Indexed OCR Text

Pages 341-360

من بيت العِلْم والجلالة بقُرْطبة. روى عن أبيه، وأبي الوليد بن رشد
- وهو جَدُّه لأُمِّه -، وعن أبي جعفر بن يحيى الحِمْيري، وطائفةٍ.
لَقيه ابن فَرْتُون بسَبْتة في سنة خمس وثلاثين وست مئة ولم يذكر له
وفاةً .
٧٢٠- أبو بكر بن عُمر بن علي بن مقلد الدمشقيُّ الفُقاعيّ.
سمع من السِّلَفي، ومن المَسْعُودي، وابن ياسين.
مولدُه في رجب سنة ستٍّ وخمسين.
وأجاز في إجازة ابن الحاجب سنة ثلاثين في ((مشيخة البهاء)) عنه .
٣٤١

.
.

الطبقة الخامسة والستون
٦٤١ - ٦٥٠ هـ
(

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَىِ الرَّحَـ
(الحوادث)
سنة إحدى وأربعين وست مئة
فيها (١) تردّدت الرُّسلُ بين الصالح إسماعيل وبين ابن أخيه الصالح نجم
الدين، فأطلقَ ابنه(٢) الملكَ المُغيث من حَيْس قَلْعة دمشق، فركب المُغيث
وخُطِبَ للصالح نجم الدين بدمشق. ولم يبقَ إلا أن يتوجَّه المُغيث إلى مصر.
ورضي صاحب مصر ببقاء دمشق على عَمِّه، ومشَىَ الحال. فأفسد أمين الدولة
وزير إسماعيل القضية وقال لمخدومه: هذا خاتم سُليمان لا تُخْرجه من يدك
تعدم (٣) المُلْك، فتوقَّفَ ومنع الملك المُغيث من الزُّكوب. وشرع الفساد،
وكاتب الصالح نجم الدين الخوارزمية فعبروا، وانقسموا قسمين؛ فجاءت
طائفة على البقاع(٤)، وجاءت طائفة على غَوْطة دمشق، فنهبوا في القُرى،
وسَبَوا وقتلوا. وحصن الصالح إسماعيل دمشق وأغلقت، فساروا إلى غَزَّة.
قال شمس الدين ابن الجَوْزي(٥): ودخلتُ تلك الأيام إلى الإسكندرية
فوجدتُها كما قال الله تعالى: ﴿ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ ﴾ [المؤمنون] معمورة
بالعلماء والأولياء كالشيخ محمد القَبَّاري (٦)، والشاطبي، وابن أبي الشامة.
ووعظتُ بها مرتین.
وفيها حاصر صاحب حِمْص عَجْلون، وقُتلَ من أصحابه يوم الزحف نحو
(١) الخبر في مرآة الزمان ٨/ ٧٤١.
(٢) يعني: ابن الصالح نجم الدين.
(٣)
في المرآة: ((فتقدم)) مصحف .
(٤) يعني: بقاع بعلبك.
(٥) مرآة الزمان ٨/ ٧٤١ - ٧٤٢.
(٦) تحرف في المطبوع من المرآة إلى: ((الساوي)).
٣٤٥

ثلاث مئة. ويُقال: أنفق على الحصار أربع مئة ألف دينار ولم يقدر عليها،
فترخّل عنها .
وجاءت بدمشق الزيادة العُظمى فوصلت إلى جامع العُقيبة .
وفيها استولت التتار على بلاد الروم صُلحًا مع صاحبها غياث الدِّين بأن
يحمل إليهم كل يوم ألف دينار وفَرَسًا ومَمْلوكًا وجارية وكَلْب صَيْد، وكان ذلك
بعد وَقْعة كبيرة بين التتار والمسلمين، فانكسر المسلمون في المحرم، وقتل
الحلبيون وكانوا في المقدمة فلم ينجُ منهم إلا القليل. وحاصرت التتار
قيصرية، واستباحوا سيواس ثم افتتحوا قيصرية واستباحوها. وكان صاحب
الزُّوم شابًا لغَابًا، ظالمًا، قليلَ العَقْل، يلعب بالكلاب والسِّباعِ، فعضَّه سَبُعٌ
فمات. وأقامت التتار شِحْنةً بالرُّوم(١) .
وفيها أُهلك الرَّفيع قاضي دمشق وصُودر أعوانه، ووَلَيَ القضاء محيي
الدين ابن الزكي.
وفيها حجَّ بالعراقيين الأمير مجاهد الدين أيبك الدويدار ومعه والدةٌ
المُستعصم بالله، وجُرِّد معها أربع مئة مملوك، وكان مع الدويدار أربع مئة
فارس، ومع قيران مئتان وأربعون فارسًا، وكان عدَّة السبلانات اثني عشر
سبيلاً.
وحدَّث المَوْلى شمس الدين محمد بن إبراهيم الجَزَري في ((تاريخه))(٢)
عن والده: أنه حجَّ في هذا العام من بغداد، وعُدَّت جمال الرَّكْب جميعها عند
مدائن عائشة فكانوا زيادة على مئة وعشرين ألف جَمَل. وكان مع الدويدار
ستون ألف دينار، وستة آلاف خِلْعة، الخِلْعة ثَوْب وزمَيْطيّة وشبختانية ليُفرِّقها
على العُربان والمحاويج. وعَطِشنا في الطَّريق.
قلتُ(٣): وأعطى السُّلطان إسماعيل الفِرَنْج أماكن، ودخلوا القُدْس
وضربوا الصَّخرة كسروا منها قطعتين، ورموا عليها الخمر، وذبحوا عندها
خنزيرًا. فأعطاهم قُرى عدة وطَبَرية وعَسْقلان فعمروا قَلْعتيهما؛ قال ابن
(١) من المرآة ٧٤٢/٨.
(٢) حوادث الزمان، كما في المختار منه ١٨٦ - ١٨٧ .
(٣) أضاف المؤلف هذه الفقرة بأخرة.
٣٤٦

