Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١
فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا﴾(١) إلى آخر القصة، قال: فلما قتله سُقْط فى يديه ،
ولم يدركيف يُواريه، وذلك أنه كان - فيما يزعمون - أول قتيل من بنى آدم:
﴿ فَمَثَ اللهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِى الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُؤَارِى سَوْءَةَ أَخِيهِ
قَالَ يَا وَيْلَتَى أُعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِىَ سَوْءَةَ أَخِى. ﴾
إلى قوله: (ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِى الْأَرْضِ لَسْرِفُونَ﴾(١)
قال: ويزعم أهل التوراة أن قيْنًا(٢) حين قتل أخاه هابيل، قال الله له: أين
أخوك هابيل؟ قال : ما أدرى، ما كنت عليه رقيباً ؛ فقال اللّه له: إن صوت
دم أخيك لتينادينى من الأرض ! الآن أنت ملعون من الأرض التى فتحتْ
فاها ، فتلقَّتْ دم أخيك من يدك، فإذا أنت عملت فى الأرض ، فإنها لا تعود
تعطيك حرثُّها حتى تكونَ فزعاً تائهاً فى الأرض، فقال قين: عَظُمَتْ خطيقتى
من أن تغفرها ، قد أخرجتنى اليوم عن وجه الأرض [وأتوارى](٣) من قدامك،
وأكون فزعاً تائهاً فى الأرض، وكل من لقينى؛ قتلنى. فقال الله عزّ وجلّ: ليس
ذلك كذلك ؛ فلا يكون كلّ من قتل قتيلاً يجزى بواحد سبعة ، ولكن من
قتل قينًا يجزى سبعة، وجعل الله فى قين آية لئلا يقتله كلّ مَنْ وجده، وخرج
قين من قدام الله عزّ وجلّ من شرقىّ عدن الجنة (٤) .
١٤٢/١
...
وقال آخرون فى ذلك : إنما كان قتل القاتل منهما أخاه أن اللّه عزّ وجلّ"
أمرهما بتقريب قربان ، فتقبِّل قربان أحدهما ، ولم يتقبل من الآخر ، فبغاه
الذى لم يتقبَّل قربانه فقتله .
• ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن بشار ، قال : حدثنا محمد بن جعفر ، قال : حدثنا
(١) سورة المائدة ٢٧ - ٣٢
(٢) فى التفسير: ((قابيل)).
(٣) تكملة من اوالتفسير .
(٤) الخبر فى التفسير ١٠ : ٢٢٨

١٤٢
عوف ، عن أبى المغيرة ، عن عبد الله بن عمرو ، قال: إن ابنىْ آدم
اللذيْن قربا قرباناً فتقبّل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر كان أحدُهما صاحب
حرث، والآخرُ صاحب غنم، وأنهما أُمِرا أن يقرّبا قرباناً، وأن صاحب الغنم
قَرَّب أكرم غنمه وأسمنها وأحسنها، طيّبة بها نفسه، وأن صاحب الحرث قرّب ،
شرَّ حرثه: الكوزر (١) والزُّوان، غير طيبة بها نفسه، وأن اللّه عزّ وجلّ تقبل
قربان صاحب الغنم، ولم يتقبل قربان صاحب الحرث ، وكان من قصتهما ما
١٤٣/١ قصَّ اللّه فى كتابه وقال: ايمُ اللّه، إن كان المقتول لأشدّ الرجلين، ولكن منعه
التحرُّج أن ينبسط (٢) إلى أخيه (٣).
وقال آخرون بما حدثنى به محمد بن سعد ، قال : حدثنى أبى ،
قال : حدثنى عمى ، قال: حدثنى أبى، عن أبيه ، عن ابن عباس، قال :
كان من شأنهما أنه لم يكن مسكين يُتصدّق عليه ، وإنما كان القربان
يقرّبه الرجل، فبينا ابنا آدم قاعدان إذ قالا : لو قربنا قرباناً! وكان الرجلُ
إذا قرّب قرباناً فرضيه الله عزّ وجلّ أرسل إليه ناراً فأكلته، وإن لم يكن رضيه
اللّه خبت النار، فقرّبا قرباناً، وكان أحدهما راعياً والآخر حراثاً، وإنّ صاحب
الغنم قرّب خيرَ غَنمِه وأسمنها، وقرّب الآخر بعض زرعه، فجاءت النار فنزلت
[بينهما](٤) فأكلت الشاة وتركت الزرع ، وإن ابن آدم قال لأخيه: أتمشى فى
الناس، وقد علموا أنك قرَّبت قرباناً فتقبّل منك ورُدّ علىَّ قربانى! فلا واللّه
لا ينظر الناس إلىّ وإليك وأنت خير منى ، فقال : لأقتلنّك ، فقال له أخوه :
ما ذنبى ! إنما يتقبّل الله من المتقين (٥).
*
وقال آخرون : لم تكن قصة هذين الرجلين فى عهد آدم ، ولا كان القربان
(١) ط: ((الكوذر))، وفى التفسير: ((الكوزن))، وأثبت ما فى ا، ر، ك.
(٢) فى ط والتفسير: ((يبسط))، وأثبت ما فى ا
(٣) الخبر فى التفسير ١٠ : ٢٠٢
(٤) الخبر فى التفسير ١٠ : ٢٠٣
(٥) تكملة من ا والتفسير .

