصالحين ، وأخرت الدعوة حتى كبير إبراهيم وعقمت سارة ، ثم إن
إبراهيم وقع على هاجر ، فولدت له إسماعيل عليهما السلام .
حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، قال : حدثنى ابن إسحاق ،
عن الزهرىّ ، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك الأنصارى ،
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا فتحتم(١) مصر فاستوصوا بأهلها
خيراً، فإنّ لهم ذمة ورَحِماً)).
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال : حدثنى ابن إسحاق، قال :
سألت الزهرىّ : ما الرحم التى ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم؟ قال :
کانت هاجر أم إسماعيل منهم . فيزعمون - والله أعلم - أن سارة حزنت عند
ذلك على ما فاتها من الولد حزنًا شديداً ، وقد كان إبراهيم خرج من مصر إلى
الشأم ، وهاب ذلك الملك الذى كان بها ، وأشفق من شرّه حتى قدمها ، فنزل
السَّبَعْ من أرض فلسطين ، وهى برّية الشأم ، ونزل لوط بالمؤتفكة ، وهى من
٢٧١/١
(١) !: ((افتتحتم)).

٢٤٨
السَّبَعْ على مسيرة يوم وليلة. وأقرب من ذلك، فبعثه الله عز وجل نبيًّا ، وأقام
إبراهيم فيما ذكر لى بالسَّبع ، فاحتفر به بئراً واتخذ به مسجداً ، فكان ماء
تاك البئر معينًا طاهراً ، فكانت غنمه ترِدُها . ثم إن أهلها آذوه فيها ببعض
الأذى ، فخرج منها حتى نزل بناحية من أرض فلسطين بين الرَّملة وإيليا ،
ببلد يقال له قَطْ - أو قِطٌ"(١) - فلما خرج من بين أظهرهم نضب الماء فذهب.
واتبعه أهلُ السبع ، حتى أدركوه وندموا على ما صنعوا ، وقالوا : أخرجْنا من
بين أظهرنا رجلاً صالحًا ، فسألوه أن يرجع إليهم ، فقال: ما أنا براجع إلى
بلد أخْرِجت منه ، قالوا له : فإن الماء الذى كنت تشرب منه ونشرب معك
منه قد نضِب فذهب ، فأعطاهم سبع أعنز من غنمه ، فقال : اذهبوا بها
معكم ، فإنكم لو قد أوردتموها البئر ، قد ظهر الماء ، حتى يكون مَعينًا طاهراً
كما كان ، فاشربوا منها ، فلا تغترفنّ منها امرأةٌ حائض ، فخرجوا بالأعتز،
فلما وقفت على البئر ظهر إليها الماء ، فكانوا يشربون منها وهى على ذلك ،
حتى أتت امرأة طامث، فاغترفتْ منها، فنكص ماؤها إلى الذى هو عليه اليوم، ثم ثبت.
٢٧٢/١
قال : وكان إبراهيم يُضيف من نزل به ، وكان اللّه عزّ وجلّ قد أوسع
عليه، وبسط له فى الرزق والمال والخدم، فلما أراد الله عزّ وجلّ هلاك قوم لوط ،
بعث إليه رسله يأمرونه بالخروج من بين أظهرهم ، وكانوا قد عملوا من الفاحشة
ما لم يسبقهم به أحدٌ من العالمين، مع تكذيبهم نبيهم، وردّ هم عليه ما جاءهم
به من النصيحة من ربِّهم، وأمرت الرسل أن ينزلوا على إبراهيم، وأنْ يبشّروه
وسارة بإسحاق ، ومنْ وراء إسحاق يعقوب ، فلما نزلوا على إبراهيم وكان
الضيفُ قد حُبِس عنه خمس عشرة ليلة حتى شقَّ ذلك عليه . فيما يذكرون -
لا يضيفه أحد ، ولا يأتيه، فلما رآهم سرّ بهم رأى ضيفًا لم يضفه مثلهم حسنًا
وجمالاً ، فقال : لا يخدم هؤلاء القوم أحدٌ إلا أنا بيدى، فخرج إلى أهله ،
فجاء كما قال الله عزّ وجلّ: ﴿ بعجْلِ سَبِينٍ)(٢) قد حَنّذموالحناذ: (٣) الإنضاج
يقول الله جل ثناؤه: ﴿ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيدٍ}(٤) فقرّبه إليهم، فأمسكوا أيديهم
(١) ذكرها ياقوت، وقال: ((بلد بفلسطين، بين الرملة وبيت المقدس)).
(٢) سورة الذاريات ٢٦.