واصل: فمررتُ بالقُدْس فرأيتُ القسوس وقد جعلوا على الصَّخْرة قَنَاني الخمر
للقُربان .
قلتُ: وكان قد أعطاهم قبلها صَفَد والشقيف، فواغَوْثاه بالله .
سنة اثنتين وأربعين وست مئة
لما نزلت الخوارزمية بأراضي غَزَّة - كما تقدم - طال مقامهم. وبعث
إليهم الصالح نجم الدين النَّفَقة والخِلَع والخيل، وأمدَّهم بجيش من عنده،
وأمرهم أن يُنازلوا دمشق. فاتفق الصالح إسماعيل والناصر داود والمنصور
إبراهيم صاحب حِمْص وِفِرَنْج الساحل؛ الذين أعطاهم إسماعيل الشقيف
وصَفَد، وغير ذلك. وعَذَّب إسماعيلِ والي الشقيف لكونه تَمَنَّع من تَسْليم
الشقيف، وسار بنفسه إلى الشقيف وسَلَّمها إلى الفِرَنج.
قال الراوي: فخرج الملك المنصور بعسكر دمشق مع الفِرَنْج. وجَهَّزَ
الناصر داود عسكره من نابُلُس مع الظهير بن سنقر والوزيري.
قال أبو المظفر (١): وكنتُ يومئذ بالقُدْس فاجتمعوا على يافا. وكان
المصريون والخوارزمية على غَزَّة. وسار الملك المنصور والعسكر تحت
صُلْبان الفِرَنج وراياتهم والقِسِّيسون في الأطلاب(٢) يُصَلِّبُون(٣) ويُقَسْقِسُون (٤)
وبيدهم كاسات الخَمْر يسقون الفِرَنج. فأقبلت الخوارزمية والمصريون، فكانت
الوَقْعة بين عسقلان وغَزَّة. وكانت الفِرَنج في المَيْمنة، وعسكر الناصر في
المَيْسرة، والملك المنصور في القَلْب. وكان يومًا مشهودًا التقوا فانكسرت
المَيْسرة وأُسر الظهير بن سنقر، وانهزم الوزيري. ونُهبت خزانة الظهير. ثم
انهزم الملك المنصور وأحاطت الخوارزمية بالفِرَنج. وكان عسكر المصريين
قد انهزموا أيضًا إلى قريب العريش. وكان عَدَدُ الفِرَنج يومئذ ألفًا وخمس مئة
فارس وعشرة آلاف راجل وما كانت إلا ساعة حتى حَصَدَهم الخوارزميون
بالسُّيوف، وأسَروا منهم ثمان مئة.
(١) مرآة الزمان ٨/ ٧٤٦.
(٢) الأطلاب: المقدمة.
(٣) من الصليب.
(٤) في المرآة: ((يقسسون)) .
٣٤٧

قال أبو المظفر (١): فذهبتُ ثاني يوم إلى مَوْضع المَصَاف فوجدتُهم
يَعُدُّون القَتْلَى فقالوا: هم زيادة على ثلاثين ألفًا. وبعث الخوارزميون بالأُسارى
وبالرُّؤوس إلى مصر. ووصل المنصور في نَفَر يسير، ونُهبت خزانتُهُ وخيلُهُ،
وقُتل أصحابُهُ، وجعل يبكي ويقول: قد علمتُ أنا لما سِرْنا تحت صُلْبان
الفِرَنج إننا لا نفلح. ثم جَهَّز الملك الصالح مُعين الدين ابن الشيخ في العساكر
لحصار دمشق. ودخلت الأسارى القاهرة، ومُلئت الحبوس بهم. وخذل
الصالح إسماعيل وأخذ يتهيَّ للحصار، وخَرَّب أرباعًا عظيمة حَوْلِ البَلَد، والله
المُستعان .
وفيها وَرَدَ كتاب بدر الدين صاحب المَوْصل يقول فيه: إنني قرَّرتُ على
أهل الشام قطيعة في كل سنة عشرة دراهم على الغني، وعلى الوسط خمسة
دراهم، وعلى الفقير درهم. وقرأ القاضي محيي الدين ابن الزكي الكتاب على
الناس وشرعوا في الجِبَاية(٢).
قلتُ: أظنُّ هذا مصالحة عنهم للتتار، فإن سَعْد الدين ذكر في ((تاريخه)):
أن في آخر سنة إحدى وأربعين وصل رسول قاآن إلى صاحب مَيَّافارِقين،
وطلب الدخول في طاعته. وأن في المحرّم سنة اثنتين جَهَّز صاحب مَيَّافارقين
رُسُل التتار بهدية عظيمة. وأن في أواخر المحرَّم أخذت التتار خِلاَط وعَبَروا
إلى بَدْلِيس. فأتيتُ مع الملك المظفر إلى حِصْن كَيْفا. ثم نَفَّذَ إلى مَيَّافارقين
جَهَّزَ أُمه وزوجته وما خفَّ معهما من جواهر ومصاغ، فطلعوا إلى حِصْن كَيْفا
عند المُعظّم وَلَدِ الملك الصالح. وطلب المظفر ولده الملك السعيد(٣) وكان
شابًا مليحًا، شُجاعًا، كريمًا، فقال: تعود إلى مَيَّافارقين وتُجمِّع الناس
والعسكر لقتال الشَّر، وأنا فأمضي إلى مصر أو إلى بغداد لجَمْع الجيوش
واستنفار الناس، فأبى، وقال: ما أُفارق خِدْمة السُّلطان. فضربه ابن عَمِّه(٤)
بسِكِّين قتله، وقتلوه بعده في الحال. ثم سار المظفر - وأنا معه - إلى نَصِيبين
ثم إلى ماكِسِين وأخذنا على بلاد الخابور، ثم سِرْنا إلى عانة، ثم عُدْنا إلى
(١) المرآة ٨/ ٧٤٦ - ٧٤٧.
(٢) انظر المرآة ٧٤٥/٨ وتاريخ ابن الجزري، كما في المختار منه ١٩٢ .
(٣) يعني: عمر ابن شهاب الدين غازي.
(٤) هو الأمير حسن ابن تاج الملوك.
٣٤٨

