Indexed OCR Text

Pages 921-940

سَمِعَ من شُهْدَة، وعبدالحق، ويحيى بن يوسف السَّفْلاطوني. وحدَّث.
تُوفي في رَجَب .
روى لنا عنه بالإجازة القاضي تقيُّ الدين سليمان.
٥٩١- عبدالعزيز بن أبي الفتح أحمد بن عُمر بن سالم بن محمد بن
باقا العَدْلُ، صفيُّ الدين أبو بكر البَغْداديُّ الحنبليُّ التاجر السَّيْبيُ(١)
الأصل.
وُلِدَ في رمضان سنة خمس وخمسين وخمس مئة. وسَمِعَ من أبي زُرْعَة،
ويحيى بن ثابت، وأبي بكر ابن النَّقُور، وعليّ بن عساكر البطائحيّ، وعليّ بن
أبي سعد الخَبَّاز، وأبي الحُسين عبدالحق، وأحمد بن محمد بن بَكْروس،
وأخيه علي بن محمد.
وسَكَنَ مِصْرَ وشهدَ عند قاضي القضاة عبدالملك بن دِرْباس، وغيره.
وكان شيخاً حَسَناً، كثيرَ التلاوة .
حدَّثَ بالكثير؛ روى عنه ابن نُقْطَة، والزكيُّ المُنذري، ومحمد بن عثمان
الشَّارعي، والرشيد عُمر الفارقي، وداود بن عبدالقويّ، ومحمد بن إبراهيم
المَيْدُومي، ومحمد بن عبدالمُنعم ابن الخِيَمي الشاعر، وأخوه إسماعيل،
والنَّجيب محمد بن أحمد الهَمَذَاني، والنور علي بن نَصْر الله ابن الصَّوَّاف
الخطيب، ومحمد بن عبدالمنعم بن شهاب.
وحدَّثنا عنه الشهاب الأبَرْقُوهي، ومحمد بن عبدالقوي بن عَزُّون،
وجعفر بن محمد الإدريسي، وجبريل بن الخَطَّاب، ومحمد بن صالح الجُهَنِي،
وغازي بن أيوب المَشْطُوبي، والزينُ وَهْبانُ بن علي المُؤذِّن، وإسحاق بن
دِرْباس الماراني، وأحمد بن عبدالكريم الواسطيُّ، وعيسى بن عبدالمنعم
المُؤدِّب، وأبو الحسن علي بن عيسى ابن القَيِّم الكاتب. وتفرَّدَ القاضي
الحنبلي(٢) بإجازته الآن.
وذكر ابن نُقْطَة أنَّه سمِعَ أيضاً من أبي المعالي أحمد بن عبدالغني بن
(١) منسوب إلى السِّيب قرية من سواد بغداد.
(٢) يعني: تقي الدين سليمان.
٩٢١

حنيفة، وقال(١): سَمِعتُ منه بمصر أحاديث من ((مُسند الشافعي)) بروايته عن
أبي زُرْعَة. وسُمِعَ منه أيضاً((سُنن ابن ماجة القَزْويني)) سوى الجزء الأول، والجزء
العاشر، وأوَّلُ المسموع أول أبواب الطهارة، وهو أول الثاني، وأول العاشر:
((مَن أعتقَ عَبْداً واشترطَ خدمته)) وآخره: آخر ((فضل الرِّباط في سبيل الله)).
وقال المُنذريُّ(٢): تُوفي في سحر التاسع عشر من رمضان. وقُرىء عليه
الحديثُ في ليلة وفاته إلى قريبٍ من نصف الليل، وفارقهم. وتُوفي في أواخر
الليلة .
قلتُ: سمعَ من أبي زُرْعَة ((مُسند الشافعي))، و((سنن ابن ماجة)) بفَوْتٍ،
و ((سُنن النَّسائي)) بفَوْتِ أيضاً، وكتاب ((صَفْوة التَّصوُّف)) لابن طاهر، وكتاب
((فضائل القرآن)) لأبي عبيد.
وعاش خمساً وسبعين سنة .
وذكره ابنُ النَّجَّار مختصراً، وقال: قرأتُ عليه ((سُنن ابن ماجة))، وكتبتُها
بخطي عنه. وكان صدوقاً، جليلاً. قرأ في الفقه على أبي الفتح ابن المَنِّي.
٥٩٢- عبدالقادر بن محمد بن سعيد بن جَحْدر، القاضي أبو محمد
الأنصاريُّ الجَزَريُّ الشافعيُّ الصُّوفيُّ.
سَمِعَ ببغدادَ من محمود بن نَصْر ابن الشَّعَّار. وشَهِدَ بالقاهرة، وولِيَ
القضاء بنواحي الصَّعيد.
روى عنه الزكي المنذري، وقال(٣): تُوفي في ثاني المحرَّم، ووُلِدَ
بجزيرة ابن عُمر في سنة إحدى وخمسين وخمس مئة .
٥٩٣- عبدالواحد بن المُسَلَّم بن الحُسين، العَدْلُ تاجُ الدين ابن أبي
الخَوْف الحارثيُّ الدِّمشقيُّ.
مِنْ بَيْتِ عَدالةٍ وذكر. حدَّث عن المُحدِّث أبي الفوارس الحسن بن
شافع. كتب ابنُ الحاجب عنه، وعن أخيه محمد (٤).
(١) التقييد ٣٦٥.
(٢) التكملة ٣/ الترجمة ٢٤٨٦.
(٣) التكملة ٣/ الترجمة ٢٤٣٩.
(٤) تنظر التكملة للمنذري ٣/ الترجمة ٢٤٥١.
٩٢٢

٥٩٤- عُبيدالله بن إبراهيم بن أحمد بن عبدالملك بن عُمر بن
عبدالعزيز بن محمد بن جعفر بن هارون بن محمد بن أحمد بن محبوب بن
الوليد بن عُبادة بن الصامت، رضي الله عنه، الأنصاريُّ العُبَاديُّ المَحْبُوبيُّ
النجارِيُّ العَلَّمة، جمالُ الدين أبو الفضل(١).
كان مُحدثاً ، مُدَرِّساً، عارفاً بمذهب أبي حنيفة، وكان ذا هَيْبةٍ وعبادةٍ،
وإليه انتهت رياسةُ الحنفية بما وراءَ النهر .
أخذ المذهب عن عماد الدين ابن أبي العلاء عُمر بن بكر بن محمد
الزَّرَتْجَري البُخاري، عن أبيه شمس الأئمة، وبرهان الأئمة عبدالعزيز بن محمد
بن مازة البُخاري؛ كليهما عن شمس الأئمة أبي بكر محمد بن أبي سَهْل
السَّرخسي، عن شمس الأئمة عبدالعزيز بن أحمد الحَلْوائي البُخاري، عن
القاضي أبي عليّ الحُسين بن الخَضِر النَّسَفي، عن أبي بكر محمد بن الفَضْل
الكُماري البُخاري، عن الأستاذ أبي محمد عبدالله بن محمد بن يعقوب الحارثي
البُخاريّ السَّدَمونيّ، عن أبي عبدالله بن أبي حَفْص أحمد بن حَفْص البُخاري،
عن أبيه، عن محمد بن الحسن الشَّيْباني، عن أبي حنيفة .
وتفقَّه أيضاً على القاضي فخر الدين بن أبي المحاسن الحسن بن منصور
ابن محمود الأوزجَنْدي المعروف بقاضي خان. وسمِعَ الحديث منهما ومن أبي
المظفر عبدالرحيم ابن السَّمْعاني، وجماعةٍ .
تفقَّه عليه خَلقٌ، وسَمِعُوا منه، منهم سيفُ الدين سعيد بن المطهر
البَاخَرْزي، والقاضي شَرَفُ الدين محمد بن محمد بن عُمر العَدَوي.
وقال لنا أبو العلاء الفَرَضي: روى لنا عنه جمالُ الدين محمد بن محمد
ابن إبراهيم الحُسيني البُخاريّ، والإمامُ شهاب الدين أبو منصور محمد بن أبي
بكر بن أبي الليث، والإمام معز الدين محمد بن محمد الدَّيْزقيّ، والعلاَّمة
حافظ الدين أبو الفَضْل محمد بن محمد بن نَصْر البخاري .
وُلِدَ في جُمادى الأولى سنةَ ست وأربعين وخمس مئة. وتُوفي في
جمادى الأولى أيضاً سنة ثلاثين وست مئة، وصَلَّى عليه ابنه شمس الدين أحمد
بكَلاباذ - محلتنا-؛ أنبأني بذلك الفَرَضِيُّ.
(١) انظر سير أعلام النبلاء ٢٢ / ٣٤٥.
٩٢٣

