Indexed OCR Text
Pages 61-80
٠ القول فى الليل والنهار أيهما خلق قبل صاحبه وفى بدء خلق الشمس والقمر وصفتهما إذا كانت الأزمنة بهما تعرف ۔ قد قلنا فى خلق (١) الله عزّ ذكره ما خلق من الأشياء قبل خلقه الأوقات والأزمنة، وبيّنا أن الأوقات والأزمنة إنما هى ساعات الليل والنهار ، وأن ذلك إنما. هو قَطْعْ الشمس والقمر درجات الفلك ؛ فلنقل الآن : بأىّ ذلك كان الابتداء؛ بالليل أم بالنهار (٢)؟ إذ كان الاختلاف فى ذلك موجوداً بین ذوی النظر فيه؛ بأن بعضَهم يقول فيه: خلق الله الليل قبل النهار، ويستشهد على حقيقة قوله ذلك بأن الشمس إذا غابت وذهب ضوءها الذى هو نهار هجم الليلُ بظلامه ، فكان معلوماً بذلك أن الضياء هو المتورّد على الليل ، وأن الليل إن لم يُبطله النهار المتورد عليه هو الثابت، فكان بذلك من أمرهما دلالة على أن الليل هو الأول خَلْقاً، وأن الشمس هو الآخر منهما خلقاً، وهذا قولٌ يُروَى عن ابن عباس . ٥٩/١ حدثنا ابن بشار ، حدثنا عبد الرحمن ، عن سُفيان ، عن أبيه ، عن عِكْرمة، عن ابن عباس قال : سئل: هل (٣) الليل كان قبل النهار؟ قال : أرأيتم حين كانت السموات والأرض رَتْقاً، هلْ كان بينهما إلا ظلمة! ذلك لتعلموا أن الليل كان قبل النهار . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، أخبرنا الثورىّ، عن أبيه، عن عِكْرمة ، عن ابن عباس، قال: إنّ الليل قبل النهار، ! ثم قال: ﴿ كَانَتَا رَتْقَاً فَفَتَقْنَاهُمَا﴾. حدثنا محمد بن بشَّر ، قال : حدثنا وهب بن جرير ، حدثنا أبى ، قال : سمعت يحيى بن أيوب يحدث عن يزيد بن أبى حبيب، عن مَرْتَد (١) ١: ((قول)). (٢) !: ((أم النهار)). (٣) ١: ((عن الليل)). ٦١ ٦٢ ابن عبد اللّه اليَزَنىّ، قال: لم يكن عُقْبة بن عامر إذا رأى الهلال - هلال رمضان - يقوم تلك الليلة حتى يصومَ يومها ، ثم يقوم بعد ذلك . فذكرتُ ذلك لابن حُجيرة فقال : الليل قبل النهار أم النهار قبل الليل ؟ ٠ ٠ وقال آخرون : كان النهارُ قبل الليل ، واستشهدوا لصحة قولهم هذا بأن الله عزّ ذكره كان ولا ليل ولا نهار ولا شيء غيره، وأن نورَه كان يضىء به کل شیء خلقه بعد ما خلقه حتى خلق الليل . ذكر من قال ذلك : ٠ حدثنى على بن سهل ، حدثنا الحسن بن بلال ، قال : حدثنا حماد بن سلمة ، عن الزبير أبى (١) عبد السّلام، عن أيوب بن عبد اللّه الفهرىّ أنّ ابن مسعود قال: إن ربكم ليس عنده ليلٌ ولا نهار، نور السموات من نور وجهه ، وإن مقدار كلّ يوم من أيامكم هذه عنده اثنتا عشرة ساعة . ٦٠/١ قال أبو جعفر : وأوْلى القولين فى ذلك عندى بالصواب قول من قال : كان الليل قبل النهار ، لأن النهار هو ما ذكرتُ من ضوء الشمس ؛ وإنما خلق الله الشمس وأجراها فى الفلك بعد ما دحا الأرض فبسطها ، كما قال عزّوجلّ: ﴿أَأَ سْتُ أَشَدُّ خَلْقَا أَم ◌ِلَّمَاءِ بَنَاهَاء رَفَعَ سَمْكَهَا فَتَوَّاهَا، وَأَغْطَشْرَ لَيْلَهَا وَأُخْرَجَ ضُحَاهَا﴾ (٢) ، فإذا كانت الشمس خُلقت بعد ما ◌ُمكت السماء، وأغطش ليلها، فمعلوم أنها كانت - قبل أن تخلق الشمس، وقبل أن يخرج الله من السماء ضحاها - مظلمة لا مضيئة . وبعد ، فإن فى مشاهدتنا من أمر الليل والنهار ما نشاهده (٣) دليلاً بيناً (١) ط: ((الزبير بن عبد السلام))؛ وصوابه من ا؛ ذكره ابن حجر فيمن روى عن أيوب بن عبد الله. وانظر تهذيب التهذيب ١ : ٤٠٧ . (٢) سورة النازعات ٢٧ - ٢٩. (٣) ا: ((نشاهد)). ٦٣ على أنّ النهار هو الهاجم على الليل لأنّ الشمس متى غابت فذهب ضوءها ليلاً [أو نهاراً](١) أظلم الجو، فكان معلوماً بذلك أن النهار هو الهاجم على الليل بضوئه ونوره . والله أعلم . فأما القول فى بدء خلقهما فإن الخبرَ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بوقت خلق الله الشمس والقمر مختلف . فأما ابن عباس فرُوى عنه أنه قال : خلق الله يوم الجمعة الشمس والقمر والنجوم والملائکة إلى ثلاث ساعات بقيت منه ، حدثنا بذلك هنّاد بن السرىّ ، قال : حدثنا أبو بكر بن عياش ، عن أبى سعد البقال ، عن عِكْرمة، عن ابن عباس ، عن النبى صلى الله عليه وسلم . وروى أبو هريرة عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: ((خلَق الله النور يوم الأربعاء))، حدثنى بذلك القاسم بن بشر والحسين بن علىْ، قالا : حدثنا حجاج بن محمد، عن ابن جُرَيْج ، عن إسماعيل بن أمية ، عن أيوب بن خالد ، عن عبد الله بن رافع، عن أبى هريرةَ، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. ٦١/١٠ وأىّ ذلك كان؛ فقدْ خلق اللّه قبل خلقه إياهما خاتماً كثيراً غيرهما ، ثم خلقهما عزّ وجلّ لما هو أعلم به من مصلحة خلقه، فجعلهما دائبَى الجرى،. ثم فَصَل بينهما، فجعل إحداهما آية الليل، والأخرى آية النهار ، فمحا آية الليل ، وجعل آية النهار مبصرة . وقد رُوى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فى