الجانب الغربي فوصلتنا إقامة الخليفة. وجاء الخَبَرُ أن التتار وَصَلوا إلى
سِنْجار. وجاءنا رسول من بغداد معه جوسخاناه ورَوَايا وقِرَب برسم طريق
مصر، فعُدْنا إلى عانة. وجاءتنا الكُتُب برحيل التتار عن البلاد؛ لأن الطبق(١)
وقع في حوافر خيلهم. فجئنا إلى مشهد علي(٢)، ثم سِرْنا إلى أن وصلنا حَرَّان
ثم إلى مَيَّافارِقين.
وفيها في ثالث صفر خرج الأعيان إلى مُلْتقى أُمّ الخليفة وقد رفعوا
الغُرز (٣)، والمُدرِّسون والقضاة وقد رفعوا الطرحات وجعلوا عُدَدهم حُمرًا.
وخرج ثاني يوم أُستاذ دار الخلافة مؤيد الدين محمد ابن العلقمي بالقميص
والبقيار والغرزة، مُتقلّدًا سيفًا، ووراءه ثلاثة أسياف. وتوجَّهوا إلى زريران (٤)،
فكان أحدهم يحضر إلى زعيم الحاجٌّ مجاهد الدين الدويدار فيُسلِّم - وقد
نُصب هناك سُرادق عظيم - فيأتي أحدهم ويُقبِّل الأرض على باب السُّرَادق
فيخرج الأمير كافور ويقول: قد عُرف حضورك. فلمّا قرب ابن العَلْقمي نزل
ولبس بقيارًا بلا غرزة، وغيّر عدَّة مَرْكوبه فجعلها حَمْراء وقصد السُّرَادق ومعه
زعيم الحاج، ثم قَبَّل الأرض فخرج إليه كافور فتشكَّرَ له. ثم أُحضرت
شبارة(٥) بمشرعة زريران فنزلت فيها والدة الخليفة. قال: وخُلع على الدويدار
وأنعم عليه بخمسة عشر ألف دينار.
وفي ربيع الأول وَليَ وزارة العراق مؤيد الدين محمد ابن العَلْقمي، بعد
موت ابن الناقد الوزير. ثم وَليَ الأستاذ دارية الصاحب محيي الدين يوسف ابن
الجَوْزي .
وفي ذي الحجة وقعت بطاقة ببغداد أن التتار - خَذَلهم الله - دخلوا
(١) مرض يصيب الخيل في حوافرها.
(٢) المعروف اليوم بالنجف.
جمع غرزة، وهو نوع من لباس الرأس لأعيان بغداد.
(٣)
في الأصل بخط المصنف ((زيران)) خطأ، لعله من سرعة الكتابة، والصواب ((زَريران)) بفتح
(٤)
الزاي وكسر الراء وياء ساكنة وراء مهملة أخرى، كما أثبتنا، وهى قرية بينها وبين بغداد
سبعة فراسخ على طريق الحاج إذا أرادوا الكوفة من بغداد، كما في ((معجم البلدان)) و
المختار من تاريخ ابن الجزري (بخط الذهبي)، ١٩٢ - ١٩٣.
(٥) نوع من السفن الصغيرة، كانت مشهورة ببغداد والموصل وغيرهما (وانظر معجم المراكب
والسفن في الإسلام: ٣٤٣).
٣٤٩

شهرزور، وهرب صاحبها فلك الدين محمد بن سُنْقُر إلى بعض القلاع، وأنهم
قتلوا، وفسقوا، وبَدَّعوا، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وفي أواخر السنة شرعوا - أعني المصريين والخوارزمية - في حصار
دمشق، وعلى العساكر مُعين الدين ابن الشيخ.
سنة ثلاث وأربعين وست مئة
قيل: في أولها وصل الصاحب معين الدين ابن شيخ الشيوخ بالجيوش
والخوارزمية، فنازَلَ دمشق وضايَقَها، وزحفوا على البلد من نواحيه. فلمّا كان
يوم ثامن المحرَّم بعث الصالح إسماعيل إلى مُعين الدين سجادة وإبريقًا
وعكازًا وقال: اشتغالك بهذا أولى. فبعث إليه المُعين بجنك(١) وزمر وغلالة
حريري(٢) وقال: ما بعثتَ به يصلح لي، وهذا يصلح لك. ثم أصبح فزحف
على دمشق، ورموا النِّيران في قَصْر حَجَّاج، ورموا بالمجانيق. وكان يومًا
عظيمًا. وبعث الصالح النفطية(٣) فأحرقوا جوسق العادل والعقيبة، ونهبت
بيوت الناس، ورموا على الطّرق. ودام الحصار إلى ربيع الأول. فخرج الملك
المنصور صاحب حِمْص من عند الصالح فاجتمع ببركة خان مقدم الخوارزمية،
ثم عاد. فلمّا طال الأمر فُتحت دمشق في جمادى الأولى.
قال سَعْد الدين الجُوَيْني: كان أمين الدولة في أيام الحصار يشتغل
بالطّلاسم والسِّخْر عَمِلَ خيلاً من خشب ووجوهها مقلوبة إلى أذنابها ودفنها
بظاهر البلد. وعَملَ ثورًا من عقاقير ووضعه على منارة الجامع، ووضع فيه
النار، فلم تُغْنِ شيئًا.
قال ابن الجَوْزي (٤): وبعث أمين الدولة السَّامِري إلى ابن الشيخ يطلب
منه شيئًا من ملبوسه، فبعث إليه بفرجية وعِمَامة ومنديل فلبسها وخرج إليه بعد
(١) الجنك: آلة من آلات الطرب، وهو فارسي الأصل (انظر الألفاظ الفارسية المعربة:
٤٦) .
(٢) هكذا بخط المؤلف، وفي المرآة (٨/ ٧٥٢) والمختار من تاريخ ابن الجزري (ص١٩٧):
((غلالة حرير))، وهو أحسن. الغلالة: ثوب مفرط في الشفوف والخفة.
(٣) ويعرفون بالزراقين.
(٤) مرآة الزمان ٧٥٣/٨ - ٧٥٤.
٣٥٠

العشاء وتحدَّث معه ساعة، ثم عاد إلى البلد، ثم خرج مرَّة أُخرى فوفق الحال،
وخرج الصالح وصاحب حِمْص إلى بعلبك وسَلَّموا البلد. ودخل من الغد
مُعين الدين ابن الشيخ دمشق. وكان المُغيث ابن الصالح نجم الدين قد مات
بحبس القَلْعة ودُفن عند جَدِّه بالكاملية. وكان مُعين الدين حسنَ السِّياسة لم
يُمكِّن الخوارزمية من دخول البلد خَوْفًا أن ينهبوها. ثم جَهَّز الوزير السَّامري
تحت الحوطة إلى مصر.
وأما الخوارزمية فلم يُطلعوا على الصُّلْح، فرحلوا إلى دارَيًّا ونهبوها،
وغضبوا على ابن الشيخ، ورحلوا عن دمشق، وراسلوا الصالح إسماعيل في أن
يكون معهم، وانتقض الصُّلْح وعادت الخوارزمية تحاصر البلد وبه مُعين الدين
ابن الشيخ. وجاءهم إسماعيل من بعلبك بعد موت ابن الشيخ، وضَيَّقوا على
دمشق، وقَلَّت بها الأقْوات، وأكلوا الجِيَف، وبلغت الغرارة القَمْح ألف وست
مئة درهم، وأُبيعت الأملاك والأمْتعة بالهوان، وبلغ الخُبْز كل وَقْيتين إلا ربع
بدرهم، واللَّحْم رِطْل بتسعة دراهم. وهلك الناس وماتوا جُوعًا على الطُرُق
وأنتنت الدنيا لهم، ووقع المرض والوباء المُفْرط، وآل الأمر بأن عجزوا عن
دَفْن أكثر الناس، فكانوا يحفرون لهم حفائر ويرمون المَوْتى فيهم بلا غسل ولا
كفن. هذا والخمور دائرة، والفِسْق ظاهر، والمكوس بحالها.
فلمَّا عَلِمَ الصالح نجم الدين بانقلاب الدَّسْت راسل الملك المنصور
يُفسده ويستميله فأجابه. وتُوفي في وسط الأمر مُعين الدين ابن شيخ الشيوخ
في رمضان، وكان قد نزل بدار سامة. ودخل الشهاب رشيد فتسلّم القَلْعة .
ووَلَّى معينُ الدين القضاء صَدْرَ الدين ابن سَنِيِّ الدولة، والولاية جمال الدين
هارون. ووصل سيف الدين ابن قليج من عَجْلون مُنفصلاً عن الناصر، وأوصى
بعَجْلون وبأمواله للصالح نجم الدين، ونزل بدار فلوس، فمات(١).
وقال شهاب الدين أبو شامة(٢): في أولها اجتمع على دمشق عساكر
عظيمة من المصريين والخوارزمية وغيرهم، وأُحرق قَصْر حَجَّاج والشاغور
وجامع جَرَّاح ونُصبت المجانيق ورُميَ بها من باب الجابية وباب الصغير،
(١) انظر مرآة الزمان ٨/ ٧٥٥، والمختار من تاريخ ابن الجزري ١٩٨ - ١٩٩.
(٢) ذيل الروضتين ١٧٥ .
٣٥١

ورُمي بمجانيق أيضًا من داخل البلد، وتَرَامى الفريقان وأُمر بتخريب عمارة
العقيبة، وأحرق حكر السماق، وغير ذلك(١). واشتدَّ الغلاء، وعَظُم البلاء
حتى أُبيعَ التِّبْن كل أوقية بقرطاس، ثم أُحرقت العقيبة.
قال أبو المظفر ابن الجَوْزي(٢): فحُكي أن رجلاً كان له عشر بنات أبكار
فقال لهنَّ: اخرجْنَ - يعني لما أُحرقت العُقيبة - فَقُلْنَ: والله لا نخرج، الحريق
أهون من الفضيحة، فاحترقن في الدار.
قلتُ: هذه حكاية مُنكرة، وابن الجوزي حاطب ليل وصاحب عجائب.
وقال سَعْد الدين ابن حَقُّوية في ذكر انتقاله من خِدْمة صاحب مَيَّافارقين :
ثم خرجنا من حَماة في أول ربيع الأول مع رُسُل حَماة ومعهم مئتا فارس لخوف
الطريق، فنزلنا سَلمية وسِرْنا منها، والخوارزمية على الطَّرُقات يأخذون من كل
أحد شيئًا. إلى أن قال: ونزلت عند ابن عَمِّ مُعين الدين - بالقرب من
المُصَلَّى - فخَلَعَ عليَّ، ورأيتُ دمشق وقد قطع العسكر أكثر أشجارها، ونضبت
أنهارها، وخُرِّبت أكثر ديارها. وكان الصالح إسماعيل قد خَرَّب أرباضها
وأحرقها، وخَرَّب عسكر مصر بقية العِمَارة التي تَلِيهم بحيث ما بقي بظاهر البلد
عِمَارة تُسْكَن، وكان عليها المجانيقُ منصوبةً من باب الجابية إلى باب النصر.
وفي ربيع الأول قفر إلينا ابن صاحب صَرْخَد فأعطاه ابن عَمِّي ألف دينار وخِلْعة
وفَرَس، وكان في أكثر الأيام يُفرِّق خمس مئة خِلْعة وخمسة آلاف دينار على
المُقَفِّرين.
قال أبو شامة(٣): وفي ثامن جمادى الأولى زال الحصار وتَرَخَّل عن البلد
سُلطانه الملك الصالح عماد الدين ورفيقه صاحب حِمْص إلى بعلبك وحِمْص.
ودخل من الغد نائب صاحب مصر مُعين الدين حسن ابن شيخ الشيوخ صَدْر
الدين فنزل في دار سامة (٤) وهي: الدار المعظمية الناصرية، وعزل محي الدين
(١) أسماء مواضع بمدينة دمشق. فمسجد جراح كان خارج باب الصغير، وكان جامعًا تقام فيه
الجمعات. وأما حارة العقيبة فكانت خارج باب الفراديس. وأما حكر السماق فكان
خارج باب النصر.
(٢) مرآة الزمان ٨/ ٧٥٢.
(٣) ذيل الروضتين: ١٧٦.
(٤) في ذيل الروضتين: ((أسامة)) وما هنا أصح.
٣٥٢