١٤٣
٠
فى عصره، وقالوا: إنما كان هذان رجلين من بنى إسرائيل، وقالوا: إن أوّل
ميِّت مات فى الأرض آدم عليه السلام، لم يمت قبله أحد .
ذكر من قال ذلك :
#
حدثنا سفيان بن وكيع ، قال : حدثنا سهل بن يوسف ، عن
عمرو ، عن الحسن ، قال : كان الرجلان اللذان فى القرآن قال الله عزّ وجل.
فيهما: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَىْ آدَمَ بِالْحَقِّ ) من بنى إسرائيل ، ولم
يكونا ابنى آدم لصلبه، وإنما كان القربان فى بنى إسرائيل، وكان آدم أول
من مات(١) .
٤٤
١
وقال بعضهم : إنّ آدم غشىَ حواء بعد مهبطهما إلى الأرض بمائة سنة ،
فولدت له قابيل وتوعمته قلما فى بطن واحد ، ثم هابيل وتوعمته فى بطن واحد ،
فلما شبُّوا أراد آدم عليه السلام أن يزوّج أخت قابيل التى ولدت معه فى بطن
واحد من هابيل ، فامتنع من ذلك قابيل، وقرّبا بهذا السبب قرباناً فتقبِّل
قربان هابيل ، ولم يتقبّل قربان قابيل ، فحسده قابيل ، فقتله عند عقبة
حيرى(٢) ثم نزل قابيل من الجبل، آخذاً بيد أخته قليما ، فهرب بها إلى عدن
من أرض اليمن .
حدثنى بذلك الحارث ، قال : حدثنا ابن سعد ، قال : أخبرنى
هشام ، قال : أخبرنى أبى ، عن أبى صالح ، عن ابن عباس ، قال : لما قتل
قابيل أخاه هابيل أخذ بيد أخته ثم هبط بها من جبل بَوْذ إلى الحضيض، فقال
آدم لقابيل : اذهب فلا تزال مرعوباً لا تأمن من تراه ، فكان لا يمرّ به أحد
من ولده إلا رماه، فأقبل ابنٌ لقابيل أعمى، ومعه ابن له، فقال للأعمى ابنه:
هذا أبوك قابيل ، فرمى الأعمى أباه قابيل فقتله ، فقال ابن الأعمى : قتلت
(١) الخبر فى التفسير ١٠: ٢٠٨.
(٢) كذا فى ا، ك، وفى ط: ((حراء)).

١٤٤
يا أبتاه أباك، فرفع الأعمى يده، فلطم ابنه فمات ابنه، فقال الأعمى: ويل لى !
قتلتُ أبى برميتى ، وقتلت ابنى بلطمتى !
وذكر فى التوراة أن هابيل قُتل وله عشرون سنة ، وأن قابيل كان له يوم
قتله خمس وعشرون سنة .
١٤٥/١
والصحيح من القول عندنا أنّ الذى ذكر اللهُ فى كتابه أنه قتل
أخاه من ابنىْ آدم هو ابن آدم لصلبه ، لنقْل الحجّة أن ذلك كذلك ، وأن
هنّاد بن السرىّ حدثنا، قال: حدثنا أبو معاوية ووكيع جميعاً عن الأعمش.
۔۔ وحدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا جرير . وحدثنا ابن وكيع ، قال : حدثنا
جرير وأبو معاوية عن الأعمش - عن عبد الله بن مرة ، عن مسروق ، عن
عبد الله(١)، قال: قال النبى صلى اللّه عليه وسلم: (( ما من نفس تُقتل ظلمًا إلا
كان على ابن آدم الأوّل كِفِْلٌ منها))، وذلك لأنه أولُ مَنْ سَنَّ القتل.
حدثنا ابن بشار ، قال : حدثنا عبد الرحمن بن مهدىّ - وحدثنا
أبن وكيع قال: حدثنا أبى - جميعًا عن سفيان(٢)، عن الأعمش، عن
عبد الله بن مرة ، عن مسروق ، عن عبد اللّه ، عن النبى صلى الله عليه
وسلم نحوه (٣).
فقد بيّن هذا الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صحةَ قول مَنْ قال:
إن اللذيْن قصّ الله فى كتابه قصتهما من ابنى آدم كانا ابنيْه لصلبه؛ لأنه لا شك"
أنهما لو كانا من بنى إسرائيل - كما رُوِى عن الحسن - لم يكن الذى وُصف
منهما بأنه قتل أخاه أوّل منْ سنّ القتل ، إذ كان القتل فى بنى آدم قد كان
قبل إسرائيل وولده .
٠ ٠
#
فإن قال قائل: فما برهانك على أنهما ولدا آدم لصلبه ، وأن لم يكونا من
بنى إسرائيل ؟
(١) مسروق بن الأجدع، روى عن عبد الله بن مسعود. (٢) سفيان الثورى.
(٣) الخبر فى التفسير ١٠ : ٢١٤.

١٤٥
قيل : لا خلاف بين سلف علماء أمتنا فى ذلك، إذا فسدَ قولُ من قال:
کانا من بنی إسرائیل
وذكر أن قابيل لما قتل أخاه هابيل بكاه آدم عليه السلام فقال - فما
حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن غياث بن إبراهيم ، عن أبى
إسحاق الهمدانىّ، قال: قال(١) على بن أبى طالب كرم الله وجهه: لما قتل
ابن آدم أخاه بكاه آدم ، فقال :
١٤٦/١
فَوَجْهُ الأرضِ مُغْبِرٌ قِيحُ(٢)
تَغَيِّرَتِ الْبِلَادُ وَمَنْ عَلَيْهَا
وَقَلَّ بَشَاشَةُ الوجه المليحِ
تَغَيَّ كُلُّ ذِى طَعْمِ وَلَوْنِ
قال : فأجيب آدم عليه السلام :
(٣)
وصار الحُّ کالمیت الذبيحِ
أبا هابيلَ قَدْ قُتِلا جَمِيعاً
على خَوْفٍ فجاء بها يَصِيحُ(٤)
وجاء بِشِرَّةٍ قَدْ كَانَ مِنْهَا
وذكر أن حواء ولدت لآدم عليه السلام عشرين ومائة بطن ، أولهم
قابيل وتوعمته قليما، وآخرهم عبد المغيث وتوءمته أمة المغيث
وأما ابن إسحاق فذُ كِر عنه ما قد ذكرتُ قبل؛ وهو أنّ جميعَ ما ولدته
حواء لآدم لصلبه أربعون من ذكر وأنثى فى عشرين بطناً ، وقال : قد بلغنا
أسماء بعضهم ولم يبلغنا بعض
حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال :
فكان منْ بلغنا اسمه خمسة عشر رجلا وأربع نسوة؛ منهم قين وتوءمته ، وهابيل
وليوذا(٥) وأشوت بنت آدم وتوعمها، وشيث (٦) وتوءمته، وحزورة وتوعمها ؛ على
(١) الخبر فى التفسير ١٠ : ٢٠٩
(٢) التفسير: ((فلون)»
(٣) !، س، ك: ((بالميت)).
(٤) فى الأبيات إقواء.
(٥) ن: ((كيوذا)»
(٦) !: (شث))
(١٠)