٥٩٥- عثمان، الملكُ العزيز ابن العادل.
كان شقيقَ الملك المُعَظَّم، وهو الذي بنى قَلْعَة الصُّبَيْيَة، وكانت له هي
وبانياس وتَيْنِين وهُونين. وكان عاقلاً، قليلَ الكلام تبعاً لأخيه المُعَظّم. عامَلَ
بعدَ موت أخيه على قَلْعة بَعْلبك، وأخذها من الأمجد. وكتب إليه ولد
الأمجد: قد نَشَرْتُ لك بابَ السِّرِّ، فأتِ إلينا سَحَراً، فساق من الصُبَيبة في أول
الليل وفي المسافة بُعْدٌ، فجاء بعلبك وقد أسْفَر(١) وفاتَ المقصودُ، فنزل مقابل
قَلْعة بعلبك، فبعث صاحبُها يستنجد بالسلطان الملك الناصر داود، فأرسل
الغرسَ خليل إلى العزيز يقولُ: ارحل من كل بُدٍّ فإن أبَى، فارْم الخَيْمة عليه .
وعَلِمَ العزيزُ بذلك، فَرَدَّ إلى بلاده. فلما قصد الكامل دمشق، كان العزيزُ معه
إِلْباً على النَّاصِرِ، وعَلِمَ الأمجدُ بما فعل وَلَدُه معه، فيُقال: إنه أهلكَهُ.
تُوفي العزيز بيُستانه المعروف بالنَّاعِمَة ببيت لِهْيا في عاشر رمضان،
ودُفِنَ بالتُّربة المُعظميَّة بقاسِيون .
٥٩٦- علي بن بركات بن إبراهيم بن طاهر، أبو الحسن ابن
الخُشُوعيِّ، الدِّمشقيُّ.
حدَّثَ عن أبيه، ويحيى بنِ محمود الثَّقَّفي. ومات في المحرَّم كَهْلاً(٢).
٥٩٧- علي بن عبدالله بن عبدالرحمن بن لَحْسَنَ(٣) بن عَلَّوْش (٤)،
أبو الحسن الصِّنْهاجِيُّ الفاسيُّ المَغْربيُّ، الخطيب بمسجد الخليل.
وُلِدَ بفاس في رجب سنةَ ثمان وخمسين. وسَمِعَ بالمَغْرب من جماعةٍ،
وبدمشق من الخُشُوعيّ، والبهاء ابن عساكر، وببغدادَ من الحافظ ابن الجَوْزي.
كتب عنه ابن الحاجب، والزكيُّ عبدالعظيم.
وكان إمامَ بلدِ الخليل وخطيبَه. ومات في جمادى الأولى.
(١) أي: طلع النهار.
تنظر تكملة المنذري ٣/ الترجمة ٢٤٤٣.
(٢)
(٣) قيده المنذري فقال: ((بفتح اللام وسكون الحاء وفتح السين المهملتين ونون)).
التكملة ٣/ الترجمة ٢٤٦٤.
(٤) قيده المنذري أيضاً.
٩٢٤

٥٩٨- عليّ ابن العَلاَّمة الحافظ جمال الدين أبي الفرج عبدالرحمن
ابن عليّ بن محمد بن عليّ، بدرُ الدين أبو الحسن ابن الجَوْزي البَغْداديُّ
الناسخ.
وُلِدَ سنةً إحدى وخمسين وخمس مئة في شؤَّال أو رمضان. وسمع من
أبي الفتح ابن البَطَّ، وأبي زُرْعَة، وأبي بكر بن المُقَرَّب، ويحيى بن ثابت،
وشُهْدةَ، وجماعةٍ.
وتكلَّمَ في الوَعْظ في شبيبته، ثم تركه. وكان كثيرَ المحفوظِ، حُلْوَ
الدُّعَابة، لَزِمَ اللَّعِبَ والعِشْرَةِ، والبطالة مُدَّة، ثم في الآخِر لزم النَّسْخِ، وكان
منه عِيشتُه. وكان مُطَّرِحَ التَّكلّف، يَخْدم نفسه. وكان يتكلّم في أبيه. كتبَ عنه
الحفّاظ .
وقال ابن نُقْطَة - ومن خطِّه نقلتُ(١) -: سمعتُ منه، وهو صحيحُ
السَّماع، ثقةٌ، كثيرُ المحفوظ، حَسَنُ الإيراد. سَمِعَ ((صحيح الإسماعيليّ)) من
يحيى بن ثابت، و((مسند الشافعيّ)) من أبي زُرْعَة .
قلتُ: روى عنه السَّيف، والعزّ عبدالرحمن بن محمد بن عبدالغني،
والشمس عبدالرحمن ابن الزَّين، والتقيُّ ابن الواسطي، والكمال علي بن
وَضَّاحِ، والشمس محمد بن يحيى بن هُبيرة نزيل بِلْبِيس، والفاروثي،
وجماعةٌ. وبالإجازة الفخرُ إسماعيل ابن عساكر، والقاضي الحَنْبلي، وأبو نَصْر
ابنُ الشيرازي.
مات في سَلْخ رمضان (٢).
٥٩٩- علي بن محمد بن محمد بن عبدالكريم بن عبدالواحد،
العَلأَّمة عز الدين أبو الحسن ابن الأثير أبي الكَرَم، الشَّيبانيُ الجَزَرِيُّ
المُؤرِّخ الحافظ، أخو اللُّغوي مجد الدين(٣) صاحب ((النّهاية)) و ((جامع
الأصول))، والوزير ضياء الدين نَصْر الله (٤).
(١) التقييد ٤١٣.
(٢) زاد في ((السير)) فقرة نقلها من تاريخ ابن النجار فراجعها إن شئت ٢٢/ ٣٥٣.
(٣) تقدم ذكره في وفيات سنة ٦٠٦ .
(٤) سيأتي في وفيات سنة ٦٣٧ .
٩٢٥