ابن الزكي عن القضاء، ووَلَيَ ابن سَنِيِّ الدولة.
وفيها وصلت إلى خِلاط السِّتُّ الخاتون الكُرجية ابنة ملك الكُرج أيواني
ومعها منشور من مَلِك التتار خاقان بخِلاط وأعمالها إطلاقًا، فراسلت الملك
شهاب الدين غازي ابن العادل تقول: أنا كنتُ زوجة أخيك الملك الأشرف،
فإن تزوجت بي فالبلاد لك، فما أجابها. وكان جلال الدين ابن خوارزم شاه قد
أخذها لما تَمَلَّك خِلاط فغاب خبرها هذه المدَّة. وكانت قبل الأشرف عند
الملك الأوحد أخيه(١).
وفيها بعث الملك الصالح صاحب مصر الأمير حسام الدين بهرام ليحضر
ولده الملك المُعظّم تُورانشاه من حِصْن كَيْفا، فبعث إليه الملك المظفر شهاب
الدين غازي الخيل والمماليك، وكذا فعل صاحب ماردين، فخاف المُعظّم ولم
يجب أباه (٢).
قال أبو المظفر(٣): فحَكَى لي الأمير حسام الدين بن أبي علي: أن
الصالح كان يكره مجيء ابنه إليه، وكُنَّا إذا قلنا له: أرسل أحضره، يغضب
وينفض يده ويقول: أجيبه أقتله؟ وكأنَّ القضاءَ مُوكل بالمنطق (٤).
وفيها أخرج الصالحُ نجم الدين الصاحبَ فخر الدين ابن شيخ الشيوخ من
السِّجن بعد أن حَبَسه ثلاث سنين، ولاقى شدائد وضرًا حتى كان لا ينام من
القمل(٥).
وفيها وجَّه أمير المؤمنين مع جمال الدين عبدالرحمن ابن الصاحب
محيي الدين ابن الجَوْزي خِلْعة السَّلطنة إلى الملك الصالح نجم الدين أيوب
وهي: عِمَامة سَوْداء، وفرجية مذهبة، وثوبان ذهب، وسيفان بحلية ذهب،
وعَلَمان (٦)، وطَوْق ذهب، وحصان بعدَّة فاخرة، وتُرْس ذهب. فلبس السُّلطان
(١) انظر المرآة ٧٥٤/٨، والمختار من تاريخ ابن الجزري ١٩٩.
(٢) كذلك.
(٣) مرآة الزمان ٨/ ٧٥٥ .
العبارة الأخيرة للذهبي، وهي في الأصل: ((وكان القضاء موكلاً بالمنطق)).
(٤)
(٥) من المرآة ٨/ ٧٥٥.
(٦) في المطبوع من «المرآة)): ((وغلامان)) وما هنا هو الصحيح، ويعضده ما في المختار من
تاريخ ابن الجزري ٢٠٠ .
تاريخ الإسلام ١٤ / م ٢٣
٣٥٣

الخِلْعة بمصر، ووَجَّهوا أيضًا خِلْعة للصاحب مُعين وهي: ثوب واسع مذهب،
وعِمَامة، وسيف، وفَرَس بعِدَّته، فأعطاها السُّلطان للأمير فخر الدين لبسها
لموت مُعين الدين. وخِلْعة وفَرَسًا للملك المُعظّم ولد السلطان وخِلَعًا لأصحابه.
وفيها وصلت التتار إلى بعقوبا فعاثوا وأفسدوا. فخرج من بغداد الدوادار
الصغير في عسكر بغداد فالتقاهم في ربيع الآخر فكسرهم، وردّ ومعه
الأسرى(١).
قال أبو شامة(٢): في ثامن عشر شوَّال بلغت الغرارة ست مئة درهم
وذلك في تاسع آذار بدمشق. وفي آخر شوَّال بلغت الغرارة القَمْح مئة دينار
صورية. وفي عاشر ذي القَعْدة تفاقم الأمر وبيع الخُبْز الأسود أُوقيتان بدرهم،
وخُبز الشعير أوقيتان ونصف (بدرهم)(٣). وفي ثاني عشر ذي القَعْدة بلغت
الغرارة ألفًا ومئتي درهم كاملية(٤)، والزبيب كل أُوقيتين بدرهم، والباقلا
الأخضر رطل بدرهم وربع، ويوم عيد النحر بيع رطل الخُبْز بسبعة دراهم. ثم
نزلت الأسعار، وفي آخر السنة نزل إلى رطل بدرهمين، وبعد شهر رخص
واشتُريَ رطلٌ وثُلُث بدرهم.
سنة أربع وأربعين وست مئة
في أولها(٥)كانت كَسْرة الخوارزمية بين حِمْص وبعلبك، وذلك أن
الخوارزمية اجتمعوا على بحيرة حِمْص. وكتب صاحب مصر فاستمال الملك
المنصور إبراهيم، وكاتب الحلبيين: بأن هؤلاء الخوارزمية قد أخربوا الشام،
والمَصْلحة أن نَتَّقِقِ عليهم، فأجابوه. وسار شمسُ الدين لؤلؤ بجيش حلب.
وجَمَعَ صاحب حِمْص إبراهيم التركمانَ والعربَ وسار إليهم عسكر السُّلطان
الذي بدمشق. فاجتمعوا كلَّهم على حِمْص. واتفق الخوارزمية والملك الصالح
إسماعيل والناصر داود وعز الدين أيبك المُعَظِّمي واجتمعوا على مرج الصُّفّر
(١) تاريخ ابن الجزري، كما في المختار منه ٢٠٠ .
(٢) ذيل الروضتين ١٧٨.
(٣) من ذيل الروضتين.
(٤) في المطبوع من الذيل: ((ألفًا ومئتي درهم وخمسين درهمًا فضة ناصرية)).
(٥) انظر مرآة الزمان ٧٦٠/٨ - ٧٦١، والمختار من تاريخ ابن الجزري ٢٠١-٢٠٢ .
٣٥٤