١٤٦
ثلاثين ومائة سنة من عمره . ثم أباد(١) بن آدم وتوعمته ، ثم بالغ (٢) بن آدم
وتوعمته ، ثم أثاثى (٣) بن آدم وتوعمته، ثم توبة (٤) بن آدم وتوعمته ، ثم بنان(٥)
ابن آدم وتوعمته ، ثم شبوبة (٦) بن آدم وتوعمته ، ثم حيان بن آدم وتوعمته ،
ثم ضرابيس (٧) بن آدم وتوعمته، ثم هدز(٨) بن آدم وتوعمته، ثم يحود (٩) بن
١٤٧/١ آدم وتوعمته ، ثم سندل بن آدم وتوعمته ، ثم بارق بن آدم وتوعمته ، کلُ رجل
منهم تولد معه امرأة فى بطنه الذى يُحْمَل به فيه .
. ..
وقد زعم أكثر علماء الفرس أن جُيومَرْت هو آدم ، وزعم بعضهم أنه
ابن آدم لصلبه من حواء .
وقال فيه غيرهم أقوالا كثيرة ، يطول بذكر أقوالهم الكتاب ، وتركنا ذكر
ذلك إذا كان قصدُنا فى كتابنا هذا ذِكْر الملوك وأيامهم ، وما قد شرطنا فى
كتابنا هذا أنّا ذاكروه فيه، ولم يكن ذكرُ اختلاف المختلفين فی نسب ملك
من جنس ما أنشأنا له صنعة الكتاب ، فإن ذكرْنا من ذلك شيئاً فلتعريف
من ذكرنا؛ ليعرفه منْ لم يكن به عارفاً؛ فأما ذكر الاختلاف فى نسبة فإنه
غير المقصود به فى كتابنا هذا .
٠٠ ٠ ٥
*
وقد خالف علماءَ الفرس فيما قالوا من ذلك آخرون من غيرهم ممن زعم أنه
آدم ، ووافق علماءُ الفرس على اسمه وخالفه فى عينه وصفته ، فزعم أن
(١) كذا فى ا، ن، وفى ط: ((إياد)).
(٢) ك: ((بالع)).
(٣) !: ((أثات))، ر: ((إياثى)).
(٤) ر: ((ثوبة)).
(٥) ا، ن: ((بيان))، ر: ((لبنان)).
(٦) ر: ((ثوبه))، ك: ((شوبة))، ن: ((سبوبة)).
(٧) س: ((صرابيس)).
(٨) !: ((هزر))، س: ((هوز))، ك: ((هرز))، ن: ((هدن)) .
(٩) ا: ((نجود))، س: ((يحور))، ن: ((بحود)).

١٤٧
جُيُومَرْت(١) الذى زعمت الفرس أنه آدم عليه السلام إنما هو جامر (٢) بن يافث
ابن نوح، وأنه كان معمراً سيِّدًا، نزل جبل دُ نْبَاوَنْد (٣) من جبال طبَرٍّستان من
أرض المشرق، وتملَّك بها وبفارس، ثم عظم أمره وأمر ولده،حتى ملكوا بابل،
وملكوا فى بعض الأوقات الأقاليم كلَّها، وأن جُيومَرْت منع من البلاد ما صار
إليه ، وابتنى المدن والحصون وعمّرها، وأعدَّ السلاح، واتخذ الخيل، وأنه تجبّر
فى آخر عمره، وتسمى بآدم؛ وقال: منْ سمانى بغير هذا الاسم ضربتُ عنقه،
وأنه تزوج ثلاثين امرأة، فكثر منهنّ نسلُه، وأن مارى (٤) ابنه وماريانه(٥) أخته،
ممن كان ولد له فى آخر عمره ، فأعجب بهما وقدّمهما ، فصار الملوك بذلك
السبب من نسلهما ، وأن ملكه اتسع وعظُم .
١٤٨/١
وإنما ذكرت من أمر جيُومَرْت فى هذا الموضع ما ذكرت، لأنه لا تدافُعَ
بين علماء الأمم أن جيومرت هو أبو الفرس من العجم ؛ وإنما اختلفوا فيه :
هل هو آدم أبو البشر على ما قاله الذين ذكرنا قولهم أم هو غيره ؟ ثم مع ذلك
فلأنّ ملكه وملك أولاده لم يزلْ منتظماً على سياق، متسقاً بأرض المشرق وجبالها إلى
أن قتل يَزْدَ جِرْد بن شهريار من ولد ولده بمَرْو- أبعده الله - أيام عثمان بن عفان
رضى الله عنه، فتأريخ ما مضى من سنى العالم على أعمار ملوكهم أسهلُ بياناً،
وأوضح مناراً منه على أعمار ملوك غيرهم من الأمم ؛ إذ لا تُعلم أمة من الأمم
الذين ينتسبون إلى (٦) آدم عليه السلام دامت لها المملكة، واتصل لهم(٧) الملك،
وكانت لهم ملوك تجمعهم ، ورءوس تحامى عنهم من ناوأهم ، وتغالب بهم من
عَازَّهم ، وتدفع ظالمهم عن مظلومهم ، وتحملهم من الأمور على ما فيه حظهم
(١) جيومرت، كذا كتب فى الأصول، بالجيم والتاء المثناة، وكذا فى الشاهنامة ١ : ١٣،
ومعناه عند الفرس اسم الإنسان الأول .
(٢) ر، وابن الأثير ١: ٢٨: ((حام بن يافث)).
(٣) دنباوند ، ضبطه ياقوت بضم أوله وسكون ثانيه وبعدها باء موحدة، وبعد الألف واو ثم
نون ساكنة وآخره دال، قال: ((ويقال دباوند: جبل من نواحى الرى)). وفى س: ((دبياوند)).
(٤) ك: ((أمارى))
(٥) ر: ((مارياثة))، س: ((ماريا))، ك: ((ماربانة)).
(٦) !: ((ينسبون)).
(٧) : ((بها».