وُلِدَ بالجزيرة العُمَرية سنةً خمس وخمسين وخمس مئة، ونشأ بها، ثم
تحوَّلَ بهم والِدُهُمْ إلى المَوْصل، فسمعوا بها، واشتغلوا.
سَمِعَ من خطيب المَوْصل أبي الفَضْل، ويحيى الثَّقَفي، ومُسْلِم بن علي
الشِّيْحي، وغيرهم. وسَمِعَ ببغداد - لما سار إليها رسولاً - من عبدالمنعم بن
كُليب، ويعيش بن صَدَقة الفقيه، وعبدِ الوَهَّاب ابن سُكَيْنَة .
وكان إماماً، نَسَّابةً، مُؤرِّخاً أخبارياً، أديباً، نَبيلاً، مُحتشِماً. وكان بيتُه
مأوى الطَّلَبة. وأقبلَ في أواخر عُمُره على الحديثِ، وسَمِعَ العالي والنَّازِل
حتى سمِعَ لمَّا قَدِمَ دمشق من أبي القاسم بن صَصْرَى، وزين الأمناء. وصنَّف
التارِيخ المشهور المُسمَّى بـ ((الكامل)) على الحوادث والسنين في عشر
مُجلَّدات، واختصر ((الأنْساب)) لأبي سَعْد السَّمْعاني، وهَذَّبَهُ، وأفادَ فيه أشياء،
وهو في مقدار النِّصف وأقَلَّ. وصنَّف كتاباً حافلاً في معرفة الصَّحابة جمع فيه
بين كتاب ابن مَنْدة وكتاب أبي نُعَيم وكتاب ابن عبدالبرِّ وكتاب أبي موسى في
ذلك، وزادَ وأفاد. وشَرَعَ في ((تاريخ)) للمَوْصل، وقَدِمَ الشام رسولاً .
وحدَّث بحلب ودمشق. روى عنه الدُّبيثِيُّ(١)، والشِّهابُ القُوصِيُّ،
والمجدُ بن أبي جَرَادة، ووالدُه أبو القاسم في ((تاريخه))(٢)، وآخرون من أهل
الشام والجزيرة. وحدَّثنا عنه الشرفُ ابن عساكر، وسُنْقُر القَضَائي.
وقال ابن خَلِّكان(٣): كان بيتُهُ بالمَوْصلِ مَجْمَعَ الفُضَلاء، اجتمعتُ به
بحلب، فوجدتُه مُكَمَّلاً في الفضائل والتَّواضع وكَرَم الأخلاق، فتردَّدتُ إليه.
وكان طُغريل الخادمُ أتابَكُ الملكِ العزيز قد أكرمه وأقبلَ عليه .
فصل في نسبته إلى جزيرة ابن عُمر: نسبةٍ إلى عبدالعزيز بن عُمر
البُرقَعيدي (٤) هو الذي بناها، فنُسِبَتْ إليه؛ قاله ابن خَلِّكان.
وقال(٥): رأيتُ في ((تاريخ)) ابن المُستوفي (٦) في ترجمة أبي السَّعادات
(١) انظر ((تاريخه))، الورقة ١٦٠ من مجلد كمبردج.
(٢) يعني: ((بغية الطلب في تاريخ حلب)).
(٣) وفيات الأعيان ٣/ ٣٤٨-٣٤٩ بتصرف.
(٤) نسبة إلى بُرقعيد من أعمال الموصل.
(٥) وفيات ٣/ ٣٤٩ - ٣٥٠.
(٦) يعني: تاريخ إرْبل المعروف بـ ((نباهة البلد الخامل بمن ورده من الأماثل)).
٩٢٦

المبارك ابن الأثير أنه من جزيرة أوس وكامل ابني عُمر بن أوس التَّغلبي. قال:
وقيل: إنها منسوبةٌ إلى يوسف بن عُمر الثقفي أميرِ العراق، فالله أعلمُ.
فصل في نَسَبِهِ: كان يكتب بخطّه: عليّ بن محمد بن عبدالكريم
الجَزَريّ. وكذا ذكره الحافظ المنذري(١)، والقوصيُّ في ((مُعجمه))، وابنُ
الظاهريِّ في تخريجه للصَّاحب مجد الدين العُقَيلي، وأبو الفتح ابنُ الحاجب
في ((مُعجمه)) وغيرهم. وهو على سبيل الاختصار. وله أشباه ونظائر، وإنما
هو: ((علي بن محمد بن محمد)) بلا ريبٍ، كما هو في تسمية أخويه، وابن أخيه
شرف الدين. وكذا ذكره القاضي ابن خَلِّكان، وأبو المُظفَّر ابنُ الجَوْزي، وابنُ
السَّاعي، وغيرُهم. ويوضِّحه أن المنذريَّ ذكرَ أخويه فقال: محمد بن محمد -
مرتين .
فصل في وفاته: رأيتُ تصحيحَه على طبقةٍ تارِيخُها في نصف شعبان
سنةَ ثلاثين. ثم رأيتُ وفاته في رمضان من السنة بخطّ أبي العباس أحمد ابن
الجَوْهري. وأما المُنذريُّ، وابن خَلِّكان، وابنُ الساعي، وأبو المُظفَّر الجَوْزي،
وشيخُنا ابنُ الظَّاهري فقالوا: تُوفي في شعبان ولم يُعيِّنوا اليومَ. وأما القاضي
سَعْدُ الدين الحارثي، فقال: تُوفي في الخامس والعشرين من شَعْبان.
٦٠٠- عليّ بن أبي الفتح محمدٍ بن أحمد بن بختيار بن علي بن
محمد، أبو جعفر ابن المَنْدائِيِّ، الواسطيُّ.
وُلِدَ سنة تسع وخمسين وخمس مئة. وسَمِعَ من جدِّه لأمِّه هبة الله بن
الجَلَخْت، وأبي محمد الحسن بن علي ابن السَّوادي، وأبي طالب محمد بن
علي الكَثَاني، وجماعةٍ. وحدَّث ببغداد.
وهو أخو أحمد.
تُوفي ليلة عَرَفة(٢).
٦٠١- عليّ بن محمد بن إبراهيم بن أبي العافية، أبو الحسن السَّبْتَيُّ
التاجرُ الأمينُ.
(١) التكملة ٣/ الترجمة ٢٤٨٤.
(٢) ينظر تاريخ ابن الدبيثي، الورقة ١٦٠ - ١٦١ (كيمبرج)، والتكملة للمنذري
٣/ الترجمة ٢٤٩٧.
٩٢٧

حَجَّ مرات. وتلا بالسبع على أبي محمد بنِ عُبيدالله، ثم على محمد ابن
إبراهيم الزنجاني، وغيره.
قال ابن مَسْدي(١): سَمِعتُ منه. مولدُه في حدود الستين وخمس مئة.
وعاش نحواً من سبعين سنةً. قال: ومات بسَبْتة قريباً من سنة ثلاثين وست
مئة .
٦٠٢- عليّ بن محمد بن يَبْقى بن جَبَلة، أبو الحسن الأنصاريُّ
الأندلسيُّ، خطيب أوريولة.
شيخٌ عالمٌ، حِجَّ سنة ثلاث وسبعين وخمس مئة، وسَمِعَ من السِّلَفِي،
وأحمد بن المُسَلَّم اللَّخْميّ، وأبي الطاهر بن عَوْف، وجماعةٍ .
قال الأبَار(٢): وكان صالحاً، حَسَنَ السَّمْتِ. تُوفي بأوريولة سنة ثلاثين.
وقال ابن مَسْدي: كان من أهل الخير والصَّلاح، والبِرِّ والسَّماح. حجَّ
مع أخيه في صغره، فسَمِعَ من السِّلَفي، وعلي بن هبة الله الكامليّ، وعلي بن
عمَّار. ولم يُحَصِّلْ من سماعاته شيئاً، تركها مع أخيه، فسكنَ أخوه مصرَ،
وبعثَ إليه ببعضها. قرأتُ عليه ((صحيح البُخاري)) بسماعه من ابن عمَّار مات
وقد قارب الثمانين .
٦٠٣- علي ابن الإمام أبي القاسم بن فُيرُه بن خلف الرُّعينيُّ الشاطبيُّ
ثم المصريُّ الشافعيُّ العدل، ضياء الدين.
سمع من أبيه، وأبي القاسم البُوصيري، والأرتاحي. وكان على طريقةٍ
حسنة .
توفي جمادى الآخرة (٣).
٦٠٤- عُمر بن محمد بن منصور، الحافظ المُفيد عز الدين أبو
حَفْص وأبو الفتح ابن الحاجب، الأمينيُّ الدِّمشقيُّ.
عُني بالحديث أتمَّ عناية، وأوَّلُ سماعه سنة عشر بعد موتِ ابن مُلاعِب
فسَمِعَ من هبة الله بن الخَضِر بن طاووس - وهو أقدمُ شيخ له-، وموسى بن
(١) نقله ابن الجزري أيضاً في غاية النهاية ١ / ٥٦٣ .
(٢) سقطت هذه الترجمة من نسخة ((التكملة)) الخطية الأزهرية، وكذا المطبوع.
(٣) تنظر التكملة للمنذري ٣ / الترجمة ٢٤٦٩.
٩٢٨

