Indexed OCR Text

Pages 661-680

وكان إذا قال له أحد: أريد أن أتوب على يدك. يقول: أيش تعمل
بيدي، تُب إلى الله .
وكان شجاعًا، وهو الذي جَرَّأ المسلمين على محاصرة الرُّها في سنة تسع
وثلاثين وخمس مئة، واشتُهرَ بين الناس أنهم يوم وقعت الثلمة بالرّها التي
دخل منها المسلمون رأوا رجلاً قد صَعِدَ فيها، فهَزَمَ من كان بها من الفرنج،
وصَعِدَ الناس بعده، فحُكي لي عن بعض الناس أنه الشيخ أبو بكر رضي الله
عنه(١).
وبلغني أن ناسًا اختلفوا فيه، فحلفَ بعضُهم أنه الشيخ عَدِي بن صَخْر،
فاختلفوا إليه في ذلك، فقال: ذاك الحَرَّاني، سمعتُه يقول: كان أبي قد أسره
الفِرَنج إلى الرُّها فقادوه، وأخذوني وأخي رهينةً، يعني وهما صغيران؛ فكان
صاحب البلد يأخذني ويجيء بي عند الصَّليب، ويجعل يُحني رأسي نحوه،
فأمتنعُ عليه مع هَيْبته، ويَقعُ في نفسي أني إنْ فعِلتُ صِرْتُ نصرانيًا. وكان يأخذ
أخي فيجيء به إلى الصَّليب، ليسجد له، فأتعلَّق به وأمنعه. ثم إنه خُلِّص من
أيدي الفِرَنج، فسمعتُه يقول: كنتُ أمرُّ إلى الُّها في الليل فأصعد إلى الشُّور،
وأنزل إلى البلد، فإذا عرفوا بي صَعِدتُ إلى السُّور، فإذا صِرْتُ على السُّور
ومعي سيفي وترسي لا أبالي بأحدٍ. وصَعِدتُ مرةً إلى الشُّور، فلقيتُ اثنين،
قتلتُ الواحد ودخل الآخر إلى البُرج، فدخلتُ خلفه فقتلتُهُ.
سمعتُه غير مرةٍ يقول: رأيتُ قائلاً يقول لي: كن تبعًا إلا في ثلاثة: في
الزُهدِ، والوَرَع، والجهاد.
وحجَّ نحوًا من ثلاثين حَجَّة ماشيًا. وبلغني عنه أنه حجَّ في بعضها، ولم
يَنَم في تلك المدَّة حتى خرج من الحَجِّ. ثم إنه ترك الحَجَّ، وسكن مشهدًا
قريبًا من حَرَّان، واشتغل بعمارة رحى هناك. ورتَبَ الضِّيافة لكل وارد خُبْزًا
ولَحْمًا وشهوات. وكان سَبَب ذلك كما حَكَى لي، قال: كنتُ أنا وآخر في
الشام، فجعنا جوعًا شديدًا، ثم جئنا إلى قريةٍ، فصنع لنا إنسان طعامًا وقَدَّمه
إلينا، فجعلنا نأكله وهو حارٌّ، فلمَّا رأى شَرَهَنا في الأكل مع حرارته قال:
(١) هكذا ينبغي أن يكون الزهاد المخلصون في جهاد العدو ومنازلة الكافرين، لا مثل بعض
أدعياء الزهد والتصوف الذين ينقطعون عن الدنيا ولا يبالون بمصالح المسلمين.
٦٦١

أرْفِقُوا فهو لكم. فأعتقدُ أنه لو كان لذلك الرجل ذنوب مثل الجبال لغُفرت لِمَا
صادف من إشباع جوعنا. فرأيتُ أن حَجِّي ليس فيه مَنْفعة لغيري، وأني لو
عملتُ مَوْضعًا يستظلُّ به إنسان كان أفضلَ من حَجِّي. وكان مع ذلك يكره
كَثْرة العلائق ويقول: لو قيل لي في المَنَام: إنك تصير إلى هذا الحال ما
صَدَّقتُ.
وبنى عند المشهد خانًا للسَّبيل، وكان يعمل عامة نهاره في الحَرِّ والغُبار،
ويقول: لو أن لي من يعمل معي في الليل لعملتُ. وعَمِلَ لنفسه رَحِى، وكان
يتقوَّتُ منه باليسير، ويُخرج الباقي في البِرِّ.
دخلتُ عليه في بيته مرارًا وهو يتعشَّى، فما رأيتُه جالسًا في سراج قطُّ،
ولا كان تحته حصيرٌ جيِّدٌ قطَّ، ولا فِراش، بل حصير عتيق، تحته قشُ الزُّرِّ.
وحضرتُ يومًا معه في مكانٍ، فلمَّا حضر وَقْتِ الغَدَاء جلسنا نتغدَّى،
وأخرج رغيفًا كان معه، فأكل نصفه، وناولني باقيه، وقال: ما بَقِيَ يصلح لي
أن آكل شيئًا ولا أعمل شيئًا. وقال لي: وددتُ أني لآتي مكانًا لا أخرج منه
حتى أموت.
وسمعتُه يقول، وذكر لي إنسان أن بعض الرُّؤساء عَرَض عليه مُلْكًا يَقِفُه
عليه، فقال له أبو بكر: وأيش نَعْمل به لو لم يكن في مالهم شُبهة إلا الجاه
لکفی .
سمعتُ فتيان بن نياح الحَرَّاني، وكان عالمَ أهل حَرَّان وقد جرى بيننا ذِکر
الكرامات، فقال: أنا لا أحكي عن الأموات ولكن عن الأحياء. هذا أبو بكر بن
إسماعيل حجَّ في بعض السِّنين، فلمَّا قَرُبَ مجيء الحاجِّ جاء الخبر أن أبا بكر
قد مات. فجلستُ محزونًا فجاءتني والدته وأنا في مكاني هذا، فسلَّمَت،
فرددتُ عليها مُتحزِّنًا. فقالت: أيش هو؟ فقلتُ: هو الذي يُحكى. فقالت: ما
هو صحيح. قلتُ: من أين لك؟ قالت: هو قال لي قبل أن يخرج: إنه سَيَبْلُغُكِ
أني قد متُ، فلا تُصَدِّقي، فإني لابدَّ أجيء وأتزوَّج، وأُرزقُ ابنًا وأموت. قال:
فأول من جاء هو، وتزوَّجَ ورُزق ابنًا، ومات. هذا مع كراهيته إظهار الكرامات
والذَّعَاوى.
٦٦٢