١٤٨
على اتصال ودوام ونظام، يأخذ ذلك آخرهم عن أولهم، وغابرهم عن سالفهم -
سواهم ، فالتأريخ على أعمار ملوكهم أصحُّ مخرجاً ، وأحسن وضوحاً .
د
١٤٩/١
وأنا ذاكرما انتهى إلينا من القول فى عمر آدم عليه السلام وأعمار مَنْ كان
بعده من ولده الذين خلفوه فى النبوة والملك، على قول من خالف قول الفرس الذین
زعموا أنه جُيُومَرْت، وعلى قول من قال: إنه هو جيومرت أبو الفرس، وذا كر
ما اختلفوا فيه من أمرهم إلى الحال التى اجتمعوا عليها ، فاتفقوا على مَنْ ملك
منهم فى زمان بعينه أنه كان هو الملك فى ذلك الزمان إن شاء الله ، ولا حول
ولا قوة إلا بالله ، ثم سائق ذلك كذلك إلى زماننا هذا .
ونرجع الآن إلى الزيادة فى الإبانة عن خطإ قول من قال : إن أول ميت
كان فى أول الأرض آدم، وإنكاره الذين قصّ اللّه نبأهما فى قوله:
﴿وَاثْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأْ ابْنَىْ آدَمَ بِالحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْباناً﴾ (١)، أن يكونا من
صُلْب آدم من أجل ذلك .
فحدثنا محمد بن بشار ، قال : حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث ،
قال: حدثنا عمربن إبراهيم، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة بن جندب،
عن النبى عليه السلام قال: ((كانت حواء لا يعيش لها ولد ، فنذرت لئن
عاش لها ولد لتسمينّه عبد الحارث، فعاش لها ولد فسمّتْه عبد الحارث، وإنما
كان ذلك عن وحى الشيطان(٢)
وحدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن
داود بن الحصين ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : كانت حواء تلد
لآدم فتُعبِّدهم اللّه(٣) عزّ وجلَ وتسميهم: عبد الله، وعبيد الله، ونحو ذلك،
(١) سورة المائدة ٢٧ .
(٢) الخبر فى التفسير ١٣: ١٩٠
(٣) ! والتفسير: ((للّه)).

١٤٩
فيصيبهم الموت ، فأتاها إبليس وآدمَ عليه السلام ؛ فقال: إنكما لو تسميانه
بغير الذى تسميانه به لعاش، فولدت له ذكراً، فسمياه عبد الحارث ؛ ففيه أنزل
اللّه عزّ ذكره، يقول الله عزّ وجلّ: ﴿هُوَ الَّذِىِ خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ)؛
إلى قوله: (جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَاَ آتَاهُمَا﴾(١) إلى آخر الآية(٢)
حدثنا ابن وكيع ، قال : حدثنا ابن فضيل، عن سالم بن أبى ١٠٠/١
حفصة ، عن سعيد بن جُبير: ﴿ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اُللهَ رَبَّهُمَا) إلى قوله:
﴿ فَتَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾(١)
قال: ولما حملت حواء فى أول ولد ولدتْه حين أثقلت أتاها إبليسُ قبل
أن تلد فقال : يا حواء ، ما هذا فى بطنك؟ فقالت: ما أدرى مَنْ ؟ فقال:
أين يخرج ؟ من أنفك ؟ أو من عينك ؟ أو من أذنك ؟ قالت : لا أدرى ،
قال : أرأيت إن خرج سلما أمطيعتى أنت فيما آمرك به ؟ قالت: نعم ، قال :
سمّيّه عبد الحارث - وقد كان يسمى إبليس لعنه الله الحارث - فقالت: نعم،
ثم قالت بعد ذلك لآدم : أتانى آت فى النوم فقال لى: كذا وكذا، فقال: إن
ذاك الشيطان فاحذريه، فإنه عدوّنا الذى أخرجنا من الجنة، ثم أتاها إبليس
لعنه الله فأعاد عليها، فقالت: نعم، فلما وضعته أخرجه اللّه سلما فسمته
عبد الحارث، فهو قوله: ﴿جَعَلَالَهُ شُرَكَاءَ فِيمَاَ آتَاهُمَا} إلى قوله: ﴿ فَتَعَالَى اللهُ
عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾(٣).
حدثنا ابن وكيع ، قال : حدثنا جرير وابن فضيل (٤) ، عن
عبد الملك(٥)، عن سعيد بن جبير، قال: قيل له : أشْرَك آدم ؟ قال : أعوذ
بالله أن أزعم أن آدم عليه السلام أشْرك! ولكن حواء لما أثقلت أتاها إبليس
(١) سورة الأعراف ١٨٩، ١٩٠
(٢) الخبر فى التفسير ١٣: ٣٠٩
(٣) الخبر فى التفسير ١٣ : ٣١٣
(٥) عبد الملك بن أبى سلمان
(٤) محمد بن فضيل بن غزوان .

١٥٠
فقال لها : منْ أين يخرج هذا ؟ من أنفك ، أو من عينك ، أو من فيك ؟
فقنَّطها؛ ثم قال: أرأيت إن خرج سويا - قال ابن وكيع : زاد ابن فضيل :
(لم يضرّك ولم يقتلك)) - أتطعينى؟ قالت: نعم، قال: فسميّه عبد الحارث،
ففعلت - زاد جرير: فإنما كان شركه فى الاسم (١).
حدثنا موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال :
١٥١/١ حدثنا أسباط، عن السدىّ: فولدت - يعنى حواء - غلاماً، فأتاها إبليس
فقال : سمّوه عبدى، وإلا قتلته، قال له آدم : قد أطعتُك وأخرجتّنى من
الجنة. فأبى أن يطيعه؛ فسماه ((عبد الرحمن))، فسلّط عليه إبليس لعنه الله فقتله،
فحملت بآخر فلما ولدته ، قال : سميه عبدى وإلا قتلته ، قال له آدم عليه
السلام: قد أطعتك فأخرجتنى من الجنة . فأبى فسماه صالحاً ، فقتله ، فلما
كان الثالث قال لهما : فإذ غلبتمونى فسمُّوه عبد الحارث، وكان اسم إبليس
الحارث، - وإنما سمى إبليس حين أبْلَس (تحيّر)(٢) - فذلك حين يقول
اللّه عزّ وجلّ: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاء فِيَا آتَاهُمَا﴾ - يعنى فى الأسماءِ(٣).
فهؤلاء الذين ذكرت الرواية عنهم بما ذكرت؛ من أنه مات لآدم وحواء
أولاد قبلهما، ومَنْ لم نذكر أقوالهم ممن عددُهم أكثر من عدد مَنْ ذكرت
قوله والرواية عنه، قالوا خلاف قول الحسن الذى روى عنه أنه قال : أول من
مات آدم عليه السلام .
وكان آدم مع ما كان اللّه عزّ وجل" قد أعطاه من ملك الأرض والسلطان
فيها قد نبّأه ، وجعله رسولا إلى ولده ، وأنزل عليه إحدى وعشرين صحيفة كتبها
آدم عليه السلام بخطه ، علّمه إياها جبرئيل عليه السلام.
وقد حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب ، قال : حدثنا عمّى ،
١٥٢/١ قال : حدثنى الماضى بن محمد ، عن أبى سليمان ، عن القاسم بن محمد ، عن
(١) الخبر فى التفسير ١٣ : ٣١٣
(٢) ط: ((تحيرا)) تصحيف.
(٣) الخبر فى التفسير ١٣ : ٣١٣