عبدالقادر، والشيخ المُوفَّق، وابن أبي لُقْمَة، وابن البُنّ، وطبقتهم بدمشق .
والفتح بن عبدالسلام، وطبقته ببغداد. وعبدالقوي ابن الجَبَّاب، وطبقته بمصر.
وسمع بإرْبِل والمَوْصل والإسكندرية والحجاز. وعَمِلَ ((معجم)) البِقاع والبُلْدَان
التي سمع بها، و((مُعجم شيوخه)) وهو ألف ومئة وبضعة وثمانون نفساً.
قال الحافظ زكيُّ الدين المُنذري(١): يُقال إنَّه لم يبلغ الأربعين. وكان
فَهماً، مُتيقِّظاً، مُحَصِّلاً. جمعَ مجاميعَ. وكانت له هِمَّة. وشَرَعَ في تَصْنيف
(تاريخ)) دمشق مُذيَّلاً على الحافظ أبي القاسم.
وقرأتُ بخطُّ السيف ابن المجد، قال: خَرَّجَهُ خالي الحافظ، ثم طلبَ
وسافر، وسمِعَ منه الزكي البِرْزالي، وأبو موسى الرُّعيني، والجمال ابن
الصَّابوني، وغيرهم، وخرّج له وللمشايخ تخاريجَ كثيرة.
وقد كتب ابن الكريم على ((معجمه)) بالبِقَاعِ :
هذا كِتابٌ حَوى فَضلاً مؤلّفُه الحافِظُ الخير عزّ الدين ذو الفِطَنِ
مَنْ فضلُه شَاعَ في شامٍ وسار إلى أرْضِ العراقِ إلى مصرٍ إلى عَدَنِ
قال السيفُ: وسمعّتُ غَيْرَ واحد يحكي أن جماعةً منهم البِرْزالي سمعوا
أجزاءً على شيخ، ثم تقاسموا أنهم لا يُظهرون ذلك - زادني عبدُالرحمن بن
هارون أن الشيخ كان عبدالرحمن بن عُمر النَّسَّاجِ - فَسَهَّلَ الله ظهورَ عُمر ابن
الحاجب عليه من غير جهتهم، فجمع جماعةً، وجاءَ فسَمِعه عليه، واشتُهرَ،
وحجَّ معادلاً للتقي أحمد ابن العِز، فكان يمشي كثيراً لطلب السماع في الأماكن
من أقوامٍ في الركب، وكان التقيُّ يتأذَّى بركوبه وَسْطَ الجمل. ورأيتُه حين قَدِمَ
بغداد صَّام أوَّلَ يوم قدِمها، إذْ قيل: إن الفتح بن عبدالسلام في الأحياء. وكان
يصوم كثيراً يستعينُ بذلك على طلب الحديث. وأقامَ ببغداد مدةَ أَشهرٍ، فما
وَنى ولا فَتَرَ، كان يسمع ويكتُبُ وكان المُحدِّثون ببغداد يتعجَّبون منه ومن كثرة
طلبه .
وقال الضياءُ: تُوفي في ثامن وعشرين شعبان صاحبُنا الشاب الحافظ أبو
حَفْص ابن الحاجب بدمشق ولم يَبْلُغْ أربعين سنة. وكان دَيَّاً، خيِّراً، ثبتاً،
مُتَيقِّظاً، قد فَهِمَ وجَمَعَ .
(١) التكملة ٣ / الترجمة ٢٤٨١.
تاريخ الإسلام ١٣ / م ٥٩
٩٢٩

قلتُ: وسَمِعَ منه الحافظ أبو إسحاق الصَّرِيفينيّ، وأبو الحسن ابن
البالسيّ أيضاً.
وكان جدُّه منصور بن مَسْرور حاجباً لأمين الدولة صاحب بُصْرَى.
وأنبأنا الجمال أبو حامد، قال: أخبرنا ابنُ الحاجب، قال: أخبرنا
عبدالسلام بن عبدالرحمن بن سُكَيْنَة، قال: أخبرنا فُورجة، فذكر حديثاً.
ثم قرأتُ مولدَ ابن الحاجب بخطه سنةَ ثلاث وتسعين وخمس مئة.
٦٠٥- كامرو بنُ أبي بكر عليّ بن محمد بن سَعْد الأنصاريُّ
الأَنَسِيُّ(١) الصُّوفيُّ.
شيخٌ صالحٌ، مُعَمَّرٌ. حدَّثَ بالإجازة العامةِ عن سعيد بن أبي الرجاء
الصَّيْرفيّ، وغيرِه.
قال المُنْذري(٢): ذكر أن مولِدَه سنة ست وعشرين. رأيتُه غير مَرَّةٍ.
وعُرِفَ أيضاً بالأثَرِيِّ، لأنَّه كان يذكر أن معه أثراً من أثر رسول الله مَّةٍ، وكان
له قَبُولٌ من الناس، وكان يُذْكَرُ عنه -على عُلُوِّ سِنِّه - قوةٌ على الحركة
والتصرّفِ والمأكل. مات في شعبان.
٦٠٦- كُوكُبُوري(٣) بن علي بن بُكْتِكِين بن محمد، السُّلطان الملك
المُعَظَّم مُظفَّر الدين أبو سعيد ابنٍ صاحب إرْبل الأمير زين الدين أبي
الحسن علي كوجك التُّركماني. وكُوجك: لفظ أعجمي معناه لطيفُ القَدِّ.
كان شجاعاً، شَهْماً، مَلَك بلاداً كثيرة - أعني علي كوجك - ثم فَرَّقها
على أولادِ الملك قطب الدين مَوْدود صاحب المَوْصل. وكان مَوْصوفاً بالقوة
المُفْرِطة، وطال عُمُره، وحجَّ هو والأمير أسد الدين شيركوه بن شاذي في سنة
خمس وخمسين وخمس مئة، ومات في آخر سنةٍ ثلاث وستين بإرْبل، وله
مدرسةٌ بالمَوْصل وأوقاف.
فلما مات وَلِيَ إرْبل مظفر الدين هذا وهو ابنُ أربع عشرة سنة. وكان
(١) عرف بذلك، لأنه ذكر نسباً متصلاً بأنس بن مالك رضي الله عنه، كما في تكملة
المنذري ٣/ الترجمة ٢٤٨٢ .
(٢) التكملة ٣/ الترجمة ٢٤٨٢.
(٣) بضم الكافين والباء الموحدة، قيده ابن خلكان في ترجمته من وفيات الأعيان.
٩٣٠