وكان عاقلاً فَطِنًا، يتكلَّم بالحِكْمة في أمر الدين، حدثني من حضر موته،
قال: كنّا أنا وفلان وفلان، فتوضأ ثم صار يسأل عن وَقْت الظُّهر، فقال بعضنا:
جرت عادة الناس يأخذون من آثار مشايخهم للتَّبَرُّك. فقال: إن قَبِلتم مني لا
تريدون شيئًا من الدنيا. قال: فبينما أنا جالس أغفيتُ، فرأيتُ كأنَّ البيت الذي
نحن فيه يخرج منه مثل ألْسُن الشَّمْع، يعني النور. ورأيتُ كأنَّ شيخًا قد جاء
إلى عند الشيخ أبي بكر، فقلتُ: من هذا؟ فقيل: هذا الشيخ حَمْد. فانتبهتُ
فجعلتُ أسأل الجماعة عن الشيخ حَمْد، ففَطِنَ لي الشيخ فقال: أيش تقول؟
فقصصتُ عليه الرُّؤيا، فقال: نعم، هذا الشيخ حَمْد بن سُرور قد جاء إلينا.
وكان الشيخ حَمد من مشايخ حَرَّان. قال: ثم إنه ما زال يسأل عن وَقْت الظُّهر،
حتى بَقِيَ من الوَقْت قدر قراءة جزء، ثم إنه تَفَلَ مثل النَّفْخِةِ، فخرجت معها
نفسُه وحُمل إلى حَزَّان فدُفن بها، رضي الله عنه.
٣٩٤- أبو جعفر بن هارون التِّرجاليُّ الأندلسيُّ، من كبار أهل
إشبيلية .
وكان رأسًا في الفلسفة والطِّبِّ والكحالة، ذا عناية بكُتُب أرِسطُو طاليس.
خَدَمَ أبا يعقوب بن عبدالمؤمن. وقد أخذ عن الفقيه أبي بكر ابن العربي،
ولازَمَه مَّة. وعنه أخذ أبو الوليد بن رُشد الحفيد عِلْمَ الأوائل(١).
وتِرجالة: من ثغور الأندلس (٢).
٣٩٥- أبو الفتح المَوْصليُّ العابد، ويُعرف بابن الرّئيس.
قال الحافظ الرُّهاوي: كان زاهدًا، وَرِعًا، قَنُوعًا، صائمَ الدَّهر، نوراني
الوَجْهِ، حَسنَ الأخلاق، رَزِينَ العقْل، مُتواضعًا، شديدًا في السُّنَّة، داعيًا إليها
حافظًا للقرآن. لَقَن خَلْقًا. وكان خَيَّاطًا يتقوَّتُ باليسير والباقي ينفقه على أخيه
وأولاد أخيه. وكان يَلْبس قميص خام ومِتْزَر خام خشنًا. ولم يكن بالمَوْصل
في آخر زمانه مثله. مات وشَيَّعه خَلْقٌ لا يُخْصون، رحمه الله تعالى.
٣٩٦- أبو الوَفَاء، شيخ أهل آمد في زمانه.
(١) وكان أبو جعفر بن هارون هذا من العلماء بطب العيون، وذكر ابن أبي أصيبعة أن له آثارًا
فاضلة في المداوات، وذكر لذلك مثالاً .
(٢) ينظر عيون الأنباء ٥٣٠ .
٦٦٣

قال الحافظ الرُّهاوي: تكرَّرتُ إليه مدَّةَ مقامي بآمد، فرأيتُ منه عَقْلاً
وافرًا وحِلْمًا وتواضعًا وسَخَاءً وتألُّفًا للناس على مذهب أحمد. وكان كثيرَ
الاحتمال للأذى في تألفِ الناس، مُفيدًا بكلامه، حافظًا للسانه، ذكيًّا، فَهمًا.
لم أرَ في تَردادي إليه سَقْطةً، ولا بلغتني عنه. ولقد فرحتُ برؤيتي له فَرَحًا
شديدًا، وأحببتُه كأشدِّ ما أحببتُ أحدًا من المشايخ. وكان له شيء من الدُّنيا
يتعيَّشُ منه، ويُوَاسي منه الفقراء، رحمه الله تعالى.
آخر الطبقة
٦٦٤

الطبقة التاسعة والخمسون
٥٨١ - ٥٩٠ هـ

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ ا
(الحوادث)
سنة إحدى وثمانين وخمس مئة
في المحرَّم وَقَعَ بناحية نَهْرِ المَلِك بَرَدٌ أَهْلَك الزَّرعِ وقَتَلَ المَوَاشي،
وُزنت منه بَرَدة فكانت رِطْلين بالعراقي.
وفي صَفَر انفصل رَضيُّ الدين أبو الخير القَزْويني عن تَدْريس النِّظامية،
ووَليَ أبو طالب المبارك بن المبارك الكَرْخي، وخُلع عليه من الدِّيوان العزيز
بطَرْحة .
وفي رجب أمر الخليفة بمنع الوُنَّاظ كلِّهم إلا ابن الجَوْزي.
ووُلد بالعَلْث(١) وَلَدٌ طول وجهه شِبْر وأربع أصابع، وله أُذُنٌ واحدة.
وفيها وردت الأخبار بأنَّ علي بن إسحاق المُلَّم خَطَبَ للناصر لدين الله
بمُعظم بلاد المغرب، وخالف بني عبدالمؤمن .
وفيها سار السُّلطان الملك الناصر قاصدًا المَوْصل، فلمَّا قَارَبَ حلب
تلقَّاه صاحبُها الملك العادل أخوه، ثم عَدَّى من الفُرات إلى حَرَّان وكانت إذ
ذاك لمظفَّر الدين ابن صاحب إرْبل، وقد بَذَلَ خطَّه بخمسين ألف دينار يوم
وصول السُّلطان إلى حَرَّان برَسْم النَّفَقة، فأقام السُّلطان أيامًا لم يَرَ للمال أثرًا،
فغضب على مظفَّر الدين واعتقله، ثم عفا عنه، وكتب له تشريفًا بعد أن تسلَّمَ
منه حَرَّان والرُّها، ثم أعادهما إليه في آخر العام ثم سار إلى المَوْصل فحاصرها
وضايقها، وبَذَلَت العامَّةُ نفوسهم في القتال بكل مُمكنٍ لكون بنت السُّلطان نور
الدين زَوجة صاحب المَوْصل عزّ الدين سارت إلى صلاح الدين قبل أن ينازل
البلد، وخضعت له تَطْلب الصُّلح والإحسان، فردَّها خائبةً، ثم إنه نَدِمَ، ورأى
أنه عاجز عن أخذ البلد عَنْوةً، وأتته الأخبار بوفاة شاه أرمن صاحب خِلاَط،
(١) قرية على دجلة بين عكبرا وسامراء.
٦٦٧