(٣) ط: ((التحناذ))؛ وما ذكرته من أ، والتفسير: ١٢: ٤٣. (٤) سورة هود ٦٩
L

٢٤٩
عنه، ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إليه نكِرَهُمْ وأَوْجَسَ منهم خِيفَةٌ﴾
حين لم يأكلوا من طعامه، (قالُوا لا تَخَفْ إنا أرسلنا إلى قوم لوط. وَامْرَأَتَهُ﴾
سارة (قائمةٌ فضحِكَتْ) لما عرفت من أمر الله عزّ وجلّ ، ولما تعلم من قوم
لوط، فبشروها(پاسحاق ومِنْ وَرَاء إسحاق يعقوب)(١) بابن ، وبابن ابن،
فقالت - وَصَكّتْ (٢) وَجْهَهَا، يقال: ضربت على جبينها: ﴿يَا وَيْلَى أَأَلِدُ
وَأَنَا عَجُوزٌ) إلى قوله: ﴿إِنّهُ حَمِيدٌ مجِيدٌ) (٣) . وكانت سارة يومئذ
- فيما ذكر لى بعض أهل العلم - ابنةَ تسعين سنة، وإبراهيم ابن عشرين
ومائة سنة ، فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى بإسحاق ويعقوب
ولد من صلب إسحاق وأمنَ ما كان يخاف، قال: ﴿ الْحَمْدُ لِلِهِ الَّذِى وَهَبَ لِ
عَلَى الْكِبرِ إسماعيلَ وإسحاقَ إِنَّ رَبَى لَسِيعُ الدُّعاءِ﴾(٤).
٢٧٣/١
حدثنا القاسم ، قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثنى حجاج ، عن ابن
جريج ، قال : أخبرنى وهب بن سليمان ، عن شعيب الجبائىّ، قال : ألقِىَ
إبراهيمُ فى النار وهو ابن ست عشرة سنة ، وذبح إسحاق وهو ابن سبع سنين ،
وولدته سارة وهى ابنة تسعين سنة ، وکان مذبحه من بيت إيليا على ميلين ،
فلما علمتْ سارة بما أراد بإسحاق مرضت يومين، وماتت اليوم الثالث ، وقيل :
ماتت سارة وهى ابنة مائة وسبع وعشرين سنة .
حدثنى موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا
(١) سورة هود ٦٩، ٧١
(٢) من قوله تعالى فى سورة الذاريات ٢٩: ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِى صَرّةٍ فَصَّكَّتْ
وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٍ ﴾.
(٣) سورة هود ٧٢، ٧٣
(٤) سورة إبراهيم ٣٩؛ وهذا آخر حديث ابن إسحاق الذى بدأ به فى ص ٢٣٤.

٢٥٠
أسباط ، عن السدىّ، قال: بعث الله الملائكة لتهلك قوم لوط، فأقبلت
تمشى فى صورة رجال شباب ، حتى نزلوا على إبراهيم، فتضيَّفوه ، فلما رآهم
إبراهيمُ أَجَلّهمْ، فراغ إلى أهله، فجاء بعجل سمين فذبحه، ثم شواه فى الرَّضْف (١)
وهو الحنيذ حين شواه ، وأتاهم فقعد معهم ، وقامت سارة تخدمهم ، فذلك
٢٧٤/١ حين يقول جلّ ثناؤه: ﴿وَامْرَأَتَهُ قَائِمَةٌ وَهُوَ جَالِسٌ)(٢) فى قراءة ابن مسعود،
فلما قرَّبِه إليهم قال : ألا تأكلون ! قالوا : يا إبراهيم ، إنا لا نأكل طعاماً
إلا بثمن ، قال : فإن لهذا ثمنًا ، قالوا: وما ثمنه ؟ قال: تذكرون اسم الله
على أوَّله وتحمدونه على آخره، فنظر جبرئيل إلى ميكائيل، فقال: حقلهذا أن
يتخذه ربه خليلا، ﴿فَلَمَّا رأَى أَيْدِ يَهُمْ لا تَصِلُ إلَيْه) يقول: لا يأكلون،
﴿فِكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً}(٣)؛ فلما نظرت إليه سارة أنه قد أكرمهم
وقامت هى تخدمهم ضحكت وقالت : عجبًا لأضيافنا ! هؤلاء إنا نخدمهم
بأنفسنا تكرمة لهم ، وهم لا يأكلون طعامنا !
(١) الرضف : الحجارة الى حميت بالشمس أو النار .
(٢) سورة هود ٧١
(٣) سورة هود : ٧٠.

ذ کر أمر بناء البيت*
قال : ثم إن الله عزّ وجلّ أمر إبراهيم بعد ما ولد له إسماعيل وإسحاق
- فيما ذكر- ببناء بيت له يعبد فيه، ويذكر. فلم يدر إبراهيم فى أىّ موضع
يبنى ؛ إذ لم يكن بيّن له ذلك ، فضاق بذلك ذرعًا ، فقال بعضُ أهل
العلم : بعث اللّه إليه السكينة لتدلّه على موضع البيت ، فمضت به السكينة ،
ومع إبراهيم هاجر زوجته وابنه إسماعيل ، وهو طفل صغير .