أتابَكَه مجاهدُ الدين قايماز، ثم تَعَصَّب عليه مجاهدُ الدين وكتب محضراً أنه
لا يَصلح واعتقلَهُ، وشاوَرَ الخليفةَ في أمره. وأقامَ موضعه أخاه زينَ الدين
يوسُف بن علي، وطَرَدَ مُظفَّرُ الدين عن البلاد فتوجَّه إلى بغداد، فلم يلتفتوا
عليه، فَقَدِمَ المَوْصل، وبها الملكُ سيف الدين غازي بن مَوْدود، فأقطعه
حَرَّان، فأقامَ بها مُدَّةً، ثم اتصل بخدمة السُّلطان صلاح الدين، ونَفَقَ عليه،
وتمكَّنَ منه، وزاد في إقطاعه الرُّها سنة ثمان وسبعين، وزَوَّجه بأخته ربيعة
خاتون وكانت قبلَه عند سَعْد الدين مسعود ابن الأمير مُعين الدين أنُر الذي
يُنسب إليه قَصْر مُعين الدين(١). وتُوفي سَعْد الدين في سنةٍ إحدى وثمانين
وخمس مئة .
وشَهِدَ مظفرُ الدين مع السُّلطان صلاح الدين مواقف كثيرةً أبان فيها عن
نَجْدةٍ وقوَّةً، وثبتَ يوم حِطِّين، وبيَّن(٢). ثم وَفَدَ أخوه زين الدين يوسف على
صلاح الدين نَجْدَةً، وخِدْمةً من إرْبل فمَرِضَ في العَسْكر على عَكَّا وتُوفي في
رمضان سنة ست وثمانين. فاستنزل صلاح الدين مظفر الدين عن حَرَّان والرُّها
ففعل، وأعطاه إرْبِل وشَهْرَزُور فسار إليها وقَدِمها في آخر السنة .
ذكره القاضي شمس الدين وأثنى عليه، وقال(٣): لم يكن شيء أحبَّ إليه
من الصَّدَقة، وكان له كُلَّ يوم قناطير مُقَنْطَرة من الخُبز يُفَرِّقها، ويكسو في السنة
خَلْقاً ويُعطيهم الدَّينار والدَّينارين. وبنى أربع خَوانِك(٤) للزَّمْنَى والعُميان،
وملأها بهم، وكان يأتيهم بنفسه كُلَّ خميس واثنين، ويدخلُ إلى كل واحد في
بيته، ويسأله عن حاله، ويتفقده بشيءٍ، وينتقل إلى الآخر حتى يدورَ على
جميعهم، وهو يُباسطهم ويمزح معهم. وبنى داراً للنِّساء الأرامل، وداراً
للضعفاء الأيتام، وداراً للملاقيط رتَّبَ بها جماعةً من المراضع. وكان يدخل
البيمارستان، ويقفُ على كل مريض مريض ويسأله عن حاله. وكان له دارٌ
مَضيف يدخل إليها كل قادم من فقير أو فقيه فيها الغَداءُ والعشاءُ، وإذا عزم
(١) بغور الأردن.
(٢) لو لم يكن له إلا هذا لكفاه فخراً وعزاً، رحمه الله وجزاه عن جهاده.
(٣) وفيات الأعيان ٤/ ١١٦ فما بعدها، وما تقدم كان منه أيضًا.
(٤) ويقال فيها: ((خوانق)) ومفردها: خانكاه وخانقاه، وهي الزوايا.
٩٣١

على السفر أعْطَوْهُ ما يليقُ به. وبنى مدرسةً للشافعية والحَنَفية وكان يأتيها كُلَّ
وَقْتٍ، ويعمل بها سِماطاً ثم يَعْمل سماعاً (١) فإذا طاب وخلعَ مِن ثيابه سَيَّر
للجماعة شيئاً من الإنعام، ولم تكن له لَذَّةٌ سوى السَّماع، فإنه كان لا يتعاطى
المُنْكَرَ، ولا يُمَكِّن من إدخاله البلد. وبنى للصوفية خانقاتين، فيهما خَلْقٌ
كثيرٌ، ولهما أوقافٌ كثيرةٌ، وكان ينزل إليهم ويعمل عندهم السَّمَاعات. وكان
يبعثُ أُمناءَه في العام مرتين بمبلغ يَفْتَكُّ بهِ الأسرى، فإذا وصلوا إليه أعطى كُلَّ
واحد شيئاً. ويُقيم في كل سنة سبيلاً للحج، ويبعث في العام بخمسة آلاف
دينارٍ للمُجاورين. وهو أول من أَجْرَى الماءَ إلى عرفات، وعَمِلَ آباراً بالحجاز،
وبنى له هناك تُربةً.
قال: وأما احتفالُه بالمَولد، فإنَّ الوَصْف يَقْصُرُ عن الإحاطة به، كان
الناسُ يَقْصدونه من المَوْصل وبغداد وسِنْجار والجزيرة، وغيرها خلائق من
الفُقهاء والصُّوفية والوُمَّاظ والشُّعَراء، ولا يزالون يتواصلون من المُحَرَّم إلى
أوائل ربيع الأوَّل ثم تُنْصِبُ قِباب خَشَبٍ نحو العشرين، منها واحدة له،
والباقي لأعيان دولته، وكُلُّ قبة أربع خمس طبقات ثم تُزَيَّن من أوَّلِ صَفَر،
ويقعد فيها جَوْق المغاني والمَلاهي وأرْبابُ الخَيال(٢)، ويبطل معاشُ الناس
للفُرْجة. وكان ينزل كُلَّ يوم العصرَ، ويقف على قُبّة قُبة، ويسمع غِناءهم،
ويتفرَّج على خيالاتهم ويبيتَ في الخانقاه يعمل السَّماع، ويركب عَقيبَ الصُّبح
يتصيَّدُ، ثم يرجع إلى القَلْعة قبل الظُّهر، هكذا يفعلُ كُلَّ يوم إلى ليلة المولد
وكان يعمله سنة في ثامن الشهر وسنة في ثاني عَشَرِه للاختلاف(٣)، فيُخْرِجُ من
الإبل والبَقَر والغَنَم شيئاً زائداً عن الوصف مزفوفة بالطُبول والمغاني إلى
الميدان، ثم تُنْحَر وتُطبخُ الألوان المختلفة، ثم يَنْزِلُ وبين يديه الشُّموع الكبيرة
وفي جملتها شَمْعتان أو أربع - أشكُّ - من الشموع الموكبية التي تُحْمَلُ كُلُّ
واحدةٍ على بغل يسنِدُها رجل حتى إذا أتى الخانقاه نزل. وإذا كان صبيحةٌ يوم
(١) السماع هنا هو الذي يُعرف في عصرنا بالذِّكر، تُنْشَد فيه المدائح النبوية بالألحان،
وما زالت مجالس الذكر منتشرة ببلاد العراق.
(٢) أرباب الخيال: هم الممثلون أو المسرحيون.
(٣) يعني للاختلاف في تاريخ مولد المصطفى وَله.
٩٣٢