١٥١
أبي إدريس الخولانيّ ، عن أبى ذرّ الغفارىّ، قال : دخلت المسجد فإذا رسول
اللّه صلى الله عليه وسلم جالس وحده، فجلست إليه فقال لى: ((يا أبا ذرّ، إن
للمسجد تحية وإن تحيته ركعتان ، فقم فاركعهما))، فلما ركعتهما جلست إليه
فقلت: يا رسول الله، إنك أمرتنى بالصلاة فما الصلاة؟ قال: ((خيرُ موضوع،
استكثر أو استقل))، ثم ذكر قصة طويلة قال فيها: قلت : يا رسول اللّه،
كم الأنبياء؟ قال: ((مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً)، قال: قلت: يا رسول الله،
كم المرسل من ذلك؟ قال: ((ثلثمائة وثلاثة عشر جمًّا غفيراً))، يعنى كثيراً طيباً،
قال: قلت يا رسول الله، من كان أولهم؟ قال: ((آدم ))، قال: قلت يا رسول
اللّه، وآدم نبيّ مرسل؟ قال: ((نعم خلقه الله بيده ، ونفخ فيه من روحه، ثم
سواه قُبُلاً)).(١)
حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، قال : حدثنى محمد
ابن إسحاق ، عن جعفر بن الزبير ، عن القاسم بن عبد الرحمن ، عن أبى
أمامة ، عن أبى ذرّ قال: قلت، يانبي الله، أنبيًّا كان آدم ؟ قال: (( نعم،
كان نبيًّا، كلّمه الله قُبُلا)).
وقيل: إنه كان مما أنزل الله تعالى على آدم تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير
وحروف المعجم فى إحدى وعشرين ورقة .
(١) قبلا ، أى عيانا .

ذكر ولادة حواء شيئاً
ولما مضى لآدم صلى الله عليه وسلم من عمره مائة وثلاثون سنة ، وذلك بعد
قتل قابيل هابيل بخمس سنين، ولدت له حواء ابنه شيئاً ، فذكر أهل التوراة أن
شيئاً ولد فرداً بغير توعم، وتفسير ((شيث) عندهم ((هبة الله))، ومعناه أنه خلف
من هابيل .
حدثنى الحارث بن محمد، قال: حدثنى ابن سعد ، قال : أخبرنا هشام ،
١٥٣/١ قال : أخبرنى أبى ، عن أبى صالح، عن ابن عباس، قال: ولدت حواء لآدم
شيئا وأخته عزورا (١)، فسمى هبة الله، اشتُقَّله من هابيل، قال لها جبرئيل
حين ولدته : هذا هبة الله بدل هابيل ، وهو بالعربية شِّ ، وبالسريانية
شائ ، وبالعبرانية شیث ، وإليه أوصى آدم ، وکان آدم يوم ولد له شیث
ابن ثلاثين ومائة سنة .
حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ،
قال: لما حضرت آدم الوفاة - فيما يذكرون والله أعلم - دعا ابنه شيئا فعهد
إليه عهده، وعدّمه ساعات الليل والنهار، وأعلمه عبادة الخلق فى كلّ ساعة
منهنّ ، فأخبره أنّ لكل ساعة صنفاً من الخلق فيها عبادته . وقال له : يا بنى
إن الطوفان سیکون فى الأرض یلبث فيها سبع سنين . وكتب وصيته ، فكان
شيث - فيما ذكر- وصىّ أبيه آدم عليه السلام، وصارت الرياسة من بعد وفاة
آدم لشيث ، فأنزل (٢) اللّه عليه فيما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
خمسين صحيفة
حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب ، قال : حدثنا عمىّ ،
قال : حدثنا الماضى بن محمد ، عن أبى سليمان ، عن القاسم بن محمد ، عن
أبي إدريس الخولانيّ، عن أبى ذر الغفارىّ، قال: قلت: يا رسول الله، كم
(١) كذا فى ا، ن وفى ط: ((حزورا)).
(٢) : ((وأنزل)).
١٥٢

١٥٣
كتاب أنزله الله عزّ وجل؟ قال: ((مائة كتاب وأربعة كتب ، أنزل اللّه على
شيئ خمسين صحيفة)) .
وإلى شيث أنسابُ بنى آدم كلّهم اليوم ؛ وذلك أن نسل سائر ولد آدم
غير نسل شيث ، انقرضوا وبادوا فلم يبق منهم أحد ، فأنسابُ الناس كلهم
اليوم إلى شيث عليه السلام .
١٥٤/١
وأما الفرس الذين قالوا إن جُومَرْت هو آدم؛ فإنهم قالوا: ولد لجيومَرْت
ابنه ميشى، وتزوج ميشى (١) أخته ميشانه فولدت له سيامك بن ميشى ،
وسيامى ابنة ميشى ، فولد لسيامك بن ميشى بن جيومرت أفرواك ، وديس ،
وبراسب، وأجوب (٢)، وأوراش(٣) بنو سيامك، وأفرى، ودذى(٤)، وبرى(٥)
وأوراشى بنات سيامك ، أمهم جميعاً سيامى بنت ميشى ، وهى أخت أبيهم
وذكروا أن الأرض كلَّها سبعة أقاليم ، فأرض بابل وما يوصل إليه مما يأتيه
الناس برًّا أو بحراً فهو إقليم واحد، وسكانه نسل ولد أفرواك بن سيامك وأعقابهم،
وأما الأقاليم الستة الباقية التى لا يوصل إليها اليوم برا أو بحراً فنسل سائر ولد
سيامك ، من بنيه وبناته .
فولد لأفرواك بن سيامك من أفرى بنت سيامك هوشنْك بيشداذ الملك ،
وهو الذى خلَف جدّه جُومَرْت فى الملك ، وأول منْ جمع له ملك الأقاليم
السبعة، وسنذكر أخباره إن شاء اللّه إذا انتهينا إليه . وكان بعضهم يزعم أن
أوشهنج هذا ، هو ابن آدم لصلبه من حواء
وأما هشام الكلبىّ فإنه فيما حدّثْتُ عنه قال: بلغنا والله أعلم - أول ملك
ملك الأرض أوشهنق بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح ، قال :
(١) كذا فى ا، والشاهنامة؛ وفى ط: ((مشا ... ميشان))، وانظر الشاهنامة وحواشيها
١: ١٤، ١٥
(٢) كذا فی ا، وفى ط: «أجرب )» .
(٣) ر، ك: ((أوراس))، س: «أوراس»
(٤) أ: ((دخرى)).
(٥) ١: (بزى)).