وقال بعضهم: بل بعث الله إليه جَبر ئِيل عليه السلام، حتى دلّه على موضعه،
وبيّن له ما ينبغى أن يعمل .
٢٧٥/١
* ذكر من قال : الذى بعثه الله إليه لذلك السكينة :
حدثنا هنّاد بن السریّ ، قال : حدثنا أبو الأحوص، عن سماك بن حرب،
عن خالد بن عرعرة : أن رجلاً قام إلى على بن أبى طالب، فقال: ألا تخبرنى
عن البيت ، أهو أول بيت وضع فى الأرض ؟ فقال : لا ، ولكنه أول بيت
وضع فى البركة مقام إبراهيم، ومَنْ دخله كان آمنًا، وإن شئت أنبأتك كيف
بُنِىَ. إن اللّه عزّ وجلّ أوحى إلى إبراهيم أن ابن لى بيتًا فى الأرض ، فضاق
إبراهيم بذلك ذرعًا، فأرسل عزّ وجلّ السكينة، وهى ريح خَجُوج(١) ولها رأسان،
فاتبع أحدُهما صاحبه حتى انتهت إلى مكة فتطوَّتْ على موضع البيت كتطوّى
الحية ، وأمر إبراهيم أن يبنىَ حيث تستقرّ السكينة، فبنى إبراهيم وبقىَ حجر،
فذهب الغلام يبنى شيئًا ، فقال إبراهيم: أبْغِنِى(٢) حجراً كما آمرك؛ فانطلق
الغلام يلتمس له حجراً ، فأتاه به ، فوجده قد ركتب الحجر الأسود فى مكانه ،
فقال: يا أبت، مَن أتاك بهذا الحَجَر؟ فقال: أتانى به مَنْ لم يتكل على بنائك،
أتانى به جبرئيل من السماء . فأتماه (٣).
لم یرد فی ا ، ر ، س .
*
(١) الحجوج: الريح الشديدة المر .
(٢) كذا فى ا؛ يقال: أبغاه الشىء؛ إذا أعانه على طلبه.
(٣) الخبر فى التفسير ٣: ٧٠ .
٢٥١

٢٥٢:
حدثنا ابن بشار وابن المثنى ، قالا : حدثنا مؤمّل، قال : حدثنا سفيان ،
عن أبى إسحاق ، عن حارثة بن مضرّب، عن علىّ عليه السلام قال: لما أمِرَ
٢٧٦/١ إبراهيمُ ببناء البيت خرج معه إسماعيل وهاجر، فلما قدم مكة رأى (١) على
رأسه فى موضع البيت مثل الغمامة فيه مثل الرأس ، فكلَّمه؛ وقال: يا إبراهيم ،
ابن على ظلّ - أو على قَدْرى - ولا تزد ولا تنقص، فلما بنى خرج وخلف
إسماعيل وهاجر، فقالت هاجر: يا إبراهيم، إلى (٢) مَنْ تَكلُنَا ؟ قال:
إلى اللّه، قالت : انطلق فإنه لا يُضيعنا ، قال : فعطش إسماعيل عطشاً
شديداً، فصعدت هاجر الصفا ، فنظرتْ فلم تر شيئًا، ثم أتت المرْوَة فنظرتْ
فلم تر شيئًا ، ثم رجعتْ إلى الصَّفًا، فنظرتْ فلم تر شيئًا، حتى فعلتْ ذلك
سبع مرات، فقالت : يا إسماعيل، مُتْ حيث لا أراك. فأتته وهو يفحص (٣)
برجله من العطش ، فناداها جبرائيل ، فقال : مَنْ أنت ؟ قالت : أنا
هاجر، أم ولد إبراهيم، قال: إلى مَنْ وكلكما ؟ قالت: وكلّنا إلى الله،
قال : وكَلَكما إلى كافٍ، قال: ففحص الغلام الأرضَ بإصبعه، فنبعت
زمزم ، فجعلت تحبس الماء ، فقال: دعيه ، فإنها رَواء(٤).
حدثی موسی بن هارون ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا
أسباط ، عن السدىّ، قال: لما عهد الله إلى إبراهيم وإسماعيل: أن طهِّرا بينى
للطائفين، انطلق إبراهيم حتى أتى مكة ، فقام هو وإسماعيل ، وأخذ المعاول
لا يدريان أين البيت، فبعث الله عز وجل ريحًا يقال لها ريح الحَجُوج ،
لها جناحان ورأس فى صورة حية ، فكنّست لهما ما حول الكعبة عن أساس
البيت الأول ، واتبعاها بالمعاول يحفران حتى وضعا الأساس ، فذلك حين يقول
٢٧٧ عزّوجل: ﴿ وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾(٥).
(١) ر: ((أنى)).