سبب اختلاف حالتى آية (٢) الليل وآية النهار أخبارٌ أنا ذاكر منها بعض ما حضرنى ذكره . وعن جماعة من السلف أيضاً نحو ذلك . فممّا (٣) روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فى ذلك، ما حدثنى محمد بن أبى منصور الآمُلىّ، حدثنا خلف بن واصل، قال: حدثنا عمر بن (١) تكملة من ! . (٢) ر: ((حالتى الشمس والقمر وآية الليل)). (٣) أ: ((فا)» . ٦٤ ٦٢/١ صُبْح(١) أبو نعيم البلخىّ، عن مقاتل بن حيّان، عن عبد الرحمن بن أبْزَى، عن أبى ذَرّ الغفارىّ، قال: كنتُ آخذُ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نتماشى جميعاً نحو المغرب ، وقد طَفَلت (٢) الشمس، فما زلنا ننظر إليها حتى غابت ؛ قال: قلتُ: يا رسول الله، أين تغرُب؟ قال : تغرب فى السماء ، ثم تُرْفع من سماء إلى سماء حتى ترفع إلى السماء السابعة العليا ؛ حتى تكونَ تحت العرش، فتخرّ ساجدة ، فتسجد معها الملائكة الموكّلون بها ، ثم تقول: يا ربّ، مِنْ أين تأمرنى أن أطلع، أمن مغربى أم منْ مطلعى؟ قال : فذلك قوله عزّ وجلّ: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرّ لَهَا﴾ حيث تحبس تحت العرش، ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (٣) قال: يعنى بـ((ذلك))(٤) صُنْعَ الربّ العزيز فى ملكه العليم بخلقه . قال : فيأتيها جبرئيل بحُلّة ضوء من نور العرش ، على مقادير ساعات النهار ، فى طوله فى الصيف ، أو قصره فى الشتاء ، أو ما بين ذلك فى الخريف والربيع . قال : فتلبس تلك الحلة كما يلبسَ أحدكم ثيابه، ثم تنطلق (٥) بها فى جو السماء حتى تطلع من مطلعها (٦)، قال النبى صلى الله عليه وسلم: فكأنها قد حُبست مقدار ثلاث ليال ثم لا تُكسى ضوءاً ، وتؤمر أن تطلع من مغربها، فذلك قوله عزّ وجلّ: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾.(٧) قال : والقمر كذلك فى مطلعه ومجراه فى أفق السماء ومغربه وارتفاعه إلى السماء السابعة العليا، ومحبسه تحت العرش وسجوده واستئذانه، ولكن جَبْرائيل عليه السلام يأتيه بالحُلّة من نور الكرسىّ. قال: فذلك قوله عزّ وجلّ: ﴿جَعَلَ الشّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَعَرَ نُورًا﴾(٨). قال أبو ذرّ: ثم عدلتُ مع رسول الله صلى (١) كذا فى ا ((عمر بن صبح))، ترجم له ابن حجر فى تهذيب التهذيب ٧ : ٤٦٣؛ وذكر أنه أخذ عن مقاتل. وفى ط: ((صبيح)). وانظر خلاصة تذهيب الكمال ٢٤٠ . (٢) طفلت الشمس: مالت للغروب. (٣) سورة يس ٣٨ (٤) كذا فى ا، ر، ك، وفى ط: ((ذلك)). (٥) ط: ((ينطلق))، وما أثبته عن ا، ر ، ن . (٦) ط: ((مطالعها))، وما أثبته من ا. (٧) سورة التكوير ١ (٨) سورة يونس ٥ L ٦٥ اللّه عليه وسلم فصلينا المغرب. فهذا الخبر عن رسول اللّه [يُنْبِئ](١) أن سبب اختلاف حالة الشمس والقمر إنما هو أنّ ضوء الشمس من كسوة كسيتها من ضوء العرش ، وأن نور القمر من كسوة كُسيتها من نور الكرسىّ . ٦٣/١ فأما الخبر الآخر الذى يدل على غير هذا المعنى ؛ فما حدثنى محمد ابن أبى منصور ، قال : حدثنا خلف بن واصل ، قال : حدثنا أبو نعيم ، عن مقاتل بن حيان ، عن عكرمة قال: بينا ابن عباس ذاتَ يوم جالس إذْ جاءه رجل، فقال: يابن عباس، سمعتُ العجب من كعب الحَبْر(٢) يذكر فى الشمس والقمر. قال: وكان متكئاً فاحتفز (٣) ثم قال: وما ذاك؟ قال: زعم أنه يجاء بالشمس والقمر يوم القيامة كأنهما ثوران عَقِيران، فيُقْذَفان فى جهنم. قال عكرمة : فطارت من ابن عباس شِقّة ووقعت أخرى غضبا، ثم قال : كذّب كعب! كذب كعب! كذب كعب! ثلاث مرات، بل هذه يهودية يريد إدخالها فى الإسلام ، اللّه أجلّ وأكرم من أن يعذّب على طاعته ، ألم تسمع لقول الله تبارك وتعالى: ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْنَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ﴾(٤)، إنما يعنى دءوبهما فىالطاعة، فکیف یعذبعبدین یثنَى عليهما؛ أنهما دائبان فى طاعته! قاتل الله هذا الحَبْر وقبّح حَبْرِيته!ما أجرأه على اللّه وأعظم فِرْيته على هذين العبدين المطيعين لله! قال: ثم استرجع مراراً، وأخذ عنويداً من الأرض، فجعل ينكته فى الأرض ، فظل كذلك ما شاء الله ، ثم إنه رفع رأسه ، ورمى بالعويد فقال: ألا أحدثكم بما سمعتُ من رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، يقول فى الشمس والقمر وبدء خلقهما ومصير أمرهما ؟ فقلنا: بلى رحمك الله! فقال: إن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم سئل عن ذلك، فقال: إن الله تبارك وتعالى لما أبرم خلْقُه إحكاماً فلم يبق من خلقه غيرُ آدم خَلَق شمسين من نور عرشه، فأما ما كان فى سابق علمه (٥) أنه يدعها شمساً، فإنه خلقها مثل الدنيا ما بين مشارقها ومغاربها، (١) !: ((عن أن)). (٢) ر، ن: ((الأحبار)) (٣) احتفز: استوى جالساً على وركيه (٤) سورة إبراهيم ٣٣ (٥) ر، س: ((من سابق علمه)). (٥) ٦٦ وأما ما كان فى سابق علمه (١) أنه يطمسها ويحوّلها قمراً ، فإنه دون الشمس فى العِظّم ؛ ولكن إنما يُرَى صغرهما من شدة ارتفاع السماء وبعدها من الأرض . ٦٤/١ قال : فلو ترك الله الشمسين كما كان خلقهما فى بدء الأمر لم يكن يُعرَف الليل من النهار، ولا النهار من الليل ، وكان لا يدرى الأجير إلى متى يعمل ، ومتى يأخذ أجره . ولا يدرى الصائم إلى متى يصوم ، ولا تدرى المرأة كيف تعتدّ، ولا یدریالمسلمون متی وقت الحج،ولا یدری الدُّیّان متی تحلّ دیونهم، ولا يدرى الناس متى ينصرفون لمعايشهم ، ومتى يسكنون لراحة أجسادهم . وكان الربّ عزّ وجلّ أنظر لعباده وأرحم بهم ، فأرسل جبرئيل عليه السلام فأمرّ جناحه على وجه القمر - وهو يومئذ شمس - ثلاث مرات ، فطمس عنه الضوءَ، وبقى فيه النور، فذلك قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَجَعْنَا الَّيْلَ وَالنَّهَرَ آَيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ الَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةَ﴾(٢). قال: فالسَّوّادالذى ترونه فى القمر شبه الخطوط فيه فهو أثرُ المحو . ثم خلق الله للشمس عجلة من ضوء نور العرش لها ثلثمائة وستون عروة، ووكل بالشمس وعجلتها ثلثمائة وستين ملكاً من الملائكة من أهل السماء الدنيا ، قد تعلّق كلّ ملك منهم بعروة من تلك العُرًا، ووَكَل بالقمر وعجلته ثلثمائة وستين ملكاً من الملائكة من أهل السماء ، قد تعلق بكل" عروة من تلك العُرًا مَلَك منهم. ثم قال: وخلق اللّه لهما مشارق ومغارب فى قُطْرَى الأرض وكنفى السماء ثمانين ومائة عين فى المغرب، طينة سوداء، فذلك قوله عز وجلّ: ﴿ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِى عَيْنِ حَمِثَةٍ﴾(٣) إنما يعنى (٤) حمأةً سوداء من طين، وثمانين ومائة عين فى (١) ر: ((من سابق علمه)). (٢) سورة الإسراء ١٢ (٣) سورة الكهف ٨٦ (٤) كذا فى ا، س وفى ط: ((هى حمثه)). L ٦٧ ٦٥/١ المشرق مثل ذلك طينة سوداء تفور غَلْياً كغلى القِدْر إذا ما اشتد غليُها. قال: فكل يومٍ[ وكل"](١) ليلة لها مطلعٌ جديد ومغرب جديد، ما بين أولها مطلعاً، وآخرها. مغرباً أطول ما يكون النهار فى الصيف إلى آخرها مطلعاً، وأولها مغرباً أقصر مايكون النهار فى الشتاء، فذلك قوله تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِ قَيْنِ وَرَبُ الْمَغْرِ بَيْنِ﴾(٢) يعنى آخرها هاهنا وآخرها ثَمَّ ، وترك ما بين ذلك من المشارق والمغارب ، ثم جمعهما فقال: ﴿بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ)(٣)، فذكر عِدّة تلك العيون كلها. قال: وخلق الله بحراً، فجرى دون السماء (٤) مقدار ثلاث فراسخ، وهو موج مكفوف قائم فى الهواء بأمر الله عزّ وجلّ لا يقطر منه قطرة ، والبحار كلها ساكنة ، وذلك البحر جارٍ فى سرعة السَّهم ثم انطلاقه فى الهواء مستوياً ، كأنه حَبْلٌ ممدود ما بين المشرق والمغرب، فتجرى الشمس والقمر والخُنَّس فى لُجّة غَمْر ذلك البحر؛ فذلك قوله تعالى: ﴿كُلٌّ فِىِ فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾(٥)، والفلك دوران العجلة فى لُجّة غمر ذلك البحر. والذى نفس محمد بيده ، لو بدت الشمس من ذلك البحر لأحرقت كلّ شىء فى الأرض ، حتى الصخور والحجارة ، ولو بدا القمر من ذلك لافتن أهلُ الأرض حتى يعبدوه من دون اللّه، إلا من شاء الله أن يعصم من أوليائه . قال ابن عباس : فقال على بن أبى طالب رضى الله عنه : بأبى أنت وأمي يا رسول الله! ذكرتَ مجرى الخُنَّس مع الشمس والقمر، وقد أقسم اللّه بالخُنَّس فى القرآن إلى ما كان من ذكرك، فما الخُنَّس؟ قال: يا علىّ، هنّ خمسةُ كواكب: البِرْجيس (٦)، وزُحَل، وعُطارد، وَبَهْرام، والزُّهرة، (١) تكملة من !. (٢) سورة الرحمن ١٧ (٣) سورة المعارج ٤٠ (٤) كذا فى ط، وفى اللآلى المصنوعة ١: ٧: ((بينه وبين السماء))، وفى ١: («فجرى بين السماء)). (٥) سورة الأنبياء ٣٣ (٦) كذا ضبطه صاحب القاموس بكسر الباء ؛ وقال: هو نجم أو هو المشترى . ٦٨ ٦٦/١ فهذه الكواكب الخمسة الطالعات الجاريات، مثل الشمس والقمر ، العاديات(١) معهما ، فأما سائر الكواكب فمعلَّقات من السماء كتعليق (٢) القناديل من المساجد ، وهى تحومُ مع السماء دوراناً بالتسبيح والتقديس والصلاة لله ، ثم قال النبى صلى الله عليه وسلم: فإن أحببتم أنْ تستبينوا (٣) ذلك، فانظروا إلى دوران الفلك مرة هاهنا ومرة هاهنا، فذلك دوران السماء ، ودوران الكواكب معها كلّها سوى هذه الخمسة ، ودورانها اليوم كما ترون ، وتلك صلاتها ، ودورانُها إلى يوم القيامة فى سرعة دوران الرّحا من أهوال يوم القيامة وزلازله ، فذلك قوله عزّ وجلّ: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا* وَنَسِيرُ الْجَبَالُ سَيْرًا» فَوَّيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾(٤). قال : فإذا طلعت الشمس فإنها تطلع من بعض تلك العيون على عجلتها ومعها ثلثمائة وستون ملكاً ناشرى أجنحتهم ، يَجُرّونها فى الفلك بالتسبيح والتقديس والصلاة لله على قدر ساعات الليل وساعات النهار ليلا كان أو نهاراً، فإذا أحبّ الله أن يبتلىَ الشمس والقمر فيُرِى العباد آية من الآيات فيستعتبهم رجوعاً عن معصيته وإقبالا على طاعته ، خرّت الشمس من العجلة فتقع فى غمر ذلك البحر وهو الفلك، فإذا أحبّاللّه أن يُعْظّم الآية ويشدّد تخويفَ العباد وقعت الشمس كلّها فلا يبقى منها على العجلة شىء ، فذلك حين يظلم النهار وتبدو النجوم ، وهو المنتهى من كسوفها . فإذا أراد أن يجعل آيةً دون آية وقع منها النصف أو الثلث أو الثلثان فى الماء ، ويبقى سائرُ ذلك على العجلة، فهو كسوف دون كسوف ، وبلاء للشمس أو للقمر ، وتخويفٌ للعباد ، واستعتاب من الربّ عزّ وجلّ، فأىّ ذلك كان صارت الملائكة الموكلون بعجلتها فرقتين : فرقة منها يقبلون على الشمس فيجرّونها نحو العجلة ، والفرقة الأخرى ٦٧/١ (١) ا، ر، ن: ((الغاديات)) وفى اللآلى المصنوعة: ((الغاربات)). (٢) ر، س: ((كتعلق)). (٣) ن: ((أن تستثبتوا)). (٤) سورة الطور ٩ - ١١ ٦٩ يقبلون على العجلة فيجرّونها نحو الشمس، وهم فى ذلك(١) يقرّونها (٢) فى الفلك بالتسبيح والتقديس والصلاة لله على قدر ساعات النهار أو ساعات الليل ، ليلاً كان أو نهاراً، فى الصيف كان ذلك أو فى الشتاء ، أو ما بين ذلك فى الخريف والربيع ، لكيلا يزيد فى طولهما شىء ، ولكن قد ألهمهم اللّه علم ذلك ، وجعل لهم تلك القوة ، والذى ترون من خروج الشمس أو القمر بعد الكسوف قليلاً قليلاً ، من غمر ذلك البحر الذى يعلوهما ، فإذا أخرجوها كلّها اجتمعت الملائكة كلهم، فاحتملوها حتى يضعوها على العجلة، فيحمدون اللّه على ما قوّاهم لذلك، ويتعلقون بعُرًا العجلة، وَيُحُرّونها فى الفلك بالتسبيح والتقديس والصلاة لله حتى يبلغوا بها المغرب ، فإذا بلغوا بها المغرب أدخلوها تلك العين ، فتسقط من أفق السماء فى العين . ثم قال النبيّ صلى الله عليه وسلم، وعجب من خلق الله: ولَلْعجب من القدرة فيما لم نَرَّ (٣) أعجب من ذلك ؛ وذلك قول جبرئيل عليه السلام لسارة: ﴿أَتَمْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ﴾(٤) وذلك أن الله عزّ وجلّ خلق مدينتين: إحداهما بالمشرق والأخرى بالمغرب ، أهل المدينة التى بالمشرق من بقايا عاد من نسل مؤمنيهم، وأهل التى بالمغرب من بقايا ثمود من نسل الذين آمنوا بصالح ، اسم التى بالمشرق بالسريانية ((مرقيسيا)) وبالعربية ((جابلق(٥)) واسم التى بالمغرب بالسريانية ((برجيسيا)) (٦) وبالعربية ((جابرس)) ولكل مدينة منهما عشرة آلاف باب، ما بين ٦٨/١ (١) ن: ((مع ذلك)). (٢) كذا فى ا، س، ك، وفى ط: ((يجرونها)). (٣) ط: ((لم يخلق))، وما أثبته من اللآلى المصنوعة ( ٤) سورة هود ٧٣ (٥) ضبطها ياقوت بالباء المفتوحة المفتحة وسكون اللام، ونقل عن ابن عباس أنها مدينة بأقصى المغرب وأهلها من ولد عاد (٦) كذا ضبطت بالقلم فى معجم البلدان. ونقل أيضاً عن ابن عباس أن أهلها من ولد حمود ٧٠ كل بابين فرسخ، ينوب كلّ يوم على كل باب من أبواب هاتين المدينتين عشرة آلاف (١) رجل من الحراسة، عليهم السلاح، لا تَنُوبُهم (٢) الحراسة بعد ذلك إلی یوم ینفخ فى الصور ،فوالذي نفس محمد بيده، لولا كثرة هؤلاء القوم وضجيج أصواتهم لسمع الناس من جميع أهل الدنيا هدّة وقعة الشمس حين تطلع وحين تغرب ، ومن ورائهم ثلاث أمم : منسك (٣)، وتافیل، وتاریس (٤)، ومن دونهم يأجوج ومأجوج . وإن جَبْرئيل عليه السلام انطَلِقِ بى إليهم ليلة أسرىَ بى من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، فدعوتُ يأجوج ومأجوج إلى عبادة الله عزّ وجلّ" فأبوا أن يجيبونى ، ثم انطلق بى إلى أهل المدينتين ، فدعوتهم إلى دين الله عزّ وجلّ وإلى عبادته فأجابوا وأنابوا، فهم فى الدين [إخواننا] (٥)، مَنْ أحسن منهم فهو مع محسنكم ، ومن أساء منهم فأولئك مع المسيئين منكم . ثم انطلق بى إلى الأمم الثلاث ، فدعوتهم إلى دين الله وإلى عبادته فأنكروا ما دعوتهم إليه ، فكفروا بالله عزّ وجلّ وكذبوا رسله، فهم مع يأجوج ومأجوج وسائر مَنْ عصى اللّه فى النار؛ فإذا ما غربت الشمس رُفع بها من سماء إلى سماء فى سرعة طيران الملائكة ؛ حتى يُبلَغ بها إلى السماء السابعة العليا، حتى تكون تحت العرش فتخرّ ساجدة، وتسجد معها الملائكة الموكلون بها، فيُحْدَرُ بها من سماء إلى سماء ؛ فإذا وصلت إلى هذه السماء فذلك حين ينفجر الفجْر (٦) ، فإذا انحدرت من بعض تلك العيون، فذاك حين يضىء الصبح ، فإذا وصلت إلى هذا الوجه من السماء فذاك حين يضىء النهار . ٦٩/١ قال : وجعل اللّه عند المشرق حجاباً من الظلمة على البحر السابع ، مقدار (١) كذا فى اوابن الأثير واللآلى المصنوعة. وفى ط: ((عشرة آلاف ألف)). (٢) كذا فى ا. وفى ط: ((ولما تلحقهم نوبة الحراسة)). وفى ابن الأثير: ((لا تعود الحراسة إليهم)) . (٣) ر، س: ((ثافيل)). (٤) س: ((باريس))، ا ((ناريس))، وابن الأثير ((ثاريس)). (٥) تكملة من ! واللآلى المصنوعة. (٦) ط: ((الصبح))، وما أثبته من !. ٧١ عدة الليالى منذ يوم خلق الله الدنيا إلى يوم تُصرَم، فإذا كان عند الغروب أقبل ◌َمَلَك قد وُكل بالليل فيقبض قبضة" من ظُلمة ذلك الحجاب، ثم يستقبلُ المغرَب؛ فلا يزال يُرسل من الظلمة من خلل أصابعه قليلاً قليلاً وهو يراعى الشَّفق، فإذا غاب الشفق أرسل الظلمة كلّها ثم ينشر جناحيه، فيبلغان قُطريٍ الأرض وكنّفِى السماء، ويجاوزان ما شاء اللّه عزّ وجلّ خارجاً فى الهواء، فيسوق ظلمة الليل بجناحيه بالتسبيح والتقديس والصلاة لله حتى يبلغ المغرب ، فإذا بلغ المغرب انفجر الصبح من المشرق ، فضمّ جناحيه ، ثم يضم الظلمة بعضها إلى بعض بكفيه ، ثم يقبض عليها بكف واحدة نحو قبضته إذا تناولها من الحجاب بالمشرق ، فيضعها عند المغرب على البحر السابع من هناك ظلمة الليل . فإذا ما نقل ذلك الحجابُ من المشرق إلى المغرب نفخ فى الصور ، وانقضت الدنيا، فضوء النهار من قِبَل المشرق، وظلمة الليل من قبل ذلك الحجاب، فلا تزال الشمس والقمر كذلك من مطالعهما إلى مغاربهما إلى ارتفاعهما، إلى السماء السابعة العليا، إلى محبسهما (١) تحت العرش، حتى يأتِىَ الوقت الذى ضرب الله لتوبة العباد ، فتكثر المعاصى فى الأرض ويذهب المعروفُ ، فلا يأمر به أحد ، ويفشو المنكرُ فلا يُنهى عنه أحد . 1 ٧٠/١ فإذا كان ذلك حبست الشمس مقدار ليلة تحت العرش ، فكلّما سجدت وأستأذنت: من أين تطلع؟ لم يُحَرْ(٢) إليها جواب؛ حتى يوافيها القمر ويسجد معها ، ويستأذن: من أين يطلع؟ فلا يحار إليه جواب ، حتى يحبسهما مقدار ثلاث ليال للشمس ، وليلتين للقمر، فلا يَعرِف طول تلك الليلة إلا المتهجدون فى الأرض ؛ وهم حينئذ عصابة قليلة فى كل بلدة من بلاد المسلمين ؛ فى هوان من الناس وذلة من أنفسهم، فينام أحدُهم تلك الليلة قَدْرَ ما كان ينام قبلها من اللیالی، ثم يقوم فیتوضأ ويدخل مصلاه فیصلى ورده، کما کان یصلى (١) ط: ((إلى مجلسهما))، وما أثبته من ا. (٢) لم يحر إليها جواب ؛ أى لم يرجع إليها جواب ؛ ويقال : ما أحار جواباً ؛ أى ما رجع . ٧٢ قبل ذلك ، ثم يخرج فلا يرى الصبح ، فينكر ذلك ويظنّ فيه الظنون من الشرّ ثم يقول: فلعلى خففتُ قراءتى، أو قصرَّت صلانى، أو قمت قبل حينى ! قال: ثم يعود أيضاً فيصلَّى ورْده كمثل ورده، الليلة الثانية، ثم يخرج فلا يرى الصبح ، فيزيده ذلك إنكاراً ، ويخالطه الخوف ، ويظنّ فى ذلك الظنون من الشرّ ، ثم يقول : فلعلى خففت قراءتى، أو قصّرت صلاتى ، أو قمت من أوّل الليل! ثم يعود أيضاً الثالثة وهو وجل مُشفق لما يتوقع من هول تلك الليلة، فيصلى أيضاً مثل ورده ، الليلة الثالثة، ثم يخرج فإذا هو بالليل مكانه والنجوم قد استدارت وصارت إلى مكانها من أول الليل. فيشفق عند ذلك (١) ٧١/١ شفقة الخائف العارف بما كان يتوقع من هول تلك الليلة فيستلحمه(٢) الخوف، ويستخفّہ البکاء، ثم ینادی بعضهم بعضاً، وقبلذلك كانوا يتعارفون ويتواصلون، فيجتمع المتهجدون من أهل كلّ بلدة إلى مسجد من مساجدها ، ويجأرون إلى اللّه عزّ وجلّ بالبكاء والصراخ بقية تلك الليلة، والغافلون فى غفلتهم، حتى إذا ما تمّ لهما مقدارُ ثلاث ليال للشمس والقمر ليلتين، أتاهما جبرئيل فيقول : إن الرب عزّ وجلّ يأمر كما أن ترجيعا إلى مغارِبكما فتطلعا منها، وأنّه لا ضوء لكما عندنا ولا نورَ، قال: فيبكيان عند ذلك بكاء يسمعه أهل سبع سموات من دونهما وأهل سرادقات العرش وحملة العرش من فوقهما ، فييكون لبكائهما مع ما يخالطهم من خوف الموت ، وخوف يوم القيامة . قال: فبينا الناس ينتظرون طلوعهما من المشرق إذا هما قد طلعا خَلْف أقفيتهم من المغرب أسودين مكوّريْن كالغرارتين (٣)، ولا ضوء للشمس ولا نور للقمر، مثلهما فى كسوفهما قبل ذلك؛ فيتصايح أهلُ الدنيا وتَذْهَل الأمهات عن أولادها ، والأحبّة عن ثمرة قلوبها ، فتشتغل كل نفس بما أتاها . قال: فأما الصالحون والأبرار فإنه ينفعهم بكاؤهم يومئذ، ويكتب ذلك لهم عبادة. وأما الفاسقون والفجار فإنه لا ينفعهم بكاؤهم يومئذ ، ويكتب ذلك عليهم. خسارة . قال : فيرتفعان مثل البعيرين القرينين ، ينازع كل واحد منهما (١) : ((عندها)). (٢) استلحمه الخوف : نشب فيه. (٣) ط: ((كالغرابين))، وما أثبته من ا. ٧٣ ٧٢/١ صاحبه استباقاً، حتى إذا بلغا سرّة السماء - وهو منصفها - أتاهما جبرئيل فأخذ بقرونهما ثم ردّهما إلى المغرب ، فلا يغربهما فى مغاربهما من تلك العيون، ولكن يغربهما فى باب التوبة . د فقال عمر بن الخطاب رضى الله عنه: أنا وأهلى فداؤك يا رسول الله! فما باب التوبة ؟ قال : يا عمر ، خلق الله عزّ وجلّ باباً للتوبة خلف المغرب، مصراعين من ذهب ، مكللا بالدّر والجوهر ، ما بين المصراع إلى المصراع (١) الآخر مسيرة أربعين عاماً للراكب المسرع ؛ فذلك الباب مفتوح منذ خلق الله خلقه إلى صبيحة تلك الليلة عند طلوع الشمس والقمر من مغاربهما، ولم يتبْ عبد من عباد الله توبة نصوحاً من لدن آدم إلى صبيحة تلك الليلة إلا ولحت تلك التوبة فى ذلك الباب ، ثم ترفع إلى اللّه عزّ وجلّ. قال معاذ بن جبل : بأبى أنت وأمى يا رسول اللّه! وما التوبة النصوح قال : أن يندم المذنب على الذنب الذى أصابه فيعتذر إلى الله ثم لا يعود إليه كما لا يعودُ اللبن إلى الضَّرع. قال: فيردّ جبرئيل بالمصراعين فيلأم (٢) بينهما ويصيّرهما كأنه لم يكن فيما بينهما صَدْعٌ قط، فإذا أغلق (٣) باب التوبة لم يقبل بعد ذلك توبة ، ولم ينفع بعد ذلك حسنة يعملها فى الإسلام إلا مَنْ كان قبل ذلك محسناً ، فإنه يجرى لهم وعليهم بعد ذلك ما كان يجرى قبل ذلك ، قال فذلك قوله عزّ وجل: ﴿ يَوْم يَأْتِى بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِمَانَهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِى إِيمانِهَا خَيْرًا﴾(٤) فقال أبىّ بن كعب : بأبي أنت وأمي يا رسول اللّه! فكيف بالشمس والقمر بعد ذلك ! وكيف بالناس والدنيا! فقال: يا أبىّ، إن الشمس والقمر (١) : ((والمصراع)) . (٢) ك: ((فيلائم)) (٣) ط: ((غلق)) وهى لغة رديئة فى ((أغلق)) .. (٤) سورة الأنعام ١٥٨ ٧٤ بعد ذلك يُكسيان النور والضوء، ويطلعان على الناس ويغرُبان كما كانا(١) قبل ٧٣/١ ذلك، وأما الناس فإنهم نظروا إلى ما نظروا إليه من فظاعة الآية، فيُلحّون على الدنيا حتى يُجروا فيها الأنهار، ويغرسوا فيها الشجر ، ويبنوا فيها البنيان . وأما الدنيا فإنه لو أنتج رجل مهراً لم يركبه من لدن طلوع الشمس من مغربها إلى يوم ينفخ فى الصور . فقال حذيفة بن اليمان : أنا وأهلى فداؤك يا رسول الله! فكيف هم عند النفخ فى الصور ! فقال : يا حذيفة ، والذى نفس محمد بيده ، لتقومنّ الساعة ولِينفخنّ فى الصور والرجل قدْ لَط٣(٢) حوضه فلا يسفى منه، ولتقومن" الساعة والثوب بين الرجلين فلا يطويانه، ولا يتبايعانه . ولتقومنّ الساعة والرجلُ قد رفع لقمته إلى فيه فلا يَطْعَمها، ولتقومن الساعةُ والرجل قد انصرف بلبن ليقحته (٣) من تحتها فلا يشربه ، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: ﴿وَلَيَاتِيَنَّهُمْ بَغْتَةٌ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾(٤). فإذا نُفخ فى الصور، وقامت الساعة ، وميز اللّه بين أهل الجنة وأهل النار ولما يدخلوهما بعد، إذْ يدعو الله عزّ وجلّ بالشمس والقمر، فيجاء بهما أسودين مكوّرين قد وقعا فى زلزال وبلبال، تُرعَد فرائصهما من هول ذلك اليوم ومخافة الرحمن، حتى إذا كانا حيال العرش خرّا لله ساجدين؛ فيقولان: إلهنا قد علمت طاعتنا ودُعُوبنا فى عبادتك، وسرعتنا للمضىّ(٥) فى أمرك أيام الدنيا ، فلا تُعذبنا بعبادة المشركين إيانا، فإنا لم ندعُ إلى عبادتنا، ولم نذهَلْ عن عبادتك! قال: فيقول الرب تبارك وتعالى: صدقتما، وإنى قضيت على نفسى أن أبدئ وأعيد ، وإنى معيدكما فيما بدأتكما منه ، فارجعا إلى ما خلقتما منه ، (١) كذا فى ١، وفى ط: ((كان)). (٢) ا: ((لاط))، ولاط الحوض بالطين ولطه: طينه. (٣) اللقحة ، بالكسر : الناقة الحلوب. (٤) سورة العنكبوت ٥٣ (٥) ا: ((المضى))، ن: ((بالمضى)). ٧٥ ٧٤/١ قالا: إلهنا، وميم خلقتنا؟ قال: خلقتكما من نور عرشى، فارجعا إليه . قال : فيلتمع من كلّ واحد منهما برقة تكاد تَخْطَف الأبصار نوراً ، فتختلط بنور العرش. فذلك قوله عزّ وجلّ: ﴿يُبْدِئُ وَيُعِيدٌ﴾(١). قال عكرمة: فقمت مع النفر الذين حَدّثوا به، حتى أتينا كعباً فأخبرناه بما كان من وجند ابن عباس من حديثه، وبما (٢) حدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقام كعب معنا حتى أتينا ابن عباس، فقال : قد بلغنى ما كان من وجدك من حديثى ، وأستغفر الله وأتوب إليه ، وإنى إنما حدّثت عن كتاب دارسٍ قد تداولته الأيدى، ولا أدرى ما كان فيه من تبديل اليهود ، وإنك حدثت عن كتاب جديد حديث العهد بالرّحمن عَزّ وجلّ وعن سيد الأنبياء وخير النبيين ، فأنا أحبّ أن تحدّثنى الحديث فأحفظه عنك ، فإذا حدثت به کان مکان حدیثی الأول . قال عكرمة : فأعاد عليه ابن عباس الحديث ، وأنا أستقريه فى قلبى بابًا بابا ، فما زاد شیئاً ولا نقص، ولا قدّم شیئاً ولا أخّر ،فزادنى ذلك فی ابن عباس رغبة ، وللحديث حفظاً (٣). # ومما روى عن السلف فى ذلك ما حدثناه ابن حميد ، قال : حدثنا جرير ، عن عبد العزيز بن رُفَيْع، عن أبى الطفيل ، قال : قال ابن الكوّاء لعلىّ عليه السلام: يا أمير المؤمنين، ما هذه اللطخة التى فى القمر؟ فقال: ويحك! أما تقرأ القرآن: ﴿فَمَحَوْنَا آَيَّةَ الََّيْلِ﴾(١)! فهذه محوُّه. (١) سورة البروج ١٣. (٢) ط: ((وما)). (٣) أورد ابن الأثير فى الكامل: (١: ١٤-١٥) هذا الخبر مختصراً؛ ولم يذكر تفصيل ما فيه من أشياء ؛ ثم قال: ((أعرضت عنها لمنافاتها العقول، ولو صح إسنادها لذكرناها وقلنا به ؛ ولكن الحديث غير صحيح ؛ ومثل هذا الأمر العظيم لا يجوز أن يسطر فى الكتب بمثل هذا الإسناد الضعيف))، ونقله أيضاً السيوطى فى اللآلى المصنوعة ١: ٤٥ - ٦٠ من طريقين آخرين؛ وقال عنه: ((موضوع، فى إسناده مجاهيل وضعفاء)). (٤) سورة الإسراء ١٢ . ٧٦ ٠٧٥/١ حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا طلْق ، عن زائدة ، عن عاصم ، عن على بن ربيعة، قال: سأل ابنُ الكواء عليًا عليه السلام فقال : ما هذا السوادُ فى القمر؟ فقال علىّ: ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ الْلِيلِ وَجَعَلْنَا آَيَّةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةَ﴾ (١)، هو المحو (٢). حدثنا ابن بشار ، قال : حدثنا عبد الرحمن ، قال : حدثنا إسرائيل ، عن أبى إسحاق ، عن عبيد بن عمير ، قال: كنت عند على عليه السلام، فسأله ابن الكوّاء عن السواد الذى فى القمر فقال : ذاك آية الليل محيتْ (٣) حدثنا ابن أبى الشوارب ، قال : حدثنا يزيد بن زُرَيع ، قال : حدثنا عمران بن حُدير، عن رفيع (٤)، أبى كثيرة ، قال : قال على بن أبى طالب رضى الله عنه: سلوا عما شئتم، فقام ابن الكواء فقال: ما السواد الذى فى القمر ؟ فقال : قاتلك الله! هلا سألت عن أمر دينك وآخرتك! ثم قال. ذاك محو الليل . حدثنا زكرياء بن يحيى بن أبان المصرىّ ، قال: حدثنا ابن عفير، قال : حدثنا ابن لهيعة ، عن حىّ بن عبد اللّه، عن أبى عبد الرحمن، عن عبد الله بن عمروبن العاص، أن رجلا قال لعلى رضى الله عنه: ما السواد الذى فى القمر؟ قال: إن الله يقول: ﴿وَجَعَلْنَا الَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْن فِحَوْنا آيَةَ الَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ (١). حدثنى محمد بن سعد ، قال: حدثنى أبى ، قال : حدثنى عمى، قال: حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿ وَجَعَلَنَا (١) سورة الإسراء ١٢ . (٢) الخبر فى التفسير ١٥: ٣٨ (بولاق) (٣) الخبر فى التفسير ١٥: ٣٨ (بولاق) (٤) ط: ((ابن أبى كثيرة))، وفى التفسير: ((رفيع بن أبى كثير))؛ والصواب ما أثبته؛ ذكره أبو حاتم الرازى فى الجرح والتعديل ٠١٠/٢/١ والدولابى فى الكى ٩٠ / 2 ٧٧ اللَّيْلَ وَالنَّهَارِ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَاآيَةَ الَّلَيْلِ﴾، قال : هو السواد بالليل. حدثنا القاسم ، قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثنا حجاج ، عن ابن جريج قال : قال ابن عباس : كان القمرُ يضىء كما تُضىء الشمس، والقمرُ آية الليل، والشمس آية النهار، (فمحوْنَا آيةَ اللَّيل)، السواد الذى فى القمر . حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا ابن أبى زائدة ، قال : ذكر ٧٦/١ ابن جَرَيْج عن مجاهد فى قوله تعالى: ﴿ وَجَعْلْنَا اللَّيْلَ والنَّهَارَ آيَتَيْنِ﴾، قال: الشمس آية النهار، والقمر آية الليل، (فمحوْنَا آية الليل)، قال: السواد الذى فى القمر ، كذلك خلقه الله. حدثنا القاسم ، قال : حدثنى الحسين ، قال : حدثنى حجاج ، عن ابن جريج، عن مجاهد: ﴿وجَّعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارِ آَيَتَيْن)، قال: ليلاً ونهاراً كذلك خلقهما الله عزّ وجل قال ابن جريج: وأخبرنا عبد الله بن كثير، قال: ﴿فَمَحَونا آية الليل وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةَ﴾، قال: ظلمة الليل وَسدَف النهار حدثنا بِشْربن معاذ ، قال : حدثنا يزيد بن زُرَيْع، قال : حدثنا سعيد عن قتادة، قوله عزّ وجل: ﴿ وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَآَ يَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آَيَّةَ اللّيْلِ﴾، كنا نحدّث أن مُحْوَ آية الليل سوادُ القمر الذى فيه، ﴿وَجَعْلَنَا آيَةَ النّهَارِ مُبْصِرَةً﴾، منيرة ، وخلق الشمس أنورَ من القمر وأعظم . حدثنا محمد بن عمرو ، قال : حدثنا أبو عاصم ، قال : حدثنا عيسى(١). وحدثنى الحارث (٢)، قال: حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبى نَجِيح، عن مجاهد: ﴿ وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَّتَيْنِ﴾ ، قال : ليلاً ونهاراً ، كذلك جعلهما الله عزّ وجل. (١) هو عيسى بن ميمون الحرشى، روى عنه أبو عاصم النبيل. تهذيب التهذيب ٨: ٢٣٥. (٢) هو الحارث بن محمد بن أسامة. تاريخ بغداد ٨: ٢١٨ ٧٨ قال أبو جعفر : والصواب من القول فى ذلك عندنا أن يقال : إن اللّه تعالى ذكره خلق شمس النهار وقمر الليل آيتين ، فجعل آية النهار التى هى الشمس مبصرةً يبصر بها ، ومحا آية الليل التى هى القمر (١) بالسواد الذى فيه . وجائز أن يكون اللّه تعالى ذكرُه خَلَقهما شمسين من نور عرشه، ثم محا نور القمر بالليل على نحو ما قاله من ذكرنا قوله، فكان ذلك سبب اختلاف حالتيهما . وجائز أن يكون إضاءة الشمس للكسوة التى تُكساها من ضوء العرش ، ونور القمر من الكسوة التى يكساها من نور الكرسى . ٧٧/١ ولو صحَّ سندُ أحد الخبرين اللذين ذكرتهما(٢) لقلنا به ؛ ولكنّ فى أسانيدهما (٣) نظرا؛ فلم نستجز قطع القول بتصحيح ما فيهما من الخبر عن سبب اختلاف حال الشمس والقمر ؛ غير أنا بيقين نعلم (٤) أن الله عزّ وجلّ خالف بين صفتيهما فى الإضاءة لما كان أعلم به من صلاح خلقه باختلاف أمريْهما ، فخالف بينهما ، فجعل أحدهما مضيئاً مُبصراً به، والآخر ممحوّ الضوء. وإنما ذكرنا قدر ما ذكرنا من أمر الشمس والقمر فى كتابنا هذا ، وإن كنا قد أعرضنا عن ذكر كثير من أمرهما وأخبارهما، مع إعراضنا عن ذكر بدء خلق الله السموات والأرض وصفة ذلك ، وسائر ما تركنا ذكره من جميع خلق الله فى هذا الكتاب ؛ لأنّ قصْدنا فى كتابنا هذا ذكرُ ما قدمنا الخبر عنه أنَّا ذاكروه فيه من ذكر الأزمنة وتأريخ الملوك والأنبياء والرسل، علیما قد شرطنا فی أول هذا الكتاب ، وكانت التأريخات والأزمنة إنما توقّت بالليالى والأيام التى إنما هى مقادير ساعات جري الشمس والقمر فى أفلاكهما على ما قد ذكرنا فى الأخبار التى رويناها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وکان ما كان قبل (١) ا: ((قمر)). (٢) انظر صفحتى ٦٤، ٦٥. (٣) !: ((ولكن فى أسانيدهما نظر)). (٤) كذا فى ط، وفى س: ((نعلم بيقين))، وفى ن: ((نتيقن ونعلم))، وفى ا، ك ((نتيقن بعلم)) . L ٧٩ خلق اللّه عزّ ذكره إياهما من خلقه فى غير أوقات ولا ساعات ولا ليل ولا نهار . ٠ ٠ ٧٨/١ وإذ كنّا قد بينا مقدار مدة ما بين أول ابتداء اللّه عزّ وجلّ فى إنشاء ما أراد إنشاءه من خَلْقه إلى حين فراغه من إنشاء جميعهم من سنى الدنيا ومدة أزمانها بالشواهد التى استشهدنا بها(١) من الآثار والأخبار، وأتينا على القول فى مدة ما بعد أن فرغ من خلق جميعه إلى فناء الجميع بالأدلة التى دللنا بها على صحة ذلك من الأخبار الواردة عن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم وعن الصحابة وغيرهم من علماء الأمة، وكان الغرض فى كتابنا هذا ذكر ما قد بينا أنا ذا كروه من تأريخ الملوك الجبابرة العاصية ربّها عزّ وجلّ والمطيعة ربها منهم، وأزمان الرسل والأنبياء، وكنا قد أتينا على ذكرما به تصحّ التأريخات ، وتعرف به الأوقات والساعات، وذلك الشمس والقمر اللذان بأحدهما تُدرَك معرفة ساعات الليل وأوقاته ، وبالآخر تُدرك علم ساعات النهار وأوقاته . فلنقل الآن فى أول من أعطاه اللّه ملكاً، وأنعم عليه فكفر نعمته، وجحد ربوبيته ، وَعَتًا على ربه واستكبر، فسلبه الله نعمته، وأخزاه وأذله . ثم نُشْبعه ذكر من استنّ فى ذلك سنّته، واقتفى فيه أثره، فأحلّ اللّه به نقمته ، وجعله من شيعته، وألحقه به فى الخزى والذلّ. ونذكر منْ كان بإزائه أو بعده من الملوك المطيعة ربها المحمودة آثارها، أو من الرسل والأنبياء إن شاء الله عَزّ وجلّ . فأولهم وإمامهم فى ذلك ورئيسهم وقائدهم فيه إبليس لعنه الله . وكان الله عز وجل قد أحسن (٢) خلقه وشرفه وکرّمه وملكه على سماء(٣) الدنيا والأرض فيما ذُكر ، وجعله مع ذلك من خُزّان الجنة، فاستكبر على ربه (١) كذا فى ا، وفى ط: ((استشهدناها)). (٢) ط: ((حسن)) . (٣) كذا فى ا، وفى ط: ((السماء الدنيا)). ٨٠ وادعى الربوبية، ودعا مَنْ كان تحت يده فيما ذكر إلى عبادته، فمسخه الله تعالى شيطاناً رجما، وشوّه خَلْقه، وسلبه ما كان حوّله، ولعنه وطرده عن سمواته فى العاجل ، ثم جعل مسكنه ومسكن أتباعه وشيعته فى الآخرة نار جهنم ، نعوذ بالله من غضبه، ومن عمل يقرّب من غضبه، ومن الجور بعد الكور (١). ونبدأ بذكرجمل من الأخبار الواردة عن السلف بما كان اللّه عزّ وجلّ أعطاه من الكرامة قبل استكباره عليه، وادّعائه ما لم يكن له ادّعاؤه، ثم نُتبع ذلك ما كان من الأحداث فى أيام سلطانه وملكه إلى حين زوال ذلك عنه ، والسبب الذى به زال عنه ما كان فيه من نعمة اللّه عليه، وجميل آلائه(٢)، وغير ذلك من أموره(٣)، إن شاء الله مختصراً. : ((نعوذ بالله من الحور بعد الكور))، قال ابن الأثير (١) أصله فى الحديث أى من النقصان بعد الزيادة ، وقيل : من فساد أمورنا بعد صلاحها ، وقيل من الرجوع عن الجماعة بعد أن كنا منهم، وأصله من نقض العمامة بعد لفها)). النهاية ١: ٢٦٩. (٢) أ: ((بلائه)). (٣) ط: ((أمره))، وما أثبته عن !. ٧٩/١