وبوفاة نور الدين محمد صاحب حِصْن كَيْفا وآمد، فتقسَّمَ فِكْرُه، واختلفت
آراء أمرائه، فلم يلبث أن جاءته رُسُل أمراء خِلاَط بتعجيل المسير إليهم،
فأسرع إليهم، وجعل على مُقدِّمته ابن عمِّه ناصر الدين محمد بن شِيركوه
ومظفَّر الدين كوكبري ابن صاحب إرْبل إلى خِلَاط، فوجد الأمير بكتمر مملوك
شاه أرمن قد تملَّكَ، فنزلا بقربها. ووصل الملك شمس الدين البهلوان محمد
ابن إلِكِز بجيش أذْرَبيجان ليأخذ خِلاَط فنزل أيضًا بقربها. وكان الوزير بها
مجد الدين عبد الله بن الموفَّق بن رشيق، فكاتَبَ البَهْلوان مرَّةً، وصلاح الدين
أخرى.
ووصل صلاح الدين مَيَّافارقين فنازلها وحاصرها، وكتب إلى مقدِّمته
يأمرهم بالعَوْد إليه فعادوا، وتسلَّمَها بالأمان، وسَلَّمها إلى مملوكه سُنْقُر في
جمادى الأولى، ورحل. فأتته رُسُلُ البهلوان بما فيه المصلحة وأن يرجع عن
خِلَاط، فأجاب: على أن ترحل أنت صلاح الدين أيضًا إلى بلادك.
ثم عاد صلاح الدين فنازل المَوْصل وضايقها، فخرج إليه جماعة من
النِّساء الأتابكيات فخضَعن له، فأكرمهنَّ وقَبِلَ شفاعتهنَّ. واستقرَّ الأمر على أن
يكون عماد الدين زنْكي بن مَوْدود بن زَنَّكي صاحب سِنجار هو المُتكلِّم،
فتوسّط بأن تكون بلاد شَهْرِزُور وحصونها للسُّلطان، وتُضرب السِّكَّة باسمه
والخُطبة له بالمَوْصل، وأن تكون المَوْصل لصاحبها، وأن يكون طَوْعه .
ثم رجع السُّلطان فتمرَّض بحَرَّان مُدَيدة، واستدام مَرَضُه، وتناثر شَعر
رأسه ولِخيته، وأرجفوا بموته. ثم عُوفي.
وتوفي ناصر الدين محمد ابن أسد الدين صاحب حِمْص، فأنعم بها
السُّلطان على ولده الملك المجاهد أسد الدين شِيركُوه بن محمد. وسِتُّه يومئذٍ
ثلاث عشرة سنة، وامتدَّت أيامه .
وأما أهل خِلاَط فإنهم اصطلحوا مع البَهْلوان محمد، وصاروا من حِزْبه،
وخطبوا له.
قال ابن الأثير(١): وفيها ابتداء الفتنة بين التُّركمان والأكراد بالمَوْصل
والجزيرة وشَهْرزور وأذربيجان والشام، وقُتل فيها من الخَلْق ما لا يُحصى،
(١) الكامل ٥١٩/١١ .
٦٦٨

ودامت عدة سنين، وتقطّعت الطُّرُق، وأُريقت الدِّماء، ونُهبت الأموال. وسببها
أن تُرْكُمانية تزوَّجت بتُرْكُماني، فاجتازوا بأكرادٍ، فطلبوا منهم وليمة العُرس،
فامتنعوا وجرى بينهم خصام آلَ إلى القتال، فقُتل الزَّوْج، فهاجت الفِتنة،
وقامت الثُّركمان على ساقٍ، وقتلوا جَمْعًا كثيرًا من الأكراد، فتناخت الأكراد
وقتلوا في التُّرْكُمان. وتفاقم الشَّرُّ ودام، إلى أن جَمَعَ الأمير مجاهد الدين
قايماز عنده جَمْعًا من رؤوس التُّرْكُمان والأكراد وأصلح بينهم، وأعطاهم
الخِلَع والثّاب، وأخرج عليهم مالاً جَمًّا، فانقطعت الفتنة.
وفيها استولى ابنُ غانية المُلثَّم على أكثر بلاد إفريقية، كما ذكرناه في سنة
ثمانين استطرادًا (١).
سنة اثنتين و ثمانين وخمس مئة
في أولها صَحَّ مِزاج السُّلطان بحَرَّان فرَحَل منها، ومعه ولداه الظَّاهر
والعزيز، وأخوه العادل، وقَدِمَ دمشق، فبَذَلَ العادل بلاد حَلَب لأولاد أخيه،
فشَكَرِه السُّلطان على ذلك، ومَلَّكها للسُّلطان الملك الظَّاهر غازي ولده. وسَيَّرَ
أخاه العادل إلى مصر، ونزل على نواحي البلقاء.
وقيل: إنَّ الملك الظاهر لمَّا تزوَّج بابنة العادل نزل له العادل عن حلب،
وقال: أنا ألْزم خدمة أخي وأقنع بما أعطاني. وسمح بهذا لأنَّ السُّلطان أخاه
كان في مَرَضه قد أوصى إليه على أولاده وممالكه، فأعجبه ذلك.
قال العماد الكاتب: أجمع المُنجِّمون في سنة اثنتين وثمانين في جميع
البلاد بخراب العالم في شعبان عند اجتماع الكواكب السِّتَّة في الميزان بطوفان
الرِّيح في سائر البُلْدان. وخوَّفوا بذلك مَن لا تَوَثُّق له باليقين، ولا إحكامٌ له في
الدين من ملوك الأعاجم والرُّوم، وأشعروهم من تأثيرات النُّجوم، فَشَرَعوا في
حَفْرِ مغارات في الثُّخُوم، وتعميقِ بيوتٍ في الأسراب وتوثيقها، وشدٍّ منافسها
على الرِّيح، ونقلوا إليها الماء والأزواد وانتقلوا إليها، وانتظروا الميعاد
وسُلطاننا متنمِّر من أباطيل المُنَجِّمين، مُوقنٌ أن قولهم مبنيٌّ على الكذب
(١) هذا من الكامل أيضًا ١١/ ٥١٩.
٦٦٩