المولد أنزلَ الخِلَع من القَلْعة على أيدي الصُّوفية في البُقَج(١)، فينزل شيءٌ
كثير، ويجتمع الرؤساءُ والأعيان وغيرهم، ويتكلَّم الوَُّاظ ، وقد نُصِبَ له بُرج
خَشَب له شبابيك إلى النَّاس وإلى المَيْدان وهو ميدان عظيم يَعْرض الجند فيه
يومئذ ينظر إليهم تارةً وإلى الوُنَّاظ تارةً، فإذا فرغ العَرْضُ، مدَّ السَّماط في
المَيْدان للصعاليك وفيه من الطعام شيء لا يُحَدُّ ولا يُوصَفُ ويَمدُّ سِماطاً ثانياً
في الخانقاه للناس المجتمعين عند الكُرسي ولا يزالون في الأكل ولُبْس الخِلَع
وغير ذلك إلى العصر، ثم يبيتُ تلك الليلة هناك، فيعمل السماعات إلى بُكْرَة.
وقد جمع له أبو الخطاب ابن دِحية أخبارَ المولد، فأعطاه ألف دينار.
وكان كريمَ الأخلاق، كثيرَ التواضع، مائلاً إلى أهل السُّنّة والجماعة، لا
يَنْفُقُ عنده سوى الفُقهاء والمحدِّثين، وكان قليلَ الإقبال على الشِّعر وأهِله.
ولم يُنقل أنه انكسر في مَصافٍّ.
ثم قال: وقد طَوَّلتُ ترجمتَهُ لِما له علينا من الحقوق التي لا نَقدر على
القيام بشُكره ولم أذكر عنه شيئاً على سبيل المُبالغة، بل كُلُّ ذلك مشاهدة
وعِيان. وُلِدَ بقَلْعة إرْبل في المحرَم سنة تسع وأربعين وخمس مئة.
وقال ابن السَّاعي: طالت على مظفر الدين مراعاة أولاد العادل ولم يجد
منهم إعانةً على نوائبهِ كما كان هو لهم في حروبهم. فأخذَ مفاتيحَ إرْبِل وقِلاعها
وسار إلى بغداد وسَلَّم ذلك إلى المستنصر بالله في أول سنة ثمان وعشرين
فاحتفلُوا له، وجلس له الخليفةُ، ورُفِعَ له السِّتر عن الشَُّّاكِ(٢) فَقَبَّل الكُلُّ
الأرضَ ثم طلعَ إلى كرسيٍّ نُصِبَ له وسَلَّم وقرأ ﴿ اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ ...
الآية [المائدة ٣]. فردَّ عليه المُستنصر السلامَ، فقبَّل الأرضَ مِراراً. فقال
المستنصر: ﴿إِنَّكَ اَلْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِيْنُ أَمِينٌ﴾ [يوسف ٥٤]. وقال ما معناه: ثبتَ
عندنا إخلاصُك في العبودية. ثم أسْبِلَتِ السّتارة ثم خَلَعوا على مُظفر الدين
وقُلِّدَ سيفين، ورُفِعَ وراءه سَنْجقان(٣) مذهبة، ثم اجتمع بالخليفة يوماً آخر،
(١) جمع: بُقْجَة، وهي قطعة كبيرة ملونة من القماش توضع فيها الملابس والخلع
ونحوها، وهي معروفة إلى يومنا هذا.
(٢) يعني: شباك المقصورة التي بقصر التاج حيث يجلس الخليفة في المناسبات
الرسمية .
(٣) السنجق: العلم.
٩٣٣

وخُلِعَ أيضاً عليه، ثم أعطي راياتٍ وكُوساتٍ، وستين ألف دينار، وخَلَعُوا على
خواصِّه.
قلتُ: وأما أبو المُظفَّ الجَوْزي فقال في ((مرآة الزمان))(١) - والعُهْدَةُ
عليه، فإنّه خَسَّاف مُجازف لا يتورَّع في مقاله -: كان مظفرُ الدين ابنُ صاحب
إربل ينفق في كُلِّ سنة على المولد ثلاث مئة ألف دينار (٢)، وعلى الخانقاه مئتي
ألف، وعلى دار المضيف مئة ألف، وعلى الأسارى مئتي ألف دينار، وفي
الحرمين والسبيل ثلاثين ألف دينار.
وقال: قال مَن حَضَرَ المولد مرَّةً: عددتُ على السماط مئةً فرس
قشلمش، وخمسة آلاف رأس شوي، وعشرة آلاف دجاجة، ومئة ألف زُبديَّة،
وثلاثين ألف صحن حَلْواء.
ثم قال ابن الجَوْزي(٣)، وأبو شامة(٤): تُوفي سنة ثلاثين.
وقال الحافظ زكي الدين(٥): تُوفي في هذه السنة بإربل. سَمِعَ من حنبل
الرصافي، وغيره. وحدَّث.
وقال ابن خَلِّكان(٦): تُوفي ليلة الجُمُعة رابع عشر رمضان سنة ثلاثين.
ثم حُمل وقت الحج بوصيته إلى مَكَّة فاتفق أن الحاجَّ رجعوا تلك السنة لعدم
الماء، وقاسوا شِدَّةً فدُفن بالكُوفة .
وكوكُبري: كَلِمة تُرْكية معناها: ذئب أزرق.
٦٠٧ - كُوكُبري بن قتربا بن عبد الله، أبو الطَّلائع الجُنْدِيُّ المُسْتَنْجِديُّ.
سَمِعَ من أحمد بن المبارك المُرَفَّعاتي، وعُبيدِ الله بن شاتيل. وحدَّث.
ومات في سابع عشر المحرّم(٧).
(١) المرآة ٨/ ٦٨٣ .
(٢) كتب المؤلف في الهامش: ((لعله درهم)). قلنا: ولا يستبعد ذلك لما وصفه ابن
خلكان وغيره.
(٣) مرآة الزمان ٨/ ٦٨٠ .
(٤) ذيل الروضتين ١٦١.
(٥) التكملة ٣/ الترجمة ٢٤٩٨.
وفيات الأعيان ٤/ ١٢٠ .
(٦)
(٧) من تكملة المنذري ٣/ الترجمة ٢٤٤٤ وأحمد المرقعاتي هو جده لأمه.
٩٣٤

٦٠٨- محمد (١) بن إبراهيم بن عيسى بن صَلّتان، أبو عبدالله
الأنصاريُّ البَلَنسيُّ، نزیل جَیَّان.
روى عن أبي القاسم بن بَشْكُوال، وأبي القاسم بن حُبَيْش، وأبي محمد
ابن الفَرَس .
قال الأبَّار(٢): عَدْلٌ، مَرْضيٌّ. كان يَحْترِفُ بالتجارة. تُوفي سنة ثلاثين أو
بعدها بيسير .
٦٠٩- محمد بن الحسن بن سالم بن سَلاَّم، المُحدِّثُ المُفيدُ
الشاب أبو عبدالله الدِّمشقيُّ .
سَمِعَ الكثيرَ، وعُني بهذا الشأن أتمَّ عناية، ونَسَخَ، وحَصَّل، وخَرَّجَ،
وكان ذكياً، نَبِيهاً، له حِفْظُ وإتقانٌ، وفيه دِيانةٌ وافرةٌ وصلاحٌ على صغره.
سَمِعَ من داود بن مُلاعب، وأبي محمد ابن البُنّ، وأبي القاسم بن
صَصْرَى، وطائفةٍ كبيرةٍ. وأجزاؤه مَوْقوفة بالضِّيائية، وعُدِمَ أكثرُها في نَوْبَة
غازان(٣).
رأيتُ الضياءً ابن البالسي قد سَمِعَ حديثاً من عُمر ابن الحاجب، قال:
أخبرنا ابنُ سَلَّم، قال: أخبرنا داود بن مُلاعِب. وأثنى عليه ابنُ الحاجب
وقال: حفظ ((علوم الحديث)) لأبي عبد الله الحاكم. وكان قد حجَّ، وزار البيت
المُقَدَّس، وقَدِمَ مريضاً، فتُوفي إلى رحمة الله في الرابع والعشرين من صفر.
ووُلِدَ في سنة تسع وست مئة. وفُجِعَ به والدُه وأصحابُه (٤).
(١) تقدمت ترجمته في وفيات سنة ٦٢٦ نقلاً عن ابن مَسْدي، ولم يشر المؤلف إلى
تكرره.
(٢) التكملة ٢ / ١٣٣.
(٣) سنة ٦٩٩ هـ على أثر انكسار الجيوش الإسلامية في وقعة الخزندار، وقد نهبت فيها
الصالحية وغيرها وسيأتي ذكرها مفصلاً في حوادث سنة ٦٩٩ هـ من هذا التاريخ،
ثم قيام الإمام المُجاهد ابن تيمية بكسرهم في وقعة شقحب المشهورة سنة ٧٠٢
فما قامت لهذا الخبيث غازان بعدها قائمة ومات كمداً، رضي الله عن شيخ الإسلام
ابن تيمية .
(٤) تنظر تكملة المنذري ٣/ الترجمة ٢٤٥٠.
٩٣٥