١٥٤
والفرس تدَّعيه وتزعم أنه كان بعد وفاة آدم بمائتى سنة، قال: وإنما كان هذا
الملك فيما بلغنا بعد نوح بمائتى سنة، فصيّره أهل فارس بعد آدم بمائتى سنة ،
١٥٥/١ ولم يعرفوا ما كان قبل نوح .
وهذا الذى قاله هشام قول لا وجه له ، لأن هوشهنك الملك فى أهل المعرفة
بأنساب الفرس أشهر من الحجاج بن يوسف فى أهل الإسلام ، وكلّ قوم فهم
بآبائهم وأنسابهم ومآ ثرهم أعلم من غيرهم ؛ وإنما يُرجع فى كل أمر التبس
إلى أهله .
وقد زعم بعض نسابة الفرس أن أوشتهنج بيشداذ الملك هذا هو مهلائيل ،
وأن أباه فرواك هو قينان أبو مَهْلائيل، وأن سيامك هو أنوش أبو قينان ، وأن
ميشى هو شيث أبو أنوش ، وأن جُيُومَرَت هو آدم صلى الله عليه وسلم.
فإن كان الأمر كما قال ، فلا شك أن أوشهنج كان فى زمان آدم رجلا ،
وذلك أن مَهْلائيل فيما ذكر فى الكتاب الأول كانت ولادة أمه دينة (١) ابنة برا كيل
ابن محويل بن خَنوخ بن قَيْن بن آدم إياه بعد ما مضى من عمر آدم صلى اللّه
عليه وسلم ثلثمائة سنة وخمس وتسعون سنة ، فقد كان له حين وفاة آدم ستمائة
سنة وخمس سنين ، على حساب ما روى عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فى
عمر آدم أنه كان عمره ألف سنة .
وقد زعمت علماء الفرس أن مُلْك أوشهنج هذا كان أربعين سنة . فإن
كان الأمر فى هذا الملك كالذى قاله النسابة الذى ذكرت عنه ما ذكرت فلم
يُبْعِد من قال : إن مُلْكه كان بعد وفاة آدم صلى الله عليه وسلم بمائتى سنة .
(١) !: ((ذنبه))
ط

*****
ذكر وفاة آدم عليه السلام
اختُلِف فى مدة عمره ، وابن كَمْ كان يوم قبضه الله عز وجل إليه.
١٥٦/١
فأما الأخبار عن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم فإنها واردة بما حدثنى
محمد بن خلف العسقلانىّ ، قال : حدثنا آدم بن أبى إياس ، قال :
حدثنا أبو خالد سليمان بن حيان ، قال : حدثنى محمد بن عمرو ، عن أبى
سلمة ، عن أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم- قال أبو خالد: وحدثنى
الأعمش ، عن أبى صالح عن أبى هريرة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم . قال
أبو خالد: وحدثنى داود بن أبى هند، عن الشعبى، عن أبى هريرة عن النبى صلى الله
عليه وسلم . قال أبو خالد : وحدثنى ابن أبى ذباب الدَّوْسِىُّ، قال: حدثنا
سعيد المقبُرىّ ويزيد بن هرمز، عن أبى هريرة، عن النبى صلى الله عليه وسلم-
أنه قال: ((خلق الله آدم بيده ونفخ فيه من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا له،
فجلس فعطَس فقال : الحمد لله، فقال له ربه : يرحمك ربك، إيت أولئك
الملأ من الملائكة فقل لهم: السلام عليكم، فأتاهم فقال [لهم ](١): السلام
عليكم . قالوا له: وعليك السلام ورحمة الله ، ثم رجع إلى رَبِّه فقال له : هذه
تحيتك وتحية ذريتك بينهم، ثم قبض له يديه، فقال له : خذ واختر ، قال :
.اخترت يمين ربى وكلتا يديه يمين ، ففتحها له ، فإذا فيها صورة آدم وذريته
كلّهم ، فإذا كلّ رجل مكتوب عنده أجلُه، وإذا آدم قد كتب له عمر ألف
سنة، وإذا قوم عليهم النور، فقال : يا ربّ، منْ هؤلاء الذين عليهم النور،
فقال : هؤلاء الانبياء والرسل الذين أرسل إلى عبادى، وإذا فيهم رجل هو
أضوءهم نوراً، ولم يكتب له من العمر إلا أربعون سنة ، فقال : [ يا ربّ،
ما بالُ هذا، من أضوتهم نوراً ولم يكتب له من العمر إلا أربعون سنة ؟ فقال](١):
ذاك ما كتبله ، فقال: يا ربّ، انقص له من عمرى ستين سنة)). فقال رسول
اللّه صلى اللّه عليه وسلم: ((فلما أسكنه الله الجنة ثم أهبط إلى الأرض كان يَعُدّ
١٥٧/١
(١) تكملة من ا
١٥٥