والتَّخمين. فلمّا كانت الليلة التي عَيَّنها المُنجِّمون لمثل ريح عاد، ونحن
جلوسٌ عند السُّلطان، والشُّموع تُوقد، وما يتحرَّك لنا نسيم، ولم نَرَ ليلةً مثلَها
في ركودها. وعمل في ذلك جماعةٌ من الشُّعراء، فممَّا عَمِلَ أبو الغنائم محمد
ابن المُعلِّم فيما ورَّخه أبو المظفَّر السِّبط في ((المرآة)»(١) :
قل لأبي الفَضْلِ قَوْلَ مُعترفٍ مضَى جُمادى وجاءنا رَجَبُ
وما جرت زعزعا كما حكموا ولابَدَا كَوْكبٌ له ذَنَبُ
أبدَت أذّى في قِرَانها الشُّهُبُ
كلَّ، ولا أظلمت ذُكاء ولا
يقضي عليها من ليس يَعْلم ما يقضى عليه هذا هو العَجَبُ
قد بان كَذِبُ المُنجِّمين وفي أيِّ مَقالٍ قالوا وما كذَبوا؟
قال ابن البُزُوري: وفي يوم عاشوراء سنة اثنتين قال محمد بن القادسي :
فُرش الرَّمَادُ في الأسواق ببغداد، وعُلِّقت المُسُوح، وناح أهل الكَرْخ
والمختارة، وخرج النِّساء حاسِراتٍ يَلْطمن ويَنُحْنَ من باب البدرية إلى باب
حُجرة الخليفة، والخِلَع تُفاض عليهنَّ وعلى المُنشدين من الرجال. وتَعَدَّى
الأمر إلى سَبِّ الصَّحابة. وكان أهل الكَرْخِ يصيحون: ما بَقِيَ كتمان. وأقاموا
ابنة قرايا، وكان الظَّهير ابن العَطَّار قد كَبَسَ دار أبيها، وأخرج منها كُتُبًا في سبِّ
الصَّحابة، فقطع يديه ورِجْلَيه، ورَجَمته العَوَاتُ حتى مات، فقامت هذه المرأة
تحت منظرة الخليفة وحولها خلائق وهي تنشد أشعار العَوْني وتقول: العنوا
راكبةَ الجَمَل. وتذكر حديث الإفك. قال: وكلُّ ذلك منسوبٌ إلى أُستاذ الدَّار،
وهو مجد الدين ابن الصَّاحب، ثم قُتل بعد.
وفيها وَقَعَ الخلاف بين الفِرَنج - لعنهم الله - وتفرّقت کَلِمتُهم، وكان في
ذلك سَعَادة الإسلام.
وفيها غَدَرَ اللَّعين أرناط صاحب الكَرَك، فقطع الطَّريق على قافلةٍ كبيرةٍ
جاءت من مصر، فقَتَلَ وأَسَرَ، ثم شنَّ الغارات على المسلمين، ونَبَذَ العَهْد.
فتجهّزَ السُّلطان صلاح الدين لحَرْبه، وطلب العساكر من البلاد، ونَذَرَ إن ظَفِرَ
به لَیَقتلَنَّه، فأظفره الله به كما يأتي.
(١) مرآة الزمان ٣٨٧/٨.
٦٧٠

أنبأنا ابن البُزُوري في ((الذَّيل)»، قال: وقَدِمَ الحاجُ بغداد، وأخبروا أنَّ
سيف الإسلام طُغْتِكين أخا صلاح الدين خرج عن الطّاعة، وترك مراضي
الدِّيوان وأتباعه، واستولى على مكة وأهلها، وخَطَبَ لأخيه. وأخبروا أنَّ قُفل
الكعبة عَسُر عليهم فَتحُه، وازدحم الناس، فمات منهم أربعةٌ وثلاثون نفسًا.
قال: وفي هذه السَّنة كان المُنجِّمون يزعمون أنَّ في تاسع جُمادى
الآخرة تجتمع الكواكب الخمسة في بُرج الميزان، وهو القِران الخامس، ويدلُّ
ذلك على رياح شديدة، وهلاك مُدُنٍ كثيرة، فلم يُرَ إلا الخير. وأُخبرتُ أن
الهواء توقّف فيّ الشَّهر المذكور على أهل السَّوَاد، فلم يكن لهم ما يذرون به
الغَلَّةِ .
قال ابن البزوري: وكان الخليفة أمر بأخذ خطوط المُنجِّمين بذلك،
فكتبوا سوى قَيْماز، وكان حاذقًا بالنُّجوم، فإنه كتب: لا يتمُّ من ذلك شيء.
وخرج، فقال له مُنجِّم: ما هذا؟ قال: إنْ كان كما تزعمون من هلاك العالم من
يوافقني؟ وإنْ كان ما قلتُهُ حظيتُ عندهم.
وفيها عَقَدَ أمير المؤمنين الناصر على الجهة سُلْجوق خاتون بنت قَلِج
أرسلان بن مسعود صاحب بلاد الرُّوم بوكالةٍ من أخيها كيخسرُو، وسار
لإحضارها الحافظ يوسف بن أحمد شيخ الرِّباط الأرجواني.
وفيها جَرَت فتنةٌ عظيمةٌ بين الرافضة والسُّنَّة قُتل فيها خَلْقٌ كثيرٌ، وغلبوا
أهل الكَرْخِ.
وفيها وردت الأخبار بالفِتَن بأصبهان، والقتال والنَّهب، وإحراق
المساجد والمدارس وقَتل الأطفال، فقُتل أربعة آلاف نفس. وسببه اختلاف
المذاهب بعد وفاة زعيم أصبهان البهلوان. ثم مَلَكَ بعده أخوه فهذَّب البلاد.
وأمير الركب العراقي في هذه الأعوام طاشتكين المُستنجدي .
وفي هذه الأيام كَثُرَ الخُلف بديار بكر والجزيرة بين الأكراد والتُّركمان،
وبين الفِرَنج والرُّوم والأرمن، وبين الإسماعيلية والنَّبَوية. وقَتَلت الإسماعيلية
ابن نيسان والد الذي أخذ منه صلاح الدین آمد.
ووقع بين الكراكي واللَّقالق والإوَزِّ، وصارت تصطدم بالجوٍّ وتتساقط
جَرْحِى وكَسْرَى، وامتار الناس منها بأرض حَرَّان؛ قاله عبداللطيف.
٦٧١

سنة ثلاث وثمانين وخمس مئة
قال لنا ابن البُزُوري: أول يوم في السَّنة كان أول أيام الأسبوع، وأول
السَّنة الشمسية وأوَّل سِنيِّ الفُرس، والشمس والقَمَر في أول البروج. وكان
ذلك من الاتِّفاقات العجيبة.
قال: وفي صَفَر عُزل نقيب النُّقَباء ابن الروال بأبي القاسم قُثم بن طَلحة
الزَّينبي.
وفي ربيع الأول استُدعي مجد الدين هبة الله ابن الصَّاحب أُستاذ الدَّار
إلى باطن دار الخلافة، فقُتل بها، وكان قد ارتفعت رتبته وعلا شأنه، وتَوَلَّى
قَتْلَه ياقوتُ الناصري، وعُلِّق رأسُه على باب داره. ووَلَيَ أُستاذية الدَّارِ قِوَام
الدين أبو طالب يحيى بن زبادة (١)، نَقْلاً من حِجَابة الباب الثُّوبي وأُمرَ بِكَشْف
تَركة ابن الصَّاحب، فكانت ألف ألف دينار وخمسة وثلاثين ألف دينار، سوى
الأقمشة والآلات والأملاك. وتقدَّم أن لا يتعرَّض إلى ما يخصُّ أولاده من
أملاكهم التي باسمهم.
وقال سِبط ابن الجَوْزي(٢): قرَّبه الناصر تقريبًا زائدًا، فبَسَطَ يده في
الأموال، وسَفَكَ الدِّماء، وسَبَّ الصَّحابة ظاهرًا، وبَطَر بَطَرًا شديدًا، وعَزَمَ على
تَغْيير الذَّولة. إلى أن قال: وَثَبَ عليه في الدِّهْلیز یاقوت شِحْنة بغداد فقتله،
ووُجد له ما لم يُوجد في دور الخلفاء.
قلتُ: وتوفي النَّقيب عبدالملك بن علي بالسِّجْن، وكان خاصًا بابن
الصَّاحب والمُنفِّذَ لمراسمه، وأُخرج، فلمَّا رأت العامة تابوته رَمَوه، وشدُّوا في
رِجْله حَبْلاً وسَحَبوه، وأحرقوه بباب المراتب.
وفي شوال عُزل ابن الدَّاريج عن نيابة الوزارة، ثم نُفِّذ إلى جلال الدين
أبي المظفَّر عبيد الله بن يونس فوَليَ الأمر. ثم استُدعيَ يوم الجُمُعة إلى باب
الحُجرة، وخُلعَ عليه خِلْعة الوزارة الكاملة، ولُقِّب يومئذٍ جلال الدين، وقَبَّلَ
يد الخليفة وقال له: قلَّدتُكَ أمور الرَّعية فقَدِّم تقوى الله أمامك.
(١) بالباء الموحدة، ستأتي ترجمته في وفيات سنة ٥٩٤ .
(٢) أخلت النسخة المطبوعة من مرآة الزمان بهذا الخبر، إذ سقط من الكتاب قطعة من حوادث
٥٨٣ هـ حتى ٥٨٥ هـ.
٦٧٢