(٢) ر: ((على)).
(٣) يفحص برجله ، أى يبحث ويزيل التراب عن حفرة.
(٤) الرواء: الماء العذب، والخبر فى التفسير ٣ : ٦٨.
(٥) سورة الحج ٢٦ .

٢٥٣
وحدثنا ابن حُميد ، قال : حدثنا سلمة، قال : حدثنى محمد بن إسحاق،
عن الحسن بن ◌ُمارة ، عن سماك بن حرب، عن خالد بن عرعرة ، عن علىّ
ابن أبى طالب عليه السلام أنه كان يقول : لما أمر اللّه إبراهيم بعمارة البيت
والأذان بالحج فى الناس خرج من الشأم ومعه ابنه إسماعيل ، وأم إسماعيل هاجَر،
وبعثالله معهالسکینة،وهیریح(١) ها لسانتكلم به،یغدومعها إبراهيمإذا غدت،
ويروح معها إذا راحت ، حتى انتهت به إلى مكة ، فلما أتت موضع البيت
استدارت به ، ثم قالت لإبراهيم: ابن علىَّ، ابن علىّ، ابن علىّ ، فوضع
إبراهيم الأساس ورفع البيت هو وإسماعيل، حتى انتهيا (٢) إلى موضع الركن ،
قال إبراهيم لإسماعيل : يا بنىّ ، ابغ لى حجراً أجعله علمًا للناس ، فجاءه
بحجَر، فلم يرضّه وقال: ابغى غير هذا، فذهب إسماعيل ليلتمس (٣) له
حَجَراً، فجاءه وقد (٤) أتِىّ بالركن، فوضعه فى موضعه ، فقال: يا أبت ،
مَنْ جاءك بهذا الحجر ؟ قال: مَنْ لم يكلّى إليك يا بُنِىّ.
وقال آخرون : إنَّ الذى خرج مع إبراهيم من الشام لدلالته على موضع
البيت جبر ئيل عليه السلام، وقالوا: كان إخراجه هاجر وإسماعيل إلى مكة لما
كان من غيرة سارة بسبب ولادة هاجر منه إسماعيل .
ذكر من قال ذلك :
٠
حدثنى موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا
أسباط ، عن السدى بالإسناد الذى قد ذكرناه أن سارَة قالت لإبراهيم: تسرّ
هاجر (٥) ، فقد أذنت لك فوطئها ، فحملت بإسماعيل ، ثم إنه وقع على سارة
فحملت بإسحاق ، فلما ولدته(٦) وكبر اقتتل هو وإسماعيل ، فغضبت سارة
٢٧٨/١
(١) كذا فى ا، وفى ط: ((ريح))، وفى ب: ((وريحاً)).
(٢) ر، س، ن: ((انتهى)).
(٣) ب، ر: ((يلتمس)).
(٤) ط: ((فقد))، وما أثبته عن ا.
(٥) ط: ((بها حر))، وما أثبته عن ا، ر، ن .
(٦) !، س: ((ولد له)).

٢٥٤
على أمّ إسماعيل ، وغارت عليها ، فأخرجتها ، ثم إنها دعتها فأدخلتها . ثم
غضبت أيضًا فأخرجتها ثم أدخلتها، وحلفت لتقطعنّ منها بَضْعة؛ فقالت :
أقطع أنفها ، أقطع أذنها، فيشينها ذلك، ثم قالت: لا بل أخفِضها(١) ،
فقطعت ذلك منها ، فاتخذت هاجر عند ذلك ذيلا تعنى به عن الدم ، فلذلك
خفضت النساء، واتخذت ذيولاً، ثم قالت : لا تساكنى فى بلد . وأوحى الله
إلى إبراهيم أن يأتىّ مكة ، وليس يومئذ بمكة بيت ، فذهب بها إلى مكة وابنها
فوضعهما، وقالت له هاجر: إلى من تركتنا(٢) هاهنا ؟ ثم ذكر خبرها ،
وخبر ابنها.
٠
حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال :
حدثنا عبد الله بن أبى نَجِيح، عن مجاهد وغيره من أهل العلم أن اللّه عزّ وجلّ"
لما بوّأ لإبراهيم مكانَ البيت ومعالمَ الحرم، فخرج وخرج معه جبرئيل ،
يقال : كان لا يمرّ بقرية إلاقال: بهذه أمرت يا جبريل؟ فيقول: جبر ئيل :
امضه، حتى قدم به مكة ، وهى إذ ذاك عِضاه سَلّمَ وسَمُر ، وبها أناس
يقال لهم العماليق ، خارج مكة وما حولها ، والبيت يومئذ رَبْوة حمراء مدرة ،
١/ ٢٧٩ فقال إبراهيم الجبر ئيل: أها هنا أمرت أن أضعهما ؟ قال : نعم، فعمد بهما
إلى موضع الحِجْر، فأنزلهما فيه، وأمر هاجر أم إسماعيل أن تتخذ فيه عريشًا
فقال: ﴿رَبَّنَا إِّى أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِ بوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِك
الْمُحَرَّمِ﴾ إلى - ﴿لَعَلَّهُمْ يشكرون﴾﴾(٣). ثم انصرف إلى أهله بالشأم
وتركهما عند البيت ، قال : فظمئ إسماعيل ظمأ شديداً، فالتمست له أمه ماء فلم
تجده، فاستسمعتْ (٤) : هل تسمع صوتًا؟ لتلتمس له شرابًا، فسمعت كالصوت
عند الصفا، فأقبلت حتى قامت عليه فلم تر شيئًا، ثم سمعت صوتًا نحو المرْوة،
(١) الخفض للجارية، مثل الختان للصبى.