١٥٦
أيامه ، فلما أتاه ملك الموت ليقبضه قال له آدم: عجّلتَ علىّ يا ملك الموت!
فقال : ما فعلت ، فقال : قد بقىّ من عمرى ستون سنة ، فقال له ملك الموت :
ما بقىَ من عمرك شىء ، قد سألتَ ربّك أن يكتبه لابنك داود ، فقال :
ما فعلتُ)). فقال: رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: ((فنسى آدم، فنسيتْ
ذريته، وجَحد آدم فجحَدت ذريته، فيومئذ وَضَع اللّه الكتاب، وأمر بالشهود)).
حدثنى ابن سنان ، قال : حدثنا موسى بن إسماعيل ، قال :
حدثنا حماد بن سلمة ، عن علىّ بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن
عباس، قال : لما نزلتْ آية الدَّيْن قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن
أولَ منْ جحد آدم عليه السلام ثلاث مرات ، وإن الله تبارك وتعالى لما خلقه
مسح ظهره فأخرج منه ما هو ذار إلى يوم القيامة ، فجعل يعرضهم على آدم ،
فرأى فيهم رجلا يزهَر ، فقال: أى ربّ، أى نبيّ هذا؟ قال: هذا ابنك داود،
قال : أى ربّ ، کم عمره ؟ قال: ستون سنة، قال : آئ ربّ ، زده فى عمره،
قال : لا ، إلا أن تزيده أنت من عمرك ، وكان عمر آدم ألف سنة ، فوهب
له من عمره أربعين عاماً ، فكتب الله عليه بذلك كتاباً وأشهد عليه الملائكة ،
فلما احتضر آدم أتته الملائكة لتقبض روحه ، قال : إنه قد بقى من عمرى
أربعون سنة ، قالوا : إنك قد وهبتها لابنك داود، قال : ما فعلت ولا وهبت
له شيئاً ، فأنزل الله عليه الكتاب، وأقام عليه الملائكة شهوداً، فأكمل لآدم
ألف سنة، وأكمل لداود مائة سنة)).
حدثنى محمد بن سعد، قال: حدثنى أبى، قال: حدثنى عمّى(١)، قال:
حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله عزّ وجلّ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ
مِنْ بَِ آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَتَهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿قَالُواَ بَى شَهِدْنَا﴾(٢)
قال ابن عباس : إن الله عزَ وجلّ لما خلق آدم مسح ظهره، وأخرج ذريته
١٥٨/١
(١) ط : حدثنى محمد بن سعد، قال حدثنا هشام، قال حدثنى أبى قال حدثنى عمى ،
وما أثبته عن ا والتفسير
(٢) سورة الأعراف ١٧٢
L

١٥٧
كلّهم كهيئة الذرّ ، فأنطقهم فتكلموا ، وأشهدهم على أنفسهم ، وجعل
مع بعضهم النور . وأنه قال لآدم: هؤلاء ذريتك أُخِذ عليهم الميثاق :
أنى أنا ربهم لئلا يُشركوا بى شيئاً ، وعلى رزقهم . قال آدم : فمن هذا الذى
معه النور ؟ قال : هو داود ، قال: يا ربّ ، كم كتبت له من الأجل ؟
قال: ستين سنة ، قال : كم كتبت لى ؟ قال : ألف سنة ، وقد كتبت
لكل إنسان منهم : كم يعمَّر، وكم يلبث ، قال : يا رب زدْه ، قال : هذا
الكتاب موضوع فأعطه إن شئت من عمرك، قال: نعم، وقد جفّ القلم عن سائر
بنى آدم(١) ، فكتب له من أجل آدم أربعين سنة ، فصار أجلُه مائة سنة ،
فلما عمّر تسعمائة سنة وستين سنة جاءه ملك الموت ، فلما أن رآه آدم قال:
مالكَ ؟ قال له : قد استوفيتَ أجلك ، قال له آدم : إنما عمّرت تسعمائة
سنة وستين سنة، وبقى [لى](٢) أربعون سنة، فلما قال ذلك للملّك، قال الملك:
قد أخبرنى بها ربى، قال: فارجع إلى ربك فسلْه، فرجع الملك إلى ربه فقال (٣):
مالك ؟ قال: يا ربّ رجعتُ إليك لما كنت أعلم من تكرمتك إياه ، قال الله
عزّ وجلّ : ارجع فأخبره ، أنه قد أعطى ابنه داود أربعين سنة (٤).
حدثنا ابن بشار ، قال : حدثنا محمد بن جعفر ، قال : حدثنا
شعبة ، عن أبى بشر، عن سعيد بن جبير فى هذه الآية: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ
مِنْ بَنِ آدَمَ مِنْ ظُهُورِ هِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ}،
قال: أخرجهم من ظهر آدم، وجعل لآدم عمر ألف سنة، قال: فعرضوا على آدم،
فرأى رجلاً من ذريته له نور ، فأعجبه فسأله عنه فقال: هو داود، وقد جعل
عمره ستين سنة ، فجعل له من عمره أربعين سنة ، فلما احتُضِر آدم عليه
السلام جعل يخاصمهم فى الأربعين السنة، فقيل له : إنك قد أعطيتها داود ،
قال : فجعل يخاصمهم(٥)
١٥٩/١
(١) فى التفسير: ((عن أجل سائر بنى آدم)).
(٢) تكملة من ا
(٣) فى الأصول: ((قال)). وما أثبته من التفسير.
(٤) الخبر فى التفسير ١٣ : ٢٣٧
(٥) الخبر فى التفسير ١٣ : ٢٤٠