وقد كان ابن يونس يشهد عند قاضي القضاة أبي الحسن ابن الدَّامَغاني،
وتوقَّفَ مرَّةً في سماع قوله. فلمَّا كان هذا اليوم كان قاضي القضاة ممَّن يمشي
بين يديه. فقيل: إنَّه قال: لعن الله طول العُمُر. ثم مات بعد أيام في ذي
الحجّة، فوَليَ قضاءَ القُضاة بالعراق أبو طالب علي بن علي ابن البُخاري.
وفيها أرسل السُّلطان طُغْرُل بن أرسلان بن طُغْرُل بن محمد السُّلجوقي
إلى الدِّيوان يطلب أن تُعمر دار المَمْلكة ليجيء وينزلها، وأن يُسَمَّى في
الخُطبة. فأمر الخليفة فهُدِمَت دار المَمْلكة وأُعيد رسوله بغير جواب. وكان
مُستضعَف المُلْك مع البهلوان ليس له غير الاسم. فلمَّا مات البهلوان قَوِيَت
نفسه وعسكر، وانضمَّ إليه أمراء.
وحَّ بالرَّكب العراقي مُجير الدين طاشتِكِين على عادته. وحجَّ من
الشَّام الأمير شمس الدين محمد بن عبدالملك، المعروف بابن المُقدَّم،
فضرب كوساته، وتقدَّم من عَرَفَات قبل أصحاب الخليفة، فأرسل طاشتِكِين
يلومه، فلم يفكِّر فيه، فرَكِبَ طاشتِكِين في أجناده إلى قتاله، وتَبِعَه خَلْقٌ من
ركب العراق، ووقع الحَرْب، وقُتل من ركب الشام خَلْقٌ. ثم أُسِرَ ابن
المُقدَّم، وجيء به إلى خَيْمة طاشتِكِين، وخِيطت جراحاته، ثم مات بمِنَّى ودُفن
بها .
قلتُ: وقد كان من كبار الأمراء التُّورية ووَليَ نيابة دمشق للسُّلطان صلاح
الدين وهو واقف المدرسة المُقدَّمية .
سنة الفتوحات
وفيها كتب السُّلطان صلاح الدين إلى الأقطار يستدعي الأجناد إلى
الجهاد. وبَرَزَ في أول السَّنة، ونزل على أرض بُصْرى مرتقبًا مجيء الحاجِّ
ليخفِرَهم من الفِرَنجِ. وسار إلى الكَرَك والشَّوْبك، فأحرق ضياعهما، وأقام
هناك شهرين. واجتمعت الجيوش برأس الماء عند ولده الأفضل، فجَهَّز بَعْثًا
فأغاروا على طَبَرِيَّة. وقَدِمَ من الشَّرْق مظفَّر الدين صاحب إرْبل بالعساكر،
وقَدِمَ بَدْر الدين دلدرم على عسكر حلب، وقايماز النَّجْمي على عسكر دمشق،
فساروا مُدلجين حتى صَبَّحُوا صَقُّورية، فخرجت الفِرَنج فنَصَر الله المسلمين،
تاريخ الإسلام ١٢/ م٤٣
٦٧٣

وقُتل من الفِرَنجِ خَلْقٌ من الإسْبِتار، وأسروا خَلْقًا.
وأسرع السلطان حتى نزل بعشترا، وعرض العساكر وأنفق فيهم، وسار
بهم وقد ملؤوا الفضاء فنزل الأُرْدُنَّ، وترك مُعظم العساكر. وسار إلى طَبَرية
فأخذها عَنْوةً، فتأهَّبت الفِرَنجِ وحَشَدوا، وجاؤوا من كل فَجِّ وأقبلوا، فرَب
عساکره في مقابلتهم وصابحَهم وبایتهم .
وكان المسلمون اثني عشر ألف فارس وخَلْقٍ من الرَّجَّالة. وقيل: كان
الفِرَنج ثمانين ألفًا ما بين فارسٍ وراجلٍ. والتجؤوا إلى جبل حِطِّين، فأحاط
المسلمون به من كل جانب، فهرب القَومُص لَعَنه الله، ووقع القتال، فكانت
الدائرة على الفِرَنج، وأُسر خَلْقٌ منهم الملك كي، وأخوه جفري، وصاحب
جَبَيل، وهَنْفري بن هَنْفري، والإبْرِنس أرناط صاحب الكَرَك، وابن صاحب
إسكندرونة، وصاحب مَرَقیة.
وما أحلى قول العماد الكاتب(١): فَمَن شاهَدَ القَتْلَى يومئذٍ قال: ما هناك
أسيرٌ، ومن عايَنَ الأسرى قال: ما هناك قتيل.
قلتُ: ولا عَهد للإسلام بالشام بمثل هذه الوَقعة من زمن الصَّحابة. فقَتَلَ
السُّلطانُ صاحبَ الكَرَك بيده، لأنه تكلّم بما أغضب صلاح الدين، فتنمَّرَ وقام
إليه فطيَّر رأسه، فأُرعب الباقون .
وقال ابن شَدَّاد: بل كان السُّلطان نَذَرَ أن يقتله لأنه سار ليملك الحجاز،
وغَدَرَ وأخذ قَفْلاً كبيرًا، وهو الذي كان مُقَدَّمَ الفِرَنجِ نَوْبةَ الرَّمْلة لمَّا كَبَسوا
السلطان صلاح الدين وكَسَروه سنة ثلاثٍ وسبعين. وكان أرناط فارسَ الفِرَنج
في زمانه، وقد وقع في أسر المَلِك نور الدين، وحَبَسَه مدةً بقَلْعة حلب. فلمّا
مات نور الدين وذهب ابنه إلى حلب وقصده صلاح الدين غير مرةٍ ليأخذ منه
حلب أطلق أرناط وجماعةً من كبار الفِرَنج ليُعِينوه على صلاح الدين. ثم قَيَّدَ
جميع الأسارى وحُملوا إلى الحُصُون، وأخذ السُّلطان يومئذٍ منهم صليب
الصَّلَبُوت. وكانت وَقْعة حِطِّين هذه في نصف ربيع الآخر، ولم يَنجُ فيها من
الفِرَنج إلا القليل، وهي من أعظم الفتح في الإسلام. وقيل: كان الفِرَنجُ
أربعين ألفًا. وأُبيع فيها الأسير بدمشق بدينار، فلله المِنَّة .
(١) نقله أبو شامة في الروضتين ٧٨/٢ ومنه نقل المصنف.
٦٧٤