(٢) ر: ((تتركنا)).
(٣) سورة إبراهيم ٣٧.
(٤) فى كذا !، ن، وفى ط: ((فاستمعت)).

٢٥٥
فأقبلت حتى قامت عليه فلم تر شيئًا ، ويقال : بل قامت على (١) الصفا تدعو
اللّه وتستغيثه لإسماعيل، ثم عمدت إلى المروة ففعلت ذلك. ثم إنها سمعت
أصوات سباع الوادى نحو إسماعيل حيث تركته ، فأقبلت إليه تشتدّ ، فوجدته
يفحص الماء بيده من عين قد انفجرت من تحت يده ، فشرب منها، وجاءتها
أمّ إسماعيل فجعلتها (٢) حسْياً، ثم استقت منها فى قربتها تذخرُه لإسماعيل ،
فلولا الذى فعلت ما زالت زمزم معينًا طاهراً ماؤها أبداً . قال مجاهد : ولم
نزل نسمع أن زمزم هَزْمَةُ(٣) جبر ئيل بعقبه لإسماعيل حين ظمئ.
٢٨٠/١
حدثنى يعقوب بن إبراهيم والحسن بن محمد ، قالا : حدثنا إسماعيل بن
إبراهيم، عن أیوب ، قال : نُبئتُ عن سعيد بن جبير أنه حدث عن ابن
عباس أن أوّلَ منْ سعى بين الصفا والمروة لأمّ إسماعيل، وأنّ أوّل مَنْ
أحدث من نساء العرب جرّ الذيول لأمّ إسماعيل . قال : لما فرّت من سارة
ارْخَتْ ذیلها(٤) لتعفی أثرها ، فجاء بها إبراهيم ومعها إسماعيل حتى انتهى
بهما إلى موضع البيت ، فوضعهما ثم رجع ، فاتبعته فقالت : إلى أىّ شىء
تكلنا؟ إلى طعام تكلنا ؟ إلى شراب تكلنا ؟ لا يرد عليها شيئًا ، فقالت :
آلله أمرك بهذا ؟ قال: نعم، قالت: إذاً لا يضيعنا، قال: فرجعت ومضى
حتى إذا استوى على ثنيَّة كَدَاء، أقبل على الوادى فقال: ﴿رَبَّنَا إِّى أَسْكَنْتُ
مِنْ ذَرِّيَّتِى بوادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعِ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ ... ) الآية. قال: ومع
الإنسانة(٥) شنّةٌ فيها ماء، فنفذ الماء ، فعطشت فانقطع لبنُها ، فعطِش
الصبىّ فنظرت: أىّ الجبال أدنى إلى الأرض، فصعدت الصفا فتسمعت :
هل تسمع صوتًا ، أو ترى أنيسًا؟(٦) فلم تسمع شيئًا فانحدرت ، فلما
(١) !: ((عند)).
(٢) ن: ((فوجدتها))، والحسى: حفيرة قريبة القعر؛ ولا يكون إلا فى أرض أسفلها
حجارة وفوقها رمل ؛ فإذا مطرت نشفه الرمل ؛ فإذا انتهى إلى الحجارة أمسكته ، وجمعه أحساء .
(٣) هزمة جبريل؛ أى ضرب برجله فانخفض المكان فنبع الماء . النهاية لابن الأثير ٤ : ٢٤٨
(٤) ١: ((أرخت من ذيلها)).
(٥) ر: ((هاجر».
(٦) س: ((إنسا)).

٢٥٦
أتت على الوادى سعت - وما تريد السَّعْى - كالإنسان المجهود الذى يَسْعى
وما يريد السعى ، فنظرت أىّ الجبال أدنى إلى الأرض ، فصعدت المرْوَة ،
فتسمعت : هل تسمع صوتًا أو ترى أنيساً(١) ؟ فسمعت صوتًا ، فقالت
كالإنسان الذى يكذّب سمعه: صه ! حتى استيقنت، فقالت : قد أسمعتنى
صوتك فأغثنى ، فقد هلكت وهَلَك مَنْ معى ، فجاء الملك بها حتى انتهى
بها إلى موضع زمزم ، فضرب بقدمه ففارت عينًا، فعجلت (٢) الإنسانة تُفرغ
فى شنَّتها(٣)، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((رحم الله أمّ إسماعيل، لولا
أنها عجلت لكانت زمزم عينًا معينًا)).