فأشار بركة خان بالمَسِير لقصدهم، فساروا، فكان المَصَافُّ على بحيرة حِمْص
في المحرَّم. فكانت الدائرة على حِزْب إسماعيل، وقُتلَ رأس الخوارزمية بركة
خان، وانهزم إسماعيل وصاحب صَرْخَد، والجند عرايًا جياعًا، ونُهبت
أموالهم، ووصلوا إلى حوران في أنحس تقويم، فساق صاحبُ حِمْص إلى
بعلبك فأخذ البلد وسَلَّمه إلى أميرٍ. وسار الحلبيون ومعهم رأس بركة خان
فنصبت على باب حلب.
وقَدِمَ صاحبٍ حِمْص دمشق ونزل ببستان سامة. وذهبت طائفةٌ كبيرةٌ من
الخوارزمية إلى البَلْقاء، فنزل إليهم الناصر من الكَرك وصاهرهم واستخدمهم
وأطلع حريمهم إلى الصَّلْت، وكذا فعل عز الدين صاحب صَرْخَد، وساروا
فاستولوا على نابُلَس. ومرض صاحب حِمْص بالنيرب ومات وحمل إلى
حِمْص.
وجَهَّزَ صاحبُ مصر الصاحبِ الأمير فخر الدين ابن الشيخ إلى الشام
بعسكر فقدم غَزَّة فعاد من كان بنابُلُس من الخوارزمية إلى الصَّلّت، فقصدهم
فخر الدين فكسرهم ومَزَّقهم. وكان الناصر معهم ففرّ إلى الكرك وتبعته
الخوارزمية فلم يُمكِّنهم من دخول الكرك. وأحرق ابن شيخ الشيوخ الصَّلْت
وهي للناصر. ثم ساق فنازل الكرك، وتحصَّن عز الدين بصَرْخَد. وكان يوم
الوَقْعة المذكورة في ربيع الآخر .
وقيل: إن الناصر كتب إلى فخر الدين وهو منازله:
غدوتُ على قيس لخفر جواره لأمنع عرضي إن عرضي مُمَّنَّع
وكان الأمير حسام الدين بن أبي علي بدمشق، فسار إلى بعلبك وتَسَلَّم
قَلْعتها باتفاق من الساماني(١) مملوك الصالح إسماعيل وكان واليها. وبعث عيال
إسماعيل إلى مصر، وتَسلَّم نُوَّاب الصالح نجم الدين بُصْرى وكان بها الشهاب
غازي فأعطوه حَرَسْتا القنطرة بالمرج.
وفي ربيع الآخر وصل الصالح إسماعيل بطائفة من الخوارزمية أميرهم
كشلوخان إلى حلب. ولم يبقَ للصالح مكان يَلْجأ إليه، فتلقَّاه صاحب حلب
الناصر يوسف فأنزله في دار جمال الدين الخادم، وقبضَ على كشلوخان
(١) في المرآة ((الشاماتي)) مصحف.
٣٥٥

والخوارزمية وملأ بهم الحبوس. وقال الأمير شمس الدين لؤلؤ أتابك حلب
للصالح: أبصر عواقب الظُّلْم كيف صارت(١)؟
وفي ذي القَعْدة قدم السُّلطان الملك الصالح نجم الدين دمشق، فدخل
يوم تاسع عشره وكان يومًا مشهودًا بكثرة الخلائق والزّينة، وأحسن إلى الناس،
وأقام نصف شهر. ورحل إلى بعلبك فكشفها، ثم رجع ومَضَى نحو صَرْخَد
فتسلَّمها من عز الدين أيبك بعد أن نزل إلى خِدْمته برأي ابن العميد. فدخلها
الصالح، ثم مَضَى إلى بُصْرى، وقدم عز الدين أيبك دمشق، وكتب له منشورًا
بقرقيسيا والمَجْدل وضياعًا في الخابور، فلم يحصل له من ذلك شيء. وتوجَّه
السُّلطان إلى مصر، وتصدَّق في القُدْس بألفي دينار، وأمر بعِمَارة سورها
وقال: اصرفوا دخل البلد في عمارة الشُّور(٢).
وفيها وصلت الأخبار: أن البابا طاغوت النصرانية غضب على
الأنبرور(٣)، وعاملَ خواصَّه المُلازمين له على قَتْله، وكانوا ثلاثة، وقال لهم:
قد خرج الأنبرور عن دين النصرانية ومال إلى المسلمين فاقتلوه وخذوا بلاده
لكم، وأعطى أحدهم صِقِلَّية، والآخر نغفاته، والآخر بوليه، وهذه الثلاثة
مملكة الأنبرور. فكتب مناصحون للأنبرور إليه بذلك، فعَمَدَ إلى مملوك له
فجعله مكانه على سرير الملك وأظهر أنه هو، وأنه قد شَرِبَ شربة فجاء الثلاثة
يعودونه والأنبرور في مجلس ومعه مئة بالسِّلاح. فأما الثلاثة فإنهم رأوا قَتْل
الأنبرور - لكونه ضعيفًا من الدواء - فُرْصةً، فخطوا عليه وهو مُغطّى الوجه
بالسَّكاكين فقتلوا الغلام، فخرج عليهم المئة فقبضوا عليهم، وذبحهم الأنبرور
بيده وسَلَخهم. فلمَّا بلغ البابا بعث إلى قتاله جيشًا، والخُلُف بينهم واقع.
وفيها تسلّم السُّلطان نجم الدين أيوب قَلْعة الصُّبيبة (٤) من ابن عمِّه الملك
السعيد ابن الملك العزيز. ثم أخذ حِصْن الصلت من الناصر.
(١) مرآة الزمان ٨/ ٧٦٢، والمختار من تاريخ ابن الجزري ٢٠٣.
(٢) مرآة ٧٦٣/٨، والمختار من تاريخ ابن الجزري ٢٠٤ .
(٣) هو الإمبراطور فردريك الثاني، آخر الأباطرة العظام في الإمبراطورية الرومانية المقدسة
(انظر نزاعه مع البابوات في كتاب الأستاذ الدكتور سعيد عبدالفتاح عاشور: أوربا العصور
الوسطى: ٣٦٨/١ فما بعد).
(٤) وهو حصن الصبيبة، قرب نابلس، وانظر المختار من تاريخ ابن الجزري ٢٠٤.
٣٥٦