٦١٠- محمد بن عُمر بن نَصْر، أبو عبدالله الفَزَاريُّ السَّلاويُّ
المَغْربيُّ.
قدم الشام، وسَمِعَ من الخُشُوعي، والقاسم ابن عساكر. وحجَّ، وعادَ
إلى بلاده.
قال الأبّار(١): حَدَّثَ عنه عُبيدالله بن عاصم خطيب رُنْدَةَ، وأجازَ له في
شَعْبَانَ سنة ثلاثین .
٦١١ - محمد بن عُمر بن محمد الطَّوابِيقيُّ.
سَمِعَ وفاء ابن البهيِّ التُّركي. وعنه ابنُ النَّجَّار، وقال: مات في العشرين
من ذي الحجّة .
٦١٢- محمد بن عُمر بن أبي بكر بن عبدالله، أبو بكر ابن
النَّخَّالِ(٢)، البَغْداديُّ المقرىءُ الخَيَّاط.
شيخٌ صالحٌ، صاحبُ زُهْدٍ وعبادةٍ. وُلِدَ سنةَ ثلاث وخمسين. وسَمِعَ من
أبي الفتح ابن البَطَّ، وأحمد بن مَسْعود العباسي. كتبَ عنه السَّيفُ ابن
المجد، وغيرهُ. وروى لنا عنه بالإجازة الفخر ابن عساكر، وفاطمة بنت
سُليمان، والقاضي سُليمان، وأبو نَصْر ابن الشيرازي.
ومات في الرابع والعشرين من ذي القَعْدة.
وهو أخو عبدالله الرَّاوي عن شُهْدَة .
٦١٣- محمد بن محمد بن عبدالكريم بن بَرْز، الوزيرُ مُؤيَّد الدين
القُمِّيُّ أبو الحسن الكاتب البَلیغُ.
قال ابنُ النَّجَّار: قَدِمَ بغداد في صُحْبة الوزير ابن القَصَّاب وكان خصيصاً
به، فلمَّا تُوفي قَدِمَ القُمِّي بغداد، وقد سبقت له معرفةٌ بالديوان. ويُقال: إن ابن
القَصَّاب وصفَهُ للناصر لدين الله، فحصلت له مكانةٌ بذلك. ولمَّا رُتِّب ابن
مهدي في نيابة الوزارة، ونقابة الطالبيين، اختصَّ به، وتقدَّمَ عنده، وكانا
(١) التكملة ٢ / ١٦٧.
(٢) قيده المنذري في تكملته، فقال: ((بفتح النون وتشديد الخاء المعجمة وبعد الألف
لام)) ٣/ الترجمة ٢٤٩٤.
٩٣٦

جارين في قُمَّ، ومُتَصَاحبين هُناك. ولما مات أبو طالب بن زبادة(١) كاتبُ
الإنشاء، رُقِّب القُمِّي مكانه في سنة أربع وتسعين وخمس مئة، ولم يُغيِّر هيئة
القَمِيص والشربوش على قاعدة العَجَم. ثم ناب أبو البدر بن أمْسَينا في الوزارة
وعُزِل في سنة ست وست مئة، فرُدَّت النِّيابةُ وأمورُ الديوان إلى القُمِّي ونُقِلَ
إلى دار الوزارة، وحضر عنده الدَّوْلة. ولم يزل في عُلُوٍّ من شأنه، وقربٍ
وارتفاع حتى إن الناصر لدين الله كتب بخطه ما قُرىء في مجلس عام: ((محمد
ابن محمد القُمِّي نائبُنا في البلاد والعباد، فمن أطاعه فقد أطاعنا. ومن أطاعنا
فقد أطاع الله، ومن عَصاه فقد عصانا ومن عَصانا فقد عَصَى الله)). ولم يزل إلى
أن وَلِيَ الظاهرُ بأمر الله، فأقَرَّهُ على ولايتهِ وزادَ في مرتبته، وكذلك المستنصر
بالله قَرَّبَهُ ورفع قَدْرَهُ وحَكَّمَهُ في العباد. ولم يزل في ارتقاء إلى أن كبا به جوادُ
سَعْدِهِ، فَعُزِلَ، وسُجِنَ بدار الخلافة وخبت نارُه، وذهبت آثارهُ، وانقطعت عن
الخَلْقِ أخبارُه.
قال: وكان كاتباً سديداً بليغاً وَحِيداً، فاضلاً، أديباً، عاقلاً، لَبِيباً، كاملَ
المعرفة بالإنشاء، مُقتدراً على الارتجال، مُتصرِّفاً في الكلام، مُتمكِّناً من
أدوات الكتابة، حُلْوَ الألفاظ، مَتِينَ العبارة، يكتُّب بالعَرَبِي والعَجَمي كيف
أراد، ويحل التراجم المُغْلَقة. وكان مُتمكِّناً من السياسة وتدبير الممالك،
مَهِيباً، وَقوراً، شديدَ الوَطْأة تخافُه المُلوكُ وترهبه الجبابرةُ. وكان ظريفاً لطيفاً،
حسنَ الأخلاق، حُلْوَ الكلام، مليحَ الوجه، مُحباً للفُضلاء، وله يد باسطة في
النحو واللغة، ومداخلةٌ في جميع العلوم .
إلى أن قال: أنشدني عبدالعظيم بنُ عبدالقوي المُنذري، قال: أخبرنا
عليّ بن ظافر الأزْدِي، قال: أنشدني الوزير مُؤيد الدين القُمِّي النائبُ في
الوزارة الناصرية، قال: أنشدني جمال الدين النحوي لنفسه في قَيْنَة:
سَمَّيْتَها شَجَراً صَدَقْتَ لأنَّها كمْ أَثْمَرَتْ طَرَباً لِقَلْبِ الواحِدِ
يا حُسْنَ زَهْرَتِها وطيبَ ثِمارِها لو أنَّها تُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ
وبه قال: وأنشدنا لنفسه :
(١) بالباء الموحدة.
٩٣٧

يَشْتَهي الإنْسانُ في الصَّيْفِ الشِّتَا فإذا ما جَاءَهُ أَنْكَرَهُ
فَهْوَ لا يَرْضَى بعَيْشِ واحِدٍ قتِلَ الإنْسَانُ ما أكْفَرَةُ
وُلِدَ مؤيّدُ الدين القُمِّ في سنة سبع وخمسين وخمس مئة.
وقُبِضَ عليه في شؤَّال سنة تسع وعشرين، وعلى ولده أحمد(١)، وسُجنا
بدار الخلافة، فهلك الابنُ أولاً، ومات أبوه بعده سنة ثلاثين .
٦١٤- محمد بن محمود بن عَوْن بن فُرَيْح(٢) بن جُرَي، أبو عبدالله
موفق الدين الرَّقِّيُّ.
سَمِعَ ببغداد من منوجهر بن تُركانشاه، وعُبيد الله بن شاتيل، والكمال
عبدالرحمن الأنباري النحوي، ونَصْر الله القَزَّاز. وبدمشق من يحيى الثَّقَفيّ.
وحدَّث بحلب ودمشق. حدَّثنا عنه العِزُّ أحمد ابن العماد، وسُنْقُر القَضَائي.
ووُلد سنة ثلاث وخمسين وخمس مئة. وكان يتعانى التجارة.
وروى عنه مجد الدين العَدِيمي في ((مشيخته))، قال: فُقِدَ في رَجَب
بدمشق، وظهر مَقْتولاً بَعْدَ سنة. وقد دُفن في دَرْب الفواخير، فأظهرت عِظامه
وظهر أنه قَتَلَهُ أربعة فَواخرة وأخذوا له نحو أربعين ألف درهم.
قال ابن النَّجَّار: دخل بغداد، وقرأ بها العَرَبية على الكمال عبدالرحمن،
وقرأ بواسط القراءات على أبي بكر ابن الباقلاني. وتفقَّه ببغداد على ابن
فَضْلان. وكان شديدَ الإمساك على نفسه، مُقَتِّراً عليها، ظاهِرُه الفَقْر. أتيتُه
بالرَّقَّة فرأيتُ منزلَه صغيراً وسِخاً، وثيابه وأثاث بيته في غاية من الضُّرِّ، فساءَني
ما هو فيه، فأخْرَجَ لي عدّة أجزاء، فقرأتُ عليه ثم أخرجتُ شيئاً من الفضة
ودفعتُه إليه فأبى، قال: أنا في غنى ولي دُنيا، فظننتُه يتعقَّفُ. ثم إنه قَدِمَ علينا
بغداد، واستعمل ثياباً بنحو ثلاثة آلاف دينار أو أكثر، وإذا رأيتَه حسبتَه فقيراً.
ثم ذكر باقي ترجمته.
٦١٥- محمد بن محمود بن محمد بن محمد بن محمد بن الحُسين
ابن السّكّن، الشيخ أبو غالب البَغْداديُّ الحاجبُ، ويُعرف بابن المُعَوِّج.
(١) كان أحمد هذا قد أساء السيرة، وتجبر، وقطع الألسنة، وسفك الدم الحرام، ولم
يكفَّه والدُه عن ذلك، فكان هو سببَ النكبة .
(٢) انظر التعليق على التكملة المنذرية ٣/ الترجمة ٢٤٧٧.
٩٣٨