٢٨١/١
وقالَ لها الملَك: لا تخافى الظمأ على أهل هذا البلد؛ فإنها عين يشرب (٤)
ضيفان الله منها، وقال: إن أبا هذا الغلام سيجئ فيبنيان للّه بيتًا هذا موضعه.
قال : ومرّت رُفقة من جُرْهم تريد الشأم، فرأوا الطيرَ على الجبل ، فقالوا:
إن هذا الطير لعائف (٥) على ماءٍ ، فهل علمتم بهذا الوادى من ماء ؟ فقالوا : لا،
فأشرفوا فإذا هم بالإنسانة ، فأتَوْها فطلبوا إليها أن ينزلوا معها ، فأذنت لهم ،
قال : وأتى عليها ما يأتى على هؤلاء الناس من الموت ، فماتت وتزوج إسماعيل
امرأة منهم، فجاء إبراهيم فسأل عن منزل إسماعيل حتى دُلَّ عليه فلم يجده ،
٢٨٢/١ ووجد امرأة له (٦) فَظّة غليظة، فقال لها: إذا جاء زوجك فقولى له: جاء(٧)
ها هنا شيخ من صفته كذا وكذا ، وأنه يقول لك : إنى لا أرضى لك عتبَة
بابك فحوّلها ، وانطلق(٨). فلما جاء إسماعيل أخبرته فقال : ذلك أبى ،
وأنت عتبة بابى. فطلقها، وتزوج امرأة أخرى منهم (٩)، وجاء إبراهيم حتى
(١) س: ((إنسياً)).
(٢) !: ((فجعلت)).
(٣) ر: ((شنها))، والشن والشنة: القربة.
(٤) ط: ((لشرب))، وما أثبته من؟
(٥) قال أبو عبيدة: ((العائف هنا: الذى يتردد على الماء ويحوم ولا يمضى)). وانظر
اللسان ٦٣ : ١٦٩ .
(٦) ن: ((امرأته)).
(٧) ر: ((كان)»
(٨) كذا فى ا، ن، وفى ط: ((فانطلق)).
(٩) ن: ((منهن)).

٢٥٧
انتهى إلى منزل (١) إسماعيل فلم يجده ووجد امرأة له سهلة طليقة(٢) فقال لها:
أين انطلق زوجك ؟ فقالت : انطلق إلى الصيد ، قال : فما طعامكم ؟ قالت :
اللحم والماء ، قال: اللهمّ بارك لهم فى لحمهم ومائهم، ثلاثاً. وقال لها : إذا
جاء زوجك فأخبريه؛ قولى(٣) له جاء هاهنا شيخ من صفته كذا وكذا، وإنه
يقول لك : قد رضيتُ لك عتبة بابك ، فأثبتْها ، فلما جاء إسماعيل أخبرته ،
قال : ثم جاء الثالثة ، فرفعا القواعد من البيت (٤).
حدثنا الحسن بن محمد ، قال : حدثنا يحيى بن عباد ، قال : حدثنا
حماد بن سَلَمة ، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس
قال : جاء إبراهيم نبى الله بإسماعيل وهاجر فوضعهما بمكة فى موضع زمزم ،
فلما مضى نادته هاجر: يا إبراهيم ، إنما (٥) أسألك ثلاث مرات: مَنْ أمرك أن
تضعی بأرض ليس فيها زرع ولا ضرع ولا أنیس ولا ماء ولا زاد ؟ قال : ربی
أمرنى، قالت : فإنه لن يضيعنا ، قال: فلما قفا إبراهيم قال: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ
تَعْلَمُ مَا نُخْفِى وَمَا نُعْلِنُ﴾ يعنى من الحزن ﴿وَمَا يَخْفَى عَلَى اللهِ مِنْ شَىْءُ
فِى الْأَرْضِ وَلَا فِ السَّمَاءِ.)(٦). فلما ظمى إسماعيل جعل يدحص (٧) الأرض
بعقِبِه فذهبت هاجر حتى علت الصفاء ، والوادى يومئذ لاخٍ - يعنى
عميق - فصعدت الصفا ، فأشرفت لتنظر : هل ترى شيئًا ؟ فلم تر شيئًا ،
فانحدرت فبلغت الوادى ، فسعت فيه حتى خرجت منه ، فأنت المروة فصعدت
فاستشرفت : هل ترى شيئًا ؟ فلم تر شيئًا ، ففعلت ذلك سبع مرات ، ثم
جاءت من المرْوة إلى إسماعيل، وهو يدحص الأرض بعقبه ، وقد نبعت العين
٢٨٣/١
(١) ن: ((موضع)».