قال أبو المظفَّر ابن الجَوْزي(١): خَيَّم السُّلطان على ساحل البُحيرة في
اثني عشر ألفًا من الفُرسان سوى الرَّجَّالة، وخرج الفِرَنج من عَكًّا، فلم يَدَعوا
بها مُحتلمًا. فنزلوا صَقُّورية، وتقدَّم السُّلطان إلى طَبَرية، فنصب عليها
المَجَانيق، وافتتحها في ربيع الآخر، وتقدَّمت الفِرَنج فنزلوا لوبية من الغَدِ،
ومَلَكَ المسلمون عليهم الماء، وكان يومًا حارًّا، والتهب الغَوْر عليهم، وأضرم
مظفَّر الدين النَّارَ في الزُّروع، وأحاط بهم المسلمون طول اللَّيل، فلمَّا طلع
الفجر قاتلوا إلى الظُّهر، وصَعِدوا إلى تَلِّ حِطِّين والنار تُضرم حولهم، وساق
القُومص على حَمِيَّةٍ وحَرَقٍ، وصعد إلى صَفَد، وعملت السُّيُّوف في الفِرَنج،
وأُسرَ من الملوك جماعة، وجيء بصليب الصَّلَبُوت إلى السُّلطان، وهو مُرصَّع
بالجَوَاهر واليواقيت في غلافٍ من ذهب. فأسَرَ مَلِك الفِرَنج درباسٌ الكُرديُّ،
وأسَرَ إبرنس الكَرَك إبراهيمُ غلام المهراني.
قال: واستدعاهم السُّلطان، فجلس الملك عن يمينه، ويليه إبرنس
الكَرَك، فنظر السُّلطان إلى الملك وهو يَلْهث عَطَشًا، فأمر له بماءٍ وثَلج،
فشرب وسَقَى البِرِنس، فقال السُّلطان: ما أذنتُ لك في سَقيه. والتفتَ إلى
البِرِنس فقال: يا ملعون يا غَدَّار، حَلَفتَ ونكثتَ. وجَعَلَ يُعدِّد عليه غَدْراته. ثم
قام إليه فضربه حلَّ كَتِفَه، وتمَّمه المماليك، فطار عَفْل الملك، فأمَّنه السُّلطان
· وقال: هذا كَلْبٌ غَدَرَ غير مرة.
إلى أن قال: وأُبيعت الأُسارى بثمنٍ بَخْسٍ، حتى باع فقيرٌ أسيرًا بنَعْل،
فقيل له في ذلك، فقال: أردتُ إهانتهم. ودخلَ القاضي ابن أبي عَصْرون
دمشقَ وصليب الصَّلَبُوت مُنكَّسًا بين يديه، وعاد السُّلطان إلى طَبَرية، وآمنَ
صاحبتَها، فخرجت بأموالها إلى عَكًا. وأمَّا القومُص فسار من صَفَد إلى
طرابُلُس فمات بها، فقيل: مات من جراحاتٍ أصابته، وقيل: إنَّ امرأته
سَمَّته .
قال القاضي جمال الدين ابن واصل(٢): اجتمعت الجحافل على رأس
الماء عند الملك الأفضل ابن السُّلطان، وتأخرت العساكر الحلبية لانشغالها
(١) مرآة الزمان ٣٩٣/٨ - ٣٩٤.
(٢) مفرج الكروب ١٨٦/٢ فما بعد.
٦٧٥

بفِرَنج أنطاكية وبالأرمن، فدخل الملك المظفَّر صاحب حَمَاة فأخمد ثائرتهم،
ثم ردَّ إلى حَمَاة ومعه فخر الدين مسعود ابن الزَّعْفَراني على عسكر المَوْصل
وعسكر مارِدين، فلَحِقوا السُّلطان بعشترا ثم ساروا، وأحاطت جيوشه ببحيرة
طَبَرية عند قرية الصِّنَّبْرة(١)، ثم نازل طَبَرية فافتتحها في ساعةٍ من نهار.
وحَكَى ابن الأثير (٢) عمَّن أخبره عن الملك الأفضل، قال: كنتُ إلى
جانب والدي السُّلطان في مُصافٍّ حِطِّين، وهو أول مُصافٍّ شاهدتُه، فلمّا صار
ملك الفِرَنج على الثّل حملوا حَمْلةً مُنكَرَةً علينا، حتى ألحقوا المسلمين
بوالدي، فنظرتُ إليه وقد اربَدَّ لونُه، وأمسك بلِحْيته، وتقدَّم وهو يصيح:
كذب الشَّيطان. فعاد المسلمون على الفِرَنج، فرجعوا إلى الثَّلِّ. فلمَّا رأيتُ
ذلك صِحتُ: هزمناهم، هزمناهم. فعاد الفِرَنج وحملوا حَمْلةً ثانيةً حتى
ألحقوا المسلمين بوالدي، وفَعَلَ مثل ما فَعَلَ أولاً، وعَطَفَ المسلمون عليهم
وألحقوهم بالثَّلِّ، فصِحتُ أنا: هزمناهم. فقال والدي: اسكُت، ما نهزمهم
حتى تسقط تلك الخَيْمة، يعني خَيْمة الملك. قال: فهو يقول لي وإذا الخَيْمة
قد سقطت، فنزل أبي وسَجَدَ وشكرَ الله، وبكى من فَرَحه. وكان سَبَب سقوطها
أنَّهم عَطَشوا، وكانوا يَرْجون بالحَمَلات الخلاص، فلمَّا لم يجدوه نزلوا عن
خَيْلهم وجلسوا، فصَعِدَ المسلمون إليهم، وألقوا خَيْمة مَلِكهم، وأسروهم
كلَّهم.
قال القاضي بهاء الدين ابن شَدَّاد(٣): حدثني من أثق به أنه لَقِيَ بحَوْران
شخصًا واحدًا ومعه طنب خَيْمة، وفيه نَيٌِّ وثلاثون أسيرًا يَجُرُّهم وحده
لخذلانٍ وقع علیھم.
ومن إنشاءٍ عِمادي إلى الخليفة: ((الحمد لله الذي أعادَ الإسلام جديدًا ..
إلى أن قال: ونُوردُ البُشرى بما أنعمَ اللهُ من يوم الخميس الثالث والعشرين من
ربيع الآخر إلى الخميس الآخر، تلك سَبع ليالٍ وثمانية أيامٍ حُسُومًا، فيوم
الخميس فُتحت طَبَرية، ويوم الجُمُعة والسَّبت نُوزل الفِرَنج فكُسروا كَسْرةً ما
(١) قيدها ياقوت في معجم البلدان فقال: بالكسر ثم الفتح والتشديد ثم سكون الباء الموحدة
وراء (معجم البلدان ٤٢٥/٣ ط. بيروت).
(٢) الكامل ٥٣٦/١١ - ٥٣٧، ولعل المصنف نقله من مفرج الكروب ١٩١/٢.
(٣) هذا نقله من مفرج الكروب أيضًا ٢/ ١٩٢.
٦٧٦