وفيها كُتب توقيع لشرف الدين عبدالله ابن شيخ الشيوخ بِن حَمُّوية
بمشيخة خوانك دمشق مع الولاية عليها والنَّظَر في وقوفها كوالده. وكُتب توقيع
للشيخ تاج الدين بن أبي عَصْرون بتَدْريس الشامية، فدرَّس بها دهرًا طويلاً،
فتوجّه المذكوران إلى دمشق .
وبعث السُّلطان خمسة عشر ألف دينار إلى الأمير فخر الدين ابن الشيخ
إلى غَزَّة ليستخدم بها رجاله.
وفي ربيع الأول - قال سَعْد الدين الجُوَيْني -: جاء الخبر أن المُعظّم
صاحب حِصْن كَيْفا جاءته نجدة المَوْصل ومارِدين، فضرب مَصَافًا مع الملك
المظفر صاحب مَيَّافارقين فكَسَره وشَحَن على أكثر بلاده. قال: وسافرتُ إلى
مصر فسِرْتُ من الغُرابي إلى القصير ثم سريتُ جئتُ إلى السائح نزلتُ به، وقد
بنى به السُّلطان نجم الدين دورًا وبُستانًا وقرية بها جامع وفنادق، وسُمِّيت
الصالحية .
قلتُ: وقبل ذلك إنما كان هذا المكان يُعرف بالسائح.
وقَبَضَ الناصر في الكرك على الأمير عماد الدين ابن موسك وأخذ
أمواله(١) .
وفيها خَتَنَ المُستعصم بالله ولديه أحمد وعبدالرحمن، وأخاه عليًا (٢).
فذكر ابن الساعي: أنه أخرج على الخِتَان نحوًا من مئة ألف دينار، فمن ذلك:
ألف وخمس مئة رأس شواء.
وفيها قَدِمَ رسولان من التتار أحدهما من بركة والآخر من باجو، فاجتمعا
بالوزير مؤيد الدين ابن العَلْقَمي، وتعمَّت على الناس بواطن الأمور.
وفيها تُوفي المنصور صاحب حِمْص وتملَّك بعده ابنه الملك الأشرف
موسى وعاش أهل الشام بهلاك الخوارزمية، وكانوا كالتّتَر في الغَدْر والمَكْر
والقَتْل والنَّهْب.
وفيها أخذت الفِرَنج شاطبة صُلْحًا، ثم أجْلَوا أهلها بعد سنة عنها.
(١) مرآة الزمان ٧٦٣/٨.
(٢) تاريخ ابن الجزري، كما في المختار منه ٢٠٥ .
٣٥٧

سنة خمس وأربعين وست مئة
في أولها رجع السُّلطان إلى مصر جريدة وأبقى جيوشه بالشام، فحاصروا
بلاد الفِرَنج عَسْقلان وطَبَرِية، ففُتحت طَبَرية في صفر وفُتحت عَسْقلان في
جمادى الآخرة .
وفي رجب عُزل خطيب البلد عِمَاد الدين داود الآباري من الخطابة ومن
الغزالية، ووَلِيَهما القاضي عماد الدين عبدالكريم ابن الحَرَسْتاني.
قال أبو المظفر(١): نازل فخر الدين ابن الشيخ طَبَرية فافتتحها، ثم
حاصر عَسْقلان، وقاتل عليها قتالاً عظيمًا وأخذها في جُمادى الآخرة.
قلتُ: وانفرد بفتح هذين البلدين، وعَظُمَ شأنه عند السُلطان، ولم يبقَ له
نظير في الأمراء.
قال سَعْد الدين بن حَقُّوية: في المحرَّم أخذ السُّلطان من السعيد ابن
العزيز قَلْعة الصُّبَيبة. وأُعطي خبز مئة وخمسين بمصر ومئة ألف درهم وقيسارية
جركس وخمس مئة تفصيلة.
وفيه(٢): نَفَى السُّلطان مملوكه البندقدار. وأضاف أجناده إلى الحلقة
لكونه صعد قَلْعة عَجْلون بلا أمر .
قلتُ: في هذه المرّة أخذ السُّلطان من مماليك البندقدار بيبرس وصار من
أعيان مماليكه وآل أمره إلى سَلْطنة البلاد.
قال: وزار الشُّلطان القُدْس وأمر أن يُذرع سُوره فجاء ستة آلاف ذراع،
فأمر بأن يصرف مغل القُدْس في عمارة سُوره. وتصدَّق بألفي دينار في الحَرَمِ،
وزار الخليل. وكان الأمير فخر الدين نازلاً على طَبَرية، فنصب عليها
المجانيق، فخرجوا في بعض الليالي فقتلوا الأمير سابق الدين الجَزَري وقتلوا
سبعةً معه. وركبنا في المراكب في البحيرة لقَطْع الميرة عن طَبَرية، فجاءت
مراكبهم وقاتلونا ساعة، ثم زحفنا على القَلْعة من كل مكان، وجرح جماعة .
(١) مرآة الزمان ٨/ ٧٦٦.
(٢) يعني في المحرم.
٣٥٨