(٢) !، ((طليقة))، والطلقة والطليقة: المستبشرة.
(٣) ط: ((فقولى)) وما أثبته عن ا والتفسير.
(٤) الخبر فى التفسير ٣: ١٥٢ (بولاق).
(٥) ط: ((أنا)) وما أثبته من ! والتفسير.
(٦) سورة إبراهيم ٣٨.
(٧) دحص الأرض: أثار غبارها؛ وفى ا والتفسير: ((دحض))، وهما بمعنى.
( ١٧ )

٢٥٨
وهى زمزم، فجعلت تفحص الأرض بيدها عن الماء ، وكلما (١) اجتمع ماء
أخذته بقدحها ، فأفرغته فى سقائها ، قال : فقال النبى صلى اللّه عليه وسلم:
((يرحمها الله! لو تركتها لكانت عيناً سائحة تجرى إلى يوم القيامة)).
قال : وكانت جُرْهم يومئذ بواد قريب من مكة ، قال : ولزمت الطير
الوادى حين رأت الماء ، فلما رأت جُرْهم الطير لزمت الوادى ، قالوا . ما لزمته
إلا وفيه ماء ، فجاءوا إلى هاجر، فقالوا : لو شئت كنا معك وآنسناك والماء
ماؤك ، قالت : نعم! فكانوا معها حتى شبّ إسماعيل وماتت هاجر ، فتزوج
إسماعيل امرأة من جُرْهم ، قال : فاستأذن إبراهيم سارة أن يأتى هاجر ،
فأذنت له،وشرطت علیہ ألاّ ينزل، وقدم إبراهيم- وقد ماتت هاجر- إلى بيت
٢٨٤/١ إسماعيل، فقال لامرأته: أين صاحبك ؟ قالت : ليس ها هنا ، ذهب
يتصيّد ، وكان إسماعيل يخرج من الحرم فيتصيّد ثم يرجع ، فقال إبراهيم:
هل عندك (٢) ضيافة ؟ هل عندك طعام أو شراب؟ قالت : ليس عندى
وما عندى أحد، قال إبراهيم: إذا جاء زوجُك فأقرئيه السلام، وقولى له: فليغيّر
عتبة بابه ، وذهب إبراهيم وجاء إسماعيل، فوجد ريحَ أبيه فقال لامرأته : هل
جاءك أحد(٣) ؟ قالت: جاءنى شيخ صفته كذا وكذا كالمستخفّة بشأنه-
قال : فما قال لك ؟ قالت: قال لى: أقرئى زوجك السلام، وقولى له : فليغيِّر
عتبة بابه ، فطلَّقها وتزوّج أخرى، فلبث إبراهيم ما شاء الله أن يلبَث ، ثم
استأذن سارة أن يزور إسماعيل، فأذنَت له واشترطت عليه ألا ينزل ، فجاء
إبراهيم حتى انتهى إلى باب (٤) إسماعيل، فقال لامرأته: أين صاحبك ؟ قالت:
ذهب يتصيّد وهو يجىء الآن إن شاء الله، فانزل يرحمك الله! قال لها : هل
عندك ضيافة ؟ قالت : نعم ، قال : هل عندك خبز أو بُرّ أو شعير أو تمر ؟
قال : فجاءت باللبن واللحم ، فدعا لهما (٥) بالبركة ، فلو جاءت يومئذ بخبز
(١) ط والتفسير: ((فكلما)) وما أثبته من ا.
(٢) س: ((عندكم)).
(٣) ن: ((شيخ)).
(٤) س: «مکان )»
(٥) ر، س: ((لها)).

٢٥٩
أو بُرّ أو شعير أو تمر لكانت أكثر أرض الله برًّاً وشعيراً وتمراً، فقالت (١):
انزل حتى أغسل رأسك ، فلم ينزل، فجاءته بالمقام فوضعته عن شقه الأيمن ،
فوضع قدمه عليه فبقى أثر قدمه عليه، فغسلت شقّ رأسه الأيمن ، ثم حولت
المقام إلى شِقّه الأيسر ، فغسلت شقّه الأيسر، فقال لها : إذا جاء زوجك
فأقرئيه السلام ، وقولى له : قد استقامت عتبةُ بابك. فلما جاء إسماعيل وجد
ربح أبيه ، فقال لامرأته : هل جاءك أحد ؟ قالت : نعم ، شيخ أحسنُ الناس
وجهًا وأطيبهم ريحًا، فقال لى : كذا وكذا ، وقلتله: كذا وكذا ، وغسلترأسه،
وهذا موضع قدميه على المقام ، قال : وما قال لك ؟ قالت: قال لى: إذا جاء
زوجُك فأقرئيه السلام ، وقولى له : قد استقامت عتبة بابك ، قال ذلك إبراهيم ،
فلبث ما شاء الله أن يلبث وأمره (٢) الله عز وجل ببناء البيت، فبناه هو وإسماعيل،
فلما بنياه قيل: ﴿ أَذِّنْ فِ النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾(٣)، فجعل لا يمرُّ بقوم إلا قال: يأيها
الناس، إنّه قد بُنى لكم بيت فحجوه، فجعل لا يسمعه أحد ؛ لا صخرة ولا
شجرة ولا شىء إلا قال: لبّيك اللهم لبّيك. قال: وكان بين قوله: ﴿رَبَّنَا إِنِى
أُسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِى بِوَادٍ غَيرِذِىِ زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحرَّمِ﴾ ، وبين قو، :
﴿الحَمْدُ لِلِهِ الَّذِىِ وَهَبَ لِ عَلَى الكِبَرِ إسماعيلَ وإسْحاقَ﴾(٤) كذا وكذا
عامًا؛ لم يحفظ عطاء (٥).