١٥٨
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا يعقوب ، عن جعفر ، عن سعيد ،
فى قوله عزّ وجلّ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَّبُّكَ مِنْ بَنِ آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾
قال : أخرج ذريته من ظهره فى صورة كهيئة الذّر ، فعرضهم على آدم
بأسمائهم وأسماء آبائهم وآجالهم ، قال : فعرض عليه روح داود فى نور ساطع ،
فقال : مَنْ هذا؟ قال : هذا من ذريتك، نبيِّ خلقته، قال: كم عمره ؟
قال: ستون سنة، قال: زيدوه من عمرى أربعين سنة، قال: والأقلام(١) رطبة
تجرى ، وأثبتت لداود عليه السلام الأربعون ، وكان عمر آدم ألف سنة ،
فلما استكملها إلا الأربعين سنة(٢) بعث إليه ملك الموت قال: يا آدم أمِرتُ
أن أقبضك ، قال : ألم يبق من عمرى أربعون سنة ؟ قال: فرجع ملك الموت إلى
ربه عزّ وجلّ فقال: إن آدم يدَّعى من عمره أربعين سنة ، قال : أخبرْ آدم
أنه جعلها لابنه داود. والأقلام رطبة، وأثبتت لداود [الأربعون](٣).
حدثنا ابن وكيع ، قال : حدثنا أبو داود ، عن يعقوب ، عن
جعفر ، عن سعيد ، بنحوه .
١٦٠/١
وذكر أن آدم عليه السلام مرض قبل موته أحد عشر يوماً ، وأوصى إلى
ابنه شيث عليه السلام وكتب وصيته ، ثم دفع كتاب وصيته إلى شيث ، وأمره
أن يخفيه من قابيل وولده ، لأن قابيل قد كان قتل هابيل حسداً منه حین
خصّه آدم بالعلم ، فاستخفى شيث وولده بما عندهم من العلم ، ولم يكن عند
قابیل وولده علم ينتفعون به (٤) .
ويزعم أهل التوراة أن عمر آدم عليه السلام كله كان تسعمائة سنة
وثلاثين سنة .
حدثنا الحارث قال : حدثنا ابن سعد ، قال : أخبرنى هشام
ابن محمد ، قال: أخبرنى آبى، عن أبى صالح ، عن ابن عباس ، قال : كان
عمر آدم تسعمائة سنة وستاً وثلاثين سنة ؛ والله أعلم .
(١) ط: ((فالأقلام))، وما أثبته عن اوالتفسير.
(٢) ا: ((السنة)»
(٣) الخبر فى التفسير ١٣: ٢٤١، والتكملة من ا.
(٤) ا: ((ينفعون)).

١٥٩
والأخبار الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والعلماء من سلفنا ما قد
ذكرت ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم كان أعلم الخلق بذلك.
وقد ذكرت الأخبار الواردة عنه أنه قال : كان عمره ألف سنة ، وأنه بعد
ما جعل لابنه داود من ذلك ما جعل له، أكمل اللّه له عدّة ما كان أعطاه من
العمر قبل أن يهب لداود ما وهب له من ذلك ، ولعلّ ما كان جعل من
ذلك ادم عليه السلام لداود عليه السلام لم يُحسَب فى عمر آدم فى التوراة ،
فقيل : كان عمره تسعمائة وثلاثين سنة .
فإن قال قائل : فإنّ الأمر وإن كان كذلك ؛ فإن آدم إنما كان جعل
لابنه داود من عمره أربعين سنة ، فكان ينبغى أن يكون فى التوراة تسعمائة
سنة وستون؛ ليوافق ذلك ما جاءت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قيل : قد روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فى ذلك أن الذى كان
جعل آدم لابنه داود من عمره ستون سنة ، وذلك فى رواية لأبى هريرة (١) عنه ،
وقد ذكرناها قبل. فإن يكن ذلك كذلك ، فالذى زعموا أنه فى التوراة من الخبر
عن مدة حياة آدم عليه السلام موافق لما روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
فى ذلك .
١٦١/١
حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، أنه
قال : لما كتب آدم الوصية مات صلوات الله عليه، واجتمعت عليه الملائكة
من أجل أنه كان صفىَّ الرحمن، فقبرته الملائكة ، وشيث وإخوته فى مشارق
الفردوس ، عند قرية هى أول قرية كانت فى الأرض ، وكسفت عليه الشمس
والقمر سبعة أيام ولياليهنّ، فلما اجتمعت عليه الملائكة وجمع الوصية، جعلها
فى معراج ، ومعها القرن الذى أخرج أبونا آدم من الفردوس ؛ لكيلا يغفل عن
ذكر الله عزّ وجلّ.
حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن
يحيى بن عباد ، عن أبيه ، قال: سمعته يقول: بلغنى أن آدم عليه السلام حين
(١) ط: «أبى هريرة))، وما أثبته من ا.

١٦٠
مات بعث الله إليه بكفنه وحنوطه من الجنة، ثم وليت الملائكة قبره ودفنه حتى
غیبوه
حدثنا على بن حرب ، قال : حدثنا روح بن أسلم ، قال :
حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت البنانيّ، عن الحسن ، عن النبى صلى الله عليه
وسلم قال: (( لما توفى آدم غسلته الملائكة بالماء وتراً، وألحدوا(١) له، وقالت:
هذه سنّة آدم فى ولده ))
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن الحسن
ابن ذكوان ، عن الحسن بن أبى الحسن، عن أبيّ بن كعب ، قال : قال
رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: ((إن أباكم آدم كان طُوالا كالنخلة
١٦٢/١ السحوق، ستين ذراعاً، كثير الشعر، موارَى العورة، وأنه لما أصاب الخطيئة
بدت له سوءته فخرج هارباً فى الجنة فتلقاه شجرة ، فأخذت بناصيته ،
وناداه ربّه: أفرارًا منى يا آدم! قال : لا والله يا ربّ ولكن حياءً منك
مما [قد](٢) جنيت، فأهبطه اللّه إلى الأرض، فلما حضرته الوفاة بعث الله إليه
بجنوطه (٣) وكفته من الجنة، فلما رأت حواء الملائكة ذهبت لتدخل دونهم إليه ،
فقال: خَلَّى عنى وعن رسل ربى ، فإنى ما لقيت ما لقيتُ إلا منك ، ولا
أصابنى ما أصابنى إلا فيك. فلما قبض غسلوه بالسُّدْر والماء وترا، وكفنوه فى
وتر من الثياب ، ثم لحدوا له فدفنوه، ثم قالوا: هذه سنة ولد آدم من بعده .
حدثنى أحمد بن المقدام ، قال : حدثنا المعتمر بن سليمان ، قال :
قال أبى : - وزعم قتادة عن صاحب له حدّث عن أبىّ بن كعب قال : قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كان آدم رجلا طُوالا كأنه نخلة سحوق))
حدثنا الحارث بن محمد ، قال : حدثنا ابن سعد ، قال : أخبرنى
هشام [بن محمد] ((٢) قال: أخبرنى أبى، عن أبى صالح، عن ابن عباس قال:
(١) ألحدوا له ولحدوا: عملوا له لحداً ؛ وهو القبر.
(٢) تكملة من ١
(٣) الحنوط، بالفتح: كل طيب يخلط للميت