لهم بعدها قائمة. وفي يوم الخميس سَلْخ الشَّهر فُتحت عَكَّا بالأمان، ورُفعت
بها أعلام الإيمان، وهي أُمُّ البلاد، وأخت إرَمَ ذات العماد. إلى أن قال: فأما
القَتْلى والأسرى فإنها تزيد على ثلاثين ألفًا، يعني في وَقْعة حِطِّين وما حولها
في هذا الأسبوع)).
وقد ذكر العماد أيضًا أنه خُلِّص في هذه السَّنة من أسر الكُفر أكثر من
عشرين ألف أسير، ووقع في الأسر من الكُفَّار مئة ألف أسير. هكذا قال.
ثم سار الشُّلطان إلى عَكّا فوصلها بعد خمسة أيام من الوَقْعة، فأخذها
بالأمان، ومَلَكها بلا مَشَقَّة. وبلغ السُّلطانَ الملك العادل هذا النَّصرُ العظيمُ،
فخرج من مصر بالجيوش، فمرَّ بيافا ومجدل فافتتحهما عَنْوةً، وغَنِمَ من
الأموال ما لا يُوصف. ثم فتح الله النَّاصرة وصقُورية على يد مظفَّر الدين
صاحب إربل عَنْوةً، وفُتحت فَيْسارية على يد دلدرم وغَرْس الدين قليج عَنْوةً،
ونابُلُس على يد حسام الدين لاجين بالأمان بعد قتالٍ شديدٍ، ثم حِصْن الفولة
بالأمان .
ثم نازل السلطان تِبْنين فافتتحها، ثم صَيْدا فافتتحها، ثم بيروت، ثم
جُبَيل، ثم سار إلى عَسْقلان فحاصرها وضَيَّقَ عليها بالقتال والمجانيق، ثم
أخذها بالأمان. وأخذ الرَّملة والدَّاروم وغَزَّة وبيت جبريل والنَّطْرُون بالأمان.
ثم سار مؤيّدًا منصورًا إلى البيت المُقدَّس، فنزل عليه من غربيّه في
نصف رجب، وكان بها يومئذٍ ستون ألف مقاتل. فقاتلهم المسلمون أشدَّ قتال،
ثم انتقل السُّلطان بعد خمسٍ إلى الجانب الشمالي من البلد ونَصَبَ المجانيق
ووقع الجدُّ، فطلب الفِرَنج الأمان، فأمَّنهم بعد تَمنُّع، وقرَّرَ على كل رجلٍ
عشرة دنانير، وعلى كل امرأةٍ خمسة دنانير، وعلى كل صغير أو صغيرةٍ دينارين
وإنَّ من عَجَزَ أُمهل أربعين يومًا، ثم يُسْترَقُّ. فأجابوا إلى ذلك وجُمعَ المال
فكان سبع مئة ألف دينار، فقسمه في الجيش. وبَقِيَ ثلاثون ألفًا ليس لهم
فكاك، فاستعبدهم وفَرَّقهم. وخلص من أُسارى المسلمين عشرين ألفًا. وخرج
منها البَتْرَك بأموالٍ لا تُحْصى، فأراد الأمراء الغَدْر به فمنعهم وخَفَرَه، وقال:
الوَفَاء خير من الغَدْر، وهذا البَتْرك عندهم أعظم رُتبةً من ملك الفِرَنج.
وكان هرب إلى بيت المقدس من الكبار صاحب الرَّملة ياليان بن
٦٧٧

بادران(١)، وهو دون ملك الفِرَنج في الرُّتبة بقليل، وخَلْقٌ كثير من كبار
فرسانهم. ورأوا أنَّ المَوْتَ أهونُ عليهم من أخذ المسلمين القُدْس من أيديهم
إذ هو بيت عباداتهم الأعظم، ومحلُّ تجُّد النَّاسوت فيما زعموا باللَّهوت -
تعالى الله وتقدَّس عما يقولون عُلُوًّا كبيرًا - وبه قُمامة التي تُدعى القيامة محل
ضلالتهم وقبلة جهالتهم، زعموا أن المسيح دُفن بعد الصَّلْب بها ثلاثة أيام، ثم
قام من القَبْر، وصَعِدَ إلى السَّماء، فبالَغُوا في تحصينه بكلِّ طريق. فنازله
السُّلطان، وما وَجَدَ عليه مَوْضعًا أقرب إلا من جهة الشمال فنزل عليه، واشتدَّ
الحَرْب، وبقيت الفُرسان تخرج من المدينة وتحمل وتُقاتل أشدَّ القتال وأقواه،
ثم إن المسلمين حَمَلوا عليهم يومًا حتى أدخلوهم القُدْس، ولصقوا بالخندق،
ثم أخذوا في الثُّقوب، وتتابع الرَّمي بالمجانيق من الفريقين، ووقع الجدُّ،
واجتمعت الفِرَنج، فاتَّفقوا على طلب الأمان، فامتنع السُّلطان، أيده الله، من
إجابتهم، فقال: لا أفعل فيه إلا كما فعلتم بأهله حين مَلَكْتموه من نحو تسعين
سنة. فرِجعت رُسُلهم خائبين. فخرج صاحب الرّمَلة ياليان بنفسه فطلب الأمان
فلم يُعْطَ، فاستعطف السُّلطان فامتنع، فلمَّا أيس قال: نحن خَلْقٌ كثيرٌ وإنما
يفترون عن القتال رجاء الأمان ورَغْبَةً في الحياة، فإذا رأينا أن المَوْت لابدَّ منه
لَنَقتلنَّ أبناءنا ونساءنا، ونَحرق أموالنا، ولا ندعُ لكم شيئًا، فإذا فرغنا أخربنا
الصَّخْرة والأقصى، وقتلنا الأسرى، وهم خمسة آلاف مسلم، وقتلنا الدَّوابَ،
ثم خرجنا إليكم وقاتلنا قتال الموت، فلا يُقتل منا رجل حتى يقتل رَجُلاً
ونمُوت أعزَّاء. فاستشار حينئذٍ السُّلطان أمراءه فقالوا: المَصْلحة الأمان.
وقالوا: نحسب أنهم أُسارى بأيدينا فنبيعهم نفوسهم. فأمَّنهم بشَرْط أن يَزِنَ كل
رجلٍ عشرة دنانير، وكل امرأةٍ خمسة دنانير، والطّفل دينارين.
ثم رُفعت أعلام الإسلام على السُّور، ورتَب السُّلطان أُمَناءه على أبواب
القُدْس ليأخذوا المال ممَّن يخرج، وكان بها ستون ألفًا سوى النِّساء والوٍلْدان.
ووزن ياليان من عنده عن ثمانية عشر ألف رجل. ثم بعد ذلك أسر منها عشرة
آلاف نفس فقراء لم يقدروا على شراء أنفسهم.
ثم إن جماعةً من الأمراء اذَّعوا أنَّ لهم في القُدْسِ رعيَّةً، فكان يطلقهم.
(١) هكذا في النسخ، وفي الروضتين ٩٥/٢ ومفرج الكروب ٢١٤/٢: ((باليان بن بارزان)).
٦٧٨