٢٨٥/١٠
حدثنى محمد بن سنان ، قال: حدثنا عبيد الله بن عبد المجيد أبو على
الحنفی ، قال : أخبرنا إبراهيم بن نافع، قال : سمعت کثیر بن کثیر یحدّث عن
سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: جاء - يعنى إبراهيم - فوجد إسماعيل
يُصْلِح نَبْلا له من وراء زمزم ، فقال إبراهيم: يا إسماعيل ، إن ربّك قد
أمرنى أن أبنىَ له بيتًا ، فقال له إسماعيل: فأطع ربَّك فيما أمرك، فقال إبراهيم:
(١) ر : ((على)).
(٢) ط: ((فأمره))؛ وما أثبته من ا والتفسير .
(٣) سورة الحج ٢٧
(٤) سورة إبراهيم ٣٧، ٣٩.
(٥) الخبر فى التفسير ١٣: ١٥٢ - ١٥٣ (بولاق).
٢٨٦/١

٢٦٠
قد أمرك أن تُعينَنى عليه قال : إذاً أفعل ، قال : فقام معه، فجعل إبراهيم
يبنيه وإسماعيل بناوله الحجارة ويقولان: ﴿رَبْنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ
الْعَلِيمُ﴾ (١) ، فلما ارتفع البنيان وضعف الشيخ عن رفع الحجارة قام على
حجر ، وهو مقام إبراهيم، فجعل يناوله ويقولان: ﴿ تَقَبَلْ مِنَّا إنكَ أنْتَ السَّمِيع
العليم﴾(٢).
فلما فرغ إبراهيم من بناء البيت الذى أمره الله عزَّ وجلَّ ببنائه، أمره الله أن
يؤذِّن فى الناس بالحج، فقال له: ﴿وَأَذِّنْ فِ النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُكَ رِجَالًا
وَعَلَى كُلُّ ضَامِرٍ بَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجْ عَمِيقٍ﴾(٢). فقال إبراهيم - فيماذكرلنا -
ما حدثنا به ابن حُميد قال: حدثنا جرير، عن قابوس بن أبى ظَبْيان، عن
أبيه، عن ابن عباس، قال: لمافرغ إبراهيم من بناء البيت، قيل له: أُذُّن فى الناس
بالحجّ ، قال : يارب ، وما يبلغ صوتى ؟ قال : أُذِّن وعلىّ البلاغ ، فنادى
إبراهيم: يأيها الناس كتب عليكم الحجُّ إلى البيت العتيق، قال : فسمعه ما بين
السماء والأرض : أفلا ترى الناس يجيئون من أقصى الأرض يُلُبُّون !
حدثنا الحسن بن عرفة ، قال : حدثنا محمد بن فضيل بن غَزْوان الضّبى ،
عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس، قال : لما بنى
إبراهيم البيتَ أوحى الله عزَّ وجلَّ إليه: أن أذِّنْ فى الناس بالحج ، قال :
٢٨٧/١ فقال إبراهيم: ألاَ إن ربّكم قد اتخذ بيتًا، وأمركم أن تحجُّوه، فاستجاب له
ما سمعه من شىء ؛ من حجر أو شجر أو أكمة أو تراب أو شىء : تَبَّيْك
اللهم لبّيك(٣)!
حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا يحيى بن واضح ، قال : حدثنا الحسين
ابن واقد ، عن أبى الزبير، عن مجاهد ، عن ابن عباس، قوله: ﴿ وأُذَّنْ فِى
النّاسِ بالْحَجِّ)، قال: قام إبراهيم عليه السلام خليل الله على الحجر فنادى:
(١) سورة البقرة ١٢٧ والخبر فى التفسير ٣: ٦٨.
(٢) سورة الحج ٢٧ .
(٣) الخبر فى التفسير ١٧: ١٠٦ (بولاق).
L