وُلِدَ سنة خمسٍ وخمسين وخمس مئة. وسَمِعَ من محمد بن محمد بن
السَّكَن. كتب عنه ابنُ الحاجب، وغيرُه. ومات في ربيع الآخر .
وحدَّث عنه ابنُ النَّجَّار(١).
٦١٦- محمد بن نَصْر الله بن مكارم بن الحسن بن عُنَيِّن، الأديبُ
الرَّئيسُ شرفُ الدين أبو المحاسن الأنصاريُّ الكُوفيُّ الأصل الزُرَعيُّ المنشأ
الدِّمشقِيُّ الشاعر، صاحبُ ((الديوان)) المشهور.
وُلِدَ بدمشق في سنة تسع وأربعين وخمس مئة. وسَمِعَ من الحافظ أبي
القاسم ابن عساكر.
وكانَ شاعِراً مُحْسناً، رقيقَ الشعر، بديعَ الهجوِ، ولم يكن في عصره آخرُ
مثلَه بالشام. طَوَّفَ وجال في العراق وخُراسان، وما وراء النهر والهند ومصر
في التِّجارة. ومدحَ المُلوكَ والوزراءَ، وهجا الصُّدورَ والكُبراء، وكان غزيرَ
المادة من الأدب، مُطَّلعاً على أشعارِ العرب، ومن نظمه :
وَصَلتْ مِنكَ رُقْعَةٌ أَسْأمَتْنِي وَثَنَتْ صَبْرِي الجَمِيلَ مَلُولا
كنَهارِ المَصِيفِ ثِقْلاً وكَرْباً ولَيالي الشِّتَاءِ بَرْداً وطُولا
وله :
وما حَيَوانٌ يَتَّقِي النَّاسُ بَطْشَهُ على أنَّه وَاهِي القُوى وَاهِنُ البَطْشِ
إذا ضَعَّقُوا نِصْفَ اسْمِهِ كانَ طائراً وإنْ كَرَّرُوا ما فِيهِ كَانَ منَ الوَحْشِ
يعني العقربَ.
وله :
وَصَاحِب قالَ في مُعَاتَبتي وظَنَّ أنَّ المَلالَ مِنْ قِبَلي
قَلْبُك قَدْ كَانَ شافِعِي أَبَداً يا مَالِكِي كَيْفَ صِرْتَ مُعْتَزِلي
فَقُلْتُ إِذْ لَجَّ فِي مُعَاتَبَتِي ظلماً وضاقَتْ عَنْ عُذْرِهِ حِيَلي
خَدُّك ذَا الأَشْعرِي حَتَّفَني فقَال ذَا أَحْمَدُ الحَوادِثِ لِي
قال ابن خَلِّكان(٢): بَلَغني أنه كان يستحضر ((الجَمْهرة)) لابن دُرَيد. وله
(١) تنظر التكملة للمنذري ٣/ الترجمة ٢٤٦١.
(٢) وفيات الأعيان ١٤/٥ فما بعد.
٩٣٩

قصيدة طويلةٌ هجا فيها خَلْقاً من رؤساء دمشق وسَمَّاها ((مِقراض الأعراض))
ونفاه صلاحُ الدين على ذلك. فقال(١):
فَعَلامَ أَبْعَدْتُم أخا ثِقَةٍ لمْ يَجْتَرِمْ ذَنباً ولا سَرَقَا
انْفوا المُؤذِّن مِنْ بِلادِكُم إنْ كَان يُنفى كُلُّ مَنْ صَدَقا
ودخَل اليَمَن، ومدَح صاحبَها سيفَ الإسلام طُغتِكين أخا الملك صلاح
الدين. ثم قدِمَ مصر. ورأيتُه بإرْبل، وقَدِمَها رسولاً من الملك المُعَظَّم عيسى.
وكان وافرَ الحُرمة، ظريفاً، من أخَفِّ الناس رُوحاً. وَلِيَ الوزارة في آخر دَوْلة
المُعَظَّم ومدَّة سَلْطَنة ولده الناصر بدمشق. ولما تملَّك الملك العادلُ، بعث إليه
بقصيدة يستأذنه في الدخول إلى دمشق ويستعطِفُه، وهي(٢).
ماذا على طَيْفِ الأحِبَّةِ لو سَرَى وعليهم لو سَامَحُوني بالكَرَى
جَنَحُوا إلى قَولِ الوُشَاةِ وأعْرَضُوا والله يَعْلَمُ أنَّ ذلك مُفْتَرى
يا مُعْرِضاً عَنِّي بِغَيْرِ جِنَايةٍ إلا لِما اخْتَلَقَ الحَسُودُ وَزَوَّرَا
منها :
فَارقْتُها لا عن رِضاً وهَجَرْتُها لا عن قِلَى ورَحَلْتُ لا مُتَخيِّراً
أشْكو إليك نَوىّ تَمَادَى عُمْرُها حتى حَسِبْتُ اليَوْمَ مِنْها أَشْهُرا
ومن العَجَائِبِ أن يَقِيلَ بِظِلِّكُم كلُّ الوَرَى وَنُبِذْتُ وَحْدِي بالعَرَا
لا عِيْشَتِي تَصْفُو ولا رَسْمُ الهَوى يعْفُو ولا جَفْنِي يُصَافِحُه الكَرَا
و له :
مالُ ابن مَازَةَ دُونَه لِعُفَاتِه خِرْطُ القَتَادَةِ وامتِطاءُ الفَرْقدِ
مالٌ لُزُومُ الجَمْعِ يَمْنَعُ صَرْفَهُ فِي رَاحَة مِثْلِ مُنادَى المُفْرَدِ
وقال أبو خَفّص ابن الحاجب: اشتغلَ بطَرَفٍ من الفقه على القُطب
النَّيْسابوري، والكَمَال الشَّهرزوري. وقرأ الأدبَ على أبي الثَّاء محمود بن
رسلان، وذكر أنه سمِعَ ببغداد من منوجهر بن تُركانشاه راوي ((المقامات)).
واشتغل بالرَّيِّ على ابن الخَطِيب. وكانت أدواتُه في الأدَبِ كاملةً، ذو نوادر
الخاصة والعامة، وله الشعر الرَّائق، كان أوحدَ عصره في نظمه ونثره، يُخْرج
(١) وانظر ديوانه ٩٤ .
(٢) وانظر ديوانه ٣.
٩٤٠