كمظفَّر الدين ابن صاحب إرْبل اذَّعى أن جماعةً من أهل الرُّهَا بالقُدس وعِدَّتهم
ألف نفس. وكذلك صاحب البيرة ادَّعى أن فيها خمس مئة نفس من أهل
البيرة .
وكان على رأس قُبة الصَّخْرة صليبٌ كبيرٌ مذهبٌ، فطلع المسلمون
ورموه، وضَجَّ الخَلْقُ ضَّةً عظيمةً إلى الغاية.
وكان المسجد الأقصى مشغولاً بالخنازير والخَبَث والأبنية، بَنَت الدَّاويةٌ
في غربيِّه مساكن وفيها المراحيض، وسَدُّوا المحراب، فبادر المسلمون إلى
تنظيفه وتطهيره، وبَسَطوا فيه البُسُط الفاخرة، وعُلِّقت القناديل، وخَطَبَ به
الناسَ يوم الجُمُعة، وهو رابع شعبان، القاضي محيي الدين ابن الزَّكي.
وتسامَعَ الناس، وتسارَعوا من كل فَجِّ وقُرب وبُعدٍ لِلزِّيارة، وازدحموا يوم هذه
الجُمُعة حتى فاتوا الإحصاء. وحضر السُّلطان فصلَّى بقرب الصَّخْرة، وفَرِحَ إذ
جعله الله تعالى في هذا الفتح ثانيًا لعُمرٍ رضي الله عنه، فاستفتح القاضي خُطْبته
بقوله تعالى: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ ﴾﴾ [الأنعام]، ثم
أول الأنعام، وآخر سُبحان، وأول الكَهْف، وحَمْدَلة النَّمل، وأول سبأ،
وفاطر، ثم قال: الحَمد لله مُعِزِّ الإسلام بنصره .. إلى آخرها. ثم خَطَبَ ثلاث
جُمع بعدها من إنشائه.
وقد كان الملك نور الدين أنشأ منبرًا برسم الأقصى قبل فتح بيت
المقدس طَمَعًا في أن يفتتحهُ، ولم تزل نفسه تحدِّثه بفَتْحه، وكان بحلب نَجَّار
فائق الصَّنعة، فعمل لنور لدين هذا المِنبر على أحسن نَعْتٍ وأجمله وأبدعه،
فاحترق جامع حَلَب، فنُصب فيه لمَّا جُدِّد المنبر المذكور، ثم عمل النَّجَّار
المذكور ويُعرف بالأختريني؛ نسبةً إلى قرية أخترين، مِحْرابًا من نسبة ذلك
المنبر، فلمَّا افتتح السُّلطان بيت المقدس أمر بنَقْل المِنبر فَنُصبَ إلى جانب
مِحْراب الأقصى، فلله الحَمد على هذه النِّعَم التي لا تُحصى .
وقد كانت الفِرَنج بنوا على الصَّخرة كنيسةً، وغَيَّروا أوضاعها وصوروها،
ونصبوا مَذْبحًا، وعملوا على مَوْضع القَدَم ◌ُبةً لطيفةً مذهبةً بأعمدة رُخَام،
فخُربت تلك الأبنية عن الصَّخرة وأُبرِزت. وكانت الفِرَنج قد قَطَعوا منها قِطَعًا،
وحملوها إلى القُسْطَنطينية وإلى صِقِلُّية، حتى قيل: كانوا يبيعونها بوزنها ذهبًا .
٦٧٩

وحضر الملك المُظفَّر تقي الدين فحمل إليها أحمالاً من ماء الوَرْد فغسلها بها،
وكَنَسَ ساحاتها بيده، وغسل جدرانها، ثم بَخَّرها بالطِّيب. وحضر الملك
الأفضل ابن السُّلطان ففرش فيها بُسُطًا نفيسة ورتَب الأئمة والمُؤذِّنين والقُوَّام.
ثم عيَّنَ السُّلطان كنيسة صندجية وصَيَّرها مدرسةً للشَّافعية ووَقَفَ عليها وُقوفًا
جليلة. وقرّر دار البترك الأعظم رباطًا للفقراء، ومحا آثار النَّصرانية، وأمر
بإغلاق كنيسة قُمامة، ومنع النَّصارى من ريادتها. ثم تقرَّر بعدُ على من زارها
ضریبةً تُؤخذ منه.
ولمَّا افتتح عُمر بيت المقدس أقرَّ هذه الكنيسة ولم يَهْدمها، ولهذا أبقاها
السُّلطان .
وللنَّسَّابة محمد بن أسعد الجواني نقيب الأشراف بمصر :
أتُرَى منامًا ما بعيني أُبصرُ القُدْس يُفتح والنَّصارى تُكسر؟
وقُمامة قُمَّت من الرِّجس الذي بزواله وزوالها يتطهّرُ
ومليكهم في القَيْد مصفودٌ ولم يرَ قبل ذاك لهم مليك يُؤسرُ
وعَدَ الرسولُ فسَبِّحوا واستغفروا
قد جاء نَصر الله والفتحُ الذي
يا يوسف الصِّدِّيق أنتَ بفتحها فاروقها عُمر الإمام الأطهرُ
قال أبو المظفَّر ابنِ الجَوْزي(١): ولمَّا افتتح السُّلطان عَكَّا راح إلى تِبنين
فتسلَّمها بالأمان، وتَسلَّم صَيْدا، وبيروت، وجُبيل، وغَزَّة، والدَّاروم،
والرَّملة، وبينا، وبيت جبريل، وبلد الخليل، ونازل عسقلان فقُتل عليها حسام
الدين ابن المهراني ثم تسلَّمها، فكان مدَّة استيلاء الفِرَنج عليها خمسًا وثلاثين
سنة. إلى أن قال: مَلَكَ السُّلطان هذه الأماكن في أربعين يومًا أولها ثامن
عشري جمادى الأولى، ثم نازل القُدس. إلى أن قال: وخلص من الأسر بعَكًا
أربعة آلاف، ومن القُدْس ثلاثة آلاف، فلله الحمد .
وقال ابن الأثير (٢): سار الشُّلطان عن بيروت نحو عَسْقلان، واجتمع
بأخيه العادل سيف الدين، ونازلوها في سادس جمادى الآخرة، وزحفوا عليها
مرةً بعد أُخرى، وأُخذت بالأمان في سَلْخ الشهر وسار أهلها إلى بيت
(١) مرآة الزمان ٣٩٦/٨ فما بعد.
(٢) الكامل ٥٤٥/١١ فما بعد.
٦٨٠