قال: ووقعت البدنة التي عَلَّقناها من الباشورة، فزحفنا كلنا، وهجم
المسلمون الثغرة، وجاء الفِرَنج بأسرهم إليها، ورموا بالحجارة وقتلوا خَلْقًا
كثيرًا، وصَبَرَ الناس. وكلَّما تَعِبَ قوم خرجوا وجاء غيرهم إلى أن تعبت الفِرَنج
فطلبوا الأمان فأمَّنهم الأمير على أن يكونوا أسرى، فنزلوا على ذلك، فكانوا
مئتين وستين أسيرًا. وأخذ الأمراء خفيةً نحو خمسين أسيرًا. وَغَنِمَ الناس طَبَرية
بما فيها. ووجدنا منهم في القَلْعة قَتْلى كثيرة وجَرْحى. وكان يومًا مشهودًا.
وأُخربت القَلْعة وقُسمت على العسكر. ورحلنا بآلات الحصار جميعها إلى
عَسْقلان، وقد نزل عليها قبلنا الأمير شهاب الدين ابن الغرز، فأحاطت بها
العساكر، ومراكب الفِرَنج وشوانيهم تحتها، ومراكبنا مُرسية على الساحل،
وهي قَلْعة مليحة بستة عشر برجًا نصفها في البحر، فنزلنا ورمينا بالمجانيق،
وجاءت مراكبهم إلى مراكبنا فاقتتلوا، وكانت ساعة مشهودة. ثم هاج البحر
واغتلم واصطدم موجه فكَسَرَ شوانينا وطَحَنها على الساحل وهي خمسة
وعشرون. وسلمت شواني الفرنج لأنهم كانوا مُرْسين في وسط البحر، فأخذنا
خشب الشواني عَمِلْناه ستائر للزَّحْف، وكمل لنا أربع عشرة منجنيقًا ترمي على
القَلْعة، ومناجيقهم(١) لا تبطل ساعة، وأحرقوا ستائر منجنيقين رموها بنصول
زيار (٢) مَحْمِية، وكَسَروا لنا منجنيقين، وخرجوا وقتلوا جماعةً. وبعد أيام
شرعنا في طَمِّ الخندق من النَّقْب، وجاءهم اثنا عشر مركبًا نجدة. وكان المَدَدُّ
يأتيهم ويأتينا أيضًا. وخرجوا غير مرة وقاتلوا. فزحفنا في عاشر جمادى الأولى
عليها من كل جهة وقاتل المسلمون قتالاً عظيمًا، وملكوا الباشورة، وقُتل نحو
ستين نفسًا وجُرح خَلْقٌ. وبِتْنا على خنادق القَلْعة، وأخذنا نقوبًا في برج ديدنة،
ثم بعد يومين زحفنا عليهم، ثم أخذوا النقوب منا، وهرب أصحابنا منها، ثم
من الغد استعدناها منهم. وفي سادس عشر الشهر أحرقنا البرج فنَقَبوه من
عندهم وأطفؤوا النار. ثم تَقَوَّر(٣) البرج من الغد ووقع على اثني عشر فارسًا
منهم فأخرجهم أصحابنا وغَنِموا سَلبهم. ثم جاءتهم سبع مراكب كبار. قال :
وحَجَرُ المنجنيق المغربي الذي لنا وَزْنه قنطار وربع بالشامي. وطال الحصار،
(١) هكذا بخط المؤلف.
(٢) زيار: من آلات الحرب، انظر دوزي ٣٩٩/٥.
قَوَّر الشيء: جعل في وسطه خرقًا مستديرًا.
(٣)
٣٥٩

وقَفَزَ غير واحد، وقَفَزَ فارسان من الفِرَنج فخَلَعَ عليهما فخر الدين وذكر أن
الخُلْف وقع بين الاسبتار والغُرب. وانسلخت الباشورة فمات منا تحتها ثمانية
أنفس. وليلة الخميس ثاني وعشرين جمادى الآخرة طَلَعَ أصحابنا من البرج
المنقوب ومَلَكوه وصاحوا، فضربنا الكوسات في الليل، وعَلَت الصَّنجات
وتكاثر الناس، فاندهش الفِرَنج وخذلوا وهربوا إلى المراكب وإلى الأبراج
واحتموا بها. ودخل المسلمون القَلْعة في الليل وبذلوا السَّيْف وربما قتل
بعضهم بعضًا لكثرة العالم وظُلْمة الليل وللكَسْب، ولم يزالوا ينقلون ذخائرها
وأسلحتها طول الليل. ودخلها من الغد الأمير فخر الدين وأعطى لمن في
الأبراج أمانًا على أنفسهم دون أموالهم وكان فيهم ثلاثة أمراء معتبرين، وكانت
الأسرى مئتين وستين أسيرًا. ووجدنا غَرْقَى وأيدٍ مُقطَّعة في البحر، وسَيَبُه
تعلُّقهم بالمراكب للهَرَبِ فيخاف الآخرون لا تغرق المراكب فيضربون بالسيوف
على أيديهم يقطعونها، ثم شرعنا في خراب القَلْعة ورحلنا، وقد تركناها مأوى
للبوم والغربان، ومساكن للأراوي والغزلان، فسبحان الباقي الدَّيَّان.
وفيها أخذ السُّلطان قَلْعة شميمس من الأشرف صاحب حِمْص فحصَّنها
وبعث إليها الخزائن.
وفيها جاء عسكر حلب فنازلوا حِمْص وحاصروها مدَّة، وأخذوها في
سنة ست .
وفيها جاءت تذكرة بأن يحمل إلى مصر القاضي محيي الدين ابن الزكي،
وابن العماد الكاتب، وابن الحضيري، وأولاد ابن صَصْرى الأربعة، والشرف
ابن المعتمد، وجماعة، لأنهم كانوا من أصحاب الصالح إسماعيل. فلمَّا وصلوا
مصر أقاموا بحسب اختيارهم، فبقوا بها إلى بعد موت الصالح نجم الدين.
وفي ذي القَعْدة حُبس عز الدين أيبك المعظمي في دار فرخشاه بتواطىء
من ابن مطروح وغيره، وصنعوا مترجمًا قد جاءه من حلب من عند الصالح
إسماعيل، وكتبوا إلى السُّلطان يُخْبرونه بذلك؛ فأمر أن يحمل إلى القاهرة
تحت الحوطة فحمل، وأنزل في دار صواب فاعتُقْلَ بها، ورافعه ولده وقال :
أموال أبي قد بعثها إلى حلب. فمرض أيبك ومات بغيْنِهِ (١)، ثم نُقل في
(١) انظر تفاصيل ذلك، وما صار إليه من سعى بظلمه، في المرآة ٨/ ٧٦٧ .
